بَابُ مِيرَاثِ الْخُنْثَى
وَهُوَ الَّذِي لَهُ ذَكَرٌ وَفَرْجُ امْرأَةٍ.
فَيُعْتَبَرُ بِمَبَالِهِ، فَإِنْ بَال أَوْ سَبَقَ بَوْلُهُ مِنْ ذَكَرِهِ فَهُوَ رَجُلٌ، وَإنْ
ــ
بابُ ميراثِ الخُنْثَى
(وهو الذي له ذَكَرٌ وفَرْجُ امرأةٍ) أو ثُقْبٌ في مكانِ الفَرْجِ يَخْرُجُ منه البَوْلُ. وينْقَسِمُ إلى مُشْكِلٍ وغيرِ مُشْكِلٍ، فمَن تَثْبُتُ فيه علاماتُ الرجالِ أو النساءِ، فيُعْلَم أنَّه رجلٌ أو امرأةٌ فليس بمُشْكِلٍ، وإنَّما هو رجلٌ فيه خِلْقَة زائدةٌ، أو امرأةٌ فيها خِلْقَةٌ زائدة، وحكمُهُ في إرْثِه وسائرِ أحكامِهِ حُكْمُ ما ظهرَتْ علاماتُه فيهِ. والذي لا علامةَ فيه مُشْكِلٌ.
٢٨٤٢ - مسألة: (ويُعْتَبَرُ بمَبالِه) في قولِ مَن بَلَغَنا قولُه مِن أهلِ العلمِ. قال ابنُ المنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَن نحفظُ عنهُ مِن أهلِ العلمِ على أنَّ الخُنْثَى يُوَرَّثُ مِن حيثُ يبولُ؛ إن بال مِن حيثُ يبولُ الرجلُ فهو رجلٌ، وإن بال مِن حيثُ تبولُ المرأةُ فهو امرأةٌ. رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، ومعاويةَ، وسعيدِ بنِ المُسيَّبِ، وجابرِ بنِ زيدٍ، وأهلِ الكوفةِ، وسائِرِ أهلِ العلمِ. وقال ابنُ اللَّبَّانِ: روَى الكَلْبِيُّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباس، أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عن مولودٍ له قُبُلٌ وذَكَرٌ، مِن أينَ يُوَرَّثُ؟
стр. 8857
سَبَقَ مِنْ فَرْجِهِ فَهُوَ امْرَأَةٌ، وَإِنْ خَرَجَا مَعًا اعْتُبِرَ أَكثَرُهُمَا، فَإِنِ اسْتَوَيَا فَهُوَ مُشْكِلٌ.
ــ
قال: «مِنْ حَيثُ يَبُولُ» (١). ورُوِيَ أنَّه، ﵊ أُتِيَ بخُنْثَى مِن الأنصارِ، فقال: «وَرِّثُوه مِنْ أوَّلِ ما يَبُولُ منه» (٢). ولأنَّ خُروجَ البَوْلِ أعمُّ العلاماتِ؛ لوجودِ ها مِن الصغيرِ والكبيرِ، وسائِرُ العلاماتِ إنَّما توجَدُ بعدَ الكِبَرِ، مثلُ نباتِ اللِّحْيةِ، وخروجِ المَنِيِّ، والحَيضِ، [وتَفَلُّكِ الثَّدْيِ، والحَبَلِ] (٣).
فصل: فإن بال منهما جميعًا اعتُبِرَ بأسبَقِهما. نصَّ عليه أحمدُ. ورُوِيَ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ. وبه قِال الجمهورُ (فإن خرجا معًا اعتُبِرَ أكثَرُهما) قال أحمدُ، في روايةِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ: يُوَرَّث مِن المكانِ الذي يَبُولُ منه أكثرَ. وحُكِيَ هذا عن الأوْزاعِيِّ، وصاحِبَيْ أبي حنيفَةَ.
стр. 8858
فَإِنْ كَانَ يُرْجَى انْكِشَافُ حَالِهِ، وَهُوَ الصَّغِيرُ، أُعْطِيَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ الْيَقِينَ، وَوُقِفَ الْبَاقِي حَتَّى يَبْلُغَ فَيَظْهَرَ فِيهِ عَلَامَاتُ الرِّجَالِ؛ مِنْ نَبَاتِ لِحْيَتِهِ، وَخُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ ذَكَرِهِ، أَوْ عَلَامَاتُ النِّسَاءِ،
ــ
ووقَفَ في ذلك أبو حنيفَةَ، ولم يَعْتَبِرْهُ أصحابُ الشافعيِّ، في أحَدِ الوجهَين. وقال قومٌ: إذا خرجا معًا، اعْتُبِرَ بآخِرِهما انْقِطاعًا، فإنِ انْقَطَعا معًا اعْتُبِرَ أكثَرُهما. وقيل: الاعْتِبارُ بالكَثْرةِ. ولَنا، أنَّها مَزِيَّةٌ لإِحدَى العَلامتَين، فيُعْتَبَرُ بها، كالسَّبْقِ، فإنِ اسْتويا فهو حينَئِذٍ مُشْكِلٌ.
٢٨٤٣ - مسألة: (فإن) مات له مَن يرِثُه و (كان يُرْجَى انكِشافُ حالِه، وهو الصغيرُ) فإنِ احْتِيجَ إلى قَسْمِ الميراثِ (أُعْطِيَ هو ومَن معه اليقينَ، ووُقِفَ الباقي) في قولِ الجمهورِ (حتى يَبْلُغَ فيَظْهَرَ فيهِ علاماتُ الرِّجالِ؛ مِن نباتِ لحيتِهِ، وخروجِ المنيِّ مِن ذَكَرِه) وكونِه مَنِيَّ رجلٍ
стр. 8859
مِنَ الْحَيضِ وَنَحْوهِ. وَإنْ يُئِسَ مِنْ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ أَوْ عَدَمِ الْعَلَامَاتِ بَعْدَ بُلُوغِهِ أُعْطِيَ نِصْفَ مِيرَاثِ ذَكَرٍ، وَنِصْفَ مِيرَاثِ أُنْثَى.
ــ
(أو علاماتُ النساءِ؛ مِن الحيضِ) والحملِ، [وتَفَلُّكِ الثديَين] (١). نصَّ عليه أحمدُ، في روايةِ المَيمُونِيِّ. وحُكِيَ عن عَلِيٍّ، والحسنِ، أنَّهما قالا: تُعَدُّ أضلاعُه، فإنَّ أضْلاعَ المرأةِ أكثرُ مِن أضلاعِ الرجلِ بضِلَعٍ. قال ابنُ اللَّبَّانِ: ولو صحَّ هذا لما أَشْكَلَ حالُه ولا احْتِيجَ إلى مراعاةِ البولِ. وقال جابِرُ بنُ زيدٍ: يُوقَفُ إلى جانبِ الحائطِ، فإن بال عليه فهو رجلٌ، وإن شلْشَلَ بينَ فَخِذَيهِ فهو امرأةٌ. وليس على هذا تَعويلٌ، والصَّحيحُ ما ذكَرْنَاهُ، إن شاء اللهُ تعالى، أنَّه يُوقَفُ أمرُه ما دام صغيرًا، [فإنِ احْتِيجَ إلى قَسْمِ الميراثِ أُعْطِيَ هو ومَن معه اليَقينَ، ووُقِفَ الباقي إلى حينِ بلوغِه، فتُعْمَلُ المسألةُ على أنَّه ذَكَرٌ، ثم على أنَّه أُنْثَى، وتَدْفَعُ إلى كلِّ وارثٍ أقلَّ النَّصِيبَين، ويَقِفُ الباقي حتى يَبْلُغَ] (١)، فإن مات قبلَ بُلوغِه أو بلَغَ مُشْكِلًا ورِثَ (نصفَ ميراثِ ذكرٍ ونصفَ ميراثِ أُنْثَى) نصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ ابنِ عباس، [والشَّعْبِيِّ، وابنِ أبي لَيلَى، وأهلِ المدينةِ ومكَّةَ، والثَّوْرِيِّ، واللُّولُؤِيِّ، وشَرِيكٍ، والحسنِ بنِ صالحٍ] (١)، وأبي يوسفَ، ويحيى بنِ آدمَ، وضرارِ بنِ صُرَد، ونُعَيمِ بنِ حمَّادٍ.
стр. 8860
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ووَرَّثَهُ أبو حنيفَةَ بأسْوَأَ حالاتِه، والباقي لسائِرِ الورَثَةِ. وأعْطاه الشافعيُّ ومَن معه اليَقينَ، ووقَفَ الباقيَ حتى يَتَبَيَّنَ أمرُه أو يصْطَلِحوا. وبه قال أبو ثَورٍ، وداودُ، وابنُ جريرٍ. وورَّثَه بعضُ أهلِ البَصْرَةِ على الدَّعْوَى فيما بَقِيَ بعدَ اليَقينِ، وبعضُهم بالدَّعْوَى مِن أصلِ المالِ. وفيهِ أقوالٌ شاذَّةٌ سِوَى هذه. ولَنا، قولُ ابنِ عباسٍ، ولم يُعْرَفُ له في الصحابةِ منْكِرٌ، ولأنَّ حالتَيه تساوتا فوجبَتِ التَّسويَةُ بين حُكْمِهما، كما لو تداعا نَفْسانِ دارًا بأيديهما ولا بَيِّنَةَ لهما. وليس توريثُه بأسْوَأَ أحوالِه بأَولَى مِن توريثِ مَن معه بذلك، فتخصيصُه بهذا الحُكْمِ لا دليلَ عليهِ، ولا سبيلَ إلى الوَقْفِ؛ لأنَّهُ لا غايةَ له تُنْتَظَرُ، وفيه تضييعٌ للمالِ مع يَقِينِ استحقاقِهم
стр. 8861
فَإِذَا كَانَ مَعَ الْخُنْثَى بِنْتٌ وَابْنٌ، جَعَلْتَ لِلْبِنْتِ أَقَلَّ عَدَدٍ لَهُ نِصْفٌ وَهُوَ سَهْمَانِ، وَلِلذَّكَرِ أَرْبَعَةً، وَلِلْخُنْثَى ثَلَاثَةً. وَقَال أصْحَابُنَا: تَعْمَلُ المَسْأَلَةَ عَلى أَنَّهُ ذَكَرٌ، ثُمَّ عَلى أَنَّهُ أُنْثَى، ثُمَّ تَضْرِبُ إِحْدَاهُمَا أوْ وَفْقَهَا فِي الأُخْرَى إِنِ اتَّفَقَتَا، وَتَجْتَزِئُ بِإِحْدَاهُمَا إِنْ تَمَاثَلَتَا،
ــ
له.
٢٨٤٤ - مسألة: (فإذا كان ابنٌ، وبنتٌ) وولدٌ خُنْثَى (جَعَلْتَ للبِنْتِ أقلَّ عددٍ له نصفٌ وهو سهْمان، وللذَّكرِ أربعةً، وللخُنثى ثلاثةً) فيكونُ معه نصفُ ميراثِ ذكرٍ ونصفُ ميراثِ أنْثَى. وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ، واللُّؤْلُؤِيِّ، في هذه المسألَةِ، وفي كلِّ مسألَةٍ فيها ولدٌ إذا كان فيهم خُنْثَى. قال شيخُنا (١): وهذا قولٌ لا بأسَ به. وذهَبَ أكثرُ مَن ورَّثَه نصفَ ميراثِ ذكرٍ ونصفَ ميراثِ أنْثَى (٢) فتُعْمَلُ المسألةُ على أنَّه ذكرٌ، ثم على أنَّه أُنْثَى، وتضْرِبُ إحْداهما في الأخرَى إن تباينتا، أو في وَفْقِها إنِ اتفَقَتا (وتَجْتَزِئُ بإحداهما إن تماثَلَتا، وبأكثَرِهما إن تناسَبَتا، وتَضْرِبُها في اثنَين) ثم تجمَعُ ما لِكُلِّ واحدٍ منهما إن تماثَلَتا، وتَضْرِبُ ما لِكُلِّ واحِدٍ
стр. 8862
أوْ بِأكْثَرِهِمَا إِنْ تَنَاسَبَتَا وَتَضْرِبُهَا فِي اثْنَينِ، ثُمَّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ إِحْدَى الْمَسْأَلَتَينِ مَضْرُوبٌ فِي الأُخْرَى، أوْ فِي وَفْقِهِمَا، أَوْ تَجْمَعُ مَا لَهُ مِنْهُمَا إِنْ تَمَاثَلَتَا.
ــ
مِن إحداهما في الأُخْرَى إن تبايَنَتا، أو في وَفقِها إنِ اتفَقَتا. وهذا اختيارُ أصحابِنا، ويُسَمَّى مذهبَ المُنَزِّلِينَ. وقولُ الثَّوْرِيِّ يُوافِقُ قولَ أصحابِنا في بعضِ المواضعِ ويُخالفُه في بعضِها.
وبيانُ اخْتَلافِهِما، أنَّنَا نَجْعَلُ المسألةَ المذكورةَ، على قولِ الثَّوْرِيِّ، مِن تِسْعَةٍ، للخُنْثَى الثُّلُثُ وهو ثَلاثَةٌ، وعلى قولِ أصحابِنا، مسألَةُ الذُّكُورِيَّةِ مِن خمسةٍ، والأنُوثِيَّةِ مِن أربعةٍ، ولا موافَقَةَ بَينَهما، تَضْرِبُ إحداهما في الأخرَى تكنْ عشرين، ثم في اثنين تكنْ أربعينَ، للبنتِ سهمٌ في خمسةٍ، وسَهْمٌ في أربعةٍ، تسعَةٌ، وللذَّكرِ ثمانيةَ عشَرَ، وللخُنْثَى سهمٌ في خمسةٍ، وسهمان في أربعةٍ، ثَلاثَةَ عَشَرَ، وهي دونَ ثُلُثِ الأربعينَ.
стр. 8863
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقولُ مَن ورَّثَهُ بالدَّعْوَى فيما بَقِيَ بعدَ اليَقينِ يُوافِقُ قولَ المُنَزِّلينَ في أكثرِ المواضِعِ، فإنَّه يقولُ في هذه المسألَةِ: للذكرِ الخُمْسانِ بيَقِينٍ، وذلك ستةَ عضرَ مِن أربعينَ، وهو يدَّعِي النِّصفَ عشرينَ، وللبنتِ الخُمْسُ بيقينٍ، ثمانيةٌ، وهي تَدَّعِي الرُّبْعَ، وللخُنْثَى الرُّبْعُ بيَقينٍ، وهو يدَّعِي الخُمْسَين، ستَّةَ عشرَ، والمختلَفُ فيه ستةُ أسْهُمٍ يدَّعِيها الخُنْثَى كلَّها، فتُعْطِيه نصفَها ثلاثةً، مع العَشَرَةِ التي معه، صارَ له ثلاثةَ عشَرَ، والابنُ يَدَّعِي أربعةً، فتُعْطِيه نصفَها اثنين، صار له ثمانِيةَ عشَرَ، والبنتُ تَدَّعِي سهمَينِ، فتَدْفَعُ إليها سهمًا، صارَ لها تسعة. ومَن وَرَّثَه بالدَّعْوَى مِن أصلِ المالِ، فعلى قولِهم، يكونُ الميراثُ في هذه المسألةِ مِن ثلاثةٍ وعشرينَ؛ لأنَّ المُدَّعَى ههُنا نصفٌ، ورُبْعٌ، وخُمْسان، ومَخْرَجُها عشرونَ، يُعْطِي الابنَ عشَرَةً، وللبنتِ خمسةً، والخُنْثَى ثمانِيةً، فتكُونُ ثَلاثةً وعشرينَ. فإن لم يكُنْ في المسألةِ بِنتٌ، ففي قولِ الثَّوْرِيِّ، هي مِن سبعَةٍ. وكذلك قولُ مَن ورَّثَهُما بالدَّعْوَى مِن أصلِ المالِ. وفي التنزيلِ مِن اثْنَيْ عشَرَ، للابنِ سبعَةٌ، وللخُنْثَى خمسةٌ. وهو قولُ مَن ورَّثَهُ
стр. 8864
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالدَّعْوَى فيما عَدا اليَقينَ. [وإن كانت بنتٌ [وولدٌ خُنْثَى] (١)، ولا عَصَبَةَ معهما، فهي مِن خمسةٍ في قولِ الثَّوْرِيِّ، ومِن اثْنَيْ عشَرَ في التنزيلِ. وإن كانَ معهما عَصَبَةٌ فهي مِن سِتَّةٍ؛ للخُنْثَى ثَلاثَةٌ، وللبنتِ سهْمانِ، وللعَصَبَةِ سهْمٌ في الأقوالِ الثلاثةِ] (٢). فإن كان معهما أُمٌّ وعَصَبَةٌ، فهي مِن سِتَّةٍ وثلاثِينَ؛ للأمِّ سِتَّةٌ، وللخُنْثَى سِتَّةَ عشَرَ، وللبنتِ أحَدَ عشَرَ، وللعَصَبَةِ ثلاثَةٌ. وقياسُ قولِ الثَّوْرِيِّ، أن يكونَ للخُنْثَى والبنتِ ثلاثَةُ أرباعِ المالِ بَينَهما على خمسةٍ، وللأُمِّ السُّدْسُ، ويَبْقَى نصفُ السُّدْسِ للعَصَبَةِ، وتصِحُّ مِن سِتِّينَ؛ للأمِّ عشَرةٌ، وللعَصَبَةِ خمْسةٌ، وللبنتِ ثمانِيةَ عَشَرَ، وللخُنْثَى سبعةٌ وعِشْرون. فإن كانَ ولدٌ خُنْثَى وعَصَبَةٌ؛ فللخُنْثَى ثلاتةُ أرباعِ المالِ، والباقي للعَصَبَةِ، إلَّا في قولِ مَن ورَّثَهُما بالدَّعْوَى مِن أصلِ المالِ، فإنَّه يَجْعَلُ المال بَينَهم أثْلاثًا؛ لأنَّ الخُنْثَى يَدَّعِي المال كُلَّه، والعَصَبَةُ تَدَّعِي نِصفَه، فتُضِيفُ النِّصف إلى الكُلِّ، فيكونُ ثَلاثَةَ أنْصافٍ، لكُلِّ نِصفٍ ثُلُثٌ. بنتٌ وولدُ ابن خُنْثَى وعَمٌّ، هي في التَّنْزِيلِ مِن اثْنَيْ عشَرَ، وتَرْجِعُ بالاخْتصارِ إلى سِتَّةٍ؛ للبنتِ النِّصفُ، وللخُنْثَى الثُّلُثُ، وللعَمِّ السُّدْسُ.
стр. 8865
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن كانَ الخُنْثَى يرِثُ في حالٍ دونَ حالٍ، كزَوجٍ وأختٍ لأبَوينِ وولدِ أبٍ خُنْثَى، فمُقتَضَى قَولِ الثَّوْرِيِّ، أن يُجْعَلَ للخُنْثَى نصفُ ما يرِثُه في حالِ إرْثِه، وهو نصفُ سهْمٍ، فضُمَّه إلى سهامِ الباقين، وهي سِتَّةٌ، تبسُطُها أنصافًا ليزولَ الكسْرُ، فتصيرُ ثلاثةَ عشَرَ؛ لهُ منها سهْمٌ، والباقي بينَ الزوجِ والأختِ نصفَينِ. وقد عمِلَ أبو الخطابِ هذه المسألةَ على هذا في كتابِ «الهِدايَةِ». وأمَّا في (١) التنزيلِ، فتَصِحُّ مِن ثمانِيَةٍ وعشرينَ؛ للخُنْثَى كَسهْمانِ، وهي نصفُ سُبْع، ولكلِّ واحِدٍ مِن الآخَرَينِ ثلاثةَ عشَرَ. وإن كان زوجٌ وأُمٌّ وأخَوانِ مِن أُمٍّ وولدُ أبٍ خُنْثَى، فلَهُ في حالِ الأُنوثِيَّةِ ثلاثةٌ مِن تسعةٍ، فاجعَلْ له نصفَها مَضْمُومًا إلى سهامِ باقي المسألةِ، ثم ابْسُطْها تكنْ خمسةَ عشَرَ، له منها ثلاثَةٌ، وهي الخُمْسُ. وفي التنزيلِ، له ستةٌ مِن ستةٍ وثلاثينَ، وهى السُّدْسُ. وإن كانت بنتٌ وبنتُ ابنٍ وولدُ أخٍ خُنْثَى وعَمٌّ، فهي مِن ستةٍ؛ للبنتِ النِّصفُ، ولبنتِ الابنِ السُّدْسُ، وللخُنْثَى السُّدْسُ، وللعَمِّ ما بَقِيَ على القولَين جميعًا.
فصل: قال الخَبْرِيُّ: اعلمْ أن الذين يكونون خَناثَى مِن الورَثَةِ ستَّةٌ؛ الولدُ، وولدُ الابنِ، والأخُ، وولدُه، والعَمُّ، وولدُه، فأمّا الزوجان والأبوانِ والجَدّانِ فلا يُتَصَوَّرُ ذلك فيهم. فالخلافُ يقَعُ في ثلاثَةٍ لا غيرُ؛ الولدُ، وولدُ الابنِ، والأخُ، فأمّا الثلاثةُ الأُخَرُ فليسَ للإِناثِ منهم
стр. 8866
وَإِنْ كَانَا خُنْثَيَينِ أوْ أكْثَرَ نَزَّلْتَهُمْ بِعَدَدِ أحْوَالِهِمْ. وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: تُنَزِّلُهُمْ حَالينَ، مَرَّةً ذُكُورًا وَمَرَّةً إِنَاثًا. وَالْأوَّلُ أَوْلَى.
ــ
ميراثٌ، فيكونُ للخُنْثَى منهم نصفُ ميراثِ ذكرٍ بلا خلافٍ.
٢٨٤٥ - مسألة: (فإن كانا خُنْثَيَين أو أكثرَ نزَّلتَهم بعددِ أحوالِهمٍ) في أحدِ الوَجْهَين، فتَجْعلُ للاثنَينِ أربعةَ أحوالٍ، وللثلاثةِ ثمانية، وللأربعةِ ستَّةَ عشَرَ، وللخمسةِ اثْنَين وثلاثينَ حالًا، ثم تجمَعُ ما لَهم في الأحوالِ كلِّها فتقْسِمُه على عددِ أحوالِهم، فما خرَجَ بالقَسْمِ فهو لهم إن كانوا مِن جِهَةٍ واحدةٍ، وإن كانوا مِن جهاتٍ جَمَعْتَ ما لكُلِّ واحدٍ منهم في الأحْوالِ وقسَمتَه على عددِ الأحْوالِ كلِّها، فالخارجُ بالقَسْمِ هو نصيبُه. هذا قولُ ابنِ أبي لَيلَى، وضِرَارٍ، ويحيى بنِ آدمَ. وقولُ محمدِ بنِ الحسنِ على قياسِ قولِ الشَّعْبِيِّ. والوجهُ الآخرُ، أنَّهم يُنَزَّلون حالين؛ مَرَّةً ذكورًا، ومَرَّةً إناثًا، كما تَصنَعُ في الواحدِ. وهو قولُ أبي يوسفَ، واخْتارَه أبو الخطابِ.
стр. 8867
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه يُعْطِي كلَّ واحدٍ بحَسَبِ ما فيه مِن الاحتمالِ فيَعْدِلُ بَينَهم. وفي الوجهِ الآخَرِ، يُعْطِي بعضَ الاحْتمالاتِ دونَ بعضٍ، وهذا تَحَكُّمٌ لا دليلَ عليه. وبيانُ ذلك في ولدٍ خُنْثَى وولدِ أخٍ خُنْثَى وعَمٍّ؛ إن كانا ذكرَينِ فالمالُ للولدِ، وإن كانا أُنْثَيَين فللبنتِ النِّصْفُ والباقي للعَمِّ، فهي مِن أربعةٍ عندَ مَن نَزَّلَهم حالين؛ للولدِ ثلاثَةُ أرباعِ المالِ، وللعَمِّ رُبْعُه، ومَن نَزَّلَهم أحوالًا، زاد حالين آخَرَينِ، وهو أن يكونَ الولدُ وحدَه ذكَرًا، وولدُ الأخِ وحدَه ذكرًا، فتكونُ المسألَةُ مِن ثمانيةٍ؛ للولدِ المالُ في حالينَ، والنِّصفُ في حالينَ، فله رُبْعُ ذلك، وهو ثلاثةُ أرباعَ المالِ، ولولدِ الأخِ نصفُ المالِ في حالٍ، فله رُبْعُه، وهو الثُّمْنُ، وللعَمِّ مثلُ ذلك، وهذا أعدَلُ. ومَن قال بالدَّعْوَى فيما زاد على اليَقينِ، قال: للولدِ النِّصفُ يَقِينًا، والنِّصفُ الآخَرُ يتداعَوْنَه، فيكونُ بينَهم أثلاثًا، وتصِحُّ
стр. 8868
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن ستةٍ. وكذلك الحُكْمُ في أخٍ خُنْثَى وولَدِ أخٍ، وفي كلِّ عَصَبَتَين يَحْجُبُ أحدُهما الآخَرَ ولا يرِثُ المحجوبُ شيئًا إذا كان أُنْثَى. ولو خلَّفَ بنتًا وولدًا (١) خُنْثَى وولدَ ابن خنْثَى وعَصَبَةً، فمَن نزَّلَهما حالين جعلَها مِن سِتَّةٍ، للولدِ الخُنْثَى ثلاثةٌ، وللبنتِ سهمان، والباقي للعَمِّ. ومَنِ نَزَّلَهما أربعةَ أحوالٍ، جَعَلَها مِن اثنَيْ عشَرَ، وجعَلَ لولدِ الابنِ نصفَ السُّدْسِ، وللعَمِّ مِثْلَيهِ. وهذا أعدَلُ الطريقَينِ؛ لِما في الطريقِ الآخَرِ مِن (٢) إسقاطِ ولدِ الابنِ مع أنَّ احتمال تَوْرِيثِه كاحْتِمالِ تورِيثِ العَمِّ. وهكذا تصنَعُ في الثلاثةِ وما زاد. ويكفِي هذا القَدْرُ مِن هذا البابِ، فإنَّه نادِرٌ قلَّ ما يُحْتاجُ إليه، واجْتماعُ خُنْثَيَينِ وأكثرَ نادرُ النَّادرِ ولم يُسْمَعْ بوجُودِه، فلا حاجةَ إلى التَّطْويلَ فيه.
стр. 8869
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: قال شيخُنا (١): وقد وجَدْنا في عصرِنا شيئًا شبيهًا لم (٢) يذْكُرْه الفَرَضيُّونَ ولم يسْمَعوا به، فإنَّا وجَدْنا شخصَين ليس لهما في قُبُلِهما (٣) مَخْرَجٌ، لا ذَكَرٌ ولا فرْجٌ؛ أمّا أحَدُهما فذكرُوا أنَّه ليس له في قُبُلِه إلا لَحْمةٌ ناتِئةٌ كالرَّبْوَةِ، ويَرْشَحُ البَوْلُ منها رشْحًا على الدَّوامِ، وأرسلَ إلينا يسألُنا عن الصلاةِ والتحرُّزِ مِن النجاسَةِ في سنةِ عَشْرٍ وستِّمائَةٍ، والثاني، ليس له إلَّا مَخْرجٌ واحدٌ فيما بينَ المخرجَين، منه يتغَوَّطُ ومنه يَبُولُ، وسألتُ مَن أخبَرَني عنه عن زِيِّه، فأخبرَني أنَّه يَلْبَسُ لِباسَ النِّساءِ ويُخالِطُهن ويغْزِلُ معهنَّ، ويَعُدُّ نفسَهُ امرأةً. قال: وحُدِّثْتُ أنَّ في بعضِ (٤) بلادِ العجَمِ شخْصًا ليسَ له مَخْرَجٌ أصلًا، لا قُبُلٌ ولا دُبُرٌ، وإنَّما يَتَقايَأُ ما يأكُلُه ويشْرَبُه. فهذا وما أشْبَهه في معنى الخُنْثَى، لكنَّه لا يُمْكِنُ اعتبارُه بِمَبالِه، فإن لم يكنْ له علامَةٌ أخرَى فهو مُشْكِلٌ ينْبَغِي أن يَثبُتَ له حُكْمُه في مِيراثِه وأحْكامِه كُلِّها. والله أعلمُ.
الْخِرَقِيُّ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أنَّهُ يَقْسِمُ مِيرَاثَ كُلِّ مَيِّتٍ لِلْأَحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ دُونَ مَنْ مَاتَ مَعَهُ. وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَوْتَى
ــ
المرأةِ لأخيها وزَوْجِها نِصْفَين. ذكَرَها الخِرَقِيُّ. وهذا يدلُّ على أنَّ ميراثَ كُلِّ ميِّتٍ يُقْسَمُ على الأحياءِ مِن وَرَثَتِه دُونَ مَن ماتَ معهُ) رُوِيَ ذلك عن أبي بكر الصديقِ، وزيدٍ، وابنِ عباسٍ، والحسنِ بنِ عليٍّ، ﵃. وبه قال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وأبو الزِّنادِ، والزُّهْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفَةَ وأصحابُه. وَرُوِيَ ذلك عن عمرَ، والحسنِ البصرِيِّ، وراشدِ بنِ سعدٍ (١)، وحكيمِ بن عُمَيرٍ (٢)، وعبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ. فيَحْتَمِلُ أن يكونَ ما رُوِيَ عن أحمدَ في المسألَةِ التي ذكرَهَا الخِرَقِيُّ، أن يُجْعَلَ هذا رِوايَةً عنه في جميعِ مسائلِ البابِ، ويحْتَمِلُ أن يكونَ هذا قولَه فيما إذا ادَّعَى وارِثُ كُلِّ ميِّتٍ أنَّ
стр. 8872
يَرِثُ صَاحِبهُ مِنْ تِلَادِ مَالِهِ دُونَ مَا وَرِثَهُ مِنَ الْمَيِّتِ مَعَهُ، فَيُقَدَّرُ أَحَدُهُمَا مَاتَ أوَّلًا وَيُوَرَّثُ الْآخَرُ مِنْهُ،. ثُمَّ يُقْسَمُ مَا وَرِثَهُ مِنْهُ عَلَى الأحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ، ثُمَّ يُصْنَعُ بِالثَّانِي كَذَلِكَ.
ــ
مَوْرُوثَه كان آخِرَهما مَوْتًا، فأمّا مع الجهلَ فيُوَرَّثُ كُلُّ واحدٍ مِنهما مِن الآخرِ؛ لأنَّ مع التَّداعِي يَتَوجَّهُ اليمينُ على المُدَّعَى عليه، فيَحلِفُ على إبْطالِ دَعْوَى صاحبِه، ويتَوفَّرُ الميراثُ له، كما في سائرِ الحقُوقِ، بخِلافِ ما إذا اتَّفقُوا على الجهلِ، فلا يَتَوَجَّهُ اليَمِينُ، لأن اليمينَ لا يُشرَعُ في مَوْضِعٍ اتَّفَقوا على الجَهْلِ به (وظاهِرُ المذهبِ أنَّ كُلَّ واحدٍ منهما يَرِث صاحِبَه مِن تِلادِ ماله دونَ ما وَرِثَه مِن الميِّتِ معه، فيُقَدَّرُ أحدُهما ممات أولًا ويُوَرَّثُ الآخَرُ منه، ثم يُقْسَمُ ما وَرِثَهُ على الأحْياءِ مِن وَرَثَتِه، ثم يُصْنَعُ بالثاني كذلِك) قال أحمدُ: أذهَبُ إلى قولِ عمرَ وعليٍّ وشرَيحٍ وإبراهيمَ والشَّعْبِيِّ. هذا قولُ مَن ذكرَه الإِمامُ أحمدُ. وهو قولُ إياسِ بنِ عبدٍ (١) المُزَنِيِّ، وعطاءٍ، والحسنِ، وحُمَيدٍ الأعرجِ، وعبدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ، وابنِ أبي لَيلَى، والحسنَ بنَ صالحٍ، وشَرِيكٍ، ويحيى بنَ آدمَ، وإسحاقَ.
стр. 8873
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وحُكِيَ ذلك عن ابنِ مسْعُودٍ. قال الشَّعْبِيُّ: وَقَع الطّاعُونُ بالشّامِ عامَ عَمَواسَ، فجعل أهلُ البَيتِ يموتون عن آخِرِهم، فكُتِبَ في ذلك إلى عمرَ، ﵁، فكتبَ عمرُ: أن وَرِّثوا بعضَهم مِن بعضٍ (١). ووَجْهُ الروايةِ الأُولَى ما روَى سعيدٌ (٢)، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عَيّاشٍ (٣)، عن يحيى بنِ سعيدٍ، أنَّ قَتْلَى اليَمامَةِ وقَتْلَى صِفِّينَ والحَرَّةِ لَمْ يُوَرَّثْ (٤) بَعْضُهُم مِن بَعْضٍ، وَرَّثُوا (٥) عَصَبَتَهُم الأحْياءَ. وقال (٦): ثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ، عن جَعْفَرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، أنَّ أمَّ كُلْثُومٍ بنتَ عليٍّ تُوُفِّيَتْ هي وابنُها زيدُ بنُ عمرَ، فالتَقَتِ الصَّيحَتان في الطَّريقِ،
стр. 8874
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلم يُدْرَ أيُّهُما مات قبلَ صاحِبه، فلم تَرِثْه ولم يَرِثْها، وأنَّ أهلَ صِفِّينَ وأهلَ الْحَرَّةِ لم يَتَوارَثُوا. ولأنَّ شَرْطَ التَّوَارُثِ حياةُ الوارثِ بعدَ موتِ الموْرُوثِ، وليسَ بمعلومٍ، فلا يَثْبُتُ التَّوريثُ مع الشَّكِّ في شَرْطِه، ولأنَّه مَشْكوكٌ في حياتِه حينَ موتِ مَوْرُوثِه، فلم يَرِثْه، كالحملِ إذا وضَعَتْهُ مَيِّتًا، ولأنَّ تَوْرِيثَ كُلِّ واحدٍ منهما خطأٌ قطعًا؛ لأنَّه لا يَخْلُو مِن أن يكونَ مَوْتُهما معًا أو يسبقَ أحَدُهما به، وتَوْريثُ السّابقِ بالموتِ والميِّتِ معه
стр. 8875
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خطأ يقينًا مُخالفٌ للإِجْماعِ، فكيفَ يُعْمَلُ به! فإن قيل: ففي قَطْعِ التَّورِيثِ قَطْعُ تَوْريثِ المَسْبوقِ بالموتِ، وهو خَطَأٌ أيضًا. قُلْنا: هذا غَيرُ مُتَيقَّنٍ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ مَوْتُهُما معًا، فلا يكونُ منهما مَسْبوقٌ. وقد احتجَّ أصحابُنا لتلك الرِّوايةِ بما روَى إياسُ بنُ عبدٍ (١) المُزَنِيُّ، أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عن قوم وَقَع عليهم بيتٌ. فقال: يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. قال شيخُنا (٢): والصَّحيحُ أنَّ هذا إنَّما هو عن إياسٍ نَفْسِه، وأنَّه هو المسئولُ، وليس بروايةٍ عن النبيِّ ﷺ . هكذا رَواه سعيدٌ في «سُنَنِه». وحَكاهُ الإِمامُ أحمدُ عنه (٣). وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ سُرَيجٍ (٤)، وطائِفةٌ مِن
стр. 8876
فَعَلَى هَذَا لَوْ غَرِقَ أَخَوَانِ، أَحَدُهُمَا مَوْلَى زَيدٍ وَالْآخَرُ مَوْلَى عَمْرٍو، صَارَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَوْلَى الْآخَرِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الأوَّلِ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَوْلَاهُ، وَهُوَ أَحْسَنُ.
ــ
البَصْرِيِّينَ: يُعْطَى كُلُّ وارثٍ اليقينَ، ويُوقَفُ المشْكوكُ فيه حتى يَتَبَيَّنَ الأمرُ أو يَصْطَلِحوا. وقال الخَبْرِيُّ: هذا هو الحُكْمُ فيما إذا عُلِمَ موتُ (١) أحدِهما قبلَ الآخَرِ. ولم يَذكُرْ فيه خلافًا.
٢٨٤٦ - مسألة قال: (فلو غَرِقَ أخَوانِ، أحدُهما موْلَى زيدٍ والآخَرُ موْلَى عمرٍو) فمَن لم يُوَرِّثْ أحدَهما مِن صاحِبِه جعل ميراثَ كُلِّ
стр. 8877
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واحِدٍ لِمَولاه، (هو أحْسَنُ) ومَن وَرَّثَ أحدَهُما مِن الآخَرِ جعل [مال كلِّ] (١) واحِدٍ منهما لموْلَى الآخَرِ، ومَن قال بالوَقْفِ وَقَفَ مالهما. وإنِ ادَّعَى كُلُّ واحدٍ منهما أنَّ موْلاه آخِرُهما موتًا حَلَف كُلُّ واحِدٍ منهما على إبْطالِ دَعْوَى الآخَرِ وأخذ مال موْلاهُ، على ما ذَكَرَه الخِرَقِيُّ. وإن كان لهما أختٌ، فمَن وَرَّثَ كُلَّ واحِدٍ منهما مِن صَاحِبِه جعل لها (٢) الثُّلُثَين مِن مالِ كُلِّ واحِدٍ منهما، والنِّصفَ على القولِ الثاني.
وإن خَلَّفَ كُلُّ واحِدٍ منهما بنتًا وزَوجَةً، فمَن لم يُورِّثْ بعضَهم مِن بعضٍ صَحَّحها مِن ثمانيةٍ؛ لامرأتِه الثُّمْنُ، ولابنَتِهِ النِّصفُ، والباقي لموْلَاه، ومَن وَرَّثَهُم جعل الباقيَ لأخيهِ، ثم قَسَمَه بينَ ورَثَةِ أَخِيه على ثمانيةٍ، ثم ضَرَبَها في الثمانيةِ الأُولَى، فصَحَّت مِن أربعةٍ وسِتِّين؛ لامرأتِه ثمانيةٌ، ولابْنَتِه اثْنان وثلاثون، ولامرأةِ أخيه ثُمْنُ الباقي ثلاثةٌ، ولابنتِه اثنا عشَرَ، ولموْلاه الباقي تِسْعَةٌ.
أخٌ وأُخْتٌ غَرِقا ولهما أمٌّ وعَمٌّ وزَوْجانِ، فمَن وَرَّثَ كُلَّ واحدٍ منهما مِن صاحبِه جعل ميراثَ الأخِ بينَ امرأتِه وأُمِّه وأُخْتِه على ثَلاثَةَ عشَرَ، فما أصابَ الأُخْتَ منها فهو بينَ زَوْجِها وأُمِّها وعَمِّها على سِتَّةٍ، فصحَّتِ المَسألتان مِن ثَلاثَةَ عَشَرَ؛ لامرأةِ الأخِ ثَلاثَةٌ، ولزوجِ الأخْتِ ثلاتْةٌ، وللأُمِّ أربعةٌ بميراثِها مِن الأخِ، واثْنان بميراثِها مِن الأختِ، وللعَمِّ سهْمٌ،
стр. 8878
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وميراثُ الأختِ بينَ زوجِها وأُمِّها وأخيها على سِتَّةٍ، لأخِيها سَهْمٌ بينَ امرأتِه وأُمِّه وعَمِّه على اثنَيْ عَشَرَ، تَضْرِبُها في الأُولَى تكنِ اثنين وسبعين، والضَّرَرُ في هذا القولِ على مَن يَرِثُ مِن أحَدِ الميِّتَينِ دونَ الآخَرِ، والنَّفْعُ لمَنْ يَرِثُ مِنهما.
ثلاثَةُ إخْوَةٍ لأبوَين غَرِقُوا ولهم أُمٌّ وعَصَبَةٌ، فقَدِّرْ موتَ أحَدِهم أوَّلًا، فلأُمِّه السُّدْسُ، والباقي لأخوَيهِ، فتصِحُّ مِن اثْنَيْ عَشَرَ، لكُلِّ واحِدٍ مِن إخْوَتِه خَمْسَةٌ، بينَ أُمِّه وعَصَبَتِه على ثلاثةٍ، فتَضْرِبُها في الأُولَى تكن سِتَّةً وثلاثين، للأُمِّ مِن ميراثِ الأوَّلِ سِتَّةٌ، وممّا وَرِثَه كُلُّ واحدٍ مِن الأخوَين خمسةٌ، فصار لها سِتَّةَ عَشَرَ، والباقي للعَصَبَةِ، ولها مِن مِيراثِ كُلِّ واحِدٍ مِن الأخَوَين مثلُ ذلك. ذكرَ هذه المسْألَةَ أبو بكرٍ.
ثلاثَةُ إخْوَةٍ مُفْتَرِقين غَرِقُوا وخَلَّفَ كُلُّ واحِدٍ منهم أُخْتَه لِأَبَوَيه، فَقَدِّرْ مَوْتَ الأَخَ مِن الأبوَينَ أوَّلًا عن أُخْتِه مِن أبَوَيه، وإخوتِه مِن أبِيه، وإخوتِه مِن أُمِّه، فصَحَّتْ مسألتُه مِن ثمانِيةَ عَشَرَ، لأخِيهِ مِن أُمِّه مِنها ثَلاثةٌ، بينَ أُخْتِه مِن أبَوَيه وأُخْتِه مِن أُمِّه، على أرْبَعَةٍ، وأصاب الأخَ [مِن الأبِ] (١) منها اثْنان، بينَ أخِيه مِن أربوَيهِ وأُخْتِه مِن أبِيه، على أرْبَعَةٍ، فتَجْتَزِئُ بإحْداهما، وتَضْرِبُها في الأُخْرى تكنِ اثْنَين وسَبْعين، ثم قَدِّرْ مَوْتَ الأخِ مِن الأمِّ عن أُخْتٍ لأبَوَين وأخٍ وأخْتٍ مِن أُمٍّ، فمسألتُه مِن خَمْسَةٍ، مات أخُوه لأُمِّه عن ثلاثِ أخواتٍ مُفْتَرِقاتٍ، وهي مِن خمْسةٍ أيضًا، تَضْرِبُها في
стр. 8879
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأُولَى تكنْ خَمْسَةً وعِشْرِين، ثم قَدِّرْ موتَ الأخِ مِن الأبِ عن أُختِه لأبويه وأخٍ وأُخْتٍ لأبِيه، فهي مِن سِتَّةٍ، ثم مات أُخُوه لأبِيه عن ثلاثِ أخواتٍ مُفْتَرِقاتٍ، فهي مِن خَمْسَةٍ، تَضْرِبُها في الأُولى تكنْ ثلاثين. فإن خَلَّفَ بنتًا وأَخَوَين، فلم يَقْتَسِموا التَّرِكَةَ حتى غَرِقَ الأخوان وخَلَّفَ أحَدُهما زَوْجَةً وبنتًا وعَمًّا، وخَلَّفَ الآخَرُ ابنين وابنتين؛ الأُولَى مِن أرْبَعَةٍ، مات أحَدُهما عن سَهْمٍ، ومسْألَتُه مِن ثمانيةٍ، لأخيه منها ثَلاثَةٌ بينَ أوْلَادِه على سِتَّةٍ، رَجَعُوا إلى اثْنَين، تَضْرِبُها في ثمانيةٍ تكنْ سِتَّةَ عَشَرَ، وفَرِيضَةُ الآخرِ مِن سِتَّةٍ، يَتَّفِقان بالنصْفِ، فاضْرِبْ نِصْفَ إحْداهما في الأُخْرى تكنْ ثمانِيةً وأرْبَعين، ثم في أرْبَعَةٍ تكنْ مِائةً واثْنَين وتِسْعِينَ؛ للبنتِ نِصْفُها، ولِأوْلادِ الأخِ عن أبيهِم رُبْعُها، وعن عَمِّهم ثَمانِيَةَ عَشَرَ، اجْتَمَعَ لهم سِتَّةٌ وسِتُّون، ولامرأةِ الأخِ سِتةٌ، ولبِنْتِه أرْبَعَةٌ وعِشْرون.
فصل: وإن عُلِمَ أنَّهما ماتا معًا في حالٍ واحِدَةٍ، لم يَرِثْ أحدُهما صاحبَه ووَرِثَ كُلَّ واحدٍ الأحْياءُ مِن وَرَثَتِه؛ لأنَّ تَوْرِيثَه مَشْروطٌ بحياتِه بعدَه، وقد عُلِمَ انْتِفاءُ ذلك. وإن عُلِمَ أنَّ أحدَهما مات قبلَ صاحبِه بعينِه ثم أَشْكَلَ، أُعْطِيَ كُلُّ وارِثٍ اليقينَ، ووُقِفَ الباقي حتى يَتَبَيَّنَ الأمْرُ أو يصْطَلِحوا عليه (١). قال القاضي: وقياسُ المذهبِ أن يُقْسَمَ على سبيلِ ميراثِ الغَرْقَى الذين جُهِلَ حالُهم. واللهُ أعلم.
стр. 8880
بَابُ مِيرَاثِ أَهْلِ الْمِلَل
لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ،
ــ
بابُ ميراثِ أهلِ المللِ
(لا يَرِثُ المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ) أجْمَع أهلُ العلمِ على أنَّ الكافِرَ لا يَرِثُ المسلمَ. وقال جمهورُ الصحابةِ والفقهاءِ: لا يَرِثُ المسلمُ الكافرَ. رُوِيَ ذلك عن أبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وأسامةَ بنِ زيدٍ، وجابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، ﵃. وبه قال عمرُو بنُ عثمانَ (١)، وعُرْوَةُ، والزُّهْرِيُّ، وعَطاءٌ، وطاوسٌ، والحسنُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وعمرُو بنُ دينارٍ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفَةَ وأصحابُه، ومالكٌ، والشافعيُّ، وعامةُ الفقهاءِ، وعليه العَمَلُ. ورُوِيَ عن عمرَ، ومُعاذٍ، ومعاويةَ، ﵃، أنَّهم ورَّثُوا المسلمَ مِن الكافِرِ ولم يُوَرِّثُوا الكافِرَ مِن المسلمِ. حُكِيَ ذلك عن محمدِ بنِ الحنفيةِ، وعليِّ بنِ الحسينِ،
стр. 8881
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، ومسروقٍ، وعبدِ اللهِ بنِ مَعْقلٍ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، ويحيى بنِ يَعْمُرَ (١)، وإسحاقَ. وليس بموثوقٍ به عنهم، فإنَّ أحمدَ قال: ليس بينَ الناسِ اختلافٌ في أنَّ المسلمَ لا يرثُ الكافِرَ. ورُوِيَ أنَّ يحيى بنَ يَعْمُرَ احتجَّ لقولِه، فقال: حدَّثَني أبو الأسْودِ، أنَّ مُعاذًا حدَّثه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «الإِسْلَامُ يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ» (٢). ولأنَّا نَنْكِحُ نِساءَهم ولا يَنْكِحون نِساءَنا، فكذلك نرِثُهم ولا يَرِثونا. ولَنا، ما رَوى أسامةُ بنُ زيدٍ، عن النبي ﷺ أنَّه قال: «لا يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ، ولَا المسلمُ الكافِرَ». مُتَّفَقٌ عليه (٣). ولأنَّ الولايةَ مُنْقَطِعةٌ بينَ المسلمِ
стр. 8882
إلا أنْ يُسْلِمَ قَبْلَ قَسْمِ مِيرَاثِهِ فَيَرِثَهُ. وَعَنْهُ، لَا يَرِثُ.
ــ
والكافرِ فلم يَرِثْه، كما لا يَرِثُ الكافِرُ المسلمَ. فأمّا حَديثُهم فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّ الإِسلامَ يَزِيدُ بمَن يُسْلِمُ وبما يُفْتَحُ مِن البلادِ لأهلِ الإِسلامِ، ولا يَنْقُصُ بمَن يَرْتَدُّ؛ لقلةِ مَن يَرْتَدُّ وكثْرةِ مَن يُسْلِمُ، وعلى أنَّ حديثَهم مُجْمَلٌ وحديثَنا مُفَسَّرٌ، وحديثُنا أصَحُّ فيَتَعَيَّنُ تَقديمُه. والصَّحيحُ (١) أنَّه قال: لا نَرِثُ أهلَ المِلَلِ ولا يَرِثُونَنَا. وقال في عَمَّةِ الأشْعَثِ: يَرِثُها أهلُ دينِها (٢).
٢٨٤٧ - مسألة: (إلَّا أن يُسْلِمَ قبلَ قَسْمِ الميراثِ فيرِثُه. وعنه، لا يَرِثُ) اختلفتِ الرِّوايةُ في مَن أسْلَمَ قبلَ قَسْمِ ميراثِ مَوْرُوثِه المسلِمِ؛ فنقل الأثْرَمُ، ومحمدُ بنُ الحَكَمِ، أنَّه يَرِثُ. ورُوِيَ نحوُ هذا عن عمرَ،
стр. 8883
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعثمانَ، والحسنِ بنِ عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، ﵃. وبه قال جابرُ بنُ زيدٍ، والحسنُ، ومكحولٌ، وقَتَادةُ، وحُمَيدٌ، وإياسُ بنُ معاويةَ، وإسحاقُ، فعلى هذا، إن أسْلَمَ قَبْلَ قَسْمِ بَعْض المألِ وَرِثَ ممّا بَقِيَ. وبه قال الحسنُ. ونَقَل أبو طالبٍ، في مَن أسْلَمَ بعدَ الموتِ: لا يَرِثُ، قدْ وَجَبَتِ المواريثُ لأهْلِها. وهو المشهورُ عن عليٍّ، ﵁. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعطاءٌ، وطاوسٌ، والزُّهْرِيُّ، وسليمانُ بنُ يسارٍ، والنَّخَعِيُّ، والحَكَمُ، وأبو الزِّنادِ، وأبو حنيفَةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأكثرُ أهلِ العلمِ؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «لَا يَرِثُ الكافِرُ المسلِمَ». ولأنَّ المِلْكَ قد انْتَقَلَ بالموتِ إلى المسلمين، فلم يُشارِكْهم مَن أسلمَ، كما لو اقْتَسَموا. ولأنَّ المانِعَ مِن الإِرْثِ مُتحَقِّقٌ حال وُجودِ الموتِ، فلم يَرِثْ، كما لوكان رَقِيقًا فأُعْتِقَ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «مَنْ أسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ بَهُ». رَواه سعيدٌ (١) مِن طَرِيقَين عن عُرْوَةَ،
стр. 8884
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وابنِ أبي مُلَيكَةَ، عن النبيِّ ﷺ . وروَى أبو داودَ (١) بإسْنادِه، عن ابنِ عباسٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «كُلُّ قَسْم قُسِمَ في الجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلى مَا قُسِمَ، وكُلُّ قَسْم أدْرَكَهُ الإِسْلَامُ فإنَّهُ علَى قَسْمِ الإسْلَامِ». وروَى ابنُ عبدِ البرِ في «التَّمْهِيدِ» بإسنادِه، عن زَيدِ بنِ قتادةَ العَنْبَرِيِّ، أنَّ إنْسانًا مِن أهْلِه مات على غَيرِ دينِ (٢) الإِسلامِ، فورِثَتْه أُخْتِي دُونِي، وكانت على دينِه، ثم إنَّ جَدِّي أسْلَمَ وشَهِدَ مع النبيِّ ﷺ حُنَينًا فَتُوفِّيَ، فلَبِثْتُ سنةً، وكان تَرَك ميراثًا، ثم إنَّ أُخْتى أسْلَمَتْ، فخاصَمَتْني في الميراثِ إلى عثْمانَ، فحدَّثَه [عبدُ اللهِ] (٣) بنُ أرقمَ، أنَّ عمرَ، ﵁، قَضى أنَّه مَنْ أسْلَمَ على مِيراثٍ قبلَ أنْ يُقْسَمَ فله نَصِيبُه، فقَضَى به عُثمانُ، فذَهَبَت بذاك الأوَّلِ، وشارَكَتْني في هذا (٤). وهذه قصةٌ اشْتَهَرتْ فلم تُنْكَرْ،
стр. 8885
وَإنْ عَتَقَ عَبْدٌ بَعْدَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ وَقَبْلَ الْقَسْمِ لَمْ يَرِثْ، وَجْهًا وَاحِدًا.
ــ
فكانت إجماعًا. ولأنَّه لو تَجَدَّدَ له صَيدٌ بعدَ موتِه وَقَعَ في شَبَكَتِه التي نَصَبَها في حياتِه ثَبَتَ له المِلْكُ فيه، ولو وَقَع إنسان في بِئْرٍ حَفَرَها لتَعلَّقَ ضَمانُه بتَرِكَتِه بعدَ موتِه، فجازَ أن يتجدَّدَ حَقُّ مَن أسْلَمَ مِن وَرَثَتِه؛ ترغيبًا في الإِسلامِ، وحثًّا عليه. فأمّا إذا قُسِمَتِ التَّرِكَةُ وتعيَّنَ حَقُّ كُلِّ وارثٍ ثم أسْلَمَ فلا شيءَ له، فإنْ كان الوارِثُ واحدًا، فمتى تَصَرَّفَ في التَّرِكَةِ واحْتازَها كان كقَسْمِها.
٢٨٤٨ - مسألة: (وإن عَتَقَ عبدٌ بعدَ موتِ مَوْروثِه وقبلَ القسمِ لم يَرِثْ، وَجْهًا واحِدًا) نصَّ عليه أحمدُ في روايةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ، وَفرَّقَ بينَ الإسلامِ والعِتْقِ. وعلى هذا جمهورُ الفقهاءِ مِن الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم. ورُوِيَ عن ابنِ مَسْعودٍ، أنَّه سُئِلَ عن رجلٍ مات وتَرَك أباه عَبْدًا
стр. 8886
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فأُعْتِقَ قبلَ أن يُقْسَمَ ميراثُه، فقال: له مِيراثُه. وحُكِيَ عن مَكْحولٍ، وقَتادةَ، أنَّهما وَرَّثا مَن أُعْتِقَ قبلَ القِسْمَةِ، لأنَّ المانِعَ مِن الميراثِ زال قبلَ القِسْمَةِ، أشْبَهَ ما لو أسْلَمَ. وقال أبو الحسنِ التَّمِيمِيُّ: يُخَرَّجُ على قولِ مَن ورَّثَ المسلمَ أن يُوَرَّثَ العبدُ إذا أُعْتِقَ. وليسَ بصحيحٍ، فإنَّ الإِسلامَ قُرْبَةٌ، وهو أعْظَمُ الطَّاعاتِ، والقُرَبُ وَرَد الشَّرْعُ بالتأليفِ عليها، فوَرَد الشَّرْعُ بتَوْريثِه؛ تَرْغِيبًا له في الإِسلامِ وحثًّا عليه، والعِتْقُ لا صُنْعَ له فيه، ولا يُحْمَدُ عليه، فلم يَصِحَّ قِياسُه عليه، ولولا ما وَرَد مِن الأثَرِ في تَوْريثِ مَن أَسْلَمَ لَكان النَّظَرُ يَقْتَضِي أن لا يَرِثَ مَن لم يكنْ مِن أهلِ الميراثِ حينَ الموتِ؛ لأنَّ المِلْكَ يَنْتَقِلُ به إلى الوَرَثَةِ، فيَسْتَحِقُّونَه، فلا يَبْقَى لمن حَدَث شيءٌ، وإنَّما خالفْناه في الإِسلامِ للأَثَرِ، وليس في العِتْقِ أثَر يَجِبُ التَّسْلِيمُ له، ولا هو في معنَى ما فيه الأثرُ، [فيَبْقَى على مُوجِبِ القياسِ] (١).
стр. 8887
وَيَرِثُ أهْلُ الذِّمَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِنِ اتَّفَقَتْ أدْيَانُهُمْ. وَهُمْ ثَلَاثُ
ــ
فصل: ولو مَلَك ابنَ عَمِّه فدَبَّرَه، فعَتَق بموتِه، لم يَرِثْ؛ لأنَّه رقِيقٌ حينَ الموتِ. فإن قال: أنتَ حُرٌّ في آخِر حياتي. عَتَق ووَرِثَ؛ لأنَّه حُرٌّ حينَ الموتِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَرِثَ؛ لأنَّ عِتْقَه وصِيَّةٌ له، فيُفْضِي إلى الوصِيَّةِ للوارثِ.
٢٨٤٩ - مسألة: (ويَرِثُ أهْلُ الذِّمَّةِ بعضُهم بعضًا إنِ اتَّفَقَتْ أَدْيانُهم) وجملةُ ذلك، أنَّ الكُفارَ يَتَوارَثون إذَا كان دِينُهم واحدًا، لا نَعْلَمُ بينَ أهْلِ العِلْمِ فيه خِلافًا. ولا فَرْقَ في ذلك بينَ أهْلِ الذِّمَّةِ وغيرهم مِن الكُفارِ؛ لأنَّ قولَ النبيِّ ﷺ : «لا يَرِثُ المسْلِمُ الكَافِرَ، ولا الكَافِرُ المسْلِمَ» (١). دليلٌ على أنَّ بعضَهم يَرِثَ بعضًا. [وكذلك قولُه: «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَين شَتَّى» (٢). دليل على أنَّ أهْلَ المِلَّةِ الواحدةِ يَرِثُ
стр. 8888
مِلَل؛ الْيَهُودِيَّةُ، وَالنَّصْرَانِيَّةُ، وَدِينُ سَائِرِهِمْ.
ــ
بعضُهم بعضًا] (١). وقولُ النبيِّ ﷺ : «وهل تَرَك لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دارٍ» (٢). دليلٌ عَلى أنَّ عَقِيلًا وَرِثَ أبا طالبٍ دُونَ جَعْفَرٍ وعَلِيٍّ؛ لأنَّهما كانا مُسلِمَين، وكان عَقِيل على دينِ أبيه مُقيمًا بمكةَ، فكذلك لمّا قيل للنبيِّ ﷺ : أينَ تَنْزِلُ غدًا؟ قال: «وهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ». وقال عمرُ في عَمَّةِ الأشْعَثِ بنِ قَيسٍ: يَرِثُها أهْلُ دينِها.
٢٨٥٠ - مسألة: (وهم ثلاثُ مِلَلٍ؛ اليهوديَّةُ، والنَّصرانيَّةُ، ودينُ سائِرِهم) اخْتَلَفَتِ الروايةُ عن أحمدَ، ﵀، في ذلك، فرَوَى عنه حَرْبٌ أَنَّ الكُفْرَ كُلَّه ملةٌ واحِدَةٌ. اخْتارَها الخَلَّالُ. وبه قال حَمادٌ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وأبو حنيفَةَ، والشافعيُّ، وداودُ؛ لأنَّ توْريثَ الآباءِ مِن الأبناءِ والأبناءِ مِن الآباءِ، مذكورٌ في كتابِ الله تعالى ذِكْرًا عامًّا، فلا يُتْرَكُ إلَّا فيما اسْتَثْناه الشَّرْعُ، وما لم يسْتَثْنِه يَبْقَى على العُموم. ولأنَّ قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٣). عامٌّ في جميعِهم. ورُوِيَ عن أحمدَ أنَّ الكُفْرَ مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ. اخْتارَه أبو بكرٍ. وهو قولُ كثيرٍ مِن أهْلِ العلمِ؛ لأنَّ قولَ النبيِّ ﷺ : «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَينِ شَتَّى». ينْفي تَوارُثَهما ويَخُصُّ عمومَ الكتابِ، ولم نَسْمَعْ عن أحمدَ تصريحًا بذكرِ أقْسامِ المِلَلِ. وقال القاضي: الكفرُ ثَلاثُ مِلَلٍ؛ اليهوديَّةُ،
стр. 8889
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والنَّصرانيَّةُ، ودينُ مَن عَدَاهم؛ لأنَّ مَن عَداهم يجْمَعُهم أنَّه لا كتابَ لهم. وهذا قولُ شُرَيحٍ، وعطاءٍ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والضَّحَّاكِ، والحَكَمِ، والثَّوْرِيِّ، واللَّيثِ، وشَرِيكٍ، ومُغِيرَةَ الضَّبيِّ، وابنِ أبي لَيلَى، والحسنِ بنِ صالحٍ، ووَكيعٍ. ورُوِيَ ذلك عن مَالِكٍ. وعن النَّخَعِيِّ والثَّوْرِيِّ، القَوْلانِ معًا. وما رُوِيَ عن أحمدَ أنَّه قال: الكُفْرُ مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ. يَحْتَمِلُ أن يكونَ مِلَلًا كثِيرَةً تَزيدُ على ثَلاثٍ، فتكونُ المجوسِيَّةُ مِلَّةً، وعبدةُ الأوْثانِ ملةً، وعُبَّادُ الشمسِ ملَّةً، فلا يَرِثُ بعضُهم بعضًا. يُرْوَى ذلك عن عليٍّ. وبه قال الزُّهْرِيُّ، ورَبيعَةُ، وطائِفَةٌ مِن أهْلِ المدينةِ، وأهْل البَصْرةِ، وإسحاقُ. وهو أصَحُّ الأقوالِ، إن شاء الله. اخْتارَه شيخُنا (١)؛ لقول النبيِّ ﷺ : «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَين شَتَّى». رَواه أبو داودَ. ولأنَّ كلَّ فريقَين منهم لا مُوَالاةَ بينَهم ولا اتِّفاقَ في دينٍ، فلم يَرِثْ
стр. 8890
وَإنِ اخْتَلَفَتْ لَمْ يَتَوَارَثُوا. وَعَنْهُ، يَتَوَارَثُونَ.
ــ
بعضُهم بعضًا، كالمسلمين والكُفَّارِ. والعُموماتُ في التَّوريثِ مخْصُوصَةٌ، فيُخَصُّ منها مَحَلُّ النِّزاعِ بالخبرِ والقياسِ. ولأنَّ مُخالفينا قَطَعوا التَّوْريثَ بينَ أهْلِ الحرْب وأهلِ دارِ الإِسلامِ، فمع اخْتِلافِهم في الملَّةِ أوْلَى. وقولُ مَن خَصَّ المِلَّةَ بعَدَمِ الكتابِ، لا يصِحُّ؛ لأنَّه وصفٌ عَدَمِيٌّ لا يَقْتَضِي حُكْمًا ولا جَمْعًا، ثم لا بُدَّ لهذا الضّابِطِ مِن دليل يَدُلُّ على اعْتبارِه، وقد افْتَرَقَ حُكْمُهم، فإنَّ المَجُوسَ يُقَرُّونَ بالجِزْيَةِ، وغيرُهم لا يُقَرُّون بها، وهم مُخْتَلِفُون في مَعْبوداتِهم ومُعْتَقداتِهم وآرائِهم، يَسْتَحِلُّ بعْضُهم دماءَ بعضٍ، ويُكَفِّرُ بعْضُهم بعضًا، فكانوا مِلَلًا كاليهودِ والنَّصارَى. ولأنَّه قد روَى الشَّعْبِيُّ عن عَليٍّ، ﵁، أنَّه جعلَ الكُفْرَ مِلَلًا مختَلِفةً. ولم نعْرِفْ له مخالفًا في الصَّحابةِ، فيكونُ إجماعًا.
٢٨٥١ - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَتْ أدْيانُهم لم يَتَوارَثُوا) لما روَى عبدُ اللهِ بنُ عمرَ قال: قال رسول اللهِ ﷺ : «لَا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَين شَتَّى». رَواه أبو داودَ. (وعنه، يَتَوارَثُون) لأنَّ مفْهومَ قولِه عليه
стр. 8891
وَلَا يَرِثُ ذِمِّيٌّ حَرْبِيًّا، وَلَا حَرْبِيٌّ ذِمِّيًّا. ذَكَرهُ الْقَاضِي. وَيَحْتَمِلُ أنْ يَتَوَارَثَا.
ــ
السلامُ: «لا يَرِثُ الكَافِرُ المسْلِمَ». يدلُّ على أنَّهم يَتَوارَثون. وهذا يَجِئُ عَلى قوْلِنا: إِنَّ الكُفْرَ ملَّةٌ واحدةٌ. عَلى ما تَقَدَّم. وهو قول أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
٢٨٥٢ - مسألة: (ولا يَرِثُ حَرْبِيٌّ ذميًّا، ولا ذِمِّيٌّ حَرْبِيًّا. ذكَرَه القاضي) لأنَّ المُوالاةَ مُنْقَطِعَةٌ بينَهم (ويَحْتَمِلُ أن يَتَوارَثَا) لأنَّهم مِن أهْلٍ ملَّةٍ واحدةٍ. قال شيخُنا (١): قياسُ المِذْهبِ عِنْدي أنَّ المِلَّةَ الواحِدَةَ
стр. 8892
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَتَوَارَثون وإنِ اخْتَلَفَتْ ديارُهم؛ لأنَّ العُموماتِ مِن النُّصوصِ تَقْتَضِي توريثَهم، ولم يَرِدْ بتخْصِيصِهم نَصٌّ ولا إجْماعٌ، ولا يصِحُّ فيهم قياسٌ، فيجبُ العملُ بعُمومِها. ومفهومُ قولِه ﵇: «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَينِ شَتَّى». أنَّ أهْلَ المِلَّةِ الواحدةِ يَتَوارَثُون. وضبطُه التوريثَ بالملَّةِ والكُفْرِ والإِسلامِ دليلٌ على أنَّ الاعتبارَ به دُونَ غيرِه، ولأنَّ مُقْتَضِي التَّوْريثِ موجودٌ، فيَجِبُ العَمَلُ به ما لم يَقُمْ دليلٌ على تَحَقُّقِ المانِع. وقد نَصَّ أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، في مَن دَخَل إلينا بأمانٍ فقُتلَ، أنَّه يُبْعَث بدِيَتِه إلى مَلِكِهم حتَّى يَدْفَعَها إلى وَرَثَتِه. ورُوِيَ أنَّ عمرَو بنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ كان مع أهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ، فسَلِمَ ورَجَع إلى المدينةِ، فوجَدَ رَجُلَين في طَرِيقِه مِن الحَيِّ الذين قَتَلُوهم، وكانا أتَيا النبيَّ ﷺ في أمانِه، ولم يَعْلَمْ عمرٌو، فقتَلَهما، فوَدَاهُما النبي ﷺ (١). ولا شَكَّ أنَّه بعثَ بدِيَتِهما إلى أهْلِهما.
فصل: فأمَّا المُسْتَأْمَنُ فَيَرِثُه أهلُ الحرْبِ وأهْلُ دارِ الإِسْلامِ. وبهذا
стр. 8893
وَالْمُرْتَدُّ لَا يَرِثُ أحَدًا، إلا أن يُسْلِمَ قَبْلَ قَسْمِ الْمِيرَاثِ.
ــ
قال الشافعيُّ. قال القاضي: ويَرِث أهْل الحربِ بعضُهم بعضًا، سواءٌ اتَّفَقَتْ ديارُهم أو اخْتَلَفَتْ. وقال أبو حنيفَةَ: إذا اختلفتْ ديارُهم بحيثُ كان لكلِّ طائفةٍ مَلِكٌ ويرَى بعضُهم قَتْلَ بعضٍ، لم يَتَوارَثا؛ لأنَّه لا مُوالاةَ بينَهم. فجعلوا اتِّفاقَ الدَّارِ واخْتِلافَها ضابطًا للتَّوْريثِ وعدمِه. ولا يُعْلَمُ في هذا حُجَّةٌ مِن كتابٍ ولا سُنَّةٍ، مع مُخالفتِه لعمومِ النُّصوصِ المُقْتَضِي للتَّورْيثِ، ولم يَعْتَبروا الدِّينَ في اتِّفاقِه ولا اخْتِلافِه مع وُرودِ الخبرِ فيه وصِحَّةِ العِبْرَةِ بها، فإنَّ المسلمين يَرِثُ بعضُهم بعضًا وإنِ اخْتَلَفَتِ الدَّارُ بهم، فكذلك الكُفَّارُ.
٢٨٥٣ - مسألة: (والمُرْتَدُّ لا يَرِث أحَدًا، إلَّا أن يُسْلِمَ قبلَ قَسْم الميراثِ) لا نعلمُ خلافًا بينَ أهلِ العلمِ أنَّ المُرْتدَّ لا يَرِثُ
стр. 8894
وَإنْ مَاتَ فِي رِدَّتِهِ فَمَالُهُ فَيْءٌ. وَعَنْهُ، أَنَّهُ لِوَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَعَنْهُ، أَنَّهُ لِوَرَثَتِهِ مِنْ أهْلِ الدِّينِ الَّذِي اخْتَارَهُ.
ــ
أحدًا. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي؛ وذلك أنَّه لا يَرِثُ المسلمَ، لقولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَرِثُ الكافِرُ المسْلِمَ (١)». ولا يَرِثُ الكافِرَ؛ لأنَّه يُخالِفُه في حُكْمِ الدينِ، لأنَّه لا يُقَرُّ عَلى كُفْرِه، فلم يَثْبُتْ له حُكْمُ الدِّينِ الذي انْتَقَلَ إليه، ولهذا لا تَحِلُّ ذَبيحَتُه، ولا نِكَاحُ نسائِهم وإنِ انْتَقلوا إلى دينِ أهلِ الكِتابِ. ولأنَّ المُرْتَدَّ تزولُ أمْلاكُه الثَّابِتَةُ له أو اسْتِقْرارُها، فلأَن لا يثْبُت له مِلْكٌ أوْلَى. ولو ارتَدَّ مُتَوارِثان فمات أحدُهما لم يَرِثْه الآخرُ؛ لأنَّ المُرْتَدَّ لا يَرِثُ ولا يُورَثُ. فإن أسْلَمَ قبلَ قَسْمِ الميراثِ وَرِثَ؛ لما ذكرْنا مِن الحديثِ، وقد ذكرناه والخلافَ فيه.
فصل: والزِّنْدِيقُ كالمُرْتَدِّ فيما ذكرنا. والزِّنْدِيقُ الذي يُظْهِرُ الإسلامَ ويَسْتَسِرُّ الكُفْرَ، وهوْ الذي كان يُسَمَّى منافِقًا في عَصْرِ النبيِّ ﷺ ، ويُسَمَّى اليومَ زِنْديقًا. قال أحمدُ: مالُ الزِّنْديقِ في بَيتِ المالِ.
٢٨٥٤ - مسألة: (وإن مات على رِدَّتِه فمالُه فَيْءٌ. وعنه، أنَّه لِوَرَثَتِه مِن المسلمين. وعنه، أنَّه لوَرَثَتِه مِن أهْلِ الدينِ الذي اخْتَارَه)
стр. 8895
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، ﵀، في مالِ المُرْتَدِّ إذا مات أو قُتِلَ على رِدَّتِه، فرُوىَ عنه أنَّه يكونُ فَيئًا في بيتِ مالِ المسْلِمين. قال القَاضي: وهو الصحيحُ في المذْهَبِ. وبه قال ابنُ عباسٍ، ورَبيعَةُ، ومالِكٌ، وابنُ أبي لَيلَى، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المنذرِ. وعن أحمدَ ما يدُلُّ على أنَّه لوَرَثَتِه مِن المُسْلمين. يُرْوَى ذلك عن أبي بكرٍ الصِّديقِ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ، ﵃. وبه قال سعيدُ بنُ المسيَّب، وجابِرُ بنُ زيدٍ، والحسنُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وعطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وأهْلُ العراقِ، وإسْحاقُ. إلَّا أنَّ الثَّوْرِيَّ، وأبا حنيفَةَ، واللُّؤْلُؤِيَّ، وإسْحاقَ، قالوا: ما اكْتَسَبه في رِدَّتِه يكونُ فَيئًا. ولم يُفَرِّقْ أصْحابُنا بين تِلادِ مالِه وطَارِفِه. ووجْهُ ذلك، أنَّه قَوْلُ الخليفَتَين الراشدَين، فإنَّه يُرْوَى عن زيدِ بنِ ثابتٍ قال: بَعَثَنِي أبو بكرٍ عِنْدَ رجوعِهِ إلى أهْلِ الرِّدَّةِ أن أقْسِمَ مالهم بينَ وَرَثَتِهم المُسْلِمين. ولأنَّ رِدَّتَه يَنْتَقِلُ بها مالُه، فوجَبَ أنْ يَنْتَقِلَ إلى وَرَثَتِه مِن المُسْلمين، كما لو انْتَقَلَ بالموتِ. ورُوِيَ عنه رِوايةٌ ثالِثَةٌ، أنَّه يكونُ لأهْلِ الدِّينِ الذي