آخر الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث، وأوله: كتاب الصلاة والْحَمْدُ لله حِقَّ حَمْده
стр. 877
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م
المكتب: ٤ ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة
تليفون: ٣٤٥٢٥٧٩ - فاكس: ٣٤٥١٧٥٦
المطبعة: ٢، ٦ ش عبد الفتاح الطويل
أرض اللواء - تليفون: ٣٤٥٢٩٦٣
ص. ب: ٦٣ إمبابة
стр. 878
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه
أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته
стр. 879
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كِتابُ الصَّلَاةِ
ــ
كِتابُ الصَّلاةِ
الصَّلاةُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عن الدُّعاء، قال اللهُ تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيهِمْ﴾ (١). أي ادْعُ لهم , وقال ﷺ «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإنْ كَان مُفْطِرًا فلْيَطعَمْ، وَإنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» (٢). وفي الشَّرْعِ عِبارَةٌ عن الأفْعالِ المَعْلُومَةِ، فإذا وَرَد في الشَّرْعِ أمْرٌ بصَلاةٍ، أو حُكْمٌ مُعَلَّقٌ
وَتَجِبُ عَلَى النَّائِمِ، وَمَنْ زَال عَقْلُهُ بِسُكْرٍ، أَوْ إِغْمَاءٍ، أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ.
ــ
٢٤٧ - مسألة؛ قال: (وتَجِبُ على النّائِمِ، ومَن زال عَقْلُه بسُكْرٍ أو إغماءٍ أو شُرْبِ دَواءٍ) لا نَعْلَمُ خِلافًا في وُجُوبِ الصلاةِ على النّائِمِ , بمَعْنَى أنَّه يَجِبُ عليه قَضاؤُها إذا اسْتَيقَظ؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَها». رَواه مسلمٌ (١) بمَعْناه. ولو لم تَجِبْ عليه في حالِ نَوْمِه، لَما وَجَب عليه قَضاؤُها، كالمَجْنُونِ. وكذلك السَّكْرانُ ومَن شَرِب مُحَرَّمًا يُزِيلُ عَقْلَه؛ لأنَّه إذا وَجَب بالنَّوْمِ المُباحِ، فبالمُحَرَّمِ بطَرِيقِ الأوْلَى. وحُكْمُ المُغْمَى عليه حُكْمُ النّائِمِ في وُجُوبِ قَضاء العِباداتِ عليه؛ مِن الصلاةِ والصومِ، يُرْوَى ذلك عن عَمّارٍ، وعِمْرانَ بنِ حُصَينٍ، وسَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ (٢). ورُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، وطاوُسٍ، والحسنِ، والزُّهْرِيِّ، قالوا: لا يَقْضِي الصلاةَ. وقال مالكٌ والشافعيُّ: لا يَلْزَمُه قَضاءُ الصلاةِ، إلَّا أن يُفِيقَ في
стр. 883
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جُزْءٍ مِن وَقْتِها؛ لأنَّه يُرْوَى أنَّ عائشةَ سألت رسولَ اللهِ ﷺ عن الرجلِ يُغْمَى عليه، فيَتْرُكُ الصلاةَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «لَيسَ مِنْ ذَلِكَ قَضْاءٌ، إلَّا أنْ يُغْمَى عَلَيهِ، فَيُفِيقَ فِي وَقْتِهَا، فَيُصَلِّيَهَا» (١). وقال أصحابُ الرَّأْي: إن أُغْمِيَ عليه أكْثَرَ مِن خَمْسِ صَلَواتٍ لم يَقْضِ شَيئًا، وإلَّا قَضَى الجَمِيعَ؛ لأنَّ ذلك يَدْخُلُ في التَّكْرارِ، فأسْقَطَ القَضاءَ، كالجُنُونِ. ولَنا، أنَّ الإِغْماءَ لا يُسْقِطُ فَرْضَ الصيِّامِ، ولا يُؤَثِّرُ في ثُبُوتِ الولايةِ، ولا تَطُولُ مُدَّتُه غالِبًا، أشْبَهَ النَّوْمَ، وحَدِيثُهم يَرْويه الحَكَمُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ سعدٍ (٢)، وقد نَهَى أحمدُ عن حَدِيثِه. وقال البُخارِيُّ: تَرَكُوه. وقِياسُه على المَجْنُونِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه تَطُولُ مُدَّتُه غالِبًا، وتَثْبُتُ عليه الولايَةُ، ويَسْقُطُ عنه الصومُ، ولا يَجُوزُ على الأنبياءِ، ﵈، بخِلافِ الإِغْماءِ، ولأنَّ ما لا يُؤَثِّرُ في إسْقاطِ الخُمْسِ لا يُؤَثِّرُ في إسْقاطِ الزّائِد عليها، كالنَّوْمِ.
стр. 884
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأمّا شُرْبُ الدَّواءِ المُباحِ الذي يُزِيلُ العَقْلَ، فإن كان لا يَدُومُ كثيرًا، فهو كالإِغْماءِ، وإن تَطاوَلَ، فهو كالجُنُونِ (١). وأمّا ما فيه السُّمُومُ مِن الأدْويَةِ، فإن كان الغالِبُ مِن اسْتِعْمالِه الهَلاكَ أو الجُنُونَ، لم يَجُزْ، وإن كان الغالِبُ منه السَّلامَةَ ويُرْجَى نَفْعُه، أُبِيح شُرْبُه في الظّاهِرِ؛ لدَفْعِ ما هو أخْطَرُ منه، كغيرِه مِن الأدْويَةِ، ويَحْتَمِلُ أن يَحْرُمَ؛ لأنَّ فيه تَعَرُّضًا للهَلاكِ، أشْبَهَ ما لو لم يُرِدْ به التَّداويَ. والأوَّلُ أصَحُّ، فإن قُلنْا: يَحْرُمُ شُرْبُه. فهو كالمُحَرَّماتِ مِن الخَمْرِ ونَحْوه، وإن قُلْنا: يُباحُ. فهو كالمُباحاتِ فيما ذَكَرْنا. واللهُ أَعلمُ.
стр. 885
وَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ، وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمَا.
ــ
٢٤٨ - مسألة: (ولا تَجِبُ على كافِرٍ ولا مَجْنُونٍ، ولا تَصِحُّ منهما) اخْتَلَف أهلُ العلمِ في خِطابِ الكُفّارِ بفُرُوعِ الإِسلامِ، وحُكِيَ عن أحمدَ، ﵀، فيه رِوايَتان، مع إجْماعِهم على أنَّها لا تَصِحُّ منه في حالِ كُفْرِه، ولا يَجِبُ عليه قَضاؤُها بعدَ إسْلامِه إذا كان
стр. 886
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أصْلِيًّا، وقد قال اللهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١). ولأنَّه قد أسْلَمَ خَلْقٌ كَثِيرٌ في عَصْرِ النبيِّ ﷺ وبعدَه، فلم [يُؤْمَرْ أَحَدٌ] (٢) بقَضاءٍ، ولأنَّ في إيجابِ القَضاءِ عليه تَنْفِيرًا عن الإِسلامِ، فعُفِيَ عنه. وأمّا المُرْتَدُّ، فذَكَر أبو إسحاقَ ابنُ شاقْلا في وُجُوبِ القَضاءِ عليه رِوايَتَين؛ إحْداهما، لا يَلْزَمُه. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، فعلى هذا لا يَلْزَمُه قَضاءُ ما تَرَك في حالِ كُفْرِه، ولا في حالِ إسْلامِه قبلَ رِدَّتِه. وإن كان قد حَجَّ لَزِمَه اسْتِئْنافُه؛ لأنَّ عَمَلَه قد حَبِط بكُفْرِه؛ بدَلِيلِ قَوْلِه تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٣). فصار كالكافِرِ الأصْلِيِّ في جَمِيعِ أحْكامِه. والثانيةُ، يَلْزَمُه قَضاءُ ما تَرَك مِن
стр. 887
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العِباداتِ في حالِ كُفْرِه، وإسْلامِه قبلَ رِدَّتِه، ولا يَجِبُ عليه إعادَةُ الحَجِّ؛ لأنَّ العَمَلَ إنَّما يَحْبَطُ بالإِشْراكِ مع المَوْتِ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ (١). وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ (٢) المُرْتَدَّ أقَرَّ بوُجُوبِ العِباداتِ عليه، واعْتَقَد ذلك وقَدَر على التَّسَبُّبِ إلى أدائِها، فلَزِمَه، كالمُحْدِثِ. وذَكَر القاضي
стр. 888
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رِوايَةً ثالثةً، أنَّه لا قَضاءَ عليه لِما تَرَك في حالِ رِدَّتِه، وعليه قَضاءُ ما تَرَك في إسْلامِه قبلَ الرِّدَّةِ؛ لأنَّه كان واجِبًا عليه قبلَ الرِّدَّةِ فبَقِيَ الوُجُوبُ. قال: وهذا المَذْهَبُ. وهو (١) اخْتيارُ ابنِ حامدٍ، وعلى هذا لا يَلْزَمُه اسْتِئْنافُ الحَجِّ؛ لأنَّ ذِمَّتَه بَرِئَتْ منه بفِعْلِه قبلَ الرِّدَّةِ، فلم تَشْتَغِلْ به بعدَ ذلك، كالصلاةِ، ولأنَّ الرِّدَّةَ لو أبْطَلَتْ حَجَّه، أبْطَلَتْ سائِرَ عِباداتِه المَفْعُولَةِ قبلَ رِدَّتِه. وهذا أوْلَى إن شاء الله تعالى. فأمّا المَجْنُونُ فلا تَصِحُّ منه الصلاةُ؛ لأنَّه ليس مِن أهلِ التَّكْلِيفِ، أشْبَهَ الطِّفْلَ، ولا تَجِبُ عليه في
стр. 889
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حالِ جُنُونِه، ولا يَلْزَمُه قَضاؤُها إلَّا أن يُفِيقَ في وَقْتِ الصلاةِ، لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا. وقد قال النبيُّ ﷺ : «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَشِبَّ، وَعَنِ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ».
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ (١)، وقال: حديثٌ حسنٌ.
وَلَا تَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ. وَعَنْهُ، تَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَ عَشْرًا،
ــ
٢٥٠ - مسألة: (ولا تَجِبُ على صَبِيٍّ. وعنه، تَجِبُ على مَن بَلَغ عَشْرًا) ظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ الصلاةَ لا تجِبُ على الصَّبِيِّ حتى يَبلُغَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ. وفيه رِوايةً أُخْرى، أنَّها تَجِبُ على مَن بَلَغ عَشْرًا؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ لِسَبْع سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُ عَلَيهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَينَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ». رَواه أبو داودَ (١). أمَرَ بعُقُوبَتِه، ولا تُشْرَعُ العُقُوبَةُ إلَّا لتَرْكِ الواجِبِ، ولأنَّ حَدَّ الواجِبِ ما عُوقِبَ على
стр. 894
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَرْكِه. والأوَّلُ أصَحُّ؟ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ». ولأنَّه صَبِيٌّ فلم تَجِبْ عليه، كالصَّغِيرِ، ولأنَّ الصَّبِيَّ ضَعِيفُ العَقْلِ والبِنْيَةِ، ولا بُدُّ مِن ضابِطٍ يَضْبُطُ الحَدَّ الذي تَتَكامَلُ فيه بِنْيَتُه وعَقْلُه، فإنَّه يَتَزايَدُ تَزايُدًا خَفِيَّ التَّدْرِيجِ، فلا يُعْلَمُ بنَفْسِه، والبُلُوغُ ضابِطٌ لذلك، ولهذا تَجِبُ به الحُدُودُ، ويَتَعَلَّقُ به أكْثَرُ أحْكامِ التَّكْلِيفِ، فكذلك الصلاةُ. فأمّا التَّأْدِيبُ ههُنا فهو كالتَّأْدِيبِ على تَعَلُّمِ الخَطِّ والقُرْآنِ والصِّناعَةِ؛ ليَعْتادَها ويَتَمَرَّنَ عليها. ولا فَرْقَ بينَ الذَّكَرِ والأُنْثَى فيما ذَكَرْنا، ولا خِلافَ في أنَّها تَصِحُّ مِن الصَّبِيِّ العاقِلِ، ويُشْتَرَطُ لصِحَّةِ صلاتِه ما يُشْتَرَطُ لصحةِ صلاةِ الكَبِيرِ، إلَّا في السُّتْرَةِ، فإنَّ قَوْلَه ﷺ : «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلا بِخِمَارٍ» (١). يَدُلُّ على صِحَّتِها بدُونِ الخِمارِ.
стр. 895
وَيُؤْمَرُ بِهَا لِسَبْعٍ، وَيُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرٍ،
ــ
٢٥١ - مسألة: (ويُؤْمَرُ بها لسَبْعٍ، ويُضْرَبُ على تَرْكِها لعَشْرٍ) وهذا قَوْلُ مَكْحُولٍ، والأوْزاعِيِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ للخَبَرِ. وقال ابنُ عُمَرَ، وابنُ سِيرِينَ: إذا عَرَف يَمِينَه مِن يَسارِه. لأنَّه يُرْوَى عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه سُئِل عن ذلك فقال: «إذَا عَرَفَ يَمِينَهُ مِنْ شِمَالِهِ فَمُرُوهُ
стр. 896
فَإنْ بَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا، أوْ بَعْدَهَا فِي وَقْتِهَا لَزِمَهُ إِعَادَتُهَا.
ــ
بِالصَّلَاةِ». رَواه أبو داودَ (١). وقال مالكٌ والنَّخَعِيُّ: يُؤْمَرُ إذا ثُغِرَ (٢). وقال عُرْوَةُ: إذا عَقِل. قال القاضي: يَجِبُ على وَلِيِّ الصَّبِيِّ تَعْلِيمُه الطهارةَ والصلاةَ، وأمْرُه بها إذا بَلَغ سَبْعَ سِنِين، وتَأْدِيبُه عليها إذا بَلَغ عَشْرَ سِنِين؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَر بذلك، وظاهِرُ الأمْرِ الوُجوبُ. وهذا الأمْرُ والتَّأْدِيبُ في حَقِّ الصَّبِيِّ لتمْرِينِه عليها، كي يَأْلَفَها ويَعْتادَها فلا يَتْرُكَها عندَ البُلُوغِ.
٢٥٢ - مسألة: (فإن بَلَغَ في أثْنائِها أو بعدَها في وَقْتِها، لَزِمَه إعادَتُها) وهذا قَوْلُ أَبي حنيفةَ. وقال الشافعيُّ: لا يَلْزَمُه في المَوْضِعَين؛
стр. 897
وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيهِ الصَّلَاةُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا، إلا لِمَنْ يَنْوي الْجَمْعَ، أَوْ لمُشْتَغِلٍ بِشَرْطِهَا.
ــ
لأنَّه أدَّى وَظِيفَةَ الوَقْتِ، فلم يَلْزَمْه إعادَتُها، كالبالِغِ. ولَنا، أنَّه صَلَّاها قبلَ وُجُوبِها وسَبَبِه، فلم تُجْزِئْه عَمّا وُجِد سَبَبُ وُجُوبِها، كما لو صَلَّى قبلَ الوَقْتِ، ولأنَّها نافِلَةٌ في حَقِّه، فلم تُجْزِئْه، كما لو نَواها نَفْلًا، ولأنَّه بَلَغ في وَقْتِ العِبادَةِ وبعدَ فِعْلِها، فلَزِمَه إعادَتُها، كالحَجِّ.
٢٥٣ - مسألة: (ولا يَجُوزُ لمَن وَجَبَتْ عليه الصلاةُ تَأْخِيرُها عن وَقْتِها، إلَّا لمَن يَنْوي الجَمْعَ، أو لمُشْتَغِلٍ بشَرْطِها) وذلك لِما رَوَى
стр. 898
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبوْ قَتادَةَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «أَمَا إنَّهُ لَيسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إنَّما التَّفْريطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِئَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى». أخْرَجَه مسلمٌ (١). فسَمّاه تَفْرِيطًا. وعن سعدٍ أنَّه قال: سُئِل رسولُ اللهِ ﷺ عن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٢). قال: «إضَاعَةُ الوَقْتِ» (٣). تَوَعَّدَهم على ذلك، فدَلَّ على وُجُوبِه، هذا إذا كان ذاكِرًا لها، قادِرًا على فِعْلِها. فأمّا مَن نَوَى الجَمْعَ لعُذْرٍ، جاز له تَأْخِيرُ الأُولَى
стр. 899
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلى وَقْتِ الثّانِيَةِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ فَعَلَه، وكذلك المُشْتَغِلُ بشَرْطِها لا يَأْثَمُ؛ لأنَّ الصلاةَ لا تَصِحُّ بدُونِه إذا قَدَر عليه، فمتى كان شَرْطًا مَقْدُورًا عليه، وَجَب عليه الاشْتِغالُ بتَحْصِيلِه، ولم يَأْثَمْ بالتَّأْخِيرِ في مُدَّةِ تَحْصِيلِه، كالمُشْتَغِلِ بالوُضُوءِ والغُسْلِ.
стр. 900
وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا كَفَرَ،
ــ
٢٥٤ - مسألة: (ومن جَحَد وُجُوبَها كَفَر) متى جَحَد وُجوبَ الصلاةِ، نَظَرْنا، فإن كان جاهِلًا به، وهو مِمَّن يَجْهَلُ مِثْلُه ذلك، كحَدِيثِ الإِسلامِ، والنّاشِيءِ ببادِيَةٍ، عُرِّفَ وُجُوبَها، ولم يُحْكَمْ بكُفْرِه؛ لأنَّه مَعْذُورٌ. وإن كان مِمَّن لا يَجْهَلُ ذلك، كالنّاشِيءِ بينَ المُسْلِمِين في الأمْصارِ، لم يُقْبَلْ منه ادِّعاءُ الجَهْلِ، وحُكِم بكفْرِه؛ لأنَّ أدِلَّةَ الوُجوبِ ظاهِرَةٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، والمُسْلِمُون يَفْعَلُونها على الدَّوامِ، فلا يَخْفَى وُجُوبُها عليه، فلا يَجْحَدُها إلَّا تَكْذِيبًا للهِ ورسولِه ﷺ ، وإجْماعِ الأُمَّةِ، فهذا يَصِير مُرَتَدًّا، [حُكْمُه حُكمُ سائِرِ المُرْتَدِّين عن الإِسْلامِ. قال شيخُنا (١): ولا أعْلَمُ في هذا خِلافًا. وإن تَرَكَها] (٢) لمَرَضٍ، أو عَجْزٍ عن أرْكانِها، أُعْلِمَ أنَّ ذلك لا يُسْقِطُ الصلاةَ، وأنَّه يَجِبُ عليه أن يُصَلِّيَ على حَسَبِ طاقَتِه.
стр. 901
فَإِنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا، لَا جُحُودًا، دُعِيَ إلى فِعْلِهَا، فَإنْ أَبَى حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَهَا، وَجَب قَتْلُهُ. وَعَنْهُ، لَا يَجِبُ حَتَّى يَتْرُكَ ثَلَاثًا، وَيَضِيقَ وَقْتُ الرَّابِعَةِ.
ــ
٢٥٥ - مسألة: (فإن تَرَكَها تَهاوُنًا لا جُحُودًا، دُعِي إلى فِعْلِها، فإن أبَى حتى تَضايَقَ وَقْتُ التي بَعْدَها، وَجَب قَتْلُه. وعنه: لا يَجِبُ حتى يَتْرُكَ ثَلاثًا، ويَضِيقَ وَقْتُ الرّابِعَةِ) وجُمْلَتُه، أنَّ مَن تَرَك الصلاةَ تَهاوُنًا وكَسَلًا، مع اعْتِقادِ وُجُوبِها، دُعِي إلى فِعْلِها، وهُدِّد، فقِيلَ له: صَلِّ وإلَّا قَتَلْناك. فإن لم يُصَلِّ حتى تَضايَقَ وَقْتُ التي بعدَها، وَجَب قَتْلُه، في إحْدَى الرّوايَتَين، واختيارِ ابن عَقِيلٍ. وهو ظاهِرُ كلامِ
стр. 902
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه إذا تَرَك الصلاةَ (١) الأُولَى لم نَعْلَمْ (٢) أنَّه عَزَم على تَرْكِها إلَّا بخُرُوجِ الوَقْتِ، فإذا خَرَج، عَلِمْنا أنَّه تَرَكَها، ولا يَجِبُ قَتْلُه بها؛ لأنَّها فائِتَةٌ، فإذا ضاق وَقْتُ الثّانِيَةِ، وَجَب قَتْلُه. وقال أبو إسحاقَ ابنُ شاقْلا: إن كان التَّرْكُ للصلاةِ إلى صلاةٍ لا تُجْمَعُ معها، كالفَجْرِ إلى الظُّهْرِ، والعَصْرِ إلى المَغْرِبِ، وَجَب قَتْلُه، وإن كانت تُجْمَعُ معها، كالظُّهْرِ إلى العَصْرِ، والمَغْرِبِ إلى العِشاءِ، فلا يُقْتَلُ، لأن وَقْتَهما وَقْتٌ واحِدٌ في حالِ العُذْرِ، ولأنَّ الوَقْتَينِ كالوقتِ الواحدِ عندَ بعضِ العُلَماءِ. قال شيخُنا (٣): وهذا قَوْلٌ حَسَنٌ. والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا يُقْتَلُ حتى يَتْرُكَ ثلاثَ صَلَواتٍ، ويَضِيقَ وَقْتُ الرّابِعَةِ. قال أحمدُ، ﵀: لِئَلا تكُونَ شُبْهَةٌ، لأنَّه قد يَتْرُكُ الصلاةَ والصَّلاتَين والثَّلاثَ لشُبْهَةٍ، فإذا رَأْيناه تَرَك الرّابِعَةَ، عَلِمْنا أنَّه عَزَم على تَرْكِها، وانْتَفَتِ الشُّبْهَةُ، فيَجِبُ قَتْلُه. والصَّحِيحُ الأوَّلُ. وقد نَصَّ أحمدُ في من تَرَك صلاةَ الفَجْرِ عامِدًا، حتى وَجَبَتْ عليه أُخْرى، يُسْتَتابُ، فإن تاب وإلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُه؛ لأنَّه قد وُجِد التَّرْكُ، وليس تَقْدِيرُها بثَلاثٍ
وَلا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلَاثًا، فَإنْ تَابَ وَإلَّا قُتِلَ بِالسَّيفِ.
ــ
٢٥٦ - مسألة: (ولا يُقْتَلُ حتى يُسْتَتابَ ثلاثًا، فإن تاب وإلَّا قُتِل بالسَّيفِ) لا يُقْتَلُ تارِكُ الصلاةِ حتى يُسْتَتابَ ثلاثةَ أيّامٍ، ويُضَيَّقَ عليه، ويُدْعَى في وَقْتِ كلِّ صلاةٍ إلى فِعْلِها؛ لأنَّه قَتْلٌ لتَرْكِ واجبٍ، فتَقَدَّمَتْه الاسْتِتابَةُ، كقَتْل المُرْتَدِّ، ويُقْتَلُ بالسَّيفِ؛ لقَوْلِه ﷺ : «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» (١). الحديث.
стр. 907
وَهَلْ يُقْتَلُ حَدًا أَوْ لِكُفْرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
٢٥٧ - مسألة: (وهل يُقْتَلُ حَدًا أو لكفْرِه؟ على رِوايَتَين) إحْداهما، يُقْتَلُ لكُفْرِه، كالمُرْتَدِّ، فلا يُغَسَّلُ، ولا يُكَفَّنُ، ولا يُصَلَّى عليه، ولا يُدْفَنُ بينَ المُسْلِمِين. اخْتارَها أبو إسحاقَ بنُ شاقْلا، وابنُ عَقِيلٍ، وابنُ حامِدٍ. وبه قال الحسنُ، والنِّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وابنُ المُبارَكِ، وإسحاقُ، ومحمدُ بنُ الحسنِ؛ لقَوْلِ رسولِ الله ﷺ : «بَينَ الْعَبْدِ وَبَينَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصِّلاةِ». رَواه مسلمٌ (١). وعن بُرَيدَةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «الْعَهْدُ الَّذِي بَينَنَا وَبَينَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ
стр. 908
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَفَرَ». رَواه الإمامُ أحمدُ، والنَّسائِيُّ، والترمِذِيُّ (١)، وقال: حديث حسن صحيحٌ. وقال ﷺ : «أوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِن دِينكُمُ الأمَانَةُ، وَآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ الصَّلَاة» (٢). قال أحمدُ: كلُّ شيء ذَهَب آخِرُه، لم يَبقَ منه شيءٌ. وقال عُمَرُ، ﵁، لا حَظَّ في الإسلامِ لمَن ترَكَ الصلاة. وقال علي، ﵁: مَن لم يُصَلِّ فهو كافِرٌ. قال عبدُ الله بنُ شَقِيقٍ (٣): لم يَكُنْ أصحابُ رسول الله ﷺ يَرَوْن شَيئًا مِن الأعْمالِ، تركُه كُفْر، غيرَ الصلاةِ (٤). ولأنها عِبادَةٌ يَدْخُلُ بفِعْلِها في الإسلامِ، فيَخْرُجُ بتَرْكِها مِنه، كالشَّهادَةِ. والروايَةُ الثانيةُ، يُقْتَلُ حَدًّا، مع الحُكْمِ بإسلامِه، كالزّانِي المُحْصَن. وهذا اخْتِيارُ أبي عبدِ الله بن بَطَّةَ، وأنكَرَ قوْلَ من قال: إنَّه يَكْفرُ. وذَكَر أن المَذْهَبَ على هذا، لم يَجِدْ في المَذْهَبِ خِلافًا فيه. وهو قوْلُ أكْثَرِ الفُقَهاء؛ منهم أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ لقَوْلِ النبي ﷺ : «إن الله حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قال: لَا إلَه إلَّا الله. يَبْتَغِي بذَلِكَ وَجْهَ الله». وعن عُبادَةَ بنِ الصامِتِ، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: «مَنْ شَهِدَ أنْ لَا إلَهَ إلا الله، وَأنَّ مُحَمدًا
стр. 909
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأنَّ عِيسى عَبْدُ الله وكلِمتُهُ ألْقاها إلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأنَّ الجَنَّة حَقٌّ، وأن النَّارَ حَقٌّ، أدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ على مَا كَانَ مِنْ عَمَل». وعن أنسٍ، أن رسولَ الله ﷺ قال: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَال: لَا إلهَ إلا الله، وَكَانَ في قَلْبِهِ مِنَ الخَيرِ ما يَزن برَّةً». مُتَّفَقٌ عَلَيهِنَّ (١). وعن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَه، وَإنِّي اخْتَبَأتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ، إنْ شاءَ الله، مَنْ مَاتَ مِنْ أُمتِي لَا يُشْرِكُ
стр. 910
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِاللهِ شَيئًا». رَواه مسلمٌ (١). وعن عُبادَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ الله عَلَى الْعَبْدِ في اليَوْمِ وَاللَّيلَةِ، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيهِنَّ كانَ لَهُ عِنْدَ الله عَهْدٌ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ؛ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإنْ شَاءَ أدْخَلَهُ الْجَنَّةَ» (٢). ولو كان كافِرًا، لم يُدْخِلْه في المَشِيئَةِ. ورُوِيَ عن حُذَيفَةَ، أنَّه قال: يَأْتِي على النّاسِ زَمانٌ لا يَبْقَى معهم مِن الإسلامِ إلَّا قولُ: لا إلَهَ إلَّا الله. فقِيلَ له: وما يَنْفَعُهُم؟
стр. 911
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال: تُنْجِيهِمْ مِن النّارِ، لا أبالَكَ (١). وقال ﷺ : «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَال: لَا إلَهَ إلا الله» (٢). رَواه الخَلَالُ. ولأنَّ ذلك إجماعُ المُسْلِمِين، فإَّننا لا نَعْلَمُ في عَصْرٍ مِن الأعْصارِ أحَدًا مِن تارِكِي الصلاةِ تُرِك تَغْسِيلُه، والصلاةُ عليه، ولا مُنِع ميراثُ مَوْرُوثِه منه (٣)، ولا فُرِّق بينَ الزَّوْجَين لتَرْكِ الصلاةِ مِن أحَدِهِما، معَ كثْرةِ تارِكِي الصلاةِ، ولو كَفَر لثَبَتَتْ هذه الأحْكامُ، ولا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ المُسْلِمِين أنِّ تارِكَ الصلاةِ يجِبُ عليه قَضاؤُها، مع اخْتِلافِهم في المُرْتَدِّ (٤). وأمّا الأحادِيثُ المُتَقَدِّمَةُ فهي على وَجْهِ التَّغْلِيظِ، والتَّشْبِيهِ بالكُفَارِ، لا على الحَقِيقَةِ، كقَوْلِه ﷺ : «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (٥). وقَوْلِه: