. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِداؤْها، وجِنَايَتُها في ذِمَّتِها، تُتْبَعُ بها (١) إذا عَتَقَتْ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ بَيعَها، فلم يكنْ عليه فِداؤُها، كالحُرَّةِ. ولَنا، أنَّها مَمْلُوكَةٌ له، يَمْلِكُ كَسْبَها، لم يُسَلِّمْها، فلَزِمَه أَرْشُ جِنايَتِها، كالقِنِّ، ولا تَلْزَمُه زِيادَةٌ على قِيمَتِها؛ لأنَّه لم يَمْتَنِعْ مِن تَسْلِيمِها، وإنَّما الشَّرْعُ مَنَعَ مِن (٢) ذلك؛ لكَوْنِها لم تَبْقَ مَحَلًّا للبَيعِ، ولا لِنَقْلِ المِلْكِ فيها. وأمَّا القِنُّ إذا لم يُسَلِّمْها، قلْنا (٣): فيه مَنْعٌ. وإن سُلِّمَ، فلأنَّ القِنَّ أمْكَنَ أن يُسَلِّمَها للبَيعِ، فربَّما زاد فيها رَاغِبٌ أكثرَ مِن قِيمَتِها، فإذا امْتَنَعَ مالِكُها مِن تَسْليمِها أوْجَبْنا عليه الأَرْشَ بكَمالِه، بخِلافِ أُمِّ الوَلَدِ، فإنَّ ذلك لا يَحْتَمِلُ فيها؛ لأنَّها (٤) لا يجوزُ بَيعُها، فلم يَكُنْ عليه أكثَرُ مِن قِيمَتِها.
فصل: فإن ماتَتْ قبلَ فِدائِها فلا شيءَ على سيدِها؛ لأنَّه لم يَتَعَلَّقْ بذِمَّتِه شيءٌ، وإنَّما تَعَلَّقَ برَقَبتِها، فإذا ماتَتْ سَقَطَ الحقُّ؛ لتَلَفِ مُتَعَلَّقِه. وإن نَقَصَتْ قِيمَتُها قبلَ فِدائِها وجَبَ فِداؤُها بِقيمَتِها يومَ الفِدَاءِ؛ لأنَّها لو تَلِفَتْ جَمِيعُها لسَقَطَ الفِداءُ، فيَجِبُ أن يَسْقُطَ بعضُه بتَلَفِ بعضِها، وإن زادَتْ
стр. 9522
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قِيمَتُها زاد فِداؤُها، لأنَّ مُتَعَلَّقٍ الحقِّ زاد، فزاد الفِداءُ بزيادَتِه، كالقِنِّ. ويَنْبَغِي أن تَجِبَ قِيمَتُها مَعِيبةً بعَيبِ الاسْتِيلادِ، لأنَّ ذلك يَنْقُصُها، فاعْتُبِرَ، كالمَرضِ وغيرِه مِن العُيوبِ، ولأنَّ الواجِبَ قِيمَتُها في حالِ فِدائِها، وقِيمَتُها ناقِصَةٌ عن قِيمَةِ غيرِ (١) أُمِّ الولَدِ، فيَجِبُ أن يَنْقُصَ فِدَاؤُها، وأن يكونَ مُقَدِّرًا بقِيمَتِها في حالِ كَوْنِها أُمَّ ولدٍ. والحُكْمُ في المُدَبَّرَةِ كالحُكْمِ في أُمِّ الوَلَدِ، إنْ قُلْنا: لا يجوزُ بَيعُها. وإن قُلْنا: يجوزُ بَيعُها. فيُمْكِنُ تَسْلِيمُها للبَيعِ إنِ اخْتارَ سيدُها. فإنِ امْتَنَعَ منه، فهل يَفْدِيها بقِيمَتِها أو أَرْشِ الجِنايَةِ [بالِغًا ما بَلَغَ] (٢)؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَين.
فصل: فإن كَسَبَتْ بعدَ جِنايتها شيئًا فهو لسيدِها، لأنَّ المِلْكَ ثابِت له دُونَ المَجْنِيِّ عليه. وكذلك وَلَدُها؛ لأنَّه مُنْفَصِلٌ عنها، فأشْبَهَ الكَسْبَ. وإن فَداها في حالِ حَمْلِها فعليه قِيمَتُها حامِلًا، لأنَّ الولَدَ مُتَّصِل بها، أشْبَهَ سِمَنَها. وإن أتْلَفَها سيدُها فعليه قِيمَتُها، لأَنه أتْلَفَ حَقَّ غيرِه، أشْبَهَ إتْلافَ الرَّهْنِ. وإنْ نَقَصَها فعليه نَقْصُها؛ لأنَّه لمَّا ضَمِنَ العَينَ ضَمِنَ أجْزاءَها.
стр. 9523
وَإنْ عَادَتْ فَجَنَتْ، فَدَاهَا أَيضًا. وَعَنْهُ، يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِذِمَّتِهَا.
ــ
٣٠٤٩ - مسألة: (فإن عادَتْ فجَنَتْ، فَدَاهَا أيضًا. وعنه، يَتَعَلَّقُ ذلك بذِمتِها) فأمَّا إن جَنَتْ جِناياتٍ، فإن كانتِ الجِناياتُ كُلُّها قبلَ فداءِ شيءٍ منها، تَعَلَّقَ أَرْشُ الجميعِ برَقَبَتِها، ولم يَكُنْ عليه فيها كُلِّها إلَّا قِيمَتُها، أو (١) أَرْشُ جَمِيعِها، وعليه الأقَلُّ منهما (٢)، ويشْتَرِكُ المَجْنِيُّ عليهم في الواجِبِ لهم، فإن لم يَفِ بها تحاصُّوا فيها بقَدْرِ أُرُوشِ جِناياتِهم. وإن كانتِ الجِنايةُ الثانيةُ بعدَ فِدائِه مِن الأولَى، فعليه فِداؤُها مِن التي بَعْدَها، كالأُولَى. وحَكَى أبو الخَطَّابِ رِوايَةً ثانيةً عن أحمدَ، أنَّه إذا فَداها بقِيمَتِها مَرَّةً لم يَلْزَمْه فِدَاؤُها بعدَ ذلك؛ لأنَّها جانِيةٌ، فلم يَلْزَمْه أكثرُ مِن قِيمَتِها، كما لو لم يَكُنْ فَدَاها. وقال الشافعي في أحَدِ قَوْلَيه: لا يَضْمَنُها
стр. 9524
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثانِيًا، ويشَارِكُ الثانِي الأوَّلَ فيما أخَذَه، كما لو كانتِ الجِناياتُ (١) قبلَ فدائِها. ولَنا، أنَّها أُمُّ ولدٍ جَانِيةٌ، فلَزِمَه فِداؤُها، كالأُولَى، ولأنَّ ما أخَذَه الأوَّلُ عِوَضُ جِنايَتِه (٢)، أخَذَه بحَقٍّ، فلم يَجُزْ أن يُشارِكَه غيرُه فيه، كأرْشِ جِنايَةِ الحُرِّ أو الرَّقِيقِ القِنِّ. وفارَقَ ما قبلَ الفِداء؛ لأنَّ أَرْشَ الجناياتِ تَعَلَّقَ برَقَبتِها في وَقْتٍ واحدٍ، فلم يَلْزَمِ السَّيِّدَ أكْثَرُ مِن قِيمَةِ واحِدَةٍ، كما لو كانتِ الجِناياتُ على واحدٍ.
فصل: فإن أبرَأ بعضُهم مِن حَقِّه، تَوَفَّرَ الواجِبُ على الباقِينَ، إذا كانت كُلُّها قبلَ الفِداءِ، وإن كانَتِ [الجنايةُ] (٣) المَعْفوُّ عنها بعدَ فِدائِه، تَوَفَّرَ أَرشُها على سيدِها.
стр. 9525
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وللسيدِ تَزْويجُها وإن كَرِهَتْ (١). وبهذا قال أبو حنيفةَ. وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ، واخْتيارُ المُزَنِيِّ. وقال في القديمِ: ليس له تَزْويجُها [إلَّا برِضَاها؛ لأنَّه قد ثَبَتَ لها حكمُ الحُرِّيَّةِ على وَجْهٍ لا يَمْلِكُ السَّيِّدُ إبْطالها، فلم يَمْلِكْ تَزْويجَها] (٢) بغيرِ رِضَاها، كالمُكاتَبةِ. وقال في الثَّالِثِ: ليس له تَزْويجُها وإن رَضِيَتْ؛ لأنَّ مِلْكَه فيها قد ضَعُفَ، وهي لم تَكْمُلْ، فلم يَمْلِكْ تَزْويجَها، كاليَتِيمَةِ. وهل يُزَوِّجُها الحاكِمُ على هذا القَوْلِ؟ فيه خِلافٌ. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قِيلَ له (٣): إنَّ مَالِكًا لا يَرَى تَزْويجَها. فقال: وما يَصْنَعُ مالِكٌ! هذا ابنُ عمرَ، وابنُ عباسٍ، يقولان: إذا وَلَدَتْ مِن غيرِه كان لوَلَدِها حُكْمُها (٤) ولَنا، أنَّها أمَةٌ يَمْلِكُ الاسْتِمْتاعَ بها (٥) واسْتِخْدامَها، فمَلَكَ تَزْويجَها، كالقِنِّ،
стр. 9526
وَإنْ قَتَلَتْ سَيِّدَهَا عَمْدًا فَعَلَيهَا الْقِصَاصُ، وَإنْ عَفَوْا عَلَى مَالٍ، أَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ خَطَأً، فَعَلَيهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا، وَتَعْتِقُ فِي الْمَوْضِعَينِ.
ــ
وفارَقَ المُكاتَبَةَ، فإنَّه لا يَمْلِكُ ذلك منها. والقَوْلُ الثالثُ فاسِدٌ؛ لذلك، ولأنَّه يُفْضِي إلى مَنْعِ النِّكاحِ لامْرَأةٍ بالِغَةٍ مُحْتاجَةٍ إليه. وقوْلُهم: يُزَوِّجُها الحاكِمُ. لا يَصِحُّ؛ فإنَّ الحاكِمَ لا يزوِّجُ إلَّا عندَ عَدَم الوَلِيِّ أو غَيبَتِه أو عَضْلِه، ولم يُوجَدْ واحِدٌ منها. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إذا زَوَّجَها فالمَهْرُ له؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ كَسْبِها، وكَسْبُها له.
٣٠٥٠ - مسألة: (وإن قَتَلَتْ سيدَها عَمْدًا فعلَيها القِصاصُ، وإن عَفَوْا على مالٍ، أو كانتِ الجِنايَةُ خَطَأً، فعليها قِيمَةُ نَفْسِها، وتَعْتِقُ في المَوْضِعَين) إذا قَتَلَتْ أُمُّ الوَلَدِ سيدَها عَمْدًا، فعليها القِصاصُ لوَرَثَةِ سيدِها، إن لم يَكُنْ له منها وَلَا، كما لو لم تكُنْ أُمَّ وَلَدٍ. وإن كان له منها وَلَدٌ، وهو الوارِثُ وَحْدَه، لم يَجِبْ عليها القِصاصُ؛ لأنَّه لو وَجَبَ لوَجَبَ
стр. 9527
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لوَلَدِها، ولا يَجِبُ للوَلَدِ على أمِّه قِصاصٌ، وقد تَوَقَّفَ أحمدُ عن هذه المسألَةِ في رِوايَةِ مُهَنَّا، وقال: دَعْنا مِن هذه المسائِلِ. وقياسُ مَذهَبِه ما ذَكَرْناه. وإن كان مع ولَدِه منها أوْلادٌ له مِن غيرِها، لم يَجِبِ القِصاصُ أيضًا؛ لأنَّ حَقَّ وَلَدِها مِن القِصاصِ يَسْقُطُ، فيَسْقُطُ كلُّه. ونَقَلَ مُهَنَّا عن أحمدَ، أنّه يَقْتُلُها أولادُه مِن غيرِها. وهذه الرِّوايَةُ تُخالِفُ أصُولَ مَذْهَبِه. والصّحِيح أنَّه لا قِصاصَ عليها. وإذا لم يَجِبِ القِصاصُ، فعليها قِيمَةُ نَفْسِها. وهذا قولُ أبي يوسفَ. وقال الشافعيُّ: عليها الدِّيَةُ؛ لأنَّها تَصِيرُ حُرَّةً، ولذلك لَزِمَها مُوجَبُ جِنايَتِها، والواجِبُ على الحُرِّ بقَتْلِ
стр. 9528
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحُرِّ دِيَتُه. ولَنا، أنَّها جِنايَةٌ مِن أُمِّ وَلَدٍ، فلم يَجِبْ بها أكثرُ مِن قيمتِها، كما لو جنَتْ (١) على أجْنَبِيٍّ، ولأنَّ اعْتِبارَ الجِنايَةِ في حَقِّ الجانِي بحالِ الجنايَةِ، بدليلِ ما لو جَنَى عَبْدٌ فأعْتَقَه سيدُه، وهي في حالِ الجِنايَةِ أمَة، فإنَّها إنَّما عَتَقَتْ بالمَوْتِ الحاصِلِ بالجِنايَةِ، فيكونُ عليها فِداءُ نَفْسِها بقِيمَتِها، كما يفْدِيها سيدُها إذا قَتَلَتْ غَيرَه (٢)، ولأَنَّها ناقِصَةٌ بالرِّقِّ، أشْبَهَتِ القِنَّ، وتُفارِقُ الحُرَّ؛ فإَّنه جَنَى وهو كاملٌ، وإنَّما تَعَلَّقَ مُوجَبُ الجنايَةِ بها؛ لأنَّها فوَّتَتْ رِقَّها بقَتْلِها سيدَها، فأشْبَهَ ما لو فَوَّتَ المُكاتَبُ الجانِي رِقَّه بأدائِه.
стр. 9529
وَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهَا. وَعَنْهُ، عَلَيهِ الْحَدُّ.
ــ
٣٠٥١ - مسألة: (ولا حَدَّ على قَاذِفِها. وعنه، عليه الحَدُّ) والأوَّلُ قَوْلُ أكثرِ أهلِ العلمِ. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ عليه الحَدَّ؛ لأنَّ ذلك يُرْوَى عن ابنِ عمرَ (١). ولأنَّ قَذْفَها قَذْفٌ لوَلَدِها الحُرِّ، وفيها مَعْنَى مَنَعَ بَيعَها، أشْبَهَتِ الحُرَّةَ. والأوَّلُ أصَحُّ، لأنَّها أمَةٌ، حكمُها حكمُ الإِماءِ في أكثرِ أحكامِها، ففي الحَد أوْلَى، [لأنَّ الحُدودَ تُدْرَأُ] (٢) بالشُّبُهاتِ، ويُحْتاطُ لإِسْقَاطِها، و (٣) لأنَّها أمَةٌ تَعْتِقُ بالموتِ، أشْبَهَتِ المُدَبَّرَةَ، وتُفارِقُ الحُرَّةَ، فإنَّها كامِلةٌ.
فصل: ولا يَجِبُ القِصاصُ على الحُرَّةِ بقَتْلِها، لعَدَمِ المكافأةِ. فإن كان القاتِلُ لها (٤) رَقِيقًا، وجَبَ القِصاصُ عليه (٣)، لأنَّها أكْمَلُ منه. وإن جَنَتْ على عبدٍ أو أمَةٍ جنايَةً فيها القِصاصُ، لَزِمَها القِصاصُ، لأنَّها أمَةٌ، أحْكامُها أحْكامُ الإماءِ، واسْيحْقاقُها العِتْقَ لا يَمْنَعُ القِصاصَ، كالمُدَبَّرَةِ.
стр. 9530
فَصْلٌ: إِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ الْكَافِرِ، أوْ مُدَبَّرَتُهُ، مُنِعَ مِنْ غِشْيانِها، وَحِيلَ بَينَهُ وَبَينَهَا، وَأُجْبِرَ عَلَى نَفَقَتِهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا كَسْبٌ، فَإِنْ أَسْلَمَ حَلَّتْ لَهُ، وَإنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ عَتَقَتْ. وَعَنْهُ، أَنَّهَا تُسْتَسْعَى فِي حَيَاتِهِ، وَتعْتِقُ.
ــ
فصل: قال الشيخُ، ﵁: (وإذا أسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ الكافِرِ، أو مُدَبرَتُه، مُنِعَ مِن غِشْيانِها، وحِيلَ بَينَه وبَينَها، وأُجْبِرَ على نَفَقَتِها إن لم يَكُنْ لها كَسْبٌ. [وإن أسْلَمَ، حَلَّتْ له] (١). وإن مات قبلَ ذلك عَتَقَتْ. وعنه، أنَّها تُسْتَسْعَى في حياتِه، وتَعْتِقُ) يَصِحُّ اسْتِيلادُ الكافِرِ لأمَتِه، كما يَصِحُّ منه عِتْقُها. وإذا اسْتَوْلَدَ أمَتَه ثم أسْلَمَتْ، لم تَعْتِقْ في الحالِ. وبه قال الشافيُّ. وقال مالكٌ: تَعْتِقُ؛ إذْ لا سَبِيلَ إلى بَيعِها، ولا إلى
стр. 9531
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إقْرارِ مِلْكِه عليها؛ لِما فيه من إثْباتِ مِلْكِ كافِرٍ على مُسْلِمَةٍ، فلم يَجُزْ، كالأمَةِ القِنِّ. ونَقَلَ مُهَنَّا عن أحمدَ مثلَ ذلك. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّها تُسْتَسْعَى، فإن أدَّتْ عَتَقَتْ. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ فيه جَمْعًا بينَ الحَقَّين، حَقِّها في أن لا يَبْقَى مِلْكُ الكافِرِ عليها (١)، وحَقِّه في حُصولِ عِوَضِ مِلْكِه، فأشْبَهَ بَيعَها إذا لم تكُنْ أُمَّ ولدٍ. ولَنا، أنَّه إسلامٌ طَرَأ على مِلْكٍ، فلم يُوجِبْ عِتْقًا ولا سِعايةً، كالعيدِ القِنِّ. وما ذَكَرُوه مُجَرَّدُ (٢) حِكْمَةٍ لم يُعْرَفْ مِن الشارِعِ اعْتبارُها، ويُقابِلُها ضَرَرٌ، فإنَّ في إعْتاقِها مجَّانًا إضْرارًا بالمالِكِ، بإزالةِ مِلْكِه بغيرِ عِوَضٍ، وفي الاسْتسْعاءِ إلْزامُها (٣) الكَسْبَ بغيرِ رِضاها، وتَضِييعٌ لحقِّ سيدِها، لأنَّ فيه إحالةً على
стр. 9532
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سِعايةٍ لا يُدْرَى هلِ يَحْصُلُ منها شيءٌ أو لا، وإن حَصَل، فالظاهِرُ أنَّه يكونُ يَسِيرًا في أوْقاتٍ مُتَفرِّقَةٍ، وُجودُه قريبٌ مِن عَدَمِه. والأوْلَى أن يَبْقَى المِلْكُ على ما كان عليه، ويُمْنَعَ مِن وَطْئِها والتَّلَذُّذِ بها، كى لا يَفْعَلَ ذلك وهو مُشْرِكٌ، ويُحالُ بينَه وبينَها، ويُمْنَعُ الخَلْوَةَ بها؛ لئَلَّا يُفْضِيَ إلى الوَطْءِ المُحَرَّمِ. ويُجْبَرُ على نَفَقَتِها على التَّمامِ؛ لأنَّها مَمْلوكَتُه، ومَنْعُه مِن وَطْئِها بغيرِ مَعْصِيَةٍ منها، فأشْبَهَتِ الحائِضَ والمريضَةَ، وتُسَلَّمُ إلى امْرَأةٍ ثِقَةٍ، تكونُ عندَها، لتَحْفَظَها وتَقُومَ بأمْرِها. وإنِ احْتاجَتْ إلى أجْرٍ أو أجْرِ مَسْكَنٍ فعلى سيدِها. وذَكَرَ القاضي، أنَّ نَفَقَتَها في كَسْبِها، والفاضِلَ منه (١) لسيدِها. فإن عَجَزَ كَسْبُها عن نَفَقَتِها، فهل يَلْزَمُ سيدَها تمامُ نَفَقَتِها؟ على رِوايَتَين. ونحوُ هذا مذهبُ الشافعيِّ. قال شيخُنا (٢): والصَّحِيحُ أنَّ نَفَقَتُها على سيدِها، وكَسْبَها له، يَصْنَعُ به ما شاء، وعليه نَفَقَتُها على التَّمامِ، سَواءٌ كان لها كَسْبٌ أو لم يكُنْ؛ لأنَّها مَمْلُوكَتُه، ولم يَجْرِ بَينَهما عَقْدٌ يُسْقِطُ نَفَقَتَها، ولا تمْلِكُ به كَسْبَها، فهي كأمَتِه القِنِّ، أو ما قبلَ إسْلامِها، ولأنَّ المِلْكَ سَبَبٌ لهذَينِ الحُكْمَين، والحادثُ
стр. 9533
وإذَا وَطِئَ أَحَدُ الشَّرِيكَينِ الْجَارِيَةَ، فَأوْلَدَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ
ــ
منهما (١) لا يصْلُحُ مانِعًا؛ لأنَّ الاسْتِيلادَ لا يَمْنَعُ منها، بدليلِ ما قبلَ إسْلامِها (٢)، والإِسْلامُ لا يَمْنَعُ، بدليلِ ما لو وُجِدَ قبلَ ولادَتِها، واجتماعُهما لا يَمْنَعُ؛ لأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا هو في مَعْنَى المنْصُوصِ عليه؛ لأنَّه (٣) إذا لم تَلْزَمْه نَفَقَتُها، ولم يكُنْ لها كَسْبٌ، أفْضَى إلى هَلاكِها وضَياعِها، ولأنَّه يَمْلِكُ فاضِلَ كَسْبِها، فلَزِمَه فَضْلُ نَفَقَتِها، كسائِرِ مماليكِه.
٣٠٥٢ - مسألة: (وإذا وَطِئَ أحَدُ الشَّرِيكَيْن الجارِيَةَ وأوْلَدَها ،
стр. 9534
لَهُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَعِلَيهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، كَانَ فِي ذِمَّتِهِ.
ــ
صارت أُمَّ وَلَدٍ له، ووَلَدُه حُرٌّ، وعليه قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِه، فإن كان مُعْسِرًا، كان في ذِمَّتِه) وَطْءُ الجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ مُحَرَّمٌ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه بينَ أهلِ العلمِ. ولا حَدَّ فيه، في قول أكثرِ أهلِ العلمِ. وقال أبو ثَوْرٍ: يَجِبُ عليه الحَدُّ؛ لأنَّه وَطْءٌ مُحَرَّمٌ، فأَشْبَهَ وَطْءَ الأمَةِ الأجْنَبِيَّةِ. ولَنا، أنَّه وَطْءٌ صادَفَ مِلْكَه، فلم يَجِبْ به (١) الحَدُّ، كوَطْءِ زَوْجَتِه الحائِضِ، ويُفارِقُ ما لا مِلْكَ له فيها (٢)، فإنَّه لا شُبْهَةَ له فيها، ولهذا لو سَرَقَ عينًا له فيها شِرْكٌ لم يُقْطَعْ، ولو لم يكنْ له فيها مِلْكٌ قُطِعَ. ويَجِبُ
стр. 9535
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه التَّعْزِيرُ بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لما ذَكَرْنا في حُجَّةِ أبي ثَوْرٍ. فإن وَطِئَها ولم تَحْمِلْ منه، فهي باقِيَة على مِلْكِهما، وعليه نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِها؛ لأنَّه وَطْءٌ سَقَطَ فيه الحَدُّ للشُّبْهَةِ، فأوْجَبَ مَهْرَ المِثْلِ، كما لو وَطِئَها يَظُنُّها امْرَأتَه. وسواءٌ طاوعَتْه أو أكْرَهَها؛ لأنَّ وَطْءَ جاريةِ الغيرِ يُوجِبُ المهرَ وإن طاوَعتْ، لأنَّ المهرَ لسيدِها، لا يَسْقُطُ بمطاوَعَتِها، كما لو أذِنَتْ في قَطْعِ بعضِ أعْضائِها. والوَاجِبُ عليه مِن المَهْرِ بقَدْرِ مِلْكِ الشَّرِيكِ فيها. فأمَّا إن أحْبَلَها، وَوَضَعَتْ ما يَتَبَيَّنُ فيه بعضُ خَلْقِ الإِنْسانِ، فإنَّها تصيرُ بذلك أُمَّ ولَدٍ للواطِئِ، كما لو كانَتْ خَالِصَةً له، وتَخْرُجُ بذلِك عن مِلْكِ الشَّرِيكِ، كما (١) تخْرُجُ بالإعْتاقِ، مُوسِرًا كان الواطِئُ أو مُعْسِرًا؛ لأنَّ الإيلادَ أقْوَى مِن الإِعْتاقِ. وهذا قولُ الخِرَقِيِّ. ويَلْزَمُه نِصْفُ قِيمَتِها؛ لأنَّه أخْرَجَ نِصْفَها مِن مِلْكِ الشَّرِيكِ، فلَزِمَتْه قِيمَتُه، كما لو أخْرَجَه بالإِعْتاقِ أو الإِتْلافِ، فإن كان مُوسِرًا أدَّاه، وإن كان مُعْسِرًا فهو في ذمَّتِه، كما لو أتْلَفَها. والوَلَدُ حُرٌّ، يَلْحَقُ نَسَبُه بوالِدِه؛ لأنَّه مِن وَطْءٍ في مَحَلٍّ له فيه
стр. 9536
فَإِنْ وَطِئَهَا الثَّانِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَولَدَهَا، فَعَلَيهِ مَهْرُهَا، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا، فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ، وَإنْ جَهِلَ إيَلادَ شَرِيكِهِ، أَوْ أَنَّهَا صَارَت أُمَّ وَلدٍ لَهُ، فَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَعَلَيهِ فِدَاؤُهُ يَوْمَ الْولَادَةِ. ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ.
ــ
مِلْكٌ، فأشْبَهَ ما لو وَطِئَ زَوْجَتَه. فعلى هذا القولِ (إن وَطِئَها الثاني بعدَ ذلك، فأوْلَدَها، فعليه مَهْرُها) لأنَّه وَطْءٌ صادَفَ مِلْكَ [الغيرِ، فأشْبَهَ وَطْءَ] (١) الأمَةِ الأجْنَبِيَّةِ (فإن كان عالِمًا، فولَدُه رَقِيقٌ) لأنَّه وَطْءٌ في غيرِ مِلْكٍ ولا شُبْهَةِ مِلْكٍ، فهو كوَطْءِ مَمْلُوكَةِ غيرِه (وإن جَهِلَ إيلادَ شَرِيكِه، وأنَّها صارَتْ أُمَّ وَلدٍ له، فولَدُه حُرٌّ) لأنَّه مِن وَطْءِ شُبْهَةٍ (وعليه فِدَاؤُه) بقِيمَتِه (يومَ الولادَةِ) لأنَّه الوقْتُ الذي يُمْكِنُ فيه التَّقْويمُ (ذَكَرَه الخِرَقِيُّ) ومَال القاضي: الصَّحِيحُ عندِي أنَّ الأوَّلَ لا يَسْرِي اسْتِيلادُه
стр. 9537
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذا كان مُعْسِرًا، ولا يُقَوَّمُ عليه نَصِيبُ شَرِيكِه، بل يَصِيرُ نِصْفُها أُمَّ وَلَدٍ ونِصْفُها قِنٌّ باقٍ على مِلْكِ الشَّرِيكِ؛ لأنَّ الإِحْبال كالعِتْقِ، ويجري مَجْراه في التَّقْويمِ والسِّرايَةِ، فاعْتُبِرَ في سِرايَتِه اليَسارُ، كالعِتْقِ. وهو قولُ أبي الخَطَّابِ، ومذهبُ الشافعيِّ. فعلى هذا، إذا وَلَدَتْ، يَحْتَمِلُ أن يكونَ الولَدُ كلُّه حُرًّا، واحْتَمَلَ أنْ يكونَ نِصْفُه حُرًّا ونِصْفُه رَقِيقًا، كأُمِّه، ووَلَدِ المُعْتَقِ بعْضُها. وبهذا يَتَبَيَّنُ أنَّه لم يسْتَحِلَّ انْعقادَ الوَلَدِ (١) مِن حُرٍّ وقِنٍّ. ووَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ، أنَّ الاسْتِيلادَ أقْوَى مِن العِتْقِ، ولهذا ينْفُذُ مِن رَأْسِ المالِ مِن المريضِ ومِن المَجْنُونِ، بخِلافِ الإِعْتاقِ.
فصل: وهل يَلْزَمُه نِصْفُ قِيمَةِ الولَدِ؟ على وَجْهَين، ذَكَرَهُما أبو الخَطَّابِ؛ أحَدُهما، لا يَلْزَمُه. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأن الولَدَ خُلِقَ حُرًّا، فلم يَلْزَمْه قِيمَةُ وَلَدِه الحُرِّ. والثاني، يَلْزَمُه نِصْفُ قِيمَتِه لشَرِيكِه؛ لأنَّ الوَطْءَ صادَفَ مِلْكَ غيرِه، وإنَّما انْتَقَلَتْ بالوَطْءِ المُوجب للمَهْرِ،
стр. 9538
وَعِنْدَ الْقَاضِي، وَأَبِي الْخَطَّابِ، إِنْ كَانَ الْأوَّلُ مُعْسِرًا لَمْ يَسْرِ اسْتِيلَادُهُ، وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا، يَعْتِقُ نِصْفُهَا بِمَوْتِ أحَدِهِمَا. وَإنْ أَعْتَق أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ مُوسِرٌ، فَهَلْ يُقَوَّمُ عَلَيهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
ــ
فيكونُ الوَطْءُ سَبَبَ المِلْكِ، ولا يَثْبُتُ المِلْكُ (١) إلَّا بعد تَمامِ سَبَبِه، فيَلْزَمُ حينئذٍ تَقَدُّمُ الوَطْءِ على مِلْكِه، فيكونُ في مِلْكِ غيرِه، وفِعْلُه ذلك مَنَع (٢) انْخِلاقَ الوَلَدِ على مِلْكِ الشَّرِيكِ، فيَجِبُ عليه نصْفُ قِيمَتِه، كولَدِ المغْرُورِ. وقال القاضي: إن وَضَعَتِ الوَلَدَ بعدَ التَّقْويمِ، فلا شيءَ على الوَاطئ؛ لأنَّها وضَعَتْه في مِلْكِه، ووَقْتُ الوُجُوبِ حالةُ الوَضْعِ، ولا حَقَّ للشَّرِيكِ فيها ولا في وَلَدِها. وإن وَضَعَتْه قبلَ التَّقْويم، فهل تَلْزَمُه قِيمَةُ نِصْفِه؟ على رِوايَتَين، ذكَرَهُما أبو بكرٍ، واخْتارَ أنَّه لا يَلْزَمُه.
٣٠٥٣ - مسألة: (وعندَ القاضي، وأبي الخَطَّابِ، إن كان الأوَّلُ مُعْسِرًا لم يَسْرِ اسْتِيلادُه، وتَصِيرُ أُمَّ ولَدٍ لهما، يَعْتِقُ نِصْفُها بمَوْتِ أحَدِهما) لأنَّها أَمُّ وَلَدٍ له، وقد ذَكَرْنا ذلك (وإنْ أعْتَقَ أحَدُهما نَصِيبَه بعدَ ذلك وهو مُوسِرٌ، فهل يُقَوَّمُ عليه نَصِيبُ شَرِيكِه؟ على وَجْهَين) أحَدُهما،
стр. 9539
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يَسْرِي عِتْقُه؛ لأنَّه (١) يُبْطِلُ حَقَّ صاحِبِه مِن الوَلاءِ الذي قد انْعَقَدَ سَبَبُه بالاسْتِيلادِ. والثاني، يُقَوَّمُ عليه؛ لحديثِ ابنِ عمرَ (٢). وهو أوْلَى وأصَحُّ، إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ أن يكونَ له (٣) في الأمَةِ مِلْكٌ قَلِيلٌ أو كثيرٌ، فالحُكْمُ لي ذلك واحِدٌ؛ لأنَّ مالكَ اليَسِيرِ يَمْلِكُ بَعْضَها، أشْبَهَ الكثيرَ. والله أعلمُ.
стр. 9540
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م
المكتب: ٤ ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة
تليفون: ٣٤٥٢٥٧٩ - فاكس: ٣٤٥١٧٥٦
المطبعة: ٢، ٦ ش عبد الفتاح الطويل
أرض اللواء - تليفون: ٣٤٥٢٩٦٣
ص. ب: ٦٣ إمبابة
стр. 9541
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه
أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته
стр. 9542
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتابُ النِّكاحِ
ــ
كتابُ النِّكاحِ
النِّكاحُ في الشَّرْعِ عَقْدُ التَّزْويجِ، فعندَ إطْلاقِ لَفْظِه يَنْصَرفُ إليه، ما لم يَصرِفْه عنه دَلِيلٌ. وقال القاضي: الأشْبَهُ بأصْلِنَا أنَّه حَقِيقَةٌ في العَقْدِ والوَطْءِ جميعًا؛ لقَولِنا (١) بتَحْرِيمِ مَوْطُوءَةِ الأبِ مِن غيرِ تَزويج. استِدْلالًا بقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢). وقيلَ: بل هو حَقِيقَةٌ في الوَطْءِ، مَجازٌ في العَقْدِ، تقولُ العربُ: أنْكَحْنا الْفِرَا، فسنَرَى. أي أضْرَبْنا فَحْلَ حُمُرِ الوَحْشِ
стр. 9543
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أُمَّه (١)، فسَنَرَى ما يَتَوَلَّدُ منهما (٢). يُضْرَبُ مَثَلًا للأمْرِ يَجْتَمِعون عليه، ثم يَتَفَرَّقونَ عنه (٣). قال الشاعرُ:
ومِن أَيِّمٍ قد أنْكَحَتْنا رِمَاحُنا (٤) ... وأُخْرَى على خالٍ وعَمٍّ تَلَهَّفُ
قال شيخُنا (٥): والصَّحيحُ ما قُلنا؛ لأنَّ الأشْهَرَ استِعمالُ لَفْظَةِ النِّكاحِ بإزاءِ العَقْدِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، لسانِ أهلِ العُرْفِ. وقد قِيلَ: ليس في الكتابِ لَفْظُ نِكاحٍ بمَعْنَى الوَطْءِ إلَّا قولُه: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾ (٦). ولأنَّه يَصِحُّ نفْيُه عن الوَطْءِ؛ لأنَّه يُقالُ: هذا سِفَاحٌ وليس
стр. 9544
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بنِكاحٍ. ويُرْوَى عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ» (١). ويُقال عن السُّرِّيَّةِ: ليست بزَوْجَةٍ ولا مَنْكُوحَةٍ. ولأنَّ النِّكاحَ أحَدُ اللَّفْظَين اللَّذَين يَنْعَقِدُ بهما عَقْدُ النِّكاحِ، فكان حقيقَةً فيه، كاللَّفْظِ الآخَرِ. وما ذَكَرَه القاضي يُفْضِي إلى كَونِ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا، وهو على خِلافِ الأصْلِ، وما ذَكَرَه الآخَرون يَدُلُّ على الاسْتِعْمالِ في الجُمْلَةِ، والاستعمالُ فيما قُلْنا أكثرُ وأشهَرُ، ثم لو قُدِّرَ كَوْنُه مَجازًا في العَقْدِ، لَكان اسْمًا عُرْفِيًّا يَجِبُ صَرْفُ اللفظِ إليه عندَ الإِطْلاقِ؛ لشُهْرَتِه، كسائِرِ الأسماءِ العُرْفِيَّةِ.
نَفْسِهِ مُوَاقَعَةَ الْمَحْظُورِ بِتَرْكِهِ، فَيَجِبُ عَلَيهِ.
ــ
العِبادَةِ، إلا أن يَخافَ على نَفْسِه مُواقَعَةَ المَحْظُورِ بِتَرْكِهِ، فَيجِبُ) الناسُ في النِّكاحِ على ثَلاثةِ أضْرُبٍ؛ أحَدُها، مَن يَخافُ على نَفْسِه [الوُقُوعَ في] (١) المَحْظُورِ إن تَرَك النِّكاحَ، فهذا يَجِبُ عليه في قولِ عامَّةِ الفُقهاءِ؛ لأنَّه يَلْزَمُه إعْفافُ نفسِه، وصَرْفُها عن الحَرامِ، وطَرِيقُه النكاحُ. الثاني، مَن يُسْتَحَبُّ له، وهو مَن له شَهْوَةٌ يَأْمَنُ معها الوُقُوعَ في مَحْظُورٍ، فهذا الاشْتِغالُ له (٢) به أفضَلُ مِن التَّخَلِّي لنَوافِلِ العِبادةِ. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي، وظاهِرُ أقوالِ الصَّحابةِ، ﵃، وفِعْلُهم. قال ابنُ مسعودٍ: لو لم يَبْقَ مِن أَجَلِي إلَّا عشَرةُ أيامٍ، وأعْلَمُ أَنِّي أموتُ في آخِرِها يَوْمًا، لِي فيهِنَّ طَوْلُ النِّكاحِ، لتَزَوَّجْتُ مَخافَةَ الفِتْنَةِ (٣). وقال ابنُ عباسٍ لسعيدِ بنِ جُبَيرٍ: تَزَوَّجْ، فإنَّ خَيرَ هذه الأمَّةِ أكثَرُها نِساءً (٤). وقال إبراهيمُ بنُ مَيسَرَةَ: قال لي طاوسٌ: لَتَنْكِحَنَّ، أو لأقُولَنَّ لك ما قال عمرُ لأبي الزَّوائِدِ: ما يَمْنَعُكَ عن النِّكاحِ إلَّا عَجْزٌ أو فُجُورٌ (٥). قال أحمدُ في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ: ليبستِ العُزْبَةُ مِن أمْرِ الإسلامِ في شيءٍ، ومَن دَعاك (٦) إلى غيرِ التَّزْويجَ، فقد دَعاك (٦) إلى غيرِ
стр. 9551
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإِسلامِ، ولو تَزَوَّجَ بِشْرٌ (١) كان قد تَمَّ أمْرُه. وقال الشافعيُّ (٢): التَّخَلِّى لِعبادَةِ اللهِ أفْضَلُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى مَدَح يَحيى، ﵇، بقولِه تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ (٣). والحَصُورُ الذي لا يَأْتِي النِّساءَ، فلو كان النِّكاحُ أفْضَلَ لَما مَدَح بتَرْكِه. وقال اللهُ تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ (٤). وهذا في مَعْرِضِ الذَّم. ولأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فكان الاشْتِغالُ بالعِبادَةِ أفْضَلَ منه، كالبَيعِ. ولَنا، ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ اللهِ ورسولِه به، وحَثِّهِما عليه، وقولُه ﵊: «لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي». وقولُ سعدٍ: لقد رَدَّ رسولُ اللهِ ﷺ على عثمانَ بنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، ولو أَذِنَ (٥) له لَاخْتَصَينَا. مُتَفَقٌ عليهما. وعن أنسٍ قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُ بالباءَةَ، ويَنهَى عن التَّبتُّل نَهْيًا شَديدًا، ويقولُ: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رَواه سعيدٌ (٦). وهذا حَثٌّ على النِّكاحِ شَدِيدٌ، ووَعِيدٌ على تَرْكِه، يُقَربُه إلى الوُجوبِ،
стр. 9552
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و (١) التَّخَلِّيَ منه إلى التَّحريمِ، ولو كان التَّخَلِّي أفْضَلَ [لانْعَكَسَ الأمْرُ] (٢)، ولأنَّ النبيَّ ﷺ تَزَوَّجَ، وبالغَ في العَدَدِ، وفَعَل ذلك أصحابُه، ولا يَشْتَغِلُ النبيُّ ﷺ وأصحابُه إلَّا بالأَفْضَلِ، ولا يَجْتَمِعُ الصحابةُ على تَرْكِ الأفْضَلِ والاشْتِغالِ بالأدْنَى. ومِن العَجَبِ أنَّ مَن يُفَضِّلُ التَّخَلِّيَ لم يَفْعَلْه، فكيف أجْمَعوا على النِّكاحِ في فِعْلِه، وخالفوا في فَضْلِه! أفما (٣) كان فيهم مَنْ يَتْبَعُ الأفْضَلَ عندَه ويَعْمَلُ بالأَوْلَى؟ ولأنَّ مَصالِحَ النِّكاحِ أكثَرُ؛ فإنَّه يَشْتَمِلُ على تَحْصِينِ الدِّينِ وإحْرازِه، وتَحْصِينِ المرأةِ وحِفْظِها والقِيامِ بها، وإيجادِ النَّسْلِ وتَكْثِيرِ الأمَّةِ، وتَحْقِيقِ مُباهاةِ النبيِّ ﷺ ، وغيرِ ذلك مِن المَصالِحِ الرَّاجِحِ أحَدُها على نَفْلِ العِبادَةِ، فمَجْمُوعُها أَوْلَى. وقد رَوَينا في أخْبارِ المُتَقدِّمِينَ أنَّ قَوْمًا ذَكَرُوا لنبيٍّ لهم فَضْلَ عابدٍ لهم، فقال: أمَّا إنَّه لتارِكٌ لشيءٍ مِن السُّنَّةِ. فبَلَغ العابِدَ، فأتى النبيَّ (٤) فسَألَه عن ذلك، فقال: إنَّك تَركْتَ التَّزْويجَ. فقال: يا نَبيَّ اللهِ، وما هو إلَّا هذا! فلمَّا رَأَى النبيُّ احْتِقارَه لذلك، قال: أرَأَيتَ لو تَرَك الناسُ كُلهم التَّزْويجَ، مَن كان يَقُومُ بالجِهادِ، ويَنْفِي العَدُوَّ، و (٥) يقومُ بفرائِضِ الله وحُدُودِه؟. وأمَّا ما ذُكِرَ عن يَحيي، فهو شَرْعُه، وشَرْعُنا
стр. 9553
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بخِلافِه، فهو أَوْلَى. والبَيعُ لا يَشْتَمِلُ على مَصالِحِ النِّكاحِ، ولا يُقارِبُها. القسمُ الثالثُ، مَن لا شَهْوَةَ له؛ إمَّا لأنَّه لا شَهْوَةَ له كالعِنِّينِ، أو ذَهَبَتْ شَهْوَتُه لمَرَضٍ أو كِبَرٍ ونحوه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهُما، يُسْتَحَبُّ له النِّكاحُ؛ لما ذَكَرْنا. والثاني، التَّخَلِّى له أفْضَلُ؛ فإنَّه لا يُحَصِّلُ مَصالِحَ النِّكاحِ، ويَمْنَعُ زَوْجَتَه مِن التَّحْصِينِ بغيرِه، ويُضِرُّ بها بحَبْسِها على (١) نَفسِه، ويُعَرِّضُ نَفْسَه لواجِباتٍ وحُقُوقٍ لَعَلَّه لا يَقومُ بها، ويَشْتَغِلُ عن العِلْمِ والعِبادَةِ بما لا فائِدَةَ فيه، والأخبارُ تُحْمَلُ على مَن له شَهْوَةٌ؛ لِما فيها مِن القَرائِنِ الدَّالَّةِ عليها.
فصل: وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّه لا فَرْقَ بينَ القادِرِ على الإِنْفاقِ والعاجِزِ عنه، فإنَّه قال: يَنْبَغِي للرجلِ أن يَتَزَوَّجَ، فإن كان عندَه ما يُنْفِقُ أنْفَقَ، وإن لم يَكُنْ عندَه صَبَرَ، ولو تَزَوَّجَ بِشْرٌ كانَ قد تَمَّ أمْرُه. واحْتَجَّ بأنَّ النبيَّ ﷺ [كانَ يُصْبِحُ وما عندَهم شيءٌ، ويُمْسِي وما عندَهم شيءٌ (٢). ولأنَّ النبيَّ ﷺ ] (٣) زَوَّجَ رجلًا لم يَقْدِرْ (٤) على خاتَمِ حَديدٍ، ولا وَجَد إلَّا إزارَه، ولم يَكُنْ له رِداءٌ. أخْرَجَه البخاريُّ (٥). قال أحمدُ في رجلٍ قَلِيلِ
стр. 9554
وَعَنْهُ، أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الإطْلَاقِ.
ــ
الكَسبِ، يَضْعُفُ قَلْبُه عن العِيالِ: اللهُ يَرْزُقُهُم، التزويجُ أحْصَنُ له، رُبَّما أتَى عليه وَقْتٌ لا يُمْكِنُ قَلْبَه الصَّبْرُ. وهذا في حَقِّ مَن يُمْكِنُه التَّزْويجُ، فأمَّا مَن لا يُمْكِنُه التَّزْويجُ (١)، فقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢).
٣٠٥٦ - مسألة: (وعن أحمدَ، أنَّ النِّكاحَ واجبٌ على الإِطْلَاقِ) واخْتارَه أبو بَكْرٍ عبدُ العزيزِ، وحَكاه عن أحمدَ. وحُكِي عن داودَ (٣) أنَّه يَجِبُ في العُمُرِ مَرَّةً؛ للآيَةِ والخَبَرِ. والمَشْهُورُ في المَذْهَبِ أنَّه ليس
стр. 9555
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بواجِبٍ، إلَّا أن يَخافَ على نَفْسِه الوُقُوعَ في مَحْظُورٍ بتَرْكِه، فيَلْزَمُه إعْفافُ نَفْسِه. وهو قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى حينَ أمَرَ به عَلَّقَه على