وَإنْ أعتَقَ مَا فِي بَطْنِهَا دُونَها، عَتَقَ وَحْدَهُ.
ــ
بعضِ الأعْضاءِ؟ وروَى الأَثْرَمُ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه أعْتَقَ أمَةً واسْتَثْنَى ما في بَطْنِها (١). ولأنَّها ذاتُ حَمْل، فصَحَّ اسْتِثْناءُ حَمْلِها، كما لو باع نَخْلَةً لم تُؤَبَّرْ واشْتَرَط. ثَمَرَتَها. وقال القاضِي: يُخَرَّجُ على الرِّوايَتَين فيما إذا اسْتَثْنَى ذلك في البَيعِ. والمَنْصُوصُ عنه ما ذَكَرْناه مِن أنَّه يَصِحُّ اسْتِثْناؤُه في العِتْقِ، ولا يَصِحُّ في البَيعِ؛ لِما ذَكَرْنا [مِن الفَرْقِ] (٢) بينَهما.
٢٩١٥ - مسألة: (وإن أعْتَقَ ما في بَطْنِها دُونَها، عَتَقَ وَحْدَه) لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا. وهو قولُ سفيانَ، وأحمدَ، وإسْحاقَ؛ لأنَّ حُكْمَه حُكْمُ الإِنْسانِ المُنْفَرِدِ، ولهذا يُورَثُ الجنينُ إذا ضُرِب بَطْنُ امْرأةٍ فأسْقَطَتْ جَنِينًا، وَجَب فيه غُرَّةٌ مَوْرُوثَةٌ عنه، كأنَّه سَقَط حَيًّا، وتَصِحُّ الوَصِيَّةُ به وله، ويَرِثُ إذا مات مَوْرُوثُه قبلَ أنَّ يُولَدَ ثم وُلِد بَعْدَه، فصَحَّ عِتْقُه، كالمُنْفَصِلِ.
стр. 9102
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا يَصِحُّ العِتْقُ إلَّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ، فلا يَصِحُّ عِتْقُ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا قولُ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم الحسنُ، والشَّعْبِيُّ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. وذلك لقولِ النبيِّ ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتى يَسْتَيقِظَ» (١). ولأنَّه تَبَرُّعٌ بالمالِ، فلم يَصِحَّ منهما (٢) كالهِبَةِ. ولا يَصِحُّ عِتْقُ المَحْجُورِ عليه للسَّفَهِ. وهو قولُ القاسِمِ بنِ محمدٍ. وعنه، يَصِحُّ، قِياسًا على طَلاقِه وتَدْبِيرِه. ولَنا، أنَّه مَحْجور عليه في مالِه لحَظِّ نَفْسِه، فلم يَصِحَّ عِتْقُه، كالصَّبِيِّ، ولأنَّه تَصَرُّفٌ في المالِ في حياتِه، أشْبَهَ هِبَتَه وبَيعَه. ويُفارِقُ الطَّلاقَ؛ لأنَّ الحَجْرَ عليه في مالِه، والطَّلاقُ ليس بتَصَرُّفٍ فيه. ويُفارِقُ التَّدْبيرَ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ فيه بعدَ مَوْتِه وغِناه عنه بالمَوْتِ، ولهذا صَحَّتْ وَصِيَّتُه ولم تَصِحَّ هِبَتُه المُنْجَزَةُ. وعِتْقُ السَّكْرانِ مَبْنِيٌّ على طلاقِه، وفيه مِن الخِلافِ ما فيه. ولا يَصِحُّ عِتْقُ المُكْرَهِ، كما لا يَصِحُّ بَيعُه ولا تَصَرُّفاتُه، ولا يَصِحُّ عِتْقُ المَوْقُوفِ؛ لأنَّ فيه إبْطالًا لحقِّ البَطْنِ الثانِي منه، وليس له ذلك.
стр. 9103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا يَصِحُّ العِتْقُ مِن غيرِ المالِكِ بغَيرِ إذْنِه، فلو أعْتَقَ عَبْدَ ولَدِه الصَّغِيرِ، أو يَتِيمِه الذي في حِجْرِه، لم يَصِحَّ. وبهذا قال الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال مالكٌ: يَصِح عِتْقُ عبدِ وَلَدِه الصَّغِيرِ؛ لقَوْلِه، ﵊: «أنْتَ وَمَالُكَ لأبِيكَ» (١). ولأنَّ له عليه ولايةً، وله فيه حَقٌّ، فصَحَّ إعْتاقُهُ، كمالِه. ولَنا، أنَّه عِتْقٌ مِن غيرِ مالِكٍ، فلم يَصِحَّ، كإعْتاقِ عَبْدِ وَلَدِه الكَبِيرِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لمَّا وَرَّثَ الله الأبَ مِن مالِ ابْنِه السُّدْسَ مع وَلَدِه، دَلَّ على أنَّه لا حَقَّ له في سائِره. وقَوْلُه، ﵇: «أنْتَ وَمَالُكَ لأبِيكَ». لم يُزِدْ به حقيقةَ المِلْكِ، وإنَّما أرادَ المُبالغَةَ في وُجُوبِ حَقِّه عليكَ، وإمْكانِ الأخْذِ مِن مالِكَ، وامتِناعِ مُطالبتِك إياه بما أخَذَ منه، ولهذا لم يَنْفُذْ إعْتاقُه لعَبْدِ وَلَدِه الكَبِيرِ الذي وَرَد الخبرُ فيه، وثُبُوتُ الولايةِ له على مالِ وَلَدِه أبْلَغُ في امْتِناعِ إعْتاقِ عبدِه؛ لأنَّه إنَّما أثبَتَ الولايةَ عليه لحَظِّ الصَّبِيِّ؛ ليَحْفَظَ ماله عليه، ويُنَمِّيَه له،
стр. 9104
وَأمَّا الْمِلْكُ، فَمَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَقَ عَلَيهِ. وَعَنْهُ، لَا يَعْتِقُ إلا عَمُودَا النَّسَبِ.
ــ
ويقومَ بمصالحِه التي يَعْجِزُ الصَّبِيُّ عن القيامِ بها، وإذا كان مَقْصُودُ الولايَةِ الحِفظَ اقْتَضَتْ مَنْعَ التَّضْيِيعِ والتَّفْرِيطِ بإعْتاقِ رَقِيقِه والتَّبَرُّعِ بمالِه. ولو قال رجلٍ لعَبْدٍ: أنت حُرٌّ مِن مالي. فليس بشيءٍ، فإنِ اشتراه بعدَ ذلكَ فهو مَمْلُوكُه، ولا شيءَ عليه. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وعامَّةُ الفُقهاءِ. ولو بَلَغ رجلًا أنَّ رجلًا قال لعَبْدِه: أنت حُرٌّ مِن مالي. فقال: قد رضِيتُ. فليس بشيء. وبه قال الثَّوْرِيُّ، وإسحاق.
٢٩١٦ - مسألة: (وأمّا المِلْكُ، فمَن مَلَك ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَق عليه. وعنه، لا يَعْتِقُ إلَّا عَمُودا النَّسَبِ) ذو الرَّحِمِ المَحْرَمُ: القَرِيبُ الذي يَحْرُمُ نِكاحُه عليه، لو كان أحَدُهما رجلًا والآخَرُ امرأةً، وهم الوالِدان وإن عَلَوْا مِن قِبَل الأبِ والأُمِّ جَميعًا، والوَلَدُ وإن سَفَل مِن
стр. 9105
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَلَدِ البَنينَ والبَناتِ، والإِخْوَةُ والأخَواتُ، وأوْلادُهم وإن سَفَلُوا (١)، والأعْمامُ والعمَّاتُ، والأخْوالُ والخالاتُ وإن عَلَوْا، دُونَ أوْلادِهم، فمتى مَلَك أحدًا مِنْهم عَتَق عليه. رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وابنِ مسعودٍ، ﵄. وبه قال الحسنُ، وجابرُ بنُ زيدٍ، وعطاءٌ، والحَكَمُ، وابن أبي لَيلَى والثَّوْرِيُّ، واللَّيثُ، وأبو حنيفةَ، والحسنُ بن صالح، وشَرِيكٌ، ويَحْيَى بنُ آدمَ. وأعْتَقَ مالِكٌ الوالِدِين والمَوْلودِين وإن بَعُدُوا، والإخْوةَ والأخَواتِ دُونَ أولادِهم. ولم يُعْتِقِ الشافعيُّ إلَّا عَمُودَي النَّسَبِ. وعن أحمدَ كذلك. ولم يُعْتِقْ داودُ وأهلُ الظّاهِرِ أحدًا حتى يُعْتِقَه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «لَا يَجْزِي وَلَدٌ والِدَهُ، إلَّا أنْ يَجِدَه مَمْلُوكًا فيَشْتَرِيَة فيُعْتِقَهُ». رَواه مسلمٌ (٢). ولَنا، ما روَى الحسن عن سَمُرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ». رَواه
стр. 9106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ (١). وقال: حديثٌ حسنٌ. [وروَى ضَمْرَةُ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عُمَرَ، عن النبيِّ ﷺ : «مَن مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ» (٢). وسئِل أحمدُ عن ضَمْرَةَ، فقال: ثِقَةٌ إلَّا أنَّه روَى حديثَين [لا أصل لهما] (٣)، أحَدُهما، هذا الحديثُ] (٤). ولأنَّه ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فعَتَقَ عليه بالمِلْكِ، كعَمُودَي النَّسَبِ، وكالإِخوَةِ والأخواتِ عندَ مالكٍ. فأمّا قَوْلُه: «حَتَّى يَشْتَرِيَه فيُعْتِقَه». فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ فيَشْتَرِيَه فيُعْتِقَه بِشِرائه، كما يقالُ: ضَرَبَه فقَتَلَه. والضرْبُ هو القَتْلُ؛ وذلك لأنَّ الشِّراءَ لمّا كان يَحْصُلُ به العِتْقُ تارةً دُونَ اخْرَى، جاز عَطْفُ صِفَتِه عليه، كما يقالُ: ضَرَبَه فأطار رأسَه.
وسواءٌ مَلَكَه بشِراءٍ، أو هِبَةٍ، أو غَنِيمَةٍ، أو إرْثٍ، أو غيرِه، لا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ فيه خِلافًا.
فصل: ولا خِلافَ في أنَّ المحارِمَ مِن غيرِ ذَوي الأرْحام لا يَعْتِقُونَ على سيِّدِهم، كالأُمِّ مِن الرَّضاعَةِ، والأخِ مِنْها (٥)، والرَّبِيبَةِ، وأُمِّ
стр. 9107
وَإنْ مَلَكَ وَلَدَهُ مِنَ الزِّنَى لَمْ يَعْتِقْ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ. وَيَحْتَمِلُ أنْ يَعْتِقَ.
ــ
الزَّوْجَةِ، وابْنَتِها، إلَّا أنَّه حُكِيَ عن الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، وشَرِيكٍ، أنَّه لا يجوزُ بَيعُ الأخِ مِن الرَّضاعةِ. ورُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه كَرِهَهُ. والأوَّلُ أصَحُّ. قال الزُّهْرِيُّ: جَرَتِ السُّنَّةُ بأن يُباعَ الأخُ والأخْتُ مِن الرَّضاعةِ. ولأنَّهم لا نَصَّ في عِتْقِهم، ولا هم في مَعْنَى المَنْصوصِ عليه، فيَبْقُون على الأصْلِ، ولأنَّهما لا رَحِمَ بينَهما ولا تَوارُثَ، ولا تَلْزَمُه نَفَقَتُه، فأشْبَهَ الرَّبِيبَةَ وأمَّ الزَّوْجَةِ.
٢٩١٧ - مسألة: (وإن مَلَك وَلَدَهُ مِنَ الزِّنى لم يَعْتِقْ) عليه (في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ) لأنَّ أحكامَ الوَلَدِ غيرُ ثابتةٍ فيه -وهي الميراثُ، والحجْبُ، والمَحْرَمِيَّةُ، ووُجُوبُ الإنْفاقِ، وثُبُوتُ الولايَةِ عليه- (ويَحْتَمِلُ أنَّ يَعْتِقَ) لأنَّه جُزْوه حَقِيقَةً، وقد ثَبَت فيه حُكْمُ تَحْرِيم التّزويجِ، ولهذا لو مَلَك وَلَدَه المُخالِفَ له في الدِّينِ عَتَق عليه مع انْتِفاءِ هذه الأحْكامِ.
стр. 9108
وَإنْ مَلَكَ سَهْمًا مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيهِ بِغَيرِ الْمِيرَاثِ وَهُوَ مُوسِرٌ عَتَقَ عَلَيهِ كُلُّهُ، وَعَليهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ. وَإنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَعْتِقْ عَلَيهِ إلا مَا مَلَكَ. وَإنْ مَلَكَهُ بِالْمِيرَاثِ لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ إلا مَا مَلَكَ، مُوسِرًا كَانَ أوْ مُعْسِرًا. وَعَنْهُ، أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيهِ نَصِيبُ الشَّرِيكِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا.
ــ
٢٩١٨ - مسألة: (وإن مَلَك سَهْمًا مِمَّن يَعْتِقُ عليه بغيرِ المِيراثِ وهو مُوسِرٌ عَتَق عليه كلُّه، وعليه قِيمَةُ نصيبِ شَريكِه. وإن كان مُعْسِرًا لم يَعْتِقْ عليه إلَّا ما مَلَك. وإن مَلَكَه بالمِيراثِ لم يَعْتِقْ منه إلَّا ما مَلَك، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا. وعنه، أنَّه يَعْتِقُ عليه نَصِيبُ الشَّرِيكِ إن كان مُوسِرًا) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن مَلَك سَهمًا مِمَّن يَعْتِقُ عليه، فإَّنه يَعْتِقُ عليه ما مَلَك منه، سواءٌ مَلَكَه بعِوَض، أو بغيرِ عِوَض،
стр. 9109
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كالهِبَةِ، والاغْتِنامِ] (١) والوَصِيَّةِ، وسواءٌ مَلَكَه باخْتِيارِه، كالذي ذَكَرْنا، أو بغيرِ اخْتِيارِه، كالمِيراثِ؛ لأنَّ كلَّ ما يَعْتِقُ به الكُلُّ، يَعْتِقُ به البَعْضُ، كالإِعْتاقِ بالقولِ، ثم يُنْظَرُ؛ فإن كان مُعْسِرًا لم يَسْرِ العِتْقُ، واسْتَقَرَّ في ذلك الجُزْءِ ورَقَّ الباقِي؛ لأنَّه لو أعْتَقَه بقَوْلِه لم يَسْرِ إعْتاقُه بتَصْرِيحِه بالعِتْقِ وقَصْدِه إيّاهُ، فههُنا أوْلَى. وإن كان موسِرًا وكان المِلْكُ (٢) باخْتِيارِه، كالمِلْكِ بغيرِ المِيراثِ، سَرَى إلى باقِيه، فعَتَقَ جَمِيعُ العَبْدِ، ولَزِمَه لشَرِيكِه قِيمَةُ باقِيه، لأنَّه فَوَّتَه عليه. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو يُوسُف. وقال قَوْمٌ: لا يَعْتِقُ عليه إلَّا ما مَلَك، سواءٌ مَلَكَه بشراءٍ أو غَيره، لأنَّ هذا لم يَعْتِقْه، وإنَّما عَتَق عليه بحُكْمِ الشَّرْعِ، عن غيرِ اخْتِيارٍ منهُ، فلم يَسْرِ، كما لو مَلَكَه بالمِيراثِ، وفارَق ما أعْتَقَه، لأنَّه فَعَلَه باخْتِيارِه قاصِدًا إليه. ولَنا، أنَّه فَعَل سبَبَ العِتْقِ اخْتِيارًا منه، وقَصَد إليه، فسَرَى ولَزِمَه الضَّمانُ، كما لو وَكَّلَ مَن أعْتَقَ نَصِيبَه. وفارَقَ
стр. 9110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المِيراثَ، فإنَّه حَصَل بغيرِ فِعْلِه، ولا قَصْدِه، ولأنَّ مَن باشَرَ (١) سبَبَ السِّرايَةِ اخْتِيارًا لَزِمَه الضمانُ (٢)، كمَن جَرَح إنْسانًا فسَرَى جُرْحه، ولأنَّ مُباشَرَةَ ما يَسْرِي وتَسَبُّبَه (٣) إليه في لُزُومِ حكْمِ السِّرايَةِ واحِدٌ، بدَلِيلِ اسْتِواءِ الحافِرِ والدافِعِ في ضَمانِ الواقِعِ، فأمّا إن مَلَكَه بالمِيراثِ، لم يَسْرِ العِتْقُ فيه، واسْتَقَرَّ فيما مَلَكَه، ورَقَّ الباقي، موسرًا كان أو مُعْسِرًا؛ لأنَّه لم يتَسَبَّبْ إلى إعْتاقِه، وإنَّما حَصَل بغيرِ اخْتِيارِه. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ. وعن أحمدَ، ما يدُلُّ على أنَّه يَسْرِي إلى نَصِيبِ الشَّرِيكِ إذا كان موسِرًا، لأنَّه عَتَق عليه بَعْضه وهو موسِرٌ، فسَرَى إلى باقِيه، كما لو وَصَّى له به فقَبِلَه. والمَذْهَبُ الأوَّلُ؛ لأنَّه لم يعْتِقْه ولا تَسَبَّبَ إليه، فلم يَضْمَنْ، ولم يَسْرِ، كالأجْنَبيِّ، وفارَقَ ما تَسَبَّبَ إليه.
стр. 9111
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن وَرِث الصَّبِيُّ والمَجْنُونُ جُزْءًا ممَّن يَعْتِقُ عليهما، عَتَق ولم يَسْرِ إلى باقِيه، لأنَّه إذا لم يَسْرِ في حَق المُكَلَّفِ، ففي حَقِّهما أوْلَى. وإن وُهِب لهما، أو وُصِّيَ لهما به وهما مُعْسِران، فعلى وَلِيِّهما قَبُولُه، لأنَّه نَفْعٌ لهما، بإعْتاقِ قَرِيبِهما مِن غيرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ قَريبَهما. وإن كانا مُوسِرَين، ففيه وَجْهان، مَبْنِيَّان على أنَّه هل يُقَوَّمُ عليهما باقِيه إذا مَلَكا بَعْضَه؟ وفيه وجْهان، أحَدُهما، لا يُقَوَّمُ ولا يَسْرِي العِتْقُ إليه، لأنَّه يَدْخُلُ
стр. 9112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في (١) مِلْكِه بغيرِ اخْتِيارِه، أشْبَهَ ما لو وَرِثَه. والثاني، يُقَوَّمُ عليه؛ لأنَّ قَبُولَ وَلِيِّه يقومُ مَقامَ قَبُولِه، فأشْبَهَ الوَكيلَ. قعلى هذا الوَجْهِ، ليس لوَلِيِّه قَبُولُه؛ لِما فيه مِن الضَّرَرِ. وعلى الأوَّلِ، يَلْزَمُه قَبُولُه؛ لأنَّه نَفْغ بغيرِ ضَرَرٍ، إذا كان مِمَّن لا تَلْزَمُه نَفَقَتُه، وإذا قُلْنا: ليس له إن يَقْبَلَه. فقَبلَه، احْتَمَلَ أنَّ لا يَصِحَّ القَبُولُ (٢)؛ لأنَّه فَعَل ما لم يَأْذَنْ له الشَّرعُ فيه، فأشبَهَ ما لو باع ماله (٣) بغَبْنٍ. واحْتَمَلَ أنَّ يَصِحَّ وتكونَ الغرامةُ عليه؛ لأنَّه ألْزَمَه هذه الغرامةَ، فكانت عليه كنَفَقَةِ الحَجِّ إذا أحَجَّه.
стр. 9113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن باعَ عَبْدًا لذي رَحِمِه وأجْنَبِيٍّ صَفْقَةً واحِدَةً، عَتَق كلُّه إذا كان ذو رَحِمِه مُوسِرًا، وضَمِن لشَريكِه قِيمَةَ حَقِّه منه. وقال أبو حنيفةَ: لا يَضْمَنُ لشَرِيكِه شيئًا؛ لأنَّ مِلْكَه لم يَتِمَّ إلَّا بقَبُولِ شَرِيكِه، فصار كأنَّه أذِنَ له في إعْتاقِ نَصِيبِه [ولَنا، أنَّه عَتَق عليه نَصِيبُه] (١) بمِلْكِه باخْتِياره، فوَجَبَ أنَّ يُقَوَّمَ عليه باقِيه مع يَسارِه، كما لو انْفَرَدَ بشِرائِه، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يَصِحُّ قَبُولُه إلَّا بقَبُولِ شَرِيكِه.
стр. 9114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إذا كانت أمَةً (١) مُزَوَّجَةً، ولها ابنٌ مُوسِرٌ، فاشْتَراها هو وزَوْجُها وهي حامِلٌ منه، صَفْقَةً واحِدَةً، عَتَق نَصِيبُ الابْنِ مِن أُمِّه، وسَرَى إلى نصيبِ الزَّوْجِ، ويُقَوَّمُ عليه، وعَتَق الحَمْلُ عليهما معًا؛ لأنَّه ابنُ الزَّوْج وأخو الابْنِ، ولا يَجِبُ لأحَدِهما على الآخرِ منه شيءٌ؛ لأنَّه عَتَق عليهما في حالٍ واحِدَةٍ. ولو كانتِ المسْألةُ بحالِها، فوُهِبَت لهما، أو وُصِّيَ لهما بها، فقَبِلاها في حالٍ واحِدَةٍ، فكذلك، وإن قَبِلَها أحَدُهما قبلَ الآخَرِ، نَظَرْنا؛ فإن قَبِل الابْنُ أوَّلًا، عَتَقَت عليه (١) الأُمُّ وحَمْلُها، وعليه قِيمَةُ باقِيهما للزَّوْجِ. وإن قَبِل الزَّوْجُ أوَّلًا عَتَق عليه الحَمْلُ كلُّه. ثم إذا قَبِل الابْنُ عَتَقَتْ عليه الأُمُّ كلُّها، ويَتقاصّان (٢)، ويَرُدُّ كلُّ واحِدٍ منهما الفَضْلَ على صاحِبِه. ومَن قال في الوَصِيَّةِ: إنَّ المِلْكَ لا يَثْبُت فيها بالموتِ. فالحُكْمُ فيهكما لو قَبِلاها دُفْعَةً واحِدَةً.
стр. 9115
وَإنْ مَثَّلَ بِعَبْدِهِ فَجَدَعَ أنْفَهُ أَوْ أُذُنَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ، عَتَقَ عَلَيهِ. نَصَّ
ــ
٢٩١٩ - مسألة: (وإن مَثَّلَ بعَبْدِه فجَدَعَ أنْفَه أو أُذُنَه ونحوَ ذلك، عَتَق. نَصَّ عليه) لِما روَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ عن أبِيه عن جَدِّه، أنَّ زِنْباعًا أبا رَوْحٍ وَجَد غُلامًا له مع جارِيَتِه، فقَطَعَ ذَكَرَه وجَدَعَ أنْفَه، فأتَى العَبْدُ
стр. 9116
عَلَيهِ. قَال الْقَاضِي: وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَعْتِقَ.
ــ
النبيَّ ﷺ فذَكَرَ ذلك له، فقال له (١) النبيُّ ﷺ : «مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟» قال: فَعَل كذا وكذا. قال: «اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ» (٢).
(قال القاضي: والقِياسُ أنَّ لا يَعْتِقَ) لأنَّ سَيِّدَه لم يَعْتِقْه بلفْظٍ صريحٍ ولا كِنايةٍ. وإذا ثَبَت الحديثُ وجَب العملُ به وتُرِكَ القِياسُ.
стр. 9117
وَإذَا أَعْتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ فَمَالُهُ لِلسَّيِّدِ.
ــ
٢٩٢٠ - مسألة: (وإذا أعْتَقَ عَبْدًا فمالُه لسَيِّدِه) رُوِيَ هذا عن
стр. 9118
وَعَنْهُ، أَنَّهُ لِلعَبْدِ.
ــ
ابنِ مسعودٍ، وأبي أيُّوبَ، وأنسِ بنِ مالكٍ. وبه قال قَتادةُ، والحَكَمُ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. ورُوِيَ ذلك عن حمّادٍ، والبَتِّيِّ، وداودَ بنِ أبي هِنْدٍ، وحُمَيدٍ. (وعنه) رِواية أُخْرَى (أنَّه للعَبْدِ) وبه قال الحسنُ، وعطاء، [والشَّعْبِيُّ] (١)، والنَّخَعِيُّ، ومالكٌ، وأهلُ المدينةِ: يَتْبَعُهُ؛ لِما روَى نافِعٌ، عن ابنِ عُمَرَ، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ أعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَالْمَالُ لِلْعَبْدِ». رَواه الإِمامُ أحمدُ بإسْنادِه (٢)، وغيرُه (٣). وروَى حمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن أيُّوبَ عن نافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ، [أنَّه كان إذا أعْتَقَ عبدًا لم يَعْرِضْ لمالِه (٤) ولَنا، ما روَى الأثْرَمُ بإسْنادِه عن ابنِ مسعودٍ] (٥)، أنَّه قال لغُلامِه عُمَيرٍ: يا عُمَيرُ، إنِّي
стр. 9119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أُريدُ أنَّ أُعْتِقَكَ عِتْقًا هَنِيئًا (١)، فأخْبِرْني بمالِك، فإنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «أَيُّما رَجُل أعْتَقَ عَبْدَهُ أَوْ غُلَامَهُ فَلَمْ يُخْبِرْهُ بمَالِه فمَالُه لِسَيِّدِه» (٢). ولأنَّ العبدَ وماله كانا للسَّيِّدِ، فأزال مِلْكَه عن أحدِهما، فبَقِيَ مِلْكُه في الآخَرِ، كما لو باعَه، وقد دَلَّ عليه حديثُ النبيِّ ﷺ : «مَنْ بَاعَ عَبْدًا ولَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ» (٣). فأمّا حديثُ ابنِ عُمَرَ، فقال أحمدُ: يَرْويه عبدُ الله بِنُ أبي جَعْفَرٍ مِن أهلِ مِصْرَ، وهو ضَعِيفٌ في الحديثِ، كان صاحِبَ فِقْهٍ، فأمّا في إلحديثِ فليس هو فيه بالقَويِّ. وقال أبو الوليدِ (٤): هذا الحديثُ خَطَأٌ، فأمّا فِعْلُ ابنِ عُمَرَ، فهو تَفَضُّلٌ منه على مُعْتَقِه. قِيلَ لأحمدَ: كان هذا عندَك على التَّفَضُّلِ؛ فقال: إي لَعَمْرِي على التَّفَضُّلِ. قِيلَ له: فكأنَّه عندَك للسَّيِّدِ (٥)؟ فقال: نعم، للسَّيِّدِ، مثلُ (٦) البَيعِ سَواءً.
стр. 9120
فَصْلٌ: وَإذَا أعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبْدِهِ مُعَيَّنًا أوْ مُشَاعًا عَتَقَ كُلُّهُ.
ــ
فصل: قال الشيخُ، ﵁: (وإذَا أعْتَقَ جُزْءًا مِن عَبْدِه مُعَيَّنًا أو كلُ مُشَاعًا عَتَق كُلُّه) أمّا إذا أعْتَقَ عَبْدَه وهو صحيحٌ جائزُ التَّصَرُّفِ، فإنَّه يَصِحُّ عِتقُه بإجْماعِ أهلِ العلمِ، فإنْ أعْتَقَ بَعْضَه عَتَق كُلُّه في قولِ جمهورِ العلماءِ. رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وابْنِه، ﵄ (١). وبه قال الحسنُ، والحَكَمُ، والأوْزَاعِي، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٢): عامَّةُ العلماءِ بالحجازِ والعراقِ قالوا: يَعْتِقُ كُلُّه إذا أعتَقَ نِصْفَه. وقال طاوُسٌ: يَعْتِقُ في عِتْقِه، ويَرِقّ في رِقِّه. وقال حمادٌ، وأبو حنيفةَ: يَعْتِقُ منه ما أُعْتِقَ، ويَسْعَى في باقِيهِ. وخالفَ أبا حنيفةَ أصحابُه، فلم يَرَوْا عليه سِعايَةً. ورُوِيَ عن مالكٍ في رجلٍ أعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ، ثم غَفَل عنه حتَّى مات، فقال: أرى نِصْفَه حُرًّا ونِصْفَه رقيقًا؛ لأنَّه تَصَرَّفَ في بَعْضِه، فلم يَسْرِ إلى باقِيه، كالبَيعِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا لَه في عَبْدٍ فَكَانَ مَعَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَه (٣)، قُومَ عَلَيهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ، وَعَتَقَ عَلَيهِ
стр. 9121
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جَمِيعُ الْعَبْدِ» (١). وإذا أُعْتِقَ عليه (٢) نَصِيبُ شَرِيكِه، كان تَنْبِيهًا على عِتْقِ جَميعِه إذا كان كُلُّه مِلْكًا له. وقال النبيُّ ﷺ : «مَنْ أعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ مَمْلُوكٍ فَهُوَ حُرٌّ مِنْ مَالِهِ» (٣). ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ عن بَعْضِ مَمْلُوكِه الآدَمِيِّ، فزال عنه جَميعُه، كالطَّلاقِ. ويفارِقُ البَيعَ؛ فإنَّه لا يحتاجُ إلى السِّعايَةِ، ولا يُبْنَى على التَّغْليبِ والسِّرايةِ. إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْق بينَ أنَّ يُعْتِقَ جُزءًا كَبيرًا، كنِصْفِه، أو ثُلُثِه، أو صغيرًا، كعُشْرِه، أو (٤) عُشْرِ عُشْرِه. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا بينَ القَائِلين بسِرايَةِ العِتْقِ إذا كان مُشاعًا.
فصل: فإن أعْتَقَ جُزْءًا مُعَيَّنًا (٥)؛ كرَأْسِه، أو يَدِه، أو إصْبَعِه، عَتَق كُلُّه أيضًا. وبهذا قال قتادةُ، والشافعيُّ، وإسحاقُ. وقال أصحابُ الرَّأْي: إن أعْتَقَ رَأْسَه، أو ظَهْرَه، أو بَدَنَه، أو بَطْنَه، أو جَسَدَه، أو نَفْسَه، أو فَرْجَه، عَتَق كُلُّه؛ لأنَّ حَياتَه لا تَبْقَى بدُونِ ذلك،
стр. 9122
وَإِنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، وَهُوَ مُوسِرٌ بِقِيمَةِ بَاقِيهِ، عَتَقَ كُلُّهُ، وَعَليهِ قِيمَةُ بَاقِيهِ يَوْمَ الْعِتْقِ لِشَرِيكِهِ.
ــ
وإن أعْتَقَ يَدَه، أو عُضوًا تَبْقَى حياتُه بدُونِها لم يَعْتِق؛ لأنَّه يُمْكِنُ إزالةُ ذلك مع بَقائِه، فلم يَعْتِقْ، كإعْتاقِه شَعَرَه [وسِنَّه] (١). ولَنا، أنَّه أعْتَقَ عُضوًا مِن أعْضائِه، فعَتَقَ جَميعُه، كرأْسِه. فأمّا إذا أعْتَقَ شَعَرَه، أو سِنَّه، أو ظُفْرَه، لم يَعْتِقْ. وقال قتادةُ، واللَّيثُ، في الرَّجُلِ يُعْتِقُ ظُفْرَ عَبْدِه: يَعْتِقُ كُلُّه؛ لأنَّه مِن أجْزائِه، أشْبَهَ إصْبَعَه. ولَنا، أنَّ هذه الأشْياءَ تَزُولُ، ويَخْرُجُ غيرُها، فأشْبَهَتِ الشَّعَرَ، والرِّيقَ. وسَنذْكُرُ ذلك في الطَّلاقِ، والعِتْقُ مِثْلُه.
٢٩٢١ - مسألة: (وإن أعْتَقَ شِرْكًا له في عَبْدٍ، وهو مُوسِرٌ بقِيمَةِ باقِيه، عَتَق كُلُّه، وعليه قِيمَةُ باقِيهِ يَوْمَ العِتْقِ لشريكِه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الشَّرِيكَ إذا أعْتَقَ نَصِيبَه مِن العَبْدِ عَتَقَ عليه. لا نَعْلَمُ فيه خلافًا؛ لِما
стр. 9123
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذَكَرْنا مِن الأثَرِ، وإذا عَتَق نَصِيبُه سَرَى العِتْقُ إلى جَمِيعِه، فصار جَميعُه حُرًّا، وعلى المُعْتِقِ قِيمَةُ أنْصِباءِ شُرَكائِه، والولاءُ له. هذا قولُ مالكٍ، وابنِ أبي لَيلَى، وابنِ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأبي يُوسُفَ، ومحمدٍ، وإسحاقَ. وقال البَتِّيُّ: لا يَعْتِقُ إلَّا حِصَّةُ المُعْتِقِ، ونَصِيبُ الباقِينَ باقٍ على الرِّقِّ، ولا شيءَ على المُعْتِقِ؛ لِما روَى ابنُ (١) التَّلِبِّ، عن أبيهِ، أنَّ رجلًا أعْتَقَ شِقْصًا له في مَمْلُوكٍ، فلم يُضَمنْه النبيُّ ﷺ . رَواه الإِمامُ أحمدُ (٢). ولأَنه لو باع نَصِيبَه لاخْتَصَّ البَيعُ به، فكذلِك العِتْقُ، إلَّا أنَّ تكونَ جَارِيةً نَفِيسَةً يُغالَى فيها، فيكون ذلك بمَنْزِلَةِ الجِنايَةِ مِن المُعْتِقِ؛ للضَّرَرِ الذي أدْخَلَه على شَريكِه. وقال أبو حنيفةَ: لا يَعْتِقُ إلَّا حِصَّةُ المُعْتِقِ، ولشَرِيكِه الخِيارُ في ثَلاثةِ أشْياءَ؛ إن شاء أعْتَقَ، وإن شاء اسْتَسْعَى العَبْدَ، وإن شاء ضَمَّنَ شرِيكَه، فيَعْتِقُ حِينَئِذٍ. ولَنا، الحديثُ الذي رَوَيناه، وهو صحيحٌ، مُتَّفَقٌ عليه (٣)، ورَواه مالكٌ في
стр. 9124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُوَطَّئِه (١)، عن نافِع، عن ابنِ عُمَرَ. فأثْبَتَ النبيُّ ﷺ العِتْقَ في جَميعِه، وأوْجَبَ قِيمَةَ نَصيبِ شَريكِ (٢) المُعْتِقِ عليه، ولم يَجْعَلْ له خِيَرَةً ولا لغيرِه. وروَى قتادةُ، عن أبي المَليحِ، عن أبيه، أنَّ رجلًا مِن قَوْمِه، أعْتَقَ شِقْصًا له في مَمْلُوكٍ، فرُبعَ ذلك إلى النبيِّ ﷺ ، فجَعَلَ خَلَاصَه عليها في مالِه، وقال: «لَيسَ للهِ شَرِيكٌ» (٣). قال أبو عبدِ اللهِ: الصَّحيحُ أنَّه عن أبي المَلِيحِ عن النبيِّ ﷺ مُرْسَلٌ، وليس فيه عن أبيه. هذا مَعْنَى كلامِه. وقولُ البَتِّيِّ شاذٌّ يُخَالِفُ الأخْبارَ كُلَّها، فلا يُعَوَّلُ عليه. وحديثُ التَّلِبِّ يتَعَيَّنُ حَمْلُه على المُعْسِرِ، جمعًا بينَ الأحاديثِ. وقياسُ العتق على البيعِ لا يصِحُّ؛ فإنَّ البيِعَ لا يَسري فيما إذا كان العبدُ كُلُّه له، والعِتْقُ يَسْرِي، فإنَّه لو باع نِصْفَ عَبْدِه لم يَسْرِ، ولو أعْتَقَه عَتَق كُلُّه. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ ولاءَه يكونُ له؛ لأنَّه عَتَق بإعْتاقِه مِن مالِه، ولا خِلافَ في هذا عندَ مَن يَرَى عِتْقَه عليه.
стр. 9125
وَإنْ أَعْتَقَهُ شَرِيكُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ فِيهِ عِتْقٌ.
ــ
فصل: ولا فَرْقَ في هذا بينَ أنَّ يكونَ الشركاءُ مسلمين أو كافرين، أو بعضُهم مسلمًا وبعضُهم كافرًا، ذَكَرَه القاضي. وهو قولُ الشافعيِّ. وذَكَر أبو الخَطَّابِ في الكافِرِ وَجْهًا أنَّه إذا أعْتَقَ نَصِيبَه مِن مُسْلِم، أنَّه لا يَسْرِي إلى باقِيه، ولا يُقَوَّمُ عليه؛ لأنَّه لا يَصِحُّ شِراءُ الكافِرِ عبدًا مسلمًا. ولَنا، عُمُومُ الخَبَرِ، ولأنَّ ذلك ثَبَت لإِزالةِ الضَّرَرِ، فاسْتَوَى فيه المسلمُ والكافرُ، كالرَّدّ بالعَيبِ، والغَرَضُ ههُنا تَكْمِيلُ العِتْقِ ودَفْعُ الضَّرَرِ عن الشَّرِيكِ دُون التمْلِيكِ، بخِلافِ الشِّراءِ، ولو قُدِّرَ أنَّ ههُنا تمْلِيكًا، لكان تَقْديرًا في أدْنَى زمانٍ، حَصَل ضَرُورَةَ تحْصيلِ العِتْقِ، لا ضَرَرَ فيه، فإن قُدِّرَ فيه ضَرَرٌ، فهو مَغْمُورٌ بالنّسْبَةِ إلى ما يَحْصُلُ مِن العِتْقِ، فوُجُودُه كالعَدَمِ. وقياسُ هذا على الشِّراءِ غيرُ صحيح؛ لِما بينَهما مِن الفَرْقِ.
٢٩٢٢ - مسألة: (فإن أعْتَقَه الشَّرِيكُ بَعْدَ ذلك) وقبلِ أخْذِ القِيمَةِ (لم يَثْبُتْ له فيه عِتْقٌ) لأنَّه قد صار حُرًّا بعِتْقِ الأوَّلِ له، لأنَّ عِتْقَه حَصَل باللَّفْظِ، لا بدَفْعِ القِيمَةِ، وصار جميعُه حُرًّا، واسْتَقرَّتِ القِيمَةُ على المُعْتِقِ الأوَّلِ، فلا يَعْتِقُ بعدَ ذلك بعِتْقٍ غيرِه. وبهذا قال ابنُ شُبْرُمَةَ، وابنُ أبي لَيلَى، والثَّوْرِيُّ، وأبو يُوسُف، ومحمدٌ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، والشافعيُّ في قولٍ له، اخْتارَه المُزَنيُّ. وقال الزُّهْرِيُّ، وعمرُو بنُ دينارٍ، ومالكٌ، والشافعيُّ في قولٍ: لا يَعْتِقُ إلَّا بدَفْعِ القِيمَةُ، ويكون قَبْلَ ذلك مِلْكًا لصاحِبِه، يَنْفُذُ عِتْقُه فيه، ولا يَنْفُذُ تَصَرُّفه فيه بغيرِ العِتْقِ.
стр. 9126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واحتجُّوا بقولِ النبيِّ ﷺ : «قُوِّمَ عَلَيهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، [فأُعْطِيَ شُرَكَاؤه حِصَصَهم وعَتَق جَمِيعُ العَبْدِ» (١). وفي لفظٍ لأبي داودَ: «فإن كان مُوسِرًا يُقَوَّمُ عليه قِيمَةَ عَدْلٍ] (٢)، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، ثمَّ يَعْتِقُ». فجَعَلَه عتيقًا بعدَ دَفْعِ القِيمَةِ. ولأنَّ العِتْقَ إذا ثَبَت بعِوَض وَرَد الشَّرْعُ به مُطْلَقًا، لم يَعْتِقْ إلَّا بالأداءِ، كالمُكاتَبِ. وللشافعيِّ قَوْلٌ ثالِثٌ، أنَّ العِتْقَ مُراعًى، فإن دَفَع القِيمَةَ تَبَينا أنَّ العِتْقَ كان حَصَل مِن حِينَ أعْتَقَ نصيبَه، وإن لم يَدْفَعِ القِيمَةَ تَبَيَّنّا أنَّه لم يَكُنْ عَتَق، لأنَّ فيه احْتِياطًا لهما جميعًا. ولَنا، حديثُ ابنِ عُمَرَ، فإنَّه رُوِيَ بألفاظٍ مُخْتَلِفَةٍ تَجْتَمِعُ في الدَّلالةِ على الحُرِّيَّةِ باللَّفْظِ، فرَوَى أيُّوبُ (٣)، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ، فَكَانَ له مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَهَ بقِيمَةِ العَدْلِ، فَهُوَ عَتِيقٌ». رواه أبو دَوُادَ، والنَّسائيُّ. وفي لَفظٍ رَواه ابنُ أبي مُلَيكَةَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمَرَ: «فَكَانَ لَهُ مَالٌ، فَقَدْ عَتَقَ كُلُّهُ». وفي رِوايَةِ ابنِ أبي ذِئْبٍ، عن نافعٍ، عن ابن عُمَرَ: «وكَانَ لِلَّذِي يُعْتِقُ ما يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بقِيمَةِ العَدْلِ، فَهُوَ (٤) يَعْتِقُ كُلّه». وروَى أبو داودَ (٥) بإسنادِه عن أبي هرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أعْتَقَ شِقْصًا في
стр. 9127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَمْلُوكٍ فَهُوَ حُرٌّ مِنْ مَالِه». وهذه نُصوصٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ، فإنَّه جَعَلَه حُرًّا وعَتِيقًا بإعْتاقِه، مَشْرُوطًا بكَوْنِه مُوسِرًا. ولأنَّه عِتْق (١) بالسِّرايَةِ، فكانت حاصِلَةً مِن لَفْظِه عَقِيبَه، كما لو أعْتَقَ جُزْءًا مِن عَبْدِه، ولأنَّ القِيمَةَ مُعْتَبَرَة وَقْتَ الإعْتاقِ. ولا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الشَّرِيكِ فيه بغيرِ الإِعْتاقِ. وعندَ الشافعيِّ، لا يَنْفُذُ بالإِعْتاقِ أيضًا، فدَلَّ على أنَّ العِتْقَ حَصَل فيه بالإِعْتاقِ الأوَّلِ. فأمّا حديثُهم، فلا حُجَّةَ لهم فيه، فإنَّ «الواو» لا تَقتَضِي تَرْتِيبًا، وأمّا العَطْفُ بـ «ثُم» في اللَّفْظِ الآخَرِ، فلم يُرِدْ بها التَّرْتِيبَ، فإنَّها قد تَرِدُ لغَيرِ التَّرْتيبِ، كقوْلِه تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ (٢). فأمّا العِوَضُ، فإنَّما وَجَب عَنِ المُتْلَفِ بالإِعْتاقِ، بدَلِيلِ اعْتِبارِه بقِيمَتِه حينَ الإِعْتاقِ وعَدَمِ اعْتِبارِ التَّراضِي فيه، ووُجُوب القِيمَةِ مِن غَيرِ وَكْسٍ ولا شَطَطٍ، بخِلافِ الكِتابَةِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الشَّرِيكَ إذا أعْتَقَه بعدَ عِتْقِ الأوَّلِ وقَبْلَ أخْذِ القِيمَةِ لم يَثْبُتْ له فيه عِتْقٌ، ولا له عليه وَلاءٌ، ووَلَاؤُه كُلُّه للمُعْتِقِ الأوَّلِ، وعليه القِيمَةُ؛ لأنَّه قد صار حُرًّا بإعْتاقِه. وعندَ مالكٍ، يكونُ وَلاؤُه بَينَهما على قَدْرِ مِلْكَيهما فيه، ولا شيءَ على المُعْتِقِ الأوَّلِ مِن القِيمَةِ، ولو أنَّ المُعْتِقَ الأوَّلَ لم يُودِّ القِيمَةَ حتى أفْلَسَ، عَتَق الْعَبدُ، وكانتِ القِيمَةُ في ذِمَّتِه دَينًا، يُزاحِمُ بها الشَّرِيكُ عندَنا. وعندَ مالكٍ، لا يَعْتِقُ منه إلَّا ما عَتَق. ولو كان المُعْتَقُ جارِيَةً حامِلًا، فلم يُؤَدِّ
стр. 9128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القِيمَةَ حتى وَضَعَتْ حَمْلَها، فليس على المُعْتِقِ إلَّا قِيمَتُها حينَ أعْتَقَها؛ لأنَّه حينَئِذٍ حَرَّرَها. وعندَ مالكٍ، يُقَوَّمُ وَلَدُها أيضًا، ولو تَلِف (١) العَبْدُ قبلَ أداءِ القِيمَةِ، تَلِف حُرًّا، والقِيمَةُ على المُعْتِقِ؛ لأنَّه فَوَّتَ رِقَّه. وعندَ مالكٍ، لا شيءَ على المُعْتِقِ، وما لم يُقَوَّمْ ويُحْكَمْ بقِيمَتِه، فهو في جَمِيعِ أحْكامِه عَبْدٌ.
فصل: والقِيمَةُ مُعْتَبَرَةٌ حينَ اللَّفْظِ بالعِتْقِ؛ لأنَّه حينُ الإِتْلافَ. وهو قولُ الشافعيِّ على أقوالِه كُلِّها. فإنِ اخْتَلَفا في قَدْرِها (٢)، رُجِع إلى قولِ المُقَوِّمِين. فإن كان العَبْدُ قد مات أو غاب، أو تأخَّرَ تَقْويمُه زَمَنًا تختَلِفُ فيه القِيمُ، ولم تكُنْ بَيِّنَةٌ، فالقَوْلُ قولُ المعْتِقِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ للزِّيادَةِ، والأصْلُ بَرَاءَة ذِمَّتِه منها. وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ. فإنِ اخْتَلَفا في صِناعَةٍ في العَبْدِ توجِبُ زيادَةَ (٣) القِيمَةِ، فالقَوْلُ قولُ المُعْتِقِ؛ لذلك، إلَّا أنَّ يكونَ العَبْدُ يُحْسِنُ الصِّناعَةَ في الحالِ، ولم يَمْضِ زَمَنٌ يُمْكِنُ تَعَلمُها فيه، فيكونَ القَوْلُ قَوْلَ الشَّرِيكِ؛ لعِلْمِنا بصدْقِه، وإن مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ حُدُوثُها فيه، ففيه وجهان؛ أحَدُهما، القَوْلُ قولُ المُعْتِقِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه. والثاني، القَوْلُ قولُ الشَّرِيكِ؛ لأنَّ الأصْلَ بقاءُ ما كان وعَدَمُ الحُدُوثِ. وإنِ اخْتَلَفَا في عَيبٍ يَنْقُصُ قِيمَتَه؛ كسَرِقَةٍ، أوْ إباق، فالقَوْلُ
стр. 9129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قولُ الشَّرِيكِ؛ لأنَّ الأصْلَ السَّلامَةُ، فبالجِهَةِ التي رَجَّحْنَا قولَ المُعْتِقِ في نَفْي الصِّناعَةِ، يُرَجَّحُ قولُ الشَّرِيكِ في نَفْي العَيبِ. وإن كان العَيبُ فيه حال الاخْتِلافِ، واخْتَلَفا في حُدُوثِه، فالقَوْلُ قولُ المُعْتِقِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه وبَقاءُ ما كان على ما كان وعَدَمُ حُدُوثِ العَيبِ فيه. ويَحْتَمِلُ أنَّ يكونَ القَوْلُ قَولَ الشَّرِيكِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءَتُه مِن العَيبِ حينَ الإعْتاقِ.
فصل: والمُعْتَبَرُ في اليسارِ في هذا أنَّ يكونَ له فَضْلٌ عن قُوتِ يومِه ولَيلَتِه، وما يَحْتاجُ إليه مِن حَوائِجِه الأصْلِيَّةِ؛ مِن الكِسْوَةِ، [والمسكنِ] (١)، وسائِرِ ما لا بُدَّ منه، ما يَدْفَعُه إلى شَرِيكِه. ذَكَرَه أبو بكرٍ، في «التَّنْبِيهِ». وإن وُجِد بعضُ ما يَدْفَعُه بالقِيمَةِ، قُوِّمَ عليه قَدْرُ ما يَمْلِكُه (٢) منه. ذَكَره أحمدُ، في روايَةِ ابنِ منصورٍ. وهو قولُ مالكٍ. وقال أحمدُ: لا تُبَاعُ فيه دَارٌ ولا رِباعٌ. ومُقْتَضَى هذا أنَّ لا يُباعَ له أصْلُ مالٍ. وقال مالكٌ، والشافعيُّ: يُباعُ عليه سِوارُ بَيته، وما له بالٌ مِن كِسْوَتِه، ويُقْضَى عليه في ذلك كما يُقْضَى عليه في سائِرِ الدَّعاوَى. والمُعْتَبَرُ في ذلك حالُ تَلَفُّظِه بالعِتْقِ؛ لأنَّه حالُ الوجُوبِ، فإن أيسَرَ المُعْسِرُ بعدَ ذلك لم يَسْرِ إعْتاقُه، وإن أعْسَرَ المُوسِرُ لم يَسْقُطْ ما وَجَب عليه؛ لأنَّه وَجَب عليه، فلم [يسْقُطْ بإعْسارِه] (٣)، كدَينِ الإِتْلافِ. نَصَّ عليه أحمدُ.
стр. 9130
وَإنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَعْتِقْ إلا نَصِيبُهُ، وَيَبْقَى حَقُّ شَرِيكِهِ فِيهِ. وَعَنْهُ، يَعْتِقُ كُلُّهُ، وَيُسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَةِ بَاقِيهِ غَيرَ مَشْقُوقٍ عَلَيهِ.
ــ
٢٩٢٣ - مسألة: (وإن كان مُعْسِرًا لم يَعْتِقْ إلَّا نصِيبُه، وبَقِيَ حَقُّ شَريكِه فيه. وعنه، يَعْتِقُ كُلُّه، ويُسْتَسْعَى العَبْدُ في قِيمَةِ باقِيه غيرَ مَشْقوقٍ عليه) ظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ المُعْسِرَ إذا أعْتَقَ نَصِيبَه مِن العَبْدِ، اسْتَقَرَّ فيه العِتْقُ، ولم يَسْرِ إلى نَصِيبِ شَريكِه، بل يَبْقَى على الرِّقِّ، فإذا أعْتَقَ شَريكُه، عَتَق عليه نَصيبُه. وهذا قولُ إسحاقَ، وأبي عُبَيدٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وداودَ، وابنِ جريرٍ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، على ما بَيَّنّاه فيما مَضَى. ورُوِيَ عن عُرْوَةَ، أنَّه اشْتَرَى عَبْدًا أُعْتِقَ نِصفه، فكان عُرْوَةُ يُشاهِرُه؛ شهْرَ عَبْدٍ وشَهْرَ حُرٍّ. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ المُعْتِقَ إذا أعْتَقَ نَصِيبَه اسْتُسْعِيَ العَبْدُ في قِيمَةِ باقِيه حتى يُؤَدِّيَها، فيَعْتِقَ. وهو قولُ ابنِ شُبْرُمَةَ، وابنِ أبي لَيلَى، والأوْزاعِيِّ، وأبي يُوسُفَ، ومحمدٍ؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ، فَعَلَيهِ أنْ يُعْتِقَهُ كُلَّهُ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وإلَّا اسْتُسْعِيَ العَبْدُ غَيرَ
стр. 9131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَشْقُوقٍ عَلَيهِ». مُتَّفَقٌ عليه، ورَواه أبو داودَ (١). قال ابنُ أبي لَيلَى، وابنُ شُبْرُمَةَ: فإذا اسْتُسْعِيَ في نِصْفِ قِيمَتِه، ثم أيسَرَ مُعْتِقُه، رَجَع عليه بنِصْفِ القِيمَةِ؛ لأنَّه هو ألْجأه إلى هذا وكَلَّفَه إيّاه. وعن أبي يُوسُفَ، ومحمدٍ، أنَّهما قالا: يَعْتِقُ جَمِيعُه، وتكونُ قِيمَةُ نَصيبِ الشَّرِيكِ في ذِمَّتِه؛ لأنَّ العِتْقَ لا يَتَبَعَّضُ، فإذا وُجِد في البَعْضِ سَرَى إلى جَمِيعِه، كالطَّلاقِ، وتَلْزَمُ المُعْتِقَ القِيمَةُ؛ لأنَّه المُتْلِفُ لنَصِيبِ صاحِبِه بإعْتاقِه، فوجَبَت قِيمَتُه في ذِمَّتِه، كما لو أتْلَفَه. وقال أبو حنيفةَ: لا يَسْرِي فيه العِتْقُ، وإنَّما يُسْتَحَقُّ به إعْتاقُ النَّصيبِ الباقِي، فيُخَيَّرُ شَرِيكُه بينَ إعْتاقِ نَصيبِه، ويكونُ الوَلاءُ بَينَهما، وبينَ أنَّ يُسْتَسْعَى العَبْدُ في قِيمَةِ نَصيبِه فإذا أدّاه إليه عَتَق، والوَلاءُ بَينَهما. ولَنا، حَدِيثُ ابنِ عُمَرَ (٢)، وهو حديث (٣) صحيحٌ ثابِتٌ عندَ جَميعِ العُلَماءِ بالحَدِيثِ، ولأنَّ الاسْتِسْعاءَ إعْتاقٌ بعِوَضٍ، فلم يُجْبَرْ عليه، كالكِتابَةِ، ولأنَّ في الاسْتِسْعاءِ إضرارًا بالشَّرِيكِ
стр. 9132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والعَبْدِ؛ أمّا الشَّرِيكُ فإنّا نُحيلُه على سِعايَةٍ قد لا يَحْصُلُ منها (١) شيءٌ أصْلًا، وإن حَصَل، فالظّاهِرُ أنَّه يكون مُتَفَرِّقًا، ويَفُوتُ عليه مِلْكُه. وأمّا العَبْدُ، فإنَّه يُجْبِرُه على سِعايَةٍ لم يُرِدْها وكَسْبٍ لم يَختَرْه، وهذا ضَرَر في حَقِّهما، وقد قال النبي ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ (٢)». وقال سليمانُ بنُ حَرْبٍ: أليس الزِمَ (٣) المُعْتِقُ ثَمَنَ ما بَقِيَ مِن العَبْدِ، لئَلَّا يَدْخُلَ على شَريكِه ضَرَرٌ، فإذا أمَروه بالسَّعْي، وإعْطائِه كُلَّ شهرٍ دِرْهَمَين، ولم يَقْدِرْ على تَمَلُّكِه، فأيُّ ضَرَرٍ أعْظَمُ مِن ذلك!. فأمّا حديثُ الاسْتِسْعاءِ، فقال الأثْرَمُ: ذَكَرَه سليمانُ بنُ حَرْبٍ، فطَعَنَ فيه وضَعَّفَه. وقال أبو عبدِ اللهِ: ليس في الاسْتِسْعاءِ ثَبَت عن النبيِّ ﷺ حَديثُ أبي هريرةَ يَرْويه ابنُ أبي عَرُوبَةَ، وأمّا شُعْبَةُ (٤)، وهشامٌ الدَّسْتُوائِي فلم يَذْكُراه (٥). وحدَّث به مَعْمَر، ولم يَذْكُرْ فيه السِّعايَةَ. قال أبو داودَ: وهَمّامٌ أيضًا لا يقُولُه. قال المرُّوذِيُّ: وضَعَّفَ أبو عبدِ اللهِ حديثَ سعيدٍ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: لا يَصِحُّ حديثُ الاسْتِسْعاءِ. وذَكَر هَمّامٌ أنَّ ذِكْرَ الاسْتِسْعاءِ مِن فُتْيا قَتادَةَ، وفرَّقَ بينَ الكلامِ الذي هو مِن قولِ رسولِ اللهِ
стр. 9133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ﷺ وقولِ قَتادَةَ. قال بعدَ ذلك: فكان قَتادَةُ يقولُ:. إن لم يَكُنْ له مَالٌ اسْتُسْعِيَ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (١): حديثُ أبي هُرَيرَةَ يَدورُ على قَتادَةَ، وقد اتَّفَقَ شُعْبَةُ وهِشامٌ وهَمّامٌ على تَرْكِ ذِكْرِه، وهم الحُجَّةُ في قَتادَةَ، والقولُ قَوْلُهم فيه عندَ جميعِ أهلِ العلمِ بالحديثِ (٢) إذا خالفَهم غيرُهم. فأمّا قولُ أبي حنيفةَ، وقولُ صاحِبَيه الأخير، فلا شيءَ معهم يَحْتَجُّون به مِن حديثٍ قَويٍّ ولا ضَعيفٍ، بل هو مُجَرَّدُ رَأْي وتَحَكُّم يُخالِفُ الحَدِيثَين جَميعًا. قال ابن عبدِ البَرِّ (٣): لم يَقُلْ أبو حنيفةَ وزُفَرُ بحديثِ ابنِ عُمَرَ، ولا بحديثِ أبي هُرَيرَةَ على وَجْهِه. وكلُّ قولٍ خالفَ السُّنَّةَ، فمَرْدُودٌ على قائِلِه. واللهُ المُسْتَعانُ (٤).
فصل: وإذا قُلْنا بالسِّعايَةِ، احْتَمَلَ أنَّ يَعْتِقَ كُلُّه وتكونَ القِيمَةُ في ذِمَّةِ العَبْدِ دَينًا يَسْعَى في أدائِها، وتكونَ أحْكامُه أحكامَ الأحْرارِ، فإن مات وفي يَدِه مالٌ، كان لسَيِّدِه بَقِيَّةُ السِّعايَةِ، وباقِي مالِه مَوْرُوثٌ، ولا يَرْجِعُ العَبْدُ على أحَدٍ. وهو قولُ أبي يُوسُفَ، ومحمدٍ. ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يَعْتِقَ حتى يُؤَدِّيَ السِّعايَةَ، فيكونَ حُكْمُه قبلَ أدائِها حُكْمَ مَن بَعْضُه رَقِيقٌ، إن مات فللشَّرِيكِ الذي لم يَعْتِقْ مِن مالِه مِثْلُ مأ يكونُ له، على قولِ مَن لم يَقُلْ بالسِّعايَةِ؛ لأنَّه إعْتاقٌ بأداءِ مالٍ، فلم يَعْتِقْ قبلَ أدائِه، كالمُكاتَبِ. وقال
стр. 9134
وَإذَا كَانَ الْعَبْدُ لِثَلَاثةٍ؛ لِأحَدِهِمْ نِصْفُهُ، ولآخَرَ ثُلُثُهُ، وَلِثَالِثٍ سُدْسُهُ، فَأَعْتَقَ صَاحِبُ النِّصْفِ وَصَاحِبُ السُّدْسِ مَعًا وَهُمَا مُوسِرَانِ، عَتَقَ عَلَيهِمَا وَضَمِنَا حَقَّ شَرِيكِهِمَا فِيهِ نِصْفَينِ، وَصَارَ وَلَاؤهُ بَينَهُمَا أَثلَاثًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَضْمَنَاهُ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيهِمَا فِيهِ.
ــ
ابنُ أبي لَيلَى، وابنُ شُبْرُمَةَ: يَرْجِعُ العَبْدُ على المُعْتِقِ إذا أيسَرَ؛ لأنَّه كَلَّفَه السِّعايَةَ بإعْتاقِه. ولَنا، أنَّه حَق لَزِم العَبْدَ في مُقابَلَةِ حُرِّيَّتِه، فلم يَرْجِعْ به على أحَدٍ، كمالِ الكِتابَةِ، ولأنَّه لو رَجَع به على السَّيِّدِ، لكانَ هو السَّاعِيَ في العِوَضِ، كسائِرِ الحُقوقِ الواجِبَةِ عليه.
٢٩٢٤ - مسألة: (وإذا كان العَبْدُ لثَلاثَةٍ؛ لأحَدِهم نِصْفُه، وللآخَرِ ثُلُثُه، ولثالثٍ سُدْسُه، فأعْتَقَ صَاحِبُ النِّصْفِ وصاحِبُ السُّدْسِ معًا وهما مُوسِران، عَتَق عليهما وضَمِنا حَقَّ شَرِيكِهما فيه نِصْفَين، وصار وَلاؤُه بَينَهما أثْلاثًا. ويَحْتَمِلُ أنَّ يَضْمَناه على قَدْرِ مِلْكِهما فيه) إذا كان العَبْدُ مُشْتَرَكًا بينَ جَماعَةٍ، فأعْتَقَ اثْنان منهم [أو أكثَرُ] (١)، وهم مُوسِرُون
стр. 9135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
معًا، سَرَى عِتْقُهم إلى باقِي العَبْدِ، ويكونُ الضَّمانُ بينَهم على عَدَدِ رُءوسِهم، يَتَساوون في ضَمانِه ووَلائِه. وبهذا قال الشافعيُّ. ويَحْتَمِلُ أنَّ يُقْسَمَ بينَهم على قَدْرِ أمْلاكِهم. وهو قولُ مالكٍ في إحْدَى الرِّوايَتَين عنه؛ لأنَّ السِّرايَةَ حَصَلَتْ (١) بإعْتاقِ مِلْكَيهما، وما وَجَب بسَبَبِ المِلْكِ كان على قَدْره، كالنَّفَقَةِ، واسْتِحْقاقِ الشّفْعَةِ. ولَنا، أنَّ عِتْقَ النَّصِيبِ إتْلاف لرِقِّ الباقِي، وقد اشْتَركا فيه، فيَتَساوَيان في الضمانِ، كما لو جَرَح أحَدُهما جُرْحًا، والآخَرُ جُرحَين، فمات بهما، أو ألْقَى أحَدُهما جُزْءًا مِن النَّجاسَةِ في ماءٍ (٢) وألقى الآخرُ جُزْاين. ويُفارِقُ الشُّفْعَةَ، فإنَّها تَثْبُتُ لإزالةِ الضَّرَرِ عن نصيب الشَّريكِ الذي لم يَبعْ، فكان اسْتِحْقاقُه على قَدْرِ نَصيبِه، ولأنَّ الضَّمانَ هَهُنا لدَفْعِ الضَّرَرِ منهما، وفي الشُّفْعَةِ لدَفْعِ الضَّرَرِ عنهما، والضَّرَرُ منهما يَسْتَويان في إدْخالِه على الشَّريكِ، وفي
стр. 9136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشُّفْعَةِ، ضَرَرُ صاحِبِ النِّصْفِ أعْظَمُ مِن ضَرَرِ صاحِبِ السُّدْسِ، فاخْتَلَفا. إذا ثَبَت هذا، كان وَلاؤُه بينَهما أثْلاثًا، لأنَّنا إذا حَكَمْنا بأنَّ الثُّلُثَ مُعْتَق عليهما نِصْفَين، فنِصْفُه سُدْسٌ، إذا ضَمَمْناه إلي النِّصْفِ الذي لأحَدِهما، صارا (١) ثُلُثَين، وإذا ضَمَمْنا السُّدْسَ الآخَرَ إلى سُدْسِ المُعْتِقِ صارا (١) ثُلُثًا. وعلى الوَجْهِ الآخرِ، يَصِيرُ الوَلاءُ بينَهما أرْباعًا؛ لصاحِبِ السُّدْسِ رُبْعُه، ولصاحِبِ النِّصْفِ ثَلاثَةُ أرْباعِه، والضَّمانُ كذلك. ويُشْتَرَطُ عِتْقُهما معًا، بأن يُوَكِّلا مَن يُعْتِقُه عنهما، أو يوَكِّلَ أحَدُهما الآخَرَ في عِتْقِ نَصِيبِه، أو (٢) يتلَفَّظا به معًا، لأنَّه لو سَبَقَ أحدُهما صاحِبَه عَتَق عليه جميعُه، على ما ذَكَرْنا. ويُشْتَرَطُ اليَسارُ أيضًا فيهما، فإن كان أحدُهما مُوسِرًا وَحْدَه، قُوِّمَ عليه نَصيبُ مَن لم يُعْتِقْ، لأنَّ المُعْسِرَ لا يَسْرِي عِتْقُه، فيكونُ الضَّمانُ على المُعْسِرِ خاصَّةً، فإن كان أحَدُهما مُوسرًا ببَعْضِ ما يَخُصُّه، قُوِّمَ عليه ذلك القَدْرُ، وباقِيه على الآخَرِ، مثلَ أنَّ يَجِدَ صاحِبُ السُّدْسِ قِيمَةَ نِصْفِ السُّدْسِ، فيُقَوَّمُ عليه، ويُقَوَّمُ الرُّبْعُ على صاحِبِ النِّصْفِ، ويَصِيرُ وَلاؤُه بينَهم أرْباعًا؛ لصاحِبِ السُّدْسِ رُبْعُه، وباقِيه
стр. 9137
وَإِذَا أَعْتَقَ الْكَافِرُ نَصِيبَهُ مِنْ مُسْلِمٍ وَهُوَ مُوسِرٌ، سَرَى إِلى بَاقِيهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
ــ
لمُعْتِقِ النِّصْفِ؛ لأنَّه لو كان أحَدُهما مُعْسِرًا قُوِّمَ الجميعُ على الآخَرِ، فإذا كان مُوسِرًا ببَعْضِه قُوِّمَ الباقِي على صاحِبِ النِّصْفِ؛ لأنَّه مُوسِرٌ، وفيه اخْتلافٌ ذَكَرْناه مِن قَبْلُ.
٢٩٢٥ - مسألة: (وإذا أعْتَقَ الكافِرُ نَصيبَه مِن مسلمٍ وهو موسِرٌ، سَرَى إلى باقِيه، في أحَدِ الوَجْهَين) ذَكَرَه القاضي. وهو قولُ الشافعيِّ، لأنَّه تَقْويمُ مُتْلَفٍ، فاسْتَوَى فيه المُسْلِمُ والكافِرُ، كتَقْويمِ المُتْلَفاتِ. والوَجْهُ الثاني، لا يَسْرِي. ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّ فيه تَقْدِيرَ المِلْكِ، والكافِرُ لا يَجُوزُ أن يَتَمَلَّكَ المُسْلِمَ. والأوَّلُ أصَحُّ، إن شاء اللهُ تعالى.
стр. 9138
وَإِذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَينِ أَنَّ شَرِيكَهُ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْهُ، وَهُمَا مُوسِرَانِ، فَقَدْ صَارَ الْعَبْدُ حُرًّا لِاعْتِرَافِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحُرِّيَّتِهِ، وَصَارَ مُدَّعِيًا عَلَى شَرِيكِهِ قِيمَةَ حَقِّهِ مِنْهُ. وَلَا وَلَاءَ عَلَيهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
ــ
٢٩٢٦ - مسألة: (وإنِ ادَّعَى كلُّ واحِدٍ مِن الشَّريكَين أنَّ شَريكَه أعْتَقَ نَصيبَه وهما موسِران، فقد صار العَبْدُ حرًّا باعْتِرافِ كلِّ واحِدٍ منهما لحرِّيَّتِه (١)، وصار مُدَّعيًا على شَرِيكِه قِيمَةَ حَقِّه منه. ولا وَلاءَ عليه لواحِدٍ منهما) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الشَّرِيكَين المُوسِرَين إذا ادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّ شَريكَه أعْتَقَ نَصيبَه، فكلُّ واحِدٍ منهما مُعْتَرِفٌ بحرِّيَّةِ نَصيبِه، شاهِدٌ
стр. 9139
وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَينِ لَمْ يَعْتِقْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
ــ
على شَريكِه بحُرِّيَّةِ نِصْفِه الآخَرِ؛ لأنَّه يقولُ لشَريكِه: أعْتَقْتَ نَصِيبَك، فسَرَى العِتْقُ إلى نصِيبي، فعَتَقَ كُلُّه عليك، ولَزِمَك لي قِيمَةُ نَصِيبي. فصارَ العَبْدُ حُرًّا؛ لاعْتِرافِهما بحُرِّيَّتِه، وبَقِيَ كلُّ واحِدٍ منهما يَدَّعِي قِيمَةَ حِصَّتِه على شَريكِه، فإن كانت لأحَدِهما بَيِّنَةٌ حُكِمَ له بها، وإن لم تَكُنْ بَيَنةٌ حَلَف كلُّ واحِدٍ منهما لصاحِبِه وبَرئا. فإن نَكَل أحَدُهما قُضِيَ عليه، وإن نَكَلا جَميعًا تَساقَطَ حَقّاهما؛ لتَماثُلِهما. ولا وَلاءَ عليه لواحِدٍ منهما؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه. ولا فَرْقَ في هذه الحالِ بينَ العَدْلَين والفاسِقَين، والمُسْلِمَين والكافِرَين؛ لتَساوي العَدْلِ والفاسِقِ، والمُسْلِمِ والكافِرِ، في الاعْتِرافِ والدَّعْوَى. فإنِ اعْتَرَفَ أحَدُهما به بعدَ ذلك ثبَت له؛ لأنَّه لا مُسْتَحِقَّ له سِواه، وإنَّما لم يَثْبُتْ له لإِنْكارِه له، فإذا اعْتَرَف به زال الإِنْكارُ، فثَبَتَ له، ولَزِمَتْه قِيمَةُ نَصيبِ صاحِبِه (١) لاعْتِرافِه بها.
٢٩٢٧ - مسألة: (وإن كانا مُعْسِرَين لم يَعْتِقْ على واحِدٍ منهما) لأنَّه ليس في دَعْوَى أحَدِهما على صاحِبِه أنَّه أعْتَقَ نَصيبَه اعْتِرَافٌ بحُرِّيَّةِ
стр. 9140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَصيبِه، ولا ادِّعاءُ اسْتِحْقاقِ قِيمَتِها على المُعْتِقِ، لكَوْنِ (١) عِتْقِ المُعْسِرِ لا يَسْرِي إلى غيرِه، فلم يَكُنْ في دَعْواه أكْثَرُ مِن أنَّه شاهِدٌ على صاحِبِه بإعْتاقِ نَصيبه، فإن كانا فاسِقَين فلا أثَرَ لكَلامِهما في الحالِ، ولا عِبْرَةَ بقَوْلِهما؛ لأَنَّ غيرَ العَدْلِ لا تُقْبَلُ شهادَتُه، وإن كانا عَدْلَين فشَهادَتُهما مَقْبولَةٌ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما لا يَجُرُّ إلى نفسِه بشهادَتِه نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ عنها ضَرَرًا، وقد حَصَل للعَبْدِ بحُرِّيَّةِ كلِّ نِصْفٍ منه شاهِدُ عَدْلٍ. فإن حَلَف معهما عَتَق كُلُّه، وإن حَلَف مع أحَدِهما عَتَق نِصْفُه، على الرِّوايَةِ التي تقولُ: إنَّ العِتْقَ يَثْبُتُ بشاهِدٍ ويَمينٍ. وإن لم يَحْلِفْ لم يَعْتِقْ منه شيءٌ؛ لأنَّ العِتْقَ لا يَحْصُلُ بشاهِدٍ مِن غيرِ يَمِينٍ. وإن كان أحَدُهما عَدْلًا دُونَ الآخَرِ، فله أن يَحْلِفَ مع شهادَةِ العَدْلِ، ويَصيرُ نِصْفُه حُرًّا، ويَبْقَى (٢) الآخَرُ رَقِيقًا.
فصل: ومَن قال بالاسْتِسْعاءِ فقد اعْتَرَفَ بأنَّ نصيبَه خَرَج عن يدِه، فيَخْرُجُ العبدُ كلُّه، ويُسْتَسْعَى في قيمتِه؛ لاعترافِ كلِّ واحدٍ منهما بذلك في نصيبِه.