الْقِسْمُ الثَّالِثُ، الْمُحَرَّمَاتُ بِالْمُصَاهَرَةِ، وَهُنَّ أرْبَعٌ؛ أُمَّهَاتُ
ــ
(القسمُ الثالثُ، تَحْرِيمُ المُصَاهَرَةِ، وهُنَّ أرْبَعٌ؛ أُمَّهاتُ النِّساءِ) فمَن تَزَوجَ امرأةً حَرُمَ عليه كلُّ أُمٍّ لها مِن نَسَبٍ أو رَضَاعٍ، قَرِيبَةٍ أو بَعِيدَةٍ، بمُجَرَّدِ العَقْدِ. نَصَّ عليه أحمدُ وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم ابنُ مسعودٍ، وابنُ عمرَ، وجابرٌ، وعِمْرانُ بنُ حُصَينٍ، وكثيرٌ مِن التابعين. وبه يقولُ مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرأي. وحُكِيَ عن عليٍّ، ﵁، أنَّها لا تَحْرُمُ إلَّا بالدُّخُولِ بابْنَتِها، كما لا تَحْرُمُ ابْنَتُها إلَّا بالدُّخُولِ بها. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾. والمَعْقُودُ عليها مِن نِسائِه، فتَدْخُلُ أُمُّها في عُمُومِ الآيةِ. قال ابنُ عباسٍ: أبْهِمُوا ما أبْهَمَ القرآنُ (١). يعني عَمِّمُوا حُكْمَها في كلِّ حالٍ، ولا تَفْصِلُوا بينَ المَدْخُولِ بها وبينَ غيرِها. وروَى عمرُو بنُ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه،
стр. 9808
نِسَائِهِ، وَحَلَائل آَبائِهِ
ــ
أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَن تَزَوَّجَ امْرَاةً فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِهَا، لَا بَأْسَ أن يَتَزَوَّجَ رَبِيبَتَه، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها». رَواه أبو حَفْصٍ بإسْنادِه (١). وقال زَيدٌ: تَحْرُمُ بالدُّخُولِ أو بالموتِ؛ لأنَّه يَقُومُ مَقامَ الدُّخُولِ. وقد ذَكَرْنا ما يُوجِبُ التَّحْرِيمَ مُطْلَقًا، سَواءٌ وُجِدَ الدُّخُولُ أو الموتُ أو لم يُوجَدْ، ولأنَّها حَرُمَتْ بالمُصاهَرَةِ بقولٍ مُبْهَمٍ، فحَرُمَت بنَفْسِ العَقْدِ، كحَلِيلةِ الابْنِ والأبِ. الثانيةُ (حَلائِلُ الآباءِ) يَعْنِي أزْوَاجَهم، سُمِّيَتِ امرأةُ الرَّجُلِ حَلِيلَةً؛ لأنَّها مَحَلُّ إزارِ زَوْجِها، وهي مُحَلَّلَةٌ له، فتَحْرُمُ على الرجلِ امرأةُ أبِيه، قَرِيبًا كان أو بَعيدًا، وارِثًا أو غيرَ وارِثٍ، مِن نَسَبٍ أو رَضاعٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢). وقال البَراءُ بنُ عازِبٍ: لَقِيتُ خَالِي ومعه الرَّايَةُ، قال: أرْسَلَنِي رسولُ اللهِ ﷺ إلى رجلٍ تَزَوَّجَ امرأةَ أبيه مِن بعدِه، أن أضْرِبَ عُنُقَه أو أَقتُلَه. رَواه النَّسَائيُّ (٣). وفي رِوَايةٍ: لَقِيتُ عَمِّيَ
стр. 9809
وَأَبْنَائِهِ، فَيَحْرُمْنَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ دُونَ بَنَاتِهِنَّ،
ــ
الحارِثَ بنَ عمرٍو، [ومعه الرَّايَةُ] (١). فذَكَرَ الخَبَرَ. رَواه كذلك سعيدٌ، وغيرُه (٢). وسَواءٌ في هذا امرأةُ أبيه، أو امرأةُ جَدِّه لأبِيه، وجَدِّه لأُمِّه، قَرُبَ أم بَعُدَ، وليس في هذا بينَ أَهلِ العلمِ اخْتِلافٌ فيما عَلِمْنا. وتَحْرُمُ عليه (٣) مَن وَطِئَها أبوه بمِلْكِ يَمِين أو شُبْهَةٍ، كما يَحْرُمُ عليه مَن وَطِئَها في عَقْدِ نِكاحٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: المِلْكُ في هذا والرَّضَاعُ بمَنْزِلَةِ النَّسَبِ، ومِمَّن حَفِظْنا ذلك عنه؛ عطاءٌ، وطاوسٌ، والحسنُ، وابنُ سيرينَ، ومكحولٌ، وقَتادَةُ، والثوريُّ، والأوزاعِيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي، ولا نَحْفَظُ عن [أحَدٍ خِلافَهم] (٤) الثالثةُ، حَلائِلُ الأبْناءِ، فتَحْرُمُ على الرجلِ زَوْجَةُ ابْنِه، وابْنِ ابْنَتِه، مِن نَسَبٍ أو رَضاعٍ، قريبًا كان أو بعيدًا، بمُجَرَّدِ العَقْدِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾. ولا نَعْلَمُ في هذا خلافًا. ولا تَحْرُمُ بَناتُهنَّ، فيَحِلُّ له نِكاحُ رَبِيبَةِ ابْنِه وأَبيه؛
стр. 9810
وَالرَّبَائِبُ؛ وَهُنَّ بَنَاتُ نِسَائِهِ اللَّاتِي دَخَلَ بِهِنَّ دُونَ الَّلاتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ،
ــ
لقولِه تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (١). الرابعةُ، بناتُ النِّسَاءِ اللَّاتِي دَخَل بِهِنَّ، وهُنَّ الرَّبَائِبُ، فلا يَحْرُمْنَ إلَّا بالدُّخُولِ بأُمَّهاتِهِنَّ، وهُنَّ كُل بِنْتٍ للزَّوْجَةِ، مِن نَسَبٍ أو رَضاعٍ، قريبةً أو بعيدةً، وارِثَةً أو غيرَ وارثةٍ، على حَسَبِ ما ذَكَرْنا في البناتِ، فإذا دَخَل بالأُمِّ، حَرُمَتْ عليه، سَواءٌ كانت في حِجْرِه، أو لم تَكُنْ في حِجْرِه، [في قول عامَّةِ الفُقَهاءِ، إلَّا أنَّه رُوِيَ عن عمرَ، وعلي، ﵄، أنَّهما رَخَّصا فيها إذا لم تَكُنْ في حِجْرِه] (٢). وهو قولُ داودَ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾. قال ابنُ المُنذِرِ: وقد أجْمَعَ علماءُ الأمْصارِ على خِلافِ هذا القَوْلِ. وذَكَرْنا حديثَ عمرِو بنِ شُعَيبٍ في
стр. 9811
فَإِنْ مِتْنَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَهَلْ تَحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
هذا، وقال النبيُّ ﷺ [لأُمِّ حَبِيبَةَ] (١): «لا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أخَوَاتِكُنَّ» (٢). ولأنَّ التَّرْبِيَةَ (٣) لا تَأْثِيرَ لها في التَّحْرِيمِ، كسائِرِ المُحَرَّماتِ. فأمَّا الآيَةُ، فلم تَخْرُجْ مَخْرَجَ الشَّرْطِ، وإنَّما وَصَفَها بذلك تَعْريفًا لها بغالبِ حالِها، وما خَرَجِ مَخْرَجَ الغالبِ، لا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بمَفهُومِه. وإن لم يَدْخُلْ بالمرأةِ، لم تحْرُمْ عليه بناتُها، في قولِ عامَّةِ علماءِ الأمصارِ، إذا بانتْ مِن نِكاحِه.
٣١٣٦ - مسألة: (فإن مِتْنَ قبلَ الدُّخُولِ، فهل تَحْرُمُ بَناتُهُنَّ؟ على رِوايَتَين) إحْدَاهُما، تَحْرُمُ ابْنَتُها. وبه قال زيدُ بنُ ثابتٍ. وهي اختيارُ
стр. 9812
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبي بكرٍ؛ لأنَّ المَوْتَ أُقِيمَ مُقامَ الدُّخُولِ في تَكْمِيلِ العِدَّةِ والصَّداقِ، فيَقُومُ مَقامَه في تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ. والثانيةُ، لا تَحْرُمُ. وهو قولُ عليٍّ، وعامَّةِ العلماءِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عَوامُّ علماءِ الأمصارِ، أنَّ الرجلَ إذا تَزَوَّجَ المرأةَ ثم طَلَّقَها، أو ماتَتْ قَبْلَ أن يَدْخُلَ بها، حَلَّ له أن يَتَزَوَّجَ ابْنَتَها، كذلك قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، ومَن تَبِعَهم؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾. وهذا نَصٌ يُتْرَكُ بقياسٍ ضعيفٍ، وقد ذَكَرْنا حديثَ عمرِو بنِ شُعَيبٍ، ولأنَّها فُرْقَةٌ قَبْلَ الدُّخولِ، فلم تُحَرِّمِ الرَّبِيبَةَ،
стр. 9813
وَيَثْبُتُ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ بِالْوَطْءِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ،
ــ
كفُرْقَةِ الطَّلاقِ، والموتُ لا يَجْرِي مَجْرَى الدُّخولِ في الإِحْصانِ والإحْلالِ، وقيامُه مَقامَه مِن وَجْهٍ ليس بأَولَى مِن مُفارَقَتِه إيَّاه مِن وَجْهٍ آخَرَ، ولو قام مَقَامَه مِن كلِّ وَجْهٍ فلا يُتْرَكُ صَرِيحُ (١) نصِّ اللهِ تعالى و (٢) نَصِّ رسولِه لقياس ولا غيرِه. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الدُّخُولَ بها وَطْؤُها، كنى عنه بالدُّخُولِ، فإن خَلَا بها ولم يَطَأْها، لم تَحْرُم ابْنَتُها؛ لأنَّها غيرُ مَدْخولٍ بها.
٣١٣٧ - مسألة: (ويَثْبُتُ تَحْرِيمُ المُصَاهَرَةِ بالوَطْءِ الحَلالِ
стр. 9814
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والحَرامِ) فإذا زَنَى بامرأَةٍ حَرُمَتْ على أبِيه وابْنِه، وحَرُمَتْ عليه أُمُّها وابْنَتُها، كما لو وَطِئَها بشُبْهَةٍ أو حَلالًا. ولو وَطِئَ أُمَّ امْرأتِه أو ابْنَتَها، حَرُمَتْ عليه امرأتُه. نَصَّ أحمدُ على هذا في روايةِ جماعةٍ. ورُوِيَ نحوُ ذلك عن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ. وبه قال الحسنُ، وطاوسٌ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وإسْحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي. ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أنَّ وَطْءَ الحَرام لا يُحَرِّمُ (١). وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ويَحْيىَ بنُ يَعْمُرَ، وعُرْوَة، والزُّهْرِي، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لِما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لَا يُحَرِّمُ الحَرَامُ الحَلَال» (٢). ولأنَّه وَطْءٌ لا تَصِيرُ به المَوْطُوءَةُ فِرَاشًا، [فلا يُحَرِّمُ] (٣)، كوَطْءِ الصَّغِيرةِ. ولَنا، قولُه سبحانَه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. والوَطْءُ يُسَمَّى نِكاحًا، قال الشاعرُ:
إذا زَنَيتَ فأجِدْ نِكاحًا
стр. 9815
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيَدْخُلُ في عُمُومِ الآيَةِ، وفي الآيَةِ قَرِينةٌ تَصْرِفُه إلى الوَطْءِ، وهو قولُه سبحانَه: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. وهذا التَّغْلِيظُ إنَّما يكونُ في الوَطْءِ. ورُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لَا يَنْظُرُ الله إلى رَجُلٍ نَظَرَ إلى فَرْجِ امْرأةٍ وابْنَتِها» (١). وروَى الجُوزْجانِيُّ بإسنادِه عن وَهْبِ بنِ مُنَبِّهٍ قال: مَلْعُونٌ مَن نَظَر [إلى فَرْجِ] (٢) امرأةٍ وابْنَتِها (٣). فذَكَرْتُه لسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، فأعْجَبَه. ولأنَّ ما تَعَلَّقَ مِن التَّحْرِيمِ بالوَطْءِ المُباحِ (٤)، تَعَلَّقَ بالمَحْظُورِ، كوَطْءِ الحائِضِ، ولأنَّ النِّكاحَ عَقْدٌ يُفْسِدُه الوَطْءُ بالشُّبْهَةِ، فأفْسَدَه الوَطْءُ الحَرامُ، كالإحْرامِ. وحَدِيثُهم لا نَعْرِفُ صِحَّتَه، وإنَّما هو مِن كلام ابنِ أشْوَعَ (٥) بعضِ قُضاةِ العِراقِ، كذلك قال الإمامُ أحمدُ. وقيلَ: إنَّه مِن قولِ ابنِ عباسٍ. ووَطْءُ
стр. 9816
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصغيرةِ مَمْنُوعٌ، ثم (١) يَبْطُلُ بوَطْءِ الشُّبْهَةِ.
فصل: والوَطْءُ على ثلاثةِ أضْرُبٍ، مُباحٌ، وهو الوَطْءُ مِن نِكاحٍ صحيح أو مِلْكِ يمينٍ، فيَتَعَلَّقُ به تَحْرِيمُ المُصاهَرَةِ بالإِجْماعِ، ويصيرُ مَحْرَمًا لمَن حَرُمَتْ عليه؛ لأنَّها حَرُمَتْ عليه على التَّأْبِيدِ بسَبَبٍ مُباحٍ، أشْبَهَ النَّسَبَ. الثاني، الوَطْءُ بالشُّبْهَةِ، وهو الوَطْءُ في نِكاح فاسِدٍ، أو شِراءٍ فاسِدٍ، أو وَطْءُ امرأةٍ ظَنَّها امرأتَه أو أمَتَه، أو وَطْءُ الأمَةِ التي له (٢) فيها شِرْكٌ، وأشباهُ ذلك، فيَتَعَلَّقُ به التَّحْرِيمُ كتَعَلُّقِه بالوَطْءِ المُباحِ إجماعًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ
стр. 9817
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على أنَّ الرجلَ إذَا وَطِئ امرأةَ بنِكاح فاسِدٍ أو شِراءٍ فاسِدٍ، أنَّها تَحْرُمُ على أبِيه وابْنِه، وأجْدادِه ووَلَدِ وَلَدِه. وهذا مذهبُ مالكٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي، لأنَّه وَطْءٌ يَلْحَقُ به النَّسَبُ، فأثْبَتَ التَّحْرِيمَ، كالوَطْءِ المُباحِ. ولا يَصِيرُ به الرجلُ مَحْرَمًا لمَن حَرُمَتْ عليه، ولا يُباحُ له النَّظَرُ إليها بذلك، لأنَّ (١) الوَطْءَ ليس بمُباحٍ، والمَحْرَمِيَّةُ تَتَعَلَّقُ بكَمالِ حُرْمَةِ الوَطْءِ؛ لأنَّها إباحَةٌ، ولأنَّ المَوْطُوءَةَ لم يَسْتَبِحِ النَّظَرَ إليها، فلأن لا يَسْتَبِيحَ النَّظَرَ إلى غيرِها به (٢) أَولَى. الثالثُ، الحَرَامُ المَحْضُ، وهو الزِّنى، فيَثْبُتُ به التَّحْرِيمُ، على الخِلافِ المذكورِ، ولا تَثْبُتُ به المَحْرَمِيَّةُ، ولا إباحَةُ النَّظرَ؛ لأنَّها إذا لم تَثْبُتْ بوَطء الشُّبْهَةِ، فبالحَرامِ المَحْضِ أوْلى، ولا يَثْبُتُ به النَّسَبُ، ولا يَجِبُ به المَهْرُ للمُطاوعَةِ إذا كانت حُرَّةً.
стр. 9818
فَإِنْ كَانَتِ الْمَوْطُوءَةُ مَيِّتَةً أوْ صَغِيرَةً، فَعَلَى وَجْهَينِ،
ــ
فصل: ويَسْتَوي في ذلك الوَطْءُ في القُبُلِ والدُّبُرِ؛ لأنَّه يَتَعَلَّقُ به التَّحْرِيمُ إذا وُجِدَ في الزَّوجَةِ والأَمَةِ، فكذلك في الزِّنَى.
٣١٣٨ - مسألة: (فإن كانتِ المَوْطُوءَةُ مَيِّتَةً أو صَغِيرَةً) لا يُوطَأُ مِثْلُها (فعلى وَجْهَين) أحَدُهما، أنَّ وَطْءَ المَيِّتَةِ يَنْشُرُ (١) الحُرْمَةَ؛ لأنَّه مَعْنًى يَنْشُرُ الحُرْمَةَ المُؤَبَّدَةَ، فلم يَخْتَصَّ بالحَياةِ، كالرَّضاعِ. والثاني، لا يَنْشُرُها. وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّه ليسَ بسَبَبٍ للبَضْعِيَّةِ، ولأنَّ التَّحْرِيمَ يَتَعَلَّقُ باسْتِيفاءِ مَنْفَعَةِ الوَطْءِ،
стр. 9819
وَإنْ بَاشَرَ امْرَأَةً أَوْ نَظَرَ إِلَى فَرْجِهَا، أَوْ خَلَا بِهَا لِشَهْوَةٍ، فَعَلَى رِوَايَتَينِ،
ــ
والموتُ يُبْطِلُ المَنافِعَ. وأمَّا الرَّضاعُ، فيُحَرِّمُ؛ لِما (١) يَحْصُلُ به مِن إنْباتِ اللَّحْمِ وإنْشازِ العَظْمِ، وهذا يَحْصُلُ مِن لَبَنِ المَيِّتَةِ. وفي وَطْءِ الصغيرةِ أيضًا وَجْهان، أحَدُهما، يَنْشُرُ. وهو قولُ أبي يُوسُفَ، لأنَّه وَطْءٌ لآدَمِيَّةٍ حَيَّةٍ في القُبُلِ، أشْبَهَ وَطْءَ الكبيرةِ (٢). والثاني، لا يَنْشُرُها. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه ليس بسَبَب للبَضْعِيَّةِ (٣)، أشْبَهَ وَطْءَ المَيِّتَةِ.
٣١٣٩ - مسألة: (وإن باشَرَ امرأةً، أو نَظَر إلى فَرْجِها، أو خَلَا بها لشَهْوَةٍ، فعلى رِوايَتَين) إذا باشَرَ فيما دونَ الفَرْجِ لغيرِ شَهْوةٍ، لم يَنْشُرِ
стр. 9820
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحُرْمَةَ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه. وإن كان لشهوةٍ، وكان في أجْنَبِيَّةٍ، لم يَنْشُرِ الحُرْمَةَ أيضًا. قال الجُوزْجانِيُّ: سألتُ أحمدَ عن رجلٍ نَظَر إلى أُمِّ امْرَأَتِه مِن شهوةٍ، أو قَبَّلَها، أو باشَرها. فقال: أنا أقُولُ: لا يُحَرِّمُه شيءٌ مِن ذلك إلَّا الجماعُ. وكذلك نَقَل أحمدُ بنُ القاسمِ، وإسحاقُ بنُ منصورٍ. وإن كانتِ المُباشَرَةُ لامرأةٍ مُحَلَّلَةٍ له، كامرأتِه ومَمْلُوكَتِه، لم تَحْرُمْ عليه ابْنَتُها. قال ابنُ عباسٍ: لا يُحَرِّمُ الرَّبِيبَةَ إلَّا الجِماعُ (١). وبه قال طاوُسٌ، وعمرُو بنُ دِينارٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾. وهذا ليس بدُخُولٍ، فلا يُتْرَكُ النَّصُّ الصريحُ مِن أجْلِه. وأمَّا تَحْرِيمُ أُمِّها، وتَحْرِيمُها على أبي الرجلِ المباشِرِ لها، وابنِه، فإنَّها في النِّكاحِ تَحْرُمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ قبلَ المباشَرَةِ، فلا يَظْهَرُ للمُباشَرَةِ أثَرٌ. وأمَّا الأمَةُ، فمتى باشَرَها دُونَ الفَرْجِ لشَهْوَةٍ، فهل يَثْبُتُ تَحْرِيمُ المُصاهَرَةِ؟ فيه رِوايتَان؛ إحدَاهما، يَنْشُرُها. رُوِيَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وابنِ عَمْرٍو، ومَسْرُوقٍ. وبه قال القاسمُ، والحسنُ، ومكحولٌ، والنَّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ، وعليُّ بنُ المَدِينِيِّ. وهو أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّه نوْعُ اسْتِمْتاعٍ، فيَتَعَلَّقُ به
стр. 9821
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَحْرِيمُ المُصاهَرَةِ، كالوَطْءِ. والثانيةُ، لا يَثْبُتُ بها التَّحْرِيمُ؛ لأنَّها مُلامَسَة لا تُوجِبُ الغُسْلَ، فلم يَثْبُتْ بها التَّحْرِيمُ، كما لو لم تَكُنْ لشَهْوةٍ (١)، ولأنَّ ثُبوتَ التَّحريمِ إمَّا أن يكونَ بنَصٍّ أو قِياسٍ على المَنْصُوصِ، ولا نَصَّ في هذا، ولا هو في معنى المنْصوصِ عليه ولا المُجْمَعِ عليه، فإنَّ الوَطْءَ يَتَعَلَّقُ به مِن الأحْكامِ اسْتِقْرارُ المَهْرِ، والإحْصانُ، والاغْتِسالُ، والعِدَّةُ، وإفْسادُ الإحْرامِ والصِّيامِ، بخِلافِ اللَّمْسِ. وذَكَر أصحابُنا الرِّوايَتَين في جيعِ الصُّوَرِ مِن غيرِ تَفْصِيلٍ. قال شيخُنا (٢): وهذا الذي ذَكَرْنا أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: ومَنْ نَظرَ إلى فَرْجِ امرأةٍ لشَهْوةٍ فهو كَلَمْسِها لشهوةٍ، فيه
стр. 9822
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أيضًا رِوايَتان؛ إحْدَاهما، يَنْشُرُ الحُرْمَةَ في مَوْضِعِ يَنْشُرُها اللَّمْسُ. رُوِيَ عن عمرَ، وابنِ عمرَ، وعامرِ بنِ رَبِيعَةَ (١)، وكان بَدْرِيًّا، وعبدِ اللهِ بِنِ عمرٍو، في مَن يَشْتَرِي الخادِمَ، ثم يُجَرِّدُها أو يُقَبِّلُها، لا يحِلُّ لابنِه (٢) وَطْؤُها. وهو قولُ القاسمِ، والحسنِ، ومجاهدٍ، ومكحولٍ، وحمادِ بنِ أبي سليمانَ، وأبي حنيفةَ؛ لِما روَى عبدُ الله بنُ مسعودٍ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ نَظَرَ إلى فَرْجِ امْرَأةٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُمُّها وَبِنْتُها» (٣). وفي رِوَايةٍ: «لا يَنْظُرُ اللهُ إلى رَجُلٍ نَظَرَ إلى فَرْجِ امْرَأَةٍ وابْنَتِها» (٣) والثانيةُ، لا يَتَعَلَّقُ به التَّحْرِيمُ. وهو قول الشافعيِّ، وأكثرِ أهلِ العلمِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. ولأنَّه نَظَرٌ مِن غيرِ مُباشَرَةٍ، فلم يُوجِبِ التَّحْرِيمَ، كالنَّظَرِ إلى الوَجْهِ، والخَبرُ ضعيفٌ. قاله الدَّارَقُطْنِيُّ. وقيل: هو موقوفٌ على ابنِ مسعودٍ. ثم يَحْتَمِلُ أنَّه كَنَى بذلك عن الوَطْءِ. وأمَّا النَّظرُ إلى سائرِ البَدَنِ، فلا يَنْشُر حُرْمَة. وقال بعضُ أصحابِنا: لا فَرْقَ بينَ النظر إلى الفَرْجِ وسائِرِ البَدَنِ
стр. 9823
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لشَهْوةٍ. والصحيحُ خِلافُ هذا، فإنَّ غيرَ الفَرْجِ لا يُقاسُ عليه؛ لِما بينَهما مِن الفَرْقِ. ولا خِلافَ نَعْلَمُه في أنَّ النَّظَرَ إلى الوَجْهِ لا يُثْبِتُ الحُرْمَةَ، فكذلك غيرُه، ولا خِلافَ أيضًا في (١) أنَّ النَّظَرَ إذا وَقَع مِن غيرِ شَهْوَةٍ لا يَنْشُرُ الحُرْمَةَ؛ لأنَّ اللَّمْسَ الذي هو أبْلَغُ منه، لا يُؤثِّرُ إذا لم يَكُنْ لشهوةٍ، فالنَّظَرُ أَوْلَى. ومَوْضِعُ الخِلافِ في اللَّمْسِ والنَّظَرِ في مَن بَلَغَتْ تِسْعَ سنينَ فما زادَ، فأمَّا الطِّفْلَةُ فلا يَثْبُتُ فيها ذلك. وقد رُوِيَ عن أحمدَ في بِنْتِ سَبْعٍ: إذا قَبَّلَها حَرُمتْ عليه (١) أُمُّها. قال القاضي: هذا عندي مَحْمولٌ على السِّنِّ الذي تُوجَدُ معه الشَّهْوةُ.
فصل: فإن نَظَرَتِ المرأةُ إلى فَرْجِ رجلٍ لشَهْوَةٍ، فحكمُه في التَّحْرِيم حكمُ نَظَره إليها. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه مَعْنًى يُوجِبُ التَّحْرِيمَ، فاسْتَوَى فيه الرجلُ والمرأةُ، كالجِماعِ. وكذلك يَنْبَغِي أن يكونَ حكمُ لَمْسِها له وقُبْلَتِها إيّاه لشَهْوَةٍ؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: والصَّحيحُ أنَّ الخَلْوَةَ بالمرأةِ لا تَنْشُرُ الحُرْمَةَ. وقد رُوِيَ عن أحمدَ: إذا خَلَا بالمرأةِ وَجَب الصَّداقُ والعِدَّةُ، ولا يَحِلُّ له أن يَتَزَوَّجِ أُمَّها وابْنَتَها. قال القاضي: هذا مَحْمُولُ على أنَّه حَصَل مع الخَلْوَةِ مُباشرَةٌ.
стр. 9824
وَإنْ تَلَوَّطَ بِغُلَامٍ، حَرُمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُمُّ الْآخَرِ وَابْنَتُهُ. وَعِنْدَ أبِي الْخَطَّابِ، هُوَ كَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ.
ــ
فيُخَرَّجُ كلامُه على إحْدَى الرِّوايَتَين اللَّتَين ذَكَرْناهما، فأمَّا مع خُلُوِّهِ مِن ذلك، فلا يُؤثِّرُ في تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ؛ لِما في ذلك مِن مُخالفَةِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾. وأمَّا الخَلْوَةُ بأجْنَبِيَّةٍ أو أمَتِه، فلا تَنْشُرُ تَحْرِيمًا. لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
٣١٤٠ - مسألة: (ومَن تَلَوَّطَ بغُلامٍ، حَرُمَ على كلِّ واحدٍ منهما أُمُّ الآخَرِ وابْنَتُه) قاله بعضُ أصحابِنا، قال: ونَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ الأوْزَاعِيِّ؛ لأنَّه وَطْءٌ في الفَرْجِ، فنَشَرَ الحُرْمَةَ، كوَطْءِ المرأةِ، ولأنَّها بنْتُ مَن وَطِئَه أو أُمُّه، فحَرُمَتا عليه، كما لو كانتِ المَوْطُوءَةُ أُنْثَى. وقال أَبو الخَطَّابِ: يكونُ ذلك (١) كالمُباشرَةِ فيما دُونَ الفَرْجِ، فيكون فيه
стр. 9825
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرِّوايَتان. والصحيحُ أنَّ هذا لا يَنْشُرُ الحُرْمَةَ (١)، فإنَّ هؤلاء غيرُ مَنْصُوصٍ عليهنَّ في التّحْرِيمِ، فيَدْخُلْن في عُمومِ قولِه تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. ولأنَّهُنَّ غيرُ مَنْصوصٍ عليهنَّ، ولا هنَّ في معنى المَنْصُوصِ عليه، فوَجَبَ أن لا يَثْبُتَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ فيهِنَّ، فإنَّ المَنْصُوصَ عليهنَّ في هذا حلائِلُ الأبناءِ ومَن نَكَحَهُن الآباءُ، وأمهاتُ النساءِ وبناتُهُنَّ، وليس هؤلاءِ منهنَّ، ولا في مَعْناهُنَّ؛ لأنَّ الوَطْءَ في المرأَةِ يكونُ سَبَبًا للبَضْعِيَّةِ، ويُوجِبُ المَهْرَ، ويَلْحَقُ به النَّسَبُ، وتَصِيرُ به المرأةُ فِرَاشًا، ويُثْبِتُ أحكامًا لا يُثْبِتُها اللِّواطُ، فلا يَجُوزُ إلْحاقُه بهنَّ؛ لعَدَمِ العِلَّةِ، وانْقِطاعِ الشَّبَهِ، ولذلك لو أرْضَعَ الرجلُ طِفْلًا، لم يَثْبُتْ به حُكْمُ التَّحْرِيمِ، فههُنا أوْلَى. وإن قُدِّرَ بينَهما شَبَهٌ مِن وَجْهٍ ضَعِيفٍ، فلا يجوزُ تَخْصِيصُ عُمومِ الكتابِ به، واطِّرَاحُ النَّصِّ بمِثْلِه.
стр. 9826
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويَحْرُمُ على الرجلِ نِكاحُ بِنْتِه مِن الزِّنَى، وأُخْتِه، وبِنْتِ ابْنِه، وبنتِ بِنْتِه، وبنتِ أخِيه (١) وأُخْتِه مِن الزِّنَى، في قولِ عامَّةِ الفُقَهاءِ. وقال مالكٌ، والشافعيُّ في المشهورِ مِن مَذْهَبِه: يجوزُ ذَلِك (٢)؛ لأنَّها أجْنَبيَّةٌ منه، لا تُنْسَبُ إليه شَرْعًا، ولا يَجْرِي التَّوارُثُ بينَهما، ولا تَعْتِقُ عليه إذا مَلَكَها، ولا تَلْزَمُه نَفَقَتُها، فلم تَحْرُمْ عليه، كسائِرِ الأجانبِ. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾. وهذه بِنْتُه، فإنَّها أُنْثَى (٣) مَخْلُوقَةٌ مِن مائِه، وهذه حقيقةٌ لا تَخْتَلِفُ بالحِلِّ والحُرْمَةِ، و (٤) يَدُلُّ على ذلك قولُ النبيِّ ﷺ في امرأةِ هِلَالِ بنِ أُمَيَّة (٥): «انْظُرُوهُ» يَعْنِي وَلَدَها «فَإنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَي صِفَةِ كذا فَهُوَ لشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ». يعني الزَّانِيَ (٦). ولأنَّها مخلوقةٌ مِن مائِه، فأشْبَهَتِ المخلوقةَ مِن وَطْءِ الشُّبْهَةِ، ولأنَّها بَضْعَةٌ منه، فلم تَحِلَّ له، كبنْتِه مِن النِّكاحِ، وتَخَلُّفُ بعضِ الأحْكامِ لا يَنْفِي كَوْنَها بِنْتًا، كما لو تَخَلَّفَ لرِقٍّ أو اخْتِلافِ دِينٍ. إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بينَ عِلْمِه بكَوْنِها منه، مثلَ أن يَطَأَ امرأةً في طُهْرٍ
стр. 9827
الْقِسْمُ الرَّابِعُ، الْمُلَاعِنَةُ تَحْرُمُ عَلَى الْمُلَاعِنِ عَلَى التَّأْبِيدِ، إلا أَنْ يُكْذِبَ نَفْسَهُ، فَهَلْ تَحِلُّ له؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
لم يُصِبْها فيه غيرُه، ثم يَحْفَظَها حتى تَضَعَ، أو يَشْتَرِكَ جماعةٌ في وَطْءِ امرأةٍ، فتَأْتِيَ بوَلَدٍ لا يُعْلَمُ هل هو منه أو مِن غيرِه؟ فإنَّها تَحْرُمُ على جميعِهِم لوَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّها بِنْتُ مَوْطُوءَتِهم. والثاني، أنّا نَعْلَمُ أنَّها بِنتُ بَعْضِهم، فتَحْرُمُ على الجميعِ، كما لو زَوَّجَ الوَلِيَّان ولم يُعْلَمِ السَّابِقُ منهما. وتَحْرُمُ على أولادِهِم؛ لأنَّها أختُ (١) بعْضِهم غيرَ معلومٍ، فإن ألحَقَتْها القافةُ بأحَدِهم، حَلَّتْ لأولادِ الباقِين.
(القسمُ الرابعُ، المُلَاعِنَةُ، تَحْرُمُ على المُلاعِنِ على التَّأْبِيدِ) أمَّا إذا لم يُكْذِبْ نفْسَه، فلا نَعْلَمُ أحدًا قال بخِلافِ ذلك إلَّا قولًا شاذًّا، فإن
стр. 9828
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أكْذَبَ نَفْسَه، فالمَشْهُورُ في المذهبِ أنَّها بَاقِيَةٌ على التَّحْرِيمِ المُؤبَّدِ. وعن أحمدَ رِواية شاذَّة، أنَّها تَحِلُّ له، وتَعُودُ فِراشًا له، إذَا لم يَكنْ وُجِدَ منه ما يُبينُها (١)؛ لأنَّه رَجَع عن المَعْنَى المُحَرّمِ، فزَال التَّحْرِيمُ، ولذلك
стр. 9829
فَصْل: الضَّرْبُ الثَّانِي، الْمُحَرَّمَاتُ إِلَى أَمَدٍ، وَهُنَّ نَوْعَانٍ؛ أَحدُهُمَا، المُحَرَّمَاتُ لأجْلِ الْجَمْعِ، فَيَحْرُمُ الْجَمْعُ بَينَ الأُخْتَينَ،
ــ
يُحَدُّ ويَلْحَقُه نَسَبُ الوَلَدِ، وهذه الرِّوايَةُ شَذَّ بها حَنْبَلٌ عن أصحابِه، وتفَرَّدَ بها، والعَمَلُ على الرِّوايةِ الأُولَى، وهذا يذْكَرُ في بابِ اللِّعَانِ مَبْسُوطًا، إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: قال الشيخُ، ﵀: (الضَّرْبُ الثَّانِي، المُحَرَّماتُ إلى أمَدٍ، وهُنَّ نَوْعان؛ أحدُهما، المُحَرَّماتُ لأجْلِ الجَمْعِ، فيَحْرُمُ الجَمْعُ بينَ الأُخْتَين) سَواء كَانَتَا مِن نَسَبٍ أو رَضاعٍ، حُرَّتَين كانَتَا أو أمَتَين، أو حُرَّةً وأَمةً، مِن أبَوَين كانَتا أو مِن أَبٍ أو أُمٍّ، وسَواءٌ
стр. 9830
وَبَينَ الْمَرأةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالتِهَا،
ــ
في هذا ما قبلَ الدُّخُولِ أو بعدَه؛ لعُمُومِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ﴾.
٣١٤١ - مسألة: (و) يَحْرُمُ الجَمْعُ (بينَ المرأةِ وعَمَّتِها أو خالتِها) قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على القولِ به، وليس فيه بحمدِ اللهِ اخْتِلافٌ، إلَّا أنَّ بعضَ أهلِ البِدَعِ مِمَّن لا تُعَدُّ مُخالفَتُه خِلافًا، وهم الرَّافِضَةُ والخَوَارِجُ، لم يُحَرِّمُوا ذلك، ولم يَقُولُوا بالسُّنَّةِ الثَّابتَةِ عن رسولِ الله ﷺ . وهي ما روَى أبو هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَجْمَعُوا بَينَ المرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَينَ المَرْأَةِ وَخَالتِهَا». متفقٌ عليه (١). وفي روايةِ
стр. 9831
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبي داودَ (١): «لا تُنْكَحُ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا العَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخيها (٢)، ولا المَرْأَة على خَالتِها، ولا الخَالةُ على بِنْتِ أُخْتِها، لا تُنْكَحُ الكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى، ولا الصُّغْرَى على الكُبْرَى». ولأنَّ العِلَّةَ في تَحْرِيمِ الجَمْعِ بينَ الأُخْتَين إيقاعُ العَداوَةِ بينَ الأقارِبِ، وإفْضاؤُه إلى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ المَحْرَم. فإنِ احْتَجُّوا بعُمُومِ قولِه سبحانَه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. خَصَصْنَاه بما رَوَيناه. وبَلَغَنا أنَّ رَجُلَين مِن الخَوَارِجِ أَتَيا عمرَ بنَ عبدِ العزيز، فكانَ مِمَّا أنْكَرَا عليه رَجْمُ الزَّانِيَين، والجمعُ بينَ المرأَةِ وعَمَّتِها، وبينَها (٣) وبينَ خَالتِها، وقَالا: ليس هذا في كتابِ اللهِ تعالى. فقال لهما: كم فَرَضَ الله عليكم مِن الصَّلاةِ (٤)؟ قالا:
стр. 9832
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خَمْسَ صَلَوَاتٍ في اليومِ واللَّيلةِ. وسَأَلهُما عن عَدَدِ رَكَعَاتِها، فأخْبَرَاه بذلك. وسأَلَهُما عن مِقْدَارِ الزَّكَاةِ ونُصُبِها، فأخْبَرَاه. فقال: وأين تجِدَان ذلك في كتابِ اللهِ؟ قالا: لا نَجِدُه في كتابِ اللهِ. قال: فَمِن أين صِرْتُما [إلى ذلك] (١)؟ فقالا: فَعَلَه رسولُ اللهِ ﷺ والمسلمون بعدَه. قال: فكذلك هذا. ولا فَرْقَ بينَ الخالةِ والعَمَّةِ، حقيقةً أو مَجازًا، كعَمَّاتِ آبائِها وخالاتِهِم، وعَمَّاتِ أُمَّهاتِها وخَالاتِهِنَّ، وإن عَلَتْ دَرَجتُهُنَّ، مِن نَسَبٍ كان ذلك أو رَضاعٍ، فكُلُّ شَخصَين لا يَجُوزُ لأحَدِهما أن يَتَزَوَّجَ الآخَرَ، لو كان أحَدُهما ذَكَرًا والآخَرُ أُنْثَى لأجْلِ القَرابَةِ، لا يَجُوزُ الجَمْعُ بَينَهما؛ لتَأْدِيَةِ ذلك إلى قَطْعِ الرَّحِمِ القَرِيبَةِ، لِما في الطِّباعِ مِن التَّنافُسِ والغَيرَةِ مِن الضَّرائرِ. ولا يجوزُ الجمعُ بينَ المرأةِ وأُمِّها في العَقْدِ؛ لِما ذَكَرْناه، ولأنَّ الأمَّ إلى ابْنَتِها أقْرَبُ مِن الأُختَين، فإذا لم يُجْمَعْ بينَ الأُختَين، فالمرأةُ وبِنْتُها أوْلَى.
стр. 9833
فَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدٍ، لَمْ يَصِحَّ،
ــ
فصل: ولا يَحْرُمُ الجمعُ بينَ ابْنَتَي العَمِّ، وابْنَتَي الخالِ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ لعَدَمِ النَّصِّ فيهما بالتَّحْرِيمِ، ودُخُولِهما في عُمُوم قولِه تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. ولأنَّ إحْدَاهما تَحِلُّ لها الأُخْرَى لو كانت ذَكَرًا. وفي كَراهَةِ ذلك رِوَايتان؛ إحْدَاهما، يُكْرَهُ. رُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ. وبه قال جابرُ بنُ زيدٍ، وعطاءٌ، والحسنُ، وسعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ. وروَى أبو حفص بإسنادِه عن عيسى بنِ طلحةَ قال: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ أن تُزَوَّجَ المرأةُ على ذي قَرابتِها، مَخافَةَ القَطِيعَةِ (١). ولأنه مُفْضٍ إلى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ المَأمُورِ بصِلَتِها، فأقَلُّ أحْوالِه الكَراهَةُ. والأُخْرَى، لا يُكْرَهُ. وهو قولُ سليمانَ بنِ يَسارٍ، والشَّعْبِيِّ، وحسنِ بنِ حسنٍ (٢)، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي عُبَيدٍ؛ لأنَّه ليست بينَهما قَرابة تُحَرِّمُ الجمعَ، فلا يَقْتَضِي كَراهَةً، كسائرِ الأقارِبِ.
٣١٤٢ - مسألة: (فإن جَمَع بينَهما في عَقْدٍ) واحدٍ (لم يَصِحَّ)
стр. 9834
وَإنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدَينِ، أَوْ تَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا فِي عِدَّةِ الأُخْرَى، سَوَاءٌ كَانَتْ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيَّةً، فَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ بَاطِلٌ.
ــ
[إذا جَمَعَ] (١) بَينَ الأخْتَين في عَقْدٍ واحدٍ (٢)، أو جَمَعَ بينَ المرأَة وعَمَّتِها أو خَالتِها في عَقْدٍ، فعَقَدَ (٣) عليهما معًا، لم يَصِحَّ العَقْدُ في واحدةٍ منهما؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تَصْحيحُه فيهما، ولا مَزِيَّةَ لأحَدِهما على الآخَرِ (٤)، فيَبْطُلُ فيهما، كما لو زُوِّجَتِ المرأةُ لِرَجُلَين (٥)، وكذا لو تَزَوَّجَ خَمْسًا في عَقْدٍ واحدٍ، بَطَل في الجميعِ لذلك.
٣١٤٣ - مسألة: (وإن تَزَوَّجَهما في عَقْدَين، أو تَزَوَّجَ إحداهما في عِدَّةِ الأُخْرَى، سَواءٌ كانت بائِنًا أو رَجْعِيَّةً، فنِكاحُ الثانيةِ باطِلٌ) أمّا
стр. 9835
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذا تَزَوَّجَهما في عَقْدَين وعَلِمَ الأُولَى منهما (١)، فَنِكاحُها (٢) صَحِيحٌ؛ لأنَّه لا جَمْعَ فيه، ونِكاحُ الثَّانِيةِ باطلٌ؛ لأنَّ الجمعَ يَحْصُلُ به، وبالعَقْدِ على الأُولَى تَحْرُمُ الثانيةُ، فلا يَصِحُّ عَقْدُه عليها حتى تَبِينَ الأولَى وتَنْقَضِيَ عِدَّتُها.
فصل: فإنْ لم يَعْلَمْ أُولاهما، فعليه فُرْقَتُهما بعًا. قال أحمدُ، في رَجُلٍ تَزَوَّجَ أُختَين، لا يَدْرِي أيَّتَهما تَزَوَّجَ أولًا: يُفَرَّقُ بينَه وبينَهما؛ لأنَّ إحْدَاهما مُحَرَّمَة عليه، ونِكاحُها باطلٌ، ولا يَعْرِفُ المُحلَّلَةَ له، فقد اشْتَبَها عليه، ونِكاحُ إحْدَاهما صَحِيحٌ، ولا تُتَيَقَّنُ بَينُونَتُها منه إلَّا بطَلاقِهما جميعًا أو فَسْخِ نِكاحِهِما، فوَجَبَ ذلك، كما لو زَوَّجَ الوَلِيَّان ولم يُعْرَفِ الأوَّلُ منهما. وإن أحَبَّ أن يُفارِقَ إحداهما، ثم يُجَدِّدَ عَقْدَ الأُخْرَى ويُمْسِكَها، فلا بَأْسَ، وسَواءٌ فَعَل ذلك بقُرْعَةٍ أو بغيرِها، ولا يَخْلُو مِن ثلاثةِ أقسامٍ؛
стр. 9836
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحدُها، أن لا يكونَ دَخَل بواحدةٍ منهما، فله أن يَعْقِدَ على إحداهما في الخالِ بعدَ فِراقِ الأُخْرَى. الثاني، إذا دَخَل بإحدَاهما، فإن أرادَ نِكاحَها فارَقَ التي لم يُصِبْها بطَلْقَةٍ، ثم تَرَك المُصابَةَ حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، ثم نَكَحَها؛ لأنَّنا لا نَأْمَنُ أن تكونَ هي الثانيةَ، فيكونَ قد أصابَها في نِكاحٍ فاسِدٍ، فلهذا اعْتَبَرْنا انْقِضاءَ عِدَّتِها. ويَحْتَمِلُ جَوازُ العَقْدِ عليها في الحالِ؛ لأنَّ النَّسَبَ لاحِقٌ به، فلا يُصانُ ذلك عن مائِه. فإن أحَبَّ نِكاحَ الأُخْرَى، فارَقَ المُصابَةَ بطَلْقَةٍ، ثم انْتَظَرَها حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، ثم تَزَوَّجَ أُخْتَها. القسمُ الثالثُ، إذا دَخَل بهما، فليس له نِكاحُ واحدةٍ منهما حتى يُفارِقَ الأخْرَى، وتَنْقَضِيَ عَدَّتُها مِن حِينِ فُرْقَتِها، وتَنْقَضِيَ عِدَّةُ الأُخْرَى مِن حِينَ أصابَها. وإن وَلَدَتْ منه (١) إحْدَاهما، أو هما جميعًا، فالنَّسَبُ [لاحِقٌ به] (٢)، لأنَّه إمَّا مِن نِكاحٍ صحيحٍ أو نِكاحٍ فاسدٍ، وكلاهما يَلْحَقُ النَّسَبُ فيه. وإن لم يُرِدْ نِكاحَ واحدةٍ منهما، فَارَقَهُما بِطَلْقَةٍ طَلْقةٍ.
فصل: فأمَّا المَهْرُ، فإن لم يَدْخُلْ بواحدةٍ منهما، فلإحْدَاهما نِصْفُ المَهْرِ، ولا نَعْلَمُ مَن يَسْتَحِقَّه منهما، فيَصْطَلِحان عليه، فإن لم يَفْعَلَا، أُقْرِعَ بينَهما، فكانَ لمَن خَرَجَتْ قُرْعَتها مع يَمِينِها. وقال أبو بكرٍ:
стр. 9837
وَإنِ اشْتَرى أُخْتَ امْرَأَتِهِ، أوْ عَمَّتَهَا، أوْ خَالتَهَا، صَحَّ، وَلَمْ يَحِلَّ
ــ
اخْتِياري أن يَسْقُطَ المَهْرُ إذا كان مُجْبَرًا على الطَّلاقِ قبلَ الدُّخُولِ. وإن دَخَل بواحدةٍ منهما أُقْرِعَ بينَهما، فإن وَقَعَتْ لغيرِ المُصابَةِ، فلها نِصْفُ المَهْرِ، وللمُصابةِ مَهْرُ المِثْلِ بما اسْتَحَلَّ مِن فَرْجِها، وإن وَقَعَتْ على المُصابةِ، فلا شيءَ للأُخرَى، وللمُصابَةِ المُسَمَّى جَمِيعُه. وإن أصابَهُما معًا (١)، فلإِحْدَاهما المُسَمَّى، وللأُخْرَى مَهْرُ المِثْلِ، يُقْرَعُ بينَهما فيه إن قُلْنا: الواجِبُ في النِّكاحِ الفاسِدِ مَهْرُ المِثْلِ. وإن قُلْنا بوُجُوبِ المُسَمَّى فيه، وَجَب ههُنا لكلِّ واحدةٍ (٢) منهما.
فصل: قال أحمدُ: إذا تَزَوَّجَ امرأةً، ثم تَزَوَّجَ أُخْتَها، ودَخَل بها (٣)، اعْتَزَلَ زَوْجَتَه حتى تَنْقَضِيَ عِدَّة الثَّانيةِ. إنَّما كان كذلك؛ لأنَّه لو أرادَ العَقْدَ على أُخْتِها في الحالِ، لم يَجُزْ له حتى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ المَوْطُوءَةِ، فكذلك (٤) لا يَجُوزُ له وَطْءُ امرأتِه حتى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ أخْتِها التي أصابَها.
٣١٤٤ - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى أُخْتَ امرأتِه، أو عَمَّتَها، أو خالتَها، صَحَّ) لأنَّ الشِّراءَ يُرادُ للاسْتِمْتاعِ ولغيرِه، ولذلك (٥) صَحَّ
стр. 9838
لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يُطَلِّقَ امْرأته وَتَنْقَضِيَ عِدَّتهَا، وَإنِ اشْتَرَاهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، صَحَّ،
ــ
شِراءُ مَن لا تَحِلُّ له، كالمَجُوسِيَّةِ وأُخْتِه مِن الرَّضاعِ (ولا يَحِلُّ له وَطْؤُها حتى يُطَلِّقَ امرأتَه وتَنْقَضِيَ عِدَّتُها) لِئَلَّا يكونَ جامعًا بينَهما في الفِراشِ، أو جامعًا ماءَه في رَحِمِ أُخْتَين، وذلك لا يَحِلُّ؛ لِما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ كَانَ يُومِنُ بِاللهِ وَاليَوْم الآخَرِ، فَلَا يَجْمَعْ مَاءَهُ في رَحِمِ أُخْتَينَ» (١).
٣١٤٥ - مسألة: (وإنِ اشْتَراهُنَّ في عَقْدٍ واحِدٍ، صَحَّ) لما ذَكَرْنا، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في ذلك. ولو اشْتَرَى جارِيَة ووَطِئَها، حَلَّ له شِراءُ أُخْتِها وعَمَّتِها وخالتِها، وقد ذَكَرْناه. كما يَحِلُّ (٢) له شِراءُ المُعْتَدَّةِ والمُزَوَّجَةِ، مع أنَّها لا تَحِلُّ له.
٣١٤٦ - مسألة: وله وَطْءُ إحْدَاهُما؛ لأنَّ الأُخْرَى لم تَصِرْ فِرَاشًا . وهذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. وقال الحكمُ، وحَمّادٌ: لا يَقْرَبُ واحِدَةً منهما. ورُوِيَ ذلك عن النَّخَعِيِّ. وذَكَرَه أبو الخطابِ مذهبًا لأحمدَ. ولَنا،
стр. 9839
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّه لم يَجْمَعْ بينَهما في الفِراشِ، فلم يَحْرُمْ (١)، كما لو كان في مِلْكِه إحْدَاهما وحْدَها.
فصل: وليس له الجَمْعُ بينَ الأُخْتَين مِن إمائِه في الوَطْءِ. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ الجماعةِ. وكَرِهَه عمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، وعمارٌ، وابنُ عمرَ، وابنُ مسعودٍ. ومِمَّن قال بتَحْرِيمِه؛ [عبدُ اللهِ بنُ عُتْبَةَ] (٢)، وجابرُ بنُ زيدٍ، وطاوُسٌ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ. ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أنَّه قال: أحلَّتْهُما آيَةٌ، وحَرَّمَتْهُما آيةٌ، ولم أكُنْ لأفْعَلَه. ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ أيضًا (٣). يُريدُ بالمُحَرِّمَةِ قولَه تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ﴾. وبالمُحَلِّلَةِ قولَه تعالى: ﴿إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ (٤). وروَى ابنُ منصورٍ عن أحمدَ، وسأله عن الجَمْعِ بينَ الأُخْتَين المَمْلُوكَتَين، أحَرامٌ هو؟ قال: لا [أقولُ حَرامٌ، ولكنْ يُنْهَى عنه. وظاهرُ هذا أنَّه مَكْرُوهٌ غيرُ مُحَرَّمٍ. وقال داودُ، وأهلُ الظاهرِ: لا] (٥) يَحْرُمُ. اسْتِدْلالًا بالآيةِ المُحَلِّلةِ؛ لأنَّ حُكْمَ الحَرائرِ في الوَطْءِ مُخالِفٌ لحُكْمِ الإِماءِ، ولهذا تَحْرُمُ الزيادةُ على أرْبَعٍ في الحَرائرِ، وتُباحُ في الإِمَاءِ بغيرِ حَصْرٍ. والمذهبُ تَحْرِيمُه؛ للآيةِ المُحَرِّمَةِ، فإنَّه يُرِيدُ بها الوَطْءَ والعَقْدَ جميعًا، بدليلِ أنَّ سائرَ المَذْكوراتِ
стр. 9840
فَإِنْ وَطِيء إِحدَاهُمَا، لَمْ تَحِلَّ لَهُ الأخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ الأولَى بِإِخْرَاجٍ عَنْ مِلْكِهِ أَوْ تَزْويجٍ، وَيَعلَمَ أنها لَيسَتْ بِحَامِل.
ــ
في الآيةِ يحرُمُ وَطْؤهُنَّ والعقدُ عليهنَّ، وآيةُ الحِلِّ مَخْصُوصَةٌ بالمُحَرَّماتِ جميعِهِنَّ، وهذه منهُنَّ، ولأنَّها امرأةٌ صارت فِراشًا، فحَرُمَتْ أُخْتُها، كالزَّوْجَةِ.
٣١٤٧ - مسألة: (فإنْ وَطِيء إحدَاهُما، فليس له وَطْءُ الأخْرَى حتى يُحَرِّمَ المَوْطوءَةَ على نَفْسِه بإخْرَاج عن مِلْكِه أو تَزْويج) هذا قولُ علي، وابنِ عمرَ، والحسنِ، والأوْزاعِيِّ، وإسحاقَ، والشافعي. فإن رَهنَها، لم تَحِلَّ له أخْتُها؛ لأنَّ مَنْعَه مِن وَطْئِها لحقِّ المُرتَهِنِ لا لتَحرِيمِها، ولهذا يَحِلُّ له بإذْنِ المرتَهِنِ فيه، ولأنَّه يَقْدِرُ على فَكِّها متى شاءَ واسْتِرجاعِها إليه. وقال قتادةُ: إنِ اسْتَبْرَأها، حَلَّتْ له أخْتُها؛ لأنَّه قد زال فِراشُه، ولهذا لو أتَتْ بوَلَدٍ، فنَفَاه بدَعوَى الاسْتِبْراءِ انْتَفَى، فأشْبَه ما لو زَوَّجَها. ولَنا، قولُ علي، وابنِ عمرَ، ولأنَّه لم يَزُلْ مِلْكُه عنها، ولا حِلُّها له، فأشْبَه ما لو وُطِئَتْ بشُبْةٍ فاسْتَبْرَأها مِن ذلك الوَطْءِ، ولأنّ