. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إن كان دَفَعَه إليه. وإن سلَّمَ المُكاتَبُ إلى المُشْتَرِي نُجومَه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَعْتِقُ؛ لأنَّ البَيعَ تَضَمَّنَ الإِذْنَ في القَبْضِ، فأشْبَهَ قَبْضَ الوَكِيلِ. والثاني، لا يَعْتِقُ؛ لأنَّه لم يَسْتَنِبْه في القَبْضِ، وإنَّما قَبَضَ لِنَفْسِه بحُكْمِ البَيعِ الفاسِدِ، فكان القَبْضُ فاسِدًا، فلم يَعْتِقْ، بخِلافِ وَكيله، فإنَّه اسْتَنابَه. ولو صَرَّحَ بالإِذْنِ لم يكُنْ مُسْتَنِيبًا له في ألقَبْضِ، وإنَّما إذنه في القَبْضِ بحُكْمِ المُعاوَضَةِ، فلا فَرْقَ بينَ التَّصْرِيحِ وعَدَمِه. فإن قُلْنا: يَعْتِقُ بالأداءِ. بَرِئ المُكاتَبُ مِن مالِ الكِتابَةِ، ويَرْجِعُ السيدُ على المُشْتَرِي بما قَبَضَه؛ لأنَّه كالنَّائِبِ عنه، فإن كان مِن جِنْسِ الثَّمَنِ، وكان قد تَلِفَ، تَقَاصَّا بقَدْرِ أقَلِّهما، ورجَعَ ذو الفَضْلِ بفَضْلِه. وإن قُلْنا: لا يَعْتِقُ بذلك. فمالُ الكِتابَةِ باقٍ في ذِمَّةِ المُكاتَبِ، ويَرْجِعُ المُكاتَبُ على المُشْتَرِي بما دَفَعَه إليه، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي على البائِعِ. فإن سَلَّمَه المُشْتَرِي إلى البائِعِ، لم يَصِحَّ تَسْلِيمُه؛ لأنَّه قَبَضَه بغيرِ إذْنِ المُكاتَبِ، فأشْبَهَ ما لو أخَذَه مِن مالِه بغيرِ إذْنِه. وإن كان مِن غَيرِ جِنْسِ مالِ الكتابَةِ، تَرَاجَعا بما لِكُلِّ واحدٍ منهما على الآخَرِ. وإن باعَهُ [ما أخَذَه بما لَه] (١) في ذِمَّتِه، وكان ممَّا يجوزُ البَيعُ فيه، جاز إذا كان ما قَبَضَه السيدُ باقِيًا، وإن كان قد تَلِفَ ووَجَبَتْ قِيمَتُه، وكانت (٢) مِن جِنْسِ مالِ الكتابَةِ، تَقاصَّا، وإن كان المقبوضُ مِن جِنْسِ مالِ الكتابَةِ، فتَحاسَبا به، جاز.
стр. 9382
وَإنِ اشْتَرَى كُلّ وَاحِدٍ منَ الْمُكَاتَبَينِ الْآخَرَ، صَحَّ شِرَاءُ الْأَوَّلِ، وَبَطَلَ شِرَاءُ الثَّانِي، سَوَاءٌ كَانَا لِوَاحِدٍ أوْ لِاثْنَينِ.
ــ
فصل: وإذا كان للمُكاتَبِ وَلَدٌ يَتْبَعُه في الكِتابَةِ، فباعَهُما، صَحَّ؛ لأنَّهما مِلْكُه، ولا مانِعَ مِن بَيعِهما، ويكونان عندَ المُشْتَرِي كما كانا عندَ البائِعِ سَواءً. وإن باع أحَدَهما دُونَ صاحِبِه، أو باع أحَدَهما لرجُلٍ، وباع الآخرَ لغيرِه، لم يَصِحَّ؛ لوَجْهَين؛ أحدُهما، أنَّه لا يجوزُ التَّفْرِيقُ بينَ الوَالِدِ ووَلَدِه في البَيعِ إلَّا بعدَ البُلُوغِ؛ على إحْدَى الرِّوايَتَين. والثاني، أنَّ الولدَ تابعٌ لوالِدِه، وله كَسْبُه، وعليه نَفَقَتُه، فصارَ في مَعْنى مَمْلوكِه، فلم يَجُزِ التَّفْرِيقُ بَينَهما. وعلى الروايةِ الأخْرَى، يَحْتَمِلُ أن يجوزَ بَيعُه بعدَ البُلُوغِ؛ لأنَّه مَحَلٌّ للبَيعِ، صَدَرَ فيه التَّصَرُّفُ مِن أهْلِه، ويكونُ عندَ مَن هو عندَه على ما كان عليه قبلَ بَيعِه، لوالِدِه كَسْبُه، وعليه نَفَقَتُه وأرْشُ جِنايته، ويَعْتِقُ بعِتْقِه، كما لو بِيعَ مع والدِه.
فصل: وتَصِحُّ الوَصيَّةُ لمُكاتَبِه؛ لأنَّه مع سيدِه في المُعامَلَةِ كالأجْنَبِيِّ، ولذلك جازَا دفْعُ زَكاتِه إليه. فإن قال: ضَعُوا عن مُكاتَبِي بعضَ كِتابَتِه، أو: بعضَ ما عليه. وَضَعُوا ما شاءُوا، قليلًا كان أو كثيرًا. وقد ذَكَرْنا نَحْوَه في الوَصايَا (١).
٣٠١٥ - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى كلُّ واحدٍ مِن المُكاتَبَين الآخَرَ، صَحَّ شِرَاءُ الأوَّلِ، وبَطَلَ شِرَاءُ الثاني، وسَواءٌ كانا لواحِدٍ أو لاثْنَين)
стр. 9383
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا خِلافَ في أنَّ المُكاتَبَ يَصِحُّ شِراؤه للعبِيدِ (١)، والمُكاتَبُ يجوزُ بَيعُه على ما ذَكرْنا، في الصَّحِيحِ مِن المذهبِ. فإذا اشْتَرَى أحَدُهما الآخرَ، صَحَّ شِراؤُه، ومَلَكَه؛ لأنَّ التَّصَرُّفَ صَدَرَ مِن أهلِه في مَحَلِّه، وسَواءٌ كانا مُكاتَبَين لسيدٍ واحدٍ أو لاثْنَين. فإن عاد الثاني فاشْتَرَى الذي اشْتَراه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه سيدُه ومالِكُه، وليس للمَمْلُوكِ أن يَمْلِكَ مالِكَه؛ لأنَّه يُفْضِي إلى تَناقُضِ الأحْكامِ، إذْ كلُّ واحِدٍ منهما يقولُ لصاحِبِه: أنا سيدُكَ، ولي عليك مالُ الكتابَةِ تُؤَدِّيه إليَّ، وإن عَجَزْتَ فلي فَسْخُ كتابَتِكَ ورَدُّكَ إلى أن تكونَ رَقِيقًا لي (٢). وهذا تناقُضٌ، وإذا [تنافى أنَّ تَمْلِكَ] (٣) المرأةُ زَوْجَها مِلْكَ اليَمِين؛ لثُبُوتِ مِلْكِه عليها في النِّكاحِ، فها هُنا أوْلَى، ولأنَّه لو صَحَّ هذا، [لتَقاصَّ الدَّينان] (٤) إذا تساوَيا، وعَتَقَا جَمِيعًا. إذا ثَبَتَ هذا، فشراءُ الأوَّلِ صحيحٌ، والمَبِيعُ منهما باقٍ على كتابتِه، فإن أدَّى عَتَقَ، ووَلاؤُه مَوْقُوفٌ، فإن أدَّى سيدُه كتابَتَه، كان الوَلاءُ له؛ لأنَّه عَتَقَ بأدائِه إليه، وإن عَجَزَ، فوَلاؤُه لسيدِه؛ لأنَّ العبدَ لا يثْبُتُ له ولاءٌ (٢)، وَلأنَّ السيدَ يأخُذُ ماله، فكذلك حُقُوقُه. هذا مُقْتَضَى قولِ
стр. 9384
وَإنْ جُهِلَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا فَسَدَ الْبَيعَانِ.
ــ
القاضِي. ومُقْتَضَى قَولِ أبي بكر، أنَّ الوَلاءَ لسيدِه؛ لأنَّ المُكاتَبَ عَبْدٌ لا يثْبُتُ له الوَلاءُ، فيثْبُتُ لسيده. ذكَرَا (١) ذلك (٢) فيما إذا أعْتَقَ (٣) بإذْنِ سيدِه، أو كاتَبَ عَبْدَه فأدَّىَ كتابَتَه، وهذا نَظِيرُه. ويَحْتَمِلُ أن يُفَرَّقَ بينَهما، لكونِ العِتْقِ ثَمَّ (٤) بإذْذِا السيدِ، فيَحْصُلُ الإِنْعامُ عنه بإذْنِه فيه، وها هنا لا يفْتَقِرُ إلى إذْنِه، فلا نعمَةَ له عليه، فلا يكونُ له عليه وَلاءٌ، ما لم يُعَجِّزْه (٥) سيدُه.
٣٠١٦ - مسألة: فإن لم يُعْلَمِ السَّابِقُ مِنْهُما (فَسَدَ البَيعَان) وهذا قولُ أبي بكر، ويُرَدُّ كلُّ كل واحد منهما إلى كِتايَته؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما مَشْكوكٌ في صِحَّةِ بَيعِه، فيُرَدُّ إلى اليَقينِ. وذَكَرَ القاضي أنَّه يَجْرِي مَجْرَى
стр. 9385
وَإنْ أسَرَ الْعَدُوُّ الْمُكَاتَبَ، فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ، فَأحَبَّ سيِّدُهُ، أخَذَهُ بِمَا اشْتَرَاهُ، وَإلَّا فَهُوَ عِنْدَ مُشْتَرِيهِ، مُبْقًى عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ، يَعْتِقُ بِالْأدَاءِ، وَوَلَاؤُهُ لَهُ.
ــ
ما إذا زَوَّجَ الوَلِيَّان فأشْكَلَ الأوَّلُ منهما. فيَقْتَضِي هذا أن يُفْسَخَ البَيعَانِ كما يُفْسَخُ النِّكاحَان. وعلى قولِ أبي بكرٍ، لا يُحْتاجُ إلى الفَسْخِ؛ لأنَّ النِّكاحَ إنَّما احْتِيجَ فيه (١) إلى الفَسْخِ مِن أجْل المرِأةِ؛ فإنَّها مَنْكُوحَةٌ نِكاحًا صحيحًا لواحدٍ منهما يَقِينًا، فلا يَزُولُ إلَّا بفسْخٍ، وفي مسألتِنا لم يَثْبُتْ تَعَيُّنُ (٢) البَيعِ في واحدٍ بعَينِه، فلم يَفْتَقِرْ إلى فَسْخٍ. والله أعلمُ.
٣٠١٧ - مسألة: (وإن أسَرَ العَدُوُّ المُكاتَبَ، فاشْتَراه رجلٌ، فأحَبَّ سيدُه، أخَذَه بما اشْتَراه، وإلَّا فهو عندَ مُشْتَرِيه، مُبْقًى على ما بَقِيَ مِن كِتابَتِه، يَعْتِقُ بالأداءِ، ووَلاؤُه له) إذا أسَرَ (٣) الكُفَّارُ مُكاتبًا، ثم اسْتَنْقَذَه المسلمون، فالكتابةُ بحالِها. فإن أُخِذَ في الغَنائِم فعُلِمَ بحالِه، أو أدْرَكَه سيدُه قبلَ قَسْمِه، أخَذَه بغيرِ شيءٍ، وهو على كتابتِه، كمَن لم
стр. 9386
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُؤْسَرْ، وإن لم يُدْرِكْه حتى قُسِمَ، وصار في سَهْمِ بعضِ الغانِمين، أو اشْتَراه رجلٌ مِن الغَنِيمَةِ قبلَ قَسْمِه، أو مِن المشركين، وأخْرَجَه إلى سيدِه، فإنَّ السيدَ أحَقُّ به بالثَّمَنِ الذي ابْتاعَه به. وفيما إذا كان غَنِيمَةً رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه إذا قُسِمَ فلا حَقَّ لسيدِه فيه بحالٍ. فيُخَرَّجُ في المُشْتَرَى مثلُ ذلك. وعلى كلِّ تَقْديرٍ، فإنَّ سيدَه إن أخَذَه، فهو مُبْقىً على ما بَقِيَ مِن كتابَتِه، وإن تَرَكَه، فهو في يَدِ مُشْتَرِيه، مُبْقًى على ما بَقِيَ مِن كِتابَتِه، يَعْتِقُ بالأداءِ في المَوْضِعَين، ووَلاؤُه لمَن يُؤَدِّي إليه، كما لو اشْتَراه مِن سيدِه. وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: لا يَثْبُتُ عليه مِلْكُ الكُفَّارِ، ويُرَدُّ إلى سيدِه بكلِّ حالٍ. ووافَقَ أبو حنيفةَ الشافعيَّ (١)، في المُكاتَبِ والمُدَبَّرِ خاصَّةً؛ لأنَّهما عندَه لا يجوزُ بَيعُهما ولا نَقْلُ (٢) المِلْكِ فيهما، فأشْبَها أمَّ الوَلَدِ. وقد تَقَدَّمَ الكلامُ في الدَّلالةِ على أنَّ (٣) ما أدْرَكَه صاحِبُه مَقْسُومًا لا يَسْتَحِقُّ صاحِبُه أخْذَه بغيرِ شيءٍ (٤)، وكذلك ما اشْتَراهُ مُسْلِمٌ مِن دارِ الحَرْبِ، وفي أنَّ المُكاتَبَ والمُدَبَّرَ يجوزُ بَيعُهما، بما يُغْنِي عن إعادَتِه ها هُنا.
стр. 9387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وهل يَحْتَسِبُ عليه بالمدَّةِ التي كان فيها عندَ الكُفَّارِ؟ على وَجْهَين؛ أحدُهما، لا يَحْتَسِبُ عليه بها؛ لأنَّ الكِتابَةَ اقْتَضَتْ تَمْكِينَه مِن التَّصَرُّفِ والكَسْبِ في هذه المدَّةِ، فإذا لم يَحْصُلْ ذلك لم يَحْتَسِبْ، [كما لو حَبَسَه] (١) سيدُه. فعلى هذا، يَبْنِي على ما مَضَى مِن المُدَّةِ قبلَ الأسْرِ، وتُلْغَى مُدَّةُ الأسْرِ، كأنَّها لم تُوجَدْ. والثاني، يَحْتَسِبُ عليه بها؛ لأنَّها مِن مُدَّةِ الكِتابَةِ، مَضَتْ [مِن غيرِ] (٢) تَفْرِيطٍ مِن سيدِه، فاحْتَسَبَ عليه بها، كمرضِه، ولأنَّه مَدِينٌ مَضَتْ مُدَّةٌ مِن أجَلِ دَينه في حَبْسِه، فاحْتَسَبَ عليه، كسائِرِ الغُرَماءِ، وفارَقَ ما إذا حَبَسه سيدُه بما ذَكَرْناه. فعلى هذا، إذا حلَّ عليه نَجْمٌ عندَ اسْتِنقاذِه جازَتْ مُطالبَتُه به. وإن حَلَّ ما يجوزُ تَعْجيزُه بتَرْكِ أدائِه فلسيدِه تَعْجِيزُه وردُّه إلى الرِّقِّ. وهل له (٣) ذلك بنَفْسِه أو بحُكْمِ الحاكمِ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، له ذلك؛ لأنَّه تَعَذَّرَ عليه الوُصولُ إلى المالِ في وَقْتِه، أشْبَهَ ما لو كان حاضِرًا، [يُحَقِّقُه أنَّه لو كان حاضِرًا] (٤)
стр. 9388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمالُ غائِبًا يَتَعَذَّرُ إحْضارُه وأداؤُه في مُدَّةٍ قَريبَةٍ، كان لسيدِه الفَسْخُ، والمالُ ها هنا إمَّا مَعْدومٌ وإمَّا غائِبٌ يَتَعَذَّرُ أداؤُه، وفي كِلا الحالين يجوزُ الفَسْخُ. والثاني، ليس له ذلك إلَّا بحُكْمِ الحاكِمِ؛ لأنَّه مع الغَيبَةِ يحْتاجُ إلى أن يَبْحَثَ، هل له مالٌ أم لا, وليس كذلك إذا كان حاضِرًا، فإنَّه يُطالبُه، فإن أدَّى، وإلَّا فقد عَجَّزَ نَفْسَه، فإن فَسَخَ الكتابَةَ بِنَفْسِه أو بحُكْمِ الحاكِمِ، ثم خَلَص المُكاتَبُ، وادَّعَى أنَّ له مالًا في وَقْتِ الفَسْخِ يَفِي (١) بما عليه، وأقامَ بذلك بَيَنةً، بَطَلَ الفَسْخُ. ويَحْتَمِلُ أن لا يبْطُلَ حتى يَثْبُتَ أنَّه كان (٢) يمْكنه أداؤُه؛ لأنَّه إذا كان مُتَعَذِّرَ الأداءِ، كان وُجودُه كعَدَمِه.
стр. 9389
فَصْلٌ: وَإنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ، أوْ أجْنَبيٌّ، فَعَلَيهِ فِدَاءُ نَفْسِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الكِتَابَةِ. وَقَال أبو بَكْرٍ: يَتَحَاصَّانِ.
ــ
فصل: قال الشيخُ، ﵁: (وإن جَنَى على سيدِه، أو أجْنَبِي، فعليه فِداءُ نَفْسِه مُقَدَّمًا على الكِتابَةِ. وقال أبو بكر: يتَحاصَّان) وجملةُ ذلك، أنَّ المُكاتَبَ إذا جَنَى جِنايةً مُوجِبةً للمالِ (١)، تَعَلَّقَ أرشُها برَقَبَتِه، ويُؤَدِّي مِن المالِ الذي في يَدِه. وبهذا قال الحسنُ، والحَكَمُ، وحمادٌ، والأوْزَاعِيُّ، ومالكٌ، والحسنُ بنُ صالح، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال عطاء، والنَّخَعِي، وعمرُو بنُ دِينارٍ: جنايَتُه على سيدِه. وقال عَطاءٌ: ويَرْجِعُ سيدُه بها عليه. وقال الزُّهْرِيُّ: إذا قَتَلَ رَجُلا خَطَأ، كانت كِتابَتُه ووَلاؤُه لوَلِيِّ المَقْتُولِ، إلَّا أن يَفْدِيَه سيدُه. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «لَا يَجْنِي جَانٍ إلَّا عَلَى نَفْسِه» (٢). ولأنَّها جِنايةُ عَبْدٍ، فلم تَجِبْ في ذِمَّةِ سيدِه، كالقِنِّ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَبْدا بأداءِ
стр. 9390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الجِنايةِ قبلَ الكِتابة، سَواءٌ حَلَّ عليه نَجْمٌ أبي لم يَحِلَّ. نصَّ عليه أحمدُ، وهو المَعْمُولُ به في المذهبِ. وذكر أبو بكر قولًا آخرَ، أنَّ السيدَ يُشارِكُ ولِيَّ الجِنايةِ، فيضْرِبُ بما حَلَّ مِن نُجُوم كِتابتِه؛ لأنَّهما دَينان، فيتَحاصَّان، قياسا على سائِرِ الدُّيُونِ. ولَنا، أنَّ أرشَ الجِنايَةِ مِن العبدِ يُقَدَّمُ على سائِرِ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقةِ به، ولذلك قُدِّمَتْ على حَقِّ المالكِ وحَقِّ المُرْتَهِنِ، وغيرهما، فوَجَبَ أن تُقَدَّمَ ها هُنا. يُحَقِّقُه أنَّ [أرْشَ الجِنايةِ] (١) مُقَدَّمٌ على مِلْكِ السيدِ في عبدِه، فيَجِبُ تقديمُه على عِوَضِه، وهو مالُ الكِتابَة، بطرِيقِ الأوْلَى؛ لأنَّ المِلْكَ فيه قبلَ الكِتابةِ كان مُسْتَقِرًا، ودَين الكتابةِ غيرُ مُسْتَقِرٍّ، فإذا قُدِّمَ على المُسْتَقِرِّ، فعلى غيرِه أوْلَى. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَفْدِي نَفْسَه بأقَلِّ الأمْرَين؛ مِن قِيمَتِه أو أرْشِ جِنايَته؛ لأنَّه إن كان أرشُ الجنايةِ أقَلَّ، فلا يَلْزَمُه أكْثرُ مِن مُوجَب جِنايَته، وهو أرْشُها، وإن كان أكثرَ، لم يكُنْ عليه أكثرُ مِن قِيمَتِه؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه أكثرُ مِن بَذْلِ (٢) المَحَلِّ الذي تَعَلَّقَ به الأرْشُ. فإن بدأ بدَفْعِ المالِ إلى وَلِيِّ الجِنايَةِ، فوَفَّى بأرْشِ الجِنايةِ، وإلَّا باع الحاكِمُ منه بما بقِيَ (٣) مِن
стр. 9391
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أرْشِها، [وبَطَلَ الكِتابَةُ فيما باع منه] (١)، وباقِيه باقٍ على كِتابَتِه. وإنِ اختار السيدُ الفَسْخَ فله ذك، ويَعُودُ عَبْدًا قِنًّا مُشْتَرَكًا بينَ السيدِ والمُشْتَرِي. وإن أبقاه السيدُ على الكِتابَةِ، فأدَّى، عَتَقَ بالكِتابَةِ، وسَرَى العِتْقُ إلى باقِيه إن كان المُكاتَبُ مُوسِرًا، ويُقَوَّمُ عليه، وإن كان مُعْسِرًا، عَتَقَ منه ما عَتَقَ، وباقِيه رَقِيقٌ. فإن لم يكُنْ في يَدِه مالٌ، ولم يفِ بالجِنايةِ إلَّا قِيمَتُه كلُّها، بِيعَ كُلُّه فيها، وبَطَلَتْ كِتابَتُه.
فصل: وإن بَدَأ بدَفْعَ المالِ إلى سيدِه، وكان وَلِيُّ الجِنَايةِ سألَ الحاكمَ فحَجَرَ على المُكاتَبِ، ثَبَتَ الحَجْرُ عليه، وكان النَّظرُ فيه إلى الحاكمِ، فلا يَصِحُّ دَفْعُه إلى سيدِه، ويَرْتَجِعُه الحاكمُ، ويُسَلِّمُه إلى وَلِيِّ الجنايةِ، فإن وَفَّى، وإلَّا كان الحُكْمُ فيه على ما ذَكَرْنا مِن قبلي. وإن لم يكُنِ الحاكمٌ حَجَرَ عليه صَحَّ دَفْعُه إلى السيدِ؛ لأنَّه يَقضِي حَقًّا عليه، فجاز، كما لو قَضَى بعضَ غُرَمائِه قبلَ الحَجْرِ عليه. فإن كان ما دَفَعَه إليه جميعَ مالِ الكتابةِ عَتَقَ.
стр. 9392
وَإنْ عَتَقَ، فَعَلَيه فِدَاءُ نَفْسِهِ، وَإنْ عَجَزَ، فَلِسَيِّدِهِ تَعْجِيزُهُ، إِنْ كَانت الْجِنَايَةُ علَيهِ. وَإنْ كَانت عَلَى أَجْنَبِي، فَفَدَاهُ سَيِّدُهُ، وَإلَّا فُسِخَتِ الْكِتَابَا, وَبِيعَ في الجِنَايَةِ.
ــ
٣٠١٨ - مسألة: (وعليه فداءُ نَفْسِه) ويكونُ الأرْشُ في ذِمَّتِه، فيَضْمَنُ ما كان عليه قبلَ العِتْقِ، ويَفْدِيه بأقَلِّ الأمْرَين مِن قِيمَتِه أو أَرْشِ جِنايته؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه أكثرُ مما كان واجبًا عليه بالجنايةِ، فإن أعْتَقَه السيدُ، فعليه فداؤُه بذلك،؛ لأنَّه أتْلَفَ مَحَلَّ الاسْتِحْقاقِ، فأشْبَهَ ما لو قَتَلَه.
٣٠١٩ - مسألة: (وإن عَجَزَ، فلسيدِه تَعْجِيزُه) ويَفْدِيه أيضًا بما ذَكَرْناه. وقال أبو بكرٍ: فيه رِوايةٌ أخْرَى، أنه يَفْدِيه بأَرْشِ الجِنايةِ، بالغةً ما بَلَغَتْ؛ لأنه لو سَلَّمَه احْتَمَلَ أن يَرْغَبَ فيه راغبٌ بأكثرَ مِن قِيمَتِه، فقد فَوَّتَ تلك الزِّيادَةَ بإعْتاقِه.
стр. 9393
وَإنْ أعْتَقَهُ السَّيِّدُ، فَعَلَيه فِدَاؤُهُ، وَالْوَاجِبُ في الْفِدَاءِ أقلُّ الْأمْرَينِ؛ مِنْ قِيمَتِهِ، أوْ أرْشِ جِنَايتهِ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ فِدَاؤُهُ بِأرْشِ الْجِنَايَةِ كَامِلَةً.
ــ
فصل: فإن كانتِ الجِنايةُ على سيدِه فيما دُونَ النَّفْسِ، فالسيدُ خَصْمُه فيها، فإن كانتْ مُوجِبَةً للقِصاصِ، فلسيدِه القِصاصُ، كما يَجبُ على عبدِه القِنِّ؛ لأنَّ القِصاصَ يَجِبُ للزَّجْرِ، فيَحْتاجُ إليه العبدُ في حَقِّ سيدِه، وإن عَفا على مالٍ، أو كانت مُوجِبَة للمالِ، وَجَبَ له؛ لأنَّ المُكاتَبَ مع سيدِه كالأجْنَبِيِّ، يَصِحُّ أنْ يُبايِعَه، ويَثْبُتُ له في ذِمَّتِه المالُ والْحُقُوقُ، كذلك الجِنايةُ، ويَفْدِي نَفْسَه بأقَلِّ الأمْرَين، كالجِنايَةِ على الأجْنَبِيِّ. وعنه، يَفْدِيه بأرْشِ الجِنايةِ كله. فإن وَفَى ما في يَدِه بما عليه فلسيدِه مُطالبَتُه به [وأخْذُه] (١)، وإن لم يَفِ به (فلسيدِه تَعْجِيزُه) فإذا عَجَّزَه وفَسَخَ الكِتابةَ سَقَطَ عنه مالُ الكِتابةِ وأرْشُ الجِنايةِ، وعاد عَبدًا قِنًّا, ولا يَثْبُتُ للسيدِ على عبدِه القِنِّ مالٌ. وإن أعْتَقَه سيدُه ولا مال في يَدِه سَقَطَ الأرْشُ؛ لأنَّه مُتَعَلِّق برَقَبَتِه، وقد أتْلَفَها. وإن كان في يَدِه مال لم يسْقُطْ؛ لأنَّ الحَقَّ كان مُتَعَلِّقًا بالذِّمَّةِ وما في يَدِه مِن المالِ، فإذا تَلِفَتِ الرَّقَبَةُ بَقِيَ الحَقُّ مُتَعَلِّقًا بالمالِ، فاسْتُوفِي منه، كما لو عَتَقَ بالأداءِ. وهل يَجِبُ (أقَل الأمْرَين) أو (أرْشُ الجِناية) كلّه؟ على وَجْهَينِ.
стр. 9394
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويَسْتَحِقُّ السيدُ مُطالبَتَه بأرْشِ الجِنايةِ قبلَ أداءِ مالِ الكِتابةِ؛ لمَا ذَكَرْنا مِن قبلُ في حَقِّ الأجْنَبِيِّ. وإنِ اختار تَأخيرَ الأرْش والبدايةَ بِقَبْضِ مالِ الكتابةِ جازَ. ويَعْتِقُ إذا قَبَضَ مال الكتابةِ [كلَّه. وقال أبو بكرٍ: لا يَعْتِقُ بالأداءِ قبلَ أرْشِ الجِنايةِكما لوُجُوبِ تَقْدِيمِه على مالِ الكِتابة] (١). ولَنا، أنَّ الحَقَّين جميعًا للسيدِ، فإذا تَراضَيَا على تَقْدِيمِ أحَدِهما على الآخَرِ جاز؛ لأنَّ الحَقَّ لهما لا يَخْرجُ عنهما, ولأنَّه لو بَدَأ بأداءِ مالِ الكِتابةِ في حَقِّ الأجْنَبِيِّ عَتَقَ، ففي حَقِّ السيدِ أوْلَى، ولأنَّ أرْش الجِنايةِ لا يَلْزَمُ أداؤُه قبلَ انْدِمالِ الجُرحِ، فيُمْكِنُ تقْديمُ وُجُوبِ الأداءِ عليه. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا أدَّى عَتَقَ، ويَلْزَمُه أرْشُ الجِنايةِ، سَواءٌ كان في يَدِه مالٌ أو لم يَكُنْ، لأنَّ عِتْقَه بسَبَب مِن جِهَتِه، فلم يَسْقُطْ ما عليه، بخِلافِ ما إذا أعْتَقَه سيدُه، فإنَّه أتْلَفَ مَحَلَّ (٢) حَقِّه، بخِلافِ هذا. وهل يَلْزَمُه. أقَلُّ الأمْرَين، أو جَميعُ الأرْشِ؟ على وَجْهَين. وإن كانت جِنايَتُه على نَفْس سيدِه، فلِوَرَثَتِه القِصاصُ في العَمْدِ، والعَفْوُ على مالٍ. وفي الخطأَ، المالُ. وحُكْمُ الوَرَثَةِ مع المُكاتَبِ حكمُ سيدِه معه؛ لأنَّ الكتابةَ انْتَقَلَتْ إليهم، والعَبْدُ لو عاد قِنًّا كان لهم. وإن جَنَىَ على مَوْرُوثِ سيدِه، فوَرِثَه سيدُه، فالحكمُ فيه كما لو كانتِ الجِنايةُ على سيدِه فيما دُونَ النَّفْسِ، على مَا مَضَى.
стр. 9395
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن جَنَى المُكاتَبُ جِناياتٍ تَعَلَّقَتْ برَقَبَتِه (١)، واسْتَوَى الأوَّلُ والآخِرُ في الاسْتِيفاءِ، ولم يُقَدَّمِ الأوَّلُ على الثاني إن كانت مُوجِبَةً للمالِ؛ لأنَّها تَعَلَّقَتْ بمَحَلٍّ واحدٍ، وكذا إن كان بعضُها في حالِ كِتابَتِه وبعضُها بعدَ تَعْجِيزِه، فهي سَواءٌ، ويتَعَلَّقُ جَمِيعُها بالرَّقَبَةِ، فإن كان فيها ما يُوجِبُ القِصاصَ، فلِوَلِيِّ الجِنايةِ اسْتِيفَاؤُه، وتَبْطُلُ حقُوقُ الآخَرِين. فإن عَفَا إلى مالٍ، صارَ حُكْمُه حُكْمَ الجِنايةِ المُوجِبَةِ للمال. فإن أبرأه بَعْضُهم اسْتَوْفَى الباقون؛ لأنَّ حَقَّ كلِّ واحدٍ منهم (٢) يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه، يَسْتَوفِيه إذا انْفَرَدَ، فإذا اجْتَمَعُوا تزاحَمُوا (٣)، فإذا أبرأه بعضُهم سَقَطَ حَقُّه وتَزاحَمَ الباقُونَ، كما لو انْفَرَدُوا، كما في الوَصَايا ودُيُونِ المَيِّتِ. فإن أدَّى وعَتَقَ فالضَّمانُ عليه، وإن أعْتَقَه سيدُه فعليه الضَّمانُ، وأيُّهما ضَمِنَ فالواجِبُ عليه أقَلُّ الأمْرَين، كما ذَكَرْنا في الجِنايةِ الواحدةِ، ولأنَّه لو عَجَّزَه الغُرَماءُ وعاد قِنًّا بِيعَ وتحَاصُّوا في ثَمَنِه، كذلك ها هُنا. فأمَّا إن عَجَّزَه سيدُه وعادَ قِنًّا، خُيِّرَ بينَ فِدَائِه وتَسْلِيمِه، فإن اختارَ فِداءَه فدَاه بأقَلِّ الأمْرَين، كما لو أعْتَقَه أو قَتَلَه. وفيه رِوايةٌ أخْرَى، أنَّه يَلْزَمُه أرشُ
стр. 9396
وَإنْ لَزِمَتْهُ دُيُون تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ، يُتْبَعُ بِهَا بَعْدَ الْعِتْقِ.
ــ
الجِنايةِ كُله؛ لأنَّه لو سَلَّمَه احْتَمَلَ أن يَرْغَبَ فيه راغِبٌ بأكْثَرَ مِن قِيمَتِه، فقد فَوَّتَ تلك الزِّيادَةَ باخْتِيارِه إمْساكَه، فكان عليه جَمِيعُ الأرْشِ. ويُفارِقُ ما إذا أعْتَقَه أو قَتَلَه؛ لأنَّ المَحَلَّ تَلِفَ فتَعَذَّرَ تَسْلِيمُه، فلم يَجِبْ أكثرُ مِن قِيمَتِه، والمَحَلُّ ها هُنا باقٍ يُمْكِنُ تَسْلِيمُه وبَيعُه، وقد ذَكَرْناه. وإن أراد المُكاتَبُ فِداءَ نَفْسِه قبلَ تَعْجِيزِه أو عِتْقِه (١)، ففيما تُفْدَى به نَفْسُه وَجْهان، بِناءً على ما إذا عَجَّزَه سيدُه. والله أعلمُ.
٣٠٢٠ - مسألة: (وإن لَزِمَتْه دُيُون تَعَلَّقَتْ بذِمَّتِه، يُتبعُ بها بعدَ العِتْقِ) إذا اجْتَمَعَ على المُكاتَبِ ثَمَنُ مَبِيعٍ، أو عِوَضُ قَرْض، أو غيرُهما مِن الدُّيُونِ مع مالِ الكِتابةِ، وفي يَدِه ما يَفي بها، فله أداؤُها، ويَبْدَأ بأيِّها شاء، كالحُرِّ. وإن لم يَفِ بها ما في يَدِه، وكُلُّها حالَّة، ولم يَحْجُرِ الحاكِمُ
стр. 9397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه، فخَصَّ بعضَهم بالقَضاءِ، صَحَّ، كالحُرِّ. وإن كان فيها مُؤَجَّلٌ، فعَجَّلَه بغيرِ إذْنِ سيدِه، لم يَجُزْ؛ لأنَّ تَعْجِيلَه تَبَرُّعٌ، فلم يَجُزْ بغيرِ إذْنِ سيدِه، كالهِبَةِ. وإن كان بإذْنِ سيدِه جاز، كالهِبَةِ. وإن كان التَّعْجِيلُ للسيدِ، فقَبُولُه بمَنْزِلَةِ إذْنِه، وإن كان الحاكمُ قد حَجَرَ عليه بسُؤالِ غُرَمائِه، فالنَّظرُ إلى الحاكِمِ، وإنَّما بحْجُرُ عليه بسُؤَالِهم. فإن حَجَرَ عليه بغيرِ سُؤَالِهم لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، فلا يُسْتَوْفَى بغيرِ إذْنِهم. وإن سأله سيدُه الحَجْرَ عليه لم يُجِبْه إلى ذلك؛ لأنَّ حَقَّه غيرُ مُسْتَقِرٍّ، فلا يَحْجُرُ عليه مِن أجْلِه. وإذا حَجَرَ عليه بسُؤَالِ الغُرَماءِ، فقال القاضي: عِندي أنَّه يَبْدَأ بقَضاءِ ثَمنِ المَبِيعِ وعِوَضِ القَرْضِ، يُسَوِّي بينَهما، ويقَدِّمُهما على أرْش الجِنايةِ ومالِ الكِتابةِ؛ لأنَّ أرشَ الجِنايَةِ مَحَلُّه الرَّقَبَةُ، فإذا لم يَحْصُلْ ممَّا في يَدِه اسْتُوْفِيَ مِن رَقَبَتِه. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. وقد ذَكَرْنا أنَّ أصحابَنا والشافعيَّ اتَّفَقُوا على تَقْدِيمِ أَرْشِ الجِنايةِ على مالِ الكِتابةِ، فيما مَضَى. وإذا لم يَحْجُرْ عليه، [ودَفَعَ] (١) إلى السيدِ مال الكِتابةِ، عَتَقَ، وبَقِيَّةُ الدُّيُونِ في ذِمَّتِه، يُتْبَعُ بها بعدَ العِتْقِ؛ لأنَّه صار حُرًّا، فهو كالأحْرارِ، ولأنَّ المُدايِنَ رَضِيَ بذِمَّتِه حينَ أدائِه، فكان له ما رَضِيَ به، كالحُرِّ.
стр. 9398
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإذا جَنَى بَعضُ عَبيدِ المُكاتَبِ جِنايةً تُوجِبُ القِصاصَ، فللمَجْنِيِّ عليه الخِيارُ بينَ القِصاصِ والمالِ، فإنِ اختار المال، و (١) كانتِ الجنايةُ خطأً أو شِبْهَ عَمْدٍ أو إتْلافَ مالٍ، تَعَلَّقَ أرْشُها برَقَبَتِه، وللمُكاتَبِ فداؤُه بأقَلِّ الأمْرَين؛ مِن قيمَتِه أو أرْشِ جِنايته؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ شِرائِه، وليس له فِداؤُه بأكثرَ مِن قِيمَتِه، كما لا يجوزُ له أن يشْتَرِيَه بذلك إلَّا أن يأذَنَ فيه سيدُه، فإن كان الأرْشُ أقَلَّ مِن قِيمَتِه لم يكُنْ له تَسْلِيمُه؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ بالزَّائِدِ. وإن زادَ الأرْشُ على قِيمَتِه، فهل يَلْزَمُه تَسْلِيمُه أو يَفْدِيه بأقَلِّ الأمْرَين؟ لها رِوايَتَين.
стр. 9399
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن مَلَك المُكاتَبُ ابنَه أو بعضَ ذَوي رَحِمِه المَحْرَمِ، أو ولِدَ له ولدٌ مِن أمَتِه، فجَنَى جِنايَةً تَعَلَّقَ أرشُها برَقَبَتِه، [فللمُكاتَبِ فِداؤُه] (١) بغيرِ إذْنِ سيدِه، كما يَفْدِي غيرَه مِن عَبِيدِه. وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»: ليس له فِداؤُه بغير إذْنِه. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه إتْلافٌ [لمالِه، فإنَّ] (٢) ذَوي رَحِمِه ليسوا بمالٍ له، ولا يتَصَرَّفُ فيهم، فلم يَجُزْ له إخْراج مالِه في مُقابَلَتِهم، ولا شِراؤهم، كالتبرعِ، ويُفارِقُ العَبدُ الأجْنَبِيَّ؛ فإنه يَنْتَفِعُ به، وله صَرْفُه في كِتابَتِه، فكان له فِداؤُه وشِراؤه، كسائِرِ أموالِه، ولكن إن كان لهذا الجاني كَسْبٌ فُدِيَ منه، وإن لم يكُنْ له كَسْب بِيعَ في الجنايةِ إنِ اسْتَغْرَقَتْ قِيمَتَه، وإن لم تَسْتَغْرِقْها بِيعَ بَعْضُه فيها، وما بَقِيَ للمُكاتَبِ. ولَنا، أنَّه عَبدٌ له جَنَى (٣)، فمَلَكَ فِداءَه، كسائِرِ عَبِيدِه، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يَمْلِكُ شِراءَه. وقولُهم: لا يتَصَرَّفُ فيه.
стр. 9400
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قُلْنا: إلَّا أنَّ كَسْبَه له، فإن عَجَزَ المُكاتَبُ صار رَقِيقًا معه لسيدِه، وإن أدَّى المُكاتَبُ لم يتَضَرَّرِ السيدُ بعِتْقِهم، وانْتَفَعَ به المُكاتَبُ، وإذا دار أمْرُه بينَ نَفْعٍ وانْتِفاءِ ضَرَرٍ، وجَبَ أن لا يُمْنَعَ منه. وفارَقَ التبرعَ؛ فإنَّه يُفَوِّتُ المال على السيدِ. فإن قيل: فيه ضَرَرٌ، وهو مَنْعُه مِن أداءِ الكِتابةِ، فإنَّه إذا صَرَفَ المال فيه، ولم يَقدِرْ على صَرْفِه في الكِتابةِ، عَجَزَ عنها. قُلْنا: هذا الضَّرَرُ لا يُمْنَعُ المُكاتَبُ منه، بدليلِ ما لو تَرَك الكَسْبَ مع إمْكانِه، أو امْتَنَعَ مِن الأداءِ مع قُدْرَتِه عليه، فإنَّه لا يُمْنَعُ منه ولا يُجْبَرُ على كَسْبٍ ولا أداءٍ، فكذلك لا يُمْنَعُ ممَّا هو في مَعْناه ولا ممَّا يُفْضِي إليه، ولأنَّ غايةَ الضَّرَرِ في هذا المَنْعُ مِن إتْمامِ الكِتابةِ، وليس إتْمامُها واجبًا عليه، فأشْبَهَ تَرْكَ الكَسْبِ، بل هذا أوْلَى، لوَجْهَين: أحدُهما، أنَّ هذا فيه نَفْعٌ للسيدِ، لمَصِيرِهم عَبِيدًا له. والثاني، أنَّ فيه نَفْعًا للمُكاتَبِ بإعْتاقِ ولَدِه وذَوي رَحِمِه، ونَفْعًا لهم بالإِعْتاقِ على تَقْدِيرِ الأداءِ، فإذا لِم يُمْنَعْ ممَّا يُساويه في المَضَرَّةِ مِن غيرِ نَفْعٍ فيه، فلان لا يُمْنَع ممَّا فيه نفْعٌ لازِمٌ لإِحْدَى الجِهَتين أوْلَى. ووَلَدُ المُكاتَبَةِ يدخلُ في كِتابَتِها، والحكمُ في جِنايته كالحُكْمِ في ولَدِ المُكاتَبِ سَواءٌ.
فصل: وإن جَنَى بعضُ عَبِيدِ المُكاتَبِ على بعض جِنايةً مُوجَبُها المالُ، لم يَثْبُتْ لها حكمٌ؛ لأنَّه لا يَجِبُ للسيدِ على عبدِه مالٌ. وإن كان مُوجَبُها القِصاصَ، فقال أبو بكر: ليس له القِصاصُ؛ لأنَّه إتْلافٌ لمالِه باخْتِيارِه. وهذا الذي ذَكَرَهُ شَيخُنا في الكِتابِ المشْرُوحِ، وذَكَرَه أبو
стр. 9401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الخَطَّابِ في «رُءُوسِ المسائِلِ». وقال القاضي: له القِصاصُ؛ لأنَّه مِن مَصْلَحَة مِلْكِه، فإنَّه لو لم يَقْتَصَّ أفْضَى إلى إقْدامِ بَعْضِهم على بعضٍ. وليس له العَفْوُ على مالٍ؛ لِما ذَكَرْنا. ولا يجوزُ بَيعُه في أرْش الجِنايَةِ؛ لأنَّ الأرْش لا يَثْبُت له في رَقَبَةِ عبدِه. فإن كان الجانِي مِن عَبِيدِه ابته، لم يَجُزْ بَيعُه؛ لذلك. وقال أصحابُ الشافعيِّ: يجوزُ بَيعُه. في أحدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ بَيعَه قبلَ جِنايته، فيَسْتَفِيدُ بالجنايةِ مِلْكَ بَيعِه. ولَنا، أنَّه عبدُه، فلم يَجِبْ له عليه أرْشٌ، كالأجْنَبِيِّ، وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالرَّهْنِ إذا جَنَى على رَاهنِه.
فصل: فإن جَنى عبدُ المُكاتَبِ عليه جِنايةً مُوجَبُها المالُ، كانت هَدْرًا؛ لِما ذَكَرْنا، وإن كان مُوجَبُها القِصاصَ (١)، فله أنْ يَقتَصَّ فيما دُونَ النَّفْسِ؛ لأنَّ العَبْدَ يُقْتَصُّ منه لسيدِه، وإن عَفا على مالٍ، سَقَط القِصاصُ ولم يَجِبِ المالُ. فإن كان الجاني أباه، لم يُقْتَصَّ منه؛ لأنَّ الوالِدَ لا يُقْتَلُ بوَلَدِه. وإن جَنَى المُكاتَبُ عليه، لم يُقْتَصَّ منه؛ لأنَّ السيدَ لا يُقْتَصُّ منه لعَبْدهِ. وقال القاضي: فيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُقْتَصُّ منه؛ لأنَّ حكْمَ الأبِ معه حُكْمُ الأحرارِ، بدِليلِ أنَّه لا يَمْلِكُ بَيعَه والتَّصَرُّفَ فيه، وجُعِلَتْ حُرِّيتُه مَوْقوفةً على حُرِّيته. قال القاضي (٢): ولا نَعْلَمُ مَوْضِعًا يَقْتَصُّ فيه المَمْلوكُ مِن مالِكِه غيرَ هذا المَوْضِعِ.
стр. 9402
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن جُنِيَ على المُكاتَبِ فيما دُونَ النَّفْس, فأرْشُ الجِنايةِ له دُونَ سيدِه، لثَلاثَةِ مَعانٍ؛ أحَدُها، أنَّ كَسْبَه له، وذلك عِوَضٌ عمَّا يَتَعَطَّلُ بقَطْعِ يَدِه مِن كَسْبِه. والثاني، أنَّ المُكاتَبَةَ تَسْتَحِقُّ المَهْرَ في النِّكاحِ، لتَعَلُّقِه بعُضْوٍ مِن أعضائِها، كذلك بَدَل العُضو. الثالثُ، أنَّ السيدَ أخَذَ مال الكِتابةِ بَدَلًا عن نَفْسِ المُكاتبِ، فلا يجوزُ أن يَسْتَحِقَّ عنه عِوَضًا آخَرَ.
ثم لا يَخْلُو مِن ثلاثَةِ أحْوالٍ: أحدُها، أن يكونَ الجانِي سيدَه، فلا قِصاصَ عليه لأمْرَين؛ أحدُهما، أنَّه حُرٌّ والمُكاتَبُ عَبْدٌ. والثاني، أنَّه مالِكُه (١)، ولا يُقْتَصُّ مِن المالِكِ لمَمْلُوكِه، ولكن يَجِبُ الأرْشُ إذا انْدَمَلَ الجُرْحُ، على ما يُذْكَرُ في الجِناياتِ. ولأنَّه قبلَ الانْدِمالِ لا تُؤمَنُ سِرايَتُه إلى نفْسِه، فيَسْقُطُ أرْشُه. فإذا ثَبَتَ هذا، فسَرَى الجُرْحُ إلى نَفْسِه، انْفَسخَتِ الكِتابةُ، وكان الحُكْمُ فيه كما لو قَتَلَه، وإنِ انْدَمَلَ الجُرْحُ وجب له أرشُه على سيدِه، ويَتقاصَّان إن كان مِن جِنْسِ مال الكِتابةِ وقد حَلَّ عليه نَجم، وإن كان مِن غيرِ جِنْسِ مالِ الكِتابةِ أو لم يَحِلَّ عليه نَجْمٌ، لم يتَقاصَّا، ويُطالِبُ كلُّ واحدٍ منهما بما يَسْتَحِقُّه، فإنِ اتَّفَقا على أنْ يُجْعَلَ أحَدُهما عِوَضًا عن الآخرِ، وكانا مِن جِنْسَينِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه بَيعُ دَينٍ بدَينٍ، فإن قَبضَ أحَدُهما حَقَّه، ثم دَفَعَه إلى الآخرِ عِوَضًا عن حَقه، جاز. وإن رَضِيَ المُكاتَبُ بتَعْجِيلِ الواجب له عما لم يَحِلَّ مِن نُجُومِه، جاز،
стр. 9403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذا كان مِن جنْسِ مالِ الكِتابةِ.
الحالُ الثانيةُ، إذا كان الجانِي أجْنَبِيًّا حُرًّا، فلا قِصاصَ؛ [لأنَّ الحُرَّ] (١) لا يُقْتَلُ بالعبدِ، فإن سَرَى الجُرْحُ إلى نَفْسِه انْفَسَخَتْ كِتابَتُه، وعلى الجاني قِيمَتُه لسيدِه، وإنِ انْدَمَلَ الجُرْحُ فعليه أرْشُه له، فإن أدَّى الكِتابَةَ وعَتَقَ، ثم سَرَى الجُرْحُ إلى نَفْسِه، وجَبَتْ دِيَتُه؛ لأنَّ اعْتِبارَ الضَّمانِ بحالةِ الاسْتِقْرارِ، ويكونُ ذلك لوَرَثَتِه. فإن كان الجاني السيدَ أو غيرَه مِن الوَرَثَةِ، لم يَرِثْ منه شيئًا؛ لأنَّ القَاتِلَ لا يَرِثُ، ويكونُ لبيتِ المالِ إن لم يكُنْ له وارِثٌ. ومَن اعْتَبَرَ الجِنايَةَ بحالةِ ابْتِدائِها، أوْجَبَ على الجانِي قِيمَتَه، ويكونُ أيضًا لوَرَثَتِه.
الحالُ الثالثُ، إذا كان الجانِي عَبْدًا أو مُكاتبًا، فإن كان مُوجَبُ الجِنايةِ القِصاصَ، وكانت على النَّفْسِ، انْفَسَخَتِ الكِتابَةُ، وسَيدُه بالخِيارِ بينَ القِصاصِ والعَفْو على مالٍ يَتَعَلَّقُ برَقَبَةِ الجانِي. وإن كانت فيما دُون النَّفْسِ، كقَطْعِ يَدِه، فللمُكاتَبِ اسْتيفاءُ القِصاصِ، وليس لسيدِه مَنعُه، كما أنَّ المريضَ يَقْتصُّ (٢) ولا يَعْتَرِضُ عليه وَرَثَتُه، والمُفْلِسَ يَقْتصُّ (٢) ولا يَعْتَرِضُ عليه غُرَماؤُه. وإنْ عَفا على مالٍ، ثَبَتَ له، وإن عَفا مُطْلَقًا [أو إلى غيرِ مالٍ] (١)، انْبَنَى على الرِّوايَتَين في مُوجَبِ العَمْدِ؛ إن قُلْنا: مُوجَبُه القِصاصُ عَينًا. صَحَّ، ولم يثْبُتْ له مالٌ، وليس لسيدِه
стр. 9404
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مطالبَته باشتراطِ مالٍ؛ لأنَّ ذلك تكَسُّبٌ، ولا يَمْلِكُ السيدُ (١) إجْبارَه على الكَسْب. وإن قُلْنا: الواجِبُ أحد أمْرَين. ثَبَتَ له دِيَة الجُرْحِ؛ لأنه لمَّا سَقَطَ (٢) القِصاصُ، تَعَيَّنَ (٣) المالُ، ولا يَصِحُّ عَفْوُه عن المالِ؛ لأنَّه لا يَمْلِك التبرعَ بغيرِ إذْنِ سيدِه. وإن صالحَ على بعضِ الأرْشِ، فحكمه حكم العَفْو إلى غير مالٍ.
فصل: وإذا مات المُكاتَبُ وعليه ديون وأروش جِناياتٍ، ولم يكُنْ مَلَكَ ما يُؤَدِّي في كتابَتِه، انْفَسَخَتِ الكِتابة، وسَقَطَ أرْشُ الجناياتِ؛ لأنَّها مُتعلِّقَةٌ برَقَبته وقد تَلِفَت، وتُسْتَوْفَى دُيُونه ممَّا كان في يَدِه، فإن لم يَفِ بها سَقَطَ الباقِي. قال أحمد: ليس على سيدِه قَضاءُ دينه، هذا كان يَسْعَى لِنَفْسِه. وإن كان قد مَلَكَ ما يؤَدِّي في كِتابَتِه، انْبَنَى ذلك على الرِّوايَتَين في عِتْقِ المكاتَبِ بمِلْكِ ما يؤَدِّيه، وقد ذَكَرْنا فيه رِوايَتَين، الظَّاهِرُ منهما أنَّه لا يَعْتِقُ بذلك، فتَنْفَسِخ الكِتابَة أيضًا، ويُبْدَأ بقَضاءِ الدَّينِ، على ما ذَكَرْنا في الحالِ الأوَّلِ. وهذا قولُ زيدِ بنِ ثابتٍ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ, وشُرَيح، وعَطَاءٍ، وعَمرِو بنِ دينارٍ، وأبي الزِّنادِ، ويحيى الأنْصارِيِّ، ورَبِيعَةَ، والأوْزَاعِيِّ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ. والثانيةُ، أنَّه إذا مَلَكَ ما يُؤَدِّي صار حُرًّا. فعلى هذا، يضْرِبُ السيدُ معَ الغرَماءِ بما حَلَّ مِن نُجُومِه. رُويَ نحوُ هذا عن شُرَيح، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيِّ،
стр. 9405
فَصْلٌ: وَالْكِتَابَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنَ الطَّرَفَين، لَا يَدْخُلُهَا خِيَارٌ، وَلَا يَمْلِكُ أحَدُهُمَا فَسْخَهَا.
ــ
والحَكَمِ، وحَمَّادٍ، وابنِ أبي لَيلَى، والثَّوْرِيِّ، والحسنِ بنِ صالحٍ؛ لأنَّه دَينٌ له (١) حَالٌّ، فيَضْرِبُ به، كسائِرِ الدُّيُونِ. ويَجِئُ على قول مَن قال: إنَّ الدَّينَ يَحِلّ بالموتِ. أن يَضْرِبَ بجميعِ مالِ الكتابَةِ؛ لأنَّهَ قد حَلَّ بالموْتِ. والمذهبُ الأوَّلُ، الذي نَقَلَه الجماعَةُ عن أحمدَ. وقد روَى سعيدٌ في «سُنَنِه»: ثنا هُشَيمٌ، ثَنا مَنْصُورٌ وسَعِيدٌ، عن قتادَةَ، قال: ذَكَرْتُ لسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ قولَ شُرَيح في المُكاتَبِ إذا مات وعليه دَينٌ وبَقِيَّةٌ مِن مُكاتَبَتِه، فقلت: إنَّ شُرَيحًا قَضَى أنَّ مَوْلاه يَضْرِبُ مع الغُرماءِ. فقال سعيدٌ: أخْطَأ شُرَيحٌ، قَضَى زيدٌ بالدَّينِ قبلَ المُكاتَبَةِ (٢).
فصل: قال الشيخُ، ﵁: (والكتابةُ عَقْدٌ لازِمٌ مِن الطَّرَفَين، لا يَدْخُلُها خِيارٌ، ولا يَمْلِكُ أحدُهما فَسْخَها) وجملة ذلك، أنَّ الكِتابَةَ عَقْدٌ لازِمٌ من الطرَفَين؛ لأنَّها عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، أشْبَهَ عَقْدَ النِّكاحِ
стр. 9406
وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقبَلٍ. وَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ وَلَا جُنُونِهِ، وَلَا الْحَجْرِ عَلَيهِ.
ــ
والبَيعِ، ولا يَدْخُلُها خِيارٌ؛ لأنَّ الخِيارَ شُرِعَ لدفْعِ الغَبْنِ عن المالِ، والسيدُ دَخَلَ على بَصِيرَةِ أنَّ (١) الحظَّ لعبده، فلا مَعْنَى للخيارِ. ولا يَمْلِكُ أحدُهما فَسْخها، قياسًا على سائِرِ العُقُودِ اللازِمَةِ. وعنه، أنَّ العبدَ يَمْلِكُ ذلك، وسَنَذكُرُه إن شاء اللهُ (ولا يجوزُ تَعلِيقُها على شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ) كسائِرِ عُقُودِ المُعاوَضاتِ.
٣٠٢١ - مسألة: (ولا تَنْفَسِخُ بمَوتِ السيدِ) لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا (ولا) تَنْفَسِخُ (بجُنُونِه، ولا الحَجْرِ عليه) لأنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، أشْبَهَ البَيعَ.
стр. 9407
وَيَعْتِقُ بِالأدَاءِ إِلَى سَيِّدِهِ، أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنَ الْوَرَثَةِ وَغَيرِهِمْ.
ــ
٣٠٢٢ - مسألة: (ويَعْتِقُ بالأداءِ إلى سيدِه، [وإلى مَن يَقُومُ مَقامَه مِن الوَرَثَةِ وغيرِهم) ولا خلافَ في أنَّه يَعْتِق بالأداءِ إلى سيدِه] (١)، وقد ذَكَرْنا ذلك. وبالأداءِ إلى الوَرَثَةِ؛ لأنَّه انْتَقَلَ إليهم مع بقاءِ الكِتابةِ، فهو كالأداءِ إلى مَوْرُوثِهم، ويكونُ مَقْسُومًا بينَهم على قَدْرِ موارِيثهم، كسائِرِ دُيُونِه، فإذا كان له أولادٌ ذكورٌ وإناثٌ، فللذَّكَرِ مِثْلُ حَظ الأنْثَيَين. ولا يَعْتِق حتى يُؤَدِّيَ إلى كلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّه. فإن أدَّى إلى بعضِهم دُونَ بعضٍ لم يَعْتِقْ، كما لو كان بينَ شُرَكَاءَ، فأدَّى إلى بعضِهم، فإن كان بعضُهم غائِبًا، [وله وَكِيلٌ، دَفعَ نَصِيبَه إلى وكِيله، وإن لم يكُنْ له وكيلٌ، دَفَعَ نَصِيبَه إلى الحاكمِ، وعَتَقَ. وإن كان مُوَلَّيًا عليه] (٢)، دَفَعَ إلى وَلِيِّه؛ إمَّا أبيه أو وَصِيِّه أو الحاكِمِ أو أمِينه، فإن كان له وَصِيَّان، لم يَبْرَأ إلَّا بالدَّفْعِ إليهما معًا. وإن كان الوارِثُ رَشِيدًا قَبَضَ لنَفْسِه، ولا تَصِحُّ الوَصِيَّةُ [إلى غيرِه] (١) ليَقْبِضَ له؛ لأنَّ الرَّشِيدَ وَلِيُّ نَفْسِه، وإن كان بعضُهم رَشِيدًا وبعضُهم مُوَلَّيًا عليه، فحكمُ كلِّ واحدٍ منهم حُكْمُه لو انْفَرَدَ. فإن أذِنَ بعضُهم في الأداءِ إلى الآخَرِ، وكان الذي أذِنَ رَشِيدًا، فأدَّى إلى الآخَرِ
стр. 9408
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جَمِيعَ حَقِّه، عَتَقَ نَصِيبُه، ولا يَسْرِي إلى نَصِيبِ شَرِيكِه إن كان مُعْسِرًا، ويَسْرِي إليه إن كان مُوسِرًا، ويُقَوَّمُ (١) عليه نَصِيبُ شَرِيكِه كلُّه، كما لو كان بينَ شَرِيكَين فأعْتَقَ أحَدُهما نَصِيبَه. وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ. وقال القاضي: لا يَسْرِي عِتْقُه وإن كان مُوسِرًا. وهو القولُ الثاني للشافعي. وقال أبو حنيفةَ: لا يَعْتِقُ إلَّا بأداءِ جَمِيعِ مالِ الكِتابةِ؛ لأنَّه أدَّى بعضَ مالِ الكِتابةِ، فأشبَهَ ما لو أدَّاه إلى السيدِ. فإن أبرءوه من مال الكتابة برئَ منه وعَتَقَ، وإن أبرَأه بعضُهم عَتَقَ نَصيبُه، وكذلك إن أعتَقَ نَصِيبَه منه عَتَقَ. والخِلافُ في هذا كلِّه كالخِلافِ فيما إذا أدَّى إلى بعضِهم بإذْنِ الآخَرِ. ولَنا على أنَّه يَعْتِقُ نَصيبُ مَن أبرَأ مِن حَقَه عليه أو اسْتَوْفَى نَصيبَه بإذْن شُرَكائه، أنَّه أبرَأه من جَميع ما لَه عليه، فوَجَبَ أن يَلْحَقَه العِتْقُ، كما لو أبرَأه سيدُه مِن جميعِ مالِ الكتابةِ، وفارَقَ ما إذا أبرَأه سيدُه مِن بعض مالِ الكِتابةِ؛ لأنَّه ما أبرأه مِن جميع حَقه. ولَنا على سِرايةِ عِتْقِه، أنَّه إعْتاقٌ لبعضِ العبدِ الذي يجوزُ إعْتاقُه مِن مُوسِرٍ جائِزِ التَّصَرُّفِ غيرِ مَحْجُورٍ عليه، فوَجَبَ أن يَسْرِيَ عِتْقُه، كما لو كان قِنًّا, ولأنَّه عِتْق حَصَلَ بفِعْلِه واخْتِيارِه، فسَرَى، كمحَل الوفاقِ. فإن قيل: في السِّرايَةِ إضْرَارٌ بالشُّرَكاءِ؛ لأنَّه قد يَعْجِزُ فيُرَدُّ إلى
стр. 9409
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرِّق. قُلْنا: إذا كان العِتْقُ في مَحَلِّ الوفاقِ [يُزِيلُ الرِّقَّ المُتَمَكِّنَ الذي لا كِتابَةَ فيه، فَلأن يُزِيل عَرَضِيَّةَ ذلك بطريقِ الأوْلَى.
فصل: وإذا عَتَق بالأداءِ] (١) إلى الوَرَثَةِ، فوَلاؤُه لسيدِه في إحدَى الرِّوايَتَين. وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ. يَختَصُّ به عَصَباتُه دُونَ أصْحابِ الفُروضِ. وهذا قولُ أكثرِ الفُقهاءِ. واختاره أبو بكر. ونقله (٢) إسحاقُ بنُ مَنْصورٍ عن أحمدَ، وإسحاقَ. وروَى حَنْبَل، وصالحُ بن أحمدَ، عن أبِيه، يأتي: اخْتَلَفَ النَّاسُ في المُكاتَبِ يَمُوتُ سيدُه وعليه بَقِيَّة مِن كِتابتِه؛ قال بعضُ الناسِ: الوَلاءُ للرِّجَالِ والنِّساءِ. وقال بعضُهم: لا وَلاءَ للنِّساءِ؛ لأنَّ هذا إنَّما هو دَينٌ على المُكاتَبِ، ولا يَرِثُ النِّساءُ من الولاء إلَّا ما كاتَبْنَ أو أعْتَقْنَ. والذي يَغْلِبُ عليَّ أنَّهُنَّ يَرِثْنَ؛ [وذلك لأنَّ المُكاتَبَ لو عَجَزَ] (٣) بعدَ وَفاةِ السيدِ رُدَّ رَقِيقًا. وهذا قولُ طاوس، والزُّهْرِيِّ؛ لأنَّ المُكاتَبَ انْتَقَلَ إلى الوَرَثَةِ بموتِ المكاتِبِ (٤)، بدليلِ أنَّهم لو أعْتَقُوه نَفَذ (٥) عِتْقُهم، فكان ولاؤه لهم، كما لو انْتَقَلَ بالشِّراءِ، ولأنَّه يُؤَدِّي إلى الوَرَثَةِ، فكان وَلاؤه لهم، كما لو أدَّى إلى المُشْتَرِي. ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّ السيدَ هو المُنْعِمُ بالعِتْقِ، فكان الولاءُ له، كما لو أدَّى إليه، ولأنَّ
стр. 9410
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الوَرَثَةَ إنَّما يَنْتَقِلُ إليهم ما بَقِيَ للسيدِ، وإنَّما بَقِيَ له دَينٌ في ذِمَّةِ المكاتَبِ، والفَرْقُ بينَ المِيراثِ والشِّراءِ، أنَّ السيدَ نَقَل حَقَّه في البَيعِ باخْتِيارِه، فلم يَبْقَ له فيه حَقٌّ مِن وَجْهٍ، والوارِثُ يَخْلُف المَوْرُوث ويَقُومُ مَقَامَه، [ويَبْنِي على ما فَعَلَه] (١) مَوْرُوثُه، [ولا] (٢) يَنْتَقِلُ إليه شَيءٌ أمْكَنَ بَقاؤه لمَورُوثِه، والولاءُ ممَّا أمْكَنَ بقاؤه للمَوْرُوثِ، فوَجَبَ أن لا يَنْتَقِلَ عنه. وقد ذَكَرْنا ذلك في بابِ الوَلاءِ.
فصل: فإن أعْتَقَه الوَرَثةُ صَحَّ عِتْقُهم؛ لأنَّه مِلْكٌ لهم، فصَحَّ عِتْقُهم له، ولأنَّ السيدَ لو أعْتَقَه نَفَذَ عِتْقُه، وهم يقُومونَ مَقامَ مَوْرُوثِهم. ووَلاؤُه لهم، لقولِ النبيِّ ﷺ : «إِنَّما الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ» (٣). وإن أعْتَقَ بَعْضُهم نَصِيبَه فعَتَقَ عليه كلُّه بالسِّرايَةِ، قُوِّمَ عليه نَصِيبُ شُرَكائِه، و (٤) كان وَلاؤه له، وإن لم يَسْرِ لكَوْنِه مُعْسِرًا أو لغيرِ ذلك، فله وَلاءُ ما أعْتَقَه؛ للخَبَرِ، ولأنَّه مُنْعِمٌ عليه، فكان الوَلاءُ له، كغيرِ المُكاتَبِ. وقال القاضي: إن أعْتَقُوه كُلّهم قبلَ عَجْزِه، كان الوَلاءُ للسيدِ، وإن أعْتَقَ بعضُهم لم يَسْرِ عِتْقُه، ثم يُنْظرُ، فإن أدَّى إلى الباقِين عَتَقَ كلّه،
стр. 9411
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكان وَلاؤه للسيدِ، وإن عَجَزَ فرَدُّوه إلى الرِّقِّ، كان وَلاءُ نَصِيبِ المُعْتِقِ له؛ لأنَّه لولا إعْتاقُه لعاد سَهْمُه رَقِيقًا كسِهامِ سائِرِ الوَرَثَةِ، فلمَّا أعْتَقَه كان هو المُنْعِمَ عليه، فكان الوَلاءُ له دُونَهم. فأمَّا إن أبرأه الوَرَثَةُ كلُّهم عَتَقَ، وكان وَلاؤه على الرِّوايَتَين اللَّتَين ذَكَرْناهما فيما إذا أدَّى إليهم؛ لأنَّ الإِبراءَ جَرَى مَجْرَى أداء ما عليه. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ الوَلاءُ لهم؛ لأنَّهم أنْعَمُوا عليه بما عَتَقَ به، أشبَهَ ما لو أعْتَقُوه، وإن أبرأه بعضُهم مِن نَصِيبِه، كان في وَلائِه ما ذَكَرْناه مِن الخِلافِ.
فصل: إذا باع الوَرَثَةُ المُكاتَبَ أو وَهَبُوه، صَحَّ بَيعُهم وهِبَتُهم؛ لأنَّهم يَقُومُونَ مَقامَ مَوْرُوثِهم، وهو يَمْلِكُ بَيعَه وهِبَتَه، كذلك وَرَثته، ويكونُ عندَ المُشْتَرِي والمَوْهُوبِ له مُبْقًى على ما بَقِيَ مِن كِتابتِه، إن عَجَزَ فعَجَّزَه، عاد رَقِيقًا له، وإن أدَّى [وعَتَقَ، كان] (١) وَلاؤه لمَن يُؤَدَّى إليه، على الرِّوايةِ التي تقولُ: إنَّ وَلاءَه للوَرَثَةِ إذا أدَّى إليهم. وأمَّا على الرِّوايَةِ الأخْرَى، فيَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ بَيعُه ولا هِبَتُه؛ لأنَّ ذلك يَقْتَضِي إبْطال سَبَبِ ثُبُوتِ الوَلاءِ للسيدِ الذي كاتَبَه، وليس ذلك [للوَرَثَةِ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ، ويكونَ الوَلاءُ للسيدِ إن أُعْتِقَ بالكِتابَةِ؛ لأنَّ السيدَ عَقَدَها، فعَتَقَ بها، فكان وَلاؤه] (٢) له، ويُفارِقُ ما باعَه السيدُ؛ لأنَّ السيدَ ببَيعِه أبطَلَ حَقَّ نَفْسِه، وله ذلك، بخِلافِ الوَرَثَةِ، فإنَّهم لا يَمْلِكُونَ إبْطال حَقِّ مَوْرُوثِهم.
стр. 9412
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إذا وصَّى السيدُ بمالِ الكِتابَةِ صَحَّ. فإن سَلَّمَ مال الكِتابَةِ إلى المُوصَى له، أو وَكِيله، أو وَلِيِّه إن كان مَحْجُورًا عليه، بَرِئ منه، وعَتَقَ، ووَلاؤُه لسيدِه الذي كاتَبَه؛ لأنَّه المُنْعِمُ عليه، وإن أبرأه مِن المالِ، عَتَقَ؛ لأنَّه بَرِئ مِن مالِ الكِتابَةِ، فأشْبَهَ ما لو أدَّى، وإن أعْتَقَه، لم يَعْتِقْ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ رَقَبَتَه، وإنَّما وَصَّى له بالمالِ الذي عليه، وإن عَجَزَ ورُدَّ في الرِّق، صارَ عَبْدًا للوَرَثَةِ، وما قَبَضَه المُوصَى له مِن المالِ فهو له؛ لأنَّه قَبَضَه بحُكْمِ الوَصِيَّةِ الصَّحيحَةِ، والأمْرُ في تَعْجِيزِه إلى الوَرَثَةِ؛ لأنَّ الحَقَّ يَثْبُتُ لهم بتَعْجِيزِه ويَصِيرُ عبدًا لهم، فكانت الخِيَرَةُ في ذلك إليهم، وتَبْطُلُ وَصِيَّة المُوصَى له بتَعْجِيزِه. وإن وَصَّى بمالِ الكِتابةِ للمساكِينِ، ووَصَّى إلى مَن يقْبضُه ويُفَرِّقُه بينَهم، صَحَّ، ومتى سَلَّمَ المال إلى الوصِيِّ بَرِيء وعَتَقَ. وإن أبرَأه منه لم يَبْرأ؛ لأنَّ الحَقَّ لغيرِه. فإن دَفَعَه المُكاتَبُ إلى المساكِينِ لم يَبْرأ منه ولم يَعْتِقْ؛ لأنَّ التَّعْيِينَ إلى الوَصِيِّ دُونَه. وإن وَصَّى بدَفْعِ المالِ إلى غُرَمائِه، تَعَيَّنَ القَضَاءُ منه، كما لو وَصَّى به عَطيَّةً لهم، فإن كان إنَّما وَصَّى بقَضاءِ دُيُونِه مُطْلَقًا، كان على المُكاتَب أن يَجْمَعَ بينَ الوَرَثَةِ والوَصِيِّ بقَضَاءِ الدَّينِ، ويدْفَعَه إليهم بحَضْرَتِه؛ لأَنَّ المال للوَرَثَةِ، ولهم قَضاءُ الدَّينِ منه ومِن غيرِه، وللوَصِيِّ في قَضَاءِ الدَّينِ حَقٌّ؛ لأن له مَنْعَهم مِن التَّصرُّفِ في التَّرِكَةِ قبلَ قَضاءِ الدَّينِ.
فصل: إذا مات رجلٌ وخَلَّفَ ابْنَين وعَبْدًا، فادَّعَى العبدُ أنَّ سَيدَه كاتَبَه، فصَدَّقاه، ثَبَتتِ الكِتابَةُ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما. وإن أنْكَراه،
стр. 9413
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكانت له بَيَنةٌ، ثَبَتَتِ الكِتابَةُ، وعَتَقَ بالأداءِ إليهما. وإن عَجَزَ، فلهما رَدُّه إلى الرِّقِّ. وإن لم يُعَجِّزاه، وصَبَرا عليه، لم يَمْلِكِ الفَسْخَ. وإن عَجَّزَه أحَدُهما، وأبى الآخَرُ تَعْجِيزَه، بَقِيَ نِصْفُه على الكِتابةِ، ورَقَّ النِّصْفُ الآخَرُ. فإن لم تكُنْ له بَيَنة، فالقولُ قولُهما مع أيمانِهما؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ الرِّق وعَدَمُ الكِتابَةِ، وتكونُ أيمانُهما على نَفْي العِلْمِ؛ لأنَّها يَمِينٌ على نَفْي فِعْلِ الغيرِ، فإن حَلَفا ثَبَتَ رِقُّه، وإن نَكَلَا قُضِيَ عليهما، أو رُدَّتِ اليَمِينُ عليه عندَ مَنِ يَرَى رَدَّها، فيَحْلِفُ العبدُ وتَثْبُتُ الكِتابَة. وإن حَلَفَ أحَدُهما ونَكَلَ الآخرُ، قُضِيَ برِقِّ نِصْفِه وكِتابةِ نِصْفِه. وإن صَدَّقَه أحَدُهما وكَذَّبَه الآخرُ، ثَبَتَتِ الكِتابَةُ في نِصْفِه، وعليه البَينةُ في نِصْفِه الآخَرِ، فإن لم تكُنْ بَيَنةٌ، وحَلَفَ المُنْكِرُ، صارَ نِصْفُه مُكاتَبًا ونِصْفُه رَقيقًا قِنًّا. فإن شَهِدَ المُقِرُّ على أخِيه، قُبِلَتْ شَهادَتُه؛ لأنَّه لا يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا, ولا يَدْفَعُ عنها ضَرَرًا، فإن كان معه شاهِدٌ آخَرُ، كَمَلَتِ الشَّهادَةُ، وثَبَتَتِ الكِتابَةُ في جَمِيعِه. وإن لم يَشْهَدْ غَيرُه، فهل يَحْلِفُ العبدُ معه؟ على رِوايَتَين. وإن لم يكُنْ عَدْلًا، أو لم يَحْلِفِ العَبْدُ معه، وحَلَف المُنْكِرُ، كان نِصْفُه مُكاتبًا ونِصْفُه رَقِيقًا، ويكونُ كَسْبُه بينَه وبينَ المُنْكِرِ نِصْفَين، ونَفَقَتُه مِن كَسْبِه؛ لأنَّها على نَفْسِه وعلى مالكِ نِصْفِه، فإنْ لم يَكُنْ له كَسْبٌ، كان على المُنْكِرِ نِصْفُ نفقتِه، ثم إنِ اتَّفَقَ هو ومالِكُ نِصْفِه على المُهايأةِ مياوَمَةً (١)، أو مُشَاهَرَةً، أو كيفَما كان، جاز، فإن طَلَبَ
стр. 9414
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحَدُهما ذلك وامْتَنَعَ الآخَرُ، أُجْبِرَ عليها، في ظاهِرِ كلام أحمدَ. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ المَنافِعَ مُشْتَرَكَةٌ بينَهما، فإذا أراد أحَدُهما حِيازَةَ نَصِيبِه مِن غيرِ ضَرَرٍ لَزِمَ الآخَرَ إجَابَتُه، كالأعْيانِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْبَرَ. وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ المُهايأةَ تَأخِيرُ حَقِّهِ الحالِّ، لكونِ المَنافِع في هذا اليومِ مُشْتَرَكَةً بينَهما، فلا تَجِبُ الإِجابةُ إليه، كتَأخِيرِ دَينه الحال. فإنِ اقْتَسَما الكَسْبَ مُناصَفَةً أو مُهايأة، جازَ، فإن لم يَفِ بأداءِ نُجُومِه، فللمُقِرِّ رَدُّه في الرِّقِّ، وما في يَدِه له خاصَّةً؛ لأنَّ المُنْكِرَ قد أخَذَ حَقَّه مِن الكَسْبِ. وإنِ اخْتَلَفَ المُنْكِرُ والمُقِرُّ فيما في يَدِ المُكاتَبِ، فقال المُنكرُ: هذا كان في يَدِه قبلَ دَعْوَى الكِتابَةِ -أو- كَسَبَه في حياةِ أبِينا. وأنْكر ذلك المُقِرُّ، فالقولُ قولُه مع يَمينه؛ لأنَّ المُدَّعِيَ يَدَّعِي كَسْبَه في وَقْتٍ الأصْلُ عَدَمُه فيه، ولأنَّه لو اخْتَلَفَ هو والمُكاتَبُ في ذلك، كان القَوْلُ قول المُكاتَبِ، فكذلك مَنِ يقومُ مَقامَه. وإن أدَّى الكِتابَةَ، عَتَقَ نَصِيبُ المُقِرِّ خاصَّةً، ولم يَسْرِ إلى نصِيبِ شَرِيكِه؛ لأنَّه (١) لم يُباشِرِ العِتْقَ، ولم يُنْسَبْ إليه، وإنَّما كان السَّبَبُ (٢) من أبِيه، وهذا حَاكٍ (٣) عن أبِيه مُقِرٌّ بفِعْلِه، فهو كالشاهدِ، ولأنَّ المُقِرَّ يَزْعُمُ أنَّ نَصِيبَ أخِيه حُرٌّ أيضًا؛ لأنَّه قَد قَبَضَ مِن العَبْدِ مثلَ ما قَبَضَ، فقد حَصَلَ أداءُ مالِ الكِتابَةِ
стр. 9415
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إليهما جميعًا (١)، فعَتَقَ كلُّه بذلك، ووَلاءُ النِّصْفِ للمُقِرِّ؛ لأنَّ أخاه لا يَدَّعِيه، والمُقِرُّ يَدَّعِي أنَّه كلُّه عَتَقَ بالكِتابَةِ وهذا الوَلاءُ الذي على هذا النِّصْفِ نصِيبِي (٢) مِن الوَلاءِ. وقال أصحابُ الشافعي: في ذلك وَجْهانِ. أحدُهما، كقَوْلِنا. والثاني، أنَّ الوَلاءَ بينَ الابْنَين؛ لأنَّه يَثْبُتُ لمَوْرُوثِهما، فكان لهما بالمِيرَاثِ. قال شيخُنا (٣): والصَّحيحُ ما قُلْناه؛ لما ذَكَرْنا, ولا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ الوَلاءِ للأب واخْتِصاصُ أحَدِ الابنَين به، كما لو ادَّعَى أحَدُهما دَينًا لأبِيه على إنْسانٍ، وأَنْكَرَه الآخَرُ، فإنَّ المُدَّعِيَ يَأخذ نَصِيبَه مِن الدَّينِ ويَخْتَصُّ به دُونَ أخِيه، وإن كان يَرِثُه عن الأبِ، وكذلك (٤) لو ادَّعَياه مَعًا، وأقاما به شاهِدًا واحدًا، فحلَفَ أحَدُهما مع الشاهِدِ، وأبَى الآخَرُ. فإن أعْتَقَ أحَدُهما حِصَّتَه، عَتَقَ، وسَرَى إلى باقِيه إن كان مُوسِرًا. هذا قولُ الخِرَقِيِّ؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ، وَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ قِيمَةَ العَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيهِ قِيمَةَ العَدْلِ، وأعْطى شُرَكَاءَه حِصَصَهُمْ» (٥). ولأنَّه مُوسِرٌ عَتَقَ نَصِيبُه مِن عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ، فسَرَى إلى باقِيه، كغيرِ المُكاتَبِ. وقال أبو بكر، والقاضي: لا يَعْتِقُ إلَّا حِصتُه؛ لأنَّه إنْ كان المُعْتِقُ المُقِرَّ، فهو مُنَفِّذٌ، وإن كان
стр. 9416
فَإِن حَلَّ نَجْمٌ فَلَمْ يُودِّهِ، فَلِلسَّيِّدِ الْفَسْخُ. وَعَنْهُ، لَا يَعْجِزُ حَتَّى يَحِلَّ نَجْمَانِ. وَعَنْهُ، لَا يَعْجِزُ حَتَّى يَقُولَ: قَدْ عَجَزْتُ.
ــ
المُنْكِرَ، لم يَسْرِ إلى نَصِيبِ المُقِرِّ؛ لأنَّه مُكاتَبٌ لغيرِه، وفي سِرايةِ العِتْقِ إليه إبْطالُ سَبَبِ الوَلاءِ عليه، فلم يَجُزْ ذلك.
٣٠٢٣ - مسألة: (وإن حَلَّ نَجْمٌ فلم يُؤَدِّه، فللسيدِ الفَسْخُ. وعنه، لا يَعْجِزُ حتى يَحِلَّ نَجْمانِ. وعنه، لا يَعْجِزُ حَتَّى يقولَ: قد عَجَزْتُ) اخْتَلَفتِ الرِّوَايةُ عن أحمدَ، ﵀، فيما يجوزُ للسيدِ به فَسْخُ الكِتابةِ، فرُوِيَ عنه أنَّه يجوزُ له الفَسْخُ إذا عَجَزَ عن نَجْم واحدٍ. وهو قولُ الحارثِ العُكْلِيِّ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّ السيدَ دَخَلَ على أن يُسَلِّمَ له مال الكِتابةِ على الوَجْهِ الذي كاتَبَه عليه، ويَدْفَعَ إليه المال في نُجُومِه، فإذا لم يُسَلِّمْ له لم يَلْزَمْه عِتْقُه. ولأنَّه عَجَزَ عن أداءِ النَّجْمِ في وَقْتِه (١)، فجازَ فسْخُ كِتابَتِه، كالنَّجْمِ الأخِيرِ. ولأنَّه تَعَذَّرَ العِوَضُ في عَقْدِ مُعاوَضَةٍ، ووَجَدَ عينَ مالِه، فكان له الرُّجُوعُ، كما لو باع سِلْعَةً فأفْلَسَ المُشْتَرِي قبلَ نَقْدِ ثَمَنِها. والروايةُ الثانيةُ، أنَّ السَّيِّدَ لا يَمْلِكُ الفَسْخَ حتَّى يَحِلَّ نَجْمانِ قبلَ أدائِهما. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. قال القاضي: وهو ظاهِرُ كلامِ أصحابِنا. رُوِيَ ذلك عن الحكمِ، وابنِ أبي لَيلَى،
стр. 9417
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأبي يوسفَ، والحسنِ بنِ صالحٍ؛ لما رُوِيَ عن علي، ﵁، أنَّه قال: لا يُرَدُّ المُكاتَبُ في الرِّقِّ حتَّى يَتَوالى عليه نَجْمان (١). ولأنَّ ما بينَ النَّجْمَين مَحِلٌّ لأداءِ الأوَّلِ، فلا يتَحَقَّقُ العَجْزُ عنه حتى يَفُوتَ مَحِلُّه بحُلُولِ الثاني. والروايةُ الثالثةُ، أنَّه لا يَعْجِزُ حتى يقولَ: قد عَجَزْتُ. رَواها عنه ابنُ أبي موسى. وروى عنه أنَّه إذا أدَّى أكثرَ مالِ الكِتابةِ، لم يُرَدَّ إلى الرِّقِّ، واتْبعَ بما بَقِيَ. وإذا قُلْنا: للسيدِ الفَسْخُ. لم تَنْفَسِخِ الكِتابةُ بالعَجْزِ، بل له مُطالبَةُ المُكاتَبِ بما حَلَّ مِن نُجُومِه؛ لأنَّه دَينٌ له حَلَّ، فأشْبَهَ دَينَه على الأجْنَبِيِّ، [وله] (٢) الصَّبْرُ عليه وتأخِيرُه به، سَوَاءٌ كان قادِرًا على الأداءِ أو عاجِزًا؛ لأنَّه حَقٌّ له سَمَحَ بتأخِيرِه، أشْبَهَ الدَّينَ على الأجْنَبِيِّ. فإنِ اختار الصَّبْرَ عليه لم يَمْلِكِ [العَبْدُ الفَسْخَ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ، على أنَّ] (٣) المُكاتَبَ إذا حَلَّ عليه نَجْمٌ، [أو نَجْمان] (٤)، أو نُجُومُه كُلُّها، فوَقَفَ (٥) السَّيِّدُ عن مُطالبَتِه وتَرَكَه بحالِه، أنَّ الكِتابَةَ لا تَنْفَسِخُ،
стр. 9418
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما داما ثابتَين على العَقْدِ الأوَّلِ. وإن أجَّلَه به ثم بَدا له الرُّجُوعُ، فله ذلك؛ لأنَّ الحالَّ لا يتَأجَّلُ بالتَّأجِيلِ، كالقَرْضِ. وإنِ اخْتار السيدُ فَسْخَ كِتابتِه ورَدَّه إلى الرِّقِّ، فله ذلك، بغيرِ حُضُورِ حاكمٍ ولا سُلْطانٍ، ولا تَلْزَمُه الاسْتِنابَةُ. فعَل ذلك [ابنُ عُمَرَ] (١). وهو قولُ شُرَيحٍ، والنَّخَعِيِّ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ. وقال ابنُ أبي لَيلَى: لا يكونُ عَجْزُه إلَّا عندَ قاضٍ. وحُكِيَ نحوُه عن مالكٍ. وقال الحسنُ: إذا عَجَزَ اسْتُؤْنِي (٢) بعدَ العَجْزِ سَنَتَين. وقال الأوْزَاعِيُّ: شَهْرَين. ولَنا، ما روَى سعيدٌ بإسنادِه عن ابنِ عمرَ، أنَّه كاتَبَ عبدًا له على ألفِ دِينارٍ، وعَجَزَ عن مائةِ في ينارٍ، فرَدَّه في الرِّقِّ (٣). وبإسنادِه عن عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ، عن ابنِ عمرَ، أنَّه كاتَبَ عبدَه على عشرينَ ألْفًا، فأدَّى عَشَرةَ آلافٍ، ثم أتاهُ، فقال: إني طُفْتُ العِراقَ والحِجازَ، فرُدَّنِي في الرِّقِّ. فرَدَّه. ورُوِيَ عنه أنَّه كاتَبَ عبدًا له على ثَلاثِينَ ألْفًا، فقال له: أنا عاجِزٌ. فقال له: امْحُ كِتابَتَك. فقال: امْحُ أنتَ (٤).
стр. 9419
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وروَى سعيدٌ، بإسْنادِه عن عمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ خَطَبَ، فقال: «أيُّمَا رَجُل كَاتَبَ غُلَامَهُ عَلَى مِائَةِ أوقِيَّةٍ، فَعَجَزَ عَنْ عَشْرِ أراقٍ، فَهُوَ رَقِيقٌ» (١). ولأنَّه عَقْد عَجَزَ عن عِوَضِه، فمَلَكَ مُسْتَحِقُّه (٢) فَسْخَه، كالسَّلَمِ إذا تَعَذَّرَ المُسْلَمُ فيه. فإن قيل: فلِمَ كانتِ الكِتابةُ لازِمَةً مِنِ جِهَةِ السيدِ، غيرَ لازِمَةٍ مِن جِهَةِ العبدِ؟ قُلْنا: بل هي لازِمَةٌ مِن الطرفين، ولا يَمْلِكُ العبدُ فَسْخَها، وإنَّما له أن يُعَجِّزَ نَفْسَه، ويَمْتَنِعَ مِن الكَسْبِ، وإنَّما جاز له ذلك لوَجْهَين: أحدُهما، أنَّ الكِتابةَ تَتَضَمَّنُ إعْتاقًا بصِفَةٍ، ومَن عُلِّقَ عِتْقُه بصِفةٍ لم يَمْلِكْ إبْطالها، ويَلْزَمُ وقوعُ العِتْقِ بالصِّفَةِ، ولا يَلْزَمُ العَبْدَ الإتيانُ بها ولا الإِجْبارُ عليها. الثاني، أنَّ الكِتابَةَ لحظِّ العبدِ دُونَ سيدِه، فكان لازِمًا، كمَن (٣) ألزَمَ نَفْسَه حَظَّ غيرِه، وصاحِبُ الحَط بالخِيارِ فيه، كمَن ضَمِنَ لغيرِه شيئًا أو كَفَلَ له أو رَهَنَ عندَه رَهْنًا.
стр. 9420
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإذا حَلَّ النَّجْمُ على المُكاتَبِ ومالُه حاضِرٌ عندَه، طُولِبَ به، ولم يَجُزِ الفَسْخُ قبلَ الطَّلَبِ، كما لا يجوزُ فَسخُ البَيعِ والسَّلَمِ بمُجَرَّدِ وُجُوبِ الدَّفْعِ قبلَ الطَّلَبِ. فإن طُلِبَ منه، فذكَرَ أنَّه غائِبٌ عن المجْلِس في ناحِيةٍ مِن نواحِي البَلَدِ، أو قَرِيبٌ منه على مسافةٍ لا تُقْصَرُ فيها الصَّلاةُ يُمْكِنُ (١) إحْضارُه قَرِيبًا، لم يَجُزْ فَسْخُ الكِتابَةِ، وأمْهِلَ بقَدْرِ ما يَأتِي به إذا طَلَبَ الإِمْهال؛ لأنَّ هذا يَسِيرٌ لا ضَرَرَ فيه. وإن كان معه مالٌ مِن غيرِ جِنْسِ مالِ الكِتابَةِ، فطَلَبَ الإِمْهال ليَبِيعَه بجِنْسِ مالِ الكِتابَةِ، أمْهِلَ. وإن كان المالُ غائِبًا أكثرَ مِن مسافَةِ القَصْرِ لم يَلْزَمِ الإِمْهالُ. وهذا قولُ الشافعيِّ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان له مالٌ حاضِرٌ، أو غائِبٌ يَرْجُو قُدُومَه، [اسْتُؤْنِي يَوْمَين وثَلاثةً] (٢)، لا أزيدُه على ذلك. لأنَّ الثلاثةَ آخِرُ حَدِّ القِلّةِ والقُرْب؛ لِما بَيَّنَّاه فيما مَضَى، وما زاد عليها في حَدِّ الكَثْرَةِ (٣). وهذا كله قريبٌ بعضُه مِن بعض. فأمَّا إذا كان قادرًا على الأداءِ واجِدًا لما يُؤَدِّيه، فامْتَنَعَ مِن أدائِه، و (٤) قال: قد عجَزْتُ. فقال الشَّرِيف أبو جَعْفَرٍ، وجماعةٌ مِن (٥) أصْحابِنا المتَأخِّرين: يَمْلِكُ