← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 9906–9945 · переход к 9911.

стр. 9906

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للمتزَوِّجِ (١)، فيقولَ له: زَوَّجْتُكَهُما. فيَقْبَلُ ذلك، فالمنصوصُ صِحَّةُ نِكاحِ الأجْنَبيَّةِ، فيما ذَكَره الخِرَقِيّ. ونَصَّ في مَن تَزَوَّجَ حُرَّةً وأمَةً، أنَّه يَثْبُتُ نِكاحُ الحُرَّةِ، ويُفارِقُ الأمَةَ. وذَكَر شيخُنا (٢) فيه رِوَايَتَين؛ إحداهما، يَفْسُدُ فيهما. وهو أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ، [واختيارُ أبِي بكرٍ] (٣)؛ لأنَّه عَقْدٌ واحدٌ جَمَع حَلالًا وحَرامًا، فلم يَصِحَّ، كما لو جَمَع بينَ أُخْتَين. والثانيةُ، يَصِحُّ في الحُرَّةِ. وهي أظهرُ الرِّوايَتَين. وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأي؛ لأنَّها مَحَلٌّ قابِلٌ للنِّكاحِ، أُضِيفَ إليها عَقْدٌ صادِرٌ مِن أهْلِه، لم يَجْتَمِعْ معها فيه مِثْلُها، فصَحَّ، كما لو انْفَرَدَتْ به، وفارَقَ العَقْدَ على الأخْتَين؛ لأنَّه لا مَزِيَّةَ [لإِحداهما على الأُخْرَى] (٤)، وهاهُنا قد تَعَيَنّتِ التي بَطَل النِّكاحُ فيها. فعلى هذا القولِ،

стр. 9907

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يكونُ لها مِن المُسَمَّى بقِسْطِ مَهْرِ مِثْلِها منه. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ لها نِصْفَ المُسَمَّى. وأصْلُ هذين الوَجْهَين، إذا تَزَوَّجَ امرأتين يجوزُ له نِكاحُهُما بمَهْرٍ واحدٍ، هل يكونُ بينَهما على قَدْرِ صَدَاقِهِما، أو نِصْفَين؟ على وَجْهَين، يَأتِي ذِكْرُهما إن شاء الله تَعالى. فصل: ولو تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً ومَجُوسِيَّةً، أو مُحَلَّلَةً [ومُحَرَّمةً] (١)، في عقدٍ واحدٍ، فَسَدَ في المَجوسِيَّةِ والمُحَرَّمَةِ، وفي الأُخْرَى وَجْهان. وإن نَكَح أرْبَعَ حَرَائِرَ وأمَةً، فَسَد في الأمَةِ، وفي الحَرائِرِ وَجْهان. وإن نَكَح العَبْدُ حُرَّتَين وأمَةً، بَطَل نِكاحُ الجميعِ. وإن تَزَوَّجَ امرأةً وابْنَتَها فَسَد فيهما؛ لأنَّ الجمعَ بينَهما مُحَرَّمٌ، فلم يَصِحَّ فيهما (٢)، كالأُختَين.

стр. 9908

وَمَنْ حَرُمَ نِكَاحُهَا، حَرُمَ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِين، إلا إِمَاءَ أهْلِ الْكِتَابِ. ــ ٣١٧١ - مسألة: (و) كلُّ (مَن حَرُم نِكاحُها حَرُم وَطْؤُها بمِلْكِ اليمينِ، إلَّا إماءَ أهْلِ الكتابِ) الكلامُ في هذه المسألةِ في فصلَين؛ أحدُهما، أنَّ إماءَ (١) أهلِ الكتاب حَلالٌ. وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا الحسنَ، فإنَّه كَرِهَه؛ لَأنَّ الأمَةَ الكِتابِيَّةَ يَحْرُمُ نِكاحُها، فحَرُمَ التَّسَرِي بِها، كالمَجُوسِيَّةِ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَو مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ﴾ (٢). ولأنَّها مِمَّن يَحِلُّ نِكاحُ حَرائِرِهم، فحَلَّ له التَّسَرِي بِها، كالمُسْلِمَةِ. فأمَّا نِكاحُها، فيَحْرُمُ؛ لأنَّ فيه إرْقاقَ وَلَدِه، وإبْقَاءَه مع كافِرَةٍ، بخِلافِ التَّسَرِي. الفصلُ الثاني، أنَّ مَن حَرُمَ نِكاحُ حَرائِرِهم مِن المَجُوسِيَّاتِ وسائرِ الكَوافِرِ سِوَى أهلِ الكتابِ، لا يُبَاحُ وَطْءُ الإماءِ منهنَّ بمِلْكِ اليمينِ. في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الزُّهْرِيُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٣): على هذا جَماعَةُ فُقَهاءِ الأمصارِ، وجمهورُ العلماءِ، وما خالفَه فشُذُوذٌ لا يُعَدُّ خِلافًا، ولم يَبْلُغْنا إباحَةُ ذلك إلَّا عن طاوُسٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ

стр. 9909

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ (١). وقولِه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ (٢) الآية. وروَى أبو سعيدٍ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بَعَث يَوْمَ حُنَينٍ (٣) بَعْثًا قِبَلَ أوْطَاسٍ (٤)، فأصابُوا لهم سَبَايَا، [فكان ناسٌ] (٥) مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ تَحَرَّجُوا مِن غِشْيَانِهِنَّ مِن أجْلِ أزواجهنَّ مِن المشْرِكِينَ، فأنْزَلَ اللهُ في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾. قال: فهُنَّ لهم حلالٌ إذا انْقَضَتْ عِدَّتُهنَّ. وعنه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال في سَبَايَا أوْطاسٍ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا [غَيرُ ذَاتِ حَمْلٍ] (٦) حتَّى تَحِيضَ حَيضَةً». رَواهما أبو داودَ (٧). وهذا حديثٌ (٨) صحيحٌ. وهم

стр. 9910

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَبَدَةُ أوْثَانٍ وهذا ظاهرٌ في إباحَتِهِنَّ، ولأنَّ الصحابةَ في عصرِ النبيِّ ﷺ كان أكثرُ سَبَايَاهُم مِن كُفَّارِ العَرَبِ، وهم عَبَدَةُ الأوثانِ، فلم يكُونُوا يَرَوْنَ تَحْرِيمَهُنَّ ذلك، ولا نُقِلَ عن النبيِّ ﷺ تَحْرِيِمُهُنَّ، ولا أمَرَ الصحابةَ باجْتِنَابِهِنَّ، وقد دَفَع أبو بَكْرٍ إلى سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ امرأةً مِن بعضِ السَّبْيِ، نَفَلَه إيَّاها، وأخَذَ عمرُ وابنُه مِن سَبْي هَوازِنَ، وكذلك غيرُهما مِن الصحابةِ، وأُمُّ محمدِ بنِ الحَنَفِيَّةِ مِن سَبْي بَنِي حنيفةَ، وأخَذَ الصَّحابةُ سَبَايَا فارِسَ، وهم مَجُوسٌ، فلم يَبْلُغْنا أنّهم اجْتَنَبُوهُنَّ، وهذا ظاهِرٌ في إباحَتِهِنَّ، لولا اتِّفَاقُ سائِرِ أهلِ العلمِ على خِلافِه. وقد أجَبْتُ عن حديث أبي سعيدٍ بأجْوبَةٍ، منها، أنَّه يَحْتَمِلُ أنَّهُنَّ أسْلَمْنَ، كذلك رُوِيَ عن أحمدَ، حينَ سَألَه محمدُ بنُ الحَكَمِ، قال: قلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: فهَوازِنُ (١): أليسَ كانوا عَبَدَةَ أوثانٍ؟ قال: لا أدْرِي، كانوا أسْلَمُوا (٢) أو لا. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: إباحَةُ وَطْئِهِنَّ مَنْسُوخَةٌ بقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٣).

стр. 9911

فَصْلٌ: وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُ خُنْثَى مُشْكِلٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أمْرُهُ. نَصَّ عَلَيهِ. وَقَال الْخِرَقِيّ: إِذَا قَال: أنَا رَجُلٌ. لَمْ يُمْنَعْ مِنْ نِكَاحِ النِّسَاء، وَلَمْ يَكُنْ لَهْ أَنْ يَنْكِحَ بِغَيرِ ذَلِكَ بَعْدُ، وَإنْ قَال: أنَا امْرأةٌ. لَمْ يَنْكِحْ إلّا رَجُلًا. ــ فصل: قال الشيخُ، ﵀: (ولا يَحِلُّ نِكاحُ خُنْثَى مُشْكِلٍ حتى يَتَبَيَّنَ أمرُه. نَصَّ عليه) في رِوايةِ المَيمُونِيِّ. وذَكَرَه أبو إسحاقَ مذهبًا للشافعيِّ؛ وذلك لأنَّه لم يَتَحَقَّقْ وُجُودُ ما يُبِيحُ له النِّكاحَ، فلم يُبَحْ له، كما لو اشْتَبَهَتْ عليه أُخْتُه بنِسْوَةٍ، ولأنَّه قد اشْتَبَهَ المُباحُ بالمحظورِ في حَقِّه، فحَرُمَ؛ لِما ذَكَرْنا (وقال الخِرَقِي: إذَا قال: أنا رجلٌ. لم يُمْنَعْ مِن نِكاحِ النِّساءِ، ولم يَكُنْ له أن يَنْكِحَ بغيرِ ذلك بعدُ، وإن قال: أنا امرأةٌ. لم يَنْكِحْ إلَّا رجلًا) وذلك لأنَّه لا يَخْلُو مِن أن يكُونَ رَجلًا أو امرأةً، قال اللهُ تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (٢). فليس ثَمَّ خَلْقٌ ثالثٌ.

стр. 9912

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإذا كان مُشْكِلًا لم يَظْهَرْ فيه علاماتُ الرجالِ ولا النِّساءِ، فقد اخْتَلَف فيه أصحابُنا، واختارَ الخِرَقِيُّ، أنَّه يُرْجَعُ إلى قولِه، فإن (١) ذَكَر أنَّه رجلٌ، وأنَّه يَمِيلُ طَبْعُه إلى نِكاحِ النِّساءِ، فله نِكاحُهُنَّ، وإن ذَكَر أنَّه امرأةٌ، يَمِيلُ طبْعُه إلى الرجالِ، زُوِّجَ رجلًا؛ لأنَّه مَعْنًى لا يُتَوَصَّلُ إليه إلَّا مِن جِهَتِه، وليس فيه إيجابُ حَقٍّ على (٢) غيرِهِ، فقُبِلَ قولُه فيه، كما يُقْبَلُ قولُ المرأةِ في حَيضِها وعِدّتِها، وقد يَعْرِفُ نفْسَه بِمَيلِ طبعِه إلى أحدِ الصِّنْفَين، وشَهْوَتِه له، فإنَّ اللهَ تعالى أجْرَى العادَةَ في الحيواناتِ بِمَيل الذَّكَرِ إلى الأنْثَى، ومَيلها إليه، وهذا المَيلُ أمرٌ في النَّفْسِ والشَّهْوَةِ، لا يَطَّلِعُ عليه غيرُه، وقد تَعَذَّرَتْ علينا مَعْرِفَةُ عَلاماتِه الظاهرةِ، فيُرْجَعُ فيه إلى الأمورِ الباطِنَةِ فيما يَخْتَصُّ هو بحُكْمِه. وأمّا الميراثُ والدِّيَةُ، فإن أقَرَّ على نَفْسِه بما يُقَلِّلُ (٣) مِيراثَه أو دِيَتَه، قُبِلَ منه، وإنِ ادَّعَى ما يَزِيدُ ذلك،

стр. 9913

فَلَوْ تَزَوَّجَ امْرأةً ثُمَّ قَال: أنَا امْرَأَةٌ. انْفَسَخَ نِكَاحُهُ، ــ لم يُقْبَلْ، لأنَّه مُتَّهَم فيه فلا يُقْبَلُ قولُه على غيرِه. وما كان مِن عِباداتِه وسُتْرَتِه وغيرِ ذلك، فيَنْبَغِي أن يُقْبَلَ قولُه فيه، لأنَّه حُكْمٌ بَينَه وبينَ اللهِ تعالى. قال القاضي: ويُقْبَلُ قولُه في الإِمامَةِ، وولايةِ النِّكاحِ، وما لا يُثْبِتُ حقًّا (١) [على غيرِه. وإذا زُوِّجَ امرأةً أو (٢) رجلًا، ثم عاد فقال خلافَ قولِه الأَوَّلِ، لم يُقْبَلْ قولُه في التَّزْويجِ] (٣) بغيرِ الجِنْسِ الذي زُوِّجَه أوَّلًا، لأنَّه مُكَذِّبٌ لنَفْسِه، ومدَّعٍ ما يُوجِبُ الجَمْعَ بينَ تَزْويجِ الرجالِ والنساءِ. ٣١٧٢ - مسألة: (فإن تَزَوَّجَ امرأةً ثم قال: أنا امرأةٌ. انْفَسَخَ نِكاحُه) لإِقْرارِه ببُطلانِه، ولَزِمَه نصْفُ المَهْرِ إن كان قبلَ الدُّخُولِ، وجَميعُه إن كان بعدَه، ولا يَحِلُّ له بعدَ ذلك أن يَنْكِحَ، لأنَّه أقَرَّ بقولِه: أنا رجلٌ. بتَحرِيمِ الرجالِ، وأقرَّ بقوله: أنا امرأةٌ. بتحرِيمِ النِّساءِ.

стр. 9914

وَلَوْ زُوِّجَ بِرَجُلٍ ثُمَّ قَال: أَنَا رَجُلٌ. لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ. ــ ٣١٧٣ - مسألة: (وإن تَزَوَّجَ رجلًا ثم قال: أنا رجلٌ. لم يُقْبَلْ قولُه في فَسْخِ نِكاحِه) لأنَّه حَقٌّ (١) عليه. فإذا زَال نِكاحُه فلا مَهْرَ له لأنَّه يُقِرُّ أنَّه لا يَسْتَحِقُّه، وسَواءٌ دُخِلَ به (٢) أو لم يُدْخَلْ. ويَحْرُمُ عليه (٣) النِّكاحُ بعدَ ذلك؟ لِما ذَكَرْنا. واللهُ أعلمُ.

стр. 9915

بَابُ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ ــ باب الشُّرُوطِ في النِّكاحِ

стр. 9916

وَهِيَ قِسْمَانِ، صَحِيحٌ، مِثْلَ اشْتِرَاطِ زِيَادَةٍ فِي الْمَهْرِ أو نَقْدٍ مُعَيَّن، أوْ أَن لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ بَلَدِهَا، أو لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيهَا، أوْ لَا يَتَسَرَّى، فَهَذَا صَحِيحٌ لَازِمٌ، إِنْ وَفَّى بِهِ، وَإلَّا فَلَهَا ــ (وهي قِسْمان؛ صحيحٌ) وفاسدٌ، فالصحيحُ نوعان؛ أحدُهما، يَقْتَضِيه العَقْدُ، كتَسْلِيمِ المرأةِ إليه وتَمْكِينه (١) مِن الاسْتِمْتاعِ بها، فهذا لا يُؤثِّرُ في العَقْدِ، وُجُودُه كعدَمِه. الثاني، شَرْطُ ما تَنْتَفِعُ به المرأةُ، كزيادَةٍ على مَهْرِها (أو نَقْدٍ مُعَيَّن) فهو صحيحٌ يَجبُ الوَفاءُ به، كالثَّمَنِ في البَيعِ (٢). ٣١٧٤ - مسألة: (فإن شَرَط أن لا يُخْرِجَها مِن دارِها أو بَلَدِها، أو لا يَتَزَوَّجَ عليها، أو لا يَتَسَرَّى، فهو صحيحٌ لازِمٌ إن وَفَّى به، وإلَّا

стр. 9917

الْفَسْخُ. ــ فلها الفَسْخُ) يُرْوَى ذلك عن عمرَ بنِ الخطابِ، وسعدِ بنِ أبي وَقّاص، ومعاويةَ، وعمرِو بنِ العاصِ، ﵃. وبه قال شُرَيحٌ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيز، وجابرُ بنُ زيدٍ، وطاوُسٌ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ. وأبطَلَ هذه الشُّرُوطَ الزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، وهشامُ بنُ عُرْوَةَ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والثَّوْريُّ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأي. وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: يَفْسُدُ المَهْرُ، ولها مَهْرُ المِثْلِ. واحْتَجُّوا بقولِ النبيِّ ﷺ : «كُلُّ شَرْطٍ لَيسَ في كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ» (١). وهذا ليس في كتابِ اللهِ؛ لأن الشَّرْعَ لا يَقْتَضِيه. وبقولِ النبيِّ ﷺ : «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إلَّا شَرْطًا أحَلَّ حَرَامًا، أو حَرَّمَ حَلَالًا» (٢). وهذا يُحَرِّمُ الحَلال، وهو التزويجُ والتَّسَرِّي والسَّفَرُ،

стр. 9918

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولأنَّ هذا شَرْطٌ ليس مِن مَصْلَحَةِ العَقْدِ ولا مُقْتَضاه، ولم يُبْنَ على التَّغْلِيبِ والسِّرَايةِ، فكان فاسِدًا، كما لو شَرَطَتْ أن لا تُسَلِّمَ نَفْسَها. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «إنَّ أحَقَّ ما وَفَّيتُمْ بِهِ مِنَ الشُّرُوطِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ». رَواه سعيدٌ (١). وفي لَفْظٍ: «إنَّ أحَقَّ الشُّرُوطِ أنْ تُوفُوا بِهَا، مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ». مُتَّفَقٌ عليه (٢). وقولُ النبيِّ ﷺ : «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ». ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينَا مِن الصحابةِ، ولا يُعْرَفُ لهمِ مُخالفٌ في عَصْرِهم، فكان إجماعًا. وروَى الأثرَمُ بإسْنادِه، أنَّ رجلًا تزَوَّجَ امرأةً، وشَرَط لها دارَها، ثم أراد نَقْلَها، فخاصَمُوه إلى عمرَ، فقال: لها شَرْطُها. فقال الرجل: إذًا يُطَلِّقْنَنا. فقال عمرُ: مَقَاطِعُ الحُقُوقِ عندَ الشُّرُوطِ (٣). ولأنَّه شَرْطٌ لها (٤) فيه مَنْفَعَةٌ ومَقْصُودٌ لا يَمْنَعُ

стр. 9919

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المَقْصُودَ مِن النِّكاحِ، فكان لازِمًا، كما لو اشْتَرَطَتْ زِيادَةً في المَهْرِ أو غيرَ نَقْدِ البَلَدِ. وأمّا قولُه ﷺ : «كُلُّ شَرْطٍ لَيسَ فِي كِتَابِ اللهِ فهُوَ بَاطِلٌ». أي ليس في حُكْمِ اللهِ وشَرْعِه، وهذا مَشْرُوعٌ، قد ذَكَرنا ما دَلَّ على مَشْرُوعِيَّته، وعلى مَن نَفَى ذلك الدليلُ. وقولُهم: إنَّ هذا يُحَرِّمُ الحَلال. قُلْنا: لا يُحَرمُ حلالًا، وإنَّما يُثْبِتُ للمَرْأةِ خِيارَ الفَسْخِ إن لم يَفِ لها به. وقولُهم: ليس مِن مَصْلَحَةِ العَقْدِ. مَمْنُوعٌ، فإنَّه مِن مَصْلَحَةِ المَرْأةِ، وما كان مِن مصلحةِ العاقِدِ كان مِن مصلحةِ عَقْدِه، كاشْتِرَاطِ

стр. 9920

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الرَّهْنِ والضَّمِينِ [في البَيعِ] (١)، ثم يَبْطُلُ بالزِّيادَةِ على مَهْرِ المِثْلِ. وإذا ثَبَت أنَّه شَرْطٌ لازِمٌ فلم يَفِ به، فلها الفَسْخُ، ولهذا قال عمرُ للذي قَضَى عليه بلُزُومِ الشَّرْطِ -حينَ قال: إذًا يُطَلِّقْنَنا-: مَقاطِعُ الحُقُوقِ عندَ الشُّرُوطِ. ولم يَلْتَفِتْ إلى قولِه. ولأنَّه شَرْطٌ لازِم في عَقْدٍ، فيَثْبُتُ حَقُّ الفَسْخِ بتَرْكِ (٢) الوَفاءِ به، كالرَّهْنِ في البَيعِ.

стр. 9921

وَإنْ شَرَطَ لَهَا طَلَاقَ ضَرَّتِهَا، فَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ صَحِيحٌ. وَيَحْتَمِلُ أنَّهُ بَاطِلٌ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : «لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِيء مَا فِي صَحْفَتِهَا وَلْتَنْكِحْ، فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا». ــ ٣١٧٥ - مسألة: (وإن شَرَط لَها طَلاقَ ضَرَّتِها، فقال أبو الخطابِ: هو صَحِيحٌ) لأنَّه شَرْطٌ لا يُنافِي العَقْدَ، ولها فيه فائِدَةٌ، فأشْبَهَ ما لو شَرَطَتْ عليه أن لا يَتَزَوَّجَ عليها. قال شيخُنا (١): ولم أرَ هذا لغيرِه (ويَحْتَمِلُ أنَّه باطِلٌ) وهو الصَّحِيح، لِما روَى أبو هريرةَ، قال: نَهَى النبيُّ ﷺ أن تَشْتَرطَ المرأةُ طَلاقَ أُخْتِها. وفي لَفْظٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: («لَا تَسْأل المَرْأة طَلَاقَ أُخْتِها لِتَكْتَفِيء مَا في صَحْفَتِها (٢)، وَلْتَنْكِحْ،

стр. 9922

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَها»). رَواهما البخاريُّ (١). والنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسادَ المَنْهِيِّ عنه. ولأنَّها شَرَطَت عليه فَسْخَ عَقْدِه، وإبْطال حَقِّه وحَقِّ امْرَأتِه، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَتْ عليه (٢) فسْخَ بَيعِه. وعلى قِياسِ هذا ما لو شَرَطَتْ عليه [بَيعَ أمَتِه] (٣).

стр. 9923

فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّانِي، فَاسِدٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ؛ أحَدُهَا، مَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أشْيَاءَ؛ أحَدُهَا، نِكَاحُ الشِّغَارِ، وَهُوَ أنْ يُزَوِّجَهَ وَلِيَّتَه عَلَى أنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ وَلِيَّته وَلَا مَهْرَ بَينَهُمَا، ــ ٣١٧٦ - مسألة؛ قال، ﵀: (القِسْمُ الثاني، فاسِدٌ، وهو ثلاثةُ أنواعٍ؛ أحَدُها، ما يُبْطِلُ النِّكاحَ، وهو ثلاثةُ أشياءَ؛ أحدُها، نِكاحُ الشِّغَارِ، وهو أن يُزَوِّجَه وَلِيَّته على أن يُزَوِّجَه الآخَرُ وَلِيَّتَه ولا مَهْرَ

стр. 9924

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بينَهما) قِيلَ: إنَّما سُمِّيَ هذا النِّكاحُ شِغارًا لقُبْحِه، تَشْبِيهًا برَفْعِ الكَلْبِ رِجْلَه ليَبُولَ، في القُبْحِ (١). يُقالُ: شَغَر الكَلْبُ. إذا رَفَع رِجْلَه ليَبُولَ. وحُكِيَ عنِ الأصْمَعِيِّ أنَّه قال: الشغارُ الرَّفْعُ. فكأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما رَفَع رِجْلَه للآخرِ (٢) عمَّا يُرِيدُ. ولا تَخْتَلِفُ الرِّوايةُ عن أحمدَ في أنَّ نِكَاحَ الشِّغارِ فاسدٌ. رَواه عنه جماعة. قال أحمدُ: ورُوِيَ عن عمرَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، أنَّهما فَرَّقَا فيه. وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ. وحُكِيَ عن عطاءٍ، وعمرِو بنِ دينارٍ، ومكحولٍ، والزُّهْرِيِّ، والثَّوْرِيِّ، أنَّه يَصِحُّ، وتَفْسُدُ التَّسْمِيَةُ، ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ الفَسادَ مِن قِبَلِ المَهْرِ لا يُوجِبُ فَسادَ العَقْدِ، كما لو تَزَوَّجَ على خَمْرٍ أو خِنْزِيرٍ، [وهذا] (٣) كذلك. ولَنا، ما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عن الشِّغارِ. متَّفَقٌ عليه (٤). وروَى أبو هريرةَ مثلَه. أخْرَجَه مسلمٌ (٥).

стр. 9925

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وروَى الأثْرَمُ بإسنادِه عن عِمْرانَ بنِ حُصَين، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لَا جَلَبَ (١)، ولا جَنَبَ (٢)، وَلَا شِغَارَ فِي الإِسْلَامِ» (٣). ولأنَّه جَعَل كُلَّ واحدٍ مِن العَقْدَين سَلَفًا في الآخَرِ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بِعْنِي ثَوْبَك على أن أبِيعَكَ ثَوْبِي. قولُهم: إنَّ فَسادَه مِن قِبَلِ التَّسْمِيَة. قُلْنا: بل فَسادُه مِن جِهَةِ أنَّه وَقَفه على شَرْطٍ فاسدٍ. ولأنَّه شَرَط تَمْلِيكَ البُضْعِ لغيرِ الزَّوْجِ، فإنَّه جَعَل تَزْويجَه إيَّإها مَهْرًا للأخْرَى، فكأنَّه مَلَّكَه إيّاه بشَرْطِ انْتِزاعِه منه. إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بينَ أن يقولَ: على أنَّ صَداقَ كُلِّ واحدةٍ منهما بُضْعُ الأخْرَى. أو (٤) لم يَقُلْ ذلك. وقال الشافعيُّ: هو أن يقولَ ذلك ولا يُسَمِّيَ لكلِّ واحدةٍ صَداقُا؛ لِما روَى ابنُ عمرَ أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن الشِّغارِ. والشِّغارُ أن يقولَ الرجُلُ للرجلِ: زَوَّجْتكَ ابْنَتِي

стр. 9926

فَإِنْ سَمَّوْا مَهْرًا، صَحَّ. نَصَّ عَلَيهِ. وَقَال الْخِرَقِيّ: لَا يَصِحُّ. ــ على أن تُزَوِّجَنِي ابْنَتَك. ويكونُ بُضْعُ كُلِّ واحدةٍ منهما [مَهْرَ الأخْرَى] (١). ولَنا، ما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عن الشِّغارِ. والشِّغارُ أن يُزَوِّجَ الرجلُ ابْنَتَه على أن يُزَوِّجَه الآخَرُ ابْنَتَه، وليس بينَهما صَداقٌ. هذا لفْظُ الحديثِ الصَّحِيحِ المُتَّفَقِ عليه. وفي حديثِ أبي هريرةَ: [والشِّغارُ] (٢) أن يقولَ الرجلُ للرجلِ: زَوجْنِي ابْنَتَكَ وأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي، وزَوجْنِي أُخْتَك وأزَوِّجكَ أُخْتِي. رَواه مسلمٌ. وهذا يَجِبُ تَقْدِيمُه لصِحَّتِه، وعلى أنَّه قد أمْكَنَ الجمعُ بينهما بأن يُعْمَلَ بالجميعِ. ويَفْسُدُ النِّكاحُ بأيِّ ذلك كان. ولأنَّه إذا شَرَط في نِكاحِ إحدَاهما تَزْويِجَ الأخْرَى، فقد جَعَل بُضْعَ كل واحدةٍ منهما صَداقَ الأخْرَى، ففسَدَ، كما لو لَفَظ به (٣). فصل: فإن سَمَّيَا مع ذلك مَهْرًا، فقال: زَوَّجْتُك ابْنتي على أن

стр. 9927

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تُزَوِّجَنِي ابنتَك، ومَهْرُ كلِّ واحدةٍ منهما مِائَةٌ -أو- مَهْرُ ابْنَتِي مِائَةٌ، ومَهْرُ ابْنَتِك خَمْسونَ. أو أقلُّ أو أكثرُ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ صِحَّتُه. وهو قولُ الشافعيِّ؛ لِما تَقَدَّمَ مِن حديثِ ابنِ عمرَ، ولأنَّه (١) قد سَمَّى صَداقًا، فصَحَّ، كما لو لم يَشرُطْ ذلك (وقال الخِرَقِيُّ: لا يَصِحُّ) لحديثِ أبي هُرَيرَةَ، ولما روَى أبو داودَ (٢) عن الأعْرَجِ، أنَّ العباسَ بنَ عبدِ اللهِ بن العباسِ، أنْكَحَ عبدَ الرحمنِ بنَ الحَكَمِ ابْنَتَه، وأنكَحَه عبدُ الرحمنِ ابْنَتَه، وكانا جَعَلَا صَداقًا، فكَتَبَ مُعاويَةُ إلى مَرْوَانَ، فأمرَه أن يُفَرِّقَ بينَهما، وقال في كِتابِهِ: هذا الشِّغَارُ الذي نَهَى عنه رسولُ اللهِ ﷺ . ولأنَّه شَرَط نِكاحَ إحدَاهما لنِكاحِ (٣) الأخْرَى، فلم يَصِحَّ، كما

стр. 9928

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لو لم يُسَمِّيا صَداقًا. يُحَقِّقُه أنَّ عَدَمَ التَّسْمِيَةِ ليس بمُفْسِدٍ للعَقْدِ، بدَليلِ نِكاحِ المُفَوّضَةِ، فدَلَّ على أنَّ المُفْسِدَ هو الشَّرْطُ، وقد وُجِدَ، ولأنَّه سَلَفٌ (١) في عَقْدٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بِعْتُكَ ثَوْبِي بعَشَرَةٍ على أن تَبِيعَنِي ثَوْبَكَ بعِشْرِينَ. وهذا [الاخْتِلافُ فيما] (٢) إذا لم يُصَرِّحْ بالتَّشْرِيكِ، فأما إن قال: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي على أن تُزَوِّجَنِي ابْنَتَك (٣)، ومَهْرُ كلِّ واحدَةٍ منهما مائَةٌ وبُضْعُ الأخْرَى. فالنِّكاحُ فاسِدٌ؛ لأنَّه صَرَّحَ بالتَّشْرِيكِ، فلم يَصِحَّ العَقْدُ، كما لو (٤) لم يَذْكُرْ مُسَمًّى. فصل: ومتى قُلْنا بصِحَّةِ العَقْدِ إذا سَمَّيَا صَداقًا، ففيه وجْهان؛ أحدُهما، تَفْسُدُ التَّسْمِيَةُ، ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ. وهذا قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما لم يَرْضَ بالمُسَمَّى إلَّا بِشَرْطِ أن يَتَزَوَّجَ وَلِيَّةَ (٥) صاحبِه،

стр. 9929

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَنَقَص المَهْرُ لهذا الشَّرْط، وهو باطلٌ، فإذا احْتَجْنا إلى ضَمانِ النَّقْصِ، صار المُسَمَّى مَجْهُولًا، فبَطَلَ. والوَجْهُ الثاني ذَكَرَه القاضي في «الجامعِ»، أنَّه يَجِبُ المُسَمَّى؛ لأنَّه ذَكَر قَدْرًا مَعْلُومًا يَصْلُحُ (١) أن يكونَ مَهْرًا، فصَحَّ، كما لو قال: زَوَّجْتُك ابْنَتِي (٢) على ألفٍ، على أنَّ لي منها مِائَةً. فصل: فإن سَمَّى لإِحْداهما مَهْرًا دونَ الأخْرَى، فقال أبو بكرٍ: يَفْسُدُ النِّكاحُ فيهما؛ لأنَّه فَسَد في إحْدَاهما، ففَسَدَ في الأخْرَى. والأوْلَى أنَّه يَفْسُدُ في التي لم يُسَمِّ لها صَداقًا؛ لأنَّ نِكاحَها خَلَا مِن صَداقٍ سِوَى نِكاحِ الأخْرَى. ويكونُ في التي سَمَّى لها صَدَاقًا رِوايتان؛ لأنَّ فيه تَسْمِيَةً وشَرْطًا، فأشْبَهَ ما لو سَمَّى لكُلِّ واحدةٍ منهما مهرًا. ذَكَرَه القاضي هكذا. فصلِ: فإن قال: زَوَّجْتُك جارِيَتي هذه على أن تُزَوجَنِي ابْنَتَك، [وتكون رَقَبَتُها] (٣) صَداقًا لابنتِك. لم يَصِحَّ تَزْويجُ الجاريةِ، في قِياسِ المذهبِ؛ لأنَّه لم يَجْعَلْ لها صَداقًا سِوَى تَزْويجِ ابْنَتِه. وإذا زَوَّجَه ابْنَتَه على أن يَجْعَلَ رَقَبَةَ الجاريةِ صَداقًا لها، صَحَّ؛ لأنَّ الجاريةَ تَصْلُحُ أن تكونَ

стр. 9930

وَالثَّانِي، نِكَاحُ الْمُحَلِّل، وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى أنَّهُ إِذَا أحَلَّهَا طَلَّقَهَا. ــ صَدَاقًا. وإن زَوَّجَ عَبْدَه امْرَأةً، وجَعَلَ رَقَبَتَه صَداقًا لها، لم يَصِحَّ الصَّداقُ؛ لأنَّ مِلْكَ المَرأةِ زَوْجَها يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكاحِ، فيَفْسُدُ الصّداقُ، ويَصِحُّ النِّكاحُ، ويَجِبُ مَهرُ المِثْلِ. (الثاني، نِكاحُ المُحَلِّلِ، وهو أن يَتَزَوَّجَها على أنَّه إذا أحَلَّها طَلَّقَها) نِكاحُ المُحَلِّلِ باطلٌ حَرامٌ، في قول عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسنُ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ المباركِ، والشافعيُّ. وسَواءٌ قال: زَوَّجْتُكَها إلى أن تَطَأها. أو شَرَط أنَّه إذا أحَلَّها فلا نِكاحَ بينَهما، أو إذا أحَلَّها للأوَّلِ طَلَّقَها. وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ أنَّه يَصِحُّ النِّكاحُ، ويَبْطُلُ الشَّرْطُ. وقال الشافعيُّ في الصُّورَتُين الأولَيَين: لا يَصِحُّ. وفي الثالثةِ: على قَوْلَين ولَنا، ما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لَعَنَ اللهُ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ». رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه، والتِّرْمِذِيُّ (١)، وقال: حديث حَسَنٌ صَحِيحٌ، والعَمَلُ عليه عند

стр. 9931

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أهلِ العلمِ مِن أصْحابِ النبيِّ ﷺ ؛ منهم عمرُ بنُ الخَطَّابِ، وعثمانُ، [وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ] (١)، وهو قولُ الفُقَهاءِ مِن التابِعِينَ. ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ. وقال ابنُ مسعودٍ: المُحَلِّلُ والمُحَلَّلُ لَهُ مَلْعُونون، على لسانِ محمدٍ ﷺ (٢). وروَى ابنُ ماجَه (٣) عن عُقْبَةَ بنَ عامر، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «ألا أخْبِرُكُمْ بِالتَّيسِ المُسْتَعَار». قالوا: بَلَى يا رسولَ اللهِ. قال: «هو المُحَلِّلُ (٤)، لَعَنَ الله المُحلِّلَ (٤)

стр. 9932

فَإِنْ نَوَى ذَلِكَ مِنْ غَيرِ شَرْطٍ، لَمْ يَصِحَّ أَيضًا، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ وَيَصِحُّ. ــ والمُحَلَّلَ لَهُ». وروى (١) الأثْرَمُ بإسْنادِه، عن قَبِيصَةَ عن جابرٍ، قال سَمِعْتُ عمرَ [وهو] (٢) يَخْطُبُ الناسَ وهو يقولُ: واللهِ لا أوتَى بمُحِلٍّ (٣) ولا مُحَلَّل لَهُ إلَّا رَجَمْتُهُما (٤). ولأنَّه نِكاحٌ إلى مُدَّةٍ، أو فيه شَرْطٌ يَمْنَعُ بَقَاءَه، فأشْبَهَ نِكاحَ المُتْعَةِ. ٣١٧٧ - مسألة: (فإن نَوَى ذلك مِن غيرِ شَرْطٍ، لم يَصِحَّ أيضًا، في ظاهِرِ المذهبِ. وقِيلَ: يُكْرَهُ ويَصِحُّ) إذا تَوَاطَآ عليه قَبْلَ العَقْدِ، ولم يُذْكَر [في العَقْدِ ونَواه] (٥)، أو نَوَى التَّحَلُّلَ (٦) مِن غيرِ شَرْطٍ، فالنِّكاحُ باطِل أيضًا. قال إسماعيلُ بنُ سعيدٍ: سَألْتُ أحمدَ عن الرَّجلِ يَتَزَوَّجُ المرأة، وفي نَفْسِه أن يُحَلِّلَها (٧) لزَوْجِها الأوَّلِ، ولم تَعْلَمِ المرأَةُ بذلك. قال: هو

стр. 9933

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُحَلِّلٌ إذا أرادَ بذلك الإِحْلال، [وهو] (١) مَلْعُونٌ. وهذا ظاهرُ قولِ الصّحابةِ، ﵃، فرَوَى نافِعٌ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رجلًا قال له: امرأةٌ تَزَوَّجْتُها أُحِلُّها لزَوْجِها، لم يَأمُرْنِي، ولم يَعْلَمْ. قال: لا، إلَّا (٢) نِكاح رَغْبةٍ، إن أعْجَبَتْكَ أمْسِكْها، وإن كَرِهْتَها فارِقْها. قال: وإن كُنَّا نَعُدُّه على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ سِفَاحًا. وقال: لا يَزَالان زَانِيَين وإن مَكَثَا عِشْرِينَ سنةً، إذا عَلِم أنَّه يُرِيدُ أن يُحِلَّها (٣). وهذا قولُ عثمانَ بنِ عفانَ، ﵁. وجاء رجلٌ إلى ابنِ عباس، فقال: إن عَمِّي طَلَّقَ امْرَأتَه ثَلاثًا، أيُحِلُّها له رجلٌ؟ قال: مَن يُخادِعِ اللهَ يَخْدَعْهُ (٤). وهذا قولُ الحَسَنِ، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبِي، وقَتادَةَ، وبكر المُزَنيِّ، واللَّيثِ، ومالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وإسحاقَ. وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: العَقْدُ صحيحٌ. وذَكَر القاضي في صِحَّتِه وَجْهًا مثلَ قَوْلِهما، لأنَّه خَلَا عن شَرْطٍ يُفْسِدُه، فأشبَهَ ما لو نَوَى طَلاقَها لغيرِ الإِحْلالِ، أو ما لو نَوَتِ

стр. 9934

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المرأةُ ذلك، ولأنَّ العَقْدَ إنَّما يَبْطُلُ بما شُرِطَ لا بما قُصِدَ، بدليلِ ما لو اشْتَرَى عبدًا بشَرْطِ أن يَبِيعَه، لم يَصِحَّ، ولو نَوَى ذلك لم يَبْطُلْ، ولأنَّه قد رُوِيَ عن عمرَ، ﵁، ما يَدُلُّ على إجازَته، فرَوَى أبو حَفْص بإسْنادِه عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، قال: قَدِمَ مَكَّةَ رجلٌ ومعه إخْوَة له صِغَارٌ، وعليه إزارٌ، مِن بينِ يَدَيه رُقْعَة، ومِن خَلْفِه رُقْعَة، فسألَ عمرَ، فلم يُعْطِه شيئًا، فبينما هو كذلك إذ نَزَغ الشَّيطانُ بينَ رجل مِن قريش وبينَ امْرَأتِه فطَلَّقَها، فقال لها: هل لكِ أن تُعْطِي ذا الرُّقْعَتَين شيئًا، ويُحِلَّكِ (١) لي؟ قالت: نعم، إن شِئْتَ. فأخْبرُوهُ بذلك. قال: نعم. فتَزَوَّجَها ودَخَلَ بها. فلما أصْبَحَتْ أدْخَلَتْ إخْوَتَه (٢) الدّارَ، فجاء القرَشِيّ يَحُومُ حَوْلَ الدّارِ، ويقولُ: يا وَيلَه، غُلِبَ على امرأتِه (٣). فأتَى عمرَ، فقال: يا أمِيرَ المؤمنينَ، غُلِبْتُ على امْرَأتي. قال: مَن غَلَبَكَ؟ قال: ذو الرُّقْعَتَين. قال: أرْسِلُوا إليه. فلما جاءَه الرسولُ، قالت له المرأةُ: كيف مَوْضِعُكَ مِن قَوْمِكَ؟ قال: ليس بمَوْضِعِي (٤) بَأسٌ. قالتْ (٥): إنَّ أمِيرَ المؤمنينَ يقولُ لك: طَلِّقِ امْرأتَكَ. فقُلْ (٦): لا، واللهِ

стр. 9935

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا أُطَلِّقُها. فإنَّه لا يُكْرِهُكَ. فألْبَسَتْه حُلَّةً، فلمَّا رَآه عمرُ من بعيدٍ، قال: الحمدُ للهِ الذي رَزَق ذا الرُّقْعَتَين. فدَخَلَ عليه، فقال: أتُطَلقُ امْرَأَتَكَ؟ قال: لا، واللهِ لا أُطَلِّقُها. قال عمرُ: لو طَلَّقْتَها لأوْجَعْتُ رَأْسَكَ بالسَّوْطِ. ورَواه سعيدٌ (١)، عن هُشَيمٍ، عن يُونسَ بنِ عُبَيدٍ، عن ابنِ سِيرِينَ، نحوًا مِن هذا، وقال: مِن أهلِ المَدِينةِ. وهذا قد تَقَدَّمَ فيه الشَّرْطُ على العَقْدِ، ولم يَرَ به عمرُ بَأسًا. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «لَعَنَ اللهُ المُحَلِّلَ وَالمُحَلَّلَ لَهُ». وقولُ مَن سَمَّينا مِن الصحابةِ، ولا مُخالِفَ لهم، فيكونُ إجْماعًا، ولأنَّه قَصَد به التَّحْلِيلَ، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَه. أمَّا حديثُ ذِي الرُّقْعَتَين، فقال أحمدُ: ليس له إسْنَادٌ. يَعْنِي أنَّ ابنَ سِيرِينَ لم يَذْكُرْ إسْنادَه إلى عمرَ. وقال أبو عُبَيدٍ: هو مُرْسَلٌ. فأين هو مِن الذي سَمِعُوه يَخْطُبُ به على المِنْبَرِ: لا أُوتَى بمُحَلِّلٍ ولا مُحَلَّل له إلَّا رَجَمْتُهُما. ولأنَّه ليس فيه أنَّ ذا الرُّقْعَتَين قَصَد التَّحْلِيلَ، ولا نَواه، وإذا كان كذلك، لم يَتَنَاوَلْ مَحَلَّ النِّزَاعِ. فصل: فإن شُرِطَ عليه أن يُحِلَّها قبلَ العَقْدِ، فنَوَى بالعَقْدِ غيرَ ما شَرَطُوا عليه، وقَصَد نِكاحَ رَغْبَةٍ، صَحَّ العقدُ؛ لأنَّه خَلَا عن نِيَّةِ التَّحْلِيلِ وشَرْطِه، فصَحَّ، كما لو لم يُذْكَرْ ذلك، وعلى هذا يُحْمَلُ حديث ذي الرُّقْعَتَين. فإن قَصَدَتِ المرأةُ أو وَلِيُّها التَّحْليلَ دُونَ الزَّوْجِ، لم يُؤثِّرْ ذلك

стр. 9936

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في العَقْدِ. وقال الحسنُ، وإبراهيمُ: إذا هَمَّ أحَدُ الثَّلَاثَةِ، فَسَد النِّكاحُ. قال أحمدُ: كان الحسنُ وإبراهيمُ والتابعون، يُشَدِّدُونَ [في ذلك] (١). قال أحمدُ: الحَدِيثُ عن النبيِّ ﷺ : «أتُرِيدِينَ أنْ تَرْجعِي إلَى رِفَاعَةَ؟» (٢). ونِيَّةُ المرأةِ ليس بشيءٍ، إنَّما قال النبيُّ ﷺ : «لَعَنَ اللهُ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ». ولأنَّ العقدَ إنَّما يَبْطُلُ بنِيَّةِ الزَّوْجِ؛ لأنَّه الذي إليه المُفارَقَةُ والإِمْساكُ، أمَّا المرأةُ فلا تَمْلِكُ رَفْعَ العَقْدِ، فوُجُودُ نِيَّتها وعَدَمُها سَواءٌ، وكذلك الزَّوْجُ الأوَّلُ لا يَمْلِكُ شيئًا مِن العَقْدِ، ولا مِن رَفْعِه، فهو أجْنَبِيٌّ كسائرِ الأجانِبِ. فإن قِيلَ: فكَيفَ لَعَنَه النبي ﷺ قلنا: إنَّما لَعَنَه إذا رَجَع إليها بذلك التَّحْلِيلِ؛ لأنَّها لم تَحِلَّ له، فكان زانِيًا، فاسْتَحَقَّ اللَّعْنَةَ لذلك.

стр. 9937

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإنِ اشْتَرَى عبدًا فزَوَّجَها إيَّاه، ثم وَهَبَها العَبْدَ أو بَعْضَه ليَنْفسِخَ النِّكاحُ بمِلْكِها، لم يَصِحَّ. قال أحمدُ في روايةِ حَنْبَل: إذا طَلَّقَها ثَلاثًا، وأرادَ أن يُراجِعَها، فاشترَى عبدًا وزَوَّجَها إيَّاه، فهذا الذي نَهَى عنه عمرُ، يُؤدَّبان جَمِيعًا، وهذا فاسدٌ، ليس بكُفْءٍ، وهو شِبْهُ المُحَلِّلِ. وعَلّلَ أحمدُ فَسادَه بشَيئَين؛ أحَدُهما، أنَّه شِبْهُ المُحَلِّلِ؛ لأنَّه إنَّما زَوَّجَها إيَّاه ليُحِلَّها (١) له. والثاني، كَوْنُه ليس بكُفْءٍ لها. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ النِّكاحُ إذا لم يَقْصِدِ العَبْدُ التَّحْلِيلَ؛ لأنَّ المُعْتَبَر في الفَسادِ نِيَّةُ الزَّوْجِ لا نِيَّةُ غيرِه، [ولم يَنْو] (٢).

стр. 9938

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ونِكاحُ المُحَلِّلِ فاسِدٌ، تَثْبُتُ فيه أحكامُ العُقُودِ الفاسدةِ (١)، ولا يَحْصُلُ به الإِحْصانُ، ولا الإِباحَةُ للزَّوْجِ الأوَّل، كما لا يَثْبُتُ في سائِرِ العُقُودِ الفاسدةِ. فإن (٢) قيلَ: قد سَمَّاه النبيَّ ﷺ مُحَلَّلًا، [وسَمَّى الزَّوْجَ مُحَلَّلًا له، ولو لم يَحْصُلِ الحِلّ لم يَكُنْ مُحَلَّلًا ولا مُحَلَّلًا له. قُلْنا: سَمَّاه مُحَلَّلًا] (٣) لأنَّه قَصَد التَّحْلِيلَ في مَوْضِعٍ لا

стр. 9939

الثَّالِثُ، نِكَاحُ الْمُتْعَةِ، وَهُوَ أن يَتَزَوَّجَهَا إِلَى مُدَّةٍ، ــ يَحْصُلُ فيه الحِلُّ، كما قال: «مَا آمَنَ بالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ» (١). وقال اللهُ تعالى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ (٢). ولو كان مُحَلَّلًا (٣) في الحقيقةِ والآخرُ مُحَلَّلًا له، لم يكونا مَلعُونين. (الثالثُ، نِكاحُ المُتْعَةِ، وهو أن يَتَزَوَّجَها إلى مُدَّةٍ) مثلَ أن يقولَ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي شَهْرًا -أو- سَنَةً -أو- إلى انْقِضاءِ المَوْسِمِ -أو (٤) - قُدُومِ الحاجِّ. وشِبْهه، سَواءٌ كانتِ المُدَّةُ مَعْلُومَةً أو مَجْهُولَةً، فهو باطِلٌ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: نِكاحُ المُتْعَةِ حَرامٌ. وقال أبو بكْرٍ: فيها رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّها مَكْرُوهَةٌ غيرُ حرام، لأنَّ ابنَ مَنْصُورٍ سَأل أحمدَ عنها، فقال: يَجْتَنِبُها أحَبُّ إليَّ. قال: فظاهِرُ هذا الكَرَاهةُ دُونَ التَّحْريمِ. وغيرُ أبي بكرٍ مِن أصْحابِنا يَمْنَعُ هذا، ويقولُ: المسألةُ روايةٌ واحدةٌ في تَحْرِيمِها. وهذا قولُ عامَّةِ الصحابةِ والفُقَهاءِ. ومِمَّن رُوِيَ (٥) عنه

стр. 9940

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَحْرِيمُها؛ عمرُ، وعليٌّ، [وابنُ عمرَ] (١)، وابنُ مسعودٍ، وابنُ الزُّبَيرِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٢): وعلى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ مالكٌ، وأهلُ المدينةِ، وأبو حنيفةَ في أهلِ الكوفةِ، والأوْزاعِيُّ في أهلِ الشامٍ، واللَّيثُ في أهلِ مصْرَ، والشافعي، وسائِرُ أصحابِ الآثارِ. وقال زُفرُ: يَصِحُّ النِّكاحُ، ويَبْطُلُ الشَّرْطُ. وحُكِيَ [عن ابنِ عباسٍ، أنَّها جائزةٌ. وعليه أكثَرُ أصْحابِه؛ عطاء، وطاوسٌ. وبه قال ابنُ جُرَيجٍ. وحُكِيَ] (٣) ذلك عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، وجابر. وإليه ذَهَب الشِّيعَةُ؛ لأنَّه قد ثَبَت أنَّ النبيَّ ﷺ أذِنَ فيها. ورُوِيَ أنَّ عمرَ قال: مُتْعَتان كانَتَا على عهدِ رسولِ الله ﷺ أنا أنهَى عنهما، وأُعاقِبُ عليهما؛ مُتْعَةُ النساءِ، ومُتْعَةُ الحَجِّ (٤). ولأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعَةٍ، فجازَ مُؤقَّتًا، كالإِجارَةِ. ولَنا، ما روَى الرَّبِيعُ بنُ سَبْرَةَ أنَّه قال: أشْهَدُ على أبي، أنَّه حَدَّث أنَّ رسولَ اللهِ

стр. 9941

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﷺ نَهَى عنه (١) في حَجَّةِ الوَداعِ (٢). وفي لَفْظٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ حَرَّم مُتْعَةَ النساء. رَواه أبو داودَ (٣). وفي لفظٍ رَواه ابنُ ماجَه (٤)، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «يَا أيُّها النَّاسُ، إنِّي كُنْتُ قد (٥) أذِنْتُ لَكُمْ فِي الاسْتِمْتَاعِ، ألا وإنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَهَا إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». وروَى سَبْرَةُ: أمَرَنَا رسولُ اللهِ ﷺ بالمُتْعَةِ عامَ الفَتْحِ حينَ دخَلْنا مَكَّةَ، فلَم نَخْرُجْ حتى نَهانا عنها. رَواه مسلم (٦). ورِوَى عليُّ بنُ أبي طالبٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عن مُتْعَةِ النِّساءِ يَوْمَ خيبَرَ، وعن لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ. مُتَّفَقٌ عليه، ورَواه مالكٌ في «المُوَطَّأ»، وأخْرَجَه الأئِمَّةُ، النَّسَائِيُّ

стр. 9942

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وغيرُه (١). واخْتَلَفَ أهلُ العلمِ في الجَمْعِ بينَ هذين الخَبَرَين، فقال قومٌ: في حديثِ عليٍّ تَقْدِيمٌ وتَأخِيرٌ، وتقديرُه أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ يومَ خيبَرَ، ونهَى عن مُتْعَةِ النِّساءِ، ولم يَذْكُرْ مِيقاتَ النَّهْي عنها، وقد بَيَّنه الرَّبيعُ بنُ سَبْرَةَ في حَدِيثه، أنَّه كان في حَجَّةِ الوَداعِ. حَكاه الإِمامُ أحمدُ عن قومٍ، وذَكَرَه ابنُ عبدِ البَرِّ (٢). وقال الشافعيُّ: لا أعْلَمُ شيئًا أحَلَّه اللهُ ثم حَرَّمَهُ، ثم أحَلَّه [ثم حَرَّمَه] (٣)، إلَّا المُتْعَةَ. فحَمَلَ الأمْرَ على ظاهِرِه، وأنَّ النبيَّ ﷺ حَرَّمَها يَوْمَ خيبرَ، ثُم أحَلَّها في حَجَّةِ الوَداعِ ثَلاثَةَ أيامٍ، ثم حَرَّمَها. ولأنَّه لا (٤) يَتَعَلَّقُ بها أحكامُ النِّكاحِ؛ مِن

стр. 9943

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الطَّلاقِ، والظِّهارِ، واللِّعانِ، والتَّوَارُثِ، فكان باطِلًا، كسائرِ الأنْكِحَةِ الباطلةِ. وأمَّا قولُ ابنِ عباسٍ، فقد حُكِيَ عنه الرُّجُوعُ عنه (١)، فرَوَى أبو بكرٍ، بإسنادِه عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ لقد [أكْثَرَ النَّاسُ] (٢) في المُتْعَةِ، حتى قال فيها الشاعرُ (٣): أقولُ وقد طال الثَّواءُ بِنَا مَعًا ... يا صَاحِ هَلْ لكَ في فُتْيَا ابنِ عباسِ هَل لَكَ في رَخْصَةِ الأطْرَافِ آنِسَةٍ ... تكونُ مَثْواكَ حتى مَصْدَرِ الناسِ (٤) فقام خَطِيبًا، فقال: إنَّ المُتْعَةَ كالمَيتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ (٥). وعن محمدِ بنِ كعبٍ، عنِ ابنِ عباسٍ، قال: إنَّماكانتِ المُتْعَةُ في أوَّلِ الإِسْلامِ، كان الرجلُ يَقْدَمُ البَلْدَةَ ليس فيها مَعْرِفَةٌ، فيَتَزَوَّجُ المرأةَ بقَدْرِ ما يَرَى (٦) أنَّه يُقِيمُ، فتَحْفَظُ له مَتاعَه، وتُصْلِحُ له شَيئَه (٧)، حتى نَزَلَتْ

стр. 9944

وَنِكَاحٌ شَرَطَ فِيهِ طَلَاقَهَا فِي وَقْتٍ ــ هذه الآيَةُ: ﴿إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ (١). قال ابنُ عباسٍ: فكلُّ فرْجٍ سِوَاهُما حَرامٌ. رَواه التِّرْمِذِيُّ. فأمَّا إذْنُ النبيِّ ﷺ فيها، فقد ثَبَت نَسْخُه، وأمَّا حديثُ عمرَ -إن صَحَّ عنه- فالظاهرُ أنَّه إنَّما قَصَد الإِخْبارَ عن تَحْرِيمِ النبيِّ ﷺ لها ونَهْيِه عنها، إذْ لا يَجُوزُ أن يَنْهَى عمَّا كان النبيُّ ﷺ أباحَه وبَقِيَ على إباحَتِه. فصل: فإن تَزَوَّجَها بغيرِ (٢) شَرْطٍ، إلَّا أنَّ في نِيَّته طَلاقَها بعدَ شَهْرٍ، أو إذا انْقَضَتْ حاجَتُه، فالنِّكاحُ صَحِيحٌ، في قول عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا الأوْزاعِيَّ، قال: هو نِكاحُ مُتْعَةٍ. والصَّحِيحُ أنَّه لا بَأسَ به، ولا تَضُرُّ نيَّته، وليس على الرجل أن يَنْوِيَ حَبْسَ امْرَأَتِه (٣) إن وَافَقَتْه، وإلَّا طَلَّقَها. ٣١٧٨ - مسألة: وكذلك إن شَرَط أن يُطَلِّقَها في وَقْتٍ بعَينِه، فلا يَصِحُّ النِّكاحُ، سَواءٌ كان معلومًا أو مجهولًا ، مثلَ أن يُشتَرَطَ عليه طَلاقَها

стр. 9945

أَوْ عَلَّقَ ابْتِدَاءَهُ عَلَى شَرْطٍ، كَقَوْلِهِ: زَوَّجْتُكَ إِذَا جَاءَ رَأسُ الشَّهْرِ. أَوْ: إِنْ رَضِيَتْ أُمُّهَا. فَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ. ــ إن قَدِمَ أبوها أو أخُوها. ويَتَخَرَّجُ أن يَصِحَّ النِّكاحُ ويَبْطُلَ الشَّرْطُ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأظْهَرُ قَوْلَي الشافعيِّ. قاله في عامَّةِ كُتُبِه، لأنَّ النِّكاحَ وَقَع مُطْلَقًا، وإنَّما شَرَط على نفْسِه شَرْطًا، وذلك لا يُوثِّرُ فيه، كما لو شَرَط أن لا يَتَزَوَّجَ عليها ولا يُسَافِرَ بها. ولَنا، أنَّ هذا شَرْطٌ مانِعٌ مِن بَقاءِ النِّكاحِ، فأشْبَهَ نِكاحَ المُتْعَةِ، ولأنَّه شَرَط انْتِفاءَ النِّكاحِ في وَقْتٍ بعينِه، أشْبَهَ نِكاحَ المُتْعَةِ، ويُفارِقُ ما قاسُوا عليه، فإنَّه لم يَشْتَرِطْ قَطْعَ النِّكاحِ. ٣١٧٩ - مسألة: (وإن عَلَّقَ ابْتِدَاءَه على شَرْطٍ، كقَوْلِه: زَوَّجْتُكَ إذا جاء رَأسُ الشَّهْرِ. أو: إن رَضِيَتْ أُمُّها. فهذا كلُّه باطِلٌ مِن أصْلِه) لأنَّه عَقْدُ مُعاوضَةٍ، فلم يَصِحَّ تَعْلِيقُه على شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ، كالبَيعِ، ولأنَّه وَقَف النِّكاحَ علي شَرْطٍ، ولا يَجُوزُ وَقْفُه على شرطٍ. وهو قولُ الشافعيِّ.
следующие страницы →