. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشُّفْعَةِ، ضَرَرُ صاحِبِ النِّصْفِ أعْظَمُ مِن ضَرَرِ صاحِبِ السُّدْسِ، فاخْتَلَفا. إذا ثَبَت هذا، كان وَلاؤُه بينَهما أثْلاثًا، لأنَّنا إذا حَكَمْنا بأنَّ الثُّلُثَ مُعْتَق عليهما نِصْفَين، فنِصْفُه سُدْسٌ، إذا ضَمَمْناه إلي النِّصْفِ الذي لأحَدِهما، صارا (١) ثُلُثَين، وإذا ضَمَمْنا السُّدْسَ الآخَرَ إلى سُدْسِ المُعْتِقِ صارا (١) ثُلُثًا. وعلى الوَجْهِ الآخرِ، يَصِيرُ الوَلاءُ بينَهما أرْباعًا؛ لصاحِبِ السُّدْسِ رُبْعُه، ولصاحِبِ النِّصْفِ ثَلاثَةُ أرْباعِه، والضَّمانُ كذلك. ويُشْتَرَطُ عِتْقُهما معًا، بأن يُوَكِّلا مَن يُعْتِقُه عنهما، أو يوَكِّلَ أحَدُهما الآخَرَ في عِتْقِ نَصِيبِه، أو (٢) يتلَفَّظا به معًا، لأنَّه لو سَبَقَ أحدُهما صاحِبَه عَتَق عليه جميعُه، على ما ذَكَرْنا. ويُشْتَرَطُ اليَسارُ أيضًا فيهما، فإن كان أحدُهما مُوسِرًا وَحْدَه، قُوِّمَ عليه نَصيبُ مَن لم يُعْتِقْ، لأنَّ المُعْسِرَ لا يَسْرِي عِتْقُه، فيكونُ الضَّمانُ على المُعْسِرِ خاصَّةً، فإن كان أحَدُهما مُوسرًا ببَعْضِ ما يَخُصُّه، قُوِّمَ عليه ذلك القَدْرُ، وباقِيه على الآخَرِ، مثلَ أنَّ يَجِدَ صاحِبُ السُّدْسِ قِيمَةَ نِصْفِ السُّدْسِ، فيُقَوَّمُ عليه، ويُقَوَّمُ الرُّبْعُ على صاحِبِ النِّصْفِ، ويَصِيرُ وَلاؤُه بينَهم أرْباعًا؛ لصاحِبِ السُّدْسِ رُبْعُه، وباقِيه
стр. 9137
وَإِذَا أَعْتَقَ الْكَافِرُ نَصِيبَهُ مِنْ مُسْلِمٍ وَهُوَ مُوسِرٌ، سَرَى إِلى بَاقِيهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
ــ
لمُعْتِقِ النِّصْفِ؛ لأنَّه لو كان أحَدُهما مُعْسِرًا قُوِّمَ الجميعُ على الآخَرِ، فإذا كان مُوسِرًا ببَعْضِه قُوِّمَ الباقِي على صاحِبِ النِّصْفِ؛ لأنَّه مُوسِرٌ، وفيه اخْتلافٌ ذَكَرْناه مِن قَبْلُ.
٢٩٢٥ - مسألة: (وإذا أعْتَقَ الكافِرُ نَصيبَه مِن مسلمٍ وهو موسِرٌ، سَرَى إلى باقِيه، في أحَدِ الوَجْهَين) ذَكَرَه القاضي. وهو قولُ الشافعيِّ، لأنَّه تَقْويمُ مُتْلَفٍ، فاسْتَوَى فيه المُسْلِمُ والكافِرُ، كتَقْويمِ المُتْلَفاتِ. والوَجْهُ الثاني، لا يَسْرِي. ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّ فيه تَقْدِيرَ المِلْكِ، والكافِرُ لا يَجُوزُ أن يَتَمَلَّكَ المُسْلِمَ. والأوَّلُ أصَحُّ، إن شاء اللهُ تعالى.
стр. 9138
وَإِذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَينِ أَنَّ شَرِيكَهُ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْهُ، وَهُمَا مُوسِرَانِ، فَقَدْ صَارَ الْعَبْدُ حُرًّا لِاعْتِرَافِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحُرِّيَّتِهِ، وَصَارَ مُدَّعِيًا عَلَى شَرِيكِهِ قِيمَةَ حَقِّهِ مِنْهُ. وَلَا وَلَاءَ عَلَيهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
ــ
٢٩٢٦ - مسألة: (وإنِ ادَّعَى كلُّ واحِدٍ مِن الشَّريكَين أنَّ شَريكَه أعْتَقَ نَصيبَه وهما موسِران، فقد صار العَبْدُ حرًّا باعْتِرافِ كلِّ واحِدٍ منهما لحرِّيَّتِه (١)، وصار مُدَّعيًا على شَرِيكِه قِيمَةَ حَقِّه منه. ولا وَلاءَ عليه لواحِدٍ منهما) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الشَّرِيكَين المُوسِرَين إذا ادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّ شَريكَه أعْتَقَ نَصيبَه، فكلُّ واحِدٍ منهما مُعْتَرِفٌ بحرِّيَّةِ نَصيبِه، شاهِدٌ
стр. 9139
وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَينِ لَمْ يَعْتِقْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
ــ
على شَريكِه بحُرِّيَّةِ نِصْفِه الآخَرِ؛ لأنَّه يقولُ لشَريكِه: أعْتَقْتَ نَصِيبَك، فسَرَى العِتْقُ إلى نصِيبي، فعَتَقَ كُلُّه عليك، ولَزِمَك لي قِيمَةُ نَصِيبي. فصارَ العَبْدُ حُرًّا؛ لاعْتِرافِهما بحُرِّيَّتِه، وبَقِيَ كلُّ واحِدٍ منهما يَدَّعِي قِيمَةَ حِصَّتِه على شَريكِه، فإن كانت لأحَدِهما بَيِّنَةٌ حُكِمَ له بها، وإن لم تَكُنْ بَيَنةٌ حَلَف كلُّ واحِدٍ منهما لصاحِبِه وبَرئا. فإن نَكَل أحَدُهما قُضِيَ عليه، وإن نَكَلا جَميعًا تَساقَطَ حَقّاهما؛ لتَماثُلِهما. ولا وَلاءَ عليه لواحِدٍ منهما؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه. ولا فَرْقَ في هذه الحالِ بينَ العَدْلَين والفاسِقَين، والمُسْلِمَين والكافِرَين؛ لتَساوي العَدْلِ والفاسِقِ، والمُسْلِمِ والكافِرِ، في الاعْتِرافِ والدَّعْوَى. فإنِ اعْتَرَفَ أحَدُهما به بعدَ ذلك ثبَت له؛ لأنَّه لا مُسْتَحِقَّ له سِواه، وإنَّما لم يَثْبُتْ له لإِنْكارِه له، فإذا اعْتَرَف به زال الإِنْكارُ، فثَبَتَ له، ولَزِمَتْه قِيمَةُ نَصيبِ صاحِبِه (١) لاعْتِرافِه بها.
٢٩٢٧ - مسألة: (وإن كانا مُعْسِرَين لم يَعْتِقْ على واحِدٍ منهما) لأنَّه ليس في دَعْوَى أحَدِهما على صاحِبِه أنَّه أعْتَقَ نَصيبَه اعْتِرَافٌ بحُرِّيَّةِ
стр. 9140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَصيبِه، ولا ادِّعاءُ اسْتِحْقاقِ قِيمَتِها على المُعْتِقِ، لكَوْنِ (١) عِتْقِ المُعْسِرِ لا يَسْرِي إلى غيرِه، فلم يَكُنْ في دَعْواه أكْثَرُ مِن أنَّه شاهِدٌ على صاحِبِه بإعْتاقِ نَصيبه، فإن كانا فاسِقَين فلا أثَرَ لكَلامِهما في الحالِ، ولا عِبْرَةَ بقَوْلِهما؛ لأَنَّ غيرَ العَدْلِ لا تُقْبَلُ شهادَتُه، وإن كانا عَدْلَين فشَهادَتُهما مَقْبولَةٌ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما لا يَجُرُّ إلى نفسِه بشهادَتِه نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ عنها ضَرَرًا، وقد حَصَل للعَبْدِ بحُرِّيَّةِ كلِّ نِصْفٍ منه شاهِدُ عَدْلٍ. فإن حَلَف معهما عَتَق كُلُّه، وإن حَلَف مع أحَدِهما عَتَق نِصْفُه، على الرِّوايَةِ التي تقولُ: إنَّ العِتْقَ يَثْبُتُ بشاهِدٍ ويَمينٍ. وإن لم يَحْلِفْ لم يَعْتِقْ منه شيءٌ؛ لأنَّ العِتْقَ لا يَحْصُلُ بشاهِدٍ مِن غيرِ يَمِينٍ. وإن كان أحَدُهما عَدْلًا دُونَ الآخَرِ، فله أن يَحْلِفَ مع شهادَةِ العَدْلِ، ويَصيرُ نِصْفُه حُرًّا، ويَبْقَى (٢) الآخَرُ رَقِيقًا.
فصل: ومَن قال بالاسْتِسْعاءِ فقد اعْتَرَفَ بأنَّ نصيبَه خَرَج عن يدِه، فيَخْرُجُ العبدُ كلُّه، ويُسْتَسْعَى في قيمتِه؛ لاعترافِ كلِّ واحدٍ منهما بذلك في نصيبِه.
стр. 9141
وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ، عَتَقَ حِينَئِذٍ وَلَمْ يَسْرِ إِلَى نَصِيبِهِ. وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: يَعْتِقُ جَمِيعُهُ.
ــ
٢٩٢٨ - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى أحَدُهما نَصِيبَ صاحِبِه عَتَق) عليه (ولم يَسْرِ إلي) النِّصْفِ الذي كان له؛ لأنَّ عِتْقَه حَصَل باعْتِرافِه بحُرِّتَّيِه بإعْتاقِ شَرِيكِه، ولا يَثْبُتُ له عليه وَلاءٌ، لأنَّه لا يَدَّعِي إعْتاقَهُ، بل يَعْتَرِفُ بأنَّ المُعْتِقَ غيرُه، وإنَّما هو مُخَلِّصٌ له مِمَّن يَسْتَرِقُّه ظُلْمًا، فهو كمُخَلِّصِ الأسِيرِ مِن أيدِي الكُفّارِ (وقال أبو الخَطَّاب) يَسْرِي؛ لأنَّه شِراءٌ حَصَل به الإِعْتاقُ، فأشْبَهَ شِراءَ بعضِ وَلَدِه. فإن أكْذَبَ نَفْسَه في شَهادَتِه على شَرِيكِه ليَسْتَرِقَّ ما اشْتَراه منه، لم يُقْبَلْ قَوْلُه (١)؛ لأنَّه رُجُوعٌ عن الإِقْرارِ بالحُرِّيَّةِ، فلم يُقْبَلْ، كما لو أقَرَّ بحُرِّيَّةِ عَبْدِه ثم أكْذَب نَفْسَه. وهل يَثْبُتُ له الوَلاءُ عليه إن أعْتَقَهُ؟ فيه احْتِمالان؛ أحَدُهما، لا يَثْبُتُ؛ لِما ذَكَرْناه. والثانِي، يَثْبُتُ؛ لأنّا نَعْلَمُ أنَّ على العَبْدِ وَلاءً، ولا يَدَّعِيه أحَدٌ سِواه، ولا يُنازِعُه فيه، فوجَبَ أن يُقْبَلَ قَوْلُه فيه. وإنِ اشْتَرَى كلُّ واحِدٍ منهما نَصِيبَ صاحِبِه صار العَبْدُ كُلُّه حُرًّا، ولا وَلاءَ عليه لواحِدٍ منهما. فإن أعْتَقَ كلُّ واحِدٍ منهما ما اشْتَرَاه، ثم أكْذَبَ نَفْسَه
стр. 9142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في شَهادَتِه، فهل يَثْبُتُ له وَلاءُ ما أعْتَقَه؟ على وَجْهَين. وإن أقَرَّ كلُّ واحِدٍ منهما بأنَّه كان أعْتَقَ نَصِيبَه، وصَدَّقَ الآخَرَ في شَهادَتِه، بَطَل البَيعان، وثَبَت لكُلِّ واحِدٍ منهما الوَلاءُ على نِصْفِه؛ لأنَّ أحدًا لا يُنازِعُه فيه، وكلُّ واحِدٍ منهما يُصَدِّقُ الآخَرَ في اسْتِحْقاقِ الوَلاءِ. [ويَحْتَمِلُ أن يَثْبُتَ الولاءُ لهما] (١) وإن لم يُكَذِّبْ واحِدٌ منهما نَفْسَه؛ لأنّا نَعْلَمُ أنَّ الوَلاءَ عليه ثابتٌ لهما ولا يَخْرُجُ عنهما، وأنَّه بينَهما، إمّا بالعِتْقِ الأوَّلِ، وإمّا بالثانِي؛ لأَنَّهما إن كانا صادِقَين في شَهادَتِهما، فقد ثَبَت الوَلاءُ لكُلِّ واحِدٍ منهما على النِّصْفِ الذي أعْتَقَهُ أوَّلًا، وإن كانا كاذِبَين، فقد أعْتَقَ كلُّ واحِدٍ منهما نِصْفَه بعدَ أنِ اشْتراه، وإن كان أحَدُهما صادِقًا والآخَرُ كاذِبًا، فلا وَلاءَ للصّادِقِ منهما؛ لأنَّه لم يُعْتِقِ النِّصْفَ الذي كان له أولًا (٢)، ولا صَحَّ عِتْقُه في الذي اشْتَراه؛ لأنَّه كان حُرًّا قبلَ شِرائِه، والوَلاءُ كُلُّه للكاذِبِ؛ لأنَّه أعْتَقَ النِّصْفَ الذي كان له ثم اشْتَرَى النِّصْفَ الذي لشَرِيكِه، وكلُّ واحِدٍ منهما يُساوي صاحِبَه في الاحْتِمالِ، فيُقْسَمُ بينَهما.
стр. 9143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وكلُّ مَن شَهِد على سَيِّدِ عَبْدٍ بعِتْقِ عَبْدِه ثم اشْتراه، عَتَق عليه. وإن شَهِد اثْنان عليه بذلك فرُدَّتْ شَهادَتُهما، ثم اشْتَرَياه أو أحَدُهما، عَتَق. وبهذا قال مالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرٍ. وهو قياسُ قولِ أبي حنيفةَ. ولا يَثْبُتُ للمُشْتَرِي وَلاءٌ على العَبْدِ؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه، ولا للبائِعِ؛ لأنَّه يُنْكِرُ عِتْقَه. ولو كان العَبْدُ بينَ شَريكَين، فادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّ شَرِيكَه أعْتَقَ حَقَّه منه، وكانا موسِرَين، فعَتَقَ عليهما، أو كانا مُعْسِرَين عَدْلَين، فحَلَفَ العَبْدُ مع كلِّ واحِدٍ منهما، [وعَتَق، أو شَهِد مع كلِّ واحدٍ منهما عَدْلٌ آخَرُ] (١) وعَتَق العَبْدُ، أو ادَّعَى عَبْدٌ أنَّ سَيِّدَه أعْتَقَه؛ فأنْكَرَ وقامَتِ البَيِّنَةُ بعِتْقِه، عَتَق. ولا وَلاءَ على العَبْدِ في هذه المواضِعِ كُلِّها؛ لأنَّ أحَدًا لا يَدَّعِيه، ولا يَثْبُتُ لأحَدٍ حقٌّ (٢) يُنْكِرُه، فإن عاد مَن [يُثْبتُ له عَتاقَه] (٣) فاعْتَرَفَ به، ثَبَت له الوَلاءُ؛ لأنَّه لا مُسْتَحِقَّ له سِواه، وإنَّما لم (٤) يَثْبُتْ له لإِنْكارِه له، فإذا اعْتَرَفَ زال الإنْكارُ وثَبَت له. وأمّا الموسِران إذا عَتَق عليهما، فإن صَدَّقَ أحَدُهما صاحِبَه. في أنَّه أعْتَقَ نَصيبَه وَحْدَه، أو أنَّه سَبَق بالعِتْقِ، فالوَلاء له، وعليه غَرامَةُ نَصِيبِ الآخَرِ. وإنِ اتَّفَقا على أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما أعْتَقَ نَصِيبَه دَفْعَةً واحِدَةً
стр. 9144
وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا، عَتَقَ نَصِيبُ الْمُعْسِرِ وَحْدَهُ.
ــ
فالوَلاءُ بينَهما. وإنِ ادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه المُعْتِقُ وَحْدَه، أو أنَّه السّابِقُ، فأنْكَرَ الآخَرُ، تَحَالفا، والوَلاءُ بينَهما نِصْفَين.
٢٩٢٩ - مسألة: (وإن كان أحَدُهما مُوسِرًا والآخَرُ مُعْسِرًا، عَتَق نَصِيبُ المُعْسِرِ وَحْدَه) لاعْتِرافِه بأنَّ نَصِيبَه قد صار حُرًّا بإعْتاقِ شَريكِه المُوسِرِ الذي يَسْرِي عِتْقُه، ولم يَعْتِقْ نَصِيبُ المُوسِرِ؛ لأنَّه يَدّعِي أنَّ المُعْسِرَ الذي لا يَسْرِي عِتْقُه أعْتَقَ نَصِيبَه، فعَتَقَ وَحْدَه. ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ المُعْسِرِ عليه؛ لأنَّه يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا، لكَوْنِه يوجِبُ (١) عليه بِشَهادَتِه قِيمَةَ حصَّتِه. فعلى هذا، إن لم تَكُنْ للعَبْدِ بَيِّنَةٌ سِواه، حَلَف المُوسِرُ وبَرِئَ مِن القِيمَةِ والعِتْقِ جَميعًا، ولا وَلاءَ للمُعْسِرِ في نَصيبِه؛ لأنَّه لا يدَّعِيه، ولا للمُوسِرِ أيضًا؛ لذلك. فإن عاد المُعْسِرُ فأعْتَقَه وادَّعاه، ثَبَت له. وإن أقَرَّ المُوسِرُ بإعْتاقِ نَصِيبِه، وصَدَّقَ المُعْسِرُ، عَتَق نَصيبُه أيضًا، وعليه غرَامَةُ نَصِيبِ المُعْسِرِ، ويَثْبُتُ له الوَلاءُ. وإن كان للعَبْدِ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بإعْتاقِ المُوسِرِ، وكانت عَدْلَين، ثَبَت العِتْقُ، ووَجَبَتِ القِيمَةُ للمُعْسِرِ عليه. وإن كانت عَدْلًا واحِدًا، وحَلَف العَبْدُ معه، ثَبَت العِتْقُ في إحْدَى الرِّوايَتَين. والأُخْرَى، لا يَثْبُتُ العِتْقُ، وللمُعْسِرِ أن يَحْلِفَ معه، ويَسْتَحِقُّ قِيمَةَ نَصِيبِه، سَواءٌ حَلَف العَبْدُ أو لم يَحْلِفْ؛ لأنَّ الذي يَدَّعِيه
стр. 9145
وَإِذَا قَال أَحَدُ الشَّرِيكَينِ: إِذَا أعْتَقْتَ نَصِيبَكَ فَنَصِيبِي حُرٌّ. فَأَعْتَقَ الْأَوَّلُ وَهُوَ مُوسِرٌ، عَتَقَ كُلُّهُ عَلَيهِ.
ــ
مالٌ يُقْبَلُ فيه شاهِدٌ ويَمِينٌ.
فصل: فإنِ ادَّعَى أحَدُ الشَّرِيكَين أنَّ شَرِيكَه أعْتَقَ نَصيبَه، وأنْكَرَ الآخَرُ، وكان المُدَّعَى عليه مُوسِرًا، عَتَق نَصيبُ المُدَّعِي وَحْدَه؛ لاعْترافِه بحُرِّيَّتِه بسِرايَةِ عِتْقِ شَرِيكِه، وصار مُدَّعِيًا نِصْفَ القِيمَةِ على شريكِه، ولا يَسْرِي؛ لأنَّه لا يَعْتَرِفُ أنَّه المُعْتِقُ له، إنَّما عَتَق باعْتِرافِه بحُرِّيَّتِه، لا بإعْتاقِه له، ولا وَلاءَ عليه؛ لإِنْكارِه له. قال القاضي: ووَلاؤُه مَوْقُوفٌ. وإن كان المُدَّعِي عَدْلًا لم تُقْبَلْ شَهادَتُه؛ لأنَّه يدَّعِي نِصفَ قِيمَتِه على شَرِيكِه، فيَجُرُّ بشَهادَتِه إليه نَفْعًا، ومَن شَهِد بشَهادَةٍ يَجُرُّ بها إليه نَفْعًا، بَطَلَتْ كُلُّها. وأمّا إن كان المُدَّعَى عليه مُعْسِرًا، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه، ولا يَعْتِقُ منه شيءٌ. فإن كان المُدَّعِي عَدْلًا، حَلَف العَبْدُ مع شَهادَتِه، وصار نِصْفُه حُرًّا. وقال حَمّادٌ: إن كان المَشْهُودُ عليه مُوسِرًا سَعَى له، وإن كان مُعْسِرًا سَعَى لهما. وقال أبو حنيفةَ: إن كان مُعْسِرًا اسْتُسْعِيَ العَبْدُ، ووَلاؤُه بَينَهما، وإن كان مُوسِرًا فوَلاءُ نِصْفِه مَوْقوفٌ، فإنِ اعْتَرَفَ أنَّه أعْتَقَ اسْتَحَقَّ الوَلاءَ، وإلَّا كان الوَلاءُ لبَيتِ المالِ.
٢٩٣٠ - مسألة: (وإذا قال أحَدُ الشَّرِيكَين: إذا أعْتَقْتَ نَصيبَك فنَصِيبِي حُرٌّ. فأعْتَقَ الأوَّلُ وهو مُوسِرٌ، عَتَق كلُّه عليه) هذا اخْتِيارُ
стр. 9146
وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَتَقَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبُهُ.
ــ
الأصحابِ، أنَّه يَعْتِقُ على الأوَّلِ، ويُقَوَّمُ عليه نَصيبُ الشَّرِيكِ إن كان مُوسِرًا، ولا يَقَعُ إعْتاقُ شَريكِه؛ لأنَّ السِّرايَةَ سَبَقَتْ، فمَنَعَتْ عِتْقَ الشَّرِيكِ. قال شيخُنا (١): ويَحْتَمِلُ أن يَعْتِقَ عليهما جَميعًا؛ لأنَّ عِتْقَ نَصيبِه سَبَبٌ للسِّرايَةِ وشَرْطٌ لعِتْقِ نَصيبِ الشَّرِيكِ، فلم يَسْبِقْ أحَدُهما الآخَرَ لوُجُودِهما في حالٍ واحِدَةٍ. وقد يُرَجَّحُ وُقُوعُ عِتْقِ الشَّرِيكِ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ منه في مِلْكِه، والسِّرايَةُ تَقَعُ في غَيرِ مِلْكٍ على خِلافِ الأصْلِ، فكان نُفُوذُ عِتْقِ الشَّرِيكِ أوْلَى. ولأنَّ سِرايَةَ العِتقِ على خِلافِ الأصْلِ؛ لكَوْنِها إتْلافًا لمِلْكِ المَعْصُومِ بغيرِ رِضاه، وإلْزامًا للمُعْتِقِ غَرامَةً لم يَلْتَزِمْها بغيرِ اختيارِه، وإنَّما ثَبَت لمَصْلَحَةِ تَكْمِيلِ العِتْقِ، فإذا حَصَلَتْ هذه المَصْلَحَةُ بإعْتاقِ المالِكِ (٢)، كان أوْلَى.
٢٩٣١ - مسألة: (وإن كان مُعْسِرًا) لم يَعتِقْ عليه إلَّا نَصِيبُه؛ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ عِتْقَ المُعْسِرِ لا يَسْرِي إلى نصِيبِ شَرِيكِه، ويَعْتِقُ نَصيبُ شَريكِه بالشَّرْطِ.
стр. 9147
وَإِنْ قَال: إِذَا أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ فَنَصِيبِي حُرٌّ مَعَ نَصِيبِكَ. فَأَعْتَقَ نَصِيبَهُ، عَتَقَ عَلَيهِمَا مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا.
ــ
٢٩٣٢ - مسألة: (وإن قال: إذا أعْتَقْتَ نَصيبَكَ فنَصِيبي حُرٌّ مع نَصيبِكَ. فأعْتَقَ نَصيبَه، عَتَق عليهما، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا) ولم يَلْزَمِ المُعْتِقَ شيءٌ؛ لأنَّ العِتْقَ وُجِد منهما معًا، فهو كما لو وكَّلا رجلًا في إعْتاقِه عنهما [فأعْتَقَه بلفظٍ واحدٍ] (١). وقِيلَ: يَعْتِقُ كلُّه على المُعْتِقِ؛ لأنَّ إعْتاقَ نَصيبِه شَرْطُ عِتْقِ نَصيبِ شَرِيكِه، فيَلْزَمُ أن يكونَ سابِقًا عليه. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه أمْكَنَ العَمَلُ بمُقْتَضَى شَرْطِه، فوَجَبَ العَمَلُ به؛ لِما ذَكَرْناه.
فصل: فإن قال: إذا أعْتَقْتَ نَصيبَك فنَصِيبي حُرٌّ قبلَ إعْتاقِك. وَقَعا معًا إذا أعْتَقَ نَصِيبَه. هذا مُقْتَضَى قولِ أبي بكرٍ، والقاضي. ومُقْتَضَى قَوْلِ ابنِ عَقِيلٍ، أن يَعْتِقَ كلّه على المُعْتِقِ، ولا يَقَعَ إعْتاقُ شَرِيكِه؛ لأنَّه إعْتاقٌ في زَمَنٍ ماضٍ. ومُقْتَضَى قولِ ابنِ سُرَيجٍ (٢) ومَن وَافَقَه، مِمَّن قال بسِرايَةِ العِتْقِ، أن لا يَصِحَّ إعْتاقُه؛ لأنَّه يَلْزَمُ مِن عِتْقِه (٣) نصِيبَه تَقَدُّمُ
стр. 9148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عِتْقِ الشَّرِيكِ وسِرَايَتُه، فيَمْتَنِعُ إعْتاقُ نَصِيبِ هذا، ويَمْتَنِعُ عِتْق نَصِيبِ الشَّرِيكِ، ويُفْضِي إلى الدَّوْرِ، فيَمْتَنِعُ الجَمِيعُ. وسَنَذْكُرُ ذلك في الطَّلاقِ، إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: إذا كان لرجلٍ نِصْفُ عَبْدَين مُتَساويَين في القِيمَةِ، لا يَمْلِكُ غيرَهما، فأعْتَقَ أحَدَهما في صِحَّتِه، عَتَق، وسَرَى إلى نَصيبِ شَرِيكِه؛ لأنَّه مُوسِرٌ بالنِّصْفِ الذي له مِن العَبْدِ الآخَرِ، فإن أعْتَقَ النِّصفَ الآخَرَ، عَتَقَ؛ لأنَّ وُجُوبَ القِيمَةِ في ذِمَّتِه لا يَمْنَعُ صِحَّةَ عِتْقِه، ولم يَسْرِ؛ لأنَّه مُعْسِرٌ. وإن أعْتَقَ الأوَّلَ في مَرَضِ مَوْتِه، لم يَسْرِ؛ لأنَّه إنَّما يَنْفُذُ عِتْقُه في ثُلُثِ مالِه، وثُلُثُ مالِه هو الثُّلُثُ مِن العَبْدِ الذي أعْتَقَ نِصْفَه، وإذا أعْتَقَ الثانِيَ وَقَف على إجازَةِ الوَرَثَةِ. فإن أعْتَقَ الأوَّلَ في صِحَّتِه وأعْتَقَ الثانِيَ في مَرَضِه، لم يَنْفُذْ عِتْقُ الثاني؛ لأنَّ عليه دَينًا يَسْتَغْرِق قِيمَتَه، فيَمْنَعُ صِحَّةَ عِتْقِه، إلَّا أن يُجِيزَ الوَرَثَة.
فصل: إذا شَهِد شاهِدان على رجلٍ أنَّه أعْتَقَ شِرْكًا له في عَبْدٍ فسَرَى إلى نَصِيبِ الشَّرِيكِ، وغَرِم له قِيمَةَ نَصِيبِه، ثم رَجَعا عن الشَّهادَةِ، غَرِ ما قِيمَةَ العَبْدِ جَمِيعِه. وقال بعضُ أصْحاب الشافعيِّ: تَلْزَمُهما غَرامَةُ نَصِيبِه، دُونَ نَصِيبِ شَرِيكِه؛ لأنَّهما لم يَشْهَدا إلَّا بعِتْقِ نَصِيبِه، فلم تَلْزَمْهما غَرَامَةُ
стр. 9149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما سِواه. ولَنا، أنَّهما فَوَّتا عليه نَصِيبَه وقِيمَةَ نَصِيبِ شَرِيكِه، فلَزِمَهما ضَمانُه، كما لو فَوَّتَاه بفِعْلِهما، وكما لو شَهِدا عليه بجُرْحٍ ثم سَرَى الجُرْحُ وماتَ المَجْرُوحُ فضَمِنَ الدِّيَةَ ثم رَجَعا عن شَهادَتِهما.
فصل: وإن شَهِد شاهِدان على مَيِّتٍ بعِتْقِ عَبْدٍ (١) في مَرَضِ مَوْتِه، وهو ثُلُثُ مالِه، فحكَمَ الحاكِمُ بشَهادَتِهما، وعَتَق العَبْدُ، ثم شَهِد آخَران بعِتْقِ آخَرَ، وهو ثُلُثُ مالِه، ثم رَجَع الأوَّلان عن الشَّهادَةِ، نَظَرْنا في تاريخِ شَهادَتِهما؛ فإن كانت سابِقَةً ولم يُكَذِّبِ الوَرَثَة رُجُوعَهما، عَتَق الأوَّلُ، ولم يُقْبَلْ رُجُوعُهما، ولم يَغْرَما شيئًا. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَهما شِراءُ الثاني وإعْتاقُه؛ لأنَّهما مَنَعا عِتْقَه بشَهادَتِهما المَرْجُوعِ عنها. وإن صَدَّقوهما في رُجُوعِهما وكَذَّبُوهما في شَهادَتِهما، عَتَق الثاني، ورَجَعُوا عليهما بقِيمَةِ الأوَّلِ؛ لأنَّهما فَوَّتا رِقَّه عليهمْ بشَهادَتِهما المَرْجُوعِ عنها، وإن كان تاريخُها (٢) مُتَأخِّرًا عن الشَّهادَةِ الأُخْرَى بَطَل (٣) عِتْقُ المَحْكُومِ بعِتْقِه؛
стр. 9150
فَصْلٌ: وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ؛ كَدُخُولِ الدَّارِ، وَمَجِئِ الْأَمْطَارِ. وَلَا يَمْلِكُ إِبْطَالهَا بِالْقَوْلِ. وَلَهُ بَيعُهْ وَهِبَتُهُ وَوَقْفُهُ، وَغَيرُ ذَلِكَ، فَإِنْ عَادَ إِلَيهِ عَادَتِ الصِّفَةُ.
ــ
لأنَّنا تَبَيَّنّا أنَّ المَيِّتَ قد أعْتَقَ ثُلُثَ مالِه قبْلَ إعْتاقِه، ولم يَغْرَمِ الشّاهِدان شيئًا؛ لأنَّهما ما فَوَّتا شَيئًا، وإن كانَتا مُطْلَقَتَين أو إحْداهما، أو أتَّفَقَ تَارِيخُهما، أُقْرِعَ بَينَهما، فإن خَرَجَتْ على الثاني عَتَق، وبَطَل عِتْقُ الأوَّلِ، ولا شيءَ على الشّاهِدَين؛ لأنَّ الأوَّلَ باقٍ على الرِّقِّ، وإن خَرَجَتْ قُرْعَةُ الأوَّلِ عَتَق، ونَظَرْنا في الوَرَثَةِ، فإذا كَذَّبُوا الشّاهِدَين الأوَّلَين في شَهادَتِهما عَتَق الثاني، ورَجَعُوا على الشّاهِدَين بقِيمَةِ الأوَّلِ؛ لأنَّهما فَوَّتا رِقَّه بغيرِ حَقٍّ. وإن كَذَّبُوهما في رُجُوعِهما لم يَرْجِعُوا عليهما بشيءٍ؛ لأنَّهم يُقِرُّون بعِتْقِ المَحْكُومِ بعِتْقِه.
فصل: قال الشيخُ، ﵁: (ويَصِحُّ تَعْلِيقُ العِتْقِ بالصِّفاتِ؛ كدُخُولِ الدّارِ، ومَجِئِ الأمْطارِ) لأنَّه عِتْق بصِفةٍ، فصَحَّ، كالتَّدْبِيرِ،
стр. 9151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإذا عَلَّقَ عِتْقَه على مَجئِ وَقْتٍ، كقَوْلِه: أنت حُرٌّ في رأْسِ الحَوْلِ. لم يَعْتِقْ حتى يأْتِيَ (١) رَأْسُ الحَوْلِ (وله بَيعُه، وهِبَتُه) وإجارَتُه، وَوَطءُ الأمَةِ، كالتَّدْبِيرِ. وبه قال الأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ. قال أحمدُ: إذا قال لغُلامِه: أنت حُرٌّ إلى أن يَقْدَمَ فُلانٌ، ومَجئِ (١) فُلانٍ. واحِدٌ (٢)، و: إلى رَأْسِ السَّنَةِ، وإلى رَأْسِ الشَّهْرِ. إنَّما يُرِيدُ إذا جاء رَأْسُ السَّنَةِ، أو جاء رأْسُ الهِلالِ. وإذا قال: أنتِ طالِقٌ إذا جاء الهِلالُ. إنَّما تَطْلُقُ (٣) إذا جاء رأْسُ الهِلالِ. وقال إسحاقُ كما قال أحمدُ. وحُكِيَ عن مالكٍ أنَّه قال: إذا قال لعَبْدِه: أنت حُرٌّ في رَأْسِ الحَوْلِ. عَتَق في الحالِ. والذي حكاه ابنُ المُنْذِرِ عنه، أنَّها إذا كانت جَارِيَةً لم يَطَأْها؛ لأنَّه لا يَمْلِكُها مِلْكًا تَامًّا، ولا يَهَبُها، ولا يَبِيعُها، وإن مات السَّيِّدُ قبلَ الوَقْتِ كانت حُرَّةً عندَ الوَقْتِ مِن رَأْسِ المالِ. وقد رُوِيَ عن أحمدَ أنَّه لا يَطَؤُها؛ لأنَّ مِلْكَه غيرُ تامٍّ عليها. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِما رُوِيَ عن أبي ذَرٍّ، أنَّه قال لعَبْدِه: أنت عَتِيقٌ إلى رَأْسِ الحَوْلِ (٤). فلَوْلَا أنَّ العِتْقَ يَتَعَلَّقُ
стр. 9152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالحَوْلِ لم يُعَلِّقْه عليه، ولأنَّه عَلَّقَ العِتْقَ بصِفَةٍ، فوَجَبَ أن يَتَعَلَّقَ بها، كما لو قال: إذا أدَّيتَ إليَّ ألفًا فأنْتَ حُرٌّ. واسْتِحْقاقُه للعِتْقِ لا يَمْنَعُ إباحَةَ الوَطْءِ، كالاسْتِيلادِ. فأمّا المُكاتَبَةُ، فإنَّما لم يُبَحْ وَطْؤُها؛ لأنَّها اشْتَرَتْ نَفْسَها مِن سَيِّدِها بعِوَضٍ، وزال مِلْكُه عن اكْتسابِها، بخِلافِ مَسْألتِنا. ومتى جاء الوَقْتُ وهو في مِلْكِه عَتَق بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه. فإن خَرَج عن مِلْكِه بِبَيعٍ أو مِيراثٍ، لم يَعْتِقْ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ. وقال النَّخَعِيُّ، وابنُ أبي لَيلَى: إذا قال لعَبْدِه: إن فَعَلْتَ كذا فأنْتَ حُرٌّ. فباعَه بَيعًا صحِيحًا، ثم فَعَل ذلك، عَتَق وانْتَقَضَ البَيعُ. قال ابنُ أبي لَيلَى: إذا حَلَف بالطَّلاقِ لا كَلَّمْتُ فُلانًا، ثم طَلَّقَها طَلاقًا بائنًا، ثم كَلَّمَه، حَنِث. وعامَّةُ أهلِ العلمِ على خِلافِ [هذا القولِ؛ لأن النبيَّ ﷺ قال] (١): «لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ وَلَا بَيعَ فِيما لَا يَمْلِكُ ابنُ آدَمَ» (٢). ولأنَّه لا مِلْكَ له، فلم يَقَعْ طَلاقُه وعَتاقُه، كما لو لم يكُنْ له مالٌ مُتَقَدِّمٌ.
стр. 9153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإذا قال لعَبْدِه: إن لم أضْرِبْك عَشَرَةَ أسْواطٍ فأنت حُرٌّ. ولم يَنْو وَقْتًا بعَينِه، لم يَعْتِقْ حتى يموت، وإن باعَه قبلَ ذلك صَحَّ بَيعُه، ولم يُفْسَخْ، في قولِ أكْثرِ أهلِ العِلْمِ. وقال مالكٌ: ليس له بَيعُهُ، فإن باعَهُ فُسِخ البَيعُ. ولَنا، أنَّه باعَه قبلَ وُجُودِ الشَّرْطِ، فلم يُفسَخْ، كما لو قال: إن دَخَلْتَ الدّارَ فأنت حُرٌّ. وباعَه قبلَ دُخولِها.
٢٩٣٣ - مسألة: وإذا عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِه بشَرْطٍ، كقَوْلِه: إن أدَّيتَ إليَّ ألْفًا فأنت حرٌّ. أو: إن دَخَلْتَ الدّارَ فأنت حُرٌّ. فهي صِفَةٌ لازِمَةٌ، ألْزَمَها نَفْسَه (ولا يَمْلِكُ إبْطالها بالقَوْلِ) قِياسًا على النَّذْرِ، ولذلك إنِ اتَّفَقَ السَّيِّدُ والعَبْدُ على إبْطالِها لم تَبْطُلُ؛ لذلك. ولو أبْرَأَهُ السَّيِّدُ مِن الألْفِ لم يَعْتِقْ بذلك، ولم يَبْطُلَ التَّعْلِيقُ؛ لأنَّه لا حَقَّ له في ذِمَّتِه يُبْرِئه منه.
فصل: ولا يَعْتِقُ قبلَ وُجُودِ الصِّفَةِ بكَمالِها، [كالجُعْلِ في الجَعالةِ] (١)، فلو قال لعَبْدِه: إذا أدَّيتَ إليَّ ألْفًا فأنت حُرٌّ. لم يَعْتِقْ حتى يُؤَدِّيَ الألْفَ جَميعَها. وذَكَرَ القاضي أنَّ مِن أصْلِنا أنَّ العِتْقَ المُعَلَّقَ بصِفَةٍ يوجَدُ بوُجُودِ بَعْضِها، كما لو قال: أنت حُرٌّ إن أكَلْتَ رَغيفًا. فأكَلَ نِصْفَه. ولا يَصِحُّ ذلك لوُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّ أداءَ الألفِ شَرْطُ العِتْقِ، وشُرُوطُ الأحْكامِ يُعْتَبَرُ وُجُودُها بكمالِها لثُبُوتِ الأحْكامِ، وتَنْتَفِي بانْتِفائِها، كسائِرِ شرُوطِ الأحْكامِ. الثاني، أنَّه إذا عَلَّقَه عَلى
стр. 9154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَصْفٍ ذِي عَدَدٍ، فالعَدَدُ وَصْفٌ في الشَّرْطِ، ومَن عَلَّقَ الحُكْمَ علِى شرطٍ ذي وَصْفٍ، لم يَثْبُتْ ما لم تُوجَدِ الصِّفَةُ، كقَوْلِه لعَبْدِه: إن خرَجْتَ عارِيًا فأنت حُرٌّ. فخَرَجَ لابِسًا، لم يَعْتِقْ، فكذلك العَدَدُ. الثّالِثُ، أنَّه متى كان في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ على الكُلّ، لم يَحْنَثْ بفِعْلِ البَعْضِ، كما لو حَلَف: لا صَلَّيتُ صلاةً. أو: لا صُمْتُ صِيامًا. لم يَحْنَثْ حتىِ يَفرَغَ ممّا يُسَمَّى صلاةً ويَصُومَ يومًا. ولو قال لامْرَأتِه: إن حِضْتِ حَيضَةً فأنتِ طالِقٌ. لم تَطْلُقْ حتى تَطْهُرَ مِن الحَيضَةِ. وذِكْرُ الألْفِ ههُنا يَدُلُّ على أنَّه أرادَ ألْفًا كامِلَةً. الرّابعُ، أنَّ الأصْلَ الذي ذَكَرَه، فيما إذا قال: إذا أكَلْتَ رَغِيفًا فأنت حُرٌّ. أنَّه يَعْتِقُ بأكْلِ بَعْضِه، مَمْنُوعٌ. وإنَّما إذا حَلَف لا يَفْعَلُ شَيئًا، فَفَعَلَ بَعْضَه، يَحْنَثُ، في رِوايَةٍ، في مَوْضِعٍ يَحْتَمِلُ إرادَةَ البَعْضِ ويَتناوَلُه اللَّفْظُ، كَمن حَلَف لا يصَلِّي، فشَرَعَ في الصَّلاةِ، أو لا يَصُومُ، فشَرَعَ في الصَّومِ، أو لا يَشْرَبُ مَاءَ هذا الإِناءِ، فشَرِبَ بَعْضَه. ونحوَ هذا؛ لأنَّ الشّارِعَ في الصلاةِ والصيامِ قد صَلَّى وصامَ ذلك الجُزْءَ الذي شَرَع فيه، والقَدْرَ الذي شَرِبَه مِن الإِناءِ هو ماءُ الإِناءِ، وقَرِينَةُ حالِه تَقْتَضِي المَنْعَ مِن الكُلِّ، فتَقْتَضِي الامْتِناعَ مِن الكُلِّ، ومتى فَعَل البَعْضَ فما امْتَنَعَ مِن الكُلِّ، فحنِثَ؛ لذلك. ولو حَلَف على فِعْلِ شيءٍ لم يَبَرَّ إلَّا بفِعْلِ الجَمِيعِ. وفي مَسْألَتِنا، تَعْلِيقُ الحُرِّيَّةِ على أداءِ الألْفِ يَقْتَضِي وُجُودَ أدائِها، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ المُعَلَّقُ عليها دُونَ أدائِها، كمَن حَلَف ليُؤَدِّيَنَّ ألْفًا، لا يَبَرُّ حتى يؤُدِّيَها. الخامِسُ، أنَّ موضوعَ الشَّرْطِ في الكِتابِ
стр. 9155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والسُّنَّةِ وأحْكامِ الشريعَةِ، على أنَّه لا يَثْبُتُ المَشْرُوطُ بدُونِ شَرْطِه، كقولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ قَال: لَا إِلَهَ إلا اللهُ. دَخَلَ الْجَنَّةَ» (١). فَلَو قال بعضَها لم يَسْتَحِقَّ إلَّا العُقُوبَةَ. وقَوْلِه: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ» (٢). لا تكونُ له بشُرُوعِه في الإِحْياءِ. ولو قال في المُسابَقَةِ: مَن سَبَق إلى خَمْسِ إصاباتٍ فهو سابِقٌ. لم يَكُنْ سابقًا إذا سَبَق إلى أرْبَعٍ. ولو قال: مَن رَدَّ ضالَّتِي فله دِينَارٌ. لم يَسْتَحِقَّه بالشُّرُوعِ في رَدِّها. فكيف يخالِفُ موضوعاتِ الشَّرْعِ واللُّغَةِ بغيرِ دَلِيلٍ؟ وإنَّما الرِّوايَةُ التي جاءت عن أحمدَ في الأيمانِ، في مَن حَلَف أن لا يَفْعَلَ شيئًا، ففَعَلَ بَعْضَه، يَحْنَثُ؛ لأنَّ اليَمِينَ على التَّرْكِ يُقْصَدُ بها المَنْعُ، فنُزِّلَتْ مَنْزِلَةَ النَّهْي، والنَّهْيُ عن فِعْلِ شَيءٍ يَقْتَضِي المَنْعَ مِن بَعْضِه، بخِلافِ تَعْلِيقِ المَشْرُوط (٣) على الشَّرْطِ.
فصل: وما يَكْتَسِبُه العَبْدُ قبلَ وُجُودِ الشَّرْطِ فهو لسَيِّدِه، لأنَّه لم يُوجَدْ عَقْدٌ يَمْنَعُ كَوْنَ كَسْبِه لسَيِّدِه، إلَّا أنَّه إذا عَلَّقَ عِتْقَه على أداءِ مالٍ معلومٍ،
стр. 9156
إلا أَنْ تَكُونَ قَدْ وُجِدَتْ مِنْهُ فِي حَالِ زَوَالِ مِلْكِهِ، فَهَلْ تَعُودُ بِعَوْدِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
فما أخَذَه السَّيِّدُ حَسَبَه مِن المالِ، فإذا كَمَل أداءُ المالِ، عَتَق، وما فَضَل في يَدِه لسَيِّدِه؛ لأنَّه كَسْبُ عَبْدِه. وإن كان المُعَلَّق عِتْقُه أمَةً، فوَلَدَتْ، لم يَتْبَعْها وَلَدُها، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّها أمَةٌ قِنٌّ، فأشْبَهَ ما لو قال: إن دَخَلْتِ الدّارَ فأنتِ حُرَّةٌ. ولا تَجِبُ عليها قِيمَةُ نَفْسِها؛ لأنَّه عِتْقٌ مِن السَّيِّدِ، فأشْبَهَ ما لو باشَرَ العِتْقَ.
فصل: إذا عَلَّقَ عِتْقَه بصِفَةٍ، ثم باعَه، ثم اشْتَراه، ووُجِدَتِ الصِّفَةُ، عَتَق. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشافعيُّ: فيها قوْلان؛ أحَدُهما، لا يَعْتِقُ؛ لأنَّ مِلْكَه فيه مُتَأخِّرٌ عن عَقْدِ الصِّفَةِ، فلم يَقَعِ العِتْقُ فيه، كما لو عَقَد الصِّفَةَ في حالِ زوالِ مِلْكِه عنه. ولَنا، أنَّه عَلَّقَ الصِّفَةَ في مِلْكِه، وتَحَقَّقَ الشَّرْطُ في مِلْكِه، فوَجَبَ أن يَعْتِقَ، كما لو لم يَزُلْ مِلْكُه عنه. وفارَقَ ما إذا عَلَّقَها في حالِ زوالِ مِلْكِه؛ لأنَّه لو نَجَز العِتْقَ لم يَقَعْ، فإذا عَلَّقَه كان أوْلَى بعدَمِ الوُقُوعِ، بخِلافِ مسألَتِنا.
٢٩٣٤ - مسألة: (إلَّا أن تَكُونَ) الصِّفَةُ (وُجِدَتْ منه في حالِ زَوال مِلْكِه، فهل تَعُودُ بعَوْدِه؟ على رِوايَتَين) إحْداهما، لا تَعُودُ؛ لأنَّها انْحَلَّتْ بوُجُودِها، فلم تَعُدْ، كما لو انْحَلَّتْ بوجُودِها في مِلْكِه. والثانِيَةُ،
стр. 9157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَعُودُ؛ لأنَّه لم تُوجَدِ الصِّفَةُ التي يَعْتِقُ بها، فأشْبَهَ ما لو عاد إلى مِلْكِه قبلَ وُجُودِ الصِّفَةِ، ولأنَّ المِلْكَ مُقَدَّرٌ في الصِّفَةِ، فكأنَّه قال: إذا دَخَلْتَ الدّارَ وأنتَ في مِلْكِي فأنت حُرٌّ. ولم يُوجَدْ ذلك. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، في الطَّلاقِ، أنَّه يَقَعُ؛ لأنَّ التَّعْلِيقَ والشَّرْطَ وُجِدَا في مِلْكِه، فأشبَهَ ما لو لم يَتَخَلَّلْهما دُخُولٌ. ومَن نَصَر الرِّوايَةَ الأُولَى قال: إنَّ العِتْقَ مُعَلَّقٌ بشَرْطٍ لا يَقْتَضِي التَّكْرارَ، فإذا وُجِد مَرَّةً انْحَلَّتِ اليَمِينُ، وقد وُجِد الدُّخُولُ في مِلْكِ غيرِه فانْحَلَّتِ اليَمِينُ، فلم يَقَعِ العِتْقُ به بعدَ ذلك، ويفارِقُ العِتْقُ الطَّلاقَ مِن حيثُ إنَّ النِّكاحَ الثانِيَ يَنْبَنِي على النِّكاحِ الأوَّلِ، بدَلِيلِ أنَّ طَلاقَه في النِّكاحِ الأوَّلِ يُحْسَبُ عليه في النِّكاحِ الثانِي، ويَنْقُصُ به عَدَدُ طلاقِه، والمِلْكُ باليَمينِ بخِلافِه.
стр. 9158
وَتَبْطُلُ الصِّفَةُ بِمَوْتِه.
فَإِنْ قَال: إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ بَعْدَ مَوْتِي فَأَنْتَ حُرٌّ. أَوْ: أنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِشَهْرٍ. فَهَلْ يَصِحُّ ويَعْتِقُ بِذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
٢٩٣٥ - مسألة: (وتَبْطُلُ الصِّفَةُ بالمَوْتِ) لأنَّ مِلْكَه يَزُوْلُ بمَوْتِه، فتَبْطُلُ تَصَرُّفاتُه بزَوالِه، كالبَيعِ.
٢٩٣٦ - مسألة: (فإن قال: إن دَخَلْتَ الدّارَ [فأنت حُرٌّ بعدَ مَوْتِي] (١). أو: أنت حُرٌّ بعَد مَوْتِي بشَهْرٍ. فهل يَصِحُّ ويَعْتِقُ بذلك؟ على روايتين) إذا قال: إن دَخَلْتَ الدّارَ بعَد مَوْتِي فأنت حُرٌّ. لم تَنْعَقِدْ هذه الصِّفَةُ (٢)؛ لأنَّه عَلَّقَ عِتْقَه على صِفَةٍ تُوجَدُ بعدَ زَوالِ مِلْكِه، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: إن دَخَلْتَ الدّارَ بعدَ بَيعِي إيّاك فأنت حُرٌّ. ولأنَّه إعْتاقٌ له بعدَ قَرارِ مِلْكِ غيرِه عليه، فلم يَعْتِقْ به، كالمُنْجَزِ. والثانِيَةُ، يَعْتِقُ. ذَكَرَه القاضي. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه صَرَّحَ بذلك، فحُمِلَ عليه، كما
стр. 9159
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لو وَصَّى بإعْتاقِه، وكما لو وَصَّى ببيعِ سِلْعةٍ ويُتصَدَّقُ (١) بثَمَنِها، ويُفارِقُ التَّصرُّفَ بعدَ البَيعِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى جَعَل للإِنْسانِ التَّصرُّفَ بعدَ مَوْتِه في ثُلُثِه، بخِلاف ما بعدَ البَيعِ. والأوَّلُ أصَحُّ، إن شاء اللهُ تعالى. ويُفارِقُ الوَصِيَّةَ بالعِتْقِ وبَيعَ السِّلْعَةِ؛ لأنَّ المِلْكَ لا يَسْتَقِرُّ للوَرَثَةِ فيه، ولا يَمْلِكُونَ التَّصرُّفَ فيه، بخِلافِ مَسْألتِنا. وسَنَذْكُرُ ذلك بأبْسَطَ مِن هذا في التَّدْبِيرِ، إن شاء اللهُ تعالى. وعنه، يَصِحُّ؛ لأنَّه إعْتاقٌ بعدَ الموتِ، فصَحَّ، كما لو قال: أنتَ حُرٌّ بعدَ مَوْتِي. فإن قال: أنت حُرٌّ بعدَ مَوْتِي بشَهْرٍ. فقد رُوِيَ عن أحمدَ في رِوايَةِ مُهَنّا، أنَّه لا يَعْتِقُ، ولا تَصِحُّ هذه الصِّفَةُ. وقال أيضًا: سألتُ أحمدَ عن رجلٍ قال: أنتَ حُرٌّ بعدَ مَوْتِي
стр. 9160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بشهرٍ، بألْفِ دِرْهَم. فقال لي (١): هذا كُلُّه لا يكونُ شَيئًا بعدَ مَوْتِه. وهذا اخْتِيارُ أبي بكرٍ. وذَكَر القاضي، وابنُ أبي مُوسَى رِوايَةً أُخْرَى، أنَّه يَعْتِقُ إذا وُجِدَتِ الصِّفتان (٢)؛ الموتُ، ومُضِيُّ المُدَّةِ المذْكورةِ. وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ، وأبي يُوسُفَ، وإسحاقَ. ووَجْهُهما ما تقَدَّمَ. وقال أصحابُ الرَّأْي: لا يَعْتِقُ حتى يُعْتِقَه الوارِثُ. وعلى قولِ مَن قال: يَعْتِقُ. يكونُ قبلَ العِتْقِ مِلْكًا للوارِثِ، وكَسْبُه له، كأُمِّ الوَلَدِ، والمُدَبَّرِ في حياةِ السَّيِّدِ، [وإن كان أمَةً، فوَلَدتْ قبلَ وُجُودِ الصِّفَةِ] (٣)، فوَلَدُها يَتْبَعُها في التَّدْبِيرِ، ويَعْتِقُ بوُجُودِ الصِّفَةِ، كَما تَعْتِقُ هي. واللهُ سبحانه أعلمُ.
стр. 9161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إذا قال لعَبْدٍ له مُقَيَّدٍ: هو حُرٌّ إن حَلَّ قَيدَهُ. ثم قال: هو حُرٌّ إن لم يَكُنْ في قَيدِه عَشَرةُ أرْطالٍ. فشَهِدَ شاهدان عندَ الحاكِمِ أنَّ وَزْنَ قَيْدِه خَمْسَةُ أرْطالٍ، فحَكَمَ بعِتْقِه، وأمَرَ بحَلِّ قَيدِه، فوُزِنَ فوُجِدَ وَزْنُهُ عَشَرَةَ أرْطالٍ، عَتق العبدُ بحَلِّ قَيدِه، وتَبَيَّنّا أنَّه ما عَتَق بالشَّرْطِ الذي حَكَم الحاكمُ بعِتْقِه به. وهل يَلْزَمُ الشاهِدَين ضَمانُ قِيمَتِه؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَلْزَمُهما؛ لأنَّ شهادَتَهما الكاذِبَةَ سَبَبُ عِتْقِه وإتْلافِه، فضَمِناه، كالشَّهادَةِ المَرْجُوعِ عنها، ولأنَّ عِتْقَه حُكِم بحُكْمِ الحاكِمِ المَبْنِيِّ على الشَّهادَةِ الكاذِبَةِ، فأشْبَهَ الحُكْمَ بالشَّهادَةِ التي يَرْجعان عنها. وهذا قولُ أبي حنيفةَ. والثاني، لا ضَمانَ عليهما. وهو قولُ أبي يُوسُفَ، ومحمدٍ؛ لأنَّ عِتْقَه لم يَحْصُلْ بالحُكْمِ المَبْنِيِّ على شهادَتِهما، وإنَّما حَصَل بحَلِّ قَيدِه، ولم يَشْهَدا به، فوَجَبَ أن لا يضْمَنا، كما لو لم يَحْكُمِ الحاكِمُ.
стр. 9162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن قال لعَبْدِه: أنت حُرٌّ متى شِئْتَ. لم يَعْتِقْ حتى يشاءَ بالقَوْلِ، فمتى شاء عَتَق، سواءٌ كان على الفورِ (١) أو التّراخِي. وإن قال: أنت حُرٌّ إن شِئْتَ. فكذلك. ويَحْتَمِلُ أن يَقِفَ على المَجْلِسِ؛ لأنَّ ذلك بمَنْزِلَةِ التَّخْيِيرِ، ولو قال لامْرَأتِه: اخْتارِى نَفْسَكِ. لم يَكُنْ لها الاخْتِيارُ إلَّا على الفورِ (٢)، فإن تراخَى ذلك بَطل خِيارُها، كذا تَعْلِيقُه بالمَشِيئَةِ. وإن قال: أنتَ حُرٌّ كيفَ شِئْتَ. احْتَمَلَ أن يَعْتِقَ في الحالِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ «كيف» لا (٣) تَقْتَضِي شَرْطًا ولا وَقْتًا ولا مَكانًا، فلا تَقْتَضِي تَوْقِيفَ العِتْقِ، وإنَّما هي صِفَةٌ للحالِ، فتَقْتَضِي (٤)
стр. 9163
وَإِنْ قَال: إِنْ دَخَلْتَهَا فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي. فَدَخَلَهَا فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ، صَارَ مُدَبَّرًا، وَإِلَّا فَلَا.
ــ
وُقُوعَ الحُريَّةِ على أيِّ حالٍ كان. ويَحْتَمِلُ أن لا يَعْتِقَ حتى يشاءَ. وهو قولُ أبي يُوسُفَ، ومحمدٍ؛ لأنَّ المَشِيئَةَ تَقْتَضِي الخِيارَ، فتَقْتَضِي أن لا (١) يَعْتِقَ قبلَ اخْتِيارِه، كما لو قال: أنت حُرٌّ متى شِئْتَ. لأنَّ «كيف» تُعْطِي ما تُعْطِي «متى» (٢)، و «أيَّ»، فحُكْمُهما حُكْمُها. وقد ذَكَر أبو الخَطّابِ في الطَّلاقِ، أنَّه إذا قال لزَوْجَتِه: أنتِ طالقٌ متى شِئْتِ، وكيفَ شِئْتِ، وحيثُ شِئْتِ. لم تَطلُقْ حتى تشاءَ، فيَجِئُ ههُنا مِثْلُه.
٢٩٣٧ - مسألة: (وإن قال: إن دَخَلْتَ الدّارَ فأنت حُرٌّ بعدَ مَوْتِي. فدَخَلَ في حَياةِ السَّيِّدِ، صار مُدَبَّرًا) لأنَّه وُجِد شَرْطُ التَّدْبِيرِ،
стр. 9164
وَإِنْ قَال: إِنْ مَلَكْتُ فُلَانًا فَهُوَ حُرٌّ. أَوْ: كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ. فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
وهو دُخُولُ الدّارِ. وإن لم يَدْخُلْ حتى مات بَطَلَتِ الصِّفَةُ؛ لأنَّه يَزُولُ به المِلْكُ، ولم يُوجَدِ التَّدبِيرُ؛ لعدَمِ شَرْطِه. وسَنَذكُرُ ذلك في التَّدْبِيرِ. [بأبْسَطَ مِن هذا] (١)، إن شاء اللهُ تعالى.
٢٩٣٨ - مسألة: (وإذا قال: إن مَلَكْتُ فُلانًا فهو حُرٌّ. أو: كلُّ مملُوكٍ أمْلِكُه فهو حُرٌّ. فهل يَصِحُّ؟ على روايتين) إحْداهما، لا يَصِحُّ، ولا يَعْتِقُ. رُوِيَ ذلك عن ابنِ عباسٍ. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وعطاءٌ، وعُرْوَةُ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ. ورَواه التِّرْمِذِيُّ، عن عليٍّ، وجابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، وعليِّ بنِ الحسينِ، وشُرَيحٍ، وغيرِ واحدٍ مِن التّابِعِين، قال: وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ لِما روَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، ولا طَلَاقَ لابنِ آدَمَ فِيما لا يَمْلِكُ» (٢). قال
стр. 9165
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التِّرْمِذِيُّ: وهو حديثٌ حسنٌ، وهو أحسنُ ما رُوِيَ في هذا الباب. وعن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لا طَلَاقَ فِيمَا لا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ وإنْ عَيَّنَها». رواه الدّارَقُطْنِي (١). وعن عليِّ [بنِ أبي طالبٍ] (٢)، ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: «لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ» (٣). قال أحمدُ: هذا عن النبيِّ ﷺ وعِدَّةٍ مِن الصَّحابَةِ. ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينا مِن الصَّحابَةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مخالفًا، فكان إجْماعًا. وهذا ظاهِرُ المَذْهب. ولأنَّه لا يَمْلِكُ تنجيزَ (٤) العِتْقِ، فلمْ يَمْلِكْ تَعْلِيقَه، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا عِتْقَ قَبْلَ مِلْكٍ». رَواه أبو داودَ الطيالِسِيُّ (٥). والثانِيَةُ، يَعْتِقُ إذا مَلَكَه؛ لأنَّه أضافَ العِتْقَ إلى حالٍ يَمْلِكُ عِتْقَه فيه، فأشْبَهَ ما لو كان التَّعْلِيقُ في
стр. 9166
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِلْكِه. وروَى أبو طالبٍ، عن أحمدَ، أنَّه قال: [إذا قال] (١): إنِ اشتريتُ هذا الغُلامَ فهو حُرٌّ. فاشتراهُ، عَتَق. قال أبو بكرٍ في كتابِ «الشَّافي»: لا يَخْتَلِفُ قولُ أبي عبدِ اللهِ أنَّ العَتاقَ يَقَعُ، إلَّا ما روَى محمدُ بنُ الحسنِ بنِ هارونَ في العِتْقِ، أنَّه لا يَقَعُ، وما أرَاه إلَّا غَلَطًا، فإن كان قد حَفِظ فهو قَوْلٌ آخَرُ. ولأنَّه لو قال لأمَتِه: أوَّلُ وَلدٍ تَلِدِينَه فهو حُرٌّ. فإنَّه يَصِحُّ، كذلك هذا. وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّه يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ على الأخْطارِ، فصَحَّ تَعْلِيقُه علِى حُدُوثِ المِلْكِ، كالوَصِيَّةِ، والنَّذْرِ، واليَمِينِ. وقال مالكٌ: إن خصَّ جِنْسًا مِن الأجْناسِ أو عَبْدًا بعَينِه، عَتَق إذا مَلَكَه، وإن قال: كُلُّ عَبْدٍ أمْلِكُه. لم يَصِحَّ. والأوَّلُ أصَحُّ، إن شاء اللهُ تعالى؛ لأنَّه تَعْلِيقُ العِتْقِ قبلَ المِلْكِ، فأشْبَهَ ما لو قال لأمَةِ غيرِه: إن دَخَلْتِ الدّارَ فأنتِ حُرَّةٌ. ثم مَلَكَها ودَخَلَتِ الدّارَ، ولِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيثِ. واللهُ أعلمُ.
стр. 9167
وَإِنْ قَالهُ الْعَبْدُ لَمْ يَصِحَّ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَينِ.
ــ
٢٩٣٩ - مسألة: فإن قال العَبْدُ ذلك ثم عَتَق ومَلَك ، عَتَق في أحَدِ الوَجْهَين، قِياسًا على الحُرِّ. والثاني، لا يَعْتِقُ. وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ العَبْدَ لا يَصِحُّ العِتْقُ منه حينَ التَّعْلِيقِ، لكَوْنِه لا يَمْلِكُ، وإنْ مَلَك فهو مِلْكٌ ضَعِيفٌ غيرُ مُسْتَقِرٌّ، لا يَتَمَكَّنُ مِن التَّصَرُّفِ فيه، وللسَّيِّدِ انْتِزاعُه منه، بخِلافِ الحُرِّ.
стр. 9168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إذا قال الحُرُّ: أوَّلُ غُلام أمْلِكُه فهو حُرٌّ. انْبَنَى ذلك على العِتْقِ قبلَ المِلْك، وفيه رِوَايتان ذَكرْناهما، فإن قُلْنا: يَصِحُّ عِتْقُ أوَّلِ مَن يَمْلِكُه لوُجُودِ الشَّرْطِ. فإن مَلَك اثنَين معًا، عَتَق أحَدُهما بالقُرْعَةِ، في قِياسِ قولِ أحمدَ، فإنَّه قال، في روايةِ مُهَنّا: إذا قال: أوَّلُ مَنْ يَطْلُعُ مِن عبِيدِي فهو حرٌّ. فطَلَعَ اثْنان (١)، أو جَميعُهم، فإنَّه يُقْرَعُ بينَهم. ويَحْتَمِلُ أن يَعْتِقَا جميعًا؛ لأنَّ الأوَّلِيّةَ وُجِدَتْ فيهما جَمِيعًا، فثَبَتَتِ الحُرِّيَّةُ فيهما، كما لو قال في المُسابَقَةِ: مَن سَبَق فله عَشرةٌ. فسَبَقَ اثنان، اشْتَرَكا في العشرةِ. وقال النَّخَعِيُّ: يُعْتِقُ أيَّهما شاء. وقال أبو حنيفةَ: لا يَعْتِقُ واحدٌ منهما؛ لأنَّه لا أوَّلَ فيهما؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما مُساوٍ للآخَرِ، ومِنْ شَرْطِ الأوَّلِيَّةِ سَبْقُ الأوَّلِ. ولَنا، أنَّ هذَين لم يَسْبِقْهُما غَيرُهما، فكانا أوَّلَ، كالواحدِ، وليس مِن شَرْطِ الأوَّلِ أن يَأْتِيَ بعدَه ثانٍ، بدليلِ ما لو مَلَك واحِدًا ولم يَمْلِكْ بعدَه شيئًا، وإذا وُجِدَتِ الصِّفَةُ فيهما، فإمّا أن يَعْتِقا جميعًا، أو يَعْتِقَ أحَدُهما، وتُعَيِّنُه القُرْعةُ، على ما نَذكُرُه بعدُ (٢). وكذلك الحكمُ فيما إذا قال: أوَّلُ ولَدٍ تَلدِينَه فهو حُرٌّ. فولَدَتِ اثْنَين خَرَجا معًا.
стр. 9169
وَإِنْ قَال: آخِرُ مَمْلُوكٍ أَشْتَرِيهِ فَهُوَ حُرٌّ. وَقُلْنَا بِصِحَّةِ الصِّفَةِ، فَمَلَكَ عَبِيدًا، ثُمّ مَاتَ، فَآخِرُهُمْ حُرٌّ مِنْ حِينِ الشِّرَاءِ، وَكَسْبُهُ لَهُ.
ــ
٢٩٤٠ - مسألة: (فإن قال: آخِرُ مملوكٍ أشْتَرِيه فهو حُرٌّ. فمَلَك عَبِيدًا) لم [يُحْكَمْ بعِتْقِ] (١) واحدٍ منهم حتى يَمُوتَ؛ لأنَّه ما دام حَيًّا فهو (٢) يَحْتَمِلُ أن يَشْتَرِيَ عبدًا يكونُ هو الآخِرَ، فإذا مات عَتَق آخِرُهُم، وتَبَيَّنا أنَّه كان حُرًّا حينَ مَلَكَه، فيكونُ اكْتِسابُه له. وإن كان أمَةً، كان أولادُها أحرارًا مِن حينَ وَلَدتْهُم؛ لأنَّهم أولادُ حُرَّةٍ، وإن كان وَطِئَها فعليه مَهْرُها؛ لأنَّه وَطِئَ حُرَّةً أجْنَبِيَّةً، ولا يَحِلُّ له أن يَطَأَها إذا اشْتَراها حتى يَشْتَرِيَ بعدَها غيرَها؛ لأنَّه ما لم يَشتَرِ بعدَها غيرَها، فهي آخِرٌ في الحالِ، وإنَّما يَزُولُ ذلك بشِراءِ غيرِها، فوَجَبَ أن يَحْرُمَ الوَطْءُ. وإنِ اشْتَرَى اثْنَين دَفْعةً واحدةً، ثم مات، فالحُكْمُ في عِتْقِهِما كالحُكْمِ فيما إذا مَلَك اثْنَين في الفصلِ الذي قَبْلَه.
стр. 9170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إذا قال: أوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَه فهو حُرٌّ. فوَلَدَتِ اثْنَين، وأشْكَلَ أوَّلُهُما خُرُوجًا، أُخْرِجَ بالقُرْعَةِ، كالتي قبلَها. فإن عُلِم أوَّلُهما خُرُوجًا عَتَق وَحْدَه. وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأبي هاشمٍ (١)، والشافعيِّ، وابْنِ المُنْذِرِ. وقال الحسنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ: إذا وَلِدَتْ وَلَدَين في بَطْنٍ فهما حُرّانِ. ولَنا، أنَّه إنَّما أعْتَقَ الأوَّلَ، والذي خرَج سابِقًا هو الأوَّلُ مِن الموْلُودَين، فاخْتَصَّ العِتْقُ به (٢)، كما لو وَلَدَتْهُما في بَطنَين. فإن وَلَدَتِ الأوَّلَ ميِّتًا والثانِيَ حَيًّا، فذَكَرَ الشريفُ، أنَّه يَعْتِقُ الحيُّ منهما. وبه قال أبو حنيفةَ. وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ، والشافعيُّ: لا يَعْتِقُ واحدٌ منهما. وهو الصَّحيحُ. قاله شَيخُنا (٣)؛ لأنَّ شَرْطَ العِتْقِ إنَّما
стр. 9171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وُجِد في المَيِّتِ، وليس بمَحَلٍّ للعِتْقِ، فانْحَلَّتِ اليَمِينُ به. وإنَّما قُلْنا: إنَّ شَرْطَ العِتْقِ وُجِدَ فيه؛ لأنَّه أوَّلُ وَلَدٍ، بدَلِيلِ أنَّه إذا قال لأمَتِه: إذا وَلَدْتِ فأنتِ حُرَّةٌ. فوَلَدَتْ وَلَدًا مَيِّتًا، عَتَقَتْ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ العِتْقَ يَسْتَحِيلُ في المَيِّتِ، فتَعَلَّقَتِ اليَمِينُ بالحَيِّ، كما لو قال: إن ضَرَبْتَ فُلانًا فعَبْدِي حُرٌّ. فضَرَبَه حَيًّا، عَتَق، وإن ضَرَبَه مَيِّتًا لم يَعْتِقْ. ولأنَّه معلومٌ مِن طَريقِ العادةِ أنَّه قَصَد عَقْدَ يَمِينِه على وَلَدٍ يَصِحُّ العِتْقُ فيه، وهو أن يكونَ حَيًّا، فتصيرُ الحياةُ مَشْرُوطَةً فيه، فكأنَّه قال: أوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَه حَيًّا.
فصل: فإن قال لأمَتِه: كلُّ ولَدٍ تَلِدِينَه فهو حُرٌّ. عَتَق كل وَلدٍ وَلَدَتْه، في قولِ جُمْهورِ العلماءِ؛ منهم مالكٌ، والأوْزاعِيُّ، واللَّيثُ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أحْفَظُ (١) عن غيرِهِم خِلافَهم. فإن باع الأمَةَ، ثم وَلَدَتْ، لم يَعْتِقْ وَلَدُها؛ لأنَّها وَلَدَتْهُم بعدَ زوالِ مِلْكِه.
стр. 9172
وَإِنْ قَال لِأَمَتِهِ: آخِرُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ. فَوَلَدَتْ حَيًّا ثُمَّ مَيِّتًا، لَمْ يَعْتِقِ الْأَوَّلُ. وَإِنْ وَلَدَتْ مَيِّتًا ثُمَّ حَيًّا عَتَقَ الثَّانِي. وَإِنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَينِ، فَأَشْكَلَ الْآخِرُ مِنْهُمَا، أُقْرِعَ بَينَهُمَا.
ــ
٢٩٤١ - مسألة: (فإن قال لأمَتِه: آخِرُ وَلَدٍ تَلدِينَه فهو حرٌّ. فوَلَدَتْ حَيًّا ثم مَيِّتًا، لم يَعْتِقِ الأوَّلُ) لأنَّه لم يُوجَدْ شَرْطُ عِتْقِه، وعلى قِياسِ قولِ الشريفِ، وأبي حنيفةَ، فيما إذا قال: أوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَه، فهو حُرٌّ. فوَلَدَتْ مَيِّتًا ثُمَّ حَيًّا، يَعْتِق الحيُّ (وإن وَلَدَتْ مَيِّتًا ثم حَيًّا، عَتَق الثانِي) لوُجُودِ شَرْطِه (وإن وَلَدَتْ تَوْأَمَين، فأشْكَلَ الآخِرُ منهما، [أُقْرِعَ بينَهما) لأنَّ] (١) أحَدَهما اسْتَحَقَّ العِتْقَ، ولم يُعْلَمْ (٢) بعَينِه، فوَجَبَ إخْراجُه بالقُرْعَةِ، وسيأْتِي ذلك، إن شاء اللهُ تعالى.
стр. 9173
وَلَا يَتْبَعُ وَلَدُ الْمُعْتَقَةِ بِالصِّفَةِ أُمَّهُ فِي الْعِتْقِ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَينِ، إلا أنْ تَكُونَ حَامِلًا بِهِ حَال عِتْقِهَا، أَوْ حَال تَعْلِيقِ عِتْقِهَا.
ــ
٢٩٤٢ - مسألة: (ولا يَتْبَعُ وَلَدُ المُعْتَقَةِ بالصِّفَةِ أُمَّه في العِتْقِ، في أصَحِّ الوَجْهَين، إلَّا أن تكونَ حامِلًا به حال عِتْقِها، أو حال تَعْلِيقِ عِتْقِها) إذا عَلَّقَ عِتْقَ أَمَتِه (١) بصِفَةٍ وهي حامِلٌ، تَبِعَها ولَدُها في ذلك؛ لأنَّه كعُضْوٍ مِن أعضائِها، فإن وضَعَتْه قبلَ وُجُودِ الصِّفَةِ، ثم وُجِدَتِ الصِّفَةُ، عَتَق؛ لأنَّه تابعٌ في الصِّفَةِ، فأشْبَهَ ما لو كان في البَطْنِ. وإن كانتْ حائِلًا حينَ التَّعْلِيقِ، ثم وُجِدَتِ الصِّفَةُ وهي حاملٌ، عَتَقَتْ هي وحَمْلُها؛ لأنَّ العِتْقَ وُجِدَ فيها وهي حامِلٌ، فتَبِعَها ولَدُها، كالمُنْجَزِ. فإن حَمَلَتْ بعدَ التَّعْلِيقِ، ووَضَعَتْ (٢) قبلَ وُجُودِ الصِّفَةِ، ثم وُجِدَت بعدَ ذلك، لم يَعْتِقِ
стр. 9174
وَإِنْ قَال لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ وَعَلَيكَ أَلْفٌ. أَوْ: عَلَى أَلْفٍ. عَتَقَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيهِ، وَعَنْهُ، إِنْ لَمْ يَقْبَلِ العَبْدُ لَمْ يَعْتِقْ. وَالصَّحِيحُ فِي قَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ. أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ حَتَّى يَقْبَلَ.
ــ
الوَلَدُ؛ لأنَّ الصِّفَةَ لم تَتَعَلَّقْ به في حالِ التَّعْلِيقِ [ولا في حالِ العِتْقِ] (١). وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه يَتْبَعُها في العِتْقِ، [قِياسًا على ولَدِ المدَبَّرَةِ. وإن بَطَلَتِ الصِّفَةُ بِبَيعٍ أو موتٍ لم يَعْتِقِ الوَلَدُ؛ لأنَّه إنَّما تَبِعَها في العِتْقِ] (١) لا في الصِّفَةِ، فإذا لم تُوجَدْ فيها لم يُوجَدْ (٢) فيه، بخِلافِ وَلَدِ المُدَبَّرةِ؛ فإنَّه تَبِعَها في التَّدْبِيرِ، فإذا بَطَل فيها بَقِيَ فيه.
٢٩٤٣ - مسألة: (وإذا قال لعبدِه: أنت حُرٌّ وعليك ألْفٌ. أو: على ألْفٍ. عَتَق، ولا شيءَ عليه. وعنه، إن لم يَقْبَلْ لم يَعْتِقْ) إذا قال لعبدِه: أنت حُرٌّ وعليك ألْفٌ. عَتَق، ولا شيءَ عليه؛ لأنَّه أعْتَقَه بغيرِ
стр. 9175
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شَرْطٍ، وجَعَل عليه عِوَضًا لم يَقْبَلْه، فعَتَقَ، ولم يَلْزَمْه الألْفُ. هكذا ذَكَر المتأخِّرُون مِن أصْحابِنا. ونَقل جعفرُ بنُ محمدٍ، قال: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ، قِيلَ له: إذا قال: أنت حُرٌّ وعليك ألفُ دِرْهَمٍ. فقال: جَيِّدٌ (١). قِيلَ له: فإن لم يَرْضَ العَبْدُ؟ قال: لا يَعْتِقُ، إنَّما قال له على أن يُؤَدِّيَ إليه ألفًا، فإن لم يَؤُدِّ فلا شيءَ. فإن قال: أنت حُرٌّ على ألْفٍ. فكذلك في إحْدَى الرّوايَتَين؛ لأنَّ «على» ليست مِن أدَواتِ الشَّرْطِ ولا البَدَلِ، فأشْبَهَ قولَه: وعليك ألْفٌ. والثانيةُ، إن قَبِل العَبْدُ (٢) عَتَق ولَزِمَتْه الألْفُ، وإن لم يَقْبَلْ لم (٣) يَعْتِقْ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي