. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ونَصَّ أحمدُ في روايةِ صالحٍ: إذا قال: جَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقَكِ. أو: صَداقَكِ عِتْقَكِ. كلُّ (١) ذلك جائز. ويُشْتَرَطُ لصِحَّةِ النِّكاحِ أن لا يكونَ بينَهما فَصْلٌ، فلو قال: أعْتَقْتُكِ. وسَكَت سُكوتًا يُمْكِنُه الكلامُ فيه، أو تَكَلَّمَ بكلامٍ أجْنَبِيٍّ، لم يَصِحَّ النِّكاحُ؛ لأنَّها صارتْ بالعِتْقِ حُرَّةً، فتَحْتاجُ (٢) أن يَتَزَوَّجَها برِضَاها بعَقْدٍ وصَداقٍ جديدٍ. ولا بُدَّ مِن حُضُورِ شاهِدَين إذا قُلْنا باشْتِراطِ الشَّهادَةِ في النِّكاحِ. نصَّ على ذلك في رِوايةِ الجماعةِ؛ لقولِه: «لا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِي وَشَاهِدَينِ» (٣).
فصل: وإذا قُلْنا بصِحَّةِ النَّكاحِ، فطَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، رَجَع عليها
стр. 9767
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بنِصْفِ قِيمَتِها؛ لأنَّ الطَّلاقَ قبلَ الدُّخولِ يُوجِبُ الرُّجُوعَ في نِصْفِ ما فَرَض لها، وقد فَرَض لها نَفْسَها، ولا سَبِيلَ إلى الرُّجُوعِ في الرِّقِّ بعدَ زَوالِه، فرَجَعَ بنِصْفِ قِيمَةِ نَفْسِهَا. وبهذا قال الحسنُ، والحَكَمُ (١). وقال الأوْزاعِيّ: يَرْجِعُ بقِيمَتِها (٢). ولَنا، أنَّه طَلان قبلَ الدُّخُولِ، فأوْجَبَ الرُّجُوعَ بالنِّصْفِ، كسائِرِ الطَّلاقِ. وتُعْتَبَرُ القِيمَةُ حالةَ الإِعْتاقِ؛ لأنَّها حالةُ الإِتْلافِ. فإن لم تَكُنْ قادِرَةً على نِصفِ القِيمَةِ، فهل تُسْتَسْعَى فيها،
стр. 9768
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو تكونُ دَينًا تُنْظرُ به إلى حالةِ القُدْرَةِ؟ على رِوايَتَين. وإن قُلْنا: إنَّ النِّكاحَ لا يَنْعَقِدُ بهذا القولِ. فعليها قِيمَةُ نَفْسِها؛ لأنَّه أزال مِلْكَه بعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ له، فرَجَعَ إلى قِيمَةِ المُفَوَّتِ، كالبَيعِ الفاسِدِ. وكذلك إن قُلْنا: إنَّ النِّكاحَ انْعَقَدَ به. فارْتَدَّتْ [قبلَ الدُّخُولِ] (١)، أو فَعَلَتْ ما يَنْفَسِخُ به نِكاحُها، مثلَ أن أرْضَعَتْ زَوْجَةً له صغيرةً، ونحو ذلك، انْفَسَخَ نِكاحُها، وعليها قِيمَةُ نَفْسِها.
стр. 9769
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن قال لأمَتِه: أعْتَقْتُكِ على أن تُزَوِّجِينِي نَفْسَكِ، ويَكُونَ عِتْقُكِ صَداقَكِ. أو لم يَقُلْ: ويكونَ عِتْقُكِ صَداقَكِ (١). فَقَبِلَتْ، عَتَقَتْ، ولم يَلْزَمْهَا أن تُزَوِّجَه نَفْسَها؛ لأنَّه سَلَفٌ في نِكاحٍ، فلم يَلْزَمْها، كما لو أسْلَفَ حُرَّةً ألْفًا على أن يَتَزَوَّجَها، ولأنَّه أسْقَطَ حُقها (٢) مِن الخِيارِ قبلَ وُجُودِ سَبَبِه، فلم يَسْقُطْ، كالشَّفِيعِ يُسْقِطُ شُفْعَتَه قبلَ البَيعِ. ويَلْزَمُها قِيمَةُ نَفْسِها. أوْمَأ إليه أحمدُ في رِوايةِ عبدِ اللهِ. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه أزال مِلْكَه منها بشَرْطِ عِوَض لم يُسَلَّمْ له (١)، فاسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بقِيمَتِه، كالبَيعِ الفاسدِ إذا تَلِفَتِ السِّلْعَةُ في يَدِ المُشْتَرِي،
стр. 9770
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والنِّكاحِ الفاسدِ إذا اتَّصَلَ به الدُّخُولُ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَها شيءٌ، بِناءً على ما إذا قال لعَبْدِه: أعْتَقْتُكَ على أن تُعْطِيَنِي ألْفًا. وهذا قولُ مالكٍ، وزُفرَ؛ لأنَّ هذا ليس بلَفْظِ شَرْطٍ، فأشْبَهَ ما لو قال: أعْتَقْتُكِ، وزُوِّجِينِي نَفْسَكِ. وتُعْتَبَرُ القِيمَةُ حالةَ العِتْقِ، ويُطالِبُها في الحالِ إن كانت قادِرةَ عليها. وإن كانت مُعْسِرَةً، فهل تُنْظرُ إلى المَيسَرَةِ أو تُجْبَرُ على الكَسْبِ؟ على وَجْهَين، أصْلُهما في المُفْلِسِ هل يُجْبَرُ على الكَسْبِ؟ على رِوايتَين (١).
فصل: وإنِ اتَّفَقَ السَّيِّدُ والأمَةُ على أن يُعْتِقَها وتُزَوِّجَه نَفْسَها، فتَزَوَّجَها على ذلك، صَحَّ، ولا مَهْرَ لها غيرَ ما شرَط مِن العِتْقِ. وبه قال أبو يُوسُفَ. وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: لا يكونُ العِتْقُ صَداقًا، لكنْ إن تَزَوَّجَها على القِيمَةِ التي له (٢) في ذِمَّتِها، وهما يَعْلَمان القِيمَةَ، صَحَّ الصَّداقُ. ولَنا، أنَّ العِتْقَ صَلَح (٣) صَدَاقًا في حَقِّ النبيِّ ﷺ ، فيَجُوزُ في حَقِّ أُمَّتِه، كالدَّراهِمِ، ولأنَّه يَصْلُحُ عِوَضًا في البَيعِ، فإنَّه لو قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ على ألفٍ. جازَ، فلأنْ يكونَ عِوَضًا في النِّكاحِ أوْلَى؛ فإنَّ النِّكاحَ لا يُقْصَدُ فيه العِوَضُ. وعلى هذا، لو تَزَوَّجَها على أن يُعْتِقَ أَبَاها، صَحَّ. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ عبدِ اللهِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ العِتْقَ يَصِيرُ صَدَاقًا،
стр. 9771
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كما لو دَفَع إليها مالًا ثم تَزَوَّجَها عليه. فإن بَذَلَتْ له نَفْسَها ليَتَزَوَّجَها فامْتَنَعَ، لم يُجْبَرْ، وكانت له القِيمَةُ؛ لأنَّها إذا لم تُجْبَرْ على تَزْويجِه نَفْسَها، لم يُجْبَرْ هو على قَبُولِها. وحُكْمُ المُدَبَّرَةِ والمُعَلَّقِ عِتْقُها بصِفَةٍ (١) وأُمِّ الوَلَدِ، حُكْمُ الأمَةِ القِنِّ في جَمِيعِ ما ذَكَرْناه.
فصل: ولا بَأْسَ أن يُعْتِقَ الرَّجلُ الأمَةَ ثم يَتَزَوَّجَها، سواءٌ أعْتَقَها لوَجْهِ الله تعالى، أو أعْتَقَها ليتَزَوَّجَها. وكَرِهَ أنَسٌ تَزَوُّجَ (٢) مَن أعْتَقَها لوَجْهِ اللهِ تعالى. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: روَى شُعْبَة، عن قَتادَةَ، عن أنَسٍ، أنَّه كَرِه أن يُعْتِقَ الأمَةَ ثم يَتَزوَّجَها (٣)؟ قال: نعم، ذاكَ إذا أعْتَقَها للهِ، كَرِهَ أن يَرْجعَ في شيءٍ منها (٤). ولَنا، ما روَى أبو موسى، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ كَانَت عِنْدَهُ جَارِيَة، فَعَلَّمَهَا، وَأَحسَنَ إلَيهَا، ثُمَّ أعتَقَهَا، وَتَزَوَّجَهَا، فَذَلِكَ لَهُ أجْرَانِ». مُتَّفَقٌ عليه (٥). ولأنَّه إذا
стр. 9772
فَصْلٌ: الرَّابِعُ، الشَّهَادَةُ. فَلَا يَنْعَقِدُ إلا بِشَاهِدَينِ عَدْلَين ذَكَرَينِ، بَالِغَينِ، عَاقِلَينِ، وَإنْ كَانَا ضَرِيرَينِ.
ــ
تَزَوَّجَها، فقد أحْسَنَ إليه بإعْفافِها (١) وصِيانَتِها، فلم يُكْرَهْ، كما لو زَوَّجَها غيرَه، وليس في هذا رُجُوعٌ فيما جُعِلَ للهِ؛ فإنَّه إنَّما يَتَزَوَّجُها بصَداقِها، فهو بمَنْزِلَةِ مَنِ اشْتَرَى منها شيئًا.
فصل: وإذا قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ على أن أُزَوِّجَكَ ابْنَتِي. فأعْتَقَه، لم يَلْزَمْه أن يُزَوِّجَه ابْنَتَه (٢)؛ لأنَّه سَلَفٌ في نِكاح، وعليه قِيمَةُ العبدِ (٣). وقال الشافعيُّ في أحَدِ القَوْلَين: لا يَلْزَمُه شيء؛ لأنَّه لا فائدةَ له في العِتْقِ. ولَنا، أنَّه أزَال مِلْكَه عن عَبْدِه بعِوَض شَرَطَه، فلَزِمَه عِوَضُه، كما لو قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي وعليَّ ثَمَنُه. وكما لو قال: طَلِّقْ زَوْجَتَكَ و (٤) عليَّ ألْفٌ. فطَلَّقَها. أو: ألْقِ مَتاعَكَ في البَحْرِ وعليَّ ثَمَنُه. وبهذه الأُصُولِ يَبْطُلُ قَوْلُهم: إنَّه لَا فائِدَةَ له في العِتْقِ.
فصل: قال، ﵁: (الرَّابِعُ، الشَّهَادَةُ. فَلَا يَنْعَقِدُ إلا بِشَاهِدَينِ عَدْلَين ذَكَرَينِ بَالِغَينِ عَاقِلَينِ، وَإنْ كَانَا ضَرِيرَينِ) المشْهُورُ عن أحمدَ،
стр. 9773
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﵀، أنَّ الشَّهادَةَ شرْطٌ لصِحَّةِ النِّكاحِ. رُوِيَ ذلك عن عمرَ، وعليٍّ. وهو قولُ ابنِ عباسٍ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وجابِرِ بنِ زيدٍ، والحسنُ بنُ عليٍّ، وابنُ الزُّبَيرِ، وسالمٌ وحَمْزَةُ ابْنَا ابنِ عمرَ. وبه قال عبدُ اللهِ بنُ إدْرِيسَ (١)، وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، ويزيدُ بنُ هارونَ، والحسنِ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي. وعن أحمدَ، أنَّه يَصِحُّ بغيرِ شُهُودٍ. فَعَلَه ابنُ عمرَ، والعَنْبَرِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وهو قولُ الزُّهْرِيِّ، ومالكٍ، إذا أعْلَنُوه. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا يَثْبُتُ في الشَّاهِدَين في النِّكاحِ خبَرٌ. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ (٢): وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِي وشَاهِدَينِ عَدْلَينِ». مِن حديثِ ابنِ عباس، وأبي هُرَيرَةَ، وابنِ عمرَ (٣)، إلَّا أنَّ في نَقَيَةِ ذلك ضَعْفًا، فلم أذْكُرْه. قال ابنُ المُنْذِرِ: وقد أعْتَقَ النبيُّ ﷺ صَفِيَّةَ بنتَ حُيَيٍّ وتَزَوَّجَها بغيرِ شُهودٍ (٤). قال أنَسُ بنُ مالِكٍ: اشْتَرَى رسولُ اللهِ ﷺ جارِيَةً بسَبْعَةِ أرْؤُسٍ، قال النَّاسُ: ما نَدْرِي أتَزَوَّجَها رسولُ اللهِ ﷺ أم جَعَلَها أُمَّ وَلَدٍ؟ فلمَّا أرادَ
стр. 9774
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن يَرْكَبَ حَجَبَها، فَعلِمُوا أنَّه تَزَوَّجَها. مُتَّفَقٌ عليه (١). قال: فاسْتَدَلُّوا على تَزْويجها بالحِجَابِ. وقال يزيذ بنُ هارونَ: أمَرَ الله بالإِشْهادِ في البَيعِ دُونَ النِّكَاحَ، فاشْتَرَطَ أصحابُ الرَّأْي الشَّهادَةَ للنِّكاحِ (٢)، ولم يَشْتَرِطُوها للبَيعَ (٣)! ووَجْهُ الأُولَى أنَّه قد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ، وشَاهِدَي عَدْلٍ». رَواه الخَلَّالُ بإسْنادِه (٤). وروَى الدَّارَقُطنيُّ (٥) عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لَابُدَّ في النِّكَاحِ مِنْ أرْبَعَةٍ؛ الوَلِي، والزَّوْجُ، والشَّاهِدَانِ». ولأنَّه يَتَعَلَّقُ به حَقُّ غيرِ (٦) المُتَعاقِدَين، وهو الوَلَدُ، فاشْتُرِطَتِ الشَّهادَةُ فيه؛ لئلَّا يَجْحَدَه أَبُوه، فيَضِيعَ نَسَبُه، بخِلافِ البَيعِ. فأمَّا نِكاحُ النبيِّ ﷺ بغيرِ وَلِيٍّ ولا شُهودٍ، فمِن خَصائِصِه في النِّكاحِ، فلا يُلْحَقُ به غيرُه.
فصل: ويُشْتَرَطُ في الشُّهودِ الذّكُورِيَّةُ، والعَدالةُ، والعَقْلُ،
стр. 9775
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والبُلُوغُ، والإِسْلامُ، فأمَّا الذّكُورِيَّةُ، فقال أحمدُ: إذا تَزَوَّجَ بشَهادَةِ نِسْوَةٍ، لم يَجُزْ ذلك؛ لما روَى أبو عُبَيدٍ (١) في «الأمْوالِ» عن الزُّهْرِيِّ، قال: مَضَتِ السُّنَّةُ مِن رسولِ اللهِ ﷺ أن لا تَجُوزَ شَهادَةُ النِّساءِ في الحُدُودِ، ولا في النِّكاحِ، ولا في الطَّلاقِ. ولأنَّه عَقْدٌ ليس بمالٍ، ولا المَقْصُودُ منه المال، ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ في غالِبِ الأحْوالِ، فلم يَثْبُتْ بشَهادَتِهِنَّ كالحُدُودِ. الثاني، العَدالةُ، وفي انْعِقادِ النِّكَاحِ بشهادَةِ الفاسِقَين رِوايتَان؛ إحْدَاهما، لا يَنْعَقِدُ. وهو مذهبُ الشَّافعيِّ؛ للخَبَرِ. ولأنَّ النِّكاحَ لا يَثْبُتُ بشَهادَتِهما، فلم يَنْعَقِدْ بحُضُورِهما، كالمَجْنُونَين. والثانيةُ، يَنْعَقِدُ بشَهادَتِهما. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه تَحَمُّلٌ، فصَحَّتْ مِن الفاسِقِ، كسائرِ التَّحَمُّلاتِ. وعلى كلتا الرِّوَايتَين لا تُعْتَبَرُ حَقِيقَةُ العَدالةِ، بل يَنْعَقِدُ بشَهادَةِ مَسْتُورِي الحالِ؛ لأنَّ النِّكاحَ يكونُ في القُرَى والبَوادِي، وبينَ عامَّةِ النَّاسِ ممَّن (٢) لا يَعْرِفُ حقيقةَ العَدالةِ، فاعْتِبارُ ذلك يَشُقُّ، فاكْتُفِيَ بظاهرِ الحالِ، وكَوْنِ الشَّاهِدِ مَسْتُورًا لم يَظْهَرْ فِسْقُه، فإن تَبَيَّنَ بعدَ العَقْدِ أنَّه كان فاسِقًا، لم يُؤثِّرْ في العَقْدِ؛ لأنَّ الشَّرْطَ العَدَالةُ ظاهِرًا، وهو أن لا يكونَ ظاهِرَ الفِسْقِ، وقد تَحَقَّقَ ذلك. وقيل: نَتَبَيَّنُ أنَّ النِّكَاحَ كان فاسِدًا؛ لعَدَمِ الشَّرْطِ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه لو كانتِ العَدالةُ
стр. 9776
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الباطِنَ شَرطًا، لَوَجَبَ الكَشْفُ عنها؛ لأنَّه مع الشّكِّ فيها يكونُ الشَّرْطُ مَشْكُوكًا فيه، فلا يَنعَقِدُ (١) النِّكاحُ، ولا تَحِلُّ المرأةُ مع الشَّكِّ في صِحَّةِ نِكَاحِها. وإن حَدَث الفِسْقُ فيهما، لم يُؤثِّرْ في صِحَّةِ النِّكاحِ؛ لأنَّ الشَّرْطَ إنَّما يُعْتَبَرُ حالةَ العَقْدِ. ولو أقَرَّ رجلٌ وامرأة أنَّهما نَكَحَا بوَلِيٍّ وشاهِدَيْ عَدْلٍ، قُبِلَ منهما، وثَبَت النَّكاحُ بإقْرارِهما (٢). الثالثُ العَقْلُ، فلا يَنْعَقِدُ بشَهادَةِ مَجْنُونَين ولا طِفْلَين؛ لأنَّهما ليسا مِن أهلِ الشَّهادَةِ، ولا لهما قولٌ يُعْتَبَرُ. الرابعُ البُلُوغُ، فلا يَنْعَقِدُ بشهادةِ صَبِيَّين؛ لأنَّهما ليسا مِن أهلِ الشَّهادَةِ، أشْبَها الطِّفْلَ. (و) عنه، أنَّه يَنْعَقِدُ بشَهادَةِ (مُراهِقَين عاقِلَين) بِناءً على أنَّهما مِن أهلِ الشَّهادَةِ. الخامسُ، الإِسْلامُ، فلا يَنْعَقِدُ النَّكاحُ بشهادةِ كافِرَين، سَواءٌ كان الزَّوْجان مُسْلِمَين، أو الزَّوْجُ مُسْلِمًا وحدَه. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ الشافعِيِّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا كانتِ المرأةُ ذِمِّيَّةً، صَحَّ بشَهادَةِ ذِمِّيَّين. ويَتَخرَّجُ لنا مثلُ ذلك، بِناءً على الرِّوايةِ التي تقولُ بقَبُولِ شَهادَةِ بعضِ أهلِ الذِّمَّةِ على بعض. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ، وشَاهِدَيْ عَدْلٍ». ولأنَّه نِكاحُ مُسْلِم، فلم يَنْعَقِدْ بشهادةِ ذِمِّيَّين، كنِكاحِ المُسْلِمَين.
стр. 9777
وَعَنْهُ، يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ فَاسِقَينِ، وَرَجُلٍ وَامْرأتَينِ، وَمُرَاهِقَينِ
ــ
فصل: ويَنْعَقِدُ بشَهادَةِ ضَرِيرَين. وللشَّافِعِيَّةِ في ذلك وَجْهان. ولَنا، أنَّها شهادة على قولٍ، فقُبِلَتْ مِن الضَّرِيرِ، كالشَّهادةِ بالاسْتِفاضَةِ. ويُعْتَبَرُ أن يَتَيَقَّنَ الصَّوْتَ على وَجْهٍ لا يَشُكُّ فيهما، كما يَعْلَمُ ذلك مَن رآهما. ويَنْعَقِدُ بشهادةِ عَبْدَين. وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: لا يَنْعَقِدُ. والخِلافُ في ذلك مَبْنِيٌّ على الخلافِ في قَبُولِ شَهادَتِهِما في سائِرِ الحُقُوقِ، وسنَذْكُرُ ذلك في مَوْضِعِه إن شاءَ الله (وعنه، يَنْعَقِدُ بحُضُورِ فاسِقَين) وقد ذَكَرْنا ذلك (ورجل وامْرأَتين) ظاهِرُ المذهبِ أنَّ النِّكاحَ لا يَنْعَقِدُ برجل وامْرأَتينِ. وهو قولُ النَّخَعِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ. وعن أحمدَ أنَّه قال: إذا تَزَوَّجَ بشَهادَةِ نِسْوَةٍ، لم يَجُزْ، فإن كان معهنَّ رجلٌ، فهو أهْوَنُ. فيَحْتَمِلُ أنَّ هذا رِوايةٌ أُخْرى في انْعِقادِه بذلك. وهو قولُ أصحابِ الرَّأي. ويُرْوَى عن الشَّعْبِيِّ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فانْعَقَدَ (١) بشَهادَتِهِنَّ [مع الرِّجالِ] (٢)، كالبَيعِ. ولَنا، الخَبَرُ المَذْكُورُ، ولأنَّه عَقْدٌ ليس المَقْصُودُ منه المال، ويَحْضُرُه الرِّجالُ، فلم يُقْبَلْ فيه شهادةُ النِّساءِ، كالحُدُودِ، [ولهذا فارَقَ البَيع] (٣).
٣١٢٧ - مسألة: (و) عنه، [أنَّ النِّكاحَ] (٤) يَنْعَقِدُ بحُضُورِ
стр. 9778
عَاقِلَينَ.
ــ
(مُرَاهِقَين عاقِلَين) وقد ذَكَرْناه.
وَهَلْ يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ عَدُوَّينِ، أَو ابْنَيِ الزَّوْجَينِ أَو أَحدِهِمَا؟ عَلَى وَجْهَينِ. وَعَنْهُ، أنَّ الشَّهَادَةَ لَيسَتْ مِنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ.
ــ
٣١٣٠ - مسألة: وَهَلْ يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ عَدُوَّينِ، أَو ابْنَي الزَّوْجَينِ أَو أَحدِهِمَا؟ عَلَى وَجْهَينِ) أحَدُهما، ينْغقِدُ. اخْتارَه أبو عبدِ اللهِ بنُ بَطَّةَ؛ لعُمُومِ قولِه: «وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ». ولأنَّه يَنْعَقِدُ بهما نِكاحُ غيرِ هذا الزَّوْجِ، فانْعَقَدَ بهما نِكاحُه، كسائِرِء العُدُولِ. والثاني، لا يَنْعَقِدُ؛ لأنَّ العَدُوَّ لا تُقْبَلُ شَهادَتُه على عَدُوِّه، والابنَ لا تُقْبَلُ شهادَتُه لوالِدِه (وعنه، أنَّ الشَّهادَةَ ليست مِن شُرُوطِ النِّكاحِ) وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في ذلك. واللهُ أعلمُ.
стр. 9781
فَصْلٌ: الْخَامِسُ، كَوْنُ الرَّجُلِ كُفْئًا لَهَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ، فَلَوْ رَضِيَتِ الْمَرْأةُ وَالأوْلِيَاءُ بِغَيرِهِ، لَمْ يَصِحَّ.
ــ
فصل: قال الشيخُ، ﵀: (الخامِسُ، كَوْنُ الرجلِ كُفْئًا لها في إحْدَى الرِّوايتَين، فلو رَضِيَتِ المرأةُ والأوْلِياءُ بغيرِه، لم يَصِحَّ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في اشْتِراطِ الكَفاءَةِ لصِحَّةِ النِّكاحِ، فرُوِيَ عنه أنَّها شَرْطٌ؛ فإنَّه قال: إذا تَزَوَّجَ المَوْلَى العَرَبِيَّةَ فُرِّقَ بينَهما. وهذا قولُ سُفْيانَ. وقال أحمدُ في الرجلِ يَشْرَبُ الشَّرابَ: ما هو بكُفْءٍ لها، يُفَرَّقُ بينَهما. وقال: لو كان المُتَزَوِّجُ حائِكًا فَرَّقْتُ بينَهما؛ لقولِ عمرَ، رَضِيَ
стр. 9782
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللهُ عنه: لأمْنَعَنَّ تَزْويجَ (١) ذَواتِ الأحْسابِ إلَّا مِن الأكْفاءِ. رَواه الخَلَّالُ بإسْنادِه (٢). وعن أبي إسْحاقَ الهَمْدَانِيِّ، قال: خَرَجَ سَلْمانُ وجَرِيرٌ في سَفَرٍ، فأُقِيمَتِ الصلاةُ، فقال جَرِيرٌ لسَلْمانَ: تَقَدّمْ. فقال سَلْمانُ: بل أنتَ تَقَدَّمْ، فإنَّكُم -مَعْشَرَ العَرَبِ- لا نَتَقَدَّمُ في صَلاتِكِم ولا نَنْكِحُ نِساءَكم، إنَّ اللهَ فَضَّلَكمِ علينا بمُحَمَّدٍ ﷺ ، وجَعَلَه فيكم (٣). ولأنَّ التَّزْويجَ مع فَقْدِ الكَفاءَةِ تصَرُّفٌ في حَقِّ مَن يَحْدُثُ مِن (٤) الأوْلِياءِ بغيرِ إذْنِه، كما لو زَوَّجَها بغيرِ إذْنِها، فلم يَصِحَّ. وقد روَى الدَّارَقُطْنِيُّ (٥) عن النبيِّ ﷺ قال: «لَا [تُنْكِحُوا النِّسَاءَ] (٦) إلَّا الأَكْفَاءَ، وَلَا يُزَوِّجُهُنَّ إلَّا الْأَوْلِيَاءُ». إلَّا أنَّ ابنَ عبدِ البَرِّ قال (٧): هذا ضعيفٌ لا أصلَ له، ولا يُحْتَجُّ
стр. 9783
وَالثَّانِيَةُ، لَيسَ بِشَرْطٍ. وَهِيَ أَصَحُّ.
ــ
بمِثْلِه. فلو رَضِيَتِ المرأةُ والأوْلِياءُ بغيرِ كُفْءٍ، لم يَصِحَّ النِّكاحُ؛ لفَواتِ شَرْطِه. وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ. وإذا قُلْنا با شْتِراطِها، فإنَّما يُعْتَبَرُ وُجودُها حال العَقْدِ، فإن عُدِمَتْ بعدَه، لم يَبْطُلِ النِّكاحُ، فإن كانت مَعْدُومَةً حال العَقْدِ، فهو فاسِدٌ، حُكْمُه حكمُ العُقُودِ الفاسدةِ، على ما نَذْكُرُه إن شاءَ اللهُ تعالى (والثانيةُ، ليست شَرْطًا) في النِّكاحِ (وهي أصَحُّ) وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. رُوِيَ نحوُه عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وعُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ، وحَمَّادِ بنِ أبي سليمانَ، وابنِ سِيرِينَ، وابنِ عَوْنٍ، ومالكٍ، والشافعيِّ، أصحابِ الرَّأْي؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١). وقالت عائشةُ: إنَّ أبا حُذَيفَةَ بنَ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ تَبَنَّى سالمًا، وأنْكَحَه ابْنَةَ أخِيه هِنْدَ ابنَةَ الوَليدِ بنِ عُتْبَةَ، وهو مَوْلًى لامْرأةٍ مِن الأنْصارِ. أخْرَجَه البُخَارِيُّ (٢). وأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فاطمةَ بنتَ قَيسٍ أن
стр. 9784
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَنْكِحَ أُسامَةَ بنَ زَيدٍ مَوْلاه، فنَكَحَها بأمْرِه. مُتَّفَقٌ عليه (١). وزَوَّجَ أباه (٢) زيدَ بنَ حارثَةَ ابْنةَ عَمَّتِه (٣) زَينَبَ بنتَ جَحْشٍ الأسَدِيَّةَ (٤). وقال ابنُ مسعودٍ لأُخْتِه (٥): أنْشُدُكِ اللهَ أن لا (٦) تَتَزَوَّجِي (٧) إلَّا مُسْلِمًا، وإن كان أحْمَرَ رُومِيًّا، أو أسْوَدَ حَبَشِيًّا (٨). ولأنَّ الكَفاءَةَ لا تَخْرُجُ عن كَوْنِها حَقًّا للمرأةِ أو للأوْلِياء، أو لهما، فلم يُشْتَرَطْ وُجودُها، كالسَّلامَةِ مِن العُيُوب. ورُوِيَ أَنَّ أبا هِنْدٍ حَجَم النبيَّ ﷺ في اليَافُوخِ (٩)، فقال النَّبِيُّ ﷺ : «يا بَنِي بَيَاضَةَ، أنْكِحُوا أبَا هِنْدٍ، وأنْكِحُوا إلَيهِ». رَواه أبو داودَ (١٠)، إلَّا أن أحمدَ ضَعَّفَه، وأنْكَرَه إنْكارًا
стр. 9785
لَكِنْ إِنْ لَمْ تَرضَ الْمَرأةُ وَالأوْلِيَاءُ جَمِيعُهُمْ، فَلِمَنْ لَمْ يَرْضَ الْفَسْخُ،
ــ
شَدِيدًا. قال شَيخُنا (١): والصَّحِيحُ أنَّها غيرُ مُشْتَرَطَةٍ، وما رُوِيَ فيها يَدُلُّ على اعْتِبارِها في الجملةِ، ولا يَلْزَمُ منه اشتِراطُها.
٣١٣١ - مسألة: (لَكِنْ إن لم تَرْضَ المرأةُ والأوْلِياءُ جَمِيعُهم، فلمَن لم يَرْضَ الفَسْخُ) لأنَّ للزَّوْجَةِ ولكل واحدٍ مِن الأوْلِياءِ فيها حَقًّا، ومَن لم يَرْضَ منهم فله الفَسْخُ. ولذلك لمَّا زَوَّجَ رجلٌ ابْنَتَه مِن ابنِ أخِيه ليَرْفَعَ بها خَسِيسَتَه، جَعَلَ لها النبيُّ ﷺ الخِيارَ، فاخْتارَتْ ما صَنَعَ أبُوها (٢). ولو فُقِدَ الشَّرْطُ لم يَكُنْ لها خِيارٌ.
فصل: وإذا قُلْنا: ليست شَرْطًا. فرَضِيَتِ المرأةُ والأوْلِياءُ جَمِيعُهم، صَحَّ النِّكاحُ، وإن لم يَرْضَ بعضُهم، فقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ العَقْدَ يَقَعُ باطِلًا مِن أصْلِه، لأنَّ الكفاءةَ حَقٌّ لجميعِهم، والعاقِدُ مُتَصرِّفٌ فيها بغيرِ رِضاهُم، فلم يَصِحَّ، كتَصَرُّفِ الفُضُولِيِّ. وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ. وظاهِرُ (٣) المذهَبِ أنَّ العَقْدَ يَقَعُ صَحِيحًا، ويَثْبُتُ لمَن لم يَرْضَ الفَسْخ؛ لِما ذَكَرْنا مِنِ حديثِ المرأةِ التي رَفَعَتْ إلى النبيِّ ﷺ أنَّ أبَاها زَوَّجَها بغيرِ كُفْئِها (٤)، خيَّرها ولم يُبْطِلِ النِّكاحَ مِن أصْلِه. ولأنَّ العَقْدَ وَقَع بالإِذْنِ،
стр. 9786
فَلَوْ زَوَّجَ الْأبُ بِغَيرِ كُفْءٍ بِرِضَاهَا، فَلِلْإِخْوَةِ الْفَسْخُ. نَصَّ عَلَيهِ.
ــ
والنَّقصُ الموْجُودُ فيه لا يَمْنَعُ صِحَّتَه، وإنَّما يُثْبِتُ الخِيَارَ، كالعَيبِ مِن العُنَّةِ وغيرِها. فعلى هذه الرِّوايةِ، يَثْبُتُ الفَسْخُ لمَن لم يَرْضَ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا رَضِيَتِ المرأةُ وبعضُ الأوْلِياءِ، لم يَكُنْ لباقِي الأوْلِياءِ فَسْخٌ؛ لأنَّ هذا الحَقَّ لا يَتَجَزأُ، وقد أسْقَطَ بعضُ الشُّرَكاءِ بَعْضَه، فسَقَطَ جَمِيعُه، كالقِصاصِ. ولَنا، أنَّ كلَّ واحدٍ مِن الأوْلِياءِ يُعْتَبَرُ رِضاه، فلم يَسْقُطْ برِضَا غيرِه، كالمرأةِ مع الوَلِيِّ، فأمَّا القِصاصُ، فلا يَثْبُتُ لكلِّ واحدٍ كامِلًا، فإذا سَقَط بَعْضُه، تَعَذَّرَ اسْتِيفاؤُه، وههنا بخِلافِه، ولأنَّه لو زَوَّجَها بدُونِ مَهْرِ مِثْلِها، مَلَك الباقُونَ عندَهم (١) الاعْتِراضَ، مع أنَّه خالِصُ حَقِّها، فههُنا مع أنَّه حَقٌّ لهم أوْلَى.
٣١٣٢ - مسألة: (فلو زَوَّجَ الأبُ بغَيرِ كُفْءٍ برِضاها، فللإخْوَةِ الفَسْخُ. نَصَّ عليه) وقال مالكٌ، والشافعيُّ: ليس لهم فَسْخٌ إذا زَوَّجَ
وَالْكَفَاءَةُ، الدِّينُ وَالْمَنْصِبُ،
ــ
٣١٣٣ - مسألة: (والكَفاءَةُ؛ الدِّينُ والمَنْصِبُ) يَعْني بالمَنْصِبِ النَّسَبَ. اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في شَرْطِ الكفاءةِ، فعنه، أنَّها شَرْطان؛ الدِّينُ، والمَنْصِبُ، لا غيرُ. وعنه، أنَّها (١) خَمْسَةٌ؛ هذان، والحُرِّيَّةُ، والصِّناعَةُ، واليَسارُ. وذَكَر القاضي، في «المُجَرَّدِ» أنَّ فَقْدَ هذه الثَّلاثةِ لا يُبْطِلُ النِّكاحَ، رِوايةً واحدةً، إنَّما الرِّوايتان في الشَّرْطَين الأوَّلَين. قال: ويَتَوَجَّه أنَّ المُبْطِلَ عدَمُ الكفاءةِ في النَّسَبِ، لا غيرُ؛ لأنَّه نَقصٌ لازِم، وما عَدَاه غيرُ لازِمٍ، ولا يَتَعَدَّى نَقْصُه إلى الوَلَدِ. وذَكَر في «الجامِعِ» الرِّوايَتَين في جميعِ الشُّروطِ. وذَكَرَه أبو الخَطَّابِ أيضًا. وقال مالكٌ: الكفاءةُ في الدِّينِ لا غيرُ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٢): هذا جُمْلَةُ مذهبِ مالكٍ وأصْحابِه. وعن الشافعيِّ كقَوْلِ
стр. 9789
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مالكٍ، وقولٌ آخَرُ أنَّها الخَمْسَةُ التي ذكَرْناها، والسَّلامَةُ مِن العُيُوبِ الأرْبَعَةِ، فتكونُ سِتَّةً. وكذلك قولُ أبي حنيفةَ، والثَّوْرِيِّ، والحسنِ بنِ حَيٍّ (١)، إلَّا في الصَّنْعَةِ، والسَّلامَةِ مِن العُيُوبِ. ولم يَعْتَبِرْ محمدُ بنُ الحسنِ الدِّينَ إلَّا أن يكونَ ممَّن يَسْكَرُ ويَخْرُجُ ويَسْخَرُ منه الصِّبْيانُ، فلا يكونُ كُفْئًا؛ لأنَّ الغالِبَ على الجُنْدِ (٢) الفِسْقُ، ولا يُعَدُّ ذلك نَقْصًا. والدَّلِيلُ على اعْتِبارِ الدِّينِ قولُ اللهِ تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ (٣). ولأنَّ الفاسِقَ مَرْذُولٌ مَرْدُودُ الشَّهادَةِ والرِّوايةِ،
стр. 9790
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غيرُ مَأْمُونٍ على النَّفْسِ والمالِ، مَسْلُوبُ الولايَاتِ، ناقِصٌ عندَ اللهِ وعندَ خَلْقِه، قليلُ الحَظِّ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، فلا يَجُوزُ أن يكونَ كُفْئًا لعَفِيفَةٍ، ولا مُساويًا لها، لكنْ يكونُ كُفْئًا لمِثْلِه. فأمَّا الفاسِقُ مِن الجُنْدِ (١)، فهو ناقِصٌ عندَ أهل الدِّينِ والمُرُوءاتِ. والدَّليلُ على اعْتِبارِ النَّسَبِ في الكَفاءَةِ قولُ عمرَ: لأمنَعَنَّ تَزْويجَ (٢) ذَواتِ الأحْسَابِ إلَّا مِن الأكْفاءِ. قال: قلتُ: وما الأكْفاءُ؟ قال: في الحَسَبِ. رَواه أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ
стр. 9791
فَلَا تُزَوَّجُ عَفِيفَةٌ بِفَاجِرٍ، ولَا عَرَبِيَّةٌ بِعَجَمِيٍّ.
وَالْعَرَبُ بَعْضهُمْ لِبَعْضٍ أكْفَاءٌ، وَسَائِرُ النَّاسِ بَعْضُهُمْ
ــ
بإسْنادِه (١). ولأنَّ العَرَبَ يَعُدُّونَ الكَفاءَةَ في النَّسَبِ، ويَأْنَفُونَ مِن نِكاحِ المَوَالِي، ويَرَوْنَ ذلك نَقْصًا وعارًا، فإذا أُطْلقَتِ الكفاءةُ، وَجَب حَمْلُها على المُتَعارَفِ، ولأنَّ في فَقْدِ ذلك نَقْصًا وعارًا، فوَجَبَ أن يُعْتَبَرَ في الكفاءةِ كالدِّينِ. فعلى هذا (لا تُزَوَّجُ عَفِيفَةٌ بفاجِرٍ) لِما ذكَرْنا (ولا عَرَبِيَّةٌ بِعَجَمِيٍّ) فلا يكونُ المَوْلَى ولا العَجَمِيُّ كُفئًا لعَرَبَيَّةٍ بم لِما ذَكَرْنا مِن قولِ عمرَ، ﵁. وقال سَلْمانُ لجرير: إنَّكم (٢) -مَعْشَرَ العربِ- لا نَتَقَدَّمُ في صلاتكم، ولا نَنْكِحُ نِساءَكُم، إنَّ اللهَ فَضَّلَكم علينا بمُحمدٍ ﷺ ، وجَعَلَه فيكهم (٣).
٣١٣٤ - مسألة: (العَرَبُ بعضُهم لبعضٍ أكْفَاءٌ، وسائِرُ النَّاسِ
стр. 9792
لِبَعْضٍ أكْفَاءٌ. وَعَنْهُ، لَا تُزَوَّجُ قُرَشِيَّةٌ لِغَيرِ قُرَشِيٍّ، وَلَا هَاشِمِيَّةٌ لِغَيرِ هَاشِمِيٍّ.
ــ
بعضُهم لبعضٍ أكْفاءٌ. وعنه، لا تُزَوَّجُ قُرَشِيَّةٌ لغيرِ قُرَشِيٍّ، ولا هاشِميةٌ لغَيرِ هاشِمِيٍّ) اخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، ﵀، في ذلك، فرُويَ عنه، أنَّ غيرَ قُرَيشٍ (١) لا يُكافِئُها، وغيرَ بني هاشم لا يُكافِئُهم. وهو قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعيِّ؛ لِما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ [أنَّه قال] (٢): «إنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قرَيشٍ بَنِي هَاشِمٍ، واصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» (٣). ولأنَ العَرَبَ فَضَلَتِ الأُمَمَ برسولِ اللهِ ﷺ ، وقُرَيشٌ أخَصُّ به مِن سائرِ العَرَبِ، وبنو هاشمٍ أخَصُّ به مِن قُرَيشٍ. ولذلك قال عثمانُ، وجُبَيرُ بنُ مُطْعِمٍ: إنَّ إخْوانَنا مِن بني هاشمٍ لا نُنْكِرُ فَضْلَهم علينا، لمَكانِكَ الذي وَضَعَكَ اللهُ به منهم (٤). وقال أبو حنيفةَ: لا يُكافِئ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لإِخْلالِه بنَفَقَتِها ومُؤْنَةِ أوْلادِه، ولهذا مَلَكَتِ الفَسْخَ بإخْلالِه بالنَّفَقَةِ، فكذلك إذا كان مُقارِنًا، ولأنَّ ذلك مَعْدُودٌ نَقْصًا في عُرْفِ النَّاسِ، يَتَفاضَلُونَ فيه كتَفاضُلِهم في النَّسَبِ وأْبلَغُ، قال نُبَيهُ بنُ الحَجَّاجِ السَّهْمِيُّ (١):
سألَتَانِي الطَّلاقَ أنْ رَأَتانِي ... قَلَّ مَالِي قد جِئْتُمانِي بِنُكْرِ
وَيكَأنْ مَنْ يَكُنْ (٢) لَهُ نَشَبٌ يُحـ ... ـبَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيشَ ضُرِّ (٣)
فكان مِن شُروطِ الكفاءَةِ، كالنَّسَب. والثانيةُ، ليس بشَرْطٍ؛ لأنَّ الفَقْرَ شَرَفٌ في الدِّينِ، وقد قال النبيُّ ﷺ : «اللَّهُمَّ أحْيِني مِسْكِينًا، وأمِتْنِي مِسْكِينًا» (٤). وليس هو لازِمًا، فأشْبَهَ العافِيَةَ مِن المرَضِ. واليَسَارُ المُعْتَبَرُ ما يَقْدِرُ به على الإِنْفاقِ عليها، حَسَبَ ما يَجِبُ لها، ويُمْكِنُه أداءُ مَهْرِها. وأمَّا الصِّناعَةُ، ففِيها أيضًا رِوَايتان؛ إحْداهما، أنَّها شَرْطٌ، فمَن كان مِن أهلِ الصَّنائِعِ الدَّنِيئَةِ؛ كالحائِكِ، والحَجَّامِ، والحارِسِ،
стр. 9798
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والكَسَّاحِ، والدَّبَّاغِ، [وقَيِّمِ الحَمّامِ] (١)، والزَّبَّالِ، فليس بكُفْءٍ لبناتِ ذوي المُرُوءاتِ، كأصحابِ الصَّنائِعِ الجَلِيلَةِ، كالتِّجارَةِ والبِنايَةِ؛ لأنَّ ذلك نَقْصٌ في عُرْفِ النَّاسِ، فأشْبَهَ نَقْصَ النَّسَبِ، وقد جاءَ في حديثٍ: «العَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْض أكْفَاءٌ، إلَّا حَائِكًا أو حَجَّامًا» (٢). قيلَ لأحمدَ: وكيفَ تَأْخُذُ به وأنتَ تُضَعِّفُه؟ قال: العَمَلُ عليه. يعني أنَّه وَرَد مُوافِقًا لأهْلِ العُرْفِ. ورُوِيَ أنَّ ذلك ليس بنَقْصٍ. ويُرْوَى نحوُ ذلك عن أبي حنيفةَ؛ لأنَّ ذلك ليس بنَقْصٍ في الدِّينِ، ولا هو لازِمًا، فأشْبَهَ الضَّعْفَ والمرَضَ، قال بَعْضُهم (٣):
ألَا إنَّما التَّقْوَى هي العِزُّ والكَرَمْ ... وحُبُّكَ للدُّنْيَا هو الذُّلُّ والسَّقَمْ
ولَيسَ على عَبْدٍ تَقِيٍّ نَقِيصَةٌ ... إذا حَقَّقَ التَّقْوَى وإن حَاكَ أو حَجَمْ
وأما السَّلامةُ مِن العُيوبِ، فليست مِن شُروطِ الكفاءَةِ، فإنَّه لا خِلافَ في (٤) أنَّه لا يَبْطُل النِّكاحُ بها، ولكنَّها تُثْبِتُ الخِيَارَ للمرأةِ دُونَ الأوْلِياءِ؛ لأنَّ ضَرَرَه يَخْتَصُّ بها. ولوَلِيِّها مَنْعُها مِن نِكاحِ المَجْذُوم والأبرَصِ والمَجْنُونِ، وما عدا هذا فليس بمُعْتَبَرٍ في الكفاءةِ.
стр. 9799
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ومَن أسْلَمَ أو عَتَقَ مِن العَبِيدِ، فهو كُفْءٌ لمَن له أبَوان في الإِسْلامِ والحُرِّيَّةِ. وقال أبو حنيفةَ: ليصر بكُفْءٍ. ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّ الصَّحابةَ أكْثَرُهُم أسْلَمُوا، وكانوا أفْضَلَ الأمَّةِ، فلا يَجُوزُ أن يُقال: إنَّهم غيرُ أكْفاءٍ للتَّابِعِينَ.
فصل: ووَلَدُ الزِّنَى قد قيل: إنَّه كُفْءٌ لذاتِ نَسَب. وعن أحمدَ أنَّه ذُكِر له أنَّه يَنْكِحُ ويُنْكَحُ إليه، فكأنَّه لم يُحِبَّ ذلك؛ لأنَّ المرأةَ تُعَيَّرُ (١) به هي وأوْلِياؤُها، ويَتَعَدَّى ذلك إلى وَلَدِها، وليصر هو كُفْئًا للعَرَبِيَّةِ بغَيرِ إشْكالٍ فيه؛ لأنَّه أدْنَى حالًا مِن المَوْلَى.
فصل: والمَوالِي أكْفاءٌ بعضُهم لبعضٍ، وكذلك العَجَمُ، قال أحمدُ، في رجل مِن بَنِي هاشمٍ له مَوْلَاةٌ: يُزَوِّجُها (٢) الخراسانِيَّ، وقولُ النبيِّ ﷺ : «مَوْلَى القَوْمِ مِنْهم» (٣). هو في الصَّدَقَةِ، فأمَّا في النِّكاحِ، فلا. وذَكَر القاضي رِوايةً عن أحمدَ، أنَّ مَوْلَى
стр. 9800
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القَوْمِ يُكَافِئُهم؛ لهَذا الخَبرِ، ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَوَّجَ زَيدًا وأُسَامَةَ عَرَبِيَّتَين (١)، ولأنَّ مَوالِيَ بَنِي هاشمٍ ساوَوْهُم في حِرْمَانِ الصَّدَقَةِ، فساوَوْهُم في الكَفاءَةِ. وهذا لا يَصِحُّ؛ فإنَّه يُوجِبُ أن يكونَ المَوَالِي أكْفَاءً للعربِ، فإنَّ المَوْلَى إذا كانَ كُفْءَ سَيِّدِه، كان كُفْئًا لِمَن يُكَافِئُه سيدُه، فيَبْطُلُ اعْتِبارُ المَنْصِبِ، ولهذا لا يُساوُونهم في اسْتِحْقاقِ الخُمْسِ، ولا في الإِمامةِ، ولا في الشَّرَفِ، وأمّا زَيدٌ وأسامةُ، فقد اسْتُدِلَّ بِنكاحِهِما عَرَبِيَّتين على أنَّ فَقْدَ الكَفاءَةِ لا يُبْطِلُ النِّكاحَ، واعْتَذَرَ أحمدُ عن تَزْويجهما بأنَّهُما مِن كَلْبٍ، فهما عَرَبيَّان، وإنَّما طَرَأَ عليهِما رِقٌّ. فعلى هذا، يكَونُ حُكْمُ كُلِّ عَرَبِيِّ الأصْلِ كذلك.
فصل: فأمَّا أهْلُ البِدَعِ، فإنَّ أحمدَ قال في الرَّجُلِ يُزَوِّجُ الجَهْمِيَّ: يُفَرَّقُ بينَهما. وكذلك إذا زَوَّجَ الوَاقِفِيَّ، إذَا كان يُخاصِمُ ويَدْعُو، وإذا زَوَّجَ أُخْتَه مِن هؤلاءِ اللَّفْظِيَّةِ، وقد كَتَب الحديثَ، فهذا شَرٌّ مِن جَهْمِيٍّ، يُفرَّقُ بينَهما. وقال: لا يُزَوِّجُ بِنْتَه مِن حَرُورِيٍّ مَرَق مِن الدِّينِ، ولا مِن الرَّافِضِيِّ، ولا مِنَ القَدَرِيِّ، فإذا كان لا يَدْعُو، فلا بَأْسَ. وقال: مَن لم يُرْبعْ (٢) بعليٍّ في الخلافةِ، فَلَا تُناكِحُوه، ولا تُكَلِّمُوه. قال القاضي: المُقَلِّدُ منهم يَصِحُّ تَزْويجُه، ومَن كان دَاعِيَةً منهم، فلا يَصِحُّ تَزْويجُه.