← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 8191–8230 · переход к 8196.

стр. 8191

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو: ما عِشْتَ. أو: مُدَّةَ حَياتِكَ. أو: ما حَيِيتَ. أو نحوَ هذا. سُمِّيَتْ عُمْرَى لِتَقْيِيدِ ما بالعُمُرِ. والرُّقْبَى أنَّ يقولَ: أرْقَبْتُكَ هذه الدّارَ. أو: هي لك حَياتَكَ، على أنَّكَ إن مِتَّ قبلِي عادت إلَيَّ، وإن مِت قبلَك، فهي لك ولعَقِبِك. فكأنَّه يقولُ: هي لآخِرِنا مَوْتًا. ولذلك سُمِّيَتْ رُقْبَى؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَرْقُبُ مَوْتَ صاحِبِه. وهما جائِزان في قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وحُكِيَ عن بعضِهم أنَّها لا تَصِحُّ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «لَا تُعْمِرُوا وَلَا تُرْقِبُوا» (١). ولَنا، ما روَى جابِرٌ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «العُمْرَى جَائِزَةٌ لِأهْلِها، والرُّقْبَى جَائِزَة لِأهْلِها». رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ (٢). وقال: حديثٌ حَسَنٌ. فأمّا النَّهْي فإنَّما وَرَد على وَجْهِ الإِعْلامِ لهم إنَّكم إن أعْمَرْتُمْ أو أرْقَبْتُم يَعُدْ للمُعْمَر والمُرْقَبِ، ولم يَعُدْ إليكم منه شيءٌ. وسِياقُ الحديثِ يَدُلُّ عليه، فإنَّه قال: «فمَنْ أعْمَرَ عُمْرَى، فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَها حَيًّا ومَيِّتًا وعَقِبِهِ». ولو أُرِيدَ به حَقِيقةُ النَّهْي، لم يَمْنَعْ ذلك صِحَّتَها، فإنَّ النَّهْيَ إنَّما يَمْنَعُ صِحَّةَ ما يُفِيدُ المَنْهِيُّ

стр. 8192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عنه فائِدَةً، أمّا إذا كان صِحّةُ المَنْهِيِّ عنه (١) ضَرَرًا على مُرْتَكِبِه، لم يَمْنَعْ صِحَّتَه، كالطَّلاقِ في زَمَنِ الحَيضِ، وصِحّةُ العُمْرَى ضَرَر على المُعْمِرِ، فإنَّ مِلْكَه يَزُولُ بغيرِ عِوَضٍ. إذا ثَبَت ذلك، فإنَّ العُمْرَى تَنْقُلُ المِلْكَ إلى المُعْمَرِ. وبهذا قال جابِرُ بنُ عبدِ الله، وابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ، وشُرَيحٌ، ومجاهِدٌ، وطاوُسٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ وأصحابُ الرَّأْي. ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ. وقال مالِكٌ، واللَّيثُ: العُمْرَى تَمْلِيكُ المَنافِعِ، لا تُمْلَكُ بها رَقَبَةُ المُعْمِرِ بحالٍ، ويكونُ للمُعْمَرِ السُّكْنَى، فإذا (٢) مات، عادت إلى المُعْمِرِ. وإن قال: له ولعَقِبِه. كان سُكْناها لهم، فإذا انْقَرَضُوا عادت إلى المُعْمِرِ. واحْتَجُّوا (٣) بما روَى يَحْيَى بنُ سعيدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسِمِ، قال: سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَسْألُ القاسِمَ بنَ محمدٍ عن العُمْرَى،

стр. 8193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما يقولُ الناسُ فيها؟ فقال القاسِمُ: ما أدْرَكْتُ النَّاسَ إلَّا على شُروطِهِم في أمْوالِهم، وما أعْطَوْا. وقال إبراهيمُ الحَرْبِيُّ، عن ابنِ الأعْرابِيِّ: لم يَخْتَلِفِ العَرَبُ في العُمْرَى، والرُّقْبَى، والإِفْقارِ (١)، والمِنْحَةِ (٢)، والعارِيَّةِ، والسُّكْنَى، والإِطْراقِ، أنَّها على مِلْكِ أرْبابِها، ومَنافِعُها لمَن جُعِلَتْ له. ولأنَّ التَّمْلِيكَ لا يَتَأقَّتُ، كما لو باعَه إلى مُدَّةٍ، فإذا كان لا يَتأقَّتُ حُمِل قَوْلُه على تَمْلِيكِ المَنافِعِ؛ لأنَّه يَصِحُّ تَوْقِيتُه. ولنا، ما روَى جابِرٌ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «أمْسِكُوا عَلَيكُم أمْوالكُم ولَا تُفْسِدُوهَا، فإنَّه مَنْ أعْمَرَ عُمْرَى فهِيَ لِلَّذِي أعْمِرَهَا حَيًّا ومَيِّتًا ولِعَقِبِه». رَواه مسلمٌ (٣). وفي لَفْظٍ: قَضَى رسولُ اللهِ ﷺ بالعُمْرَى لمَن وُهِبَتْ له. مُتَّفَقٌ عليه (٤). وروَى ابنُ ماجه (٥)، عن ابنِ عُمَرَ، قال: قال

стр. 8194

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رسولُ اللهِ ﷺ : «لَا رُقْبَى، فَمَنْ أرْقِبَ. شَيئًا فَهُوَ لَهُ حَيَاتَه وَمَوْتَه». وعن زيدِ بنِ ثابتٍ أنَّ النبيَّ ﷺ جَعَلَ العمْرَى للوارِثِ (١). وقد روَى مالِكٌ حديثَ العُمْرَى في «مُوَطَّئِه» (٢). وهو صحيحٌ رَواه جابِرٌ، وابن عُمَرَ، وابن عباسٍ (٣)، ومُعاويةُ، وزيدُ بن ثابتٍ، وأبو هُرَيرَةَ (٤). وقولُ القاسِمِ لا يُقْبَل في مُخالفَةِ مَن سَمَّينا مِن الصحابةِ والتّابِعِين، فكيف يُقْبَلُ في مُخالفَةِ سَيِّدِ المُرْسَلِين! ولا يَصِحُّ دَعْوَى إجْماعِ أهْلِ المَدِينَةِ، لكَثْرَةِ مَن قال بها منهم، وقَضَى بها طارِقٌ (٥) بالمَدِينةِ بأمْرِ عبدِ المَلِكِ بنِ مَرْوانَ. وقولُ ابنِ الأعْرابِيِّ: إنَّها عندَ العَرَبِ تَمْلِيكُ المَنافِعِ. لا يَضرُّ إذا نَقَلَها الشَّرْعُ إلى تَمْلِيكِ الرقَبَةِ، كما نَقَل الصلاةَ مِن الدُّعاءِ إلى الأفْعالِ المَنْظومَةِ، ونَقَل الظِّهارَ والإيلاءَ مِن الطَّلاقِ إلى أحْكامٍ مَخْصوصَةٍ.

стр. 8195

وَإِنْ شَرَطَ رَجُوعَهَا إلَى الْمُعْمِرِ عِنْدَ مَوْتِهِ، أَوْ قَال: هِيَ لِآخِرِنَا مَوْتًا. صَحَّ الشَّرْطُ. وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ، وَتَكُونُ لِلْمُعْمَرِ وَلِوَرَثَتِهِ. ــ قَوْلُهم: إنَّ التَّمْلِيكَ لا يتَأقَّت. قلْنا: فلذلك أبْطَلَ الشَّرْعُ تَأْقِيتَها، وجَعَلَها تَمْلِيكًا مُطْلَقًا. فإن قال في العُمْرَى: إنَّها للمُعْمَرِ وعَقِبِه. كان تَوْكِيدًا لحُكْمِها، وتكون للمُعْمَرِ ولوَرَثَتِه. وهو قول جَمِيعِ القائِلِين بها. ٢٦١٥ - مسألة: (وإن شَرَط رُجُوعَها إلى المُعْمِرِ عندَ مَوْتِه، أو قال: هي لآخِرِنا مَوْتًا. صَحَّ الشَّرْط. وعنه، لا يَصِحُّ، وتكون للمُعْمَرِ ولِوَرَثَتِه) مِن بعدِه. أمّا إذا شَرَط رُجُوعَها إلى المُعْمِرِ عندَ مَوْتِه، أو قال: هي لآخِرِنا مَوْتًا. أو: إذا مِتَّ عادَتْ إلَيَّ إن كُنْتُ حَيًّا. أو: إلى وَرَثَتِي. ففيها رِوايتان؛ إحْداهما، صِحَّةُ العَقْدِ والشرْطِ، ومتى مات المُعْمَر رَجَعَتْ إلى المُعْمِرِ. وبه قال القاسِمُ بن محمدٍ، ويزيدُ بنُ

стр. 8196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قُسَيطٍ (١)، والزُّهْرِيُّ، وأبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، وابنُ أبي ذِئْبٍ، ومالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ. وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لِما روَى جابِرٌ، قال: إنَّما العُمْرَى التي أجاز رسولُ الله ﷺ أَن يقولَ: هي لَكَ ولعَقِبِكَ. فأمّا إذا قال: هي لك ما عِشْتَ. فإنَّها تَرْجِعُ إلى صاحِبِها. مُتَّفَقٌ عليه (٢). وروَى مالِكٌ في «مُوَطَّئِه» (٣)، عن جابِرٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «أَيُّمَا رَجُل أعْمَرَ عُمْرَى لَهُ ولِعَقِبِه، فإنَّها لِلذِي أُعْطِيَها، لَا تَرْجِعُ إلى مَنْ أعْطَاهَا». لأنَّه أعْطَى عَطاءً وَقَعَتْ فيه المَوارِيثُ. ولقولِ النبيِّ

стр. 8197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﷺ : «المُؤمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (١). وقال القاسِمُ بنُ محمدٍ: ما أدرَكْتُ النَّاسَ إلَّا على شُرُوطِهم في أمْوالِهم. والثانيةُ، أنها تكونُ للمُعْمَرِ أيضًا ولوَرَثَتِه، ويَبْطُلُ الشَّرْطُ. وهو قولُ الشافعيِّ الجَدِيدُ (٢)، وأبي حنيفةَ. قال شيخُنا (٣): وهو ظاهِرُ المَذْهَبِ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ أبي طالبٍ؛ للأحاديثِ المُطْلَقةِ التي ذَكَرْناها، ولقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «لَا رُقْبَى، فمَنْ أُرْقِبَ شَيئًا فَهُوَ لَه حَيَاتَه وَمَوْتَه». قال مجاهِدٌ: والرُّقبَى، هو أنَّ يقولَ: هي للآخِرِ مِنِّي ومنك مَوْتًا. قال مجاهدٌ: سُمِّيَت بذلك؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَرْقُبُ مَوْتَ صاحِبِه. وروَى الإمامُ أحمدُ (٤)، بإسْنادِه، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «لَا عُمْرَى وَلَا رُقْبَى، فمَنْ أُعْمِرَ شَيئًا أوْ أُرْقِبَه فَهُوَ لَهُ حَيَاتَهُ ومَوْتَهُ». وهذا صَرِيحٌ في إبْطالِ الشَّرْطِ؛ لأنَّ الرُّقْبَى يُشْتَرَطُ فيها عَوْدُها إلى المُرقِبِ إن مات الآخَرُ قبلَه.

стр. 8198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فأمّا حديثُهم الذي احْتَجُّوا به، فمِن قولِ جابِر نَفْسِه، وإنَّما نَقْلُ لَفْظِ النبيِّ ﷺ قال: «أمْسِكُوا عَلَيكُمْ أمْوالكُمْ ولا تُفْسِدُوَها، فإنَّه مَنْ أعْمَرَ عُمْرَى، فَهِيَ للَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا ومَيِّتًا، ولِعَقِبِه». ولأنَّنا لو أجَزْنا هذا الشَّرْطَ، كانت هِبَةً مُؤقَّتَة، والهِبَةُ لا يجوزُ فيها التَّأْقِيتُ، وإنَّما لم يُفسِدْها الشَّرْطُ؛ لأنَّه ليس بشَرْطٍ على المُعْمَرِ، وإنَّما شَرْطُ ذلك على وَرَثَتِه، ومتى لم يكنِ الشَّرْطُ مع المَعْقُودِ معه، لم يُؤثِّرْ فيه. وأمّا (١) قَوْلُه في الحديثِ الآخرِ: لأنَّه أعْطَى عَطاءً وَقَعَتْ فيه المَوارِيثُ. فهذه الزِّيادَةُ مِن كَلامِ أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، كذلك رَواهُ ابنُ أبي ذِئْبٍ، وفَصَّلَ هذه الزِّيادَةَ فقال عن النبيِّ ﷺ : إنَّه مضَى في مَن أُعْمِرَ عُمْرَى له ولعَقِبه فهي له بَتْلَةً (٢)، لا يَجُوزُ للمُعْطِي فيها شَرْط ولا مَثْنَويَّة (٣). قال أبو سَلَمَةَ: لأنَّه أعْطَى عَطاءً وَقَعَتْ فيه المَوارِيثُ (٤).

стр. 8199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والرُّقْبَى كالعُمْرَى. قال أحمدُ: هي أنَّ يقولَ»: هي لك حَياتَك، فإذا مِتَّ فهي لفُلانٍ. أو: هي راجِعَة إلَيَّ. وهي كالعُمْرَي فيما إذا شَرَط عَوْدَها إلى المُعْمِر. قال عل، ﵁: العُمْرَى والرُّقْبَى سواءٌ. وقال طاوُسٌ: مَن ارقِبَ شيئًا فهو سَبِيلُ المِيراثِ. وقال الزُّهْرِيُّ: الرُّقْبَى وَصِيَّة. يَعْنِي أنَّ مَعْناها إذا مِتُّ فهذا لك. وقال الحسنُ، ومالِكٌ، وأبو حنيفةَ: الرُّقْبَى باطِلَةٌ؛ لِما رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ أجاز العُمْرَى، وأبْطَلَ الرُّقْبَى (١). ولأنَّ مَعْناها أنَّها للآخِرِ مِنّا، وهذا تَمْلِيكُ مُعَلَّقٌ بخَطَرٍ، ولا

стр. 8200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَجُوزُ تَعْلِيقُ التَّمْلِيكِ بالخَطرِ. ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن الأحاديثِ، وحديثُهم لا نعْرِفُه، ولا نُسَلِّمُ أنَّ مَعْناها ما ذكَرُوه، بل مَعْناها أنَّها لك حَياتَكَ، فإن مِتَّ رَجَعَتْ إلَيَّ، فتكونُ كالعُمْرَى سَواءً، [إلَّا أنَّه] (١) زاد شَرْطَها لوَرَثَةِ المُرْقَبِ إن مات المُرْقَبُ قبلَه، وهذا يُبَيِّنُ تَأْكِيدَها على العُمْرَى. فصل: وتَصِحُّ العُمْرَى في الحَيَوانِ والثِّياب؛ لأنها نَوْعُ هِبَةٍ، فصَحَّت في ذلك، كسائرِ الهِباتِ. وقد رُوِيَ عن أحَمدَ، في الرجلِ يُعْمَرُ الجارِيةَ، أنَّه قال: لا أرَى له وَطْأها. قال القاضي: لم يَتَوَقَّفْ أحمدُ في وطْءِ الجارِيَةِ لعَدَمِ المِلْكِ فيها، لكنْ على طَرِيقِ الوَرَعِ؛ لكونِ الوَطْءِ اسْتِباحَةَ فرْجٍ، وقد اخْتُلِفَ في العُمْرَى، فجعَلَها بعضُهم تَمْلِيكَ المَنافِعِ، فلم يَرَ له وَطْأَها لهذا، ولو وَطِئَها، جاز. فصل: وقد ذَكَرْنا أنَّه لو وَقَّتَ الهِبَةَ في غيرِ العُمْرَى والرُّقْبَى كقَوْلِه: وَهَبْتُكَ هذا سَنَةً. أو: إلى أن يَقْدَمَ الحاجُّ. أو: إلى أنَّ يَبْلُغَ وَلَدِي. أو:

стр. 8201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُدَّةَ حَياةِ فُلانٍ. ونحوَ هذا، لم يَصِحَّ؛ لأنَّها تَمْلِيكْ للرَّقَبَةِ، فلم تَصِحَّ مُؤقَّتَةً، كالبَيعِ، وتُفارِقُ العُمْرَى والرُّقْبَى؛ لأنَّ الإنْسانَ إنَّما يَمْلِكُ الشيءَ عُمُرَه، فإذا مَلَكَه عُمُرَه فقد وَقَّتَه بما هو مُوقَّتٌ به في الحَقِيقةِ، فصار ذلك كالمُطْلَقِ. فصل: فأمّا إن قال: سُكْناها لك عُمُرَك. فله أخْذُها في أيِّ وَقْتٍ أحَبَّ. وكذلك إن قال: اسْكُنْها. أو: أسْكَنْتُكَهَا عُمُرَكَ. أو نحوَ ذلك، فليس هذا عَقْدًا لازِمًا؛ لأنَّه في التَّحْقِيقِ هِبَةُ المَنافِعِ، والمَنافِعُ إنما تُسْتَوْفَى بمُضِيِّ الزَّمانِ شيئًا فشيئًا، فلا تَلْزَمُ إلَّا في قَدْرِ ما قَبَضَه منها واسْتَوْفاه بالسُّكْنَى. فعلى هذا، للمُسْكِنِ الرُّجُوعُ متى شاء، وتَبْطُلُ بمَوْتِ مَن مات منهما. وبه قال أكثَرُ أهلِ العِلْمِ؛ منهم الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي. وقال الحسنُ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ: هي كالعُمْرَى، يَثْبُتُ فيها مِثْلُ حُكْمِها. وحُكِيَ عن الشَّعْبِيِّ، أنَّه قال: إذا قال: هي لك، اسْكُنْ حتى تَمُوتَ. فهي له حَياتَه ومَوْتَه. وإن قال: دارِي هذه اسْكُنْها حتى تَمُوتَ. فإنَّها تَرْجِعُ إلى صاحِبِها؛ لأنَّه إذا قال: هي (١) لك. فقد جَعَل له رَقَبَتَها، فتكون عُمْرَى. وإذا قال: اسْكُنْ دارِي هذه. فإنَّما جَعَل له نَفْعَها دُونَ رَقَبَتِها، فتكونُ عارِيَّةً. ولَنا، أنَّ هذا إباحَةُ المَنافِعِ، فلم يَقَعْ لازِمًا، كالعارِيَّةِ، وفارَقَ العُمْرَى؛ فإنَّها هِبَةُ الرَّقَبةِ. فأمّا قَوْلُه: هذه لك، اسْكُنْها حتى

стр. 8202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَمُوتَ. فإنَّه يَحْتَمِلُ، لك سُكْنَاها حتى تَمُوتَ. وتَفْسِيرُها بذلك دَلِيل على أنَّه أراد السُّكْنَى، فأشْبَهَ ما لو قال: هذه لك سُكْنَاها. وإذا احْتَمَل أنه يُرِيدُ به الرَّقَبَةَ، واحْتَمَلَ أنَّ يُرِيدَ السُّكْنَى، فلا نُزِيلُ مِلْكَه بالاحْتِمالِ. فصل: إذا وَهَب هِبَةً فاسِدَةً، أو باع بَيعًا فاسِدًا، ثم وَهَب تلك العَينَ، أو باعَها بعَقْدٍ صحيحٍ مع عِلْمِه بفَسادِ الأوَّلِ، صَحَّ العَقْدُ الثانِي؛ لأنَّه تَصَرَّفَ في مِلْكِه عالِمًا بأنه مِلْكُه. وإنِ اعْتقَدَ صِحَّةَ العَقْدِ الأوَّلِ، ففي الثَّانِي وَجْهان؛ أحَدُهما، صِحَّتُه؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ صادَفَ مِلْكَه وتَمَّ (١) بشُرُوطِه، فصَحَّ (٢)، كما لو عَلِم فَسادَ الأوَّلِ. والثانِي، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه تَصَرَّفَ تَصَرُّفًا يَعْتَقِدُ فَسادَه، ففَسَدَ، كما لو صَلَّى يَعْتَقِدُ أنَّه مُحْدِثٌ، فبان مُتَطَهِّرًا. وهكذا لو تَصَرَّفَ في عَين يَعْتَقِدُ أنَّها لأبيه، فبان أنَّه قد مات ومَلَكَها الوارِثُ، أو غَصَب عَينًا، فباعَها يَعْتَقِدُها مَغْصُوبَةً، فبان أنَّها مِلْكُه، فعلى الوَجْهَين. قال القاضي: أصْلُ الوَجْهَين مَن باشَرَ امرأةً بالطَّلاقِ يَعْتَقِدُها أجْنَبِيَّةً، فبانَتِ امْرأتَه، أو باشَرَ بالعِتْقِ مَن يَعْتَقِدُها حُرَّةً، فبانَتْ أمَتَه، ففي وُقُوعِ الطَّلاقِ والحُرِّيَّةِ رِوايَتان وللشّافِعِيَّةِ في هذه المَسْألةِ وَجْهان، كما حَكَينا. واللهُ أعلمُ.

стр. 8203

فَصْلٌ: وَالْمَشْرُوعُ فِي عَطِيَّةِ الأوْلَادِ الْقِسْمَةُ بَينَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ. ــ فصل: قال الشيخُ، ﵁: (والمَشْرُوعُ في عَطِيَّةِ الأوْلادِ القِسْمَةُ بينَهم على قَدْرِ مِيراثِهم) ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في اسْتِحْبابِ التَّسْويَةِ بينَهم، وكَراهِيَةِ التَّفْضِيلِ. قال إبراهيمُ: كانُوا يَسْتَحِبُّون التَّسْويَةَ بينَهم حتى في القُبَلِ. إذا ثَبَت هذا، فالتَّسْويَةُ المُسْتَحَبَّةُ أنَّ يَقْسِمَ بينَهم على حَسَبِ قِسْمَةِ اللهِ تعالى المِيراثَ، للذكَرِ مثلُ حَظ الأُنْثَيَين. وبه قال عَطاءٌ، وشُرَيحٌ، وإسحاقُ، ومحمدُ بنُ الحسنِ. قال شرَيحٌ لرجلٍ قَسَمَ ماله بينَ وَلَدِه: ارْدُدْهم إلى سِهامِ الله وفَرائضِه. وقال عَطاءٌ: ما كانُوا يَقْسِمُون إلَّا على كِتابِ اللهِ تعالى. وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وابنُ المُبارَكِ: يُعْطِي الأُنثَى مثلَ ما يُعْطِي الذَّكَرَ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال لبَشِيرِ بنِ سَعْدٍ: «سَوِّ بَينَهُم». وعَلَّلَ ذلك بقَوْلِه: «أُيسُرُّكَ

стр. 8204

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنْ يَسْتَوُوا فِي بِرِّكَ». فقال: نعمَ. قال «فَسَوِّ بَينَهُم» (١). والبِنْتُ كالابنِ في اسْتِحْقاقِ برِّها، فكذلك في عَطِيَّتها. وعن ابنِ عباسٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ «سَوُّوا بَينَ أوْلَادِكُمْ فِي العَطِيَّةِ، ولَوْ كُنْتُ مُؤْثِرًا أحَدًا لآثرْتُ النِّسَاءَ عَلَى الرِّجَال». رَواه سعيدٌ في «سُنَنِه» (٢). ولأنَّها عَطِيَّةٌ في الحَياةِ، فاسْتَوَى فيها الذَّكَر والأُنْثَى، كالنَّفَقَةِ والكُسْوَةِ. ولَنا، أنَّ اللهَ تَعالى قَسَمَ بينَهم، فجَعَلَ للذَّكَرِ مثلَ حَظِّ الأُنْثَيَينِ، وأوْلَى ما اقْتُدِيَ به قِسْمةُ الله تعالى، ولأنَّ العَطِيَّةَ في الحَياةِ إحْدَى حالتَي العَطيَّةِ، فيُجْعَلُ للذَّكَرِ منها مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَينِ، كحالةِ المَوْتِ، يَعْني المِيراثَ، يُحَقِّقه أنَّ العَطِيَّةَ اسْتِعْجالٌ لِما يكونُ بعدَ المَوْتِ، فيَنْبَغِي أنَّ تكونَ على حَسَبِه، كما أنَّ مُعَجِّلَ الزكاةِ قبلَ وُجُوبِها يُؤَدِّيها على صِفَةِ أدائِها بعدَ وُجُوبِها،

стр. 8205

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكذلك الكَفّاراتُ المُعَجَّلَةُ، ولأنَّ الذَّكَرَ أحْوَجُ مِن الأُنْثَى، مِن قِبَل أنَّهما إذا تَزَوَّجا جَمِيعًا، فالصَّداقُ والنَّفَقَةُ ونَفَقَةُ الأوْلادِ على الذَّكرِ، والأُنْثَى لها ذلك، فكان أوْلَى بالتَّفْضِيلِ؛ لزيادَةِ حاجَتِه، وقد قَسَمَ اللهُ المِيراثَ، فَفَضَّلَ الذَّكَرَ مَقْرُونًا بهذا المَعْنَى، فيُعَلَّلُ به، ويتَعَدَّى ذلك إلى العَطِيَّةِ في الحَياةِ. وحديثُ بَشِيرٍ قَضِيَّةُ عَينٍ، وحِكايَةُ حالٍ لا عُمُومَ لها، إنَّما يَثْبُتُ حُكْمها في مِثْلِها، ولا نَعْلَم حال أوْلادِ بَشِيرٍ، هل كان فيهم أُنْثَى أوْ لا. ولَعَلَّ النبيَّ ﷺ قد عَلِم أنَّه ليس له إلَّا ولَدٌ ذَكَرٌ. ثم تُحْمَلُ التّسْويَةُ على القِسْمَةِ على كِتاب اللهِ تعالى. ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد التَّسْويَةَ في أصْلِ العَطاءِ لا في صِفَتِه، فإنَّ التسْويَةَ لا تَقْتَضِي التَّسْويَةَ مِن كلِّ وَجْهٍ، وكذلك الحديث الآخَرُ، ودَلِيلُ ذلك قولُ عَطاءٍ: ما كانُوا يَقْسِمُونَ إلَّا على كِتابِ اللهِ تعالى. وهذا خَبَرٌ عن جَميعِهم. على أنَّ الصحيحَ في خَبَرِ ابنِ عباسٍ أنَّه مُرْسَلٌ.

стр. 8206

فَإِنْ خَصَّ بَعْضَهُمْ أوْ فَضَّلَهُ، فَعَلَيهِ التَّسْويَةُ بِالرُّجُوعِ أَوْ إِعْطَاءِ الْآخَرِ حَتَّى يَسْتَوُوا. ــ ٢٦١٦ - مسألة: (فإن خَصَّ بعضَهم أو فَضَّلَه، فعليه التَّسْويَةُ بالرُّجُوعِ أو إعْطاءِ الآخَرِ حتى يَسْتَوُوا) قد ذَكَرْنا أنَّ المَشْرُوعَ أنَّ يُسَوِّيَ بينَ أوْلادِه في العَطيَّةِ على قَدْرِ مِيراثِهم، فإن خَصَّ بعضَهم بعَطِيَّتِه، أو فاضَلَ بينَهم، أثِمَ، إذا لم يَخْتَصَّ بمَعْنًى يُبِيحُ التَّفْضِيلَ، ووَجَب عليه التَّسْويَةُ، إمّا برَدِّ ما فَضَّلَ به البعضَ، أو إعْطاءِ الآخَرِ حتى يُتِمَّ نَصِيبَه. قال طاوُسٌ: لا يَجُوزُ ذلك، ولا رَغِيفٌ مُحْتَرِقٌ. وبه قال ابنُ المُبارَكِ.

стр. 8207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ورُوِيَ مَعْناه عن مُجاهِدٍ، وعُرْوَةَ. وكان الحَسَنُ يَكْرَهُه، ويُجيزُه (١) في القَضاءِ. وقال مالِك، واللَّيثُ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وَأصحابُ الرَّأي: يَجُوزُ ذلك. ورُوِيَ مَعْنَى ذلك عن شُرَيح، وجابرِ بنِ زيدٍ، والحسنِ بنِ صالِحٍ؛ لأنَّ أبا بكر، ﵁، نَحَل عائشةَ ابْنَتَه جذاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا دُونَ سائِرِ وَلَدِه (٢). واحْتَجَّ الشافعيُّ بقولِ النبيِّ ﷺ في حديثِ النُّعْمانِ بنِ بَشِير: «أشْهدْ عَلَى هَذَا غَيرِي». فأمَرَه بتَأَكِيدِها دُونَ الرُّجُوعِ فيها. ولأنَّها عَطِيَّةٌ تَلْزَمُ بمَوْتِ الأبِ، فكانت جائِزةً، كما لو سَوَّى بينَهم. ولَنا، ما روَى النُّعْمانُ بنُ بَشِير، قال: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أبي ببعضِ مالِه، فقالت أمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَواحَةَ: لا أرْضَى حتى تُشْهِدَ عليها رسولَ اللهِ ﷺ . فجاء بِي إلى رسولِ اللهِ ﷺ ليُشْهِدَه على صَدَقَتِي، فقال: «أكُلَّ وَلَدِكَ أعْطَيتَ مِثْلَه؟». قال: لا. قال: «فَاتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَينَ أوْلادِكُمْ». قال: فَرَجَعَ أبي فرَدَّ تلك الصَّدَقَةَ. وفي لَفْظٍ قال: «فَارْدُدْهُ». وفي لَفْظٍ: «فَأرْجِعْهُ». وفي لَفْظٍ: «لا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ» وفي لَفْظٍ: «فلا تُشْهِدْنِي إذًا». وفي لفظٍ: «فَأشْهِدْ عَلَى

стр. 8208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هَذَا غَيرِي». وفي لَفْظٍ: «سَوِّ بَينَهُم». مُتفَق عليه (١). وهو (٢) دَلِيلٌ على التَّحْرِيمِ؛ لأنَّه سَمَّاه جَوْرًا وأمَرَه برَدِّه، وامْتَنَعَ مِن الشَّهادَةِ عليه، والجَوْرُ حَرامٌ، والأمْرُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ، ولأنَّ تَفْضِيلَ بعضِهم يُورِثُ بينَهم العَداوَةَ والبَغْضاءَ وقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، فمُنِعَ منه، كَتَزْويجِ المرأةِ على عَمَّتِها وخَالتِها. وقولُ أبي بكر لا يُعارِضُ قولَ النبيِّ ﷺ ، ولا يُحْتَجُّ بهْ معه. ويَحْتَمِلُ أنَّ أبا بكر، ﵁، خَصَّها لحاجَتِها وعَجْزِها عن الكَسْبِ والتَّسَبُّبِ، مع اخْتِصاصِها بفَضْلِها وكونِها أمَّ المُؤْمِنِين، وغيرِ ذلك مِن فَضائِلِها. ويَحْتَمِلُ أنَّ يكونَ نَحَلَها ونَحَل غيرَها مِن وَلَدِه، أو نَحَلَها وهو يُرِيدُ أنَّ يَنْحَلَ غيرَها، فأدْرَكَه المَوْت قبلَ ذلك. ويتَعَيَّنُ حَمْلُ حَدِيثِه على أحَدِ هذه الوُجُوهِ؛ لأنَّ حَمْلَه على مِثْلِ مَحَلِّ

стр. 8209

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النِّزاعِ مَنْهِيٌّ عنه، وأقَلُّ أحْوالِه الكَراهَةُ، والظّاهِرُ مِن حالِ أبي بكر، ﵁، اجْتِنابُ المَكْرُوهاتِ، وقولُ النبيِّ ﷺ : «فأَشْهِدْ عَلَى هذا غَيرِي»: ليس بأمْرٍ؛ لأن أدْنَى أحْوالِ الأمْرِ الاسْتِحْبابُ والنُّدْبُ، ولا خِلافَ في كَراهَةِ هذا. وكيف يَجُوزُ أن يَأْمُرَ بتَأْكِيدِه مع أمْرِه برَدِّه، وتَسْمِيته إيّاه جَوْرًا؟ وحَمْلُ الحديثِ على هذا حَمْلٌ لحديثِ رسولِ اللهِ ﷺ على التناقُضِ، ولو أمَرَ النبيُّ ﷺ بإشْهادِ غيرِه، لامْتَثَلَ بَشِيرٌ أمْرَه، ولم يَرُدُّه، وإنَّما هو تَهْدِيدٌ له [على هذا] (١)، فيُفيدُ ما أفادَه النَّهْيُ عن إتْمامِه. فصل: فأمّا إن خَصَّ بعضَهم لمَعْنًى يَقْتَضِيه تَخْصِيصُه؛ مِن حاجَةٍ، أو زَمانَةٍ، أو عَمًى، أو كَثْرةِ عائِلَةٍ، أو لاشْتِغالِه بالعِلْمِ، أو صَرَف عَطِيَّتَه عن بعضِ وَلَدِه؛ لفِسْقِه، أو بِدْعَتِه، أو (٢) لكونِه يَعْصِي اللهَ تعالى بما يَأْخُذُه، فقد رُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على جَوازِ ذلك؛ فإَّنه قال، في تَخْصِيصِ بعضِهم بالوَقفِ: لا بَأْس إذا كان لحاجَةٍ، وأكْرَهُه إذا كان

стр. 8210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على سَبِيلِ الأثَرَةِ. والعَطِيَّةُ في مَعْناه. ويَحْتَمِلُ ظاهِرُ لَفْظِه المَنْعَ مِن التَّفْضِيلِ على كلِّ حالٍ، لكونِ النبيِّ ﷺ لم يَسْتَفْصِلْ بَشِيرًا في عَطِيَّتِه. قال شيخُنا (١): والأوَّلُ أوْلَى إن شاء الله؛ لحديثِ أبي بكر، ولأنَّ بعضَهم اخْتَصَّ بمَعْنًى يَقْتَضِي العَطِيَّةَ، فجاز أن يَخْتَصَّ بها، كما لو اخْتَصَّ بالقَرابَةِ، وحديثُ بَشِير قَضِيَّة في عَين لا عُمُومَ لها، وتَرْكُ النبيِّ ﷺ الاسْتِفْصال يَجُوزُ أنَّ يكونَ لعِلْمِه بالحالِ. فإن قِيلَ: لو عَلِم الحال لَما قال: «ألَكَ وَلَدٌ غَيرُهُ؟». قُلْنا: يَجُوزُ أنَّ يكونَ السُّؤالُ ههُنا لبَيانِ العِلَّةِ، كما قال، ﵊، للذي سَأله عن بَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ: «أيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذا يَبِسَ؟» قال: نعم. قال: «فَلَا إذًا» (٢). وقد عَلِم أنَّ الرُّطَبَ يَنْقُصُ، لكنْ نبَّهَ السّائِلَ بهذا على عِلَّةِ المَنْعِ. واللهُ أعلمُ. فصل: والأمُّ في المَنْعِ مِن المُفاضَلَةِ بينَ أوْلادِها كالأبِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بين أوْلَادِكُمْ». ولأنَّها أحَدُ الوالِدَين، أشْبَهَتِ الأبَ، ولأنَّ ما يَحْصُلُ بتَخْصِيص الأبِ بعضَ وَلَدِه مِن الحَسَدِ والتَّباغُضِ، يُوجَدُ مِثْلُه في تَخْصِيصِ الأمِّ، فيَثْبُتُ لها مِثْلُ حُكْمِه في ذلك.

стр. 8211

فَإن مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، ثَبَتَ لِلْمُعْطَى. وَعَنْة، لَا يَثْبُت، وَلِلْبَاقِينَ الرُّجُوعُ. اخْتَارَة أَبُو عَبْدِ اللهِ بن بَطَّةَ. ــ ٢٦١٧ - مسألة: (وإن مات قبلَ ذلك، ثَبَت للمُعْطَى. وعنه، لا يَثْبُتُ، وللباقِينَ الرُّجُوعُ. اخْتارَه أبو عبدِ اللهِ بن بَطَّةَ) إذا فاضَلَ بينَ وَلَدِه في العَطايا، أو خصَّ بعضَهم بعَطيَّةٍ، ثم مات قبلَ أنَّ يَسْتَرِدَّه، ثَبَت ذلك للمَوْهُوبِ له، ولَزِم، وليس لبَقِيَّةِ الوَرَثَةِ الرُّجُوعُ. هذا المَنْصُوصُ عن أحمدَ، في رِوَايَةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ، والمَيمُونِيِّ. واخْتارَه الخَلَّالُ،

стр. 8212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وصاحِبُه أبو بكر. وبه قال مالِكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي، وأكْثَرُ أهلِ العلمِ. وهو الذي ذَكَرَه الخِرَقِيُّ. وفيه روايَةٌ أُخْرَى، أنَّ لباقي الوَرَثَةِ أنَّ يَرْتَجِعُوا ما وَهَبَه. اخْتارَه أبو عبدِ اللهِ بنُ بَطَّةَ وأبو حَفْص العُكْبَرِيّانِ. وهو قولُ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيرِ، وإسحاقَ. قال أحمدُ: عُرْوَةُ قد روَى الأحاديثَ الثلاثةَ؛ حديثَ عائشةَ، وحديثَ عُمَرَ، وحديثَ عُثْمانَ (١)، وتَرَكَها وذَهَب إلى حديثِ النبيِّ ﷺ ، يُرَدُّ في حَياةِ الرجلِ وبعدَ مَوْتِه (٢). وهو قولُ إسحاقَ، إلَّا أنَّه قال: إذا مات الرجلُ فهو مِيراثٌ بينَهم، لا يَسَعُ أنَّ يَنْتَفِعَ أحَدٌ بما أُعْطِيَ دُونَ إخْوَتِه وأخَواتِه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ سَمَّى ذلك جَوْرًا بقَوْلِه لبَشِير: «لا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ». والجَوْرُ لا يَحِلُّ للفاعِلِ فِعْلُه، ولا للمُعْطَى تَناوُلُه، والمَوْت لا يُغَيِّرُه عن

стр. 8213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كونِه جَوْرًا حَرامًا، فيَجِبُ رَدُّه، ولأنَّ أبا بكر وعُمَرَ أمَرَا قَيسَ بنَ سَعْدٍ برَدِّ قِسْمَه أبيه حينَ وُلِد له وَلَدٌ لم يكنْ عَلِمَ به ولا أعْطاه شيئًا، وكان ذلك بعدَ مَوْتِ سَعْدٍ، فرَوَى سعيدٌ (١) بإسْنادِه مِن طَرِيقَين، أنَّ سعدَ بنَ عُبادَةَ قَسَمَ ماله بينَ أوْلادِه وخَرَج إلى الشّام، فمات بها، ثم وُلِدَ له بعدَ ذلك وَلَدٌ، فمَشَى أبو بكرٍ وعُمَرُ، ﵄، إلي قَيسِ بنِ سعدٍ فقالا: إنَّ سعدًا قَسَمَ ماله، ولم يَدْرِ ما يكونُ، وإنّا نَرَى أنَّ تَرُدَّ هذه القِسْمَةَ. فقال: لم أكُنْ لأُغَيِّرَ شيئًا صَنَعَه سعدٌ، ولكنْ نَصِيبِي له. وهذا مَعْنَى الخَبَرِ. وَوَجْهُ الرِّوايةِ الأولَى قولُ أبي بكر لعائشةَ، ﵄، لمّا نَحَلَها نَخْلًا (٢): وَدَدْتُ لو (٣) أنَّكِ كُنْتِ حُزْتِيه (٤). فيَدُلُّ على أنَّها لو كانت حازَتْه لم يكُنْ لهم الرُّجُوعُ. وقال عُمَرُ: لا نِحْلَةَ إلَّا نِحْلَةٌ يَحُوزُها الوَلَدُ دُونَ الوالِدِ. ولأنَّها عَطِيَّة لوَلَدِه، فلَزِمَتْ بالمَوْتِ، كما لو انْفَرَدَ، ولأنَّه حَقٌّ للأَب يتعَلَّقُ بمالِ الوَلَدِ، فسَقَطَ بمَوْتِه، كالأخْذِ مِن مالِه.

стр. 8214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وليس عليه التَّسْويَةُ بينَ سائِرِ أقارِبِه، ولا إعْطاؤُهم على قَدْرِ (١) مِيراثِهم، سَواءٌ كانُوا مِن جهَةٍ واحِدَةٍ، كإخْوَةٍ وأخَواتٍ، وبَنِي عَمٍّ، أو مِن جِهاتٍ، كَبناتٍ وأَخَواتٍ وغيرِهم. وقال أبو الخَطّابِ: المَشْرُوعُ في عَطِيَّةِ سائِرِ الأقارِبِ أن يُعْطيَهم على قَدْرِ مِيراثِهم، كالأوْلادِ فإن خالفَ، فعليه أنَّ يَرْجِعَ أو يَعُمَّهم بالنِّحْلَةِ؛ لأَنهم في مَعْنَى الأوْلادِ، فثَبَتَ فيهم حُكْمُهم. ولَنا، أنَّها عَطِيَّةٌ لغيرِ الأوْلادِ في صِحَّتِه، فلم تَجِبْ عليه التَّسْويَةُ، كما لو كانُوا غيرَ وارِثِينَ، ولأنَّ الأصْلَ إباحَةُ الإِنْسانِ التَّصَرُّفَ في مالِه كيف شاء، وإنَّما وَجَبَتِ التَّسْويَةُ بينَ الأوْلادِ للخَبَرِ، وليس غيرُهم في مَعْناهم؛ لأنهم اسْتَوَوْا في وُجُوبِ (٢) بِرِّ والِدِهم، فاسْتَوَوْا في عَطِيَّتِه، وبهذا عَلَّلَ النبي ﷺ حينَ قال لِبَشيرٍ: «أيَسُرُّكَ أنْ

стр. 8215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَسْتَوُوا في بِرِّكَ؟». قال: نعم. قال: «فَسَوِّ بَينَهُمْ». ولم يُوجَدْ هذا في غيرِهم. ولأن للوالِدِ الرُّجُوعَ فيما أعْطَى وَلَدَه، فيُمْكِنُه أنَّ يُسَوِّيَ بينَهم في الرُّجُوعِ بما أعْطاه لبعضِهم، ولا يُمْكِنُ ذلك في غيرِهِم، ولأنَّ الأولادَ لشِدَّةِ مَحَبَّةِ الوالِدِ لهم، وصَرْفِه ماله إليهم عادَةً، يَتَنافسُون في ذلك، ويَشْتَدُّ عليهم تَفْضِيلُ بعضِهم، ولا يُساويهم في ذلك غيرُهم، فلا يَصِحُّ قِياسُه عليهم، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قد عَلِمَ أنَّ لِبَشِير زَوْجَةً، ولم يَأْمُرْه بإعْطائِها شيئًا حينَ أمَرَه بالتَّسْويَةِ بينَ أوْلادِه، ولم يَسْألْه هل لك وارِثٌ غيرُ وَلَدِكَ.

стр. 8216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن أعْطَى أحَدَ ابْنَيه في صِحَّتِه [ثم أعْطىَ الآخَرَ] (١) في مَرَضِه، فقد تَوَقَّفَ أحمدُ فيه، فإنَّه سُئِل عمَّن زَوَّجَ ابْنَه، فأعْطَى عنه الصَّداقَ، ثم مَرِض الأبُ وله ابن آخَرُ، هل يُعْطِيه في مَرَضِه كما أعْطَى الآخَرَ في صِحَّتِه؟ فقال: لو كان أعْطاه في صِحَّتِه. فيَحْتَمِلُ وَجْهَين؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ عَطِيَتّهَ في مَرَضِه كوَصِيَّته له، ولو وَصَّى له لم يَصِحَّ، فكذلك إذا أعْطاه. والثاني، يَصِحُّ. وهو الصَّحِيحُ، إن شاء الله تعالى؛ لأنَّ التَّسْويَةَ بينَهما واجِبَةٌ، ولا طَرِيقَ لها في هذا المَوْضِعِ إلَّا بِعَطِيَّةِ الآخَرِ، فتكونُ واجِبَةً، فتَصِحُّ، كقَضَاءِ دَينِه. فصل: قال أحمدُ: أحَبُّ إلَيَّ أنَّ لا يَقْسِمَ ماله، ويَدَعَه على فَرائِض اللهِ تعالى، لَعَلَّه أنَّ يُولَدَ له، فإن أعْطَى وَلَدَه ماله ثم وُلِد له وَلَدٌ، فأعْجَبُ إلَيَّ أنَّ يَرْجِعَ فيُسَوِّيَ بينَهم. يَعْنِي يَرْجِعُ في الجَمِيعِ، أو يَرْجِعُ في بعضِ ما أعْطَى كلَّ واحِدٍ منهم ليَدْفَعَه إلى هذا الوَلَدِ الحادِثِ، ليُساويَ إخْوَته. فإن أعْطَى وَلَدَه، ثم مات، ثم وَلَدٌ له وَلَدٌ، اسْتُحِبَّ للمُعْطَى أنَّ يُساويَ المَوْلُودَ الحادِثَ بعدَ أبيه.

стр. 8217

وَإنْ سَوَّى بَينَهُمْ فِي الْوَقْفِ، أوْ وَقَفَ ثُلُثَهُ فِي مَرَضِهِ عَلَى بَعْضِهِمْ، جَازَ. نصَّ عَلَيهِ. وَقِياسُ الْمَذْهَبِ، أَنْ لَا يَجُوزَ. ــ ٢٦١٨ - مسألة (١): (فإن سَوَّى بينَهم في الوَقْفِ، أو وَقَف ثُلُثَه في مَرَضِه على بعضِهم، جاز. نَصَّ عليه. وقِياسُ المَذْهَبِ، أنَّ لا يَجُوزَ) إذا سَوَّى بينَ أوْلادِه في الوَقْف، الذَّكَرِ والأُنْثَى، جاز. ذَكَرَه القاضي، وقال: هو المُسْتَحَبُّ؛ لأنَّ القَصْدَ القُرْبَةُ على وَجْهِ الدَّوامِ، وقد اسْتَوَوْا في القَرابَةِ. وقال شيخُنا (٢): المُسْتَحَبُّ أنَّ يَقْسِمَ الوَقْفَ على أوْلادِه كقِسْمَةِ المِيراثِ، للذَّكَرِ مثلُ حَظِّ الأُنثَيَين، كما قَسَمَ اللهُ تعالى بينَهم المِيراثَ؛ لأنَّه إيصالٌ للمالِ إليهم، فيَنْبَغِي أنَّ يكونَ بينَهم على حَسَب المِيراثِ، كالوَصِيَّةِ، ولأنَّ الذَّكَرَ في مَظِنَّةِ الحاجَةِ أكْثَرَ مِن الأُنثَى؛ لأنَّ الذَّكَرَ تَجِبُ عليه نَفَقةُ زَوْجَتِه وأوْلادِه، والمرأةُ يُنْفِقُ عليها زَوْجُها، ولا تَلْزَمُها نَفَقَةُ وَلَدِها إذا كان لهم أبٌ، وقد فَضَّلَ الله سبحانه الذَّكَرَ على الأُنْثَى

стр. 8218

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في المِيراثِ على وَفْقِ هدْا المَعْنَى، فيَصِحُّ تَعْلِيلُه به، فيَنْبَغِي أنَّ يتَعَدَّى إلى الوَقْفِ. وما ذَكَرَه القاضي لا أصْلَ له، وهو مُلْغًى بالمِيراثِ. فإن خالفَ فسَوَّى بينَ الذَّكَرِ والأنثَى، أو فَضَّلَها عليه، أو فَضَّلَ بعضَ البَنِينَ على بعض في الوَقْفِ، أو بعضَ البَناتِ، أو خَصَّ بعضَهم بالوَقْفِ، فقد رُوِيَ عن أحمدَ، في رِوايَةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ: إن كان في طَرِيقِ الأثَرَةِ، فأكْرَهُه، وإن كان على أنَّ بعضَهم له عِيالٌ أو به حاجَة، فلا بَأْسَ به. وذلك لأنَّ الزُّبَيرَ خَصَّ المَرْدُودَةَ مِن بَناتِه دُونَ المُسْتَغْنِيَةِ مِنْهُنَّ بصَدَقَتِه. [وقد ذَكَرْنا ذلك في الوَقْفِ] (١).

стр. 8219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وأمّا إذا وَقَف ثُلُثَه في مَرَضِه على بعضِ وَرَثَتِه، فقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في ذلك فرُويَ عنه عَدَمُ الجَوازِ، فإن فَعَل، وَقَف على إجازَةِ الوَرَثَةِ، فإَّنه قال، في رِوايَةِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ، في مَن وَصَّى لأولادِ بِنْتِه بأرْض تُوقَفُ عليهم، فقال: إن لم يَرِثوه فجائِزٌ. فظاهرُ هذا أنَّه لا يَجُوزُ الوَقْفُ عليهم في المَرَضِ. اخْتارَه أبو حَفْص العُكْبَرِيُّ، وابنُ عَقِيلٍ. وإليه ذَهَب الشافعيُّ. والثانيةُ، يَجُوزُ أنَّ يَقِفَ عليهم ثُلُثَه، كالأجانِبِ، فإنَّه قال، في رِوايَةِ جَماعَةٍ منهم المَيمُونِيُّ: يَجُوزُ للرجلِ أنَّ يَقِفَ في مَرَضِه على وَرَثَتِه. فقِيلَ له: أليس تَذْهَبُ إلى أنَّه لا وَصِيَّةَ لوَارِثٍ؟ فقال: نعم، والوَقْفُ غيرُ الوَصِيَّةِ، ولأنَّه لا يُباعُ ولا يُورَثُ، ولا يَصِيرُ مِلْكًا للوَرَثَةِ، بل يَنْتَفِعُون بغَلَّتِها. وقال، في رِوايَةِ أحمدَ بنِ الحسنِ: إنَّه صَرَّحَ في مَسْألَتِه بوَقْفِ ثُلُثِه على بعضِ وَرَثَتِه دُونِ بعضٍ،

стр. 8220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقال: جائزٌ. قال الخَبْرِيُّ (١): وأجاز هذا الأكْثَرُون. واحْتَجَّ أحمدُ بحديثِ عُمَرَ، ﵁، أنَّه قال: هذا ما أوْصَى به عبدُ اللهِ عُمَرُ أمِيرُ المُومِنِين إن حَدَث به حَدَثٌ، أنَّ ثَمْغًا صَدَقَةٌ، والعَبْدَ الذي فيه، والسَّهْمَ الذي بخَيبَرَ، ورَقِيقَه الذي فيه، والمائةَ وَسْقٍ التي أطْعَمَنِي محمدٌ ﷺ ، تَلِيه حَفْصَةُ ما عاشَتْ ثم يَلِيه ذو (٢) الرَّأْي مِن أهْلِه، لا يُبَاعُ وَلَا يُشْتَرَى، يُنْفِقُه حيث يَرى؛ مِن السّائِلِ، والمَحْرُومِ، وذوي القُرْبَى، ولا حَرَجَ على مَن وَلِيَه إن أكَلَ أو اشْتَرَى رَقِيقًا. رَواه أبو داودَ (٣) بنَحْو مِن هذا. فالحُجَّةُ فيه أنَّه جَعَل حَفْصَةَ تَلِي وَقْفَه، وتَأْكُلُ منه، وتَشْتَرِي رَقِيقًا. قال المَيمُونِيُّ: قُلْتُ لأحمدَ: إنَّما أمَرَ النبيُّ ﷺ عُمَرَ بالإيقافِ، وليس في الحديثِ «الوارِثُ». قال: فإذا كان النبيُّ ﷺ أمَرَه وهو ذا قد وَقَفَها على وَرَثَتِه وحَبَّسَ الأصْلَ عليهم جَمِيعًا. ولأنَّ الوَقْفَ ليس في مَعْنَى المالِ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ التَّصَرفُ فيه، فهو كعِتْقِ الوارِثِ. ولَنا، أنَّه

стр. 8221

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَخْصِيصٌ لبعضِ الوَرَثَةِ بمالِه في مَرَضِه، فمُنِعَ منه، كالهِباتِ، ولأنَّ كلَّ مَن لا تَجُوزُ له الوَصِيَّةُ بالعَينِ، لا تجوزُ له بالمَنْفَعَةِ، كالأجْنَبِيِّ فيما زاد على الثُّلُثِ. وأمّا خَبَرُ عُمَرَ فإنَّه لم يَخُصَّ بعضَ الوَرَثَةِ بوَقْفِه، والنِّزاعُ إنَّما هو في تَخْصِيصِ بعضِهم. وأمّا جَعْلُ الولايةِ إلى حَفْصَةَ، فليس ذلك وَقْفًا عليها، فلا يكونُ ذلك وارِدًا في مَحَلِّ النِّزاعِ، وكونُه انتِفاعًا بالغَلَّةِ لا يَقْتَضِي جَوازَ التَّخْصِيصِ، بدَلِيلِ ما لو وَصَّى لوارِثِه بمَنْفَعَةِ عَبْدٍ، لم يَجزْ. ويَحْتَمِلُ أنَّ يُحْمَلَ كَلامُ أحمدَ، في رِوايَةِ الجَماعَةِ، على أنَّه وَقفٌ على جَمِيعِ الوَرَثَةِ؛ ليكونَ على وَفْقِ حديثِ عُمَرَ، وعلى وَفْقِ الدَّلِيلِ الذي ذَكَرْناه. والله أعلمُ.

стр. 8222

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن وَقَف دارَه وهي تَخْرُجُ مِن ثُلُثِه بينَ ابْنِه وبِنْتِه نِصْفَين في مَرَضِ مَوْته، صَحَّ على رِوايَةِ الجَماعَةِ، ولَزِم؛ لأنَّه لَمّا كان يَجُوزُ تَخْصِيصُ البِنْتِ بوَقْفِ الدّارِ كُلِّها، فنِصْفُها أوْلَى. وعلى الرِّوايَةِ التي نَصَرْناها، إن أجازَه الابنُ، جاز، وإن رَدَّه، بَطَل الوَقْفُ فيما زاد على نَصِيبِ الابنِ، وهو السُّدْسُ، ويَرْجِعُ إلى الابْنِ مِلْكًا، فيكونُ له النِّصْفُ وَقْفًا، والسُّدْسُ مِلْكًا طَلْقًا، والثُّلُثُ جَمِيعُه. للبِنْتِ وَقْفًا. ويَحْتَمِلُ أنَّ يَبْطُلَ الوَقْفُ في نِصْفِ ما وَقَف على البِنْتِ، وهو الرُّبْعُ، ويَبْقَى ثلاثةُ أرْباعِ الدّارِ وَقْفًا، نِصْفُها للابنِ، ورُبْعُها للبِنْتِ، والرُّبْعُ الذي بَطَل الوَقْفُ فيه بينَهما أثلاثًا. وتَصِحُّ المسألةُ مِن اثْنَيْ عَشَرَ؛ للابنِ سِتَّةُ أسْهُم وَقْفًا وسَهْمان مِلْكًا، وللبِنْتِ ثلاثةُ أسْهُمٍ وَقْفًا وسَهْمٌ مِلْكًا. ولو وَقَفَها على ابنِه وزَوْجَتِه نِصْفَين، وهي تَخْرُجُ مِن ثُلُثِه، فرَدَّ الابنُ، صَحَّ الوَقْف على الابنِ في نِصْفِها، وعلى المرأةِ في ثُمْنِها. وللابنِ إبْطالُ الوَقْفِ في ثَلاثَةِ أثْمانِها، وتَرْجِعُ إليه مِلْكًا على الوَجْهِ الأوَّلِ، وعلى الوَجْهِ الثانِي، يَصِحُّ

стр. 8223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوَقْفُ [على الابنِ في نِصْفِها، وهو أرْبَعَةُ أسْباعِ نَصِيبِه، ويَرْجِعُ إليه باقِي نَصِيبِه مِلْكًا، ويَصِحُّ الوَقْف] (١) في أرْبَعةِ أسْباعِ الثمْنِ الذي للمرأةِ، وباقِيه يكون لها مِلْكًا، فاضْرِبْ سَبْعَةً في ثمانيةٍ تَكنْ سِتَّةً وخَمْسِين، للابنِ ثمانية وعِشْرون وَقْفًا، وأحَدٌ وعِشْرون مِلْكًا، وللمرأةِ أرْبَعة أسْهُمٍ وَقْفًا، وثلاثةٌ مِلْكًا. وهكذا ذَكَر أصحابُ الشافعيِّ. فأمّا إن كانتِ الدّارُ جَمِيعَ مِلْكِه فَوقَفَها كلَّها، فعَلى ما اخْتَرْناه، الحكْمُ فيها كما لو كانت تَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ، فإن الوارِثَ في جَمِيعِ المالِ كالأجْنَبِيِّ في الزّائِدِ عن الثُّلُثِ. وأمّا على ما رَواه الجَماعَةُ، فإن الوَقْفَ يَلْزَمُ في الثُّلُثِ مِن غيرِ اخْتِيارِ الوَرَثَةِ، وما زاد فلهما إبْطالُ الوَقْفِ فيه، وللابنِ إبْطالُ التَّسْويَةِ، فإنِ اخْتارَ إبْطال التَّسْويَةِ دُونَ إبْطالِ الوَقفِ، خرِّجَ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، أنَّه يَبطُل الوَقْف في التُّسْعِ، ويَرْجِعُ إليه مِلْكًا، فيَصِيرُ له النِّصْفُ وَقْفًا، والتُّسْعُ مِلْكًا، وللبِنْتِ الثُّلُثُ وَقْفًا، ونِصْفُ التُّسْعِ مِلْكًا؛ لِئلَّا تَزْدادَ البِنْت على الابنِ في الوَقْفِ. وتَصِح المَسْألة في هذا الوَجْهِ مِن ثمانيةَ عَشَرَ؛ للابنِ تِسْعَةٌ وَقْفًا، وسَهْمان مِلْكًا، وللبِنْتِ سِتَّة وَقْفًا، وسَهْمٌ مِلْكًا. وقال أبو الخَطَّابِ: له إبْطالُ الوَقْفِ في الرُّبْعِ كلِّه، ويَصِير له [النِّصْفُ وَقْفًا، والسُّدْس مِلْكًا، ويكونُ للبِنْتِ الرُّبعُ وَقْفًا، ونِصْفُ السُّدْسِ مِلْكًا، كما لو كانت] (١) الدّارُ تَخْرجُ مِن الثُّلثِ، وتَصِحُّ مِن اثْنَيْ عَشَرَ.

стр. 8224

وَلَا يَجُوزُ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إلا الأبَ. وَعَنْهُ، لَيسَ لَهُ الرُّجُوع. وَعَنْهُ، لَهُ الرُّجُوعُ إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا حَقٌّ أَوْ رَغْبَةٌ، نحْوَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْوَلَدُ أَوْ يُفْلِسَ. ــ ٢٦١٩ - مسألة: (ولا يجوزُ لواهِبٍ أنَّ يَرْجِعَ في هِبَتِه إلَّا الأبَ. وعنه، ليس له الرُّجوعُ. وعنه، له الرُّجوعُ إلَّا أنَّ يَتَعَلقَ به حقٌّ أو رغبةٌ، نحوَ أن يَتَزَوَّجَ الولدُ أو يُفْلِسَ) لا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّ غيرَ الأبِ والأمِّ لا يجوزُ له الرُّجُوعُ في الهِبَةِ والهَدِيَّةِ. وبه قال الشافعيُّ. وقال النَّخَعِي، والثَّوْريُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي: مَن وَهَب لغيرِ ذي رَحِم، فله الرُّجُوعُ ما لم يُثَبْ عليها، ومَن وَهَب لذي رَحِمٍ، فليس له الرُّجُوعُ. ورُوي ذلك عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، ﵁. لِما روَى أبو هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «الرجُلُ أحَقُّ بهِبَتِه مَا لَمْ يُثَبْ مِنْها». رَواه

стр. 8225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ابنُ ماجه (١). ولقولِ عُمَرَ، ﵁: مَن وَهَب هِبَة يَرَى أنَّه أراد بها صِلَةَ الرَّحِمِ، أو على وَجْهِ صَدَقَة، فإنَّه لا يَرْجِعُ فيها، ومَن وَهَب هِبَةً أراد بها الثَّوابَ، فهو على هِبَتِه يَرْجعُ فيها ما لم يُرْضَ منها. رَواه مالِكٌ في «المُوَطَّأ» (٢). ولأنَّه لم يَحْصُلْ عَنها عِوَضٌ، فجاز له الرُّجُوعُ فيها، كالعارِيَّةِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «العَائِدُ في هِبَتِه كَالْعَائِدِ فِي قَيئه». وفي لَفْظٍ: «كالكَلْبِ يَعُودُ في قَيئه». وفي رِوايَةٍ: «لَيسَ لَنَا مَثَل السَّوْءِ، العائِدُ في هِبَتِه كالكَلْبِ يَعُودُ في قَيئِه». مُتَّفقٌ عليه (٣). وروَى عَمْرُو بنُ

стр. 8226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شُعَيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ قال: «لَا يَرْجِعُ واهِبٌ فِي هِبَتِه، إلَّا الوَالِدَ مِنْ وَلَدِه» (١). ولأنَّه واهِبٌ لا ولايةَ له في المالِ، فلم يَرْجِعْ في هِبَتِه لذي الرَّحِمِ المَحْرَمِ. وأحادِيثُنا أصَحُّ مِن حَدِيثهم وأوْلَى. وقولُ عُمَرَ قد رُوِيَ عن ابنِه وابنِ عباس خِلافُه. وأمّا العارِيَّةُ فهي هِبَةُ المَنافِعِ، ولم يَحصُلِ القَبْضُ فيها. فإن قَبَضَها باسْتِيفائِها، فنَظيرُ مَسْألتِنا، ما اسْتَوْفَى مِن مَنافِعِ العارِيَّةِ فإنَّه لا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فيها. وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بهِبَةِ الأجْنَبِيِّ؛ فإنَّ فيها ثَوابًا، وقد جَوَّزُوا فيها الرُّجُوعَ، فحَصَلَ الاتِّفاقُ على أنَّ ما وَهَب الإنسانُ لذوي رَحِمِه المَحْرَمِ غيرِ الوَالِدَين لا رُجُوعَ فيه، وكذلك ما وَهَب الزَّوْجُ امْرَأتَه. والخِلافُ فيما عَدا هذا. فعندَنا لا يَرْجِعُ إلَّا الوَالِدُ، وعندَهم لا يَرْجِعُ إلَّا الأجْنَبِيُّ.

стр. 8227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فأمّا الأبُ، فله الرُّجُوعُ فيما وَهَب لوَلَدِه، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، سَواءٌ قَصَد برُجُوعِه التَّسْويَةَ بينَ أوْلادِه أو لا. وبه قال مالِكٌ، والشافعيُّ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وعن أحمدَ رِوايَة أُخْرَى: ليس له الرُّجُوعُ. وبها قال أصحابُ الرَّأْي، والثَّوْرِيُّ، والعَنْبَرِيُّ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «العَائِدُ في هِبَتِه كالعَائِدِ في قَيئه». مُتَّفَق عليه. ولِما ذَكَرْنا مِن حديثِ عُمَرَ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ لبَشِيرِ (١) بنِ سعدٍ: «فَارْدُدْهُ». ورُوِيَ: «فأرْجِعْهُ». رَواه كذلك (٢) مالِكٌ عن

стр. 8228

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الزهْرِيِّ، عن حُمَيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن النُّعْمانِ. فأمَرَه بالرُّجُوعِ في هِبَتِها، وأقَلُّ أحْوالِ الأمْرِ الجَوازُ، وقد امْتَثَلَ بَشِيرُ بنُ سعدٍ ذلك، فرَجَعَ في هِبَتِهِ، لوَلَدِه، ألا تَراه قال في الحديثِ: فرَجَعَ أبي، فرَدَّ تلك الضدَقَةَ. فإن قِيلَ: يُحْمَلُ الحديثُ على أنَّه لم يكنْ أعْطاه شيئًا. قُلْنا: هذا يُخالِفُ ظاهِرَ الحديثِ؛ لقَوْلِه: تَصَدَّقَ أبي عَلَيَّ بصَدَقَةٍ. وقول بَشِير: إنِّي نَحَلْتُ ابْني غُلامًا. يَدُلُّ على أنَّه كان قد أعْطاهُ. وقول النبيِّ ﷺ : «فَارْدُدْهُ». وروَى طاوُسٌ، عن ابنِ عُمَرَ وابنِ عَبّاس، يَرْفَعان الحديثَ إلى النبيِّ ﷺ إنه قال: «لَيسَ لأحَدٍ أنْ يُعْطِيَ عَطيةً فيَرْجِعَ فيها، إلَّا الوَالِدَ فِيمَا

стр. 8229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُعْطِي وَلَدَهُ». رَواه التِّرْمِذِيُّ (١). وقال: حديثٌ حسنٌ. وهذا يَخُصُّ عُمُومَ ما رَوَوْه. وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بهِبَةِ الأجْنَبِيِّ، فإنَّ فيها أجْزًا وثَوابًا، فإنَّ النبي ﷺ نَدَب إليها. وعندَهم له الرُّجُوعُ فيها. والصَّدَقَةُ على الوَلَدِ كمَسْألتِنا، وقد دَلَّ حديثُ النُّعْمانِ بنِ بَشِير على جَوازِ الرُّجُوعِ في الصَّدَقَةِ؛ لقَوْلِه: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أبي بصَدَقَةٍ.

стр. 8230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فأمّا الأُمُّ، فظاهِرُ كَلام أحمدَ، أنَّه ليس لها الرُّجُوعُ. قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبِي عبدِ اللهِ: الرُّجُوعُ لَلمرأةِ فيما أعْطَتْ وَلَدَها كالرجلِ؟ قال: ليس هي عندِي [في هذا] (١) كالرجلِ؛ لأنَّ للأبِ أنَّ يَأْخُذَ مِن مالِ وَلَدِه، والأمُّ لا تَأْخُذُ. وذَكَر حديثَ عائشةَ: «أطْيَبُ مَا أكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِه، وإنَّ وَلَدَه مِن كَسْبِه» (٢). أي كأنَه الرجلُ. ولا يَصِحُّ قِياسُ الأمِّ علي الأبِ؛ لأنَّ للأبِ ولايةً على وَلَدِه، ويَحُوزُ جَمِيعَ المالِ في
следующие страницы →