. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن كان لكُلِّ واحدٍ منهما على صاحِبِه دَينٌ، مثلَ أن كان للسيدِ على مُكاتَبِه دَينٌ مِن الكِتابَةِ أو غيرِها، وللمُكاتَبِ على سيدِه دَينٌ، وكانا نَقْدًا مِن جِنْس واحدٍ، حالَّينِ، أو مُؤَجَّلَين أجَلًا واحدًا، تَقَاصَّا وتَساقَطا؛ لأنَّهما إذا تَساقَطَا بينَ الأجانِبِ، فمعَ (١) السيدِ ومُكاتَبِه أوْلَى. وإن كانا نَقْدًا مِن جِنْسَين، كدَراهِمَ ودَنانِيرَ، فقال ابنُ أبي موسى: لو كان له على سيدِه ألفُ دِرْهَمٍ، ولسيدِه عليه مائَة دِينارٍ، فجعلها قِصَاصًا بها، جاز، بخِلافِ الحُرَّينِ. وقال القاضي: لا يجوزُ هذا، لأنَّه بَيعُ دَين بِدَينٍ، وقد نَهَى النبيُّ ﷺ عن بَيعِ الدَّينِ بالدَّينِ (٢). ولأنَّه لا يجوزُ بينَ الأجْنَبِيَّين، فلم يَجُزْ بينَ المُكاتَبِ وسيدِه، كسائِرِ المُحَرَّمات. وفارَقَ العبدَ القِنَّ، فإنَّه باقٍ في تَصَرُّفِ سيدِه، وما في يَدِه مِلْكٌ خَالِصٌ لسيدِه، له (٣) أخْذُه والتَّصَرُّفُ فيه. فعلى هذا لا يجوزُ وإن تَرَاضَيَا به. وعلى قولِ ابنِ أبي موسى، يجوزُ إذا تَراضَيَا بذلك وتَبايَعاه، ولا يَثْبُتُ التَّقَاصُّ قبلَ تَراضِيهما به؛ لأنَّه بَيعٌ (٤). فإن كانا عَرْضَين أو [عَرْضًا ونَقْدًا] (٥)، لم تَجُزِ المُقاصَّةُ فيهما بغيرِ تَراضِيهما بحالٍ، سواءٌ كان العَرْضُ
стр. 9347
وَإنْ جَنَى عَلَيهِ، فَعَلَيهِ أَرشُ جِنَايَتِهِ.
ــ
مِن جِنْسِ حَقِّه أو مِن غيرِ جِنْسِه. وإن تَرَاضَيا بذلك لم يَجُزْ أيضًا؛ لأنَّه بَيعُ دَينٍ بِدَينٍ، وإن قَبَضَ أحَدُهما مِن الآخَرِ حَقَّه، ثم دَفَعَه إلى الآخَرِ عِوَضًا عن ما لَه في ذِمَّتِه، جاز، إذا لم يكُنِ الثَّابِتُ في الذمَّةِ عن سَلَمٍ. فإن كان ثَبَتَ عن سَلَمٍ، لم يَجُزْ أخْذُ عِوَضِه قبلَ قَبْضِه. وفي الجُمْلَةِ، إنَّ حُكْمَ المُكاتَبِ مع سيدِه في هذا حُكْمُ الأجانِبِ، إلَّا على قولِ ابنِ أبي موسى الذي ذَكَرْناه.
٣٠٠٣ - مسألة: (وإن جَنَى عليه، فعليه أَرْشُ جِنايَتِه) إذا جَنَى السيدُ على مُكاتَبِه، فلا قِصاصَ عليه؛ لأمْرَين: أحدُهما، أنَّه حُرٌّ والمُكاتَبُ عَبْدٌ. والثاني، أنَّه مِلْكُه، ولا يُقْتَصُّ مِن المالِكِ لممْلُوكِه، ولكَنْ يَجِبُ الأرْشُ، ولا يَجِبُ إلَّا بانْدِمالِ الجُرْحِ؛ لأنَّه قبلَ الانْدِمالِ لا يُؤْمَنُ سِرايَتُه إلى نفْسِه، فيَسْقُطُ أرْشُه، ومتى سَرَى الجُرْحُ إلى نَفْسِه انْفَسخَتِ الكِتابَةُ، وكان كقَتْلِه. فإذا انْدَمَلَ الجُرْحُ وجَبَ له أَرْشُه حِينَئِذٍ. فإن كان مِن جِنْسِ مالِ الكِتابَةِ، وقد حَلَّ عليه نجْمٌ، تَقَاصَّا. وإن كان مِن غيرِ جِنْسِ مالِ الكِتابَةِ، أو كان النَّجْمُ لم يَحِلَّ، لم يَتَقاصَّا. ولكُلِّ واحدٍ منهما مُطالبَةُ صاحِبِه بما يَسْتَحِقُّه. فإن رَضِيَ المُكاتَبُ
стр. 9348
وَإنْ حَبَسَهُ مُدَّةً، فَعَلَيهِ أَرْفَقُ الأمْرَين بِهِ، مِنْ إِنْظَارِهِ مِثْلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ، أوْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ.
ــ
بتَعْجِيلِ الواجِبِ له عَمَّا (١) لم يَحِلَّ مِن نُجُومِه، جاز إذا كان مِن جِنْسِ مالِ الكِتابَةِ.
٣٠٠٤ - مسألة: (وإن حَبَسَه مُدَّةً، فعليه أرْفَقُ الأمْرَينِ به، مِن إنْظارِه مثلَ تِلك المُدَّةِ، أو أُجْرَةِ مِثْلِه) إذا حَبَسَه سيدُه فقد أساء، ولا يَحْتَسِبُ عليه بمُدَّتِه، في أحَدِ الوُجُوهِ. والثاني، يَحْتَسِبُ عليه بمُدَّتِه؛ لأنَّ مال الكِتابَةِ دَينٌ مُؤَجَّلٌ، فَيَحْتَسِبُ بمُدَّةِ الحَبْسِ مِن الأجَلِ، كسائِرِ الدُّيُونِ المُؤَجَّلَةِ. فعلى هذا الوَجْهِ، يَلْزَمُه أجْرُ مِثْلِه في المدَّةِ التي حَبَسَه فيها. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ على سَيِّدِه تَمْكِينَه مِن التَّصَرُّفِ مُدَّةَ كِتابَتِه،
стр. 9349
وَلَيسَ لَهُ أَنْ يَطَأَ مُكَاتَبَتَهُ إلا أَنْ يَشْتَرِطَ،
ــ
فإذا حَبَسَه مُدَّةً وَجَبَ عليه تأْخِيرُه (١) مثلَ تلك المُدَّةِ؛ ليَسْتَوْفِيَ الواجِبَ له، ولأنَّ حَبْسَه يُفْضِي (٢) إلى إبْطالِ الكِتابَةِ وتَفْويتِ مَقْصُودِها ورَدِّهِ إلى الرِّقِّ، ولأنَّ (٣) عَجْزَه عن أداءِ نُجُومِه في مَحِلِّها، بسَبَبٍ مِن سيدِه، فلم يَسْتَحِقَّ به (٤) فَسْخَ العَقْدِ، كما لو مَنَعَ البائِعُ المُشْتَرِيَ مِن أداءِ الثَّمنِ لم يَسْتَحِقَّ فَسْخَ البَيعِ لذلك، ولو مَنَعَتِ المرأةُ زَوْجَها مِن الإِنْفاقِ عليها، لم تَسْتَحِقَّ فَسْخَ العَقْدِ لذلك. والثالثُ، أن يَلْزَمَ سَيِّدَه أرْفَقُ الأمْرَين به، مِن إنْظارِه مثلَ تلك المُدَّةِ، أو أُجْرَةِ مِثْلِه فيها؛ لأنَّه وُجِدَ سَبَبُهما، فكان للمُكاتَبِ أنْفَعُهما.
٣٠٠٥ - مسألة: (وليس له أن يَطَأَ مُكاتَبَتَه إلَّا أن يَشْتَرِطَ) وَطْءُ المُكاتَبَةِ مِن غيرِ شَرْطٍ حَرامٌ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. وقيل: له وَطْؤُها في الوَقْتِ الذي لا يَشْغَلُها الوَطْءُ عن السَّعيِ عمَّا هي فيه، لأنَّها مِلْكُ يَمينِه، فتَدْخُلُ في عُمُومِ قولِه
стр. 9350
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ (١). ولَنا، أنَّ الكِتابَةَ عَقْدٌ (٢) أزال مِلْكَ اسْتِخْدامِها، ومِلْكَ عِوَضِ مَنْفَعةِ بُضْعِها فيما إذا وُطِئَتْ بشُبْهةٍ، فأزال حِلَّ وَطْئِها، كالبَيعِ، والآيَةُ مَخْصُوصةٌ بالمُزَوَّجَةِ، فنَقِيسُ عليها مَحَلَّ النِّزاعِ، ولأنَّ المِلْكَ ههُنا ضَعِيفٌ؛ لأنَّه قد زال عن مَنافِعِها جُمْلَةً؛ ولهذا لو وُطِئَتْ بشُبْهَةٍ كان المَهْرُ لها، وتُفارِقُ أُمَّ الوَلَدِ، فإنَّ مِلْكَه باقٍ عليها؛ وإنَّما يَزُولُ بموتِه، فأشْبَهَتِ المُدَبَّرَةَ والمُوصَى بها، وإنَّما امْتَنَعَ البَيعُ؛ لأنَّها اسْتَحَقَّتِ العِتْقَ بموتِه، اسْتِحْقاقًا لازِمًا لا يُمْكِنُ زَوالُه.
فصل: فإن شَرَطَ وَطْأَها فله ذلك. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ. وقال سائِرُ مَن ذَكَرْنا: ليس له وَطْؤُها؛ لأنَّه لا يمْلِكُه مَع إطْلاقِ العَقْدِ، فلم
стр. 9351
فَإِنْ وَطِئَهَا وَلَمْ يَشْتَرِطْ، أَوْ وَطِئَ أَمَتَهَا، فَلَهَا عَلَيهِ
ــ
يَمْلِكْه بالشَّرْطِ،؛ لو زَوجَها أو أعْتَقَهَا. وقال الشافعيُّ: إذا شَرَطَ ذلك في عَقْدِ الكِتابَةِ فَسَدَ؛ لأنَّه شَرْطٌ فاسِدٌ، فأفْسَدَ العَقْدَ، كما لو شَرَط عِوَضًا فاسِدًا. وقال مالكٌ: لا يَفْسُدُ العَقْدُ به، لأنَّه لا يُخِلُّ برُكْنِ العَقْدِ ولا شَرْطِه، فلم يَفْسُدْ، كالصَّحِيحِ. ولَنا، قولُ النبي ﷺ : «المُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهمْ» (١). ولأنَّها مَمْلُوكَةٌ، له شَرْطُ نَفْعِها، فصَحَّ، كشَرْطِ اسْتِخْدَامِها. يُحَقِّقُ هذا أنَّ مَنْعَه مِن وَطْئِها مع بَقاءِ مِلْكِه عليها ووُجُودِ المُقْتَضِي لحِلِّ وَطْئِها، إنَّما كان لحَقِّها، فإذا اشْتَرَطَه عليها جاز، كالخِدْمَةِ، ولأنَّه اسْتَثْنَى بعْضَ ما كان له، فصَحَّ، كاشْتِراطِ الخِدْمةِ، وفارَقَ البَيعَ، فإنَّه يُزِيلُ مِلْكَه عنها.
٣٠٠٦ - مسألة: (وإن وَطِئَها ولم يَشْتَرِطْ، أو وَطِئَ أمَتَها ،
стр. 9352
الْمَهْر، وَيُؤَدَّبُ، وَلَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَدَّ. وَإنْ شَرَطَ وَطْئَهَا فَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيهِ.
ــ
أُدِّبَ، ولم يَبْلُغْ به الحَدَّ) إذا وَطِئَها مِن غيرِ شَرْطٍ لم يَجِبْ عليه الحَدُّ؛ لشُبْهَةِ المِلْكِ، في قولِ عامةِ الفقهاءِ. ورُوِيَ عن الحسنِ، والزُّهْرِيِّ، أنَّهما قالا: عليه الحَدُّ؛ لأنَّه عَقَدَ عليها عَقْدَ مُعاوَضَةٍ يُحَرِّمُ الوَطْءَ، فأوْجَبَ الحَدَّ بوطْئِها، كالبَيعِ. ولَنا، أنَّها مَمْلوكَتُه، فلم يَجِبْ عليه الحَدُّ بوَطْئِها، كالمرْهُونَةِ والمُسْتَأجَرَةِ، ويُخالِفُ البَيعَ، فإنَّه يُزِيلُ المِلْكَ، والكِتابَةُ لا تُزِيلُه، بدليلِ قولِه ﵇: «المُكاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ» (١). وعليه مَهْرُها إذا وَطِئَها بغيرِ شَرْطٍ؛ لأنَّه اسْتَوْفَى مَنْفَعَتَها المَمْنوعَ مِن اسْتِيفائِها، فأشْبَهَ مَنَافِعَ بَدنِها، فإن كانا
стр. 9353
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عالِمَين عُزِّرا، وإن كانا جاهِلَين عُذِرَا (١)، وإن كان أحَدُهما عالمًا والآخَرُ جاهِلًا، عُزِّرَ العالِمُ وعُذِرَ (٢) الجاهِلُ. ولا تَخْرُجُ بالوَطْءِ عن الكِتابَةِ. وقال اللَّيثُ: إن طاوَعَتْه فقد فَسَخَتْ كِتابَتَها وعادَتْ قِنًّا. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، فلم يَنْفَسِخْ بالمُطاوَعةِ على الوَطْءِ، كالإِجارَةِ والبَيعِ بعدَ لُزومِه. ويَجِبُ لها المَهْرُ، مُطَاوعَةً له (٣) كانت أو مُكْرَهَةً. وبه قال الحسنُ، والثَّوْرِيُّ، والحسنُ بنُ صالِحٍ، والشافعيُّ. وقال قَتادةُ: يَجِبُ إذا أكْرَهَها، ولا يَجِبُ إذا طَاوَعَتْه. ونَقَلَه المُزَنِيُّ عن الشافعيِّ، لأنَّ المُطاوعَةَ بَذَلَتْ نَفْسَها بغيرِ عِوَضٍ، فصارَتْ كالزَّانِيَةِ. ومَنْصُوصُ الشافعيِّ، وُجُوبُه في الحالين. وأنْكَرَ أصحابُه ما نقله المُزَنِيُّ، وقالوا: لا يُعْرَفُ. وقال مالكٌ: لا شيءَ عليه؛ لأنَّها مِلْكُه. ولَنا، أنَّه عِوَضُ مَنْفَعَتِها، فوَجَبَ لها، كعِوَضِ بَدَنِها، ولأنَّ المُكاتَبَةَ في يَدِ نَفْسِها، ومَنافِعُها لها؛ ولهذا لو وَطِئَها أجْنَبِيٌّ كان المَهْرُ لها، وإنَّما وَجَبَ في حالِ المُطاوَعَةِ؛ لأنَّ الحَدَّ سَقَطَ عنه للشُّبْهَةِ، فوَجَبَ لها المَهْرُ؛ لو وَطِئَ امرأةً بشُبْهَةِ عَقْدٍ مُطاوعَةً. فإن تَكَرَّرَ وَطْؤُها، وكان قد أدَّى مَهْرَ الوَطْءِ الأوَّلِ، فللثاني مَهْرٌ أيضًا؛ لأنَّ الأداءَ قَطَعَ حُكْمَ الوَطْءِ، وإن لم يكُنْ أدَّى عن الأوَّلِ، لم يَجِبْ إلَّا مَهْر واحدٌ؛ لأنَّ هذا عن وَطءِ الشُّبْهَةِ، فلم يَجِبْ إلَّا مَهْرٌ واحدٌ، كالوَطْءِ في النِّكاحِ الفاسِدِ.
стр. 9354
وَمَتَى وَلَدَتْ مِنْهُ، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ،
ــ
فصل: فأمَّا إن وَطِئَها مع الشَّرْطِ، فلا حَدَّ عليه، ولا مَهْرَ، ولا تَعْزِيرَ؛ لأنَّه وَطْءٌ يَمْلِكُه ويُبَاحُ له، فأشْبَهَ وَطْأَها قبلَ كِتابَتِها. وإذا وَجَبَ لها المَهْرُ بالوَطْءِ؛ فإن كان لم يَحِلَّ عليها نَجْمٌ فلها المُطالبَةُ، وإن كان قد حَلَّ عليها، وكان المَهْرُ مِن غيرِ جِنْسِه، فلها المُطالبَةُ أيضًا به، وإن كان مِن جِنْسِه تَقَاصَّا، وأخذ ذو الفَضْلِ فَضْلَه.
٣٠٠٧ - مسألة: فإن أوْلَدَها (صارت أُمَّ وَلَدٍ له) سَواءٌ وَطِئَها بشَرْطٍ أو بغيرِ شَرْطٍ؛ لأنَّه أحْبَلَهَا بحُرٍّ في مِلْكِه، فكانت أُمَّ وَلَدٍ، كغيرِ المُكاتَبةِ، والوَلَدُ حُرٌّ؛ لأنَّه وَلَدُه مِن مَمْلُوكَتِه، ويَلْحَقُه نَسَبُه؛ لذلك، ولأنَّه مِن وَطْءٍ سَقَطَ فيه الحَدُّ للشُّبْهَةِ، فأشْبَهَ وَلَدَ المَغْرُورِ (١)، ولا تَلْزَمُه قِيمَتُه؛ لأنَّها وَضَعَتْه (٢) في مِلْكِه.
стр. 9355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وليس له وَطْءُ بنْتِ مَكاتَبَتِه، لأنَّها تابِعَةٌ لها مَوْقُوفَةٌ معها، فلمِ يُبَحْ (١) وَطْؤُها، كأُمِّها، ولا يُبَاحُ ذلك بالشَّرْطِ؛ لأنَّ حُكْمَ الكتابَةِ ثَبَتَ فيها تَبَعًا، ولم يكنْ وطؤُها مُباحًا حال العَقْدِ فيَشْتَرِطَه (٢). فإن وَطِئَها فلا حَدَّ عليه، ويَأْثَمُ ويُعَزَّرُ؛ لأنَّه وَطِئَ وَطْئًا مُحَرَّمًا، ولها المَهْرُ، حُكْمُه حُكْمُ كَسْبِها، يكونُ لأُمِّها تَسْتعينُ به في كِتابَتِها؛ لأنَّ ذلك سَبَبُ حُرِّيَتِها (٣). فإن أحْبَلَها صارت أُمَّ وَلَدٍ له، والوَلَدُ حُرٌّ؛ لأنَّه أحْبَلَها بِحُرٍّ في مِلْكِه، ويَلْحَقُه نَسَبُه، ولا تجِبُ عليه قِيمَتُها؛ لأنَّ أُمَّها لا تَمْلِكُها، ولا قيمَةُ وَلَدِها؛ لأنَّها وَضَعَتْه (٤) في مِلْكِه.
فصل: وليس له وَطْءُ جاريَةِ مُكاتَبِه ولا مُكاتَبَتِه اتِّفاقًا. فإن فَعَلَ، أثِمَ وعُزِّرَ، ولا حَدَّ عليه؛ لشُبْهَةِ المِلْكِ؛ لأنَّه يَمْلِكُ مالِكَها، وعليه مَهْرُها لسيدِها، ووَلَدُه منها حُرٌّ يَلْحَقُه نَسَبُه؛ لأنَّ الحَدَّ سَقَطَ لشُبْهَةِ المِلْكِ، وتَصِيرُ أُمَّ ولدٍ له، وعليه قِيمَتُها لسيدها؛ لأنَّه أخْرَجَها بِوَطْئِه عن مِلْكِه، ولا تَجبُ عليه قِيمَةُ الوَلَدِ؛ لأنَّها وَضَعَتْه في مِلْكِه. ويَحْتَمِلُ أن تَلْزَمَه قِيمَتُه؛ لأَنَّه أخْرَجَه بوَطْئِه عن أن يكونَ مَمْلُوكًا لسيدِها، فأشْبَهَ
стр. 9356
فَإِنْ أَدَّتْ عَتَقَتْ، وَإنْ مَاتَ قَبْلَ أَدَائِهَا عَتَقَتْ، وَسَقَطَ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهَا، وَمَا فِي يَدِهَا لَهَا، إلا أن يَكُونَ بَعْدَ عَجْزِهَا. وَقَال
ــ
وَلَدَ المَغْرُورِ (١).
فصل: ولا يَمْلِكُ السيدُ إجْبارَ مُكاتَبَتِه ولا ابْنَتِها ولا أمَتِها على التَّزْويجِ؛ لأنَّه زال مِلْكُه بعَقْدِ الكِتابَةِ عن نَفْعِها ونَفْعِ بُضعِها (٢)، وعن عِوَضِه. وليس لواحدةٍ منهنَّ التَّزَوُّجُ (٣) بغيرِ إذْنِه؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في ذلك، فإنَّه يُثْبتُ حَقًّا للزَّوْجِ فيها، فرُبَّما عَجَزَتْ وعادت إليه على وَجْهٍ لا يَمْلِكُ وَطْأهَا، فإن تَراضَيا بذلك جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَخْرُجُ عنهما، وهو وَلِيُّها (٤) ووَلِيُّ ابْنَتِها وجارِيَتِها جميعًا؛ لأنَّ المِلْكَ له، فأشبَهَ الجارِيَةَ القِنَّ. والمَهْرُ للمُكاتَبَةِ، على ما ذَكَرْنا في مَهْرِهِنَّ إذا وَطِئَهُنَّ السيدُ.
٣٠٠٨ - مسألة: (فإن أدت عَتَقَتْ، وإن مات) سيدُها (قبلَ أدائِها عَتَقَتْ، وسَقَطَ ما بَقِيَ مِن كِتابَتِها، وما في يَدِها لها، إلَّا أن يكونَ
стр. 9357
أَصْحَابُنَا: هُوَ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهَا.
ــ
بعدَ عَجْزِها. وقال أصحابُنا: هو لوَرَثَةِ سيدِها. وكذلك الحُكْمُ فيما إذا أعْتَقَ المُكاتَبَ سيدُه) قد ذَكَرْنا أنَّ السيدَ إذا اسْتَوْلَدَ مكاتَبَتَه صارت أُمَّ وَلَدٍ له، والوَلَدُ حُرٌّ، ونَسَبُه لاحِقٌ به، ولا تَبْطُلُ كِتابَتُها بذلك؛ لأنَّها عَقْدٌ لازِمٌ مِن جهةِ سيدِها، وقد اجْتَمَعَ لها شبَبانِ يقْتَضِيان العِتْقَ، أيُّهما سَبَقَ صاحِبَه ثَبَتَ حُكْمُه. هذا قولُ الزُّهْرِيِّ، ومالكٍ، واللَّيثِ، والثَّوْرِيِّ والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي، وابنِ المُنْذِرِ. وقال الحَكَمُ (١): تَبْطُلُ كِتابَتُها؛ لأنَّها سَبَبٌ للعِتْقِ، فتَبْطُلُ (٢) بالاسْتِيلادِ، كالتَّدْبِيرِ. ولَنا، أنَّها عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فلا تَبْطُلُ بالوَطْءِ، كالبَيعِ، ولأنَّها سَبَبٌ للعِتْقِ لا يَمْلِكُ السيدُ الرُّجُوعَ عنه، فلم تَبْطُلْ بذلك، كالتَّعْلِيقِ بصِفَةٍ، وما ذَكَرَه يَبْطُلُ بالتَّعْلِيقِ بالصِّفَةِ. وتُفارِقُ الكِتابَةُ التَّدْبِيرَ مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّ حُكْمَ التَّدْبِيرِ والاسْتِيلادِ واحدٌ، وهو العِتْقُ عَقِيبَ الموتِ، والاسْتِيلادُ أقْوَى؛ لأنَّه يُعْتَبَرُ مِن رأسِ المالِ، ولا سَبِيلَ إلى إبْطالِه بحالٍ، فاسْتُغْنِيَ به عن التَّدْبِيرِ، والكِتابَةُ سَبَبٌ يُتَعَجَّلُ به (٣) العِتْقُ
стр. 9358
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالأداءِ، ويكونُ ما فَضَلَ مِن كَسْبِها لها، وتَمْلِكُ بها منَافِعَها وكَسْبَها، وتَخْرُجُ عن تَصَرُّفِ سيدِها. وهذا لا يَحْصُلُ بالاسْتِيلادِ، فيَجِبُ أن تَبْقَى لبَقاءِ فائِدَتِها. الثاني، أنَّ الكتابَةَ أقْوَى مِن التَّدْبِيرِ، للُزومِها، وكَونِها لا تَبْطُلُ بالرُّجُوعِ عنها، ولا بَيعِ المُكاتَبِ ولا هِبَتِه. الثالثُ، أنَّ التَّدْبِيرَ تَبرُّعٌ، والكِتابَةَ عَقْدُ مُعاوَضَةٍ لازِمٌ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَجْتَمِعُ لها سَبَبان، كلُّ واحدٍ منهما يَقْتَضِي الحُرِّيَّةَ، فأيُّهما تَمَّ قبلَ صاحِبِه، ثَبَتَتِ الحُرِّيَّةُ به، كما لو انْفَرَدَ، لأنَّ انْضِمامَ أحَدِهما إلى الآخَرِ مع كَونِه لا يُنافِيه، لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِه، فإن أدَّتْ عَتَقَتْ بالكِتابَةِ، وما فَضَلَ مِن كَسْبِها فهو لها، لأنَّ المُعْتَقَ بالكِتابَةِ له ما فَضَلَ مِن نُجُومِه، وإن عَجَزَتْ (١) وَرُدَّتْ في الرِّقِّ بَطَلَ حُكْمُ الكِتابَةِ، وبَقِيَ لها (٢) حُكْمُ الاسْتِيلادِ منفَرِدًا، كما لو لم تكُنْ مُكاتَبَةً، وله وَطْؤُها، وتَزْويجُها، وإجارَتُها، وتَعْتِقُ بمَوْتِه، وما في يدِها لوَرَثَةِ سيدِها. فإن مات سيدُها
стр. 9359
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إِذَا أَعْتَقَ الْمُكَاتَبَ سَيِّدُهُ.
ــ
قَبلَ عَجْزِها عَتَقَتْ بأنَّها أُمُّ وَلَدٍ، وتَسْقُطُ (١) الكِتابَةُ؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ حَصَلَتْ، فسَقَطَ العِوَضُ المبْذُولُ في تَحْصِيلِها، كما لو باشَرَها سيدُها بالعِتْقِ، وما في يَدِها لوَرَثَةِ سيدِها، في قولِ الخِرَقِيِّ، وأبي الخَطَّابِ؛ لأنَّها عَتَقَتْ بحُكْمِ الاسْتِيلادِ، فبَطَلَ حُكْمُ الكِتابَةِ، فأشْبَهَت غيرَ المُكاتَبَةِ. وقال القاضي، في «المُجَرَّدِ»، وابنُ عَقِيلٍ، في «الفُصُولِ»: ما فَضَلَ في يَدِها لها. وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ العِتْقَ إذا وَقَعَ في الكِتابَةِ لا يُبْطِلُ حُكْمَها، كالإبراءِ مِن مالِ الكِتابَةِ، ولأنَّ مِلْكَها كان ثابتًا على ما في يَدِها، ولم يَحْدُثْ إلَّا ما يُزِيلُ حَقَّ سيدِها عنها، فيَقْتَضِي زَوال حَقِّه عمَّا في يَدِها وتَقْرِيرَ مِلْكِها وخُلُوصَه لها، كما اقْتَضَى ذلك في نَفْسِها، وهذا أصَحُّ.
٣٠٠٩ - مسألة: (وكذلك الحُكْمُ فيما إذا أعْتَقَ المُكاتَبَ سيدُه) يكونُ كَسْبُه له. في قولِ القاضي ومَن وافَقَه. وعلى قياسِ قولِ الخِرَقِيِّ ومَن وافَقَه يكونُ لسيدِه، كما لو عَتَقَتِ الأمَةُ المُكاتَبَةُ بالاسْتيلادِ (٢). ويَحْتَمِلُ أن يكونَ لسيدِها أيضًا، على قولِ الخِرَقِيِّ ومَن وَافَقَه؛ لأنَّ السيدَ
стр. 9360
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أعْتَقَه برِضاه، فيكونُ رِضًا منه بإعْطائِه ماله، بخِلافِ العِتْقِ بالاسْتِيلادِ؛ فإنَّه حَصَلَ بغيرِ رِضَى الوَرَثَةِ واخْتِيارِهم، ولأنَّه لو كان مالُ المُكاتَبِ يَصِيرُ إلى السيدِ بإعْتاقِه، لتَمَكَّنَ السيدُ مِن أخْذِ مالِ المُكاتَبِ متى شاء، فمتى كان له غَرَضٌ في أخْذِ مالِه؛ إمَّا لكَونِه يَفْضُلُ عن نُجُوم كِتابَتِه، وإمَّا لغَرَض له في بعضِ أعيانِ مالِه، أو لكونِه يَتَعَجَّلُه قبلَ أَن [يَحِلَّ نَجْمُ] (١) الكِتابةِ، أَعْتَقَه (٢) وأخَذَ ماله. وهذا ضَرَرٌ على المُكاتَبِ لم يَرِدِ الشَّرْعُ به، ولا يَقْتَضِيه عَقْدُ الكِتابةِ، فوَجَبَ أن لا يُشْرَعَ.
فصل: وإن أتَتِ المُكاتَبَةُ بوَلَدٍ مِن غيرِ سَيدِها بعدَ اسْتيلادِها، فله حُكْمُها [في العِتْقِ] (٣) بكلِّ واحدٍ مِن السَّببَين، أيُّهما سَبَقَ (٤) عَتَقَ به، كالأُمِّ سَواءً؛ لأنَّه تابعٌ [فله حكمُها] (٥)، فيَثْبُتُ له ما يَثْبُتُ (٦) لها. وإن ماتَتِ المُكاتبَةُ بَقِيَ للوَلَدِ سَبَبُ الاسْتِيلادِ وحدَه، فإنِ اخْتَلَفا
стр. 9361
وَإنْ كَاتَبَ اثْنَانِ جَارِيَتَهُمَا، ثُمَّ وَطِئَاهَا، فَلَهَا الْمَهْرُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
ــ
في وَلَدِها، فقالت: وَلَدْتُه بعدَ كِتابَتِي، أو بعدَ ولادَتِي. وقال السيدُ: بل قبلَه. فقال أبو بكرٍ: القَوْلُ قولُ السيدِ مع يَمينِه. وهذا قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الأصْلَ كَونُ الأمَةِ ووَلَدِها رَقِيقًا لسيدِها، له التَّصَرُّفُ فيهما، وهي تَدَّعِي ما يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ (١). وإن زَوَّجَ مُكاتَبَه أمَتَه، ثم باعَها منه، واخْتَلَفا في ولَدِها. فقال السيدُ: هو لِي؛ لأنَّها وَلَدَتْه قبلَب بَيْعِها لك. وقال المُكاتَبُ: بل بعدَه. فالقولُ قولُ المُكاتَبِ؛ لأنَّهما اخْتَلَفا في مِلْكِه، ويَدُ المُكاتَبِ (٢) عليه، فكان القولُ قولَ صاحبِ اليدِ مع يَمينِه، كسائِرِ الأمْوالِ، ويُفارِقُ وَلَدَ المُكاتَبَةِ (٣)؛ لأنَّها لا تَدَّعى مِلْكَه.
فصل: (وإن كاتَبَ اثْنان جارِيَتَهما) ثم وَطِئَها أحَدُهما، أُدِّبَ فوقَ أدَبِ الواطِئِ لمُكاتَبَتِه الخالِصَةِ له؛ لأنَّ الوَطْءَ ههُنا حَرُمَ مِن وَجْهَين؛
стр. 9362
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشَّرِكَةُ والكِتابَةُ، فهو آكَدُ وإثْمُه أعْظَمُ، وعليه لها مَهْرُ مِثْلِها، على ما أسْلَفناه فيما إذا كان السيدُ واحِدًا، فإن لم يَكُنْ حَلَّ نَجْم قَبَضَتِ المَهْرَ، فإذا حَلَّ نَجْمُها سَلَّمَتْه إليهما، وإن حَلَّ نَجْمُها وهو مِن جِنْسِ مالِ الكِتابَةِ (١)، وكان في يَدِها بقَدْرِه، دَفَعَتْه إلى الذي لم يَطَأْها، واحْتُسِبَ على الواطِئِ بالمَهْرِ. وإن لم يكُنْ في يَدِها شيءٌ، وكان بقدْرِ نَجْمِها أو دُونَه، أخَذَتْ مِن الواطئ نِصْفَه، وسَلَّمَتْه إلى الآخرِ، وإن لم يكُنْ مِن جِنْسِ مالِ الكِتابةِ، فاتَّفَقَا على أخْذِه عِوَضًا عن مالِ الكِتابةِ، فالحكمُ فيه كما لو كان مِن جِنْسِها. وإن لم يَتَّفِقا قَبَضَتْ ودَفَعَت ما عليها (٢) مِن مالِ الكِتابَةِ مِن عِوَضِه أو غيرِه. وإن عَجَزَتْ ففَسَخَا (٣) الكِتابَةَ، وكان في يَدِها بقَدْرِ المَهْرِ، أخَذَه الذي لم يَطأْ، وسَقَطَ المَهْرُ مِن ذِمَّةِ الواطئِ، وإن لم يَكُنْ في يَدِها شيءٌ، كان للذي لم يَطأْ أن يَرْجِعَ على الواطئِ بنِصْفِه؛
стр. 9363
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنَّه وَطِئَ جارِيةً مُشْتَرَكَةً بينَهما، فإن حَبَلَتْ منه صارت أُمَّ وَلَدٍ له، وعليه نِصْفُ قِيمَتِها لشَرِيكِه مع نِصْفِ المَهْرِ الواجبِ لها، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا، فإن كان مُوسِرًا أدَّاهُ في الحالِ، وإنَّ كان مُعْسِرًا فهو في ذِمَّتِه. هذا ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. فعلى هذا، تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ للواطئِ، ومُكاتَبَةً له كأنَّه اشْتَرَاها، وتكونُ مُبْقاةً على ما بَقِيَ مِن كِتابَتِها، وتُعْتَبَرُ قِيمَتُها مُكاتَبَةً مُبْقاةً على ما بَقِيَ عليها (١) مِن كِتابَتِها. واختار القاضي أنَّه إن كان مُعْسِرًا لم يَسْرِ الاحْبالُ؛ لأنَّه بمَنْزِلةِ الإِعْتاقِ بالقولِ، يُعْتَبرُ اليَسارُ في سِرايَتِه، ونَصِيبُ الواطئِ قد ثَبَتَ له حكمُ الاسْتِيلادِ وحُكْمُ الكِتابةِ، ونَصِيبُ شَريكِه لم يَثْبُتْ له إلَّا حُكْمُ الكِتابةِ، فإن أدَّتْ إليهما عَتَقَتْ وبَطَلَ حكمُ الاسْتيلادِ، [وإن عَجَزَت وفَسَخا الكِتابةَ، ثَبَتَ لنِصْفِها حُكْمُ الاسْتيلادِ] (٢)، ونِصْفُها قِنٌّ لا يُقَوَّمُ على الوارِثِ وإن كان مُوسِرًا؛ لأنَّه ليس بعِتْقٍ. وإن مات الواطئُ قبلَ عَجْزِها، عَتَقَ نَصِيبُه، وسَقَطَ حُكْمُ الكِتابةِ فيه، وكان الباقي مُكاتَبًا. وإن كان الواطئُ مُوسِرًا، فقد ثَبَتَ لنِصْفِها حُكْمُ الاسْتيلادِ، ونِصْفُها الآخَرُ مَوْقُوفٌ، فإن أدَّتَ إليهما عَتَقَتْ كلُّها، وولاوها لهما، وإن عَجَزَتْ وفُسِخَتِ الكِتابَةُ، قَوَّمْناها حينَئِذٍ على الواطئِ، فيَدْفَعُ إلى شَرِيكِه قِيمةَ نَصِيبِه، ويَصِيرُ جَمِيعُها
стр. 9364
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أُمَّ ولَدٍ له. فإن مات عَتَقَتْ عليه، وكان ولاؤُها له. وهذا مَذهبُ الشافعيِّ، وله قولٌ آخَرُ، أنَّها تُقَوَّمُ على المُوسِرِ، وتَبْطُلُ الكِتابَةُ في نِصْفِ الشَّرِيكِ، ويَصِيرُ جَمِيعُها أمَّ وَلَدٍ، ونِصْفُها مُكاتبًا للواطئَ، فإن أدَّتْ نَصِيبَه إليه عَتَقَتْ وسَرَى إلى الباقِي، لأنَّه مِلْكُه، وعَتَقَ جَمِيعُها، وإن عَجَزَتْ، ففَسَخَ (١) الكِتابةَ، كانت أُمَّ وَلَدٍ له خَاصَّةً، فإذا مات عَتَقَتْ كُلُّها. ولَنا، أنَّ بَعْضَها أُمُّ وَلَدٍ، فكان جَمِيعُها كذلك، كما لو كان الشَّرِيكُ مُوسِرًا (٢)، يُحَقِّقُ هذا أنَّ الولَدَ حاصِلٌ مِن جَمِيعِها، وهو كلُّه مِن الواطئِ، ونَسَبُه لاحِقٌ به، فيَنْبَغِي أن يَثْبُتَ ذلك لجميعِها، ويُفارِقُ الإِعْتاقَ، فإنَّه أضْعَفُ، على ما بَيَّنّا مِن قبلُ. ولَنا على أنَّ الكِتابةَ لا تَبْطُلُ بالتَّقْويمِ، أنَّها [عَقْدٌ لازمٌ] (٣)، فلا تَبْطُل مع بَقائِها بفِعْل صَدَرَ منه، كما لو اسْتَوْلَدَها وهي في مِلْكِه، أو كما لو لم تَحْبَلْ منه، وأمَّا الولَدُ، فإنَّه حُرٌّ، لأنَّه مِن وَطْءٍ فيه شُبْهةٌ، ونَسَبُه لاحِقٌ به، لذلك، ولا تَلْزَمُه قِيمَتُه، لأنَّها وضَعَتْه (٤) في مِلْكِه. ورُوِيَ عن أحمدَ في هذا رِوايتان، إحداهما، لا تَجِبُ قِيمَتُه، لأنَّ نَصِيبَ شَرِيكِه انتقلَ إليه مِن حينِ العُلُوقِ، وفي تلك الحالِ لم تكُنْ له قِيمةٌ، فلم يَضْمَنْه. والثانيةُ، عليه نِصْفُ قِيمَتِه، لأنَّه كان مِن سبيلِ هذا النِّصفِ أن يكونَ مملوكًا لشريكِه، فقد أتْلَفَ رِقَّه عليه،
стр. 9365
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فكان عليه نصفُ قيمتِه. قال القاضي: هذه الرِّوايَةُ أصَحُّ على (١) المذهبِ. وذكَر هاتَين الرِّوايَتَين أبو بكرٍ، واخْتار (٢) أنَّها إن وَضَعَتْه بعدَ التَّقْويمِ فلا شيءَ على الواطئِ، وإن وَضَعَتْه قبلَ التَّقْويمِ غَرِمَ نِصْفَ قِيمَتِه، فإنِ ادَّعَى الواطئُ (٣) الاسْتِبْراءَ، فأتَتْ بالوَلَدِ لأكثرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن حينِ الاسْتِبْراءِ، لم يَلْحَقْ به، ولم تَصِرْ أُمَّ ولدٍ، وكان حُكْمُ ولدِها حُكْمَها. وإن أتَتْ به لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِن حينِ الاسْتِبْراءِ، لَحِقَ به، كما لو كان قبلَ الاسْتِبْراءِ؛ لأنَّا تَبَيَّنَا أنَّها كانت حَامِلًا وَقْتَ الاسْتِبْراءِ، فلم يَكُنْ ذلك اسْتِبْراءً.
٣٠١٠ - مسألة: وإن (وَطِئَاها) جميعًا، فقد وَجَبَ لها (على كلِّ واحدٍ منهما) مَهْرُ مِثْلِها. فإن كانت في الحالين على صِفَةٍ واحدةٍ، فهما سَواءٌ في الواجِبِ عليهما. وإن كانت بِكْرًا حين وَطِئَها الأوَّلُ، فعليه مَهْرُ بكرٍ، وعلى الآخَرِ مَهْرُ ثَيِّبٍ، فإن كان نَجْمُها لم يَحِلَّ، فلها مُطالبَتُهما بالمَهْرَين. وإن كان قد حَلَّ، وهو مِن جِنْسِ المَهْرِ، تَقَاصَّا، على ما ذَكَرْنا في المُقاصَّةِ. فإن أدَّتْ إليهما عَتَقَتْ، وكان لها المُطالبَةُ بالمَهْرَين، وإن عَجَزَتْ نَفْسُها، وفَسَخا الكِتابةَ بعدَ قَبْضِها المَهْرَين، وكانا سواءً، لم يَمْلِكْ أحَدُهما مُطالبةَ الآخَرِ بشيءٍ؛ لأنَّها قَبَضَتْهما وهي مُسْتَحِقَّةٌ
стр. 9366
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لذلك. فإن كان في يَدِها اقْتَسَماهما، وإن تَلِفا أو بعضُهما، فلا شيءَ لهما، لأنَّ السيدَ لا يَثْبُتُ له دَينٌ على مَمْلُوكِه. وإن كان الفَسْخُ قبلَ قَبْضِ المَهْرَين، وهما سَواءٌ، سَقَطَ عن كلِّ واحدٍ منهما (١) ما عليه، وإن كان أحَدُهما أقلَّ مِن الآخرِ، تقاصَّ (٢) منهما بقَدْرِ أقَلِّهما، ويَرْجِعُ مَن عليه أقَلُّهما على الآخرِ بنِصْفِ الزِّيادَةِ، وإن قَبَضَتْ مِن أحَدِهما دُون الآخَرِ، رَجَعَ المَقْبوضُ منه على الآخَرِ بنِصْفِ ما عليه، وإن قَبَضَتِ البعضَ مِن أحَدِهما دونَ الآخَرِ، أو قَبَضَتْ مِن أحَدِهما أكثرَ مِن الآخَرِ، رَجَعَ مَن قُبِضَ منه الأكْثرُ على الآخَرِ بنِصْفِ الزِّيادَةِ التي أدَّاها. فإن أفْضاها أحَدُهما بوَطْئِه، فعليه لها ثُلُثُ قِيمَتِها؛ لأنَّ الإِفْضاءَ في الحُرَّةِ يُوجِبُ ثُلثَ دِيَتِها، فيُوجِبُ في الأمَةِ ثُلُثَ قِيمَتِها [مع المَهْرِ، ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه في الإفضاءِ ثُلُثُ نقصِها. وقال القاضي: يَلْزَمُهُ قِيمتها] (٣). وهو مذهبُ الشافعيِّ. وهذا الخِلافُ مَبْنِيٌّ على الواجِبِ في إفْضاءِ الحُرَّةِ. وسنذْكُره إن شاء اللهُ تعالى. فإن فُسِخَتِ الكِتابَةُ، رَجَعَ مَن لم يُفْضِها على الآخَرِ بنِصْفِ قِيمَةِ الإفْضاءِ، على الخِلافِ المذكورِ. فإنِ ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما على الآخَرِ أنَّه الذي أفْضاها، أو وَطِئَها، حَلَفَ كل واحدٍ منهما، وبَرِئَ. وإن نَكَلَ أحَدُهما قُضِيَ عليه. وإن كان الخِلافُ [في ذلك] (٣) قبلَ
стр. 9367
فَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ أحدِهِمَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَيَغْرَمُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهَا، وَهَلْ يَغْرَمُ نِصْفَ قِيمَةِ وَلَدِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
عَجْزِها، فادَّعَتْ على أحَدِهما، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه. وإنِ ادَّعَتْ على أحدِهما غيرَ مُعَيَّنٍ، لم تُسْمَعِ الدَّعْوَى.
٣٠١١ - مسألة: (وإن وَلَدَتْ مِن أحَدِهما، صارت أُمَّ وَلَدٍ له، ويَغْرَمُ لشَرِيكِه نِصْفَ قِيمَتِها. وهل يَغْرَمُ نِصْفَ قِيمَةِ وَلَدِها؟ على رِوايَتَين) وقد ذَكَرْنا ذلك والخِلافَ فيه، فيما إذا وَطِئَها أحَدُهما.
стр. 9368
وَإنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ فَأُلحِقَ بِهِمَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا، يَعْتِقُ نِصْفُهَا بِمَوْتِ أحَدِهِمَا، وَبَاقِيهَا بِمَوْتِ الْآخَرِ. وَعِنْدَ الْقَاضِي، لَا يَسْرِي اسْتِيلَادُ أَحدِهِمَا إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ، إلا أَنْ يَعْجِزَ، فَيُنْظَرَ حِينَئِذٍ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ، وإلَّا فَلَا.
ــ
٣٠١٢ - مسألة: (وإن أتتْ بوَلَدٍ وأُلحِقَ بهما، صارت أمَّ وَلَدٍ لهما، يَعْتِقُ نِصْفُها بموتِ أحَدِهما، وباقِيها بموتِ الآخَرِ) كما لو كان سيدُها واحدًا واسْتَوْلَدَها، فإنَّها تَعْتِقُ بموتِه (وعندَ القاضي، لا يَسْرِي اسْتِيلادُ أحَدِهما إلى نَصِيبِ شَرِيكِه) لأنَّه انْعَقَدَ له سَبَبُ اسْتِحْقاقِه للولاءِ على نَصِيبِه بالكِتابَةِ، فلم يَجُزْ إبْطالُه بالسِّرَايَةِ (إلَّا أن يَعْجِزَ، فيُنْظَرَ حِينَئذٍ، فإن كان مُوسِرًا قُوِّمَ عليه نَصِيبُ شَرِيكِه، وإلَّا فلا) وقد ذَكَرْنا قولَ القاضي، وأجَبْنا عنه فيما سَبَقَ.
فصل: فأمَّا إن أوْلَدَها كلُّ واحدٍ منهما، واتَّفَقَا علِى السَّابِقِ منهما، فعلى قولِ الخِرَقِيِّ، تَصِيرُ أمَّ وَلدٍ له، ووَلَدُه حُرٌّ، يَلْحَقُه نسَبُه، والخِلافُ في ذلك كالخِلافِ فيما إذا انْفَرَدَ بإيلادِها سَواءً. وأمَّا الثاني، فقد وَطِئَ
стр. 9369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أُمَّ وَلَدِ غيرِه بشُبْهَةٍ وأوْلَدَها، فلا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له؛ لأنَّها مَمْلوكةُ غيرِه، فأشْبَهَ ما لو باعها ثم أوْلَدَها، وعليه مَهْرُها لها؛ لأنَّ الكِتابةَ لم تَبْطُلْ. والوَلَدُ حُرٌّ؛ لأنَّه مِن وَطْءِ شُبْهَةٍ، وعليه قِيمَتُه للأوَّلِ؛ لأنَّه فَوَّتَ رِقَّه عليه، وكان مِن سَبِيلِه أن يكونَ رَقِيقًا له، حُكْمُه حُكْمُ أُمِّه، فتَلْزَمُه قِيمَتُه على هذه الصِّفةِ. وقد ذَكَرْنا في وُجُوبِ نِصْفِ قِيمةِ الأوَّلِ خِلافًا. فإن قُلْنا بوُجُوبِها، تقاصَّا بما لواحدٍ منهما على صاحِبِه في القَدْرِ الذي تَساوَيا فيه، ويَرْجِعُ ذو الفَضْلِ بفَضْلِه، وتُعْتَبَرُ القِيمةُ يومَ الولادةِ؛ لأنَّها أوَّلُ حالٍ أمْكَنَ التَّقْويمُ فيها. وذكَرَ القاضي في المسألةِ أرْبعةَ أحْوالٍ؛ أحدُها، أن يكونا مُوسِرَين، فالحُكْمُ على ما ذَكَرْنا، إلَّا أنَّه جَعَلَ المَهْرَ الواجِبَ على الثاني للأوَّلِ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. ولا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّ الكِتابَةَ لا تَبْطُلُ بالاسْتِيلادِ، ومَهْرُ المُكاتَبَةِ لها دونَ سَيِّدِها، ولأنَّ سيدَها لو وَطِئَها وَجَبَ عليه المهرُ لها (١)، فلَأَن لا يَمْلِكَ المَهْرَ الواجِبَ على غيرِه أوْلَى، ولأنَّه عِوَضُ نَفْعِها، فكان لها، كأُجْرَتِها. الثاني، أن يكونَ الأوَّلُ مُوسِرًا والثاني مُعْسِرًا، فيكونُ كالحالِ الأوَّلِ سَواءً. قال القاضي: إلَّا أنَّ وَلَدَه يكونُ مَمْلُوكًا؛ لإِعْسارِه بقِيمَتِه. وهذا غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ الوَلَدَ لا يَرِقُّ بإعْسارِ وَالدِهِ، بدليلِ ولَدِ المَغْرُورِ مِن أمَةٍ، والوَاطِئِ بشُبْهَةٍ. وكلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنا بحُرِّيَّةِ الوَلَدِ، لا يَخْتَلِفُ بالإعْسارِ واليَسارِ، وإنَّما يُعْتَبَرُ اليسارُ في سِرايةِ العِتْقِ، وليس عِتْقُ هذا بطريقِ السِّرايَةِ، إنَّما هو
стр. 9370
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأجْلِ الشُّبْهَةِ في الوَطْءِ، فلا وَجْهَ لاعْتِبارِ اليسارِ (١) فيه، والصَّحِيحُ أنَّه حُرٌّ، وتَجِبُ قِيمَتُه في ذِمِّةِ أبِيه. الحالُ الثالثُ، أن يكونَا مُعْسِرَين، فإنَّها تصيرُ أُمَّ ولَدٍ [لهما جميعًا، نِصْفُها أمُّ وَلدٍ] (٢) للأوَّلِ، ونِصْفُها للثَّاني. قال: وعلى كلِّ واحدٍ منهما نِصْفُ مَهْرِها لصاحِبِه، وفي وَلَدِ كُلِّ واحدٍ منهما وَجْهان؛ أحدُهما، أن يكونَ كلُّه حُرًّا، وفي ذِمَّةِ أبيه نِصْف قِيمَتِه لشَرِيكِه. والثاني، نِصْفُه حُرٌّ، وباقيه عَبْدٌ لشَريكِه، إلَّا أَنَّ نِصْفَ الوَلَدِ الأوَّلِ عَبْدٌ قِنٌّ؛ لأنَّه تابعٌ للنِّصْفِ الباقِي مِن الأُمِّ، وأمَّا النِّصْفُ الباقي مِن وَلَدِ الثاني، فحُكْمُه حكمُ أُمِّه؛ لأنَّه وُلِدَ منها بعدَ أن ثَبَتَ لنِصْفِها حُكْمُ الاسْتِيلادِ للأوَّلِ، فكان نِصْفُه الرَّقِيقُ تابعًا لها في ذلك. ولعلَّ القاضيَ أراد ما إذا عَجَزَتْ وفُسِخَتِ الكِتابَةُ، فأمَّا إِذا كانتْ باقِيةً على الكِتابةِ، فلها المَهْرُ كامِلًا على كلِّ واحدٍ منهما، وإذا حُكِمَ بِرِقِّ نِصْفِ ولَدِها، وجَبَ أن يكونَ له حُكْمُها في الكِتابَةِ؛ لأنَّ وَلَدَ المُكاتَبةِ يكونُ تابعًا لها. الحالُ الرابعُ، أن يكونَ الأوَّلُ مُعْسِرًا والثاني مُوسِرًا، فحُكْمُه حكمُ الثالثِ سَواءً، إلَّا أنَّ وَلَدَ الثاني حُرٌّ؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ تَثْبُتُ لنِصْفِه بفِعْلِ أبِيه، وهو مُوسِرٌ، فسَرَى إلى جَمِيعِه، وعليه نِصْفُ قِيمَتِه لشَرِيكِه، ولم تُقَوَّمْ عليه الأمُّ؛ لأنَّ نِصْفَها أُمُّ وَلَدٍ للأوَّلِ. ولو صَحَّ هذا لوَجَبَ أن لا يُقَومَ عليه نِصْفُ الوَلَدِ؛ لأنَّ حُكْمَه حُكْمُ أُمِّه في هذا، فإذا مَنَعَ حُكْمُ الاسْتِيلادِ
стр. 9371
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السِّرايَةَ في الأُمِّ، مَنَعَه فيما هو تابعٌ لها. ومَذهبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ قَرِيبٌ مما ذَكَرَ القاضِي.
فصل: وإنِ اخْتَلَفا في السَّابِقِ منهما، فادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنَّه السَّابِقُ، فعلى قَوْلِنا، لها المَهْرُ على كلِّ واحدٍ منهما، وكلُّ واحدٍ منهما يُقِرُّ لصاحِبِه بنِصْفِ قِيمَةِ الجارِيةِ؛ لأنَّه يَقُولُ: صارت أُمَّ ولَدٍ لي (١) بإحْبالِي إيَّاها، ووَجَبَ لشَرِيكِي عليَّ نِصْفُ قِيمَتِها، ولي عليه قِيمَةُ ولَدِه؛ لأنَّه يقول: أوْلَدْتُها بعدَ أن صارت أمَّ وَلَدٍ لي. وهل يكونُ مُقِرًّا له (٢) بنِصْفِ قيمةِ ولَدِها؟ على وَجْهَين سَبَقَ ذِكْرُهما. فعلى هذا، إنِ اسْتَوَى ما يَدَّعِيه وما يُقِرُّ به، تَقَاصَّا وتَساقَطا، ولا يَمِينَ على صاحِبِه؛ لأنَّه يقولُ: لي عليكَ مثلُ ما لَكَ عليَّ. والجِنْسُ واحدٌ، فتساقَطَا، وإن زاد ما يُقِرُّ به، فلا شيءَ عليه؛ لأنَّ خَصْمَه يُكَذِّبُه في إقْرارِه. وإن زاد ما يَدَّعِيه، فله اليَمِينُ على صاحِبِه في الزِّيادةِ، ويَثْبُتُ للأَمَةِ حُكْمُ العِتْقِ في نَصِيبِ كلِّ واحدٍ منهما بموتِه؛ لإِقْرارِه بذلك، ولا يُقْبَلُ قولُه على شرِيكِه في إعْتاقِ نَصِيبه. وقال أبو بكرٍ: في الأمَةِ قولان؛ أحدُهما، أن يُقرَعَ بينَهما، فتكونَ أُمَّ وَلَدٍ لمَن تَقَعُ القُرْعةُ له. والثاني، تكونُ أُمَّ ولَدٍ لهما، ولا يَطَؤُها واحدٌ منهما. قال: وبالأوَّلِ أقولُ. وأمَّا القاضي فاخْتارَ أنَّهما إن كانا مُوسِرَين، فكلُّ واحدٍ منهما يَدَّعِي المَهْرَ على صاحِبِه، ويُقِرُّ له
стр. 9372
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بنِصْفِه. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ المَهْرَ عندَهم لسيدِها دُونَها، ولا يَعْتِقُ شيءٌ منها بموتِ الأوَّلِ، لاحْتِمالِ أن تكونَ أُمَّ ولدٍ للآخَرِ، فإذا مات الآخَرُ عَتَقَتْ، لأنَّ سيدَها قد مات يَقِينًا. وإن كانا مُعْسِرَين، فكلُّ واحدٍ منهما يُقِرُّ بأنَّ نِصْفَها أُمُّ ولَدِه، ويُصَدِّقُه الآخَرُ؛ لأنَّ الاسْتِيلادَ لا يَسْرِي مع الإِعْسارِ، وكلُّ واحدٍ منهما يُقِرُّ لصاحِبِه بنِصْفِ المَهْرِ، والآخرُ يُصَدِّقُه، فيتَقاصَّان إن تَساوَيا، وإن فَضَلَ أحَدُهما صاحِبَه، نَظَرْتَ؛ فإن كان كلُّ واحدٍ منهما يَدَّعِي الفَضْلَ، تحالفَا (١) وسَقَطَ، وإن كان كلُّ واحدٍ منهما يُقِرُّ بالفَضْلِ، سَقَطَ؛ لتَكْذِيبِ المُقَرِّ له به. وفي الولَدِ وَجْهان؛ أحدُهما، يكونُ حُرًّا، فيكونُ كلُّ واحدٍ منهما يَدَّعِي على الآخرِ نِصْفَ قِيمَةِ الوَلَدِ. والوَجْهُ الثاني، نِصْفُه حُرٌّ، فيُقِرُّ بأنَّ نِصْفَ الولدِ مَمْلوكٌ لشَرِيكِه، فيكونُ الوَلَدان (٢) بينَهما مِن غيرِ يَمينٍ، وعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَتَقاصَّان إنِ اسْتَوَتْ قِيمَةُ الوَلَدَين. ولا يَمِينَ في المَوْضِعَينِ، وأيُّهما مات، عَتَقَ (٣) نَصِيبُهُ، ووَلاوه له. وإن كان أحَدُهما مُوسِرًا والآخَرُ مُعْسِرًا، فالمُوسِرُ يُقِرُّ للمُعْسِرِ بنِصْفِ قِيمَةِ الأمَةِ ونِصْفِ مَهْرِ مِثْلِها، ويَدَّعِي عليه جَمِيعَ المَهْرِ وقِيمةَ الوَلَدِ، والمُعْسِرُ يُقِرُّ للمُوسِرِ بنِصْفِ المَهْرِ ونِصْفِ قِيمَةِ الولدِ، فيَسْقُطُ إقْرارُ المُوسِرِ للمُعْسرِ بنِصْفِ قِيمَةِ الجارِيَةِ؛ لكَونِه لا يَدَّعِيه ولا يُصَدِّقُه فيه، ويَتقاصَّان بالمَهْرِ،
стр. 9373
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لاسْتِوائِهما فيه، ويَدْفَعُ المُعسِرُ إلى المُوسِرِ نِصْفَ قِيمَةِ الوَلَدِ؛ لإِقْرارِه به، ويَحْلِفُ على ما يَدَّعِيه عليه مِن الزِّيادةِ؛ لأنَّه ادَّعَى عليه جميعَ قِيمةِ الوَلَدِ فأقَرَّ له بنِصْفِها، ويَحْلِفُ له المُوسِرُ على نِصْفِ قِيمَةِ الولَدِ الذي ادَّعاه المُعْسِرُ عليه. وأمَّا الجاريةُ، فإنَّ نَصِيبَ المُوسِرِ منها أُمُّ ولَدٍ بغيرِ خِلافٍ بينَهما فيه، وباقِيَه يتَنازَعانِه، فإن مات المُوسِرُ أوَّلًا عَتَقَ نَصِيبُه، ووَلاؤُه لوَرَثَتِه، فإذا ماتَ المُعْسِرُ عَتَقَ باقِيها، وإن مات المعسرُ أوَّلًا لم يَعْتِقْ منها شيء، فإذا مات المُوسِرُ عَتَقَ جَمِيعُها. ويَجِئُ على قولِ أبي بكر، أن يُقْرَعَ بينَهما على (١) النِّصْفِ المُخْتَلَفِ فيه.
فصل: فإن وَطِئَاها معًا، فأتَت بولَدٍ، لم يَخْلُ مِن ثلاثةِ أقْسامٍ؛ أحدُها، أن لا يُمْكِنَ أنْ يكُونَ مِن واحدٍ منهما، مثلَ أن تَأتِيَ به (٢) بعدَ اسْتِبْرائِها منهما، أو بعدَ أرْبعِ سنين منذُ وَطِئَهَا كلُّ واحدٍ منهما، [أو قبلَ مُضِيِّ سِتَّةِ أشْهُر منذُ وَطِئَها كلُّ واحدٍ منهما] (٣) فيكونُ مَنْفِيًّا عنهما، مَمْلُوكًا لهما (٤)، حُكْمُه حُكْمُ أمِّه في العِتْقِ بأدائِها. وتُقْبَلُ دَعْوَى الاسْتِبْراءِ مِن كل واحدٍ منهما؛ لأنَّ دَعْوَى الاسْبْراءِ في الأمَةِ كاللِّعانِ في الحُرَّةِ.
стр. 9374
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القسمُ الثاني، أن يكونَ مِن أحَدِهما بعَينِه دُونَ صاحِبِه، فالحُكْمُ فيه حُكْمُ ما إذا ولَدَتْ مِن أحَدِهما بعَينِه، مِن وُجُوبِ المَهْرِ لها، وقِيمَةِ نِصْفِها لشَرِيكِه، مع الخِلافِ في ذلك. فأمَّا الذي لم تَحْبَلْ مِن وَطْئِه، فإن كان الأوَّلَ، فعليه المَهْرُ لها، وإن كان الثانىَ فقد وَطِيء أمَّ وَلَدِ غيرِه، فإن كانتِ الكِتابةُ باقِيةً، فعليه المَهْرُ لها أيضًا، وإن كانت قد فُسِخَتْ، فالمَهْرُ للذي اسْتَوْلَدَها، وقد وَجَب للثاني على الأوَّلِ نِصْفُ قِيمَتِها. وفي قِيمَةِ نِصْفِ الوَلَدِ رِوايتان. فإن كان المَهْرُ للأوَّلِ، تَقَاصَّا بقَدْرِ أقَلِّ الحَقَّين، وإن كان المهرُ لها، رَجَعَ بحَقِّه على الذي أحْبَلَها. وأمَّا القاضي، فقال في هذا القسمِ: الحكمُ في الأوَّلِ كالحُكْمِ فيه إذا انْفَرَدَ بالوَطْءِ، على ما مَضَى مِن التَّفْصِيلِ، وأمَّا الثاني، فإن وَطِئَها بعدَ ولادَتِها مِن الأوَّلِ، نَظَرْنا؛ فإن وَطِئَها بعدَ الحُكمِ بكَونِها أُمَّ ولَدٍ للأوَّلِ، فعليه مَهْرُ مِثْلِها، فإن كان فَسَخَ الكِتابَةَ في حَقِّ نفْسِه لعَجْزِها، فالمَهْرُ له؛ لأنَّها أُمُّ ولَدِه، وإن كان لم يَفسَخْ، فالمَهْرُ بَينَه وبينَها نِصْفَين، وإن وَطِئَها بعدَ زوالِ الكِتابَةِ في حَقه، وقبلَ الحُكْمِ بأنَّها أم وَلَدٍ للأوَّلِ، سَقَطَ عنه نِصْفُ مَهْرِها؛ لأنَّ نِصْفَها قِنٌّ له، وعليه النِّصْفُ لها، إن لم يكنِ الأوَّلُ فَسَخَ الكِتابَةَ، أو له إن كان (١) فَسَخَ. وإن كان الأوَّلُ مُعْسِرًا، فنَصِيبُه منها أُمُّ ولَدٍ له، ولها عليهما المَهْران، والحُكْمُ فيما إذا عَجَزَتْ أو أدَّتْ قد تَقَدَّمَ. فأمَّا إن كان الوَلَدُ مِن الثاني، فالحُكْمُ في وَطْءِ الأوَّلِ كالحُكْمِ فيه إذا وَطِئ مُنْفَرِدًا
стр. 9375
فَصْلٌ: وَيَجُوزُ بَيعُ الْمُكَاتَبِ. وَمُشْتَرِيهِ يَقُومُ مَقَامَ الْمُكَاتِبِ.
ــ
ولم يُحْبِلْها. وأمَّا الثاني، فإن كان مُوسِرًا قُوِّمَ عليه نَصِيبُ شَرِيكِه عندَ العَجْزِ، فإن فَسَخا الكِتابَةَ قَوَّمْناها عليه، وصارَت أمَّ وَلَدٍ له، وإن رَضِيَ الثاني بالمُقامِ على الكِتابَةِ، قَوَّمْنا عليه نَصِيبَ الأوَّلِ، وصارَتْ كُلُّها أُمَّ وَلَدٍ له، ونِصْفُها مُكاتَبٌ، ويَرْجِعُ الأوَّلُ على الثاني بنِصْفِ المَهْرِ ونِصْفِ قِيمَةِ الولَدِ، على إحدى الرِّوايَتَين. ويرجعُ الثاني على الأوَّلِ بنصْفِ المَهْرِ، فيتَقاصَّان به، إن كان باقِيًا عليهما، وإن كان الثاني مُعْسِرًا، فالحُكْمُ فيهكما لو ولَدَتْ مِن الأوَّلِ وكان مُعْسِرًا، لا فَضْلَ بينَ المسْألَتَين.
القِسمُ الثالثُ، أمْكَنَ أن يكونَ الولدُ مِن كلِّ واحدٍ منهما، فيُرَى القافةَ معهما، فيُلْحَقُ بمَن ألْحَقُوه به [منهما، فمَن أُلْحِقَ به] (١)، فحكمُه حكمُ ما لو عَرَف أنَّه منه بغير قافةٍ.
٣٠١٣ - مسألة: (ويَجُوزُ بَيعُ المُكاتَبِ. ومُشْتَرِيه يَقُومُ مَقامَ المُكاتِبِ) ومِمَّن قال بجوازِ بَيعِ المُكاتبِ، عطاءٌ، والنَّخَعِي، واللَّيثُ، وابنُ المُنْذِرِ، وهو قَدِيمُ قَولَي الشافعيِّ. قال: ولا وَجْهَ لقولِ مَن قال:
стр. 9376
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يجوزُ. وحكى أبو الخَطَّابِ رِوَايةً أخْرَى عن أحمدَ، أنَّه لا يجوزُ بَيعُه. وهو قولُ مالكٍ، وأصحابِ الرَّأي، والجَديدُ مِن قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَمْنَعُ اسْتِحْقاقَ كَسْبِه، فمَنَعَ بَيعَه، كبَيعِه لأجْنَبِي، وعِتْقِه. وقال الزُّهْرِيُّ، وأبو الزِّناد: يجوزُ بَيعُه برِضاهُ، ولا يجوزُ بغيرِه. وحُكِيَ ذلك عن أبي يوسف؛ لأنَّ بَرِيرَةَ إنَّما بِيعَت برِضاها وطَلَبِها (١)، ولأنَّ لسيدِه اسْتيفاءَ مَنافِعِه برِضاه، ولا يجوزُ بغيرِ رِضاه، كذلك بَيعُه. ولَنا، ما روَى عُرْوَةُ عن عائشةَ، أنَّها قالت: جاءت بَرِيرَةُ إليَّ، فقالت: يا عائشة، إنِّي كاتَبْتُ أهْلِي على تِسْعِ أواقٍ، في كُلِّ عام أوقِيَّةٌ، فأعِينيني. ولم تَكُنْ قَضَتْ مِن كتابتِها شَيئًا، فقالت لها عائشةُ، ونَفِسَت (٢) فيها: ارْجِعِي إلى أهْلِكِ، إن أحَبُّوا أن أعْطِيَهم ذلك جميعًا فَعَلْتُ. فذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلى أهْلِها، فعَرَضَتْ عليهم ذلك، فأبَوْا، وقالُوا: إن شاءت أن تَحْتَسِبَ عليكِ فلتَفْعَلْ، ويكونُ ولاؤكِ لنا. فذَكَرَتْ ذلك عائشةُ لرسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: «لا يَمْنَعُكِ ذلِكَ مِنْهَا، ابْتاعِي وأعْتِقِي، إنَّما الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ». فقام رسولُ اللهِ ﷺ في الناسِ، فحمِدَ الله وأثْنَى عليه، ثم قال: «أمَّا بَعْدُ، فما بَالُ نَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا ليسَتْ في كِتَابِ اللهِ، مَنِ
стр. 9377
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اشْتَرطَ شَرْطًا لَيسَ في كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِل، وإن كان مائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أحَقُّ، وشَرْطُهُ أوْثَقُ، وإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ». مُتَّفَق عليه. قال ابنُ المُنْذِرِ: بيعَتْ بَرِيرَةُ بعِلْمِ النبيِّ ﷺ ، وهي مُكاتَبَةٌ، لم يُنْكِرْ ذلك، ففي ذلك أبيَنُ البَيانِ أنَّ بَيعَه جائِز، ولا أعْلَمُ خَبَرًا يُعارِضُه، ولا أعلمُ في شيءٍ مِن الأخْبارِ دليلًا على عَجْزِها. وتأوَّلَه الشافعيُّ على أنَّها كانت قد عَجَزَتْ، وكان بَيعُها فَسْخًا لكتابَتِها. وهذا التَّاويلُ بعيدٌ يَحْتاجُ إلى دليلٍ في غايةِ القُوَّةِ، وليس في الخبرِ ما يدُلُّ عليه (١)، بل قَوْلُها: أعِينيني على كِتابَتِي. دليلٌ على بَقائِها على الكتابةِ، ولأنَّها أخْبَرَتْها أنَّ نجومَها في كُلِّ (٢) عامٍ أُوقِيَّةٌ، فالعَجْزُ إنَّما يكونُ بمُضِيِّ عامَين عندَ مَن لا يَرَى العَجْزَ إلَّا بحُلولِ نَجْمَين، أو بمُضِيِّ عام عندَ الآخَرِين، والظَّاهِرُ أنَّ شِراءَ عائشةَ لها كان في أوَّلِ كِتابَتِها, ولا يَصِحُّ قِياسُه على أمِّ الوَلَدِ؛ لأنَّ سَبَبَ حرِّيَّتِها مُسْتَقِرٌّ (٢) على وَجْهٍ لا يُمْكِنُ فسْخُه بحالٍ، فأشْبَهَ الوَقْفَ، والمُكاتَبُ يَجُوزُ رَدُّه إلى الرِّقِّ وفَسْخُ كِتابَتِه إذا عَجَزَ، فافْتَرَقا. قال ابنُ
стр. 9378
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبي موسى: هل للسيدِ أن يبيعَ المُكاتَبَ بأكثرَ ممَّا كاتَبَ (١) عليه؟ على رِوايَتَين. ولأنَّ المُكاتَبَ عَبْدٌ مملوكٌ لسيدِه لم يتَحَتَّمْ عِتْقُه، فجازَ بَيعُه، كالمُعلَّقِ عِتْقُه بصِفَةٍ، والدليلُ على أنَّه مَمْلوكٌ قولُ النبيِّ ﷺ : [«المُكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ» (٢). ولأنَّ مَوْلاتَه لا يَلْزَمُها أن تحْتجِبَ منه إذا لم يَمْلِك ما يُؤَدِّي؛ لقولِ النبيِّ ﷺ ] (٣): «إِذَا كَانَ لإحْدَاكُنَّ مُكاتَبٌ فمَلَكَ مَا يُؤَدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ» (٤). يدُلّ بمفهومِه على أنَّها لا تَحْتَجِبُ منه قبل ذلك، وإنَّما سَقَطَ الحِجابُ عنه؛ لكَونِه مَمْلوكَها, ولأنَّه يصِحُّ عِتْقُه، ولا يصِحُّ عِتْقُ مَن ليس بمَمْلوكٍ، ولأنَّه يَرْجِعُ عندَ العَجْزِ إلى كَونِه قِنًّا, ولو صارَ حُرًّا ما عاد إلى الرِّقِّ، ويُفارقُ إعْتاقَه؛ لأنَّه يُزِيلُ الرِّقَّ بالكُليَّةِ، وليس بعَقْدٍ، إنَّما هو إسْقاطٌ للمِلْكِ فيه، وأمَّا بَيعُه، فلا يُمْنَعُ المُشْتَرِي بَيعَه، وأمَّا البائِعُ، فلم يَبْقَ له فيه مِلْكٌ، بخِلافِ مَسألَتِنا.
فصل: وتجوزُ هِبَتُه، والوَصِيَّةُ به. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه مَنَعَ هِبَتَه؛ لأنَّ الشَّرْعَ إنَّما وَرَدَ ببَيعِه. والصَّحِيحُ جَوازُها؛ لأنَّ ما كان في مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه ثَبَت الحكمُ فيه.
فصل: ومُشْتَرِيه يَقُومُ فيه مَقامَ المُكاتِبِ. وجملةُ (٥) ذلك، أنَّ
стр. 9379
فَإِنْ أَدَّى إِلَيهِ عَتَقَ، وَوَلَاؤهُ لَهُ، وَإنْ عَجَزَ عَادَ قِنًّا لَهُ، وَإنْ لَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ مُكَاتَبٌ، فَلَهُ الرَّدُّ أو الْأَرْشُ. وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ بَيعُهُ.
ــ
الكِتابَةَ لا تنْفَسِخُ فيه (١) بالبَيعِ، ولا يجوزُ إبْطالُها. لا نعلمُ في هذا خِلافًا. وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على أنَّ بَيعَ السيدِ مُكاتَبَه على أن يُبْطِلَ (٢) كتابَتَه ببَيعِه، إذا كان ماضِيًا فيها، مؤَدَيًا ما يجبُ عليه مِن نُجومِه في أوْقاتِها، غيرُ جائِزِ؛ وذلك لأنَّها عَقْدٌ (٣) لازِمٌ، فلا يبْطُلُ بالبَيعِ، كالإِجارَةِ والنِّكاحِ، ويَبْقَى على كتابَتِه عندَ المُشْتَرِي وعلى نُجومِه، كما كان عندَ البائِعِ، مُبْقًى على ما بَقِيَ مِن كتابَتِه، يُؤَدِّي إلى (٤) المُشْتَرِي ما كان يُؤَدِّي إلى البائِع.
٣٠١٤ - مسألة: (فإن أدَّى عَتَقَ، ووَلاؤُه له، وإن عجز عاد قِنًّا له، وإن لم يَعْلَمْ أنَّه مُكاتَبٌ، فله الرَّدُّ أو (٥) الأرْشُ) إذا أدَّى إلى المُشْتَرِي عَتَقَ؛ لأنَّ حقَّ المُكاتِبِ فيه انْتَقَلَ إلى المُشْتَرِي، فصار المُشْتَرِي (٤) هو المُعْتِقَ، وولاؤُه له؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «إِنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ». وقد دَلَّ [على ذلك] (٦) حديثُ بَرِيرَةَ؛ لأنَّه جَعَلَ
стр. 9380
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولاءَها لعائشةَ حينَ اشْتَرَتْها وأعْتَقتْها. وإن عَجَزَ عاد قِنًّا له؛ لأنَّه صار سيدَه، فقامَ مَقَامَ المُكاتِبِ، وإن لم يَعْلَمْ أنَّه مُكاتبٌ، ثم عَلِمَ ذلك، فله فَسْخُ البَيعِ، أو أخْذُ الأرْشِ؛ لأنَّ الكتَابَةَ عَيبٌ (١)، لكَونِ المُشْتَرِي لا يقْدِرُ على التَّصَرُّفِ فيه، ولا يَسْتَحِقُّ كَسْبَه ولا اسْتِخْدامَه، ولا الوَطْءَ إن كانت أمَةً، فمَلَكَ الفَسْخَ، كشراءِ الأمَةِ المُزَوَّجَةِ، فيُخَيَّرُ حِينَئذٍ بينَ الفَسْخِ والرُّجُوعِ بالثَّمَنِ، وبينَ الإِمْساكِ مع الأرْش، على ما ذَكَرْنا في البَيع.
فصل: فأمَّا بَيعُ الدَّينِ الذي على المُكاتَبِ كان نُجُومِه، فلا يَصِحُّ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال عطاءٌ، وعمرُو بنُ دينارٍ، ومالكٌ: يَصِحُّ؛ لأنَّ السيدَ يَمْلِكُها في ذِمَّةِ المُكاتَبِ، فجاز بَيعُها، كسائِرِ أمْوالِه. ولَنا، أنَّه دَين غيرُ مُسْتَقِرٍّ, فلم يَجُزْ بَيعُه، كدَين السَّلَمِ، ودليلُ عَدَمِ الاسْتِقْرارِ، أنَّه مُعَرَّص للسُّقُوطِ بِعَجْزِ المُكاتَبِ، [ولأنَّه] (٢) لا يَمْلِكُ السيدُ إجْبارَ العبدِ على أدائِه ولا إلْزَامَه بتَحْصِينه، فلم يجُزْ بَيعُه، كالعِدَةِ بالتَّبَرُّعِ، ولأنَّه في، مَقبُوضٍ، وقد نَهَى النبيّ ﷺ عن بَيعِ ما لم يُقْبَضْ (٣). فإن باعه فالبَيعُ باطِلٌ، وليس للمُشْتَرِي مُطالبَةُ المُكاتَبِ بتَسْلِيمِه إليه، وله الرُّجوعُ بالثَّمَنِ على البائِع
стр. 9381
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إن كان دَفَعَه إليه. وإن سلَّمَ المُكاتَبُ إلى المُشْتَرِي نُجومَه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَعْتِقُ؛ لأنَّ البَيعَ تَضَمَّنَ الإِذْنَ في القَبْضِ، فأشْبَهَ قَبْضَ الوَكِيلِ. والثاني، لا يَعْتِقُ؛ لأنَّه لم يَسْتَنِبْه في القَبْضِ، وإنَّما قَبَضَ لِنَفْسِه بحُكْمِ البَيعِ الفاسِدِ، فكان القَبْضُ فاسِدًا، فلم يَعْتِقْ، بخِلافِ وَكيله، فإنَّه اسْتَنابَه. ولو صَرَّحَ بالإِذْنِ لم يكُنْ مُسْتَنِيبًا له في ألقَبْضِ، وإنَّما إذنه في القَبْضِ بحُكْمِ المُعاوَضَةِ، فلا فَرْقَ بينَ التَّصْرِيحِ وعَدَمِه. فإن قُلْنا: يَعْتِقُ بالأداءِ. بَرِئ المُكاتَبُ مِن مالِ الكِتابَةِ، ويَرْجِعُ السيدُ على المُشْتَرِي بما قَبَضَه؛ لأنَّه كالنَّائِبِ عنه، فإن كان مِن جِنْسِ الثَّمَنِ، وكان قد تَلِفَ، تَقَاصَّا بقَدْرِ أقَلِّهما، ورجَعَ ذو الفَضْلِ بفَضْلِه. وإن قُلْنا: لا يَعْتِقُ بذلك. فمالُ الكِتابَةِ باقٍ في ذِمَّةِ المُكاتَبِ، ويَرْجِعُ المُكاتَبُ على المُشْتَرِي بما دَفَعَه إليه، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي على البائِعِ. فإن سَلَّمَه المُشْتَرِي إلى البائِعِ، لم يَصِحَّ تَسْلِيمُه؛ لأنَّه قَبَضَه بغيرِ إذْنِ المُكاتَبِ، فأشْبَهَ ما لو أخَذَه مِن مالِه بغيرِ إذْنِه. وإن كان مِن غَيرِ جِنْسِ مالِ الكتابَةِ، تَرَاجَعا بما لِكُلِّ واحدٍ منهما على الآخَرِ. وإن باعَهُ [ما أخَذَه بما لَه] (١) في ذِمَّتِه، وكان ممَّا يجوزُ البَيعُ فيه، جاز إذا كان ما قَبَضَه السيدُ باقِيًا، وإن كان قد تَلِفَ ووَجَبَتْ قِيمَتُه، وكانت (٢) مِن جِنْسِ مالِ الكتابَةِ، تَقاصَّا، وإن كان المقبوضُ مِن جِنْسِ مالِ الكتابَةِ، فتَحاسَبا به، جاز.
стр. 9382
وَإنِ اشْتَرَى كُلّ وَاحِدٍ منَ الْمُكَاتَبَينِ الْآخَرَ، صَحَّ شِرَاءُ الْأَوَّلِ، وَبَطَلَ شِرَاءُ الثَّانِي، سَوَاءٌ كَانَا لِوَاحِدٍ أوْ لِاثْنَينِ.
ــ
فصل: وإذا كان للمُكاتَبِ وَلَدٌ يَتْبَعُه في الكِتابَةِ، فباعَهُما، صَحَّ؛ لأنَّهما مِلْكُه، ولا مانِعَ مِن بَيعِهما، ويكونان عندَ المُشْتَرِي كما كانا عندَ البائِعِ سَواءً. وإن باع أحَدَهما دُونَ صاحِبِه، أو باع أحَدَهما لرجُلٍ، وباع الآخرَ لغيرِه، لم يَصِحَّ؛ لوَجْهَين؛ أحدُهما، أنَّه لا يجوزُ التَّفْرِيقُ بينَ الوَالِدِ ووَلَدِه في البَيعِ إلَّا بعدَ البُلُوغِ؛ على إحْدَى الرِّوايَتَين. والثاني، أنَّ الولدَ تابعٌ لوالِدِه، وله كَسْبُه، وعليه نَفَقَتُه، فصارَ في مَعْنى مَمْلوكِه، فلم يَجُزِ التَّفْرِيقُ بَينَهما. وعلى الروايةِ الأخْرَى، يَحْتَمِلُ أن يجوزَ بَيعُه بعدَ البُلُوغِ؛ لأنَّه مَحَلٌّ للبَيعِ، صَدَرَ فيه التَّصَرُّفُ مِن أهْلِه، ويكونُ عندَ مَن هو عندَه على ما كان عليه قبلَ بَيعِه، لوالِدِه كَسْبُه، وعليه نَفَقَتُه وأرْشُ جِنايته، ويَعْتِقُ بعِتْقِه، كما لو بِيعَ مع والدِه.
فصل: وتَصِحُّ الوَصيَّةُ لمُكاتَبِه؛ لأنَّه مع سيدِه في المُعامَلَةِ كالأجْنَبِيِّ، ولذلك جازَا دفْعُ زَكاتِه إليه. فإن قال: ضَعُوا عن مُكاتَبِي بعضَ كِتابَتِه، أو: بعضَ ما عليه. وَضَعُوا ما شاءُوا، قليلًا كان أو كثيرًا. وقد ذَكَرْنا نَحْوَه في الوَصايَا (١).
٣٠١٥ - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى كلُّ واحدٍ مِن المُكاتَبَين الآخَرَ، صَحَّ شِرَاءُ الأوَّلِ، وبَطَلَ شِرَاءُ الثاني، وسَواءٌ كانا لواحِدٍ أو لاثْنَين)
стр. 9383
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا خِلافَ في أنَّ المُكاتَبَ يَصِحُّ شِراؤه للعبِيدِ (١)، والمُكاتَبُ يجوزُ بَيعُه على ما ذَكرْنا، في الصَّحِيحِ مِن المذهبِ. فإذا اشْتَرَى أحَدُهما الآخرَ، صَحَّ شِراؤُه، ومَلَكَه؛ لأنَّ التَّصَرُّفَ صَدَرَ مِن أهلِه في مَحَلِّه، وسَواءٌ كانا مُكاتَبَين لسيدٍ واحدٍ أو لاثْنَين. فإن عاد الثاني فاشْتَرَى الذي اشْتَراه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه سيدُه ومالِكُه، وليس للمَمْلُوكِ أن يَمْلِكَ مالِكَه؛ لأنَّه يُفْضِي إلى تَناقُضِ الأحْكامِ، إذْ كلُّ واحِدٍ منهما يقولُ لصاحِبِه: أنا سيدُكَ، ولي عليك مالُ الكتابَةِ تُؤَدِّيه إليَّ، وإن عَجَزْتَ فلي فَسْخُ كتابَتِكَ ورَدُّكَ إلى أن تكونَ رَقِيقًا لي (٢). وهذا تناقُضٌ، وإذا [تنافى أنَّ تَمْلِكَ] (٣) المرأةُ زَوْجَها مِلْكَ اليَمِين؛ لثُبُوتِ مِلْكِه عليها في النِّكاحِ، فها هُنا أوْلَى، ولأنَّه لو صَحَّ هذا، [لتَقاصَّ الدَّينان] (٤) إذا تساوَيا، وعَتَقَا جَمِيعًا. إذا ثَبَتَ هذا، فشراءُ الأوَّلِ صحيحٌ، والمَبِيعُ منهما باقٍ على كتابتِه، فإن أدَّى عَتَقَ، ووَلاؤُه مَوْقُوفٌ، فإن أدَّى سيدُه كتابَتَه، كان الوَلاءُ له؛ لأنَّه عَتَقَ بأدائِه إليه، وإن عَجَزَ، فوَلاؤُه لسيدِه؛ لأنَّ العبدَ لا يثْبُتُ له ولاءٌ (٢)، وَلأنَّ السيدَ يأخُذُ ماله، فكذلك حُقُوقُه. هذا مُقْتَضَى قولِ
стр. 9384
وَإنْ جُهِلَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا فَسَدَ الْبَيعَانِ.
ــ
القاضِي. ومُقْتَضَى قَولِ أبي بكر، أنَّ الوَلاءَ لسيدِه؛ لأنَّ المُكاتَبَ عَبْدٌ لا يثْبُتُ له الوَلاءُ، فيثْبُتُ لسيده. ذكَرَا (١) ذلك (٢) فيما إذا أعْتَقَ (٣) بإذْنِ سيدِه، أو كاتَبَ عَبْدَه فأدَّىَ كتابَتَه، وهذا نَظِيرُه. ويَحْتَمِلُ أن يُفَرَّقَ بينَهما، لكونِ العِتْقِ ثَمَّ (٤) بإذْذِا السيدِ، فيَحْصُلُ الإِنْعامُ عنه بإذْنِه فيه، وها هنا لا يفْتَقِرُ إلى إذْنِه، فلا نعمَةَ له عليه، فلا يكونُ له عليه وَلاءٌ، ما لم يُعَجِّزْه (٥) سيدُه.
٣٠١٦ - مسألة: فإن لم يُعْلَمِ السَّابِقُ مِنْهُما (فَسَدَ البَيعَان) وهذا قولُ أبي بكر، ويُرَدُّ كلُّ كل واحد منهما إلى كِتايَته؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما مَشْكوكٌ في صِحَّةِ بَيعِه، فيُرَدُّ إلى اليَقينِ. وذَكَرَ القاضي أنَّه يَجْرِي مَجْرَى
стр. 9385
وَإنْ أسَرَ الْعَدُوُّ الْمُكَاتَبَ، فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ، فَأحَبَّ سيِّدُهُ، أخَذَهُ بِمَا اشْتَرَاهُ، وَإلَّا فَهُوَ عِنْدَ مُشْتَرِيهِ، مُبْقًى عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ، يَعْتِقُ بِالْأدَاءِ، وَوَلَاؤُهُ لَهُ.
ــ
ما إذا زَوَّجَ الوَلِيَّان فأشْكَلَ الأوَّلُ منهما. فيَقْتَضِي هذا أن يُفْسَخَ البَيعَانِ كما يُفْسَخُ النِّكاحَان. وعلى قولِ أبي بكرٍ، لا يُحْتاجُ إلى الفَسْخِ؛ لأنَّ النِّكاحَ إنَّما احْتِيجَ فيه (١) إلى الفَسْخِ مِن أجْل المرِأةِ؛ فإنَّها مَنْكُوحَةٌ نِكاحًا صحيحًا لواحدٍ منهما يَقِينًا، فلا يَزُولُ إلَّا بفسْخٍ، وفي مسألتِنا لم يَثْبُتْ تَعَيُّنُ (٢) البَيعِ في واحدٍ بعَينِه، فلم يَفْتَقِرْ إلى فَسْخٍ. والله أعلمُ.
٣٠١٧ - مسألة: (وإن أسَرَ العَدُوُّ المُكاتَبَ، فاشْتَراه رجلٌ، فأحَبَّ سيدُه، أخَذَه بما اشْتَراه، وإلَّا فهو عندَ مُشْتَرِيه، مُبْقًى على ما بَقِيَ مِن كِتابَتِه، يَعْتِقُ بالأداءِ، ووَلاؤُه له) إذا أسَرَ (٣) الكُفَّارُ مُكاتبًا، ثم اسْتَنْقَذَه المسلمون، فالكتابةُ بحالِها. فإن أُخِذَ في الغَنائِم فعُلِمَ بحالِه، أو أدْرَكَه سيدُه قبلَ قَسْمِه، أخَذَه بغيرِ شيءٍ، وهو على كتابتِه، كمَن لم