← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 8226–8265 · переход к 8231.

стр. 8226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شُعَيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ قال: «لَا يَرْجِعُ واهِبٌ فِي هِبَتِه، إلَّا الوَالِدَ مِنْ وَلَدِه» (١). ولأنَّه واهِبٌ لا ولايةَ له في المالِ، فلم يَرْجِعْ في هِبَتِه لذي الرَّحِمِ المَحْرَمِ. وأحادِيثُنا أصَحُّ مِن حَدِيثهم وأوْلَى. وقولُ عُمَرَ قد رُوِيَ عن ابنِه وابنِ عباس خِلافُه. وأمّا العارِيَّةُ فهي هِبَةُ المَنافِعِ، ولم يَحصُلِ القَبْضُ فيها. فإن قَبَضَها باسْتِيفائِها، فنَظيرُ مَسْألتِنا، ما اسْتَوْفَى مِن مَنافِعِ العارِيَّةِ فإنَّه لا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فيها. وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بهِبَةِ الأجْنَبِيِّ؛ فإنَّ فيها ثَوابًا، وقد جَوَّزُوا فيها الرُّجُوعَ، فحَصَلَ الاتِّفاقُ على أنَّ ما وَهَب الإنسانُ لذوي رَحِمِه المَحْرَمِ غيرِ الوَالِدَين لا رُجُوعَ فيه، وكذلك ما وَهَب الزَّوْجُ امْرَأتَه. والخِلافُ فيما عَدا هذا. فعندَنا لا يَرْجِعُ إلَّا الوَالِدُ، وعندَهم لا يَرْجِعُ إلَّا الأجْنَبِيُّ.

стр. 8227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فأمّا الأبُ، فله الرُّجُوعُ فيما وَهَب لوَلَدِه، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، سَواءٌ قَصَد برُجُوعِه التَّسْويَةَ بينَ أوْلادِه أو لا. وبه قال مالِكٌ، والشافعيُّ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وعن أحمدَ رِوايَة أُخْرَى: ليس له الرُّجُوعُ. وبها قال أصحابُ الرَّأْي، والثَّوْرِيُّ، والعَنْبَرِيُّ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «العَائِدُ في هِبَتِه كالعَائِدِ في قَيئه». مُتَّفَق عليه. ولِما ذَكَرْنا مِن حديثِ عُمَرَ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ لبَشِيرِ (١) بنِ سعدٍ: «فَارْدُدْهُ». ورُوِيَ: «فأرْجِعْهُ». رَواه كذلك (٢) مالِكٌ عن

стр. 8228

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الزهْرِيِّ، عن حُمَيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن النُّعْمانِ. فأمَرَه بالرُّجُوعِ في هِبَتِها، وأقَلُّ أحْوالِ الأمْرِ الجَوازُ، وقد امْتَثَلَ بَشِيرُ بنُ سعدٍ ذلك، فرَجَعَ في هِبَتِهِ، لوَلَدِه، ألا تَراه قال في الحديثِ: فرَجَعَ أبي، فرَدَّ تلك الضدَقَةَ. فإن قِيلَ: يُحْمَلُ الحديثُ على أنَّه لم يكنْ أعْطاه شيئًا. قُلْنا: هذا يُخالِفُ ظاهِرَ الحديثِ؛ لقَوْلِه: تَصَدَّقَ أبي عَلَيَّ بصَدَقَةٍ. وقول بَشِير: إنِّي نَحَلْتُ ابْني غُلامًا. يَدُلُّ على أنَّه كان قد أعْطاهُ. وقول النبيِّ ﷺ : «فَارْدُدْهُ». وروَى طاوُسٌ، عن ابنِ عُمَرَ وابنِ عَبّاس، يَرْفَعان الحديثَ إلى النبيِّ ﷺ إنه قال: «لَيسَ لأحَدٍ أنْ يُعْطِيَ عَطيةً فيَرْجِعَ فيها، إلَّا الوَالِدَ فِيمَا

стр. 8229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُعْطِي وَلَدَهُ». رَواه التِّرْمِذِيُّ (١). وقال: حديثٌ حسنٌ. وهذا يَخُصُّ عُمُومَ ما رَوَوْه. وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بهِبَةِ الأجْنَبِيِّ، فإنَّ فيها أجْزًا وثَوابًا، فإنَّ النبي ﷺ نَدَب إليها. وعندَهم له الرُّجُوعُ فيها. والصَّدَقَةُ على الوَلَدِ كمَسْألتِنا، وقد دَلَّ حديثُ النُّعْمانِ بنِ بَشِير على جَوازِ الرُّجُوعِ في الصَّدَقَةِ؛ لقَوْلِه: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أبي بصَدَقَةٍ.

стр. 8230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فأمّا الأُمُّ، فظاهِرُ كَلام أحمدَ، أنَّه ليس لها الرُّجُوعُ. قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبِي عبدِ اللهِ: الرُّجُوعُ لَلمرأةِ فيما أعْطَتْ وَلَدَها كالرجلِ؟ قال: ليس هي عندِي [في هذا] (١) كالرجلِ؛ لأنَّ للأبِ أنَّ يَأْخُذَ مِن مالِ وَلَدِه، والأمُّ لا تَأْخُذُ. وذَكَر حديثَ عائشةَ: «أطْيَبُ مَا أكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِه، وإنَّ وَلَدَه مِن كَسْبِه» (٢). أي كأنَه الرجلُ. ولا يَصِحُّ قِياسُ الأمِّ علي الأبِ؛ لأنَّ للأبِ ولايةً على وَلَدِه، ويَحُوزُ جَمِيعَ المالِ في

стр. 8231

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المِيراثِ، بخِلافِ الأمِّ. ويَحْتَمِلُ أنَّ لها الرُّجُوعَ، وهو ظاهِرُ كَلام الخرَقِيِّ؛ فإنَّه قال: وإذا فاضَلَ بينَ أوْلادِه أُمِر برَدِّه. فيَدْخُلُ فيه الأمُّ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّها داخِلَةٌ في قَوْلِه: «إلَّا الوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَه». ولأنَّها دَخَلَتْ في قولِ النبيِّ ﷺ : «سَوُّوا بَينَ أوْلادِكُمْ». فيَنْبَغِي أنَّ تتَمَكَّنَ مِن الرُّجُوعِ في الهِبَةِ، ولأنَّه طَرِيقٌ إلى التسْويَةِ، ورُبَّما لا يكونُ لها طَرِيقٌ غيرُه إذا لم يُمْكِنْ إعطاءُ الآخَرِ كما أعْطَتِ الأوَّلَ؛ لأنَّها لما ساوَتِ الأبَ في تَحْرِيمِ تَفْضِيلِ بعضِ وَلَدِها، يَنبغِي أنَّ

стр. 8232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تُساويَه في التَّمَكنِ مِن الرُّجُوعِ فيما فَضَّلَتْه بهِ، تَخْلِيصًا لها مِن الإثْمِ، وإزالةً للتَّفْضِيلِ (١) المُحَرَّمِ، كالأبِ. وهذا الصحيحُ، إن شاء الله تُعالى. وقال مالِكٌ: للأمِّ الرُّجُوعُ فيما وَهَبَتْ وَلَدَها، ما كان أبوه حَيًّا، فإن كان مَيِّتًا فلا رُجُوعَ لها؛ لأنَّها هِبَةٌ ليَتِيم، وهِبَة اليَتِيمِ لازِمَةٌ، كصَدَقةِ التَّطَوُّعِ. ومِن مَذْهَبِه أنَّه لا يُرْجَعُ في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ. فصل: وحُكْمُ الصُّدَقَةِ حُكْمُ الهِبَةِ فيما ذَكَرْنا. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ. وفَرَّقَ مالِكٌ وأصحابُ الرأي بينَهما، فلم يُجِيزُوا الرُّجُوعَ في الصَّدَقَةِ بحالٍ، واحْتَجُّوا بحديثِ عُمَرَ: مَن وَهَب هِبَةً أراد بها صِلَةَ الرَّحِمِ، أو على وَجْهِ صَدَقَةٍ، فإنَّه لا يَرْجِعُ. ولَنا، حديثُ النُّعْمانِ، فإنَّه قال: تَصَدَّقَ أبي عَلَيَّ بصَدَقَةٍ، فرَجَعَ أبي فرَدَّ تلك الصَّدَقَةَ. وأيضًا قولُ النبيِّ ﷺ : «إلَّا الوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَه». وهذا يُقَدَّمُ على قولِ عُمَرَ، ثم هو خاصُّ في الوالِدِ (٢)، وحديثُ عُمَرَ عام (٣)، فيَجِبُ تَقْدِيمُ الخاصِّ عليه. فصل: وللرُّجُوعِ في هِبَةِ الوَلَدِ شُرُوط أرْبَعَة؛ أحَدُها، أنَّ يَبْقَى مِلْكُ الابنِ فيها، فإن خَرَجَتْ عن مِلْكِه ببَيع أو هِبَةٍ أو وَقْفٍ أو غيرِ ذلك، لم يكنْ، له الرجُوعُ فيها؛ لأنَّه إبْطالٌ لمِلكِ غير (٤) الوَلدِ، فأشْبَهَ غيرَ

стр. 8233

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المَوْهُوبِ للوَلَدِ. الثانِي، أنَّ تكونَ العَينُ باقِيَةً في تَصَرُّفِ الوَلَدِ، يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في رَقَبَتِها، فإنِ اسْتَوْلَدَ الأمَةَ، لم يَمْلِكِ الرُّجُوعَ؛ لأنَّ المِلْكَ فيها لا يَحوزُ نَقْلُه إلى غيرِ سَيِّدِها. وكذلك إن أفْلَسَ وحُجِر عليه أو رَهَن العَينَ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى إبْطالِ حَقِّ غيرِ الوَلَدِ. فإن زال المانِعُ مِن التَّصَرُّفِ، فله الرُّجُوعُ؛ لأنَّ مِلْكَ الابنِ يَزُلْ، وإنَّما طَرَأ مَعْنًى قَطَع التَّصَرُّفَ مع بَقاءِ المِلْكِ فمَنَعَ الرُّجُوعَ، فإذا زال زال المَنْعُ. والصحيحُ في التَّدْبِيرِ أنَّه لا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ. فإن قُلْنا: يَمْنَعُ البَيعَ. مَنَع الرُّجُوعَ، كالاسْتِيلادِ. وكلُّ تصَرُّفٍ لا يَمْنَعُ الابنَ التَّصَرُّفَ في الرَّقَبَةِ؛ كالوَصِيَّةِ، والهِبَةِ قبلَ القَبْضِ فيما يَفْتَقِرُ إليه، والوَطْءِ، والتَّزْويجِ، والإجارَةِ، والمُزارَعَةِ عليها، وجَعْلِها مُضارَبَةً، أو في عَقْدِ شَرِ كَةٍ، فكل ذلك لا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ تصَرُّف الابنِ في رَقبَتِها، وكذلك تعْلِيقُ العِتْقِ بصِفةٍ. وإذا رَجَع وكان التَّصَرُّفُ لازِمًا؛ كالإجارَةِ، والتَّزْويجَ، والكِتابَةِ، فهو باقٍ بحالِه؛ لأنَّ الابنَ لا يَمْلِكُ إبْطاله، [فكذلك مَن انْتَقَلَ إليه. وإن كان جائِزًا، كالوَصِيَّةِ، والهبَةِ قَبلَ القَبْضِ، بَطَل، لأنَّ الابنَ يَمْلِكُ إبْطاله] (١). وأمّا التَّدْبِيرُ والمُعَلَّقُ عِتْقه بصِفةٍ، فلا يَبْقَى حُكْمُها في حَقِّ الأبِ، ومتى عاد إلى الابْنِ عادَ حُكْمُها. والبَيعُ الذي للابنِ فيه خِيارٌ، إمّا بالشَّرْطِ، أو عَيب في الثَّمَنِ، أو غيرِ ذلك، فيَمْنَعُ

стр. 8234

وَإنْ نَقَصَتِ الْعَينُ، أَوْ زَادَتْ زيَادَةً مُنْفَصِلَةً، لَمْ تَمْنَعِ الرُّجُوعَ، الزِّيَادَةُ لِلابْنِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا لِلأَب. وَهَلْ تَمْنَعُ الْمُتَّصِلَةُ ــ الرُّجُوعَ؛ لأن الرُّجُوعَ يتَضمنُ فَسْخَ مِلْكِ الابنِ في عِوَضِ المَبِيعِ، ولم يَثْبُتْ ذلك مِن جِهَتِه. فصل: فإن تَعَلَّقَ بها رَغْبةٌ لغيرِ الوَلَدِ، مثلَ أنَّ يَهَبَ وَلَدَه شيئًا، فيَرْغَبَ النّاسُ في مُعامَلَتِه ويُداينُوه، أو في مُناكَحَتِه، فيُزَوِّجُوه، أو يَهَبَ بِنْتَه فتَتَزَوَّجَ لذلك، فعن أَحمدَ رِوايَتانِ؛ أولاهما، ليس له الرُّجُوعُ. قال أحمدُ، في رِوايَةِ أبي الحارِثِ، في الرجلِ يَهَبُ ابْنَه مالًا: فله الرُّجُوعُ إلَّا أنَّ يكونَ غَرَّ به قَوْمًا، فإن غَرَّ به، فليس له أنَّ يَرْجِعَ. وهذا مَذْهَبُ مالِكٍ؛ لأنَّه تَعَلَّقَ بها حَقُّ غيرِ الابنِ، ففي الرُّجُوعِ إبْطالُ حَقِّه، وقد قال، ﵊: «لَا ضَرَرَ وَلَا إضْرَارَ» (١). وفي الرُّجُوعِ ضَرَرٌ، ولأنَّ في هذا تَحيُّلًا على إلْحاق الضَّرَرِ بالمسلمين، ولا يجوزُ ذلك. والثانيةُ، له الرُّجُوعُ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّ حَقَّ المُتَزَوِّجِ والغَرِيمِ لم يَتَعَلَّقْ بعَينِ هذا المالِ، فلم يَمْنَعِ الرجُوعَ فيه. وإن دايَنَه النّاسُ فأفْلَسَ ولم يُحْجَرْ عليه، فعلى الرِّوايَتَين. ٢٦٢٠ - مسألة: (وإن نَقَصَتِ العَينُ، أو زادت زِيادَةً مُنْفَصِلَةً، لم تَمْنَعِ الرُّجُوعَ، والزِّيادَةُ للابنِ. ويَحْتَمِلُ أنَّها للأبِ. وهل تَمْنَعُ

стр. 8235

الرُّجُوعَ؟ عَلَى رِوَايَتَينَ. ــ المُتَّصِلةُ الرُّجُوعَ؟ على رِوايَتَين) أمّا الزِّيادَةُ المُنْفَصِلَةُ؛ كالوَلَدِ، وثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ، وكَسْبِ العَبْدِ، فلا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه. والزِّيادَةُ للوَلَدِ؛ لأنَّها حادِثَةٌ في مِلْكِه، ولا تَتْبَعُ في الفُسُوخِ، فلا تَتْبَعُ ههُنا. ويَحْتَمِل أنَّها للأبِ. ذكرَه القاضي، كالرَّدِّ بالعَيبِ. فإن كانتِ الزِّيادَةُ وَلَدَ أمَةٍ لا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بينَه وبينَ أُمِّه، مَنَع الرُّجُوعَ؛ لأنَّه يَلْزَمُ منه التُّفْرِيقُ بينَه وبينَ أُمِّه، وهو مُحَرَّمٌ، إلَّا أنَّ نقولَ: إنُّ الزِّيادَةَ المُنْفَصِلَةَ للأب. فلا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّه يَرْجِعُ فيهما جَمِيعًا، أو يَرْجِعُ في الأمِّ، ويتَمَلكُ الوَلَدَ (١) مِن مالِ وَلَدِه. فصل: فإن تَلِف بعضُ العَين، أو نَقَصَتْ قِيمَتُها، لم يَمْنَعِ الرُّجُوعَ فيها، ولا ضَمان على الابنِ فيما تلِف منها؛ لأنَّه تلف على مِلكِه، سَواءٌ تَلِف بفِعْلِ الابنِ أو بغيرِ فِعْلِه. وإن جَنَى العَبْدُ جِنايَةً، تَعلُّقَ أرْشُها برَقَبَتِه،

стр. 8236

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فهو كنُقْصانِه بذَهابِ بعضِ أجْزائِه، وللأبِ الرُّجُوعُ فيه، فإن رَجَع فيه، ضَمِن أرْشَ الجِنايَةِ. وإن جُنِيَ على العَبْدِ، فرَجَعَ الأبُ فيه، فأرْشُ الجنايَةِ عليه للابنِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ الزِّيادَةِ المُنْفَصِلَةِ. فإن قِيل: فلو أراد الأَبُ الرُّجُوعَ في الرَّهْنِ، وعليه فَكاكُه، لم يَمْلِكْ ذلك، فكيف يَمْلِكُ الِرُّجُوعَ في العَبْدِ الجانِي إذا أدَّى أرْشَ الجنايَةِ؟ قُلْنِا: الرَّهْنُ يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ في العَينِ، بخِلافِ الجِنايَةِ، ولأنَّ فَكُّ الرَّهْنِ فَسْخٌ لعَقْدٍ عَقَدَه المَوْهُوبُ له، وههُنا لم يتَعَلَّقِ الحَقُّ به مِن جِهَةِ العَقْدِ، فافْتَرَقا.

стр. 8237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فأمّا الزِّيادَةُ المُتَّصِلَةُ، كالسِّمَنِ والكِبَرِ وتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، إذا زادت بها القِيمَةُ، فعن أحمدَ فيها روايَتان؛ إحْداهما، لا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ. وهو مَذهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّها زِيادَة في المَوْهُوبِ، فلم تمْنَعِ الرُّجُوعَ، كالزِّيادَةِ قبلَ القَبْضِ، والمُنْفَصِلَةِ. والثانيةُ، تَمْنَعُ. وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الزِّيادَةَ للمَوْهُوبِ له، لكونِها نَماءَ مِلْكِه، ولم تَنْتَقِلْ إليه مِن جِهَةِ أبيه، فلم يَمْلِكِ الرُّجُوعَ فيها، كالمُنْفَصِلَةِ، وإذا امْتَنَعَ الرُّجُوعُ فيها، امْتَنَعَ الرُّجُوعُ في الأصْلِ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلى سُوءِ المُشارَكَةِ وضَرَرِ التَّشقِيصِ، ولأنَّه فسخُ اسْتِرْجاعٍ للمالِ بفَسْخِ عَقْدٍ لغيرِ عَيبٍ في عِوَضِه، فمَنَعَه الزِّيادَةُ المُتَّصِلَةُ، كاسْتِرْجاعِ الصَّداقِ بفَسْخِ النِّكاحَ، أو نِصْفِه بالطَّلاقِ، ورُجُوعِ البائِعِ في المَبِيعِ لفَلَسِ المُشْتَرِي. وفارَقَ الرَّدَّ بالعَيبِ مِن جِهَةِ أنَّ الرَّدَّ مِن المُشْتَرِي، وقد رَضِيَ ببَذْلِ الزِّيادَةِ. وإن فرض الكَلام فيما إذا باع عَرْضًا بعَرْض فزاد أحَدُهما، ووَجَد المُشْتَرِي بالآخَرِ عَيبًا، قُلْنا: بائِعُ المَعِيبِ سَلَّطَ المُشْتَرِيَ على الفَسْخِ ببَيعِه

стр. 8238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المَعِيبَ، فكأنَّ الفَسْخَ وُجِد منه. ولهذا قُلْنا فيما إذا فَسَخ الزَّوْجُ النِّكاحَ لعَيبِ المرأةِ قبلَ الدُّخُولِ: يَسْقُطُ صَداقُها، كما لو فَسَختْه. وعلى هذا، لا فَرْقَ بينَ الزِّيادَةِ في العَينِ؛ كالسِّمَنِ والطُّولِ ونحوهما، أو في المَعانِي؛ كتَعَلُّم. صِناعَةٍ، أو كِتابَةٍ، أو قُرْآنٍ، أو عِلْم، أو إسْلام، أو قَضاءِ دَينٍ عنه. وبهذا قال محمدُ بنُ الحسنِ. وقال أبو حنيفةَ: الزيادَةُ بتَعَلُّمِ القُرْآنِ وقَضاءِ دَينٍ عنه، لا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ. ولَنا، أنَّها زِيادَة لها مُقابِل مِن الثمَنِ، فمَنَعَتِ الرُّجُوعَ، كالسِّمَنِ، وتَعَلمِ صَنْعَةٍ. وإن زاد ببُرْئِه مِن مَرَضٍ أو صَمَمٍ، مَنَع الرُّجُوعَ، كسائرِ الزِّياداتِ. وإن كانت زِيادَةُ العَينِ أو التَّعَلمِ لا تزِيدُ في قِيمَتِه شيئًا أو تَنْقُصُ منها، لم تَمْنَعِ الرُّجُوعَ؛ لأنَّه ليس بزِيادَةٍ في المالِيّةِ. فصل؛ فإن قَصَر العَينَ أو فَصَّلَها، فهي زِيادَةٌ مُتَّصِلَة، هل تَمْنَعُ الرُّجُوعَ أو لا؟ مَبْنِيٌّ على الرِّوايَتَين في السِّمَنِ. قال شيخُنا (١): ويَحْتَمِل أن تَمْنَعَ هذه الزِّيادَةُ الرُّجُوعَ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّها حاصِلَةٌ بفِعْلِ الابنِ، فجَرَتْ مَجْرَى العَينِ الحاصِلَةِ بفِعْلِه، بخِلافِ السَّمَنِ، فإنَّه يَحْتَمِلُ أنَّ يكونَ للأبِ، فلا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّه نَماءُ العَينِ، فيكونُ تابِعًا لها. وإن

стр. 8239

وَإِنْ بَاعَهُ الْمُتَّهِبُ ثُمَّ رَجَعَ اليهِ بِفَسْخ أَوْ إِقَالةٍ، فَهَلْ لَهُ الرُجُوعُ؟ عَلَى وَجْهَينِ. وَإِنْ رَجَعَ إلَيهِ بِبَيع أَوْ هِبَةٍ، لَمْ يَمْلِكِ الرُّجُوعَ. ــ وَهَبَه حامِلًا فوَلَدَتْ في يَدِ الابْنِ، فهي زِيادَةٌ مُتَّصِلَةٌ في الوَلَدِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ يكونَ الوَلَدُ زِيادَةً مُنْفَصِلَةً إذا قُلْنا: الحَمْلُ لا حُكْمَ له. وإن وَهَبَه حامِلًا ثم رَجَع فيها حامِلًا، جاز، إذا لم تَزِدْ قيمَتُها، وإن زادتْ قِيمَتهِا، فهي زِيادَة مُتَّصِلَةٌ. وإن وَهَبَه حائِلًا فحَمَلَتْ، فهي زِيادَة مُنْفَصِلَةٌ، وله الرُّجُوعُ فيها دُونَ حَمْلِها. وإن قُلْنا: إنَّ الحَمْلَ لا حُكْمَ له. فزادت به قِيمَتُها، فهي زِيادَة مُتَّصِلَةٌ. وإن لم تَزِدْ، جاز الرُّجُوعُ فيها. وإن وَهَبَه نَخْلًا فحَمَلَتْ، فهي قبلَ التَّأْبِيرِ زِيادَة مُتَّصِلَةٌ، وبعدَه زِيادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ. ٢٦٢١ - مسألة: (وإن باعَه المُتَّهِبُ ثم رَجَع إليه بفَسْخٍ أو إقالةٍ، فهل له الرُّجُوعُ؟ على وَجْهَين. وإن رَجَع إليه ببَيعٍ أو هِبَةٍ، لم يَمْلِكِ الرُّجُوعَ) إذا خَرَجَتِ العَينُ عن مِلْكِ الابْنِ ببَيعٍ أو هِبَةٍ، ثم عادت إليه بسَبَبٍ، كبَيعٍ أو هِبَةٍ أو وَصِيَّةٍ أو إرْثٍ أو نحوه، لم يَمْلِكِ الأبُ الرُّجُوعَ فيها؛ لأنَّها عادت بمِلْكٍ جَدِيدٍ لم يَسْتَفِدْه مِن قِبَلِ أبيه، فلا يَمْلِكُ فَسْخه

стр. 8240

وَإِنْ وَهَبَهُ الْمُتَّهِبُ لابْنِهِ، لَمْ يَمْلِكْ أَبُوهُ الرُّجُوعَ، إلَّا أَنْ يَرْجِعَ هُوَ. ــ وإزالتَه، كالذي لم يكنْ مَوْهُوبًا. وإن عادت إليه بفَسْخِ العَيب أو إقالةٍ أو فَلَسِ المُشْتَرِي، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَمْلِكُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّ السَّبَبَ المُزِيلَ ارْتَفَعَ، وعاد المِلْكُ بالسَّبَبِ الأوَّلِ، فأشبَهَ ما لو فَسخ البَيعَ بالخِيارِ. والثانِي، لا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّ المِلْكَ عاد إليه بعدَ اسْتِقْرارِ مِلْكِ مَن انْتَقَلَ إليه عليه، أشْبَهَ ما لو عاد إليه بالهِبَةِ. فأمّا إن عاد إليه بخِيارِ الشّرْطِ أو خِيارِ المَجْلِسِ، فله الرُّجُوعُ؛ لأنَّ المِلْكَ لم يَسْتَقِرَّ عليه. ٢٦٢٢ - مسألة: (وإن وَهَبَه المُتَّهبُ لابنِه، لم يَمْلِكْ أبوه الرُّجُوعَ، إلَّا أنَّ يَرْجِعَ هو) لأنَّ رُجُوعَه إبْطالٌ لمِلْكِ غيرِ ابنِه. فإن رجَع الابنُ في هِبَتِه، احْتَمَلَ أنَّ يَمْلِكَ الأبُ الرُّجُوعَ في هِبَتِه؛ لأنَّه فَسَخ هِبَتَه

стр. 8241

وَإنْ كَاتَبَهُ أوْ رَهَنَهُ، لَمْ يَمْلِكِ الرُّجُوعَ، إلَّا أنْ يَنْفَكَّ الرَّهْنُ وَتَنْفَسِخَ الْكِتَابَةُ. ــ برُجُوعِه، فعاد إليه المِلْكُ بالسَّبَبِ الأوَّلِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يَمْلِكَ الأبُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّهْ رَجَع إلى ابنِه بعدَ اسْتِقْرارِ مِلْكِ غيرِه عليه، فأشْبَهَ ما لو وَهَبَه ابنُ الابْنَ لأبيه (١). ٢٦٢٣ - مسألة: (وإن كاتَبَه أو رَهَنَه، لم يَمْلِكْ) أبوه (الرُّجُوعَ، إلَّا أنَّ يَنْفَكَّ الرَّهنُ وتَنْفَسِخَ) (٢) أمّا إذا رَهَنَه الابنُ، فليس للأبِ

стр. 8242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الرُّجُوعُ قبل انْفكاكِ الرهْنِ؛ لأنَّ في ذلك إبْطال حَقِّ غيرِ الوَلَدِ. فإنِ انْفَك الرَّهْنُ، فله الرُّجُوعُ؛ لزَوالِ المانِعِ، ولأنَّه عاد إلى صِحَّةِ تَصَرُّفِ الابنِ فيه، أشْبَهَ غيرَ المَرْهُونِ. وحُكْمُ الكِتابَةِ كذلك عندَ مَن لا يَرَى بَيعَ المُكاتَبِ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، وجَماعَةٍ غيرِه. فأمّا مَن أجاز بَيعَ المُكاتبِ فحُكْمُه عندَه كالعَينِ المُسْتَأجَرَةِ، والمُزَوَّجِ، على ما ذَكَرناه.

стр. 8243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والرُّجُوعُ في الهِبَةِ أنَّ يقولَ: قد رَجَعْتُ فيها. أو: ارْتَجَعْتُها. أو: رَدَدْتُها. أو نحوَ ذلك مِن الألفاظِ الدّالَّةِ على الرُّجُوعِ. ولا يَفْتَقِرُ إلى حُكْمِ حاكِمٍ. وبه قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ الرُّجُوعُ إلَّا بقَضاءِ قاض؛ لأنَّ مِلْكَ المَوْهُوبِ له مُسْتَقِرٌّ. ولَنا، أنَّه خِيارٌ في فَسْخِ عَقْدٍ، فلم يَفْتَقِرْ إلى قَضاءٍ، كالفَسْخِ بخِيارِ الشرْطِ. فإن أخَذَ ما وَهَبَه لوَلَدِه ونَوَى به الرُّجُوعَ، كان رُجُوعًا، والقولُ قَوْلُه في نِيَّتِه؛ لأنَّ ذلك لا يُعْلَمُ إلَّا منه. فإن مات الأبُ ولم يُعْلَمْ هل نَوَى الرُّجُوعَ أوْ لا، ولم تُوجَدْ قَرِينَة تَدُلُّ على الرُّجُوعِ، لم نَحْكُمْ بأنَّه رُجُوعٌ؛ لأن الأخْذَ يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ وغيرَه، فلا نزِيلُ حُكْمًا يَقِينِيًّا بأمْر مَشْكُوكٍ فيه. فإنِ اقْتَرَنَتْ به قَرائِنُ دالّةٌ على الرُّجُوعِ، كان رُجُوعًا، في أحَدِ الوَجْهَين. اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّنا اكْتَفَينا في العَقْدِ بدَلالةِ الحالِ في الفَسْخِ، ولأنَّ لَفْظَ الرُّجُوعِ إنما كان رُجُوعًا لدَلالتِه عليه، فكذلك كلُّ ما دَلَّ عليه. والآخَرُ، لا يكونُ رُجُوعًا. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ المِلْكَ ثابِتٌ

стр. 8244

وَعَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَرأَةِ تَهَبُ زَوْجَهَا مَهْرَهَا: إنْ كَانَ سَأَلهَا ذلِكَ رَدَّهُ إِلَيهَا، رَضِيَتْ أَوْ كَرِهَتْ؛ لِأَنَهَا لَا تَهَبُ لَهُ إلَّا مَخَافَةَ غَضَبِهِ أَوْ إِضْرَارٍ بِهَا بِأَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيهَا. ــ للمَوْهُوبِ له يَقِينًا، فلا يَزُولُ إلَّا بالصَّرِيحِ. قال شيخُنا (١): ويُمْكِنُ أنَّ يَنْبَنِيَ هذا على نَفْسِ العَقْدِ، فمَن أوْجَبَ الإيجابَ والقَبُولَ فيه، لم يَكْتَفِ ههُنا إلا بلَفْظٍ يَقْتَضِي زَواله، ومَن اكْتَفَى في العَقْدِ بالمُعاطاةِ الدّالَّةِ على الرِّضَا به، فههُنا أوْلَى. فإن نَوَى الرُّجُوعَ مِن غيرِ فِعْلٍ ولا قولٍ، لم يَحْصُلِ الرُّجُوعُ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه إثباتُ المِلْكِ على مالٍ مَمْلُوكٍ لغيرِه، فلم يَحْصُلْ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كسائِرِ العُقُودِ. وإن عَلَّقَ الرُّجُوعَ بشَرْطٍ، فقال: إذا جاء رَأْسُ الشَّهْرِ فقد رَجَعْتُ في الهِبَةِ. لم يَصِحَّ؛ لأن الفَسْخَ للعَقْدِ لا يَقِفُ على شَرْطٍ لا يَقِفُ العَقْدُ عليه. ٢٦٢٤ - مسألة: (وعن أحمدَ، في المرأةِ تَهَبُ زَوْجَها مَهْرَها: إن كان سَألَها ذلك رَدَّه إليها، رَضِيَتْ أو كَرِهَتْ؛ لأنَّها لا تَهَبُه له إلَّا مَخافَةَ غضَبِه أو إضْرارٍ بها بأن يَتَزَوَّجَ عليها) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في هِبَةِ المرأةِ زَوْجَها، فعنه، لا رُجُوعَ لها. وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ أبي بكرٍ. وبه قال عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، والنَّخَعِيُّ، ورَبِيعَةُ، ومالِكٌ والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي،

стр. 8245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعَطاءٌ، وقَتادَةُ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿إلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ (٢). الآية. وعُمُومِ الأحادِيثِ. وعنه رِوايَةٌ ثانيةٌ، لها الرُّجُوعُ. قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أحمدَ يُسْألُ عن المرأةِ تَهَبُ ثم تَرْجِعُ، فرَأيتُه يَجْعَلُ النِّساءَ غيرَ الرِّجالِ، ثم ذَكَر الحديثَ: «إنَّمَا يَرْجِعُ في المَوَاهِبِ النِّسَاءُ وشِرَارُ النّاسِ» (٣). وذَكَر حديثَ عُمَرَ: إنَّ النِّساءَ يُعْطِينَ أزْواجَهُن رَغْبَة ورَهْبَةً، فأيُّما امرأةٍ أعْطَتْ زَوْجَها شيئًا ثم أرادت أنَّ تَعْتَصِرَه فهي أحَقُّ به (٤). رَواه الأثْرَمُ (٥). وهذا قولُ شرَيحٍ، والشعْبِيِّ. وحَكاه الزُّهْرِيُّ عن القُضاةِ. وعنه رِوايَةٌ ثالثةٌ، نَقَلَها عنه أبو طالِبٍ: إذا وَهَبَتْ له مَهْرَها، فإن كان سألها ذلك رَدَّه إليها، رَضِيَتْ أو كَرِهَتْ؛ لأنها لا تَهَبُ إلَّا مَخافَةَ غَضَبِه أو إضْرارٍ بأن يَتَزَوَّجَ عليها، وإن لم يكنْ سَألها وتَبَرَّعَتْ (٦) به، فهو جائِزٌ. فظاهِرُ هذه الرِّوايَةِ، أنَّه متى كانت مع الهِبَةِ قَرِينَةٌ؛ مِن مَسْألَتِه لها، أو غَضَبٍ عليها، أو ما يَدُلُّ على خَوْفِها منه، فلها الرُّجُوعُ؛ لأن شاهِدَ الحالِ يَدُلُّ على أنَّها لم تَطِبْ به نَفْسًا، وإنَّما أباحه اللهُ تعالى عندَ طيبِ نَفْسِها بقَوْلِه تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. فيكونُ فيها ثلاثُ رِواياتٍ؛

стр. 8246

فَصْلٌ: وَلِلْأَبِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ، وَيَتَمَلَّكَهُ مَعَ حَاجَتِهِ وَعَدَمِهَا، فِي صِغَرِهِ وَكِبَرِهِ، إذَا لَمْ تَتَعَلَّقْ حَاجَةُ الابْنِ بِهِ. ــ إحْداها، لَيسَ لها الرُّجُوعُ، كالأجْنَبِيِّ. والثانيةُ، لها الرُّجُوعُ مُطْلَقًا؛ لحديثِ عُمَرَ. والثالثةُ، التَّفْصِيلُ الذي ذَكَرْناه. فصل: قال، ﵁: (وللأبِ أنَّ يَأْخُذَ مِن مال وَلَدِه ما شاء، ويتَمَلَّكَه مع حاجَتِه وعَدَمِها، في صِغَرِه وكِبَرِه، ما لم تتَعلَّقْ حاجَةُ الابنِ به) إنَّما يَجُوزُ ذلك بشَرْطَين؛ أحَدُهما أنَّ لا يُجْحِفَ بالابنِ، ولا يَضُرَّ به، ولا يَأْخُذَ شيئًا تَعَلَّقَتْ به حاجَتُه. الثانِي، أنَّ لا يَأْخُذَ مِن مالِ وَلَدٍ فيُعْطِيه الآخَرَ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايَةِ إسماعِيلَ بنِ سعيدٍ؛ لأنَّه

стр. 8247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَمْنُوع مِن تَخْصِيصِ بعضِ وَلَدِه بالعَطِيَّةِ مِن مالِ نَفْسِه، فلَأن يُمْنَعَ مِن تَخْصِيصِه بما أخَذَه مِن مالِ وَلَدِه الآخَرِ أوْلَى. وقد رُوِيَ أنَّ مَسْرُوقًا زَوَّجَ ابْنَتَه بصداق عَشَرَةِ آلافٍ فأخَذَها فأنفَقَها في سَبِيلِ اللهِ، وقال للزَّوْج: جَهِّزِ امْرَأتكَ. وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعيُّ: ليس له أنَّ يَأخُذَ مِن مالِ وَلَدِه إلَّا بقَدْرِ حاجَتِه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «إنَّ

стр. 8248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ دِمَاءَكُمْ وَأمْوَلُكُمْ عَلَيكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هذا». مُتَّفَقٌ عليه (١). وروَى الحَسَنُ، أنَّ النبي ﷺ قال: «كُلُّ أحَدٍ أحَقُّ بِكَسْبِه مِنْ وَلَدِه وَوَالِدِه والنَّاسِ أجْمَعِينَ». رَواه سعيدٌ في «سُنَنِه» (٢). ورُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا يَحِل مَالُ امْرِئ مُسْلِم إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِه». رَواه الدّارَقُطنيُّ (٣). ولأن مِلْكَ الابنِ تامٌّ على مالِ نَفْسِه، فلم يَجُزِ انْتِزاعُه منه، كالذي تَعَلَّقَتْ به حاجَتُه. ولَنا، [ما رَوَتْ عائِشَةُ، ﵂] (٤)، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ أطْيَبَ مَا أكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وإن أوْلَادَكُم مِنْ كَسْبِكُمْ». أخْرَجَه سعيدٌ، والتِّرْمِذيُّ (٥)، وقال: حديث حسن. وروَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: جاء رجل إلى النبيِّ ﷺ فقال: إنَّ أبى اجْتاحَ مالي. فقال: «أنْتَ ومَالُكَ لأبِيكَ». رَواهُ الطَّبرَانِيُّ في

стр. 8249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «مُعْجَمِه» مُطَولًا، ورَواه ابنُ ماجه (١)، ورَوى أبو داودَ نحوَه، ورَواه غيرُه، وزاد: «وإن أوْلَادَكُم مِنْ أطْيَبِ كَسْبِكُمْ، فَكُلُوا مِنْ أمْوالِهِمْ». وروَى محمدُ بنُ المُنْكَدِرِ، والمُطَّلِبُ بنُ حَنْطَب، قال: جاء رجل إلي النبيِّ ﷺ فقال: إنَّ لي مالًا وعِيالًا، ولأبي مالٌ وعِيَالٌ، وأبي يُرِيدُ أنْ يَأْخُذَ مالي، فقال النبي ﷺ : «أنْتَ وَمَالُكَ لِأبِيكَ». رواه سعيدٌ في «سُنَنِه» (٢). ولأن الله تعالى جَعَل الوَلَدَ مَوْهُوبًا لأبيه فقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ (٣). وقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ (٤). وقال زَكَرِيَّا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ (٥). وقال إبراهيمُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ (٦). وما كان مَوْهُوبًا له كان له أخْذُ مالِه، كعَبْدِه. قال. سُفْيانُ بنُ عُيَينَةَ، في قَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ (٧). ثم ذَكَر

стр. 8250

وَإِنْ تَصَرَّفَ فيهِ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ؛ بِبَيعٍ، أَوْ عِتْقٍ، أوْ إبْرَاءٍ مِنْ دَين، لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ. ــ بُيُوتَ سائِرِ القَراباتِ إلَّا الأوْلادَ لم يَذْكُرْهم؛ لأنَّهم دَخَلُوا في قَوْلِه: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾. فلَمّا كانت بُيُوتُ أوْلادِهم كبُيُوتِهم، لم يَذْكُرْ بُيُوتَ أوْلادِهم. ولأنَّ الرجلَ يَلِي مَال وَلَدِه مِن غيرِ تَوْلِيَةٍ، فكان له التَّصَرُّفُ فيه كمالِ نَفْسِه. وأمّا أحادِيثُهم فأحادِيثُنا تَخُصُّها وتُفَسِّرُها، فإنَّ النبيَّ ﷺ جَعَل مال الابنِ مالًا لأبِيه بقَوْلِه: «أنْتَ وَمَالُكَ لِأبِيكَ». ولا تَنافِيَ بينَهما. وقولُه ﵇: «أَحَقُّ بِه مِنْ وَالِدِه وَوَلَدِه». الحديث مُرْسَلٌ. ثم هو يَدُلُّ على تَرْجِيحِ حَقِّه على حَقِّ أبيه لا على نَفْي الحَقِّ بالكُلِّيَّةِ، والوَلَدُ أحَقُّ مِن الوالِدِ فيما تعَلَّقَتْ به حاجَتُه. ٢٦٢٥ - مسألة: (فإن تَصَرَّفَ فيه قبلَ تَمَلُّكه؛ ببَيعٍ، أو عِتْقٍ، أو إبْراءٍ مِن دَين، لم يَصِحَّ تَصرُّفُه) فيه. نَصَّ عليه أحمدُ، قال: لا يجوزُ عِتْقُ الأبِ لعَبْدِ ابْنِه ما لم يَقْبِضْه. فعلى هذا، لا يَصِحُّ إبْراؤُه مِن دَينِه،

стр. 8251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا هِبَتُه لمالِه، ولا بَيعُه له؛ لأنَّ مِلْكَ الابنِ تامٌّ على مالِ نَفْسِه، يَصِحُّ تَصَرُّفُه فيه. وذَكَر ابنُ أبي موسى في «الإرْشادِ» قال: إذا وَهَب الابنُ مِن مالِه شيئًا فليس لأبيه الاعْتِراضُ عليه؛ إلا أنَّ يكونَ للوَلَدِ عَقارٌ يَكْفِيه ويَكْفِي أباه، ولا مال له غيرُه، ولا مال لأبيه، فإنَّ أحمدَ قال: إنِ اعْتَرَضَ عليه الوالِدُ رَأيتُ أنَّ يَرُدَّه الحاكِمُ على الأبِ ولا يَبْقى فَقِيرًا لا حِيلَةَ له. ويَحِلُّ له وَطْءُ جَوارِيه، ولو كان المِلْكُ مُشْتَرَكًا لم يَحِلَّ له الوَطْءُ كما لا يَحِلُّ وَطْءُ الجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ، وإنَّما للأبِ انْتِزاعُه منه، كالعَينِ التي وَهَبَها إيّاه، فقبلَ انْتِزاعِها لا يَصِحُّ تَصَرُّفُه؛ لأنَّه تَصَرَّفَ في مِلْكِ غيرِه بغيرِ ولايةٍ. وإن كان الابنُ صَغِيرًا، لم يَصِحَّ أيضًا؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بما لا حَظَّ للصَّغِيرِ فيه، وليس مِن الحَظِّ إسْقاطُ دَيِنِه وعِتْقُ عَبْدِه وهِبَةُ مالِه. قال أحمدُ: بينَ الرجلِ وبينَ وَلَدِه رِبًا. لِما ذَكَرْناه مِن أنَّ مِلْكَ الابنِ على مالِه تامٌّ.

стр. 8252

وَإنْ وَطِيء جَارِيَةَ ابْنِهِ فَأَحْبَلَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ، وَلَا مَهْرَ وَلَا حَدَّ. وَفِي التَّعْزِيرِ وَجْهَانِ. ــ ٢٦٢٦ - مسألة: (وإن وَطِيء جارِيَةَ ابنِه فأحْبَلَها، صارت أمَّ وَلَدٍ له، ووَلَدُه حُرٌّ لا تَلْزَمُه قِيمَتُه، ولا حَدَّ) عليه (ولا مَهْرَ. وفي التَّعْزِيرِ وَجْهان) قال أحمدُ: لا يَطَأُ جارِيَةَ الابنِ إلا أنَّ يَقْبِضَها. يَعْنِي يتمَلكُها؛ لأنَّه إذا وَطِئَها قبلَ تَمَلُّكها، فقد وَطِئَها وليست زَوْجَةً ولا مِلْكَ يَمِين، فإن تَمَلَّكَها، لم يَحِلَّ له وَطْؤها حتى يَسْتَبْرِئَها؛ لأنَّه ابْتِداءُ مِلْك، فوَجَبَ الاسْتِبْراءُ فيه، كما لو اشْتَراها. فإن كان الابنُ قد وَطِئَها، لم تَحِلَّ له بحالٍ. فإن وَطِئَها قبلَ تَمَلكِها، ولم يكنْ الابنُ وَطِئَها، كان مُحَرَّمًا مِن وجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّه وَطِئَها قبلَ تَمَلُّكِها. والثانِي، أنَّه وَطِئَها قبلَ اسْتِبْرائِها. وإن كان الابنُ وَطِئَها، حُرِّمَتْ بوَجْهٍ ثالثٍ، وهو أنَّها صارت بمَنْزِلَةِ حَلِيلَةِ ابنه، فإن فَعَل، فلا حَدَّ عليه لشُبْهَةِ المِلْكِ، فإن النبي ﷺ -

стр. 8253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أضاف مال الوَلَدِ إلى أبيه، فقال: «أنْتَ وَمَالُكَ لِأبِيكَ». وإن وَلَدَتْ منه، صارت أُمَّ وَلَدٍ له، ووَلَدُه حُرٌّ؛ لأنَّه مِن وَطْءٍ سَقَط فيه الحَدُّ للشبْهَةِ، وليس للابنِ مُطالبَتُه بشيءٍ مِن قِيمَتِها ولا قِيمَةِ وَلَدِها ولامَهْر، ويَجِبُ تَعْزِيرُه في أحَدِ الوَجْهَينِ؛ لأنَّه وَطِيء وطْئًا مُحَرَّمًا، أشْبَهَ وَطْءَ الجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ. والثاني، لا يُعَزَّرُ؛ لأنَّه لا يُقْتَصُّ منه بالجِنَايةِ على وَلَدِه، فلا يُعَزرُ بالتَّصَرُّفِ في مالِه. والأوّلُ أوْلَى؛ لأنّ التعْزِيرَ ههُنا حَقٌّ للهِ تعالى، بخِلافِ الجِنَايةِ على وَلَدِه؛ لأنَّها حَقٌّ للوَلَدِ.

стр. 8254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وليس لغيرِ الأبِ الأخْذُ مِن مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، للأحادِيثِ التي ذَكَرْناها؛ لأنَّ الخَبَرَ وَرَد في الأبِ بقَوْلِه (١) ﵇: «أنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ». ولا يَصِحُّ قِياسُ غيرِه عليه؛ لأنَّ للأبِ ولايَةً على وَلَدِه ومالِه إذا كان صَغِيرًا، وله شفقَةٌ تامَّةٌ وحَق مُتَأكِّدٌ، ولا يَسْقُطُ مِيراثُه بحالٍ. والأُمُّ لا تَأْخُذُ؛ لأنَّها لا ولايةَ لها، والجَدُّ أيضًا لا يَلِي على مالِ وَلَدِ ابْنِه، وشَفَقَتُه قاصِرَةٌ عن شَفَقَةِ الأبِ، ويُحْجَبُ به في المِيراثِ، وفي ولايَةِ النِّكاحِ. وغيرُهما مِن الأقارِب والأجانِبِ ليس لهم الأخْذُ بطَريقِ التَّنْبِيهِ؛ لأنَّه إذا امْتَنَعَ الأخْذُ في حَقِّ الأُمِّ والجَدِّ مع مُشارَكَتِهما للأب في بعض المَعانِي، فغيرُهما ممن لا يُشارِكُ في ذلك أوْلَى. ويَحْتَمِلُ أنَّ يَجُوزَ للأمِّ؛ لدُخُولِ وَلَدِها في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَوْلَادُكُمْ﴾.

стр. 8255

وَلَيسَ لِلابْنِ مُطَالبَةُ أبِيهِ بِدَين، وَلَا قِيمَةِ مُتْلَفٍ، وَلَا أرْشِ جِنَايَةٍ، وَلَا غَيرِ ذَلِكَ. ــ ٢٦٢٧ - مسألة: (وليس للابنِ مُطالبَةُ أبيه بدَين، ولا قِيمَةِ مُتْلَفٍ، ولا أرْشِ جِنايَةٍ، ولا غيرِ ذلك) وبه قال الزُّبيرُ بنُ بَكّارٍ. ومُقْتَضَى قولِ سُفْيانَ بنِ عُيَينَةَ. وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعيُّ:

стр. 8256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ له ذلك؛ لأنَّه دَين ثابتٌ، فجازَتِ المُطالبَة به، كغيرِه. ولنا، أَنْ رجلًا جاء إلى النبيِّ ﷺ بأبيه يَقْتَضِيه دَينًا عليه، فقال: «أنْتَ وَمَالكَ لِأَبيكَ». رَواه الخَلَّال بإسْنادِه (١). وروَى الزُّبَير بن بَكّارٍ في «المُوَفَّقِيّاتِ» (٢) أنَّ رجلًا اسْتَقْرَضَ مِن ابنِه (٣) مالًا فحبَسه فأطال حَبْسَه، فاسْتَعْدَى عليه الابنُ عليَّ بنَ أبي طالِبٍ، ﵁، وذَكَرَ قِصَّتَه في شِعْر، فأجَابَه أبوه بشِعْرٍ أيضًا، فقال عليٌّ ﵁: قد سَمِعَ القاضِي ومِن رَبِّي الفَهمْ المال لِلشَّيخِ جَزَاءٌ بالنّعَمْ يَأْكُلُه بِرَغْمِ أنْفِ مَن رَغِمْ مَنْ قال قَوْلًا غيرَ ذا فَقَدْ ظَلَمْ وجَارَ في الحُكْمِ وبِئْسَ ما جَرَمْ

стр. 8257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال الزُّبَيرُ: إلى هذا نَذْهَبُ. ولأنَّ المال أحَدُ نَوْعَي الحُقُوقِ، فلم يَمْلِكْ مُطالبَةَ أبيه به، كحُقُوق الأبدانِ. ويُفارِقُ الأبُ غيرَه بما يَثْبُتُ له مِن الحَق على وَلَدِه. فإن مات الابنُ فانْتقَلَ الدَّينُ إلى وَرَثَتِه، لم يَمْلِكُوا مُطالبَةَ الأبِ؛ لأنَّ مَوْرُوثَهم لم يكنْ له المُطالبَةُ، منهم أوْلَى. فإن مات الأبُ، فقِيلَ: يَرْجِعُ الابنُ في تَرِكَتِه بدَينِه؛ لأنَّ دَينَه عليه لم يَسْقُطْ عن الأبِ، وإنَّما تَأخَّرَتِ المُطالبَةُ. وعن أحمدَ، إذا مات الأبُ بَطَل دَينُ الابنِ. وقال، في مَن أخَذَ مِن مَهْرِ ابْنَتِه شيئًا فأنْفَقَه: ليس عليه شيءٌ، ولا يُؤْخَذُ مِن بعدِه، وما أصابت مِن المَهْرِ مِن شيء بعَينِه أخَذَتْه. وتأوَّلَ بعضُ (١) أصحابنا كلامَ أحمدَ على أنَّه أخَذَه على سَبِيلِ التَّمْلِيك؛ لأن أخْذَه له وإنْفاقَه دَلِيل على قَصْدِ التَّمْلِيك، فيَثْبُتُ المِلْكُ له بذلك الأخْذِ. والله أعلمُ.

стр. 8258

وَالْهَدِيّةُ وَالصَّدَقَةُ نَوْعَانِ مِنَ الْهِبَةِ. ــ ٢٦٢٨ - مسألة: (والهَدِيَّةُ والصَّدَقَةُ نَوْعان مِن الهِبَةِ) الهبَةُ (١) والعَطِيَّةُ تَشْمَلُ الكلَّ، وكذلك النِّحْلَةُ، ومَعانِيها كلُّها مُتَقارِبَةٌ، إلَّا أنَّه في الغالِبِ مَن أعْطَى شيئًا يَنْوي به التَّقَرُّبَ إلى الله تعالى للمُحْتاجِين؛ سُمِّيَ صَدَقَةً، وإن دَفَع إلى غيرِ مُحْتاجٍ للتَّقَرُّبِ والمَحَبَّةِ فهي هِبَةٌ. ومَن بَعَث على هذا الوَجْهِ (١) إلى إنْسانٍ مع غيرِه سُمِّيَ هَدِيَّةً. وكل ذلك مُسْتَحَب مَنْدُوبٌ إليه. وأحْكامُ ذلك أحْكامُ الهِبَةِ، ويُشْتَرَطُ لها ما يُشْتَرَطُ مِن الشُّرُوطِ على ما سَبَق.

стр. 8259

فَصْلٌ فِي عَطِيَّةِ المَريضِ: أمَّا الْمَرِيضُ غَيرَ مَرَضِ الْمَوْتِ، أو مَرَضًا غَيرَ مَخُوفٍ كَالرَّمَدِ، وَوَجَعِ الضِّرْسِ، وَالصُّدَاعِ، وَنحْوهِ، فَعَطَايَاهُ كَعَطَايَا الصَّحِيحِ سَوَاءٌ، تَصِحُّ فِي جَمِيعِ مَالِهِ. ــ فصلٌ في عَطيَّةِ المَريضِ: قال الشيخُ، ﵀: (أمّا المَرِيضُ غيرَ مَرَضِ المَوْتِ، أو مَرَضًا غيرَ مَخُوفٍ؛ كالرَّمَدِ، ووَجَعِ الضِّرْسِ، والصداعِ، ونحوه، فعَطاياه كعَطايا الصَّحِيحِ سَواءٌ، تَصِحُّ بن جَمِيعِ مالِه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ عَطايا المَرِيضِ إذا بَرَأَ مِن مَرَضِه، أو كان مَرَضًا غيرَ مَخُوفٍ كالذي ذَكَرَه، وكذلك ما في مَعْناه؛ كالجَرَبِ، والحُمَّى اليَسِيرَةِ ساعَةً أو نحوَها، والإسْهالِ اليَسِيرِ مِن غيرِ دَم، فعَطاياه مثلُ عَطايا الصَّحِيحِ؛ لأنَّه لا يُخافُ منه في العادَةِ.

стр. 8260

وَإِنْ كَانَ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفَ؛ كَالْبِرْسَامِ، وَذَاتِ الْجَنْبِ، وَالرُّعَافِ الدَّائِمِ، وَالْقِيَامِ الْمُتَدَارَكِ، وَالْفَالِجِ فِي ــ ٢٦٢٩ - مسألة: (وإن كان مَرَضَ المَوْتِ المَخُوفَ، كالبِرْسامِ) وهو بُخارٌ يَرْتَقِي إلى الرَّأْسِ، ويُؤثِّرُ في الدِّماغِ، فيَخْتَل عَقْلُ صاحِبِه (وذاتِ الجَنْب) وهو قَرْحٌ بباطِنِ الجَنْبِ، ووَجَعِ القَلْبِ والرِّئَةِ، فإنَّها لا تَسْكُنُ حَرَكَتُها، فلا يَنْدَمِلُ جُرْحُها (والرُّعافِ الدّائِمِ) فإنَّه يُصَفِّي الدَّمَ فيُذْهِبُ القُوَّةَ، والقُولَنْجِ، وهو أنَّ يَنْعَقِدَ الطَّعامُ في بعضِ الأمْعاءِ (١) ولا يَنْزِلَ عنه، فهذه مَخُوفةٌ وإن لم يكنْ معها حُمَّى، وهي مع الحُمَّى أشَدُّ خَوْفًا. وإن ثاوَرَه (٢) الدَّمُ واجْتَمَعَ في عُضْو، كان مَخُوفًا؛ لأنَّه مِن الحَرارَةِ المُفْرِطَةِ. وإن هاجَتْ به الصَّفْراءُ، فهي مَخُوفةٌ؛ لأنَّها تُورثُ يُبُوسَةً، وكذلك البَلْغَمُ إذا هاج؛ لأنَّه مِن شِدَّةِ البُرُودَةِ، وقد تَغْلِبُ على الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ فَتُطفِئها. والطّاعُونُ مَخُوفٌ؛ لأنَّه مِن شِدَّةِ الحَرارَةِ، إلَّا أنَّه يكونُ في جَمِيع

стр. 8261

ابْتِدَائِه، وَالسُّلِّ فِي انْتِهَائِه، وَمَا قَال عَدْلَانِ مِنْ أهْلِ الطِّبِّ: إنَّهُ مَخُوفٌ، ــ البَدَنِ. وأمّا الإسْهالُ، فإن كان مُتَحَرِّكًا لا يُمْكِنُه إمْساكُه، فهو مَخُوفٌ وإن كان ساعَةً؛ لأنَّ مَن لَحِقَه ذلك أسْرَعَ في هَلاكِه. وإن كان يَجْرِي تارَةً ويَنْقَطِعُ أُخْرَى، فإن كان يَوْمًا أو يَوْمَين فليس بمَخُوفٍ؛ لأن ذلك قد يكونُ مِن فَضْلَةِ الطَّعامِ، إلَّا أنَّ يكونَ معه زَحِيرٌ (١) أو تَقْطِيعٌ، كأنَّه يَخْرُجُ مُتَقَطِّعًا، فإنَّه يكونُ مَخُوفًا؛ لأن ذلك يُضْعِفُ. وإن دام الإسْهالُ فهو مَخُوفٌ، سَواءٌ كان معه ذلك أو لم يكنْ (و) كذلك (الفَالِجُ (٢) في ابْتِدائِه؛ والسُّلُّ في انْتِهائِه) والحُمَّى المُطبقَةُ. وما أشْكَلَ مِن ذلك رُجِع فيه إلى قولِ عَدْلَين مِن الأطِبّاءِ؛ لأنهم أهْلُ الخِبْرَةِ بذلك. ولا يُقْبَلُ قولُ واحِدٍ؛ لأنَّه يتَعَلَّقُ به حَقُّ الوارِثِ والمُعْطِي. وقِياسُ قولِ الخِرَقِيِّ،

стр. 8262

فَعَطَايَاهُ كَالْوَصِيَّةِ فِي أَنَّهَا لَا تَجُوزُ لِوَارِثٍ، وَلَا تَجُوزُ لِأَجْنَبِيٍّ ــ أنَّه يُقْبَلُ قولُ واحِدٍ عَدْلٍ، إذا لم يُقدَرْ على طَبِيبين. فهذا الضرْبُ وما أشْبَهَه، عَطاياه صَحِيحَة؛ لأنَّ عُمَرَ، ﵁، أوْصَى حينَ جُرِح فسَقاه الطَّيبُ لَبَنًا فخَرَجَ مِن جُرْحِه، فقال له الطَّيبُ: اعْهَدْه إلى النّاسِ. فعَهِدَ اليهم ووَصَّى (١). فاتَّفَقَ الصحابةُ على قَبُولِ عَهْدِه ووَصيَتِّيه. وكذلك أبو بكر، ﵁، عَهِد إلى عُمَرَ حينَ اشْتَدَّ مَرَضُه، فَنَفَّذَ عَهْدَه. فصل: فإن كان المَرِيضُ يَتَحَقَّقُ تَعْجِيلُ مَوْتِه، فإن كان عَقْلُه قد اخْتَلَّ، مثلَ مَن ذُبِح، أو أُبِينَتْ حَشْوَتُه، فلا حُكْمَ لكَلامِه ولا لعَطيَّتِه. وإن كان ثابتَ العَقْلِ، كمَن خُرِقَتْ حَشْوَتُه، أو اشْتَدَّ مَرَضُه ولم يَتَغيَّرْ عَقْلُه، صَحَّ تَصَرُّفُه وعَطيَّتُه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ عُمَرَ، ﵁. وكذلك عليٌّ، ﵁، بعدَ ضَرْبِ ابنِ مُلْجِمٍ، وَصَّى وأمَرَ ونَهَى (٢). ولم يُخْتَلَفْ في صِحَّةِ ذلك. ٢٦٣٠ - مسألة: (فعَطاياه كالوَصِيَّةِ في أنَّها لا تصِحُّ لوارِثٍ، ولا

стр. 8263

بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ إلَّا بِإجَازَةِ الْوَرَثَةِ، مِثْلَ الْهِبَةِ وَالْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالْمُحَابَاةِ. ــ لأجْنَبِيٍّ بزِيادَةٍ على الثُّلُثِ إلَّا بإجازَةِ الوَرَثَةِ؛ كالهِبَةِ، والعِتقِ، والكِتابةِ، والمُحاباةِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ التَّبرُّعاتِ المُنْجَزَةَ؛ كالعِتْقِ، والمُحاباةِ، والهِبَةِ المَقْبُوضَةِ، والصدَقَةِ، والوَقْفِ، والإبراءِ مِن الدَّينِ، والعَفْو عن الجِنايَةِ المُوجِبَةِ للمالِ، والكِتابَةِ، إذا كانت في الصِّحَّةِ، فهي مِن رَأْسِ المالِ. لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. وإن كانت في مَرَض مَخُوفٍ اتَّصَلَ به المَوْتُ، فهي مِن ثُلُثِ المالِ، في قولِ الجُمْهُورِ. وحُكِيَ عن أهلِ الظّاهِرِ في الهِبَةِ المَقْبُوضَةِ، أنها مِن رَأسِ المالِ. ولَنا، ما روَى أبو هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ الله تَصَدَّقَ عَلَيكُم عِندَ وَفَاتِكُم بثُلُثِ أمْوالِكُم، زِيادَةً لَكُم في أعْمالِكُم». رَواه ابنُ ماجه (١). وهذا يَدُلُّ بمَفْهُومِه على أنَّه ليس له أكْثَرُ مِن الثُّلُثِ. وروَى عِمْرانُ بنُ حُصَين، أنَّ رجلًا أعْتَقَ سِتَّةَ أعْبُدٍ (٢) له في مَرَضِه، لا مال له غيرُهم، فاسْتَدعاهم رسولُ اللهِ ﷺ ، فجَزَأهم ثلاثةَ

стр. 8264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أجْزاءٍ وأقْرَعَ بينَهم، فأعْتَقَ اثْنَين وأرَقَّ أرْبَعَةً. رَواه مسلمٌ (١). وإذا لم يَنْفُذِ العِتْقُ مع سِرايَتِه، فغيرُه أوْلَى. ولأنَّ هذه الحال الظّاهِرُ منها المَوْتُ، فكانت عَطيَّتُه فيها في حَقِّ وَرَثَتِه لا تَتَجاوَزُ الثُّلُثَ، كالوَصِيَّةِ. فصل: وحُكْمُ العَطايا في مَرَضِ المَوْتِ حُكْمُ الوَصِيَّةِ في خَمْسَةِ أشياءَ؛ أحَدُها، أن يَقِفَ نُفُوذُها على خُرُوجِها مِن الثُّلُثِ، أو (٢) إجازَةِ الوَرَثَةِ. الثانِي، أنَّها لا تَصِحُّ للوارِثِ إلَّا بإجازَةِ الوَرَثَةِ. الثالثُ، أنَّ فَضِيلَتَها ناقِصَةٌ عن فَضِيلةِ الصَّدَقَةِ في الصِّحَّةِ؛ لأن النبيَّ ﷺ سُئِل عن

стр. 8265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أفْضَلِ الصَّدَقَةِ، قال: «أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمُلُ الغِنَى وتَخْشَى الفَقْرَ، ولا تُمْهِلْ حَتَّى إذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتَ: لفلانٍ كَذَا، ولِفُلانٍ كَذا، وقَدْ كان لفُلانٍ». مُتَّفَق عليه (١). الرابعُ، أنَّ العَطايا تَتَزاحَمُ في الثُّلُثِ إذا وَقَعَتْ دَفْعَةً واحِدَةً، كتَزاحُمِ الوَصايا فيه. الخامسُ، أنَّ خروجَها مِن الثُّلُثِ يُعْتَبَرُ حال المَوْتِ لا قبلَه ولا بعدَه.
следующие страницы →