. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ومَن تَرَك شَرْطًا مُجْمَعًا عليه، أو رُكْنًا؛ كالطهارَةِ، والرُّكُوعِ، والسُّجُودِ، فهو كتارِكِها، حُكْمُه حُكْمُه؛ لأنَّ الصلاةَ مع ذلك، وُجُودُها كعَدَمِها. فأمّا الأرْكانُ المُخْتَلَفُ فيها؛ كإزالةِ النَّجاسَةِ وقِراءَةِ الفاتِحَةِ، والاعْتِدالِ عن الرُّكُوعِ، فإن تَرَكَه مُعْتَقِدًا جَوازَه، فلا شيءَ عليه، وإلَّا لَزِمَتْه الإعادَةُ، ولا يُقْتَلُ بحالٍ؛ لأنَّه مُخْتَلَفٌ فيه، فلم يَتَعَلَّقْ به حَدٌّ، كالمُتَزَوِّجِ بغيرِ ولِيٍّ، وسارِقِ مالٍ (١) فيه شُبْهَةٌ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا بَأْسَ بوُجُوبِ قَتْلِه. [كما نَحُدُّه بفعِلِ] (٢) ما يُوجِبُ الحَدَّ على مَذْهَبِه. والله أعلمُ.
стр. 914
بابُ الأذانِ والإقامَةِ
ــ
بابُ الأذانِ والإقامَةِ
أصْلُ الأذانِ في اللغَةِ الإعْلامُ. قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١). أي: إعْلام. وقال الشّاعِرُ (٢):
* آذَنَتْنا ببَينها أسْماءُ *
أي: أعْلَمتْنا. والأذانُ للصلاةِ إعْلام بوَقْتِها، والأذانُ الشَّرعِيُّ هو اللفْظُ المَعْلُومُ المَشْروعُ في أوْقاتِ الصلَوات.
стр. 915
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وفيه فَضْل عَظِيم، لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رَسولَ الله ﷺ قال: «لَوْ يَعْلَمُ الناسُ مَا في النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأولِ، ثُم لَمْ يَجِدُوا إلَّا أنْ يَستهمُوا عَلَيهِ، لَاسْتَهَمُوا عَلَيهِ». مُتَّفَق عليه (١). وعن مُعاويَةَ بنِ أبي سُفْيانَ، قال: سَمعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: «الْمُؤذِّنُونَ أطْوَلُ النَّاسِ أعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رَواه مسلمٌ (٢). وعن ابنِ عباسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أذنَ سَبْعَ سِنِينَ مُحْتَسِبًا، كتبَ الله لَهُ بَرَاءَة مِنَ النَّارِ». رَواه ابنُ ماجَه (٣). وعن ابنِ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «ثَلَاثةٌ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ رَجُل أمَّ قوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ، وَرَجُل يُؤذِّنُ في كُل يَوْم خَمْسَ صَلَواتٍ، وَعَبْدٌ أدَّى حَقَّ اللهِ وَحَق مَوَالِيهِ». رَواه
стр. 916
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحمدُ، والترمِذِيُّ (١). وعن البراءِ بنِ عازِبٍ، أن النبي ﷺ قال: «إنَّ اللهَ وَمَلَائِكتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّف الْمُقَدَّمِ، وَالْمُؤذِّنُ يُغْفرُ لَهُ بِمَدِّ صَوْتِهِ، وَيُصَدِّقُهُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ رَطْبٍ وَيَابِس، وَلَهُ مِثْلُ أجْرِ مَنْ صَلى مَعَهُ». رَواه الإمامُ أحمدُ والنَّسائِيُّ (٢).
فصل: قال القاضي: الأذانُ أفْضَلُ مِن الإمامَةِ. وهذا إحْدَى الرِّوايَتَين عن أحمدَ، وهو اخْتِيارُ ابنِ أبي موسى، وجَماعَةٍ مِن أصحابِنا. [وهذا مَذْهَبُ] (٣) الشافعيِّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأخْبارِ في فَضِيلَتِه، ولِما روَى أبو هريرة، أن النبيَّ ﷺ قال: «الإمَامُ ضَامنٌ، وَالمُوذِّن مُوتمنٌ اللَّهُمَّ أرشِدِ الأئمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُوذنِينَ». رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمِذِيُّ (٤). والأمانَةُ أعْلَى مِن الضَّمانِ، والمَغْفِرَةُ أعلى مِن الإرْشادِ. والرِّوايَةُ الثانيةُ، الإمامَةُ (٥) أفْضَل؛ لأن النبيَّ ﷺ تَوَلّاها بنَفْسِه، وخُلَفاؤه مِن بعدِه، ولا يَخْتارُون إلَّا الأفضلَ، ولأنَّ الإمامَةَ يُخْتارُ لها مَن
стр. 917
وَهُمَا مَشْرُوعَانِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ دُونَ غَيرِهَا، لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ.
ــ
هو أكْمَلُ حالًا وأفْضَلُ، واعْتِبارُ فضِيلَتِه دَلِيلٌ على فضيلةِ مَنْزِلَتِه. ومَن نَصَر الروايَةَ الأُولَى قال: إنَّما لم يَتَوَلَّه النبيُّ ﷺ وخُلَفاؤُه؛ لضِيقِ وَقْتِهم عنه، ولهذا قال عُمَرُ: لولا الخِلِّيفَي (١) لأذَّنْتُ (٢). والله أعلمُ.
٢٥٨ - مسألة: (وهما مَشْرُوعان للصَّلَواتِ الخَمْسِ دُونَ غيرِها، للرِّجالِ دونَ النِّساءِ) أجْمَعَتِ الأمةُ على أنَّ الأذانَ والإقامَةَ مَشْرُوعان للصَّلَواتِ الخَمسِ، ولا يُشرعان لغيرِ الصَّلَواتِ الخَمسِ، لأنَّ المَقْصُودَ منه الإعْلامُ بوَقْتِ المفْرُوضَةِ على الأعْيانِ، وهذا لا يُوجَدُ في غيرِها. والأصْلُ في الأذانِ ما رُوِيَ عن أنس بنِ مالكٍ، ﵁، قال: لَمّا كثُر النّاسُ ذَكَرُوا أن يَعْلَمُوا وَقْتَ الصَّلاةِ بشيءٍ يَعْرِفُونَه، فذَكَرُوا أن يُورُوا نارًا، أو يَضْرِبُوا ناقُوسًا، فأُمِرَ بِلالٌ اُن يَشْفَعَ الأذانَ ويُوتر الإقامَةَ. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وعن عبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ بن عبدِ رَبِّه، رَضِي اللهُ
стр. 918
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عنه، قال: لَما أمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالنّاقُوس يُعْمَلُ ليُضْرَبَ به [للنّاسِ لجَمْعِ الصلاة] (١)، طاف بِي وأنا نائمٌ رجلٌ يَحْمِلُ ناقوسًا في يَدِه، فقلتُ: يا عبدَ اللهِ، أتَبِيعُ النّاقُوسَ؟ قال: وما تَصْنَعُ به؟ قلتُ: نَدْعُو به إلى الصلاةِ. قال: أفلا أدُلُّكَ على ما هو خَير مِن ذلك؟ فقلت: بلى. قال: فقال: تقولُ: الله أكبرُ، الله أكبرُ، الله أكبرُ، الله أكبرُ، أشْهَدُ أن لا إِلَهَ إلا الله، أشْهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ، أشْهدُ أن محمدًا رسولُ الله، أشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ، حَيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الصلاةِ، حَيَّ على الفَلاح، حيَّ على الفلاحِ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، لا إلَهَ إلا الله. ثم اسْتَأخَرَ عنِّي غيرَ بَعِيدٍ، ثم قال: ثم تَقُولُ إذا أقَمْتَ (٢) الصلاةَ: اللهُ أكبرُ الله أكبرُ، أشْهدُ أن لا إلَهَ إلَّا الله، أشْهَدُ أن محمدًا رسولُ الله، حَيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الفَلاحِ، قد قامتَ الصلاةُ، قد قامتِ الصلاةُ، الله أكبرُ الله أكبرُ، لا إلَهَ إلَّا اللهُ. فلَمّا أصْبَحْتُ أتَيتُ رسولَ الله ﷺ فأخْبرتُه بما رَأيتُ، فقال: «إنَّهَا لرؤيَا حَقٍّ، إنْ شَاءَ الله، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ، فألْقِ عَلَيةِ مَا رَأيتَ، فَلْيُؤذِّنْ بهِ، فَإَّنهُ أندَى صَوْتًا مِنْكَ». فقُمْتُ مع بِلالٍ، فجَعَلْتُ أُلقِيه عليه ويُؤذِّنُ به. قال: فَسَمِعَ ذلك (٣) عُمَرُ بنُ الخطابِ،
стр. 919
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﵁، وهو في بَيته، فخرَجَ يَجُرُّ رِداءَه، يقولُ: والذي بَعَثَك بالحَقِّ يا رسولَ الله، لقد رَأيتُ مثلَ الذي رَأى. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «فَلِلَّهِ الْحَمدُ». أخْرَجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وهذا لَفْظُه، وابنُ ماجَه (١)، وأخْرَج الترِّمِذِيُّ بعْضَه (٢)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
فصل: وليسَ على النِّساءِ أذانٌ ولا إقامَةٌ. كذلكَ قال ابنُ عُمَرَ، وأنَسٌ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وابنُ سِيرينَ، والثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، وأصحابُ الرَّأْي. ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم. واخْتَلَفُوا، هل يُسَنُّ لَهُنَّ ذلك؟ فرُوىَ عن أحمدَ، إن فَعَلْنَ فلا بَأْسَ، وإن لم يَفْعَلْنَ. فجائِزٌ. وقال القاضي: هل تُسْتَحَبُّ لها الإقامَةُ؟ على رِوايَتَين. وعن جابِرٍ، أنَّها تُقِيمُ. وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والأوْزاعِيُّ. وقال الشافعيُّ: إن أذَّنَّ وأقَمْنَ فلا بَأْسَ. وعن عائشةَ، أنَّها
стр. 920
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كانَتْ تُؤَذِّنُ وتُقِيمُ. وبه قال إسحاقُ. وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ أذِنَ لأُمِّ وَرَقَةَ أن يُؤذَّنَ لها ويُقامَ، وتَؤُمَّ نِساءَ أهْلِ دارِها (١). إلَّا أنَّ هذا الحديثَ يَرويه الوَلِيِدُ بنُ جُمَيعٍ (٢)، وقد قال ابنُ حِبّانَ: لا يُحْتَجُّ بحَدِيثِه. ووَثَّقَه يَحْيى بنُ مَعِينِ. ورُوي عنه، لا يُشْرَعُ لها ذلك، لِما روَى النَّجَادُ، بإسنادِه، عن أسماءَ بنتِ يَزِيدَ، قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: «لَيسَ عَلَى النِّسَاءِ أذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ» (٣). ولأنَّ الأذانَ يُشْرَعُ له رَفْعُ الصَّوْتِ، ولا يُشْرَعُ لها، ولا تُشْرَعُ لها الإقامَةُ؛ لأنَّ مَن لا يُشْرَعُ له الأذانُ، لا تُشْرَعُ له الإقامَةُ، كغيرِ المُصَلِّي وكالمَسْبُوقِ.
стр. 921
وَهُمَا فَرْضٌ عَلَى الْكفَايةِ، إنِ اتَفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِمَا قَائلَهُمُ الْإمَامُ.
ــ
٢٥٩ - مسألة؛ قال: (وهما فَرْضٌ على الكِفايَة، إن اتفَق أهلُ بَلَدٍ كل تركِهما قائَلَهُم الإمامُ) كذلك ذَكَرَه أبو بكر عبدُ العزيزِ (١)، وهو قولُ أكْثَرِ الأصحابِ، وبعض أصحابِ مالكٍ. وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهدٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ: الأذانُ والإقامةُ واجِبان كل كلِّ جماعةٍ، في الحَضَرِ والسَّفرِ، لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ به مالكَ بنَ الحُوَيرِثِ (٢) وصاحِبَه، والأمْرُ يَقْتَضي الوُجُوبَ، وداوَم عليه هو وخُلَفاؤه وأصحابُه. ولأنَّه مِن
стр. 922
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شعائِرِ الإسلامِ الظّاهِرَةِ، فكان فَرْضًا، كالجهادِ. فعلى هذا إذا قام به مَن تَحْصُلُ به الكِفايَةُ سَقَط عن الباقِين، كسائِرِ فُرُوض الكِفاياتِ، وإن اتَّفَقُوا على تَرْكِه أثِمُوا كلُّهم. ولأن بِلالًا كان يُؤذِّنُ للنبيِّ ﷺ فيَكتَفِي به. وإنِ اتَّفَق أهلُ البَلَدِ على تركِه، قاتَلَهُم الإمامُ عليه؛ لأنَّه مِن شعائِرِ الإسلامِ الظّاهِرَةِ، فقُوتِلُوا عليه، كصَلاةِ العِيدَين. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أن الأذانَ سُنَّةٌ غيرُ واجِب؛ لأنه قال: فإن صَلَّى بلا أذانٍ ولا إقامةٍ، كَرِهْنا له ذلك. فجَعَلَه مَكْرُوهًا، وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ لأنَّه دُعاءٌ إلى الصلاةِ، فأشْبَهَ قَوْلَه: الصَّلاةَ جامِعَةً. وقال ابنُ أبي موسى: الأذانُ سُنةٌ في إحْدَى الروايَتَين، إلَّا أذانَ الجُمُعَةِ حين يَصْعَدُ الإمامُ، فإنَّه واجِبٌ. وعلى كِلا القَوْلَين إذا صَلى بغيرِ أذانٍ ولا إقامَةٍ، كُرِه له ذلك، لِما ذَكَرْنا، وصَحَّتْ صَلاتُه؛ لِما رُوِيَ عن عَلْقَعَةَ (١) والأسْوَدِ (٢)، أنَّهما قالا: دَخَلْنا على عبدِ اللهِ فصَلَّى بنا، بلا أذانٍ ولا إقامَةٍ. رَواه الأثْرَمُ. قال شيخُنا (٣): ولا أعْلَمُ أحدًا خالفَ في ذلك إلَّا عَطَاءً، قال:
стр. 923
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَن نَسِي الإقامَةَ يُعِيدُ. ونَحْوُه عن الأوْزاعِيِّ. والصَّحِيحُ، إن شاء الله، قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ لِما ذَكَرْنا، ولأنَّ الإقامَةَ أحَدُ الأذانَين، فلم يُفْسِدْ تَرْكُها، كالآخَرِ.
فصل: ومَن أوْجَبَ الأذانَ مِن أصحابِنا إنَّما أوْجَبَه على أهلِ المِصْرِ، فأمّا غيرُ أهلِ المِصْرِ مِن المُسافِرِين فلا يَجِبُ عليهم. كذلك ذَكَره القاضي. وقال مالكٌ: إنَّما يَجِبُ النِّداءُ في مَساجِدِ الجَماعَةِ التي يُجْمَعُ (١) فيها للصلاةِ؛ وذلك لأنَّ الأذانَ إنَّما شُرِعَ (٢) في الأصْلِ للإعْلامِ بالوَقْتِ، ليَجْتَمِعَ (٣) النَّاسُ إلى الصلاةِ، ويُدْرِكُوا الجَماعَةَ. ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ في السَّفَرِ للجَماعَةِ، وهو قَوْلُ ابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ به بلالًا في السَّفَرِ، وقال لمالكِ بنِ الحُوَيرِثِ، ولابنِ عَمٍّ له: «إذَا سَافَرْتُمَا فَأذِّنَا وَأقِيمَا ولْيَؤُمَّكُمَا أكْبَرُكُمَا». مُتَّفَقٌ عليه (٤). وهذا ظاهِرٌ في
стр. 924
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وُجُوبِه. ويَكْفِي مُؤَّذِّنٌ في المِصْرِ، إذا كان يُسْمِعُهم ويَجْتَزئُ بَقِيَّتُهم بالإقامَةِ. قال أحمدُ، في الذي يُصَلِّي في بَيتِه: يُجْزِئُه أذانُ المِصْرِ. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي، وقال مالكٌ، والأوْزاعِيُّ: تَكْفِيهِ الإقامَةُ. وقال الحسنٌ، وابنُ سِيرِينَ: إن شاء أقام. لأنَّ النبيَّ ﷺ قال للذي عَلَّمَه الصلاةَ: «إذَا أردْتَ الصَّلَاةَ فَأحْسِنِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَكَبِّرْ» (١). وفي لفطٍ رَواه النَّسائِيُّ: «فَأقِمْ ثُمَّ كَبِّرْ (١). وقد ذَكَرْنا حديثَ ابنِ مسعودٍ (٢).
стр. 925
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والأفْضَلُ لكلِّ مُصَلٍّ أن يُؤذِّنَ ويُقِيمَ، إلَّا أنه إن (١) كان يُصَلِّي قَضاءً أو في غيرِ وَقْتِ الأذانِ، لم يَجْهَرْ به، وإن كان في الوقت في بادِيةٍ أو نَحْوها، اسْتُحبَّ له الجَهْرُ بالأذانِ؛ لقَوْلِ أبي سعيدِ: «إذا كُنْتَ في غَنَمِكَ أوْ بَادِيتكَ فَأذنْتَ بالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالندَاءِ، فَإنَّه لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمؤذِّنِ جِنٌّ وَلَا إنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». قال أبو سعيدٍ: سَمعْتُه عِن رسولِ الله ﷺ . رَواه البخاريُّ (٢). وعن أنسٍ، أن رسولَ الله ﷺ كان يُغِيرُ إذا طَلَع الفَجْرُ، وكان إذا سَمِع أذانًا أمْسَك، وإلَّا أغار، فسَمِعَ رجلًا يقولُ: الله أكبرُ
стр. 926
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الله أكبرُ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «عَلَى الْفِطْرَةِ». فقال: أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ، [أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا الله] (١). فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «خَرجْتَ مِنَ النَّارِ». فَنَظروا فإذا صاحبُ مِعْزًى (٢). رَواه مسلمٌ (٣).
فصل: ويُسْتَحَبُّ الأذانُ في السَّفَرِ، وللراعِي (٤) وأشْباهِه في قوْلِ أكثَرِ أهلِ العلم، وكان ابنُ عُمَرَ يُقيمُ لكلِّ صلاةٍ إقامَة، إلَّا الصُّبحَ، فإنَّه يُؤذِّنُ لها ويُقيمُ، وكان يقولُ: إنَّما الأذانُ على الإمام والأميرِ الذي يَجْمَعُ النّاسَ. وعنه، أنَّه كان لا يُقِيمُ الصلاةَ في أرضٍ تُقامُ فيها الصلاةُ. وعن علي، ﵁: إن شاء أذَّنَ وأقام، وإن شاء أقام. وبه قال الثَّوْرِيُّ. وقال الحسنُ: تُجْزِئُه الإقامَةُ. وقال إبراهيمُ
стр. 927
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في المُسافِرِين: إذا كانوا رِفَاقًا أذَّنُوا وأقامُوا، وإن كان وَحْدَه أقام الصلاةَ. ولَنا، أن النبيَّ ﷺ كان يُؤذنُ له في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وأمَرَ به مالكَ بنَ الحُوَيرِثِ وصاحِبَه، وما نُقِل عن السَّلَفِ في هذا، فالظّاهِرُ أنَّهم أرادُوا وَحْدَه، كما قال إبراهيمُ النخعِيُّ في كَلامِه، والأذانُ مع ذلكَ أفضل؛ لِما ذَكْرنا مِن حديثِ أبي سعيدٍ، وحديثِ أنسٍ، وروَى عُقبَةُ بنُ عامِرٍ، قال: سَمعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: «يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ رَاعِي غَنمٍ في رَأس الشَّظِيَّة (١) لِلْجَبَلِ، يُؤذِّنُ بِالصَّلَاةِ، وَيُصَلِّي، فَيَقُول الله : انْظُرُوا إلَى عَبْدِي هَذَا، يُؤذِّنُ وَيُقيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ منِّي، قدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، وَأدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ». رَواه النَّسائِيُّ (٢). والصَّلَواتُ في الأذانِ على أرْبَعةِ أضرُب؛ ما يُشرَعُ لها الأذانُ والإقامَةُ، وهي الفَرْضُ المُؤدَّاةُ مِن الصَّلَواتِ الخمْسِ، وصَلاة يُقيمُ لها ولا يؤذِّنُ، وهي الثّانِيَة مِن صَلاتَّي الجَمْعِ، وما بعدَ الأولَى في الفَوائِتِ، وصلاة لا يُؤذِّنُ لها ولا يُقِيمُ، لكن يُنادِي لها: الصلاةَ جامِعَة. وهي العِيدان والكُسُوفُ والاسْتِسْقاءُ، وصلاة: لا يُوْذِّنُ لها أصْلًا وهي صلاةُ الجِنازَةِ.
стр. 928
وَلَا يجُوزُ أخذُ الأُجْرَةِ عَلَيهِمَا في أظْهرِ الرِّوَايَتَينِ.
ــ
٢٦٠ - مسألة: (ولا يَجُوز أخْذُ الأجْرَةِ عليهما في أظْهَرِ الرِّوايَتَين) . وهو قَوْلُ ابنِ المُنْذِرِ، وكَرِهَه القاسِمُ بنُ عبدِ الرحمنِ (١)، والأوْزاعيُّ، وأصحابُ الرَّأي؛ لأنَّ النبي ﷺ قال لعثمانَ بن أبي العاص: «وَاتَّخِذْ مُؤذِّنًا لَا يَأخُذُ عَلَى أذَانِه أجْرًا». رَواه أبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَه، والتِّرْمِذِيُّ (٢)، وقال: حديثٌ حسنٌ. ولأنه قُرْبَةٌ لفاعِلِه، لا يَصِحُّ إلى مِن مسلم، فلم يَجُزْ أخْذُ الأجْرَةِ عليه، كالإمامَةِ. ورُوي عن أحمدَ، أنَّه قال: يَجُوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ عليه. ورَخصَ فيه مالكٌ، وقال: لا بَأسَ به، لأنَّه عَمَل مَعْلُومٌ يجُوزُ أخْذُ الرِّزْقِ عليه، أشْبهَ سائِرَ الأعْمالِ.
стр. 929
فَإنْ لَمْ يُوجَدْ مُتَطوِّع بِهِمَا رَزَقَ الْإمَامُ مِنْ بَيتِ الْمَالِ مَنْ يَقُومُ بِهِمَا.
ــ
٢٦١ - مسألة: (فإن لم يُوجَدْ مُتَطَوِّع بهما رَزَق الإمامُ مِن بَيتِ المالِ مَن يَقُومُ بهما) لا نَعْلَمُ خِلافًا في جَوازِ أخْذِ الرِّزقِ عليه، وهو قَولُ الأوْزاعِي، والشافعيِّ؛ و (١) لأنَّ بالمُسْلِمِين إليه حاجَة، وقد لا يُوجَدُ مُتَطوِّعٌ به، فإذا لم يُدْفَع الرِّزْقُ فيه تَعَطَّل، ويَرْزُقُه الإمامُ مِن الفَىْءِ؛ لأنَّه المُعَدُّ للمَصالِحِ، فهو كأرْزاقِ القُضاةِ والغُزاةِ، وقال الشافعيُّ: لا يُرْزَقُ المُؤذِّنُ إلَّا مِن خُمُسٍ الخُمُس، سَهْمِ النبي ﷺ . حَكاهُ ابنُ المُنْذِر. فأمّا إن وُجِد مُتَطَوِّع به، لم يرزَقْ غيرُه؛ لعَدَم الحاجَةِ إليه (٢). والله أعلمُ.
стр. 930
وَيَنْبَغِي أنْ يكونَ الْمُوذنُ صَيِّتًا أمِينًا عَالِمًا بِالْأوْقَاتِ.
ــ
٢٦٢ - مسألة: (ويَنْبَغِي أن يَكُونَ المُؤذِّنُ صيتًا أمِينًا عالِمًا بالأوْقاتِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يُسْتَحبُّ أن يكونَ المُؤذنُ صَيِّتًا (١)، لقولِ النبيِّ ﷺ لعبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ: «ألقِهِ عَلَى بلَالٍ، فَإنَّه أنْدَى صَوْتًا مِنْكَ» (٢). واخْتارَ أبا مَحْذُورَةَ للأذانِ، لكَوْنِه صَيتًا، ولأنه أبْلَغُ في الإعْلامِ المَقْصُودِ بالأذانِ، قال شيخُنا (٣): ويُستَحَبُّ أن يكُونَ حَسَنَ الصَّوْتِ؛ لأنَّه أُرقُّ لسامِعه. ويَنْبَغِي أن يكُونَ عدْلًا أمِينًا؛ لأنَّه مُؤتَمَنٌ يُرجَعُ إليه في الصلاةِ والصيامِ، فلا يُؤمَنُ أن يَغُرَّهم بأذانه إذا لم يَكُن كذلك. وقد رُوِيَ عن أبي مَحْذُورَةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «أمَنَاءُ النَّاس عَلَى صَلاتهِمْ وَسُحُورِهِمُ الْمُؤذِّنُونَ». رَواه البَيهَقِيُّ (٤) مِن رِوايِةِ يَحْيَى بن عبدِ الحميدِ، وفيه كلامٌ. ولأنَّه يُؤذِّنُ على مَوْضِعٍ عالٍ، فلا يُؤمَنُ منه النَّظَرُ إلى العَوْراتِ. وأن يكونَ عالِمًا بالأوْقاتِ؛ ليَتَحَراها،
стр. 931
فَإنْ تَشَاحَّ فِيهِ نفْسَانِ قُدِّمَ أفْضَلُهُمَا في ذَلِكَ، ثُمَّ أفْضَلُهُما في دِينهِ وَعَقْلِهِ،
ــ
فيُؤذِّنَ في أوَّلِها، ولأنَّه إذا لم يَكُنْ عالِمًا لا يُؤمَنُ منه الغلَطُ والخطَأُ. ويُستحَبُّ أن يكُونَ بَصِيرًا؛ لأن الأعْمَى لا يَعْرِفُ الوَقْتَ، فرُبَّما غَلِط. وكَرِه أذانَ الأعْمَى ابنُ مسعودٍ، وابنُ الزُّبَير. وعن ابن عباس، أنَّه كَرِه إقامَتَه. وإن أذَّنَ، صَحَّ أذانُه؛ لأن ابنَ أمِّ مَكْتُوم كان يُؤذنُ للنبيِّ ﷺ ، قال ابنُ عُمَرَ: وكان رجلًا أعْمَى لا يُنادِي حتىِ يُقال له: أصبحْتَ أصبحتَ. رَواه البخاري (١). ويُستحَبُّ أن يكون معه بَصِيرٌ كما كان ابنُ أُمِّ مَكتُوم يُؤذِّنُ بعدَ بِلَالٍ. وإن أذَّنَ الجاهِلُ أيضًا، صَحَّ؛ لأنَّه إذا صَحَّ أذانُ الأعْمَى فالجاهِلُ أوْلَى.
٢٦٣ - مسألة: (فإن تشاحَّ فيه نفْسان قُدِّمَ أفْضَلُهما في ذلك، ثم أفْضَلُهما في دِينه وعَقْلِه) متى تشاحَّ نَفْسان في الأذانِ، قُدِّمَ أفْضَلُهما
стр. 932
ثُمَّ مَنْ يَخْتَارُهُ الْجِيرَانُ، فَإذَا اسْتَوَيَا أُقْرِعَ بَينَهُمَا.
ــ
في الخِصالِ المَذْكُورَةِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قَدم بِلالًا على عبدِ الله بنِ زَيدٍ؛ لكَوْنِه أنْدَى صَوْتًا منه، وقدَّم أبا مَحْذُورَةَ لصَوْته، وقِسْنا عليه سائِرَ الخِصالِ، فإنِ استويا في هذه الخِصالِ قُدِّم أفْضَلُهما في دِينه وعَقْلِه؛ لِما روَى ابنُ عباس، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «ليُؤذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ، وَليؤُمَّكُمْ أقْرَؤُكُمْ». رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه (١). فإنِ اسْتَوَيا، قُدِّم (مَن يَخْتارُه الجِيرانُ) لأنَّ الأذانَ لإعْلامِهِم، فكان لرِضاهم أثرٌ في التَّقْدِيمِ، ولأنَّهم أعْلَمُ بمَن يَبلُغُهم صَوْتُه ومَن هو أعَفُّ عن النَّظَرِ، (فإن تَساوَيا) مِن جَمِيع الجِهاتِ (أُقْرِع بَينهما) لقَوْل النبيِّ ﷺ : «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ والصَّفِّ الأوَّلِ، ثُم لَمْ يَجِدُوا إلَّا أنْ يَستهِمُوا عَلَيهِ، لَاسْتهَمُوا» (٢). ولَمّا تَشاحَّ النّاسُ في الأذانِ يومَ القادِسِيَّةِ أقْرَع بَينهم سعدٌ (٣).
стр. 933
وَالْأذَان خَمس عَشْرَةَ كَلِمَةً لَا ترجِيعَ فِيهِ.
ــ
٢٦٤ - مسألة: (والأذانُ خَمْسَ عَشرةَ كَلِمَة، لا تَرجيِع فيه) هذا اختيارُ أبي عبدِ اللهِ، ﵀، كما جاء في حديثِ عبدِ الله بنِ زيدٍ الذي رَوَيناه. وبهذا قال الثوْرِي، وأصحابُ الرَّأي، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال مالك، والشافعي، ومَن تَبِعَهما مِن أهلِ الحِجازِ: الأذانُ المَسْنونُ أذانُ أبي مَخذُورَةَ. وهو كَما وَصَفْنا في حديثِ عبدِ الله بنِ زيدِ، ويزيدُ فيه الترجِيعَ، وهو أن يَذْكُرَ الشهادَتين مَرتين مَرتَين، يَخْفِضُ بذلك صَوْته (١) ثم يُعيدُهما رافِعًا بهما صَوْتَه، إلَّا أن مالكًا قال: التكبِيرُ في أوّله مَرتان حَسْبُ. فيَكُونُ الأذانُ عندَه سَبْعَ عَشْرَةَ كلمة، وعندَ الشافعي تسْعَ عَشرةَ كلمة. واحتَجوا بما روَى أبو مَحذُورَةَ، أن النبي ﷺ لَقَّنَه الأذانَ، وألْقاه عليه، فقال له: «تقُولُ: أشْهدُ أن لَا إله إلَّا الله، أشْهدُ أن لَا إله إلَّا اللهُ، أشهد أن مُحَمدا رَسُولُ الله، أشهد أن مُحَمدا رَسُولُ الله. تَخْفِضُ بِها صَوْتَكَ، ثُم ترفَعُ صوْتَكَ بِالشهادَةِ: أشْهدُ أن لَا إله إلَّا الله، أشْهدُ أن لَا إله إلا، الله، أشْهدُ أن مُحَمدا رَسُولُ اللْهِ، أشهد أن مُحَمدًا
стр. 934
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَسُولُ اللهِ». ثم ذَكَر سائِرَ الأذانِ. أخرجَه مسلمٌ (١). واحْتَج مالك، قال: كان الأذانُ الذي يُؤذنُ به أبو مَحذُورَةَ، الله أكبرُ الله أكبرُ، أشْهدُ أن لَا إله إلَّا الله. رَواه مسلمٌ (٢). ولَنا، ما ذَكَرنا مِن حديثِ عبدِ الله بن زيدٍ، وهو أوْلَى؛ لأن بِلال كان يؤذِّنُ به مع رسولِ الله ﷺ حَضرا وسَفَرًا، وأقَرَّ النبي ﷺ عليه بعدَ أذانِ أبي مَحذُورَةَ. قال الأثْرَمُ: سمعت أبا عبدِ اللهِ يُسْأل: إلى أي الأذانِ تذْهب؟ قال: إلى أذانِ بِلالٍ. قِيلَ له: ألَيسَ حديثُ أبي مَحذُورَةَ بعدَ حديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيد، لأن حديثَ أبي مَحذُورَةَ بعدَ فَتْحِ مَكةَ؟ فقال: أليس قد رَجَع النبي ﷺ ، إلى المدينةِ فأقَر بِلالا على أذانِ عبدِ الله بنِ زيدٍ؟ ويَحتَمِلُ أن النبي ﷺ إنما
стр. 935
وَالْإقَامَةُ إحدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً. فإن رَجَّعَ فِي الْأذَانِ أوثَنَّى الْإقَامَةَ فَلا بَأسَ.
ــ
أمَرَ أبا مَحذُورَةَ بذِكْرِ الشَّهادَتين سِرًّا؛ ليَحصُلَ له الإخْلاصُ بهما، فإنّه في الإسْرارِ أبَلَغُ، وخص أبا مَحذُورَةَ بذلك؛ لأنه لم يَكنْ مُقِرًّا بهما حِينَئِذٍ، فإن في (١) الخبَرِ أنْه كان مُسْتَهْزِئًا يَحكِي أذانَ مُؤذِّنِ رسولِ االله ﷺ فسَمِعَ النبي ﷺ صَوْته، فدَعاه، فأمَره بالأذانِ، قال: ولا شيء على أبغَضُ مِن النبيِّ ﷺ ، ولا مِمّا يأمُرني به. فقَصَدَ النبي ﷺ نُطْقَه بِالشهادَتَين سِرًّا ليُسْلِمَ بذلك، وهذا لا يُوجَدُ في غيرِه، ودَلِيلُ هذا الاحتِمال كَوْنُ النبي ﷺ لم يَأمر به بِلالا، ولا غيره ممن هو ثابِث الإسْلام.
٢٦٥ - مسألة: (والإقامَةُ إحدَى عَشرةَ كَلِمَةً، فإن رَجعَ في الأذانِ أو ثنَّى في الإقامَةِ، فلا بَأسَ) وجملَةُ ذلك، أنَّ الإقامَةَ المُختارَةَ عندَ إمامِنا، ﵀، إقامَةُ بلال التي ذَكَرنا في حديثِ عبدِ الله بن زَيدٍ،
стр. 936
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهي: الله أكبرُ، الله أكبرُ، أشْهدُ أن لا إله إلَّا الله، أشهدُ أن مُحَمدا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ كل الصلاةِ، حتى كل الفَلاح، قد قامَتِ الصلاةُ، قد قامتِ الصلاةُ، الله أكبُر، الله أكبرُ، لا إله إلا الله. وبهذا قال الأوْزاعِي، وأهلُ الشامِ، ويحيىَ بنُ يحيى، وأبو ثَوْر، وإسحاقُ، والشافعي وأصحابُه، وأهلُ مَكةَ. وقال الثوْري، وأصحابُ الرأي (١): الإقامَةُ مِثْلُ الأذانِ ويزيدُ: قد قامَتِ الصلاةُ. مَرتين. لِما رُوِيَ في عبدِ اللهِ بن زيدٍ، قال: كان أذانُ رَسُول اللهِ ﷺ شَفْعًا شَفعا، في الأذانِ والإقامَةِ. رَواه الترمِذِي (٢). وعن أبي مَحذورَةَ، أن النبي ﷺ عَلَّمَه الأذانَ تِسْعَ عَشرةَ كَلِمَةً، والإقامَةَ سَبْعَ عَشرةَ كلمةً. رَواه أبو داودَ، والترمِذِي (٣)، وقال: حديث حسن صحيح. وقال مالكٌ: الإقامَةُ عَشر كَلِماتٍ، يقولُ: قد قامتِ الصلاةُ. مَرَّةً واحِدَةً. لقَوْلِ
стр. 937
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنس: أمَرَ بِلالًا أن يَشْفَعَ الأذانَ، ويُوتِرَ الإقامَةَ. مُتَّفَقٌ عليه (١). ولَنا، ما رُوِيَ عن عبدِ الله بنِ عُمَرَ، ﵄، أنَّه قال: إنَّما كان الأذانُ على عهدِ رسولِ الله ﷺ مَرتَين مَرتَين، والإقامَةُ مَرةً مَرَّةً، إلَّا أنَّه يقولُ: قد قامتِ الصلاةُ، قد قامتِ الصلاةُ. رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِيُّ (٢). وفي حديثِ عبدِ الله بنِ زَيدٍ، أنّه وَصَف الإقامَةَ كما ذَكَرنا. والحديثُ الذي احتجوا به مِن حديثِ عبدِ الله بن زَيدٍ، رَواه عنه عبدُ الرحمنِ بنُ أبي ليلَى، وقد قال الترمِذِي: عبدُ الرحمنِ لم يَسمع مِن عبدِ الله بن زيدٍ. وقال: الصَّحِيحُ مثل (٣) ما رَوَينْا. والذي احْتَجَّ به مالكٌ حُجَّةٌ لَنا؛ لنه ذَكره مُجْمَلًا، وقد فسَّرَه عبدُ اللهِ بنُ عُمَر في حدِيثِه وبَيَّنَه، فكان الأخْذُ به أوْلَى، وخَبَرُ أبي مَحْذُورةَ مَتْرُوك بالإجْماعِ، لأنَّ الشافعيَّ لا يَعمَلُ به في الإقامَةِ، وأبو حنيفةَ لا يَعْمَلُ به في الأذانِ، فكان الأخْذ
стр. 938
وَيَقُولُ فِي أذَانِ الصبحِ: الصلَاةُ خَيرٌ مِنَ النوْمِ. مَرتَينِ.
ــ
بحديثِ عدِ الله بنِ زَيدٍ أوْلَى، ولأنَّا قد بَيَّنا تَرجِيحَه في الأذانِ، كذا في الإقامَةِ. والاخْتِلافُ ههُنا في الأفْضَليةِ مع جَوازِ كل واحد مِن الأمرَين. نَصَّ عليه الإمامُ أحمدُ. وبه قال إسحاقُ، لكَوْنِ كلِّ واحدٍ مِن الأمرَين قد صَحَّ عن النبي ﷺ .
٢٦٦ - مسألة: (ويقُولُ فِي أذانِ الصبحِ: الصلاة خَير مِن النوْمِ. مَرَّتَين) وهذا مُسْتَحَب في صلاةِ الصبحِ، خاصَّةً بعدَ قَوْلِه: حيَّ كل الفَلاحِ. ويُسَمَّى هذا التثويبَ. وبه قال ابنُ عمَرَ، والحسنُ، ومالكٌ، والثَّوري، وإسحاقُ، والشافعي الصحيحِ عنه. وقال أبو حنيفةَ: التثويبُ بينَ الأذانِ والإقامة في الفَجْرِ، أن يقُولَ: حَيَّ على الصلاةِ. مَرَّتَين، و: حَيَّ على الفَلاحَ. . مَرَّتَين. ولَنا، ما روَى النَّسائِيُّ، وأبو داودَ، عن أبِي مَحْذورَةَ: فإن كان صلاةُ الصُّبحَ، قلتَ: الصلاةُ خَير مِن النَّوْمِ، الصلاةُ خَير مِن النوْمِ، الله أكبرُ الله أكبرُ، لا إله إلا الله (١). وما ذَكَرُوه، قال إسحاقُ: هذا شيءٌ أحدَثَه النّاسُ. وقال الترمِذِيُّ: هذا (٢) التثويبُ الذي كَرِهه أهلُ العلمِ (٣). ويُكْرهُ التثويبُ في
стр. 939
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غيرِ الفَجْرِ، سواءٌ ثَوَّبَ في الأذانِ أو بعدَه، لِما رُوِيَ بن بِلالٍ، قال: أمَرَنِي رسولُ اللهِ أنْ أن أثوِّبَ في الفجرِ، ونَهانِي أن أثوِّبَ في العِشاءِ. رَواه الإمام أحمدُ، وابنُ ماجَه (١). ودَخَل ابنُ عُمَرَ مسجدًا يُصَلي فيه، فسَمِعَ رجلًا يُثَوِّبُ في أذانِ الظُّهْرِ، فخَرَجَ، فقِيلَ له: إلى أين؟ فقال: أخْرَجَتْنِي البِدعَةُ (٢). ولأن صلاةَ الفَجْرِ وَقْت يَنامُ فيه عامةُ النّاسِ، فاخْتَص بالتثويبِ لاخْتِصاصِه بالحاجَةِ إليه.
فصل: ولا يجُوزُ الخُرُوجُ مِن السجدِ بعدَ الأذانِ إلَّا لعُذر. قال الترمِذِيُّ (٣): وعلى هذا العَمَلُ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ومَن بَعدَهم، أن لا يَخْرُجَ أحَدٌ مِن المسجدِ بعدَ الأذانِ إلا مِن عُذْرٍ. قال أبو الشعثَاءِ (٤): كُنّا قُعُودًا مع أبي هُرَيْرَةَ في المسجِدِ، فأذنَ المُؤذِّنُ، فقام
стр. 940
وَيُسْتَحَبُّ أنْ يَتَرَسَّلَ فِي الأذَانِ، وَيحدُرَ الإقَامَةَ،
ــ
رجلٌ مِن المسجدِ يَمشِي، فأتْبَعَه أبو هُرَيرَةَ بَصَره حتى خَرَج مِن المسجدِ فقال أبو هُرَيرَةَ: أما هذا فقد عَصَى أبا القاسِمِ ﷺ . رَواه مسلمٌ، وأبو داودَ، والترمِذِي (١)، وقال: حديث حسن صحيح. وعن عثمانَ بنِ عفانَ، ﵁، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أدرَكَهُ الإذَانُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرجَ، لَمْ يَخْرُجْ لِحاجَةٍ وَهُوَ لا يُرِيدُ الرَّجْعَةَ، فَهُوَ مُنَافق». رَواه ابنُ ماجه (٢). فأما إن خَرَج لعُذْرٍ، كفِعلِ ابنِ عُمَرَ حين سَمِع التثويبَ فجائِزٌ، وكذلك مَن نَوَى الرَّجْعَةَ؛ لحديثِ عثمانَ. والله أعلمُ.
٢٦٧ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَتَرَسَلَ في الأذانِ، ويحدُرَ الإقامَةَ) التَّرسُّلُ: التَّمَهُّلُ والتَّأنِّي. مِن قَوْلِهم: جاء فُلانٌ على رِسْلِه. والحَدرُ: ضِدُّ ذلك، وهو الإسراعُ. وهو بن آدابِ الأذانِ ومُسْتَحباتِه. وهذا
стр. 941
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَذْهبُ ابنِ عُمَرَ، وبه قال الثوْريُّ والشافعي، وإسحاقُ، وأبو ثَور، وأبو حنيفةَ، وصاحِباه، وابنُ المُنْذِرِ. ولا نعلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم؛ لقَوْلِ النبي ﷺ لبِلالٍ: «إذَا أذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وإذَا أقمتَ فَاحْدُر». رَواه الترمِذيُّ (١)، وقال: إسْناده مَجْهُول. وروَى أبو عُبَيدٍ، بإسْنادِه، عن عُمَرَ، ﵁، أنَّه قال للْمُؤدنِ: إذَا أذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وإذا أقَمتَ فاحْذِم (٢). وأصلُ الحَذْمِ (٣) في المَشْي: الإسْراعُ. ولأنّه يَحصُلُ به الفَرق بينَ الأذانِ والإقامَةِ، فاسْتُحِبَّ، كالإفْرادِ، ولأن الأذانَ إعلامُ الغائِبِين، فالتَّثبُّتُ فيه أبلَغُ في الإعلام، والإقامَة إعلام الحاضِرِين، فلا حاجَة إليه فيها. وذَكَر أبو عبد الله بن بَطَّةَ، أنَّه في الأذانِ والإقامَةِ لا يَصِلُ الكلامَ بعضَه ببعض مُعرِبًا، بل جَزْمًا. وحَكاهُ ابنُ الأنْبارِي (٤) عن أهلِ
стр. 942
وَيُؤذِّنَ قَائِمًا مُتَطَهِّرًا عَلَى مَوْضِع عَالٍ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ،
ــ
اللُّغَةِ، ورُوي عن إبراهيمَ النَّخَعِي، أنَّه قال: شيئان مَجْزُومان كانوا لا يُعرِبونَهما؛ الأذان والإقامَة. وهذا إشارَة إلى جَميعِهم.
٢٦٨ - مسألة: (ويُؤذنَ قائِمًا مُتَطَهِّرًا على مَوْضع عالٍ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَة) قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كل مَن نَحفط عنه مِن أهلِ العلمِ، على أن مِن السُّنةِ أن يُؤذن المُوذن قائِمًا. ورُوِي في حديثِ أبي قَتادَةَ، أنَّ النبي ﷺ قال لبلالٍ: «قم فَأذِّنْ» (١). وكان مؤذنُو رسولِ الله ﷺ يُؤذنُونَ قياما. فإن أذَّن قاعِدًا لعُذْرٍ فلا بَأسَ. قال الحسن العَبْدي (٢): رأيت أبا زيدٍ صاحِبَ رسولِ الله ﷺ يُؤذنُ قاعِدًا، وكانت رِجْلُه أصِيبَتْ في سَبِيلِ الله. رَواه الأثْرَمُ (٣). وإن فَعَلَه لغيرِ عُذْرٍ، فقد كرِهه أهلُ العلمِ، ويَصِحُّ؛ لأنه ليس آكدَ مِن الخُطْبَةِ، وتَصِحُّ مِن القاعِدِ.
стр. 943
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويَجُوزُ الأذانُ على الراحِلَةِ، قال الأثْرَمُ: سَمعت أبا عبدِ الله يسأل عن الأذانِ على الرّاحِلَةِ، فسَهلَ فيه. وقال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَت أن ابنَ عُمَرَ كان يُؤذِّن على البَعِيرِ، ويَنْزِل فيُقِيم (١). ولأنَّه إذا جاز التَّنَفُّل على الرّاحِلَةِ، فالأذانُ أوْلَى. [وبه قال] (٢) سالِمُ بنُ عبدِ الله، وربْعِيُّ بنُ حِراش (٣)، ومالك، والأوْزاعِي، والثوْري، وأصحابُ الرأي، إلَّا أن مالكًا قال: لا يُقيمُ وهو راكبٌ.
стр. 944
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُؤذِّنَ مُتَطَهِّرًا مِن الحَدَثَين الأصغَرِ والأكْبَرِ؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، أن النبي ﷺ قال: «لَا يُؤذنُ إلا متَوَضِّئٌ». رَواه التِّرمِذِيُّ (١). ورُوي موقُوفا على أبي هُرَيرَةَ، والمَوقوف أصَحُّ. فإن أذَّن مُحدِثا جاز (٢)؛ لأنَّه لا يَزِيدُ على قِراءَةِ القُرآنِ، والطهارةُ لا تُشْتَرَطُ لها. وهو قَوْل الشافعيِّ، والثوْري، وأبي حنيفةَ. ويُكرهُ له ذلك، رُويَتْ كَراهتُه عن عَطاء، ومُجاهِدٍ، والْأوزاعِي، والشافعي، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. ورَخَّصَ فيه النخَعِيُّ، والحسنُ البصرِيُّ، وقَتادَةُ، وحَمّادٌ. وقال مالك: يُؤذِّنُ على غيرِ وُضوءٍ، ولا يُقِيمُ إلَّا على وُضوءٍ.
стр. 945
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن أذَّنَ جُنُبًا، ففيه رِوايَتان؛ إحداهما، لا يُعتَدُّ به. اخْتارَه الخِرَقي، وهو قولُ إسحاقَ؛ لِما ذَكَرنا مِن الحديثِ، ولأنه ذِكْر مشروعٌ للصلاةِ، أشبه القِراءَةَ والخُطبةَ. والثانيةُ، يُعتَدُّ به. قال الآمِديُّ: وهو المَنْصُوصُ عن أحمدَ. وهو قولُ أكْثرِ أهلِ العلمِ، لأنه أحدُ الحَدَثَين، فلم يمنع صحَّتَه كالآَخَرِ.
ويُسْتَحَبُّ أن يُؤذِّنَ على مَوْضِعٍ عالٍ؛ لأنه أبلَغ في الإعلام، ورُوِيَ عن امرأة مِن بني النجّارِ، قالت: كان بيتِي مِن أطْوَلِ بَيتٍ (١) حَوْلَ المسجِدِ، وكان بِلال يُؤذنُ عليه الفَجْرَ، فيَأتِي بسَحَر، فيَجْلِسُ على البَيتِ يَنْظر إلى الفجرِ فإذا رَآه تَمَطَّى، ثم قال: اللهُمَّ إني أستعِينُكَ وأسْتعديكَ على قُرَيشٍ، أن يقِيمُوا دِينَك. قالت: ثُم يُؤذنُ. رَواه أبو داودَ (٢). ويُؤذنُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، ولا نَعلَمُ خِلافًا في استِحبابِه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أن مِن السُّنةِ أن يَستقْبِلَ القِبْلَةَ بالأذانِ؛ وذلك لأنَّ مُؤذنِي النبي ﷺ كانُوا يُؤذِّنُون مُسْتَقْبِلي القِبْلَةِ، فإن أخَلَّ باسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، كُره له ذلك، وصَحَّ.
стр. 946
فَإذَا بَلَغَ الْحَيعَلَةَ الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلم يَسْتَدِرْ،
ــ
وإن مشَى في أذانِه، لم يَبْطُلْ به (١)؛ لأنَّ الخُطبةَ لا تَبْطُلُ به، وهي آكَدُ منه، ولأنه لا يُخِلُّ بالإعلامِ المَقْصُودِ مِن الأذانِ. وسُئِل أحمدُ عن الرجلِ، يُؤذِّنُ وهو يَمشِي؟ قال: نعم، أمرُ الأذانِ عِنْدِي سَهْل. وسُئِل عن المؤذنِ يَمشِي وهو يقيمُ؟ فقال: يُعجِبُنِي أن يَفْرُغَ ثم يمشِي. وقال في رِوايِة حَرب، في المُسافِرِ: أحَب إليَّ أن يُؤذِّنَ ووَجْهُه إلى القِبْلَةِ، وأرجُو أن يُجْزيء.
٢٦٩ - مسألة: (فإذا بَلَغ الحيعَلَةَ الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمالًا، ولم يَستَدِرْ) الحَيعَلَةُ قَولُه: حَيَّ على الصلاةِ، حي على الفَلاحِ. ويُسْتحَبُّ للمُؤذنِ أن يَلْتَفِتَ يَمِينًا إذا قال: حَيَّ على الصلاةِ. ويَسارًا إذا قال: حَى
стр. 947
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على الفلاحِ. ولا يزِيلُ قدَمَيه. وهذا ظاهِرُ كلام الخِرَقي. وهو قولُ النخعِي، والثوْرِي، والأوْزاعِي، وأبي حنيفةَ وصَاحِبَيه، والشافعي؛ لِما روَى أبو جُحَيفَةَ، قال: رَأيتُ بِلالًا يُؤذِّنُ، فجَعَلْتُ أتتَبَّعُ فاه ههُنا وههُنا، يَقُولُ يَمِينًا وشِمالًا، يقولُ: حَي على الصلاةِ، حَي على الفَلاحِ. مُتفَق عليه (١). وفي لفظٍ قال: أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ وهو في قُبَّةٍ حَمراءَ مِن أدَم، فخرَجَ بلالٌ فأذَّنَ، فلَمّا بَلَغ؛ حَيَّ على الصلاةِ حَيَّ على الفَلاحِ، لَوَّى عُنُقَه يَمِينًا وشِمالًا، ولم يَستدِر. رَواه أبو داودَ (٢). وذَكَر أصحابُنا، عن أحمدَ في مَن أذَّنَ في المَنارَةِ روايَتَين، إحداهما، لا يَدُورُ؛ للخَبَرِ، وكما لو كان على وَجْهِ الأرض. والثانية، يَدُورُ، لأنَّه لا يَحصُلُ بدونِه، وتحصِيل (٣) المَقْصُودِ مع الإخْلالِ بالأدَبِ أوْلَى مِن العَكْس. وهذا قول إسحاقَ.
стр. 948
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويُسْتَحَب رَفْعُ الصوْتِ بالأذان لأنه أبلَغُ في الإعلام، وأعظَمُ للأجْرِ؛ لِما ذَكَرنا في خَبَرِ أبي سعيدٍ (١)، ولا يُجْهِدُ نَفْسَه زِيادَةً على طاقَتِه؛ كيلا يُضِرَّ بنَفْسِه، ويَنْقَطِعَ صَوْتُه. قال القاضي: ويَرفَعُ نَظَرَه إلى السَّماءِ؛ لأن فيه حَقِيقَةَ التوْحِيدِ، ومتى أذّن لعامَّةِ النّاس جَهر بجَمِيع الأذانِ، ولا يَجْهرُ بالبَعضِ ويُخافِتُ بالبَعض؛ لأَنه يُخِلُّ بمَقْصُودِ الأذانِ، وإن أذَّن لنَفْسِه، أو لجَماعَةٍ خاصةٍ حاضِرِينَ، فلَه أن يُخافِتَ ويَجْهرَ، وأن يَجْهرَ بالبعض ويُخافِتَ بالبعض، إلَّا أن يكونَ في غيرِ وَقتِ الأذانِ، فلا يَجْهرُ بشيءٍ مِنه؛ لئلا يَغُرَّ الناس.
стр. 949
وَيَجْعَلَ إصبَعَيهِ في أُذُنَيهِ،
ــ
٢٧٠ - مسألة: (ويَجعَلَ إصبَعَيه في أُذُنَيْه) وذلك مُسْتَحب، وهو المَشْهُورُ عن أحمدَ، وعليه العَمَلُ عندَ أهلِ العلمِ. كذلك قال الترمِذِي؛ لِما روَى أبو جُحَيفَةَ، أن بِلالًا وَضَع إصبَعَيه في أذُنيه. رَواه الإمامُ أحمدُ، والترمِذي (١)، وقال: حديث حسن صحيح. وعن سعدٍ القَرَظِ (٢)، أن رسولَ الله ﷺ أمَرَ بِلالا أن يَجْعَلَ إصبَعَيه في أذُنَيه، وقال: «إنهُ أرفَعُ لِصَوْتِكَ». رَواه ابنُ ماجَه (٣). وقال الخِرَقي: يَجْعَل أصابعَه (٤) مَضْمُومَةً على أذُنَيه. رَواه أبو طالب عن أحمدَ، أنه قال: أحَبُّ إلى أن يَجْعَلَ يَدَيه على أذنيه، على حديثِ أبي مَحذُورَةَ. واحتَج لذلك
стр. 950
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القاضي بما روَى أبو حَفْصٍ، بإسْنادِه عن ابنِ عُمَرَ، ﵄، أنّه كان إذا بَعَث مُؤذنًا يقُولُ له: اضْمُم أصابِعَك مع كَفَّيك، واجْعَلْها مَضْمُومَةً على أذُنيك. وبما روَى الإمامُ أحمدُ، عن أبي مَحذُورَةَ، أنَّه كان يَضُمُّ أصابِعَه. والأولُ أصَحُّ؛ لصِحَّةِ الحديثِ وشُهْرَتِه، وعَمَلِ أهلِ العلمِ به، وأيَّهما فَعَل فحَسَنٌ، وإن تَرَك الكل فلا بأسَ.