← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 9416–9455 · переход к 9421.

стр. 9416

فَإِن حَلَّ نَجْمٌ فَلَمْ يُودِّهِ، فَلِلسَّيِّدِ الْفَسْخُ. وَعَنْهُ، لَا يَعْجِزُ حَتَّى يَحِلَّ نَجْمَانِ. وَعَنْهُ، لَا يَعْجِزُ حَتَّى يَقُولَ: قَدْ عَجَزْتُ. ــ المُنْكِرَ، لم يَسْرِ إلى نَصِيبِ المُقِرِّ؛ لأنَّه مُكاتَبٌ لغيرِه، وفي سِرايةِ العِتْقِ إليه إبْطالُ سَبَبِ الوَلاءِ عليه، فلم يَجُزْ ذلك. ٣٠٢٣ - مسألة: (وإن حَلَّ نَجْمٌ فلم يُؤَدِّه، فللسيدِ الفَسْخُ. وعنه، لا يَعْجِزُ حتى يَحِلَّ نَجْمانِ. وعنه، لا يَعْجِزُ حَتَّى يقولَ: قد عَجَزْتُ) اخْتَلَفتِ الرِّوَايةُ عن أحمدَ، ﵀، فيما يجوزُ للسيدِ به فَسْخُ الكِتابةِ، فرُوِيَ عنه أنَّه يجوزُ له الفَسْخُ إذا عَجَزَ عن نَجْم واحدٍ. وهو قولُ الحارثِ العُكْلِيِّ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّ السيدَ دَخَلَ على أن يُسَلِّمَ له مال الكِتابةِ على الوَجْهِ الذي كاتَبَه عليه، ويَدْفَعَ إليه المال في نُجُومِه، فإذا لم يُسَلِّمْ له لم يَلْزَمْه عِتْقُه. ولأنَّه عَجَزَ عن أداءِ النَّجْمِ في وَقْتِه (١)، فجازَ فسْخُ كِتابَتِه، كالنَّجْمِ الأخِيرِ. ولأنَّه تَعَذَّرَ العِوَضُ في عَقْدِ مُعاوَضَةٍ، ووَجَدَ عينَ مالِه، فكان له الرُّجُوعُ، كما لو باع سِلْعَةً فأفْلَسَ المُشْتَرِي قبلَ نَقْدِ ثَمَنِها. والروايةُ الثانيةُ، أنَّ السَّيِّدَ لا يَمْلِكُ الفَسْخَ حتَّى يَحِلَّ نَجْمانِ قبلَ أدائِهما. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. قال القاضي: وهو ظاهِرُ كلامِ أصحابِنا. رُوِيَ ذلك عن الحكمِ، وابنِ أبي لَيلَى،

стр. 9417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأبي يوسفَ، والحسنِ بنِ صالحٍ؛ لما رُوِيَ عن علي، ﵁، أنَّه قال: لا يُرَدُّ المُكاتَبُ في الرِّقِّ حتَّى يَتَوالى عليه نَجْمان (١). ولأنَّ ما بينَ النَّجْمَين مَحِلٌّ لأداءِ الأوَّلِ، فلا يتَحَقَّقُ العَجْزُ عنه حتى يَفُوتَ مَحِلُّه بحُلُولِ الثاني. والروايةُ الثالثةُ، أنَّه لا يَعْجِزُ حتى يقولَ: قد عَجَزْتُ. رَواها عنه ابنُ أبي موسى. وروى عنه أنَّه إذا أدَّى أكثرَ مالِ الكِتابةِ، لم يُرَدَّ إلى الرِّقِّ، واتْبعَ بما بَقِيَ. وإذا قُلْنا: للسيدِ الفَسْخُ. لم تَنْفَسِخِ الكِتابةُ بالعَجْزِ، بل له مُطالبَةُ المُكاتَبِ بما حَلَّ مِن نُجُومِه؛ لأنَّه دَينٌ له حَلَّ، فأشْبَهَ دَينَه على الأجْنَبِيِّ، [وله] (٢) الصَّبْرُ عليه وتأخِيرُه به، سَوَاءٌ كان قادِرًا على الأداءِ أو عاجِزًا؛ لأنَّه حَقٌّ له سَمَحَ بتأخِيرِه، أشْبَهَ الدَّينَ على الأجْنَبِيِّ. فإنِ اختار الصَّبْرَ عليه لم يَمْلِكِ [العَبْدُ الفَسْخَ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ، على أنَّ] (٣) المُكاتَبَ إذا حَلَّ عليه نَجْمٌ، [أو نَجْمان] (٤)، أو نُجُومُه كُلُّها، فوَقَفَ (٥) السَّيِّدُ عن مُطالبَتِه وتَرَكَه بحالِه، أنَّ الكِتابَةَ لا تَنْفَسِخُ،

стр. 9418

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما داما ثابتَين على العَقْدِ الأوَّلِ. وإن أجَّلَه به ثم بَدا له الرُّجُوعُ، فله ذلك؛ لأنَّ الحالَّ لا يتَأجَّلُ بالتَّأجِيلِ، كالقَرْضِ. وإنِ اخْتار السيدُ فَسْخَ كِتابتِه ورَدَّه إلى الرِّقِّ، فله ذلك، بغيرِ حُضُورِ حاكمٍ ولا سُلْطانٍ، ولا تَلْزَمُه الاسْتِنابَةُ. فعَل ذلك [ابنُ عُمَرَ] (١). وهو قولُ شُرَيحٍ، والنَّخَعِيِّ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ. وقال ابنُ أبي لَيلَى: لا يكونُ عَجْزُه إلَّا عندَ قاضٍ. وحُكِيَ نحوُه عن مالكٍ. وقال الحسنُ: إذا عَجَزَ اسْتُؤْنِي (٢) بعدَ العَجْزِ سَنَتَين. وقال الأوْزَاعِيُّ: شَهْرَين. ولَنا، ما روَى سعيدٌ بإسنادِه عن ابنِ عمرَ، أنَّه كاتَبَ عبدًا له على ألفِ دِينارٍ، وعَجَزَ عن مائةِ في ينارٍ، فرَدَّه في الرِّقِّ (٣). وبإسنادِه عن عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ، عن ابنِ عمرَ، أنَّه كاتَبَ عبدَه على عشرينَ ألْفًا، فأدَّى عَشَرةَ آلافٍ، ثم أتاهُ، فقال: إني طُفْتُ العِراقَ والحِجازَ، فرُدَّنِي في الرِّقِّ. فرَدَّه. ورُوِيَ عنه أنَّه كاتَبَ عبدًا له على ثَلاثِينَ ألْفًا، فقال له: أنا عاجِزٌ. فقال له: امْحُ كِتابَتَك. فقال: امْحُ أنتَ (٤).

стр. 9419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وروَى سعيدٌ، بإسْنادِه عن عمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ خَطَبَ، فقال: «أيُّمَا رَجُل كَاتَبَ غُلَامَهُ عَلَى مِائَةِ أوقِيَّةٍ، فَعَجَزَ عَنْ عَشْرِ أراقٍ، فَهُوَ رَقِيقٌ» (١). ولأنَّه عَقْد عَجَزَ عن عِوَضِه، فمَلَكَ مُسْتَحِقُّه (٢) فَسْخَه، كالسَّلَمِ إذا تَعَذَّرَ المُسْلَمُ فيه. فإن قيل: فلِمَ كانتِ الكِتابةُ لازِمَةً مِنِ جِهَةِ السيدِ، غيرَ لازِمَةٍ مِن جِهَةِ العبدِ؟ قُلْنا: بل هي لازِمَةٌ مِن الطرفين، ولا يَمْلِكُ العبدُ فَسْخَها، وإنَّما له أن يُعَجِّزَ نَفْسَه، ويَمْتَنِعَ مِن الكَسْبِ، وإنَّما جاز له ذلك لوَجْهَين: أحدُهما، أنَّ الكِتابةَ تَتَضَمَّنُ إعْتاقًا بصِفَةٍ، ومَن عُلِّقَ عِتْقُه بصِفةٍ لم يَمْلِكْ إبْطالها، ويَلْزَمُ وقوعُ العِتْقِ بالصِّفَةِ، ولا يَلْزَمُ العَبْدَ الإتيانُ بها ولا الإِجْبارُ عليها. الثاني، أنَّ الكِتابَةَ لحظِّ العبدِ دُونَ سيدِه، فكان لازِمًا، كمَن (٣) ألزَمَ نَفْسَه حَظَّ غيرِه، وصاحِبُ الحَط بالخِيارِ فيه، كمَن ضَمِنَ لغيرِه شيئًا أو كَفَلَ له أو رَهَنَ عندَه رَهْنًا.

стр. 9420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإذا حَلَّ النَّجْمُ على المُكاتَبِ ومالُه حاضِرٌ عندَه، طُولِبَ به، ولم يَجُزِ الفَسْخُ قبلَ الطَّلَبِ، كما لا يجوزُ فَسخُ البَيعِ والسَّلَمِ بمُجَرَّدِ وُجُوبِ الدَّفْعِ قبلَ الطَّلَبِ. فإن طُلِبَ منه، فذكَرَ أنَّه غائِبٌ عن المجْلِس في ناحِيةٍ مِن نواحِي البَلَدِ، أو قَرِيبٌ منه على مسافةٍ لا تُقْصَرُ فيها الصَّلاةُ يُمْكِنُ (١) إحْضارُه قَرِيبًا، لم يَجُزْ فَسْخُ الكِتابَةِ، وأمْهِلَ بقَدْرِ ما يَأتِي به إذا طَلَبَ الإِمْهال؛ لأنَّ هذا يَسِيرٌ لا ضَرَرَ فيه. وإن كان معه مالٌ مِن غيرِ جِنْسِ مالِ الكِتابَةِ، فطَلَبَ الإِمْهال ليَبِيعَه بجِنْسِ مالِ الكِتابَةِ، أمْهِلَ. وإن كان المالُ غائِبًا أكثرَ مِن مسافَةِ القَصْرِ لم يَلْزَمِ الإِمْهالُ. وهذا قولُ الشافعيِّ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان له مالٌ حاضِرٌ، أو غائِبٌ يَرْجُو قُدُومَه، [اسْتُؤْنِي يَوْمَين وثَلاثةً] (٢)، لا أزيدُه على ذلك. لأنَّ الثلاثةَ آخِرُ حَدِّ القِلّةِ والقُرْب؛ لِما بَيَّنَّاه فيما مَضَى، وما زاد عليها في حَدِّ الكَثْرَةِ (٣). وهذا كله قريبٌ بعضُه مِن بعض. فأمَّا إذا كان قادرًا على الأداءِ واجِدًا لما يُؤَدِّيه، فامْتَنَعَ مِن أدائِه، و (٤) قال: قد عجَزْتُ. فقال الشَّرِيف أبو جَعْفَرٍ، وجماعةٌ مِن (٥) أصْحابِنا المتَأخِّرين: يَمْلِكُ

стр. 9421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ السيدُ الفَسْخَ. وهو الذي ذَكَرَه شيخُنا في الكتابِ المَشْرُوحِ، وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. وقال أبو بكرِ بنُ جَعْفَرٍ: ليس له ذلك، ويُجْبَرُ على تَسْلِيمِ العِوَضِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والأوْزَاعِيِّ. وقد ذُكِرَ ذلك في كتابِ البَيعِ. وفيه رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه إذا قَدَرَ على أداءِ المالِ كُلِّه، أنَّه يَصِيرُ حُرًّا بِمِلْكِ ما يُؤَدِّي. وقد ذَكَرناها. فصل: فإن حَلَّ النَّجْمُ والمُكاتَبُ غائِبٌ بغيرِ إذْنِ سيدِه، فله الفَسْخُ. وإن كان غاب بإذْنِه، لم يكنْ له أن يَفْسَخَ؛ لأنَّه أذِنَ في السَّفَرِ المانِعِ مِن الأداءِ، لكنْ يُرْفَعُ الأمْرُ إلى الحاكِمِ، ليَجْعَلَ للسيدِ فَسْخَ الكِتابةِ. وإن كان قادِرًا على الأداءِ، طالبَه بالخُرُوجِ إلى البَلَدِ الذي فيه السيدُ ليُؤَدِّيَ مال الكِتابَةِ، أو يُوَكِّلَ مَن يَفْعَلُ ذلك، فإن فَعَلَه في أوَّلِ حالِ الإِمكانِ عندَ خُرُوجِ القافلةِ، إن كان لا يُمْكِنُه الخروجُ إلَّا معها, لم يَجُزِ الفَسْخُ، [وإن أخَّرَه مع الإِمكانِ، ومَضَى زَمَنُ المَسِيرِ، ثَبَتَ للسيدِ خيارُ الفسْخِ، وإن كان قد جَعَلَ للوكيلِ الفَسْخَ] (١) عندَ امتناعِ المُكاتَبِ مِن الدَّفْعِ إليه، جازَ، وله الفَسْخُ إذا ثَبَتَتْ وَكالتُه ببَينةٍ، بحيث يَأمَنُ المُكاتَبُ إنْكارَ السيدِ، فإن لم يَثْبُتْ ذلك، لم يَلْزَمِ المُكاتَبَ الدَّفْعُ إليه، وكان

стр. 9422

وَلَيسَ لِلْعَبْدِ فَسْخُهَا بِحَالِ. وَعَنْهُ، لَهُ ذَلِكَ. ــ له عُذْرٌ يَمْنَعُ جوازَ الفَسْخِ؛ لأنَّه لا يَأمَنُ أن يُسَلِّمَ إليه فيُنْكِرَ السيدُ وكالتَه ويَرْجِعَ على المُكاتَبِ بالمالِ، وسَواءٌ صَدَّقَه في أنَّه وكيل أو كَذَّبَه. فإن كَتَبَ حاكِمُ البَلَدِ الذي فيه السيدُ إلى حاكِمِ البَلدِ الذي فيه المُكاتَبُ ليَقْبِض منه المال، لم يَلْزَمْه ذلك؛ لأنَّ هذا تَوْكِيلٌ لا يَلزَمُ الحاكمَ الدُّخُولُ فيه، فإنَّ الحاكمَ لا يُكَلَّفُ القَبْضَ للبالغِ الرَّشِيدِ، فإنِ اخْتار القَبْضَ جَرَى مَجْرَى الوَكِيلِ، ومتَى قَبَضَ منه المال عَتَقَ. ٣٠٢٤ - مسألة: (وليس للعبدِ فَسْخُها بحالٍ) لأنَّها عَقْدٌ لازِمٌ، ومَقْصُودُها ثُبُوتُ الحُرِّيَّةِ في العبدِ، وذلك حَقٌّ لله تعالى، فلا يَمْلِد العَبْدُ فَسْخَه وإن كان له فيه حَظٌّ (وعنه، له ذلك) لأنَّ العَقْدَ لحظه، فمَلَكَ فَسْخَه، كالمُرْتَهِنِ له فَسْخُ الرَّهْنِ دونَ الرَّاهِنِ، وإنِ اتَّفَقَ هو والسيدُ على فَسْخِها جاز؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، فجازَ باتِّفاقِهِما، كفَسْخِ البَيعِ والإِجَارَةِ.

стр. 9423

وَلَوْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنْ مُكَاتَبِهِ، ثُمَّ مَاتَ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ. وَيَحْتَمِلُ إلا يَنْفسِخَ حَتَّى يَعْجِزَ. ــ ٣٠٢٥ - مسألة: (ولو زَوَّجَ ابْنَتَه مِن مُكاتَبِه، ثم مات، انْفَسخَ النِّكاحُ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَنْفَسِخَ حَتى يَعْجِزَ) إذا زَوَّجَ السيدُ ابْنَتَه مِن مُكاتَبِه برِضاها، ثم مات السيدُ وكانت مِن الوَرَثَةِ، انْفَسَخَ النِّكاحُ. وبهذا قال الشافعيُّ. [وقال أبو حنيفةَ: لا يَنْفَسِخُ النكاحُ] (١)؛ لأنَّها لا تَرِثُه، وإنَّما تَمْلِكُ نَصيبَها مِن الدَّينِ الذي عليه، بدَليلِ أنَّ الوارِثَ لو أبرأ المُكاتَبَ مِن الدَّينِ عَتَقَ، وكان الوَلاءُ للمَيِّتِ لا للوَارِثِ، فإن عَجَزَ وعادَ رَقِيقًا قِنا (٢) انْفَسَخَ النِّكاحُ حِينَئذٍ؛ لأنَّها مَلَكَتْ نَصِيبَها منه. ولَنا، أنَّ المُكاتَبَ مَملوكٌ لسَيِّدِه، لا يَعْتِقُ بمَوْتِه، فوجَبَ أن يَنْتَقِلَ إلى وَرَثَتِه، كسائِرِ أمْلاكِه، ولأنَّها لا يجوزُ لها ابْتِداءُ نِكاحِه؛ لأجْلِ المِلْكِ، فانْفَسَخَ نِكاحُها بتَجَدُّدِ ذلك فيه، كالعبدِ القِنِّ. وأمَّا كونُ الولاءِ للمَيِّتِ، فلأنَّ السَّبَبَ وُجِدَ منه، فنُسِبَ العِتْقُ إليه، وثَبَتَ الولاءُ له. إذا ثَبَتَ هذا،

стр. 9424

وَيَجِبُ عَلَى سَيِّدِهِ أنْ يُؤتِيَهُ رُبْعَ مَالِ الْكِتَابَةِ، إِنْ شَاءَ وَضَعَهُ عَنْهُ، وَإنْ شَاءَ قَبَضَهُ ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَيهِ. ــ فلا فَرْقَ بينَ أن تَرِثَه كلَّه أو تَرِثَ بعضَه؛ لأنَّها إذا مَلَكَتْ منه جُزْءًا انْفَسَخَ النِّكاحُ فيه، فبَطَلَ في باقِيه؛ لأنَّه لا يتَجَزأ (١). فإن كانت لا تَرِثُ أباها لمانِع مِن مَوانِعِ الميراثِ، فنِكاحُها باقٍ بحالِه. والحكْمُ في سائِرِ الوَرَثَةِ مِن النِّساءِ كالحكمِ في البنتِ. وكذلك لو تَزَوَّجَ رجلٌ مُكاتَبَةً، فوَرِثَها أو بعضَها، انْفَسَخَ نِكاحُه؛ لذلك. ٣٠٢٦ - مسألة: (ويَجِبُ على السيدِ أن يُؤْتِيَه رُبْعَ مالِ الكِتابَةِ، إن شاء وَضَعَه عنه، وإن شاء قَبَضَه ثم دَفَعَه إليه) الكلامُ في الإِيتاءِ في خمسةِ فُصُولٍ: وُجُوبِه، وقَدْرِه، وجِنْسِه، ووَقْتِ جَوازِه، وَوَقْتِ وُجُوبِه.

стр. 9425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الفصل الأوَّلُ: أنَّه يَجِبُ على السيدِ إيتاءُ المُكاتَبِ شيئًا ممَّا كُوتِبَ عليه. رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، ﵁. وبه قال الشافعيُّ، وإسحاق. وقال بُرَيدَةُ، والحسنُ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ: ليس بواجِبٍ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فلا يَجبُ فيه الإِيتاءُ، كسائِرِ عُقُودِ المُعاوَضاتِ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (١). وظاهِرُ الأمْرِ الوُجُوبُ. قال عليٌّ، ﵁: ضَعُوا عنهمِ (٢) رُبْعَ مالِ الكِتابَةِ (٣). وعن ابنِ عباس، قال: ضَعُوا عنهم مِن مُكاتبَتِهم (٤) شيئًا (٥). وتُفارِق الكِتابَةُ سائِرَ العُقُودِ، فإنَّ القَصْدَ بها رِفْقُ العبدِ، بخِلافِ غيرِها, ولأنَّ الكِتابَةَ يَسْتَحِقُّ بها الوَلاءَ على العبدِ مع المُعاوَضَةِ، فكذلك يَجِبُ أن يَسْتَحِقَّ العبدُ على السيدِ شيئًا. فإن قِيلَ: المُرادُ بالإِيتاءِ إعْطاؤه سهْمًا مِن الصَّدَقَةِ، والنَّدْبُ إلى التَّصَدُّق عليه، وليس ذلك وَاجِبًا، بدليلِ أنَّ العَقْدَ يُوجِبُ العِوَضَ عليه، فكيف يَقْتَضِي إسْقاطَ شيءٍ منه؛ قُلْنا: أمَّا الأوَّلُ، فإنَّ عَلِيًّا، وابنَ عباس، رَضِيَ الله

стр. 9426

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عنهما، فسَّراه بما ذَكرناه، وهما أعْلَمُ بتأويلِ القُرآنِ، وحَمْلُ الأمْرِ على النَّدْبِ يُخالِفُ مُقْتَضَى الأمْرِ، فلا يُصارُ إليه إلَّا بدليلٍ. وقولُهم: إنَّ العَقْدَ يُوجِبُ عليه، فلا يَسْقُطُ عنه. قُلْنا: إنَّما يَجِبُ الرِّفْقُ به عندَ آخِرِ كِتابَتِه، [رفْقًا به] (١)، ومُواساةً له، وشكرًا لنِعْمَةِ اللهِ تعالى، كما تَجِبُ الزَّكاةُ مُواساةً مِن النِّعْمَةِ التي أنْعَمَ الله تعالى بها على عَبْدِه. ولأنَّ العَبْدَ وَلِيَ جَمْعَ (٢) هذا المالِ وتَعِبَ فيه فاقْتَضَى الحالُ مُواساتَه منه، كما أمَر النبيُّ ﷺ بإطْعام عَبْدِه مِن الطَّعامِ الذي وَلِيَ حَرَّه ودُخَانَه (٣). واخْتَصَّ هذا بالوُجُوبِ؛ لأَنَّ فيه مَعُونَةً على العِتْقِ، وإعانَةً لمن يَحِقُّ على اللهِ تعالى عَوْنُه، فإنَّ أبا هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللهِ

стр. 9427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَعَالى عَوْنُهُم؛ المُجَاهِدُ في سَبِيلِ اللهِ، والمُكاتَبُ الَّذي يُرِيدُ الأدَاءَ، والنَّاكِحُ الذِى يُرِيدُ العَفَافَ». قال التِّرْمِذِيُّ (١): هذا حَدِيث حَسَنٌ. الفصل الثاني: في قَدْرِه، وهو الرُّبْعُ. ذَكَرَه الخِرَقِي، وأبو بكر، وغيرُهما مِن أصْحابِنا. رُوِيَ ذلك عن علي، ﵁. وقال قتادَة: العُشْرُ. وقال الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: يُجْزِئ ما يَقَعُ عليه. الاسْمُ. وهو قولُ مالكٍ، إلَّأ أنَّه عِندَه مُسْتَحَب؛ لقولِ الله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. و «مِن» للتبعِيضٍ، والقَلِيلُ بعضٌ، فيُكْتَفَى به. وقال ابنُ عباس: ضَعُوا عَنْهم مِن مُكاتبَتِهم شيئًا. ولأنَّه قد ثَبَتَ أنَّ المُكاتَبَ لا يعْتِقُ حتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ الكِتابَةِ، بما ذَكَرْنا مِن الأخْبارِ، ولو وَجَبَ إيتاؤه الرُّبْعَ، لوَجَبَ أن يَعْتِقَ إذا أدَّى ثَلاثةَ أرْباعِ الكِتابةِ، ولا يَجِبُ عليه أداءُ مالٍ يجبُ رَدُّه إليه. وقد رُوِيَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه كاتَبَ عبْدًا له على خَمْسَةٍ وثلاثينَ ألْفًا، فأخَذَ منه ثلاثين، وتَرَكَ له خَمْسةً (٢). ولَنا، ما روَى أبو بكر بإسْنادِه عن علي، ﵁، عن ﷺ :

стр. 9428

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. قال: «رُبْعُ المُكاتَبةِ (١)» (٢). ورُوِيَ مَوْقُوفًا على (٣) علي، ﵁. ولأنَّه مالٌ يَجبُ إيتاؤُه مُواساةً بالشرْعِ، فكان مُقَدَّرًا، كالزَّكاةِ، ولأنَّ حِكْمَةَ إيجابِه الرِّفْقُ بالمُكاتَبِ وإعانَتُه على تَحْصِيلِ العِتْقِ، وهذا لا يَحْصُلُ باليَسيرِ الذي هو أقَلُّ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ، فلم يَجُزْ أن يكونَ هو الواجبَ، وقولُ الله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. إذا وَرَدَ غيرَ مُقَدَّرٍ فيه، فإنَّ السنةَ بَيَّنَتْه وقدَّرَته، كالزَّكاةِ. الفصل الثالث: في جِنْسِه، إن قَبَضَ مال الكِتابةِ، ثم أعْطاه منه، أجْزأ؛ لأنَّ الآيةَ تَقْتَضِيه. وإن وَضَعَ عنه ممَّا وَجَبَ عليه جاز؛ لأنَّ الصَّحابَةَ، ﵃، فَسَّرُوا الآيَةَ بذلك، ولأنَّه أْبلَغُ في النَّفْعِ، وأعْوَنُ على حُصُولِ العِتْقِ، فيكونُ أفْضَلَ مِن الإِيتاءِ، وتَدُلُّ الآية عليه مِن طَرِيقِ التنبيهِ. وإن أعْطاه من جِنْسِ مالِ الكتابةِ من غيرِه جاز. ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزمَ المُكاتَبَ قَبُولُه. وهذا ظاهِرُ كلامِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الله تعالى أمَرَ بالإِيتاء منه. ولَنا، أنَّه لا فَرْقَ في المعنى بينَ الإِيتاءِ منه والإِيتاءِ

стр. 9429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من غيرِه، إذا كان مِن جِنْسِه، فوَجَبَ أن يَتَساوَيا في الإِجْزاءِ، كالزَّكاةِ، وغيرُ المَنْصُوصِ إذا كان في مَعْناه الحِقَ به، ولذلك جاز الحَطُّ عنه، وليس هو بإيتاءٍ، لمَّا كان في مَعْناه. وإن آتاه مِن غيرِ جِنْسِه، مثلَ أن يُكاتِبَه على دَراهِمَ، فيُعْطِيَهُ دَنانِيرَ أو عُرُوضًا، لم يَلْزَمْه قَبُوله؛ لأنَّه لم يُؤتِه منه ولا مِن جِنْسِه. ويَحْتَمِلُ اللُّزُومَ، لحصولِ الرِّفْقِ به، فإنْ رَضِيَ المُكاتَبُ بها جازَ. الفصل الرابع؛ في وَقت جوازِه، وهو مِن حينِ العَقْدِ، [لقولِ اللهِ تعالى] (١): ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا وَآتُوهُمْ﴾. وذلك يَحْتاجُ إليه مِن حينِ العَقْدِ، وكلَّما عَجَّلَه كان أفْضَلَ؛ لأنَّه يكونُ أنْفَعَ، كالزَّكاةِ. الفصل الخامس: في وقتِ وُجُوبه، وهو حينَ العِتْقِ؛ لأنَّ الله تعالى أمَرَ بإيتائِه مِن المالِ الذي آتاه، وإذا آتَى المال عَتَقَ، فيَجِبُ إيتاؤه حينَئِذٍ. قال عليٌّ، ﵁: الكِتابةُ على نَجْمَين، والإِيتاءُ مِن الثاني (٢). فإن مات السيدُ قبلَ إيتائِه فهو دَينٌ في تَرِكَتِه؛ لأنَّه حَقٌّ واجِب، فهو كسائِرِ دُيُونِه، فإن ضاقَت التَّركَةُ عنه وعن غيرِه مِن الدُّيُونِ، تحاصُّوا في الترِكَةِ

стр. 9430

فَإِنْ أدَّى ثَلاثَةَ أرْبَاعَ مَال الْكِتَابَةِ وَعَجَزَ عَنَ الرُّبْع، عَتَقَ، وَلَمْ تَنْفَسِخِ الْكتَابَةُ في قَوْلِ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ. ــ بقَدْرِ حُقُوقهم، ويُقَدَّمُ على الوَصايَا؛ لأنَّه دَينٌ، وقد قَضَى النبيّ ﷺ أنَّ الدَّينَ قبل الوَصِيَّةِ (١). ٣٠٢٧ - مسألة: (فإن أدَّى ثلاثةَ أرْباعِ الكتابةِ وعَجَزَ عن الرُّبْعِ، عَتَقَ، ولم تَنْفَسِخ، الكِتابَةُ في قَوْل القاضِي وأصحابِه) وهو قوله أبي بَكْرِ؛ لأنَّه يَجِبُ رَدُّه إليه، فلا يُرَدُّ إلى الرِّقِّ لعَجْزِه عنه؛ لأنَّه عَجَزَ عن أداءِ حَقِّ هو له (٢) لا حَقَّ للسيدِ فيه، فلا مَعْنَى لتَعْجِيزِه فيما يَجِبُ رَدُّه إليه. وقال عليٌّ، ﵁: يَعْتِقُ بقَدْرِ ما أدَّى (٣). لما روَى ابنُ عباس، عن النبي ﷺ ، أنَّه قال: «إِذا أصَابَ المُكاتَبُ حَدًّا أو مِيرَاثًا، وَرِثَ بحِسَابِ ما عَتَقَ مِنْهُ، ويُؤَدِّي المُكاتَبُ بحِصَّةِ ما أدَّى دِيَةَ حُرٍّ، ومَا بَقِيَ دِيَةَ عَبْدٍ». رَواه التِّرْمِذِيُّ (٤). وقال: حديثٌ حَسَنٌ. ورُوِيَ عن عمرَ، وعلي، أنَّه إذا أدَّى الشَّطْرَ فلا رِقَّ عليه (٥). ورُوِيَ ذلك عن

стр. 9431

وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أنهُ لَا يَعْتِقُ حَتَّى يُؤدِّيَ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ. ــ النَّخَعِيِّ. وقال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: إذا أدَّى قَدْرَ قِيمَتِه فهو غَرِيمٌ (وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّه لا يَعْتِقُ حتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ الكِتابَةِ) وروَى الأثْرَمُ، عن عمرَ وابْنِه، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وعائشةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِيِّ، أنَّهم قالوا: المُكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ. وهو قولُ القاسمِ، وسالم، وسليمانَ بنِ يسارٍ، وعطاءٍ، وقتادَةَ، والثَّوْرِي، وابنِ شُبْرُمَةَ، ومالكٍ، والأوْزَاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأي. ورُوِيَ ذلك عن أمِّ سَلَمَةَ؛ لِما روَى سعيدٌ بإسْنادِه (١): ثنا هُشَيمٌ، عن حَجَّاجٍ، عن عمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «أيما رَجُل كاتَبَ غُلَامَهُ عَلَى مِائَةِ أوقِيَّةٍ، فَعَجَزَ عَنْ عَشْرِ أوَاقٍ، فَهُوَ رَقِيقٌ» (٢). وعن عمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبِيه عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «المُكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ». رَواه أبو داودَ (٣). ولأنَّه عِوَضٌ عن المُكاتَبِ، فلا يَعْتِقُ قبلَ أدائِه،

стр. 9432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كالقَدْرِ المُتَّفَقِ عليه، ولأنَّه لو عَتَقَ بَعْضُه لسَرَى إلى باقِيه، كما لو باشَرَه بالعِتْقِ. فأمَّا حديثُ ابنِ عباسٍ، فمَحْمُولٌ على مُكاتَبٍ لرَجُلٍ مات وخَلَّفَ ابْنَين، فأقَرَّ أحَدُهما بكتابَتِه وأنْكَرَ الآخَرُ، فأدَّى إلى المُقِرِّ، [وما أشْبَهَها] (١) مِن الصُّوَرِ، جَمْعًا بينَ الأخْبارِ، وتَوْفِيقًا بينَها وبينَ القِياسَ، ولأنَّ قولَ النبيِّ ﷺ : «إِذَا كانَ لإِحْدَاكُنَّ مُكاتَبٌ، [وكان عِندَه] (٢) ما يُؤَدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ منه» (٣). دليلٌ على اعْتِبارِ جميعِ ما يُؤَدِّي. وروَى سعيدٌ بإسْنادِه عن أبي قِلابَةَ قال: كُنَّ -أزْوَاجُ رسولِ اللهِ ﷺ لا يَحْتَجبْنَ منِ مُكاتَبٍ (٤) ما بَقِيَ عليه دِينارٌ (٥). ويجوزُ أن يَتَوقَّفَ العِتْقُ على أَداءِ الجميعِ وإن وَجَب رَدُّ البَعْضِ إليه، كما لو قال: إذا أديت إليَّ فأنْتَ حُر، وللهِ عليَّ رَدُّ رُبْعِها إليك. فإنَّه لا يَعْتِقُ حتَّى يُؤَديها، وإن وَجَبَ عليه رَدُّ بعضِها.

стр. 9433

فَصْلٌ: وَإِذَا كَاتَبَ عَبِيدًا لَهُ كِتَابَةً وَاحِدَةً بِعِوَضٍ وَاحِدٍ صَحَّ، ــ فصل: قال الشيخُ، ﵁: (وإذا كاتَبَ عَبِيدًا له كتابَةً واحدَةً بعِوَضٍ واحِدٍ صَحَّ) [وذلك] (١) مثل أن يُكاتِبَ ثَلاثَةَ أعْبُدٍ له بألفٍ، فيَصِحُّ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عطاءٌ، وسليمانُ بنُ موسى، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، والحسنُ بنُ صالحٍ، وإسحاقُ. وهو المنْصُوصُ عن الشافعيِّ. وقال بعضُ أصحابِه: فيه قولٌ آخَرُ، أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ العَقْدَ مع ثلاثَةٍ كعُقُودٍ ثَلاثةٍ، وعِوَضُ كُلِّ واحِدٍ منهمِ مَجْهُولٌ، فلم يَصِحَّ، كما لو باعَ كلَّ واحِدٍ منهم لواحِدٍ صَفْقَةً واحدةَ بعِوَضٍ واحِدٍ. ولَنا،

стр. 9434

وَيُقَسَّطُ الْعِوَضُ بَينَهُمْ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمْ، وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ منْهُمْ مُكَاتَبًا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ، يَعْتِقُ بِأَدَائِهَا، وَيَعْجِزُ بِالْعَجْزِ عَنْهَا وَحْدَهُ. ــ أنَّ جُملةَ العِوَضِ مَعْلُومَةٌ، وإنَّما جَهِلَ تَفْصِيلُه، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ العَقْدِ، كما لو باعَهُم لواحِدٍ. وعلى قولِ مَن قال: إنَّ العِوَضَ يكونُ بينَهم على السَّوَاءِ. فقد عُلِمَ أيضًا تَفْصِيلُ العِوَضِ، وعلى كلِّ واحدٍ منهم ثُلُثٌ، وكذا يقولُ فيما لو باعَهم لِثلاثةٍ. ٣٠٢٨ - [مسألة: (ويُقَسَّطُ العِوَضُ بينَهم على قَدْرِ قِيمَتِهم، ويكونُ كلُّ واحدٍ منهم مُكاتَبًا بقَدْرِ حِصَّتِه، يَعْتِقُ بأدائِها, ويَعْجزُ بالعَجْزِ عنها وحدَه)] (١). إذا ثَبَتَ هذا، [فإنَّ كلَّ] (٢) واحِدٍ منهم (٣) مُكاتَبٌ بحِصَّتِه مِن الألْفِ، يُقْسَمُ بينَهم على قَدْرِ قِيمَتِهم حينَ العَقْدِ؛ لأنَّه حينُ المُعاوضَةِ وزوالِ سُلْطانِ السيدِ عنهم، فإذا أدَّاة عَتَقَ. وهذا قولُ عَطاءٍ،

стр. 9435

وَقَال أبُو بَكْرٍ: الْعِوَضُ بَينَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ، وَلَا يَعْتِقُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَتَّى تُؤَدَّى جَمِيعُ الْكِتَابَةِ. ــ وسليمانَ بنِ موسى، والحسنِ بنِ صالحٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ. (وقال أبو بكرٍ) عبد العزيزِ: يَتَوَجَّه لأبي عبدِ الله قِولٌ آخر، أنَّ (العِوَضٍ بينَهم) على عَدَدِ (١) رُءوسِهم، فيَتَساوَوْن فيه؛ لأنَّه أُضِيفَ إليهم إضافَةً واحِدَةً، فكان بينَهم بالسَّويَّةِ, كما لو أقَرَّ لهم بشيءٍ. ولَنا، أنَّ هذا عِوَضٌ، فيَتَقَسَّطُ على المُعَوِّضِ, كما لو اشْتَرَى شِقْصًا وسَيفًا، وكما لو اشْتَرَى عَبِيدًا فرَدَّ واحدًا منهم بعَيبٍ، أو تَلِفَ أحدُهم ورَدَّ الآخَرَ. ويُخالِفُ الإِقْرارَ؛ فإنَّه ليس بعِوَضٍ. إذا ثَبَتَ ذلك، فأيُّهم أدَّى حِصَّتَه عَتَقَ. وهذا قولُ الشافعيِّ. وقال ابن أبي موسى: (لا يَعْتِق واحدٌ منهم حتى تُؤَدَّى جَمِيعُ الكِتابةِ) وحُكِيَ ذلك عن أبي بكرٍ. وهو قولُ مالكٍ. وحُكِيَ عنه،

стр. 9436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنَّه (١) إذا امْتَنَعَ أحدُهم عن (٢) الكَسْب مع القُدْرَةِ عليه أُجْبِرَ عليه الباقُون. واحْتَجُّوا بأنَّ الكِتابَةَ واحِدَةٌ؛ بدليلِ أنَّه لا يَصِحُّ مِن كلِّ واحِدٍ منهم الكتابةُ بقَدْرِ حِصَّتِه دُونَ الباقِين، ولا يَحْصُلُ العِتْقُ إلَّا بأداءِ جميعِ الكِتابةِ, كما لو كان المُكاتَبُ واحِدًا. وقال أبو حنيفةَ: إن لم يقُلْ لهمُ السيدُ: إن أدَّيتُم عَتَقْتم. فأيُّهم أدَّى بحِصَّتِه عَتَقَ، وإن أدَّى (٣) جَمِيعَها، عَتَقُوا كلُّهم، ولم يَرْجِعْ على صَاحِبِه بشيءٍ. وإن قال لهم: إن أدَّيتُمْ عَتَقْتُم. لم يَعْتِقْ واحِدٌ منهم حتى يُؤَدِّيَ الكِتابَةَ كُلَّها، ويكونُ بعضُهم حَمِيلًا عن بعض، ويأخُذُ أيُّهم شاء بالمالِ، وأيُّهم أدَّاها عَتَقُوا كُلُّهم، ويَرْجِعُ على صَاحِبَيه بحِصَّتِهما. ولَنا، أنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ مع ثلاثةٍ، فيَبْرأُ كلُّ واحِدٍ منهم بأداءِ حِصَّتِه، كما لو اشْتَرَوْا عبدًا (٤)، وكما لو لم يَقُلْ لهم: إن أدَّيتُم عَتَقْتُم. على أبي حنيفةَ، فإنَّ قولَه ذلك لا يُؤَثِّرُ؛ لأنَّ اسْتِحْقاقَ العِتْقِ بأداءِ العِوَضِ، لا بهذا القولِ، بدَليلِ أنَّه يَعْتِقُ بالأداءِ بدُونِ هذا القولِ، ولم يَثْبُتْ كونُ هذا القولِ مانِعًا مِن العِتْقِ. وقولُه: إنَّ هذا العَقْدَ كِتابةٌ واحِدَةٌ. مَمْنُوعٌ، فإنَّ العَقْدَ مع جماعةٍ عُقُودٌ، بدليلِ البَيعِ. ولا يَصِحُّ القِياسُ

стр. 9437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على كتابةِ الواحِدِ؛ لأنَّ ما قَدَّرَه في مُقابَلَةِ عِتْقِه، وههُنا في مُقابَلَةِ عِتْقِه ما (١) يَخُصمه، فافْتَرَقَا. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إن شَرَطَ عليهم في العَقْدِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ منهم ضامِنٌ عن (١) الباقِين، فَسَدَ الشَّرْطُ، والعَقْدُ صَحِيحٌ. وقال أبو الخَطَّابِ: فيه رِوَايةٌ أُخْرَى، أنَّ الشَّرْطَ صَحِيحٌ. وخَرَّجَهُ ابنُ حامِدٍ وَجْهًا، بِناءً على الرِّوايَتَين في ضَمانِ الحُرِّ لمالِ الكتابةِ. وقال الشافعيُّ: العَقْدُ والشَّرْطُ فاسِدان؛ لأنَّ الشَّرْطَ فاسِدٌ، ولا يُمْكِنُ تَصحيحُ العَقْدِ بدُونِه؛ لأنَّ السيدَ إنَّما رَضِي بالعَقْدِ بهذا الشَّرْطِ، فإذا لم يَثْبُتْ لم يكُنْ راضِيًا بالعَقْدِ، وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: العَقْدُ والشَّرْطُ صَحِيحانِ؛ لأنَّه مِن مُقْتَضَى العَقْدِ عِنْدَهما. ولَنا، أنَّ مال الكِتابَةِ ليسِ بلازِمٍ، ولا مآلُه إلى اللُّزُومِ، فلم يَصِحَّ ضَمانه، كما لو جَعَلَ المال صِفَةً مجَرَّدَةً في العِتْقِ، فقال: إن أدَّيتَ إليَّ ألفًا فأنْتَ حرٌّ. ولأنَّ الضَّامِنَ لا يَلْزَمُه أكثرُ [ممَّا يَلْزَمُ] (٢) المَضْمُونَ عنه، ومالُ الكِتابَةِ لا يَلْزَمُ المُكاتَبَ، فلا يَلْزَمُ الضَّامِنَ، ولأنَّ الضَّمانَ تَبَرُّعٌ، وليس للمُكاتَبِ التَّبَرُّعُ، ولأنَّه لا يَمْلِكُ الضَّمانَ عن حُرٍّ، ولا عمَّن ليس معه في الكتابةِ، فكذلك مَن معه. وأمَّا العَقْدُ فصَحِيحٌ، بدَلِيلِ أنَّ الكِتابَةَ لا تَفْسُدُ بفَسادِ الشَّرْطِ، بدَليلِ خبَرِ بَرِيرَةَ (٣)، [وسَنَذْكُرُه فيما بعدُ، إن شاء الله] (٤).

стр. 9438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا مات بعضُ المُكاتَبِين سَقَطَ قَدْرُ حِصَّتِه. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ. وكذلك إن أُعْتِقَ بَعْضُهم. وعن مالكٍ، إن أعْتَقَ السيدُ أحَدَهم، وكان مُكْتَسِبًا، [لم يَنْفُذْا] (١) عِتْقُه؛ [لأنَّه يَضُرُّ بالباقين. وإن لم يكنْ مُكْتَسِبًا نَفَذَ (٢) عِتْقُه] (٣)، لعَدَمِ الضَّرَرِ فيه. وهذا مَبْنِيٌّ على أنَّه لا يَعْتِقُ واحِدٌ منهم حتى يُؤَدِّيَ جَميعَ مالِ الكتابةِ، وقد مَضَى الكلامُ فيه. فصل: فإن أدَّى أحَدُ المُكاتَبَين عن صاحِبِه، أو عن مُكاتَبٍ آخَرَ، قبلَ أداءِ ما عليه، بغيرِ عِلْمِ سيدِه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ هذا تَبَرُّعٌ، وليس له التَّبَرُّعُ بغيرِ إذْنِ سيدِه، وإن كان قد حَلَّ عليه (٤) نَجْمٌ صُرِفَ ذلك فيه. وإن لم يكُنْ حَلَّ عليه نَجْمٌ فله الرُّجُوعُ فيه. وإن عَلِمَ السيدُ بذلك ورَضِيَ بقَبْضِه عن الآخَرِ، صَحَّ؛ لأنَّ قَبْضَه (٥) له راضِيًا مع العِلْمِ دليلٌ على الإِذْنِ فيه، فجاز، كما لو أذِنَ فيه صَرِيحًا. وإن كان الأداءُ بعدَ أن عَتَقَ، صَحَّ، سَواءٌ عَلِمَ السيدُ، أو لم يَعْلَمْ. فإن أرادَ الرُّجُوعَ على صاحِبِه بما أدَّى عنه، وكان قد قَصَدَ التَّبَرُّعُ عليه، لم يَرْجِع به. وإن أدَّاه مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ عليه بإذْنِ المُؤَدَّى عنه، رَجَعَ عليه؛ لأنَّه قَرْضٌ. وإن كان بِغَيرِ إذْنِه لم يَرْجِعْ عليه؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ عليه بأداء ما لا يَلْزَمُه أداؤُه بغيرِ إذْنِه، فلم يَرْجِعْ عليه، كما لو تَصَدَّقَ عنه صَدَقَةَ تَطَوُّعٍ. وبهذا فارقَ

стр. 9439

وَإِذَا اخْتَلَفُوا بَعْدَ الْأَدَاءِ في قَدْرِ مَا أَدَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي أَدَاءَ قَدْرِ الْوَاجبِ عَلَيهِ. ــ سائِرَ الدُّيونِ. وإن كان بإذْنِه، وطلبَ اسْتِيفاءَه، قُدِّمَ على أداءِ مالِ الكتابةِ، كسائِرِ الديونِ. وإن عَجَزَ عن أدائِه فحُكْمُه حكمُ سائِرِ الدُّيونِ. وهذا كلُّه مذهبُ الشافعيِّ. ٣٠٢٩ - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفُوا بعدَ الأداءِ في قَدْرِ ما أدَّى كلُّ واحِدٍ منهم، فالقولُ قولُ مَن يَدَّعِي أداءَ قَدْرِ الواجِبِ عليه) وهذا إذِا أدَّوْا وعَتَقُوا، فقال مَن كَثُرَتْ قِيمَتُه: أدَّينا على قَدْرِ قِيمَتِنا. وقال الآخرُ (١):

стр. 9440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بل أدَّينَا على السَّواءِ، فبَقِيَتْ لنا على الأكْثَرِ بَقِيَّةٌ. فمَن جَعَلَ العِوَضَ بينَهم على عَدَدِهم، قال: القولُ قولُ مَن يدَّعِي التَّسْويَةَ. ومَن جَعَلَ على كلِّ واحِدٍ قَدْرَ حِصَّتِه، فعندَه فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، القولُ قولُ مَن يَدَّعِي التَّسْويَةَ؛ لأنَّ أيدِيَهم على المالِ، فيتَساوَوْن فيه. والثاني، قولُ مَن يدَّعِي أداءَ قَدْرِ الوَاجِبِ عليه، لأنَّ الظاهِرَ أنَّ الإِنسانَ لا يُؤَدِّي إلَّا ما عليه. فصل: فإن جَنَى بَعْضُهم، فجِنايَتُه عليه دُونَ صاحِبِه. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال مالكٌ: يُؤَدُّون كلُّهم أَرْشَه، فإن عَجَزُوا رقُّوا. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ (١). وقولُ النبيِّ ﷺ : «لَا يَجْني جَانٍ إلَّا على نَفْسِه» (٢). ولأنَّه لو اشتَرَكَ رجلان وتعاقَدا، لم يَحْمِلْ أحَدُهما جِنايَةَ صاحِبِه، فكذا ههُنا، ولأنَّ ما لا يَصِحُّ، لا يَتَضَمَّنُه عَقْدُ الكِتابةِ، ولا يَجِبُ على أحَدِهما بفِعْلِ الآخَرِ، كالقِصاصِ، وقد بَيَّنَّا أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما مُكاتَبٌ بقَدْرِ حِصَّتِه، فهو كالمُنْفَرِدِ بعَقْدِه. فصل: إذا شَرَطَ المُكاتَبُ في كِتابَتِه أن يُوالِيَ مَن شاء، فالشَّرْطُ بَاطِلٌ، والوَلاءُ لِمن أعْتَقَ، لا نَعْلَمُ في بُطْلانِ الشَّرْطِ خِلافًا؛ لمَا رَوَتْ عائشةُ، ﵂، قالت: كانت في بَرِيرَةَ ثَلاثُ قَضِيَّاتٍ، أراد أهْلُها أن يَبِيعُوها ويَشْتَرِطُوا الوَلاءَ، فذكَرْتُ ذلك للنبيِّ ﷺ ، فقال: «اشْتَرِيها واشْتَرِطِي لهم الوَلاءَ، فإنَّما الوَلاءُ لمَن أعْتَقَ». فقامَ رسولُ

стр. 9441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اللهِ ﷺ في النَّاسِ، فحَمِدَ الله وأثْنَى عليه، ثم قال: «أمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ أُناسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيسَتْ في كِتابِ اللهِ! مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا ليس في كِتابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وإنْ كانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أحَقُّ، وشَرْطُ اللهِ أوْثَقُ، وإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ». مُتَّفَقٌ عليه (١). ولأنَّ الوَلاءَ لا يَصِحُّ نَقْلُه، بدليلِ أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن بَيعِ الوَلاءِ وهِبَتِه (٢). وقال: «إِنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». ولأنَّه لُحْمَةٌ كلُحْمَةِ النَّسَبِ، فلم يَصِحَّ اشْتِراطُه لغيرِ صاحِبِه، كالقَرابةِ، ولأنَّه حكمٌ للعِتْقِ، فلم يصِحَّ اشْتِراطُه لغيرِ (٣) المُعْتِقِ، كما لا يَصِحُّ اشْتِراطُ حُكْمِ النِّكاحِ لغيرِ (٣) النَّاكِحِ، ولا حُكْمِ البَيعِ لغيرِ العاقِدِ. وسَواءٌ شَرَطَ أنْ يُوَالِيَ مَن شاءَ، أو شَرَطَه لبائِعِه، أو لرجُلٍ آخَرَ بعَينِه. ولا تفْسُدُ الكتابةُ بهذا الشَّرْطِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال الشافعيُّ: تفْسُدُ به، كما لو شَرَطَ عِوَضًا مَجْهولًا. ويتَخَرَّجُ لنا مثلُ ذلك، بِناءً على الشُّروطِ الفاسِدَةِ في البَيعِ. ولَنا، حديثُ بَرِيرَةَ، فإنَّ أهْلَها اشْتَرطُوا لهمُ الوَلاءَ، فأمَرَ النبيُّ ﷺ بشِرَائِها مع هذا الشَّرْطِ، وقال: «إِنَّما الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». ويُفارِق جَهالةَ العِوَضِ، فإنَّه رُكْنُ العَقْدِ، لا يُمْكِنُ تصْحِيحُ العَقْدِ بدُونِه (٤)، ورُبَّما أفْضَتْ جَهالتُه إلى التَّنازُعِ والاخْتِلافِ، وهذا شَرْطٌ زائِدٌ، فإذا حَذَفْناه بَقِيَ العَقْدُ

стр. 9442

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صَحِيحًا بحالِه. فإن قيلَ: المُرادُ بقولِه ﵇: «اشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلاءَ». أي عليهم؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لا يأْمُرُ بالشَّرْطِ الفاسِدِ، واللَّامُ تُسْتَعْمَلُ بمعنى «على»، كقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (١). قُلْنا: لا يَصِحُّ؛ لثلاثَةِ وُجوهٍ؛ أحدُها، أنَّه يُخالفُ، وَضْعَ اللَّفْظِ والاسْتِعمال. والثاني، أنَّ أهْلَ بَرِيرَةَ أبَوْا هذا الشَّرْطَ، فكيفَ يأْمُرُها النبيُّ ﷺ بشرطٍ لا يَقْبَلُونَه؟ الثالثُ، أنَّ ثُبُوتَ الوَلاءِ لها لا يَحْتَاجُ إلى شَرْطٍ؛ لأنَّه مُقْتَضَى العِتْقِ وحُكْمُه. ولأنَّ في بَعْضِ الألْفاظِ: «لا يَمْنَعُكِ (٢) هذا الشَّرْطُ مِنْهَا، ابْتَاعِي وأعْتِقِي». وإنَّما أمَرَها النبيُّ ﷺ بالشَّرْطِ تَعْرِيفًا لنا أنَّ وُجودَ هذا الشَّرْطِ كعَدَمِه، وأنَّه لا يَنْقُلُ الوَلاءَ عن المُعْتِقِ. فصل: فإن شَرَطَ السيدُ على المُكاتَبِ أن يَرِثَه دُونَ وَرَثَتِه، أو مُزَاحَمَتَهم في موارِيثِهم، فهو شَرْطٌ فاسِدٌ، في قَوْلِ عامَّةِ العُلَماءِ؛ منهم الحسنُ، وَعطاءٌ، وشُرَيحٌ، وعمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ، والنَّخَعِيُّ، وإسحاقُ. وأجازَ إياسُ بنُ مُعاويَةَ أن يَشْرُطَ شَيئًا مِن مِيراثِه. ولا يَصِحُّ، لأنَّه يخالِفُ كتابَ اللهِ، وكُلُّ شَرْطٍ ليس في كتابِ اللهِ تعالى فهو باطِلٌ [بقولِ النبيِّ ﷺ ] (٣). وروَى سعيدٌ: ثنا هُشَيمٌ: ثنا (٤) منْصُورٌ، عن ابنِ

стр. 9443

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سِيرِينَ (١)، أنَّ رَجُلًا كاتَبَ مَمْلُوكَهُ واشْتَرَطَ مِيرَاثَه، فلمَّا ماتَ المُكاتَبُ خَاصَمَ ورَثَتَه إلى شُرَيحٍ، فقَضَى شُريحٌ بمِيراثِ المُكاتَبِ لوَرَثَتِه، فقال الرجلُ: ما يُغْنِي شَرْطِي منذُ عِشْرِينٍ سَنَةَ؟ فقال شُرَيحٌ: كتابُ اللهِ أنْزَلَه على نبيِّه قبلَ شَرْطِك بخمْسِينَ سَنَة (٢). ولا تَفْسُدُ الكتابةُ بهذا الشَّرْطِ، كالذي قبلَهُ. فصل: فإن شَرَطَ عليه خِدْمَةً معلومَةً بعدَ العِتْقِ جازَ. وبه قال عَطاءٌ، وابنُ شُبْرُمَةَ. وقال مالكٌ، والزُّهْرِيُّ: لا يَصِحُّ، لأنَّه يُنافِي مُقْتَضَى العَقْدِ، أشْبَهَ ما لو شَرَطَ مِيرَاثَه. ولَنا، أنَّه رُويَ عن عمرَ، ﵁، أنَّه أعْتَقَ كلَّ مَن يُصَلِّي مِن سَبْي العربِ، وشَرَطَ عليهم، [أنَّهم يَخْدِمُونَ] (٣) الخليفةَ مِن بَعْدِي ثَلاثَ سَنَواتٍ (٤). ولأنَّه اشْتَرَطَ خِدْمَةً في عَقْدِ الكِتابةِ، أشْبَهَ ما لو شَرَطَها قبلَ العِتْقِ، ولأنَّه شَرَطَ نَفْعًا مَعْلُومًا، أشْبَهَ ما لو شَرَطَ عِوَضًا معلومًا، ولا نُسَلِّمُ أنَّه يُنافِي مُقْتَضَى العَقْدِ؛ فإنَّ مُقْتَضَاه العِتْقُ عندَ الأداءِ، وهذا لا يُنافِيه.

стр. 9444

وَيَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَ بَعْضَ عَبْدِهِ، فَإِذَا أَدَّى عَتَقَ كُلُّهُ. ــ فصل: إذا كاتَبَه على ألْفَين، في رأْسِ كلِّ شَهْرٍ ألفٌ، وشَرَطَ أنْ يَعْتِقَ عندَ أداءِ الأوَّل، صَحَّ في قِياسِ المذهبِ، ويَعْتِقُ عندَ أدائِه؛ لأنَّ السيدَ لو أعْتَقَه بغيرِ أداءِ شيءٍ صَحَّ، فكذلك إذا أعْتَقَه عندَ أدَاءِ البَعْضِ، ويَبْقَى الآخَرُ دَينًا عليه بعد عِتْقِه، كما لو باعه نَفْسَه به. ٣٠٣٠ - مسألة: (وتجوزُ كِتَابَةُ بعضِ عبدِه، فإذا أدَّى عَتَقَ كلُّه) قاله أبو بكرٍ؛ لأنَّها مُعاوَضَةٌ، فصَحَّتْ في بعضِه، كالبَيعِ، فإذا أدَّى جميعَ كِتابَتِه، عَتَقَ كلُّه؛ لأنَّه إذا سَرَى العِتْقُ فيه إلى مِلْكِ غيرِه، فإلى مِلْكِه أوْلَى. ويَجِبُ أن يُؤَدِّيَ إلى سيدِه مِثْلَيْ كِتابَتِه؛ لأنَّ نِصْفَ كَسْبِه يَسْتَحِقُّه سيدُه بما فيه مِن الرِّقِّ، ونِصْفَه يُؤَدَّى في الكِتابَةِ إلَّا أنْ يَرْضَى سيدُه بتأْدِيَةِ الجميعِ في الكِتابةِ فيَصِحُّ، وإذا اسْتَوْفَى المال كلَّه عَتَقَ نِصْفُه بالكِتابةِ وباقِيه بالسِّرايةِ.

стр. 9445

وَتَجُوزُ كِتَابَةُ حِصَّتِهِ مِنَ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ بِغَيرِ إِذْنِ شَرِيكِهِ. ــ ٣٠٣١ - مسألة: (وتجوزُ كِتابَةُ حِصَّتِه مِن العبدِ المُشْتَرَكِ بغيرِ إذْنِ شَرِيكِه) إذا كان لرجُلٍ نِصْفُ عبدٍ، فكاتَبَه، صَحَّ، سَواءٌ كان باقِيه حُرًّا أو مَمْلوكًا لغيرِه، وسواءٌ أذِنَ الشَّرِيكُ أو لم يَأْذَن. وهذا ظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ، وأبي بكرٍ. وهو قولُ الحَكَمِ، وابنِ أبي لَيلَى. وحُكِيَ عن الحسنِ البَصْرِيِّ، والحسنِ بنِ صالحٍ، ومالكٍ، والعَنْبَرِيِّ. وكَرِه الثَّوْرِيّ وحَمَّادٌ كِتابَتَه بغيرِ إذْنِ شَرِيكِه. وقال الثَّوْرِيُّ: إن فَعَلَ رَدَدْتُه، إلَّا أن يكونَ نَقَدَه (١)، فيَضْمَنُ لشَرِيكِه نِصْفَ ما في يَدِه. وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ بإذْنِ الشَّرِيكِ، ولا يَصِحُّ بغيرِ إذْنِه. وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال: الإِذْنُ في ذلك إذْنٌ في تأْدِيَةِ مالِ الكِتابَةِ مِن جَمِيعِ كَسْبه، ولا يَرْجِعُ الإِذْنُ بشيءٍ منه. وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ: يكونُ جَمِيعُه مُكَاتَبًا. وقال الشافعيُّ في أحَدِ قولَيهِ: إن كان باقِيه حُرًّا، صَحَّتْ كِتابَتُه، وإن كان مِلْكًا لم تَصِحَّ، سَواءٌ أذِنَ فيه الشَّرِيكُ أم لم يأْذَنْ؛ لأنَّ كِتابَتَه تَقْتَضِي إطْلاقَه في الكَسْبِ والسَّفَرِ، ومِلْكُ نِصْفِه يَمْنَعُ ذلك، ويَمْنَعُه أخْذَ نَصِيبِه مِن الصَّدَقاتِ؛ لِئَلَّا يَصِيرَ كَسْبًا، فيَسْتَحِقَّ سيدُه

стр. 9446

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نِصْفَه، ولأنَّه إذا أدَّى عَتَقَ جَمِيعُه، فيُفْضِي إلى أن يُؤَدِّيَ نِصْفَ كِتابَتِه ثم يَعْتِقَ جَمِيعُه. ولَنا، أنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ على نَصِيبِه، فصَحَّ، كبَيعِه، ولأنَّه مِلْكٌ له، يَصِحُّ بَيعُه وهِبَتُه، فصَحَّتْ كِتابَتُه، كما لو مَلَكَ جَمِيعَه، ولأنَّه يَنْفُذُ إعْتاقُه، فصَحَّت كِتابَتُه، كالعبدِ الكاملِ، وكما لو كان باقِيه حُرًّا عندَ الشافعيِّ، أو أذِنَ فيه الشَّرِيكُ عندَ الباقِينَ. وقولُهم: إنَّه يَقْتَضِي المُسافَرَةَ والكَسْبَ وأخْذَ الصَّدَقَةِ. قُلْنا: أمَّا المُسافَرَةُ فليست مِن المُقْتَضَياتِ الأصْلِيَّةِ، فوُجُودُ مانعٍ منها لا يَمْنَعُ أصْلَ العَقْدِ. وأمَّا الكَسْبُ وأخْذُ الصَّدَقَةِ، فإنَّه لا يَمْتَنِعُ كَسْبُه وأخْذُه الصَّدَقَةَ بجُزْئِه المُكاتَبِ. ولا يَسْتَحِقُّ الشَّرِيكُ شيئًا منه؛ لأنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ ذلك بالجُزْءِ المُكاتَبِ، ولا حَقَّ للشَّرِيكِ فيه، فكذلك ما حَصَلَ به، كما لو وَرِثَ شيئًا بجُزْئِه الحُرِّ. وأمَّا الكَسْبُ، فإن هايَأَه مالِكُ نِصْفِه، فكَسَبَ في نَوْبَتِه شيئًا، لم يُشارِكْه فيه أيضًا، وإن لم يُهايِئْه، فكَسَبَ بجُمْلَتِه شيئًا، كان بينَهما، له بقَدْرِ ما فيه مِن الجُزْءِ المُكاتَبِ، ولسيدِه الباقِي؛ لأنَّه كَسَبَه بجُزْئِه المَمْلوكِ فيه، فأشْبَهَ ما لو كَسَبَ قبلَ كِتابَتِه فَقُسِمَ بينَ سيدَيه. وقَوْلُهم: إنَّه يُفْضِي إلى أن يُؤَدِّيَ بعضَ الكِتابةِ فيَعْتِقَ جَمِيعُه. قُلْنا: يَبْطُلُ هذا بما لو عَلَّقَ عِتْقَ نَصِيبِه على أداءِ مالٍ، فإنَّه يُؤَدِّي عِوَضَ البَعْضٍ ويَعْتِقُ الجميعُ، على أنَّا نقولُ: لا يَعْتِقُ حتى يُؤَدِّيَ جميعَ الكِتابَةِ. فإنَّ جَميعَ الكِتابَةِ هو الذي كاتَبَه عليه مالِكُ نِصْفِه، ولم يَبْقَ منها شيءٌ، فلا يَعْتِقُ حتى يُؤَدِّيَ جَمِيعَها، ولأنَّه لا يَعْتِقُ الجميعُ بالأداءِ، وإنَّما يَعْتِقُ الجُزْءُ

стр. 9447

فَإِذَا أَدَّى مَا كُوتِبَ عَلَيهِ، وَمِثْلَهُ لِسَيِّدِهِ الْآخَرِ، عَتَقَ كُلُّهُ، إِنْ كَانَ الَّذِي كَاتَبَة مُوسِرًا، وَعَلَيهِ قِيمَةُ حِصَّةِ شَرِيكِهِ. ــ المُكاتَبُ لا غيرُ، وباقِيه إن كان المُكاتِبُ مُعْسِرًا لم يَعْتِقْ، وإن كان مُوسِرًا عَتَقَ بالسِّرايَةِ لا بالكِتابَةِ، ولا يَمْتَنِعُ هذا, كما لو أعْتَقَ بعضَه عَتَقَ جَمِيعُه، وإذا جاز عِتْقُ جَمِيعِه بإعْتاقِ بعضِه بطرِيقِ السِّرايَةِ، جازَ ذلك فيما يَجْرِي مَجْرَى العِتْقِ. ٣٠٣٢ - مسألة: (وإذا أدَّى ما كُوتِبَ عليه، ومثلَه لسيدِه الآخَرِ، عَتَقَ كلُّه، إن كان الذي كاتَبَه مُوسِرًا، وعليه قِيمَةُ حِصَّةِ شَرِيكِه) وجملةُ ذلك، أنَّ أحَدَ الشَّرِيكَين إذا كاتَبَ نَصِيبَه لم تَسْرِ الكِتابةُ، ولم يَتَعَدَّ الجُزْءَ (١) الذي كاتَبَه؛ لأنَّ الكِتابَةَ عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فلم تَسْرِ، كالبَيعِ. وليس للعبدِ أن يُؤَدِّيَ إلى مُكاتِبِه شيئًا حتى يُؤَدِّيَ إلى شَرِيكِه مثلَه، سَواءٌ أذِنَ الشَّرِيكُ في كِتابَتِه أو لم يأْذَنْ؛ لأنَّه إنَّما أذِنَ في كِتابةِ نَصِيبِ شَرِيكِه، وذلك يَقْتَضِي أن يكونَ نَصِيبُه باقِيًا له، هذا إذا كان الكَسْبُ بجميعِه (٢)، فإنْ أدَّى الكِتابَةَ مِن جميعِ كَسْبِه لم يَعْتِقْ؛ لأنَّ

стр. 9448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الكِتابَةَ الصَّحِيحَةَ تَقْتَضِي العِتْقَ ببراءَتِه مِن العِوَضِ، وذلك لا يَحْصُلُ بدَفْعِ ما ليس له. وإن أدَّى إليهما جَمِيعًا عَتَقَ كلُّه؛ لأنَّ نصْفَه يَعْتِقُ بالأداءِ، فإذا عَتَقَ سَرَى إلى سائِرِه إن (١) كان الذي كاتَبَه مُوسِرًا، وتَلْزَمُه قِيمَةُ نَصِيبِ شَريكِه؛ لأنَّ عِتْقَه بسَبَبٍ مِن جِهَتِه، أشْبَهَ ما لو باشَرَه بالعِتْقِ أو عَلَّقَ (٢) عِتْقَ نَصِيبِه بصِفَةٍ فعَتَقَ بها. فأمَّا إن مَلَكَ العبدُ (٣) شيئًا بجُزْئِه المُكاتَبِ، كمَن هايَأَه سيدُه فكَسَبَ شيئًا في نَوْبَتِه، أو أُعْطِيَ مِن الصَّدَقَةِ مِن سهْمِ الرِّقابِ، فلا حَقَّ لسيدِه فيه، وله أداءُ جَميعِه في كِتابَتِه، لأنَّه [إنَّما اسْتَحَقَّ] (٤) ذلك بما فيه مِن الكِتابَةِ، فأَشْبَهَ النِّصْفَ الباقِيَ بعدَ إعْطاءِ الشَّرِيكِ حَقَّه. ولو كان ثُلُثُه حُرًّا وثُلُثُه مُكاتَبًا وثُلُثُه رَقِيقًا، فوَرِثَ بجُزْئِه الحُرِّ مِيرَاثًا، وأخَذَ بجُزْئِه المُكاتَبِ مِن سَهْمِ الرِّقابِ، فله دَفْعُ ذلك كلِّه في كِتابَتِه؛ لأنَّه ما اسْتَحَقَّ بجُزْئِه الرَّقِيقِ شيئًا منه، فلا يَسْتَحِقُّ مالِكُه منه شيئًا، وإذا أدَّى جَمِيعَ كِتابَتِه عَتَقَ. فإن كان الذي كاتَبَه مُعْسِرًا لم يَسْرِ العِتْقُ، ولم يَتَعَدَّ نَصِيبَه، كما إذا واجَهَه بالعِتْقِ، إلَّا على الرِّوايةِ التي نقولُ فيها بالاسْتِسْعاءِ، فإنَّه يُسْتَسْعَى في نَصِيبِ الذي لم يُكاتِبْ، وإن كانَ مُوسِرًا سَرَى إلى باقِيه.

стр. 9449

فَإِنْ أَعْتَقَ الشَّرِيكُ قَبْلَ أَدَائِهِ، عَتَقَ عَلَيهِ كُلُّهُ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَعَلَيهِ قِيمَةُ نَصِيبِ الْمُكَاتِبِ. وَقَال الْقَاضِي: لَا يَسْرِي إِلَى النِّصْفِ الْمُكَاتَبِ إلا أَنْ يَعْجِزَ، فَيُقَوَّمُ عَلَيهِ حِينَئِذٍ. ــ ٣٠٣٣ - مسألة: (وإن أعْتَقَ الشَّرِيكُ قبلَ أدائِه، عَتَقَ عليه كلُّه إن كان مُوسِرًا، وعليه قِيمَةُ نَصِيبِ المُكاتِبِ. وقال) أبو بكرٍ و (القاضي: لا يَسْرِي إلى النِّصْفِ المُكاتَبِ) لأنَّه قد انْعَقَدَ للمُكاتِبِ سَبَبُ الولاءِ، فلا يَجُوزُ إبْطالُه (إلَّا أن يَعْجِزَ، فيُقَوَّمُ عليه حِينَئذٍ) وقال ابنُ أبي لَيلَى: عِتْقُ الشَّرِيكِ مَوْقُوفٌ حتى يُنْظَرَ ما يَصْنَعُ في الكِتابَةِ، فإن أدَّاها عَتَقَ، وكان المُكاتِبُ ضامِنًا لقِيمَةِ نَصِيبِ شَرِيكِه، ووَلاؤُه كلُّه للمُكاتِبِ، وإن عَجَزَ سَرَى عِتْقُ الشَّرِيكِ، وضَمِنَ نِصْفَ القِيمَةِ للمكاتِبِ، وولاؤُه كلُّه له. وأمَّا الشافعيُّ، فلا يُجَوِّزُ كِتابَتَه إلَّا بإذْنِ شَرِيكِه، في أحَدِ قولَيه. فإن كاتَبَه بإذْنِ شَرِيكِه، فأعْتَقَ الذي لم يُكاتِبْ، فهل يَسْرِي في الحالِ، أو يَقِفُ على العَجْزِ؟ فيه قولانِ. ولَنا، أنَّه عِتْقٌ

стр. 9450

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لجُزْءٍ مِن العبدِ مِن مُوسِرٍ غيرِ محْجُورٍ عليه، فسَرَى إلى باقِيه، كالقِنِّ. وقولُهم: إنَّه يُفْضِي إلى إبْطالِ الوَلاءِ. قُلْنا: إذا كان العِتْقُ يُؤَثِّرُ في إبْطالِ المِلْكِ الثَّابتِ الذي الولاءُ مِن بعضِ آثارِه، فَلأنْ يُؤَثِّرَ في نَقْلِ الوَلاءِ بمفْرَدِه أوْلَى، ولَأنَّه لو أعْتَقَ عَبْدًا له أوْلادٌ مِن مُعْتَقَةِ قَوْمٍ، نَقَلَ وَلاءَهم [إليه، فإذا نَقَلَ ولاءَهم] (١) الثَّابتَ بإعْتاقِ غيرِهم، فَلأَنْ يَنْقُلَ ولاءً لم يَثْبُتْ بعدُ بإعْتاقِ مَن عليه الوَلاءُ أوْلَى. ولأنَّه نَقَلَ الولاءَ ثَمَّ (٢) عمَّن لم يَغْرَمْ له عِوَضًا، فَلأنْ يَنْقُلَه بالعِوَضِ أوْلَى. فانْتِقالُ (٣) الوَلاءِ في مَوْضِعِ جَرِّ الوَلاءِ يُنَبِّهُ على سِرايَةِ العِتْقِ وانْتِقالِ الوَلاءِ إلى المُعْتِقِ؛ لكونِه أوْلَى منه (٢) مِن ثَلاثةِ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، أنَّ الوَلاءَ ثَمَّ ثابِتٌ، وهذا بعَرَضِ الثُّبُوتِ. الثَّاني، أنَّ النَّقْلَ حَصَلَ ثَمَّ بإعْتاقِ غيرِه، وههُنا بإعْتاقِه. الثالثُ، أنَّه انْتَقَلَ بغيرِ عِوَضٍ، وههنا بعِوَضٍ.

стр. 9451

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإن كان المُعْتِقُ مُعْسِرًا لم يَسْرِ عِتْقُه، وكان نَصِيبُه حُرًّا، وباقِيه على الكِتابَةِ، فإن أدَّى عَتَقَ عليهما، وكان وَلاؤُه بَينَهما، وإن عَجَزَ عاد الجُزْءُ المُكاتَبُ رَقِيقًا قِنًّا، إلَّا على الرِّوايَةِ التي تقولُ: يُسْتَسْعَى العَبْدُ. فإنَّه يُسْتَسْعَى عندَ عَجْزِه في قِيمَةِ باقِيه، ولا يُسْتَسْعَى في حالِ الكِتابَةِ؛ لأنَّ الكتابَةَ سِعايَةٌ فيما اتَّفَقَا عليه، فاسْتُغْنِيَ بها عن السِّعايَةِ فيما يَحْتاجُ إلى التَّقْويمِ، فإذا عَجَزَ وفُسِخَتِ الكِتابَةُ، بَطَلَتْ، ورَجَعَ إلى السِّعايَةِ في القِيمةِ. [وحديثُ ابنِ عمرَ حُجَّةٌ لمَا ذَهَبْنا إليه، وهو] (١) ما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا له في عَبْدٍ، فَإنْ كانَ معه ما يَبْلُغُ قِيمَةَ العَبْدِ قُوِّمِ عليه قِيمَةَ العَدْلِ، وأَعْطىَ شُرَكَاءَه (٢) حِصَصهم، وَعَتَقَ جَمِيعُ العَبْدِ، وإلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ». مُتَّفَقٌ عليه (٣). ورَواه مالكٌ في «المُوَطَّأ» عن نافِعٍ عن ابنِ عمرَ. وهذا الحديثُ حُجَّةٌ على مَن خَالفَه. وهذا قولُ الخِرَقِيِّ. واللهُ تعالى أعلمُ.

стр. 9452

وَإِنْ كَاتَبَا عَبْدَهُمَا جَازَ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى التَّسَاوي أَو التَّفَاضُلِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيهِمَا إلا عَلَى التَّسَاوي، فَإِذَا كَمَلَ أَدَاؤُهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَبْلَ الْآخَرِ عَتَقَ كُلُّهُ عَلَيهِ، وَإنْ أَدَّى إِلَى أَحَدِهِمَا دُونَ صَاحِبِهِ لَمْ يَعْتِقْ، إلا أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ الْآخَرِ، فَيَعْتِق. وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَعْتِقَ. ــ ٣٠٣٤ - مسألة: (وإن كاتَبا عبدَهما جار، سَواءٌ كان على التَّساوي أو التَّفاضُلِ. ولا يجوزُ أن يُؤَدِّيَ إليهما إلَّا على التَّساوي) إذا كان العبدُ لرَجُلَين، فكاتَباه معًا، سَواءٌ تَساوَيَا في العِوَضِ أو اخْتَلَفا فيه، وسَواءٌ اتَّفَقَ نَصِيباهُما [أو اخْتَلَف] (١)، وسواءٌ كان في عَقْدٍ واحدٍ أو عَقْدَين، صَحَّ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشافعيُّ: لا يجوزُ أن يتَفَاضَلا في المالِ مع التَّساوي في المِلْكِ، ولا التَّساوي في المالِ معَ التَّفاضُلِ في المِلْكِ؛ لأنَّ ذلك يُؤَدِّي إلى أن يَنْتَفِعَ أحَدُهما بمالِ الآخَرِ، لأنَّه إذا دَفَعَ

стр. 9453

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلى أحَدِهما [أكْثَرَ مِن قَدْرِ مِلْكِه ثِم عَجَزَ، رَجَعَ عليه الآخَرُ بذلك. ولَنا، أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَعْقِدُ على نصِيبِه عَقْدَ مُعاوَضةٍ، فجاز أنْ يَخْتَلِفا في العِوَضِ، كالبَيعِ. وما ذَكَرَه لا يَلْزَمُ، لأنَّ انْتِفاعَ أحَدِهما] (١) بمالِ الآخَرِ إنَّما يكونُ عندَ العَجْزِ، وليس ذلك مِن مُقْتَضَياتِ العَقْدِ، وإنَّما يكونُ عندَ زَوالِه، فلا يَضُرُّ (٢). ولأنَّه إنَّما يُؤَدِّي إليهما على التَّساوي، فإذا عَجَزَ قُسِمَ ما كَسَبَه بَينَهما على قَدْرِ المِلْكَين، فلم يكُنْ أحَدُهما مُنْتَفِعًا إلَّا بما يُقابِلُ مِلْكَه، وعاد الأمْرُ بعدَ زَوالِ الكِتابَةِ إلى حُكْمِ الرِّقِّ، كأنَّه لم يَزُلْ.

стр. 9454

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإن قيل: فالتَّساوي في المِلْكِ يَقْتَضِي التَّساويَ في أدائِه إليهما، ويَلْزَمُ منه وَفاءُ كِتابةِ أحَدِهما قبلَ الآخَرِ، فيَعْتِقُ نَصِيبُه، ويَسْرِي إلى نَصِيبِ صاحِبِه، ويَرْجِعُ الآخَرُ عليه بنِصْفِ قِيمَتِه. قُلْنا: يُمْكِنُ أداءُ كِتابَتِه إليهما دَفْعَةً واحدةً، فيَعْتِقُ عليهما، ويُمْكِنُ أن يُكاتِبَ أحدَهما على مائةٍ في نَجْمَين، في كلِّ نَجْمٍ خَمْسُونَ، ويُكاتِبَ الآخَرَ على مائتينِ في نجْمَين، في الأوَّلِ خَمْسُونَ وفي الثَّاني (١) مائةٌ وخَمْسُونَ، فيكونُ وقْتُهُما واحدًا، فيُؤَدِّي إله كلِّ واحدٍ منهما حَقَّه. على أنَّ (٢) أصْحابَنا قد قالوا: لا يَسْرِي العِتْقُ إلى نَصِيبِ الآخَرِ ما دام مُكاتبًا. فلا يُفْضِي إلى ما ذَكَرُوه، وإن قُدِّرَ إفْضاؤُه إليه، فلا مانِعَ فيه مِن صِحَّةِ الكِتابةِ، فإنَّه لا يُخِلُّ بمَقْصودِ الكِتابةِ، وهو العِتْقُ بها، ويُمْكِنُ سِرايَةُ العِتْقِ مِن غيرِ ضَرَرٍ، بأن يُكاتِبَه على مِثْلَيْ قِيمَتِه، فإذا عَتَقَ عليه غَرِمَ لشَرِيكِه نِصْف قِيمَتِه، وسَلَّمَ إليه باقِيَ المالِ، وحَصَلَ له ولاءُ العبدِ، ولا ضَرَرَ في هذا، ثم لو كان فيه ضَرَرٌ، لكنَّه قد رَضِيَ به حينَ كِتابَتِه على أقَلَّ ممَّا كاتَبَه به شَرِيكُه، والضَّرَرُ المَرْضِيُّ به من جِهَةِ المَضْرُورِ لا عِبْرَةَ به, كما لو باشَرَه بالعِتْقِ أو أبْرَأَه مِن مالِ الكِتابةِ، فإنَّه يَعْتِقُ عليه، ويَسْرِي عِتْقُه، ويَغْرَمُ لشَرِيكِه، وهو جائِزٌ، فهذا أوْلَى بالجَوازِ.

стр. 9455

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا يجوزُ أن يَخْتَلِفا في التَّنْجِيمِ، ولا في (١) أن يكونَ لأحَدِهما في النُّجُومِ قبلَ النَّجْمِ الأخيرِ أكثرُ مِن الآخَرِ، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يُؤَدِّيَ إليهما إلَّا على السَّواءِ، ولا يجوزُ تقديمُ أحَدِهما بالأداءِ (٢) على الآخَرِ، واخْتِلافُهما في ميقاتِ النُّجُومِ وقَدْرِ المُؤَدَّى يُفْضِي إلى ذلك. والثاني، يجوز؛ لأنَّه يُمْكِنُ أن يُعَجِّلَ لمَن تأخَّرَ نَجْمُه قبلَ مَحِلِّه، ويُعْطِيَ مَن قَلَّ نَجْمُه أكثرَ مِن الواجِبِ له، ويُمْكِنُ أن يَأْذَنَ له أحَدُهما في الدَّفْعِ إلى الآخَرِ قبلَه، أو أكثرَ منه، ويُمْكِنُ أن يُنْظِرَه مَن حَلَّ نَجْمُه، أو يَرْضَى مَن له الكثيرُ بأخْذِ دُونِ حَقِّه، وإذا أمْكَنَ إفْضاءُ العَقْدِ إلى مَقْصُودِه، فلا نُبْطِلُه باحْتمالِ عَدَمِ الإِفْضاءِ إليه. فصل: وليس للمُكاتَبِ أنْ يُؤَدِّيَ إلى أحَدِهما أكثرَ مِن الآخَرِ، ولا يُقَدِّمَ أحَدَهُما على الآخَرِ. ذكره القاضي. وهو مذهبُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ. قال شيخُنا (٣): لا أعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّهما سَواءٌ
следующие страницы →