فَكَذِلَكَ عِنْدَ الْقَاضِي. وَعِنْدَ أبِي الْخَطَّابِ، لَهُ الثُّلُثُ كُلُّهُ.
ــ
السُّدْسُ. وهذا الذي ذَكَرَه القاضِي. وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ؛ لأن الوارِثَ يُزاحِمُ الأجْنَبِيَّ إذا أجاز الورثةُ الوَصِيَّتين، فيكونُ لكلِّ واحدٍ منهما الثُّلُثُ، فإذا أبْطَلُوا نِصْفَهما بالرَّدِّ، كان البُطْلانُ راجِعًا إليهما، وما بَقِيَ منهما بينَهما، كما لو تَلِف ذلك بغيرِ الرَّدِّ. واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّ الثُّلُثَ جَميعَه للأجْنَبِيِّ. وحُكِيَ نحوُه عن أبي حنيفةَ؛ لأنَّهم لا يَقْدِرُونَ على إبْطالِ الثُّلُثِ فما دُونَ إذا كان لأجْنَبِيٍّ، ولو جَعَلْنا الوصيةَ بينَهما لمَلَكُوا إبْطال ما زاد على السُّدْسِ، فإن صَرَّحَ الورثةُ بذلك، فقالوا: أجَزْنا الثُّلُثَ لكما، ورَدَدْنا ما زاد عليه مِن وَصِيَّتِكما. أو قالوا: رَدَدْنا مِن وصيةِ كلِّ واحِدٍ منكما نِصْفَها، وبَقَّينا له نِصْفَها. كان ذلك آكَدَ في جَعْلِ السُّدْسِ لكلِّ واحدٍ منهما؛ لتَصْرِيحِهم به. وإن قالوا: أجَزْنا وصيةَ الوارثِ كُلَّها، ورَدَدْنا وصيَّةَ الأجْنَبِيِّ. فهو على ما قالُوا؛ لأنَّ لهم أن يُجِيزُوا لهما وأن يَرُدُّوا عليهما، فكان لهم أن يُجيزُوا لأحَدِهما ويرُدُّوا على الآخرِ. وإن أجازُوا للأجْنَبِيِّ جَمِيعَ وصيتِه ورَدُّوا على الوارِثِ نِصْفَ وصيتِه، جاز،
стр. 8472
وَإنْ وَصَّى بِمَالِهِ لِابْنَيهِ وَأَجْنَبِيٍّ، فَرَدَّا وَصِيَّتَهُ، فَلَهُ التُّسْعُ
ــ
كما قُلْنا. وإن أرادُوا أن يَنْقُصُوا الأجْنَبِيَّ عن نِصْفِ وصيتِه، لم يَمْلِكُوا ذلك، سواءٌ أجازُوا للوارِثِ أو رَدُّوا عليه. فإن رَدُّوا جَمِيعَ وصيةِ الوارِثِ ونِصْفَ وصيةِ الأجْنَبِيِّ، فعلى قولِ القاضِي، لهم ذلك؛ لأنَّ لهم أن يُجِيزُوا الثُّلُثَ لهما، فيَشْتَرِكان فيه، ويكونُ لكلِّ واحِدٍ منهما نِصْفُه، ثم إذا رَجَعُوا فيما للوارِثِ، لم يَزِدِ الأجْنَبِيُّ على ما كان له في حالِة الإجازَةِ للوارِثِ. وعلى قولِ أبي الخَطّابِ، يَتَوَفَّرُ الثُّلُثُ كلُّه للأجْنَبِيِّ؛ لأنَّه إنَّما يُنْتَقَصُ (١) منه بمُزاحَمَةِ الوارِثِ، فإذا زالتِ المُزاحَمَةُ، وَجَب توْفِيرُ الثُّلُثِ عليه؛ لأنَّه قد أوْصَى له به.
٢٧٠٩ - مسألة: (ولو وَصَّى بمالِه لابنَيه وأجْنَبِيٍّ) فرَدُّوا وَصِيَّةَ الوارِثِ، فهو على ما قال، وإن أجازُوا للوارِثِ، فالثُّلُثُ بينَهما؛ لأَن الوصيةَ تَتَعَلَّقُ بالشَّرْطِ. ولو قال: أوْصَيتُ لفلانٍ بثُلُثِي، فإن مات قبلِي فهو لفلانٍ. صَحَّ. فإن وَصَّى لوارِثِه، فأجاز بعضُ باقِي الورثةِ الوصيةَ دُونَ البعضِ، نَفذَ في نَصِيبِ مَن أجاز وَحْدَه. وإن أجازُوا بعضَ الوصيةِ دُونَ بعضٍ، نَفَذَتْ فيما أجازُوا دُونَ ما لم يُجِيزُوا. وإن أجازَ بعضُهم بعضَ الوصيةِ، وأجاز بعضُهم جَمِيعَها أو رَدُّوها، فهو على
стр. 8473
عِنْدَ الْقَاضِي، وَعِنْدَ أبي الْخَطَّابِ لَهُ الثُّلُثُ، وَإنْ وَصَّى لِزَيدٍ وَلِلْفقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ بِثُلُثِهِ، فَلِزَيدٍ التُّسْعُ.
ــ
ما فَعَلُوا مِن ذلك. فلو خَلَّفَ ثلاثةَ بَنِينَ، وعَبْدًا لا يَمْلِكُ غيرَه، فوَصَّى به لأحَدِهم، أو وَهَبَه إيّاه في مَرَضِ مَوْتِه، فأجازَ له أخَواه، فهو له، وإن أجازَ له أحَدُهما وَحْدَه، فله ثُلُثاه، وإن أجازا (١) له نِصْفَ العَبْدِ، فله نِصْفُه، ولهما نِصْفه، وإن أجاز أحَدُهما له نِصْفَ نَصِيبِه ورَدَّ الآخَرُ، فله النِّصْفُ، الثُّلُثُ بنَصِيبِه والسُّدْسُ مِن نَصِيبِ المُجيزِ، وإن أجازَ كلُّ واحدٍ منهما له نِصْفَ نَصِيبِه، كَمَل له الثُّلُثان، وإن أجاز لَه أحَدُهما نِصْفَ نَصِيبِه، والآخَر ثُلُثَه، أو باع نَصِيبَه، كَمَل له ثلاثةُ أرْباعِ العَبْدِ. وإن وَصَّى بالعبدِ لاثْنَين منهما، فللثالثِ أن يُجِيزَ لهما أو يَردَّ عليهما، أو يُجيزَ لهما بعضَ وَصِيَّتِهما، إن شاء متَساويًا، وإن شاء مُتَفاضِلًا، أو يَرُدَّ على أَحَدِهما ويُجيزَ للآخرِ وَصِيَّتَه كلَّها أو بعضَها، أو يُجِيزَ لأحَدِهما جَمِيعَ وَصِيّتِه وللآخَرِ بعضَها، فكلُّ ذلك جائِزٌ؛ لأنَّ الحَقَّ له، فكَيفَما شاء فَعَل فيه.
٢٧١٠ - مسألة: (وإن وَصَّى لزيدٍ والفقَراءِ والمَساكِينِ بثُلُثِه، فلزَيدٍ التُّسْعُ) وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ. وعن محمدٍ، لزيدٍ الخمْسُ،
стр. 8474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وللفُقَراءِ الخُمْسانِ، وللمَساكِينِ الخُمْسان؛ لأنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ. ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهانِ؛ أحَدُهما، كقَوْلِنا. والثانِي، له السُّبْعُ؛ لأنَّ أقَلَّ الجمعِ ثلاثةٌ، فإذا انْضَمَّ إليهم صاروا سَبْعَةً. ولَنا، أنَّه وَصَّى لثَلاثِ جِهَاتٍ، فوَجَبَ أن يُقْسَمَ بينَهم بالسَّويَّةِ، كما لو وَصَّى لزيدٍ وعَمْرٍو وخالِدٍ. وإن كان زَيدٌ مِسْكِينًا، لم يُدْفَعْ إليه مِن سَهْمِ المَساكِينِ شيءٌ. وبه قال الحسنُ، وإسحاقُ؛ لأنَّ عَطْفَهم عليه يَدُلُّ على المُغايَرَةِ بينَهم، إذ الظّاهِرُ بينَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عليه المُغايَرَةُ (١)، ولأنَّ تَجْويزَ ذلك
стр. 8475
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُفْضِي إلى تَجْويزِ دَفْعِ نَصِيبِ المَساكِينِ كلِّه إليه، ولَفْظُه يَقْتَضِي خِلافَ ذلك. فأمّا إن كانتِ الوصيةُ لقوم يُمْكِنُ اسْتِيعابُهم وحَضرُهم، مثلَ أن يقولَ: هذا لزيدٍ وإخْوَتِه. فهي كالتي قبلَها. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ كأحَدِهم؛ لأنَّه شَرَّكَ بينَه وبينَهم على وَجْهٍ لا يجوزُ الإخْلالُ ببعضِهم، فتَساوَوْا فيه، كما لو قال: هذا لكم.
стр. 8476
بَابُ الْمُوصَى بِهِ
تَصِحُّ الْوَصِيّةُ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ؛ كَالْآبِقِ، وَالشَّارِدِ، وَالطَّيرِ: فِي الْهَوَاء، وَالْحَمْلِ في الْبَطْنِ، وَاللَّبَنِ في الضَّرْعِ، وَبِالْمَعْدُومِ؛ كَالَّذِي تَحْمِلُ أمَتُهُ أوْ شَجَرَتُهُ أبَدًا، أوْ في مُدَّةٍ مُعَينةٍ.
ــ
بابُ المُوصَى به
(تَصِحُّ الوَصِيةُ بما لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه؛ كالآبِقِ، والشّاردِ، والطَّيرِ في الهَواءِ، والحَمْلِ في البَطْنِ، واللَّبَن في الضَّرْعِ) لأنَّ الوصيةَ إذا صَحَّتْ بالمَعْدُومِ، فبغيرِه أوْلَى، ولأَنَّها أُجْرِيَتْ مُجْرَى المِيراثِ، وهذا يُورَثُ، فيُوصَى به. فإن قَدَر عليه، أخَذَه وَسَلَّمَه إذا خَرَج مِن الثُّلُثِ، وللوَصِيِّ السَّعْيُ في تَحْصِيلِه، فإن قَدَر عليه، أخَذَه إذا خَرَج مِن الثُّلُثِ.
فصل: وتَصِحُّ بالحَمْلِ إذا كان مَمْلُوكًا، بأن يكونَ رَقِيقًا، أو حَمْلَ بَهِيمَةٍ مَمْلُوكَةٍ؛ لأنَّ الغَرَرَ والخَطَرَ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ الوصيةِ، فجَرَى مَجرَى إعْتاقِ الحَمْلِ. فإنِ انْفَصَلَ مَيِّتًا، بَطَلَتِ الوصيةُ، وإن خَرَج حَيًّا وعَلِمْنا وُجُودَه حال الوصيةِ، أو حَكَمْنا بوُجُودِه، صَحَّتِ الوصيةُ، وإن لم يكنْ كذلك لم يَصِحَّ؛ لجَوازِ حُدُوثِه.
٢٧١١ - مسألة: (و) تَصِحُّ (بالمَعْدُومِ) فلو قال: أوْصَيتُ
стр. 8477
فَإنْ حَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ لَهُ، وَإِلَّا بَطَلَتِ الْوَصيَّةُ. وَإِنْ وَصَّى لَهُ بمِائَةٍ لا يَمْلِكُهَا، صَحَّ. فَإِنْ قَدَرَ عَلَيهَا عِنْدَ الْمَوْتِ أوْ عَلَى شَيءٍ مِنْهَا، وَإلَّا بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ.
ــ
لك بما تَحْمِلُ جارِيتِي هذه -أو- ناقَتِي هذه -أو- نَخْلَتِي هذه. صَحَّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن صِحَّتِها مع الغرَرِ، سواءٌ وَصَّى بما تَحْمِلُه أبدًا أو مُدَّةً بعَينِها؛ لأنَّ المَعْدُومَ يجوزُ أن يُمْلَكَ بالسَّلَمِ والمُساقاةِ، فجاز أن يُمْلَكَ بالوصيةِ (فإن حَصَل منه شيءٌ، وإلَّا بَطَلَت وصيَّتُه) لأنَّ المُوصَى به عُدِم، فبَطَلَتِ الوصيةُ به، كالمَوْهُوبِ إذا عُدِم؛ لأنَّ الوصيةَ كالهِبَةِ (وإن وَصَّى له بمائةٍ لا يَمْلِكُها، صَحَّ. فإن قَدَرَ عليها عندَ المَوْتِ أو على شيءٍ منها، وإلَّا بَطَلَتْ) لِما ذَكَرْنا في المسألةِ قبلَها.
стр. 8478
وَتَصِحُّ بِمَا فِيهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ مِنْ غَيرِ الْمَالِ؛ كَالْكَلْبِ، وَالْزَّيتِ النَّجِسَ.
ــ
٢٧١٢ - مسألة: (وتَصِحُّ بما فيه نَفْعٌ مُباحٌ مِن غيرِ المالِ؛ كالكَلْبِ، والزَّيتِ النَّجِسِ) تَصِحُّ الوصيةُ بالكَلْبِ المُباحِ اقْتِناؤُه؛ ككَلْبِ الصَّيدِ والماشِيةِ والحَرْبِ؛ لأنَّ فيه نَفْعًا مُباحًا، وتُقَرُّ اليَدُ عليه، والوصيةُ تَبَرُّعٌ، فصَحَّت في المالِ وفي غيرِ المالِ، كالهِبَةِ. وإن كان ممّا لا يُباحُ اقْتناؤُه، لم تَصِحَّ الوصيةُ به، سواءٌ قال: كَلْبًا مِن كلابي -أو- مِن مالي. لأنَّه لا يَصِحُّ شِراءُ الكَلْبِ؛ لأنَّه لا قِيمَةَ له، بخِلافِ ما إذا أوْصَى له بشاةٍ ولا شاةَ له، فإنَّه يُمْكِنُ تَحْصِيلُها بالشِّراءِ. فإن كان له كَلْبٌ ولا مال له سِواه، فله ثُلُثُه. وإن كان له مالٌ سِواه، فقد قِيلَ: للمُوصَى له جَمِيعُا لكَلْبِ وإن قَلَّ المالُ؛ لأنَّ قَلِيلَ المالِ خيرٌ مِن الكَلْبِ؛ لكونِه لا قِيمَةَ له. وقيل: للمُوصَى له به ثُلُثُه وإن كَثُرَ المالُ؛ لأنَّ مَوْضُوعَ الوصيةِ على أن يُسَلَّمَ ثُلُثَا التَّرِكَةِ للوَرَثةِ، وليس في التَّرِكَةِ شيءٌ مِن جِنْسِ المُوصَى به.
стр. 8479
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصِي مَالٌ فَلِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ لِلْمُوصَى لَهُ وَإنْ قَلَّ الْمَالُ، في أحَدِ الْوَجْهَينِ، وَفِي الآخَرِ، لَهُ ثُلُثُهُ. وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَلْبٌ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ بِهِ.
ــ
فصل: وإن وَصَّى لرجلٍ بكِلابِه ولآخَرَ بثُلُثِ مالِه، فللمُوصَى له بالثُّلُثِ الثُّلُثُ، وللمُوصَى له بالكِلابِ ثُلُثُها، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ ما حَصَل للورثةِ (١) مِن ثُلُثَيِ المال قد جازَتِ الوصيةُ فيما يُقابِلُه مِن حَقِّ المُوصَى له، وهو الثُّلُثُ، فلا يُحسَبُ عليهم في حَقِّ الكِلابِ. ولو وَصّى بثُلُثِ مالِه، ولم يُوصِ بالكِلابِ، دُفِع إليه ثُلُثُ المالِ، ولم يُحْتَسَبْ بالكِلاب على الورثةِ؛ لأنَّها ليست بمالٍ. وإذا قُسِمَتِ الكِلابُ بينَ الوارِثِ
стр. 8480
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمُوصَى له، أو بينَ اثْنَين مُوصًى لهما بها، قُسِمَتْ على عَدَدِها؛ لأنَّها لا قِيمَةَ لها، فإن تَشاحُّوا في بعضها، فيَنْبَغِي أن يُقْرَعَ بينَهم. وإن وَصَّى له بكلبٍ (١)، وله كِلابٌ يُباحُ اتِّخاذُها، ككِلابِ الصَّيدِ والماشِيَةِ والحَرْثِ، فله واحِدٌ منها بالقُرْعَةِ، أو ما أحَبَّ الورثةُ، على الروايةِ الأُخْرَى. وإن كان له كَلْبٌ يُباح اتِّخاذُه، وكَلْبُ هِراشٍ (٢)، فله الكَلْبُ المُباحُ. ومَذْهَبُ الشَّافعيِّ في هذا الفَصلِ كلِّه (٣) على ما ذَكَرْنا، إلَّا أنَّه يَجْعَلُ للمُوصَى له بكَلْبٍ ما أحَبَّ الورثةُ دَفْعَه إليه. ولا تَصِحُّ الوصيةُ بالجَرْو الصغيرِ، في أحَدِ الوَجْهَين، وتَصِحُّ في الآخَرِ، بِناءً على جَوازِ اقْتِنائِه وتَرْبِيتِه للصَّيدِ، وقد سَبَق ذلك في كِتابِ البَيعِ (٤).
стр. 8481
وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَا لَا نَفْعَ فِيهِ، كَالْخَمْرِ وَالْمَيتَةِ وَنَحْوهِمَا.
ــ
فصل: فأمّا الزَّيتُ النَّجِسُ، فإن قُلْنا بجَوازِ الاسْتِصباحِ به، فهو كالكَلْبِ الذي يُباحُ اتِّخاذُه. وإن قُلْنا: لا يجوزُ. لم تَصِحَّ الوصيّةُ؛ لأنَّه ليس فيه نَفْعٌ مُبَاحٌ، أشْبَهَ الخِنْزِيرَ.
فصل: ولا تَصِحُّ الوصيةُ بالخِنْزِيرِ، ولا بشيءٍ مِن السِّباعِ التي لا تَصْلُحُ للصَّيدِ؛ كالأسَدِ، والذِّئْبِ؛ لأنَّها لا مَنْفَعَةَ فيها. ولا تَصِحُّ بشيءٍ ليس فيه مَنْفَعَةٌ مُباحَةٌ مِن غيرِها (كالخَمْرِ والمَيتَةِ ونحوهما) لأنَّ الوصيةَ تمليكٌ، فلا تَصِحُّ بذلك، كالهِبَةِ، ولأنَّ ذلك مُحَرَّمٌ، فلا تَصِحُّ. الوصيةُ به، كالخِنْزِيرِ.
стр. 8482
وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْمَجْهُولِ؛ كَعَبْدٍ، وَشَاةٍ، وَيُعْطَى مَا يَقَعُ عَلَيهِ الاسْمُ.
ــ
٢٧١٣ - مسألة: (وتَصِحُّ الوصيةُ بالمَجْهُولِ؛ كعَبْدٍ، وشاةٍ) لأنَّ الوصيةَ تَصِحُّ بالمَعْدُومِ، فالمَجْهُولُ بطَرِيقِ الأوْلَى، ولأنَّ المَجْهُولَ يَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ، فصَحَّتِ الوصيةُ به، كالمَعْلُومِ. ويُعْطِيه الورثةُ ما شاءُوا ممّا يَقَعُ عليه الاسْمُ؛ لأنَّه اليَقِينُ، كما لو أقَرَّ له بعَبْدٍ، فإن لم يَكُنْ له عَبِيدٌ اشْتُرِيَ له ما يُسَمَّى عبدًا، وإن كان له عَبِيدٌ أعْطاه الورثةُ ما شاءُوا؛ لِما ذَكَرْنا. وقال القاضي: يُعْطِيه الورثةُ ما شاءُوا مِن ذَكَرٍ أو أُنْثَى. قال شيخُنا (١): والصَّحِيحُ عِنْدِي أنَّه لا يَسْتَحِقُّ إلَّا ذَكَرًا؛ فإنّ الله تعالى فَرَّقَ بينَ العَبِيدِ والإِماءِ بقَوْلِه سبحانه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٢). والمَعْطُوفُ يُغايِرُ
стр. 8483
فَإنِ اخْتَلَفَ الاسْمُ بِالْحَقِيقَةِ وَالْعُرْفِ؛ كَالشَّاةِ في الْعُرْفِ لِلأنْثَى، وَالْبَعِيرُ وَالثَّوْرُ هُوَ في الْعُرْفِ لِلذَّكَرِ وَحْدَهُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى، غُلِّبَ الْعُرْفُ. وَقَال أصْحَابُنَا: تُغَلَّبُ الْحَقِيقَةُ.
ــ
المَعْطُوفَ عليه ظاهِرًا، ولأنَّه في العُرْفِ كذلك، فإنَّه لا يُفْهَمُ مِن إطْلاقِ اسمَ العَبْدِ إلَّا الذَّكَرُ. و (١) لو وَكَّلَه في شِراءِ عبدٍ لم يكنْ له شِراءُ أمَةٍ، وإن وَصَّى له بأمَةٍ لم يكنْ له أن يُعْطِيَه إلَّا أُنْثَى. وليس له أن يُعْطِيَه خُنْثَى مُشْكِلًا؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ كَوْنُه ذَكَرًا ولا أُنْثَى. وإن وَصَّى له بواحِدٍ مِن رَقِيقِه، أو بِرَأْسٍ ممّا مَلَكَتْ يَمينُه، دَخَل في وصيتِه الذَّكَرُ والأُنْثَى والخُنْثَى.
٢٧١٤ - مسألة: (فإنِ اخْتَلَفَ الاسمُ بالحَقِيقَةِ والعُرْفِ، كالشّاةِ في العُرْفِ) اسمٌ (للأُنْثَى، والبَعِيرُ والثَّوْرُ اسْمٌ للذَّكَرِ، غُلِّبَ العُرْفُ) في اخْتِيارِ شيخِنا؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُتَكَلِّمَ إنَّما يَتَكَّلمُ بعُرْفِه، ولا يُرِيدُ إلَّا ما يَفْهَمُه أهْلُ بَلَدِه (وقال أصحابُنا: تُغَلَّبُ الحقيقةُ) ولهذا يُحْمَلُ عليه كلامُ الله تعالى وكلامُ رسولِه. فعلى هذا، إذا وَصَّى له بشاةٍ، يَتناوَلُ الضَّأْنَ
стр. 8484
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمَعْزَ. قال أصحابُنا: ويتناولُ الصَّغيرَةَ والكَبِيرَةَ، [والذَّكَر] (١) والأنْثَى؛ لأنَّ اسْمَ الشّاةِ يتناولُ جَميعَ ذلك؛ بدَلِيلِ قولِ النبيِّ ﷺ : «في أرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» (٢). يُريدُ الذُّكُورَ والإِناثَ، والصِّغَارَ والكِبارَ. وقال شيخُنا (٣): لا يَتناوَلُ إلَّا أُنثَى كَبِيرةً، إلَّا أن يكونَ في عُرْفِهم في بَلَدٍ يَتَناوَلُ ذلك، فأمّا مَن لا يَتَناوَلُ عُرْفُهم إلَّا الإِناثَ، فإن وَصِيَّتَه لا تَتَناوَلُ إلَّا ما يُسَمَّى في عُرْفِهم؛ لِما ذكَرْنا. والكَبْشُ الذَّكَرُ الكَبِيرُ مِن الضَّأْنِ. والتَّيسُ لا يَقَعُ إلَّا على الذَّكَر الكَبِيرِ مِن المَعْزِ. فإن وَصَّى بعَشْرَةٍ مِن الغَنَمِ، تَناوَلَ عَشْرَةً مِن الذُّكُورِ والإِناثِ، والصِّغارِ والكِبارِ.
فصل: وإن وَصَّى بجَمَلٍ، فهو الذَّكَرُ، وإن وَصَّى بنَاقةٍ، فهي الأنْثَى. وإن قال: عَشرَةٌ مِن إبِلي. وَقَع على الذَّكَرِ والأنثَى جَمِيعًا. ويَحْتَمِلَانَه إن قال: عَشَرَةُ. بالهاءِ، فهي للذُّكُورِ. وإن قال: عَشْرٌ.
стр. 8485
وَالدَّابَّةُ اسْمٌ لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى مِنَ الْخَيلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ.
ــ
فهو للإِناثِ. وكذلك الغَنَمُ؛ لأنَّ العَدَدَ في العَشَرَةِ مِن الثلاثةِ إلى العَشَرَةِ للذُّكُورِ بالْهاءِ، وللمُؤَنَّثِ بغيرِها، قال اللهُ تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ (١). وإن وَصَّى ببَعِيرٍ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، هو للذَّكَرِ وَحْدَه؛ لأنَّه في العُرْفِ اسْمٌ له. والثانِي، هو للذَّكَرِ والأنْثَى؛ لأنَّه يَتَناوَلُهما جَمِيعًا في لسانِ العَرَبِ، فيقولُ: حَلَبْتُ البَعِيرَ. يُرِيدُ النّاقَةَ، والجَمَلُ في لِسانِهم كالرجلِ مِن بني آدَمَ، والنّاقَةُ كالمَرأةِ، والبَكْرَةُ كالفتاةِ. وكذلك القَلُوصُ والبَعِيرُ كالإِنْسانِ. وإن وَصَّى له بثَوْرٍ، فهو ذَكَرٌ، وإن وَصَّى ببقرةٍ، فهي أُنْثَى.
٢٧١٥ - مسألة: (والدّابّةُ اسْمٌ للذَّكَرِ والأُنْثَى مِن الخَيلِ والبغالِ والحَمِيرِ) لأنَّ الاسْمَ في العُرْفِ يَقَعُ على جَمِيعِ ذلك. فإن قَرَن به ما يَصْرِفُه إلى أحَدِها، كقَوْلِه: دابَّةٌ يُقاتِلُ عليها. انصَرَفَ إلى الخَيلِ. وإن قال: دابَّةٌ يَنْتَفِعُ بظَهْرِها ونَسْلِها. خَرَج منه البِغالُ وخَرَج منه الذَّكَرُ. وإن وَصَّى له بحمارٍ، فهو ذَكَرٌ، والأتَانُ أُنْثَى. وإن وَصَّى بحِصانٍ فهو ذَكَرٌ، والفَرَسُ يَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ والأُنثَى.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَضَى. وبه يقولُ مالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ. واخْتَلَفَتِ الروايةُ فيما يَسْتَحِقُّه المُوصَى له، فرُوِيَ أنَّه يَسْتَحِق أحَدَهم بالقُرْعَةِ. اخْتارَها الخِرَقِيُّ. ونَقَل ابنُ مَنْصُورٍ، أنَّه يُعْطَى أخَسَّهم. يَعْنِي يُعْطِيه الورثة ما أحَبُّوا. وهو قولُ الشَّافعيِّ. وقال مالكٌ قولًا يَقْتَضِي أنَّه إذا وَصَّى بعَبْدٍ وله ثلاثةُ أعْبُدٍ فله ثُلُثُهم، وإن كانوا أربعةً فله رُبْعُهم، فإنَّه قال: إذا وَصَّى بعَشْرٍ مِن إبلِه، وهي مائةٌ، يُعْطَى عُشْرَها، والنَّخْلُ والرَّقِيقُ والدَّوابُّ على ذلك. والصحيحُ، إن شاء الله تعالى، أنَّه يُعْطَى عَشَرَةً بالعَدَدِ؛ لأنَّه الذي تَناوَلَه لَفْظُه، ولَفْظُه هو المُقْتَضى، فلا يُعْدَلُ عنه، لكنْ يُعْطَى واحِدًا بالقُرْعَةِ؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّ واحِدًا غيرَ مُعَيَّن، وليس واحِدٌ بأوْلَى مِن واحِدٍ، فوَجَبَ المَصِيرُ إلى القُرْعَةِ، كما لو أعْتَقَ واحِدًا منهم. وعلى ما نَقَلَه ابنُ مَنْصُورٍ، يُعْطِيه الوَرَثَةُ ما شاءُوا، مِن صحيحٍ أو مَعِيبٍ، جَيِّدٍ أو رَدِيءٍ؛ لأنَّه يَتناوَلُه اسْمُ العَبْدِ، فأجْزَأ، كما لو وَصَّى له بعَبْدٍ ولم يُضِفْه إلى عَبِيدِه.
стр. 8488
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَبِيدٌ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ وَتَصِحُّ في الآخَرِ، وَيُشْتَرَى لَهُ مَا يُسَمَّى عَبْدًا.
ــ
٢٧١٧ - مسألة: (وإن لم يكنْ له عَبِيدٌ، لم تَصِحَّ الوصيةُ، في أحَدِ الوَجْهَين) لأنَّه أوْصَى له بلا شيءٍ، فهو كما لو قال: أوْصَيتُ لك بما في كِيسي. ولا شيءَ فيه. أو: بدَارِي. ولا دارَ له. وهذا أحَدُ الوَجْهَين. فإنِ اشْتَرَى قبلَ مَوْتِه عَبِيدًا، احْتَمَلَ أن لا تَصِحَّ الوصيةُ؛ لأنَّها وَقَعَتْ باطِلَةً، فهو كما لو قال: أوْصَيت لك بما في كِيسي. ولا شيءَ فيه ثم جَعَل في كِيسِه شيئًا, ولأنَّ الوصيةَ تَقْتَضِي عَبْدًا مِن المَوْجُودِين حال الوصيةِ. وقد روَى ابنُ مَنْصُورٍ، عن أحمدَ، في مَن قال في مَرَضِه: أعْطُوا فلانًا مِن كِيسِي مائةَ دِرْهَمٍ. فلم يُوجَدْ في كِيسِه شيءٌ: يُعْطَى مائةَ دِرْهَمٍ. فلم يُبْطِلِ الوصيةَ؛ لأنَّه قَصَد إعْطاءَه مائةَ درهمٍ،
стр. 8489
وَإنْ كَانَ لَهُ عَبِيدٌ فَمَاتُوا إلَّا وَاحِدًا، تَعينَّتَ الْوَصِيَّةُ فِيهِ. وَإنْ قُتِلُوا كُلُّهُمْ، فَلَهُ قِيمَةُ أحَدِهِمْ عَلَى قَاتِلِهِ.
ــ
وظَنَّها في الكِيسِ، فإذا لم تكنْ له في الكِيسِ، أُعْطِيَ مِن غيرِه. فكذلك يُخَرَّجُ في الوصيةِ بعَبْدٍ مِن عَبِيدِه إذا لم يكن له عَبِيدٌ، يُشْتَرَى له عَبْدٌ ويُعْطاهُ. وهذا الوَجْهُ الثانِي. ووَجْهُه أنَّه لَمّا تَعَذَّرَتِ الصِّفَةُ، بَقِيَ أصْلُ الوصيةِ، فأشْبَهَ ما لو وَصَّى له بألْفٍ لا يَمْلِكُه ثم مَلَكَه.
٢٧١٨ - مسألة: (فإن كان له عَبِيدٌ فماتوا إلَّا واحِدًا، تَعَيَّنَتَ الوصيةُ فيه) وكذلك إن لم يكنْ له إلَّا عَبْدٌ واحِدٌ؛ لتَعَذُّرِ تَسْلِيمِ الباقِي. وإن تَلِف رَقِيقُه جَمِيعُهم قبلَ مَوْتِ المُوصِي، بَطَلَتِ الوصيةُ؛ لأنَّها إنَّما تَلْزَمُ بالمَوْتِ، ولا عَبِيدَ له حِينَئِذٍ. وإن تَلِفُوا بعدَ مَوْتِه بغيرِ تَفْرِيطٍ مِن الورثةِ، بَطَلَتْ أَيضًا؛ لأنَّ التَّرِكَةِ عندَ الورثةِ غيرُ مَضْمُونَةٍ؛ لأنَّها
стр. 8490
وَإنْ وَصَّى لَهُ بِقَوْسٍ، وَلَهُ أَقْوَاسٌ لِلرَّمْي وَالْبُنْدُقِ وَالنَّدْفِ، فَلَهُ قَوْسُ النُّشَّابِ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرُهَا، إلَّا أنْ تَقْتَرِنَ بِهِ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ إِلَى
ــ
حَصَلَت في أَيدِيهم بغيرِ فِعْلِهم. وإن قَتَلَهم قاتِلٌ، فللمُوصَى له قِيمَةُ أحَدِهم، مَبْنِيًّا على الرِّوايَتَين في مَن يَسْتَحِقُّه منهم في الحَياةِ، إمّا قِيمَة أحَدِهِم بالقرْعَةِ، أو قِيمَةُ مَن يَخْتارُه الورثةُ؛ لأنَّه بَدَلٌ عَمّا وَجَب له.
٢٧١٩ - مسألة: (وإن وَصَّى له بقَوْسٍ، وله أقْواسٌ للرَّمْي والبُنْدُقِ والنَّدْفِ (١)، فله قَوْسُ النُّشَّابِ، لأنَّه أظْهَرها، إلَّا أن تَقْتَرِنَ به
стр. 8491
غَيرِهِ. وَعِنْدِ أَبِي الْخَطَّابِ، لَهُ واحِدٌ مِنْهَا، كَالْوَصِيَّةِ بِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ.
ــ
قَرِينَةٌ تَصْرِفُه إلى غيرِه وعندَ أبي الخَطّابِ، له أحَدُهم) بالقُرْعَةِ (كالوصيةِ بعَبْدٍ مِن عَبِيدِه) إذا وَصَّى له بقَوْسٍ، صَحَّتِ الوصيةُ؛ لأنَّ فيه مَنْفَعَةً مُباحَةً، سواءٌ كان قَوْسَ نُشّابٍ، وهو الفارِسِيُّ، أو نَبْلٍ، وهو العَرَبِيُّ، أو قَوْسًا بمَجْرَى (١)، أو قَوْسَ جُوخٍ (٢)، أو نَدْفٍ، أو بُنْدُقٍ. فإن لم يكنْ له إلَّا قَوْسٌ واحِدٌ مِن هذه القِسِيِّ، تَعَيَّنتِ الوصيةُ فيه. وإن كانت له جَمِيعُها، وكان في لَفْظِه أو حالِه قَرِينَةٌ تَصْرِفُه إلى أحَدِها، انْصَرَفَ إليه، مثلَ أن يقولَ: قَوسٌ يَنْدِفُ به. أو: يَتَعَيَّشُ به. أو نحوَ ذلك، فهذا يَصْرِفُه إلى قَوْسِ النَّدْفِ. وإن قال: قَوْسٌ يَغْزُو به. خَرَجَ منه قَوْسُ النَّدْفِ والبُنْدُقِ. وإن كان المُوصَى له نَدّافًا لا عَادَةَ له بالرَّمْي، أو بُنْدُقَانِيًّا
стр. 8492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا عادَةَ له بالرَّمْي بشيءٍ سِواه، أو يَرْمِي بقَوْسٍ غيره ولا يرَمِي بسِواه، انْصَرَفَتِ الوصيةُ إلى القَوْسِ الذي يَسْتَعْمِلُه عادةً؛ لأنَّ ظاهِرَ حالِ المُوصِي أنَّه قَصَد نَفْعَه بما جَرَتْ عادَتُه بالانْتِفاعِ به. فإنِ انْتَفَتِ القَرائِنُ، فاخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّه يَأْخُذُ أحَدَها بالقُرْعَةِ، كالوصيةِ بعبدٍ مِن عَبِيدِه، أو يُعْطِيه الورثةُ ما يَخْتارُونَه؛ لأنَّ اللَّفْظَ يَتَناوَلُ جَمِيعَها. قال شيخُنا (١): والصحيحُ أنَّ وصيتَه لا تَتناوَلُ قَوْسَ النَّدْفِ، ولا البُنْدُقِ، ولا العَرَبيَّة في بَلَدٍ لا عادَةَ لهم بالرَّمي بها. وهذا مذهبُ الشافعيِّ، إلَّا أنَّه لم يَذْكُرِ العربيَّةَ. ويَكونُ له واحدٌ ممّا عدا هذه؛ لأنَّ هذه لا يُطْلَقُ عليها اسمُ القَوْسِ في العادَةِ مِن غيرِ أهْلِها حتَّى يُضِيفَها فيقولَ: قَوْسُ القُطْنِ،
стр. 8493
وَإنْ وَصَّى لَهُ بِكَلْبٍ أَوْ طَبْلٍ، وَلَهُ مِنْهَا مُبَاحٌ وَمُحَرَّمٌ، انْصَرَفَ إِلَى الْمُبَاحِ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلا مُحَرَّمٌ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ.
ــ
أو النَّدْفِ، أو البُنْدُقِ. وأما العربيةُ فلا يَتعارَفُها غيرُ طائِفَةٍ مِن العَرَب، فلا يَخْطُرُ ببالِ المُوصِي غالِبًا، ويُعْطَى القَوْسَ مَعْمُولَةً؛ لأنَّها لا تُسَمَّى قَوْسًا إلَّا كذلك. ولا يَسْتَحِقُّ وتَرَها؛ لأنَّ الاسمَ يَقَعُ عليها دُونَه. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُعْطاها بوَتَرِها؛ لأنَّها لا يُنْتَفَعُ بها إلَّا به، فكان كجُزْءٍ مِن أجْزائِها.
٢٧٢٠ - مسألة: وإن وَصَّى له بطبْلِ حَرْبٍ، صَحَّتِ الوصيةُ به؛ لأنَّ فيه مَنْفَعَةً مُباحَةً . وإن كان بطَبْلِ لَهْوٍ لا يَصْلُحُ إلَّا للَّهْو، لم تَصِحَّ؛ لعَدَمِ المَنْفَعَةِ المُباحَةِ. فإن كان إذا فُصِل صَلَح للحَرْبِ، لم تَصِحَّ الوصيةُ به أَيضًا؛ لأن مَنْفَعَتَه في الحال مَعْدُومَةٌ. فإن كان يَصْلُحُ لهما، صَحَّتِ الوصيةُ به؛ لأنَّ المَنْفَعَةَ قائِمةَ به. وإن وَصَّى له بطبْلٍ، وأطْلَقَ، وله طَبْلانِ تَصِحُّ الوصيةُ بأحَدِهما دُونَ الآخَرِ، انْصَرَفَتِ الوصيةُ إلى الطَّبْلِ
стр. 8494
وَتنْفُذُ الْوَصِيّةُ فِيمَا عَلِمَ مِنْ مَالِهِ وَمَا لَمْ يَعْلَمْ.
ــ
المُباحِ. فإن كان له طُبُولٌ تَصِحُّ الوصيةُ بجَمِيعِها، فله أحَدُها بالقُرْعَةِ، أو ما شاء الوَرَثةُ، على اخْتِلافِ الروايَتَين. وإن وَصَّى بدُفٍّ، صَحَّتِ الوصيةُ به؛ لأنَّ النَّبِي ﷺ قال: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ، وَاضْرِبُوا عَلَيه بالدُّفِّ» (١). ولا تَصِحُّ الوصيةُ بمِزْمارٍ، ولا طُنْبُورٍ، ولا عُودِ لَهْوٍ؛ لأنَّها مُحَرَّمةٌ، وسَواءٌ كانت فيها الأوْتَارُ أو لم تَكُنْ؛ لأنَّها مُهَيَّأةٌ لفِعْلِ المَعْصِيَةِ، فأشْبَهَ ما لو كانت فيه الأوْتارُ.
٢٧٢١ - مسألة: (وتَنْفُذُ الوصيةُ فيما عَلِم مِن مالِه أو لم يَعْلَم) وقال مالكٌ: لا تَنْفُذُ إلَّا فيما عَلِم. وحُكِيَ ذلك عن أبانَ بنِ عُثْمان، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، ورَبِيعَةَ، ومالكٍ إلَّا في المُدَبَّرِ، فإنَّه يدخلُ في كلِّ شيءٍ. ولَنا، أنَّه مِن مالِه فدَخَلَ في وصيتِه، كالمَعْلُومِ، ولأنَّ الوصيةَ بجُزْءٍ مِن مالِه لَفْظٌ عامٌّ، فيَدْخُلُ فيه ما لم يَعْلَمْ به مِن مالِه، كما لو نَذَر الصدقةَ بثُلُثِه.
стр. 8495
وَإِذَا أوْصَى بِثُلُثِهِ فَاسْتَحْدَثَ مَالًا، دَخَلَ ثُلثهُ في الْوَصِيَّةِ.
ــ
٢٧٢٢ - مسألة: (وإن وَصَّى بثُلُثِه فاسْتَحْدَثَ مالًا، دَخَل ثُلُثُه في الوصيةِ) في قولِ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ. ولا فَرْقَ عندَهم بينَ التِّلادِ (١) والمُسْتَفادِ، في أنَّه يُعْتَبرُ ثُلُثُ الجَمِيعِ. ومِمَّن قال ذلك؛ النَّخَعِيُّ، والأوْزاعِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّه مِن مالِه يَرِثُه وَرَثتُه، تُقْضَى منه دُيُونُه، أشْبَهَ ما مَلَكَه قبلَ الوصيةِ، ولِما ذَكَرْنا في التي قبلَها.
стр. 8496
وَإِنْ قُتِلَ وَأُخِذَتْ دِيَتُهُ، فَهَلْ تَدْخُلُ الدِّيَةُ فِي الْوَصِيَّةِ؟ عَلَى رِوَايَتَينَ.
ــ
٢٧٢٣ - مسألة: (وإن قُتِلَ وأُخِذَتْ دِيَتُه، فهل تَدْخُلُ الدِّيَةُ في الوصيةِ؟ على رِوايَتَين) إحْداهما، تَدْخُلُ. قال مُهَنَّا: رُوِيَ عن أحمدَ، في مَن أوْصَى بثُلُثِ مالِه أو جُزْءٍ مُشاعٍ، فقُتِلَ المُوصِي وأُخِذَتْ دِيَتُه، فقال: يَسْتَحِقُّ منها. ورُوِيَ عن عَلِيٍّ، ﵁، في دِيَةِ الخَطَأ مثلُ ذلك. وهو قولُ الحسنِ، ومالكٍ. والثانيةُ، لا تَدْخُلُ في وَصِيَّتِه. نَقَلَها ابنُ مَنْصُورٍ. ورُوِيَ ذلك عن مَكْحُولٍ، وشَرِيكٍ، وأبي ثَوْرٍ، وداودَ. وهو قولُ إسحاقَ. وقاله مالكٌ في دِيَةِ العَمْدِ؛ لأنَّ الدِّيَةَ إنَّما تَجِبُ للورثةِ بعدَ مَوْتِ المُوصِي؛ لأنَّ سَبَبَها المَوْتُ، فلا يجوزُ وُجُوبُها قبلَه؛ لأنَّ الحُكْمَ لا يَتَقَدَّمُ سَبَبَه، ولا يجوزُ أن تَجبَ للمَيِّتِ بعدَ مَوْتِه؛ لأنَّه بالمَوْتِ تَزُولُ أمْلاكُه الثّابِتَةُ له، فكيف يَتَجَدَّدُ له مِلْكٌ! فلا تَدْخُلُ
стр. 8497
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في الوصيةِ؛ لأنَّ المَيِّتَ إنَّما يُوصِي بجُزْءٍ مِن مالِه لا بمالِ ورثتِه. ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، أنَّ الدِّيَةَ تَجبُ للمَيِّتِ؛ لأنَّها بَدَلُ نَفْسِه، ونَفْسُه له، فكذلك بَدَلُها, ولأنَّ بَدَلَ أَطْرافِه في حَياتِه له، فكذلك بَدَلُ نَفْسِه بعدَ مَوْتِه، ولذلك تُقْضَى منها دُيُونُه، ويُجَهَّزُ منها إن كان قبلَ تَجْهِيزِه، وإنَّما يَحُوزُ وَرَثَتُه مِن أمْلاكِه ما اسْتَغْنَى عنه، فأمّا ما تَعَلَّقَتْ به حاجَتُه فلا. ولأَنه يجوزُ أن يَتَجَدَّدَ له مِلْكٌ بعدَ المَوْتِ، كمَن نَصَب شَبَكةً فسَقَطَ فيها شيءٌ بعدَ مَوْتِه، فإَّنه يَمْلِكُه بحيثُ تُقْضَى منه دُيُونُه، ويُجَهَّزُ، فكذلك دِيَتُه؛ لأنَّ تَنْفِيذَ وصيَّتِه مِن حاجَتِه، فأشبَهَت قَضاءَ دَينِه.
стр. 8498
وَإنْ وَصَّى لَهُ بِعَبْدٍ لَا يَمْلِكُ غَيرَهُ، قِيمَتُهُ مِائَةٌ، وَلِآخَرَ بِثُلُثِ الْوَرَثَةِ مِنَ الثُّلُثَينِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
فَصْل: وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ الْمُفْرَدَةِ.
ــ
٢٧٢٤ - مسألة: (فإن وَصَّى بمُعَيَّنٍ بقَدْرِ نِصْفِ الدَيةِ، فهل الدِّيةُ على الورثةِ مِن الثُّلُثَين؟ على وَجْهَين) بِناءً على الرِّوايَتَين؛ فعلى الرِّوايةِ الأولَى، تُحْسَبُ الدَيةُ مِن مالِه، فإن كانت وصيته بقَدْرِ نِصْفِ الدِّيةِ أو أقَلَّ منه، نَفَذَتِ الوصيةُ، وإلَّا أُخرجَ منه قَدْرُ ثُلثِها. وعلى الروايةِ الثانيةِ، لا تُحْسَبُ الدِّيَةُ، وتُخْرَجُ الوصيةُ مِن تِلادِ مالِه دُون دِيته، بِناءً على أنَّ الدِّيَةَ ليست مِن مالِه.
فصل: قال الشيخُ، ﵁: (وتَصِحُّ الوصيةُ بالمَنْفَعةِ المفْرَدَةِ) وتَصِحُّ بخِدْمةِ عَبْدٍ، ومَنْفعةِ أمَةٍ، وغَلَّةِ دارٍ، وبثَمَرةِ بُسْتانٍ أو شَجَرَةٍ، سواءٌ وَصَّى بذلك مُدَّةً مَعْلُومَةً، أو بجَمِيعِ الثَّمرةِ والمَنْفَعَةِ
стр. 8499
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في الزَّمانِ كلِّه. وهذا قولُ الجُمْهُورِ؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعي، وأصحابُ الرأي. وقال ابن أبي لَيلَى: لا تَصِحُّ الوصيةُ بالمَنْفَعَةِ المُفْرَدَةِ؛ لأَنَّها مَعْدُومَة. ولَنا، أنَّه يَصِحُّ تَمْلِيكُها بعَقدِ المُعاوَضَةِ، فتَصِحُّ الوصيةُ بها، كالأعْيانِ. ويُعْتَبَرُ خُرُوجُ ذلك مِن ثُلُثِ المالِ. نَصَّ عليه أحمدُ في سُكْنَى الدّارِ. وهو قولُ مَن قال بصِحَّةِ الوصيةِ بها. وإن لم تَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ، أُجِيزَ منها بقَدْرِ الثُّلُثِ. وقال مالكٌ: إذا وَصَّى بخِدْمَةِ عَبْدِه سَنَةً، فلم تَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ، فالورثةُ بالخِيَارِ بينَ تَسْلِيمِ خِدْمَتِه سَنَةً وبينَ المالِ. وقال أصحابُ الرأي، وأبو ثَوْرٍ: إذا وَصّى بخِدْمَةِ عَبْدِه سَنَةً، فإن العَبْدَ يَخْدِمُ المُوصَى له يَوْمًا والورثةَ يَوْمَين، حتى يَسْتَكْمِلَ المُوصَى له سَنَةً، فإن أراد الورثةُ بَيعَ العَبْدِ، بِيعَ على هذا. ولَنا، أنَّها وصية صحيحة، فوَجَبَ تَنْفِيذُها على صِفَتِها إذا خَرَجَتْ مِن الثُّلُثِ، أو بقَدْر ما خَرَج مِن الثُّلُثِ منها، كسائِرِ الوصايا أو كالأعيانِ. إذا ثَبَت هذا، وَأُرِيدَ تَقْويمُها، وكانتِ الوصيةُ مُقَيَّدَةً بمُدَّةٍ، قُوِّمَ المُوصَى بمَنْفَعَتِه مَسْلُوبَ المَنْفَعَةِ تلك المُدَّةَ، ثم تُقَومُ المَنْفَعَةُ في تلك المُدَّةِ، فيُنْظَرُ كم قِيمَتُها.
فصل: فإن أراد المُوصَى له بمَنْفَعَةِ العَبْدِ أو الدّارِ إجارَةَ العَبْدِ أو الدّارِ في المُدَّةِ التي أُوصِيَ له بنَفْعِها، فله ذلك. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا تَجُوزُ إجارَةُ المَنْفَعَةِ المُسْتَحَقَّةِ بالوصيةِ؛ لأنَّه أوْصَى له
стр. 8500
فَلَوْ وَصَّى لِرَجُل بِمَنَافِعِ أمَتِهِ أبَدًا أوْ مُدَّةً مُعَيَّنةً، صَحَّ. فإذا أَوْصَى بِهَا أبَدًا، فَلِلْوَرَثَةِ عِتْقُهَا وَبَيعُهَا. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ بَيعُهَا إلا لِمَالِكِ نَفْعِهَا.
ــ
باسْتِيفائِه. ولَنا، أنَّها مَنْفَعَةٌ يَمْلِكُها مِلْكًا تامًّا، فمَلَكَ أخْذَ العِوَضِ عنها بالأعْيانِ، كما لو مَلَكَها بالإجارَةِ. وإن أراد المُوصَى له إخْراجَ العَبْدِ عن البَلَدِ، فله ذلك. وبه قال أبو ثَوْرٍ. وقال أصحابُ الرأي: لا يُخْرِجُه إلَّا أن يكونَ أهلُه في غيرِ البَلَدِ، فيُخْرِجَه إلى أهْلِه. ولَنا، أنَّه مالِكٌ لنَفْعِه، فمَلَكَ إخْراجَه، كالمُسْتَأجِرِ.
٢٧٢٥ - مسألة: (إذا أوصَى) بمَنافِعِ عَبْدِه أو (أمَتِه أَبدًا أو مُدَّةً) بعَينها (فللورثَةِ عِتْقُها) لأنَّها مَمْلُوكَةٌ لهم، ومَنْفَعَتَها باقِيَةٌ للمُوصَى له، ولا يَرْجِعُ على المُعْتِقِ بشيءٍ. وإن أعْتَقَه صاحِبُ المَنْفَعَةِ، لم يَعْتِقْ؛ لأنَّ العِتْقَ للرَّقَبَةِ، وهو لا يَمْلِكُها. فإن وَهَب صاحِبُ المَنْفَعَةِ مَنافِعَه للعَبْدِ، أو أسْقَطَها عنه، فللورثةِ الانْتِفاعُ به؛ لأنَّ ما يُوهَبُ للعَبْدِ يكونُ لسَيِّدِه.
стр. 8501
وَلَهُمْ ولايةُ تزويجِهَا،
ــ
فصل: ولهم بَيعُها. وتُباعُ مَسْلُوبَةَ المَنْفَعَةِ، ويَقُومُ المُشْتَرِي مَقامَ البائِعِ فيما له وعليه. وقيل: لا يجوزُ بَيعُها؛ لأنَّ ما لا نَفْعَ فيه لا يَصِحُّ بَيعُه، كالحَشَراتِ والمَيتاتِ. وقيل: يجوزُ بَيعُها لمالِكِ مَنْفَعَتِها دُونَ غيرِه؛ لأنَّ مالِكَ مَنْفَعَتِها يَجْتَمِعُ له الرَّقَبَةُ والمَنْفَعَةُ، فيَنْتَفِعُ بذلك، بخِلافِ غيرِه، ولذلك جاز بَيعُ الثمرةِ قبلَ بُدُوِّ صَلَاحِها لصاحِبِ الشَّجَرَةِ دُونَ غيرِه، وكذلك بَيعُ الزَّرْعِ لصاحِبِ الأرْضِ. ووجْهُ الأوَّلِ، أنَّها أمَة مَمْلُوكَة تَصِحُّ الوصيةُ بها، فصَحَّ بَيعُها لغيرِه، ولأَنه يُمْكِنُه إعْتاقُها وتَحْصِيلُ وَلائِها وثَوابِ عِتْقِها، بخِلافِ الحَشَراتِ.
٢٧٢٦ - مسألة: (ولهم ولايةُ تَزْويجِها) لأنَّهم يَمْلِكُونَ رَقَبَتَها، وليس لهم ذلك إلَّا بإذْنِ صاحِبِ المَنْفَعَةِ. وليس لواحِدٍ منهما تَزْويجُها مُنْفَرِدًا؛ لأنَّ مالِكَ المَنْفَعَةِ لا يَمْلِكُ رَقَبَتَها، وصاحِبَ المَنْفَعَةِ يَتَضَرَّرُ
стр. 8502
وَأَخذُ مَهْرِهَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَجَبَ؛ لأنَّ مَنَافِعَ الْبُضْع لا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهَا. وَقَال أَصحَابُنَا: مَهْرُهَا لِلْوَصِيِّ.
ــ
به. فإنِ اتَّفَقا على ذلك، جاز؛ لأن الحَقَّ لهما، وكذلك لو طَلَبَتِ التَّزْويجَ، وَجَبَ تَزْويجُها عندَ طَلَبِها؛ لأنه لحَقِّها، وحَقُّها في ذلك مُقَدَّمٌ عليهما؛ لأَنَّها لو طَلَبَتْه مِن سَيِّدِها الذي يَمْلِكُ رَقَبَتَها ومَنْفَعَتَها، لَزِمه ذلك، وقُدِّمَ حَقُّها على حَقِّه، ووَلِيُّها في المَوْضِعَين مالِكُ الرَّقَبَةِ؛ لأنَّه مالِكُها.
٢٧٢٧ - مسألة: ومَهْرُها هاهُنا وفي كلِّ مَوْضِعٍ وَجَبَ للورثةِ، في اخْتِيارِ شيخِنا (لأنَّ مَنافِعَ البُضْعِ لا تَصحُّ الوصيةُ بها) مُفْرَدَةً، ولا مع غيرِها، ولا يجوزُ نَقْلُها مُفْرَدَةً عن الرَّقَبَةِ بغيرِ (١) التَّزْويجِ، وإنَّما هي تابِعَةٌ للرَّقَبَةِ، فتكونُ لصاحِبِها. وعندَ أصحابِنا، المَهْرُ للمُوصَى له بالمَنْفَعَة؛ لأنه مِن مَنافِعِها.
стр. 8503
وَإنْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ. وَلِلْوَرَثَةِ قِيمَةُ وَلَدِهَا عِنْدَ الْوَضْعِ عَلَى الْوَاطِئَ.
ــ
٢٧٢٨ - مسألة: (وإن وُطِئَت بشُبْهَةٍ، فالوَلَدُ حُرٌّ) لأنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ يكونُ الوَلَدُ فيه حُرًّا؛ لاعْتِقادِ الواطِئ أنَّه يَطَاُ في مِلْكٍ، فهو كوَطْءِ المَغْرُورِ بأمَةٍ. وتَجِبُ قِيمَتُه يومَ وَضْعِه لصاحِبِ الرقبةِ، في أحَدِ الوَجْهَين. وفي الآخرِ، يُشْتَرَى بها ما يَقُومُ مَقامَها. ويَجِبُ على الواطِئ؛ لأنّه الذي فَوَّتَ رِقَّه. وإنَّما اعْتُبِرَتْ قِيمَتُه يومَ الوَضْعِ؛ لأنَّ مُقْتَضَى الدّلِيلِ أن تَجِبَ قِيمَتُه حينَ العُلُوقِ؛ لأنَّه وَقْتُ تَفْويتِ الحُرِّيَّةِ، فلَمَّا لم يُمْكِنْ ذلك، قَوَّمْناه في أوَّلِ حالِ الإمْكانِ، وذلك حالةُ وَضْعِه. وهي للورثةِ، ولا شيءَ للوَصِيِّ فيها؛ لأنَّه إنَّما وَصَّى له بنَفْعِ الأمِّ، وليس الوَلَدُ مِن المَنافِعِ، ولا وَصَّى له بمَنْفَعَتِه، فلا يَسْتَحِقُّه.
وَلِلْوَصِيِّ اسْتِخْدَامُهَا وإجَارَتُهَا وإعَارَتُهَا، وَلَيسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَطْؤُهَا.
ــ
٢٧٣٠ - مسألة: (وللوصِيِّ اسْتِخْدامُها وإجارَتها وإعارَتها) لأنَّ الوصيةَ له بنَفْعِها، وهذا منه.
٢٧٣١ - مسألة: (وليس لواحِدٍ منهما وَطْؤُها) لأنَّ صاحِبَ المَنْفَعَةِ لا يَمْلِكُ رَقَبَتَها، ولا هو زَوْجُها، ولا يُباحُ وَطْءٌ بغيرِهما؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ (١). وصاحِب الرقبةِ لا يَمْلِكها مِلْكًا تامًّا، ولا يَأمَنُ أن تَحْمِلَ منه، فرُبَّما أفْضَىَ إلى هَلاكِها. وأيُّهما وَطِئَها فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه وَطْءٌ بشُبْهَةٍ، لوُجودِ المِلْكِ
стр. 8506
وَإنْ وَلَدَتْ مِنْ زَوْجٍ أوْ زِنًى، فَحُكْمُهُ حُكْمُهَا،
ــ
لكلِّ واحِدٍ منهما فيها (١)، ووَلَدُه حُرٌّ؛ لأنَّه مِن وَطْءِ شُبْهَةٍ. فإن كان الواطِئ صاحِبَ المَنْفَعَةِ، لم تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ له؛ لأنه لا يَمْلِكُها، وعليه قِيمَةُ وَلَدِها يومَ وَضْعِه، وحُكْمُها على ما ذَكَرْنا فيما إذا وَطِئَها أجْنَبِيٌّ بشُبْهَةٍ. وإن كان الواطِئُ مالِكَ الرقبةِ، صارَتْ أمَّ وَلَدٍ له؛ لأنها عَلِقَت منه بحُرٍّ في مِلْكِه. وفي وُجُوبِ قِيمَتِه عليه الوَجْهان. وأمّا المَهْرُ، فإن كان الواطِئُ مالكَ (٢) الرقبةِ، فلا مَهْرَ عَليه، في اخْتِيارِ شيخِنا، وله المَهْرُ على صاحِبِ المَنْفَعَةِ إن كان هو الواطِئ. وعندَ أصْحابِنا، وأصحاب الشافعيِّ، يَنْعَكِسُ الحالُ. وقد تَقَدم تَعْلِيلُ ذلك. ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ الحَدُّ على صاحِبِ المَنْفَعَةِ إذا وَطِئ؛ لأنه لا يَمْلِكُ إلَّا المَنْفَعَةَ، فوَجَبَ عليه الحَدُّ، كالمُسْتَأجِرِ، وعلى هذا يكونُ وَلَدُه مَمْلُوكًا.
٢٧٣٢ - مسألة: (وإن وَلَدَتْ مِن زَوْجٍ أو زنًى، فحُكْمُه حُكْمُها) لأنَّ الوَلَدَ يَتْبَعُ الأمَّ في حُكْمِها، كوَلَدِ المُكاتَبةِ والمُدَبَّرَةِ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ لمالِكِ الرَّقَبَةِ؛ لأن ذلك ليس من النّفْعِ المُوصَى به، ولا هو مِن الرقبةِ المُوصَى بنَفْعِها.
стр. 8507
وَفِي نَفَقَتِهَا ثَلَاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُهَا، أنهُ فِي كَسْبِهَا. وَالثانِي، عَلَى مَالِكِهَا. وَالثَّالِثُ، عَلَى الْوَصِيِّ.
ــ
٢٧٣٣ - مسألة: (وفي نَفَقَتِها ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها) تَجِبُ على مالِكِ الرقبةِ. وهو الذي ذَكَره الشَّرِيفُ أبو جَعْفَر مَذْهبًا لأحمدَ. وبه قال أبو ثَوْرٍ. وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ؛ لأنَّ النَّفَقَةَ على الرقبةِ، فكانت على صاحِبِها، كنفقةِ العَبْدِ المُسْتَأجَرِ، وكما لو لم يكنْ له مَنْفَعَة. قال الشَّرِيفُ: ولأنَّ الفِطرَةَ تَلْزَمُه، والفِطْرَةُ تَتْبَعُ النَّفَقَةَ، ووجُوبُ التابعِ على
стр. 8508
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إنْسانٍ دَلِيلٌ على وُجُوبِ المَتْبُوعِ عليه. والثانِي، تَجِبُ على صاحِبِ المَنْفَعَةِ. وهو قولُ الإصطَخْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأي. وهو أصَحُّ، إن شاء اللهُ تعالى؛ لأَنَّه يَمْلِكُ نَفْعَها على التّأبِيدِ، فكانتِ النَّفَقَةُ عليه، كالزّوْجِ، ولأنَّ نَفْعَه له، فكان عليه ضَرَرُه، كالمالِكِ لهما جَمِيعًا، يُحَقِّقُه أنَّ إيجابَ النَّفَقَةِ على مَن لا نَفْعَ له ضَرَرٌ مُجَرَّدٌ، فيَصِيرُ مَعْنَى الوَصِيّةِ: أوْصَيتُ لك بنَفْعِ أمَتِي، وأْلقَيتُ على وَرَثَتِي ضَرَرَها. والشَّرْعُ يَنفِي هذا بقولِه: «لَا ضَرَرَ وَلَا إضْرَارَ» (١). ولذلك جَعَل الخَرَاجَ بالضَّمانِ؛ ليكونَ ضَرَرُه على مَن له نَفْعُه. وفارَقَ المُسْتَأجَرَ؛ فإنَّ نَفْعَه في الحَقِيقَةِ للمُؤْجِرِ؛ لأَنه يَأخُذُ الأجْرَ عِوَضًا عن المَنافِعِ. والثالثُ، أنَّها تَجِبُ في كَسْبِه. وهذا راجِعٌ إلى إيجابِها على صاحِبِ المَنْفَعَةِ؛ لأنَّ كَسْبَه مِن مَنافِعِه، فإذا صُرِفَتْ في نَفَقَتِه، فقد صُرِفَتِ المَنْفَعَةُ المُوصَى بها إلى النفَقَةِ، فصاركما لو صَرَف إليه شيئًا مِن مالِه سِواه. فإن لم يكن لها كَسْب، فقِيلَ: تَجِبُ نَفَقَتُها في بَيتِ المالِ؛ لأنَّ مالِكَ الرَّقبةِ لا يَنتفِعُ بها، وصاحِبُ المَنْفَعَةِ لا يَمْلِكُ الرقبةَ، فلا يَلْزَمُه إحْياؤُها، وكذلك سائِرُ الحَيواناتِ المُوصَى بمَنْفَعتِها، قِياسًا على الأمَةِ.
стр. 8509
وَفِي اعْتِبَارِهَا مِنَ الثُّلُثِ وَجْهَانِ؛ أحَدُهُمَا، يُعْتَبَرُ جَمِيعُهَا مِنَ الثُّلُثِ. وَالثانِي، تُقَوَّمُ بِمَنْفَعَتِهَا، ثُمَّ تُقَوَّمُ مَسْلُوبَةَ الْمَنْفَعَةِ فَيُعْتَبَرُ مَا بَينَهُما.
ــ
٢٧٣٤ - مسألة: (وفي اعْتِبارِها مِن الثُّلُثِ وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يُعْتَبَرُ جَمِيعُها مِن الثلُثِ) يَعْنِي تُقَوَّمُ بمَنْفَعَتِها، ويُعْتَبَرُ خُرُوجُ ثَمَنِها مِن الثُّلُثِ؛ لأنَّ أمَةً لا منفعةَ فيها لا قِيمَةَ لها غالِبًا (والثاني، تُقَوَّمُ بمَنْفَعتِها، ثم تُقَوَّمُ مَسْلُوبَةَ المنفعةِ، فيُعْتَبَرُ ما بينَهما) فإذا كانت قِيمتُها بمنفعتِها مائةً، وقِيمَتُها مَسْلُوبَةَ المَنْفَعَةِ عَشَرَةً، عَلِمْنا أن قِيمةَ المَنْفعةِ تِسْعُون.