. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غيرُ كتابِيٍّ؛ لأنَّها إذا حَرُمَتْ بكونِ أحَدِ أبوَيها وَثَنِيًّا، فلَأن تَحْرُمَ إذا كانا وَثَنِيَّينِ أوْلَى. وعلى الرِّوايةِ التي تقولُ: لا تَحْرُمُ. فهو مُتَحَقِّقٌ وإن كان أبَوَاها وَثَنِيَّين، اعْتِبارًا بحالِ نفسِها دونَ أبَوَيها.
فصل: فإن كانت مِن نِسَاءِ بَنِي تَغْلِبَ، ففيها أيضًا روايتان؛ إحْدَاهما، تَحِلُّ. وهي أصَحُّ؛ لدُخُولِها في قولِه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ
стр. 9881
وَلَيسَ لِلْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا نِكَاحُ أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ. وَعَنْهُ، يَجُوزُ.
ــ
أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ (١). وهم اليهُودُ والنَّصارَى. والثانيةُ، تَحْرُمُ نِساءُ بَنِي تَغْلبَ؛ لأنَّا لا نَعْلَمُ دُخُولَهم في دِينِهم قبلَ تبْدِيلِ كِتابِهم.
فصل: وسائرُ الكفَّارِ غيرُ أهلِ الكتابِ، كمَن عَبَد ما اسْتَحْسَنَ مِن الأصنامِ والأحجارِ والشَّجَرِ والحيوانِ، فلا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في تَحْرِيمِ نِسائِهِم وذبائِحِهم؛ وذلك لِما ذَكَرْنا مِن الآيَتَين، وعَدَمِ المُعارِضِ لهما. والمُرْتَدَّةُ يَحْرُمُ نِكاحُها على أيِّ دِينٍ كانت؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ لها حكمُ أهلِ الدِّينِ الذي انْتَقَلَتْ إليه بإقْرارِها عليه، ففي حِلِّها أوْلَى.
٣١٥٧ - مسألة: (وليس للمُسْلِمِ وإن كان عَبْدًا نِكاحُ أمَةٍ كِتَابِيَّةٍ. وعنه، يَجُوزُ) ظاهرُ مذهبِ أحمدَ أنَّ ذلك لا يَجُوزُ، رَواه عنه جماعةٌ. وهو قولُ الحسنِ، والزُّهْرِيِّ، ومَكْحُولٍ، ومالكٍ،
стр. 9882
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والشافعيِّ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزَاعِيِّ، واللَّيثِ، وإسحاقَ. ورُوِيَ ذلك عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، ومجاهدٍ. وقال أبو مَيسَرَةَ، وأبو حنيفةَ: يجوزُ للمُسْلِمِ نِكاحُها؛ لأنَّها تَحِلُّ بمِلْكِ اليَمِينِ، فحَلَّتْ بالنِّكاحِ، كالمُسْلمَةِ. ونُقِلَ ذلك عن أحمدَ، قال: لا بَأْسَ بِتَزْويجِها. إلَّا أنَّ الخَلَّال رَدَّ هذه الرِّوايةَ وقال: إنَّما تَوَقَّفَ أحمدُ فيها، ولم يَنْفذْ له قولٌ، ومَذْهَبُه أنَّها لا تَحِلُّ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١). فشَرَطَ في إباحَةِ نِكاحِهِنَّ الإِيمانَ، ولم يُوجَدْ، وتُفارِقُ المُسْلِمَةَ؛ لأنَّه لا يُؤَدِّي إلى اسْتِرقاقِ الكافرِ وَلَدَها، لأنَّ الكافِرَ لا يُقَرُّ مِلْكُه على مُسْلِمَةٍ، والكافرةُ تكونُ مِلْكًا لكافرٍ، ويُقَرُّ مِلْكُه عليها، ووَلَدُها مَمْلُوك لسَيِّدِها، ولأنَّه [قد اعْتَوَرَها] (٢) نَقْصان؛ نَقْصُ الكُفْرِ والمِلْكِ، فإذا اجْتَمَعَا مَنَعَا، كالمَجُوسِيَّةِ لمَّا اجْتَمَعَ فيها نَقْصُ الكُفْرِ (٣) وعَدَمُ الكِتابِ، لم يُبَحْ نِكاحُها. ولا فَرْقَ بينَ الحُرِّ والعَبْدِ في تَحْرِيمِ نِكاحِها؛ لعُمُومِ ما ذَكَرْنا مِن الدليلِ، ولأنَّ ما حَرُمَ على الحُرِّ تَزْويجُه (٤) مِن أجْلِ دِينِه، حَرُمَ على العَبْدِ، كالمَجُوسِيَّةِ.
стр. 9883
وَلَا يَحِلُّ لِحُرٍّ مُسْلِم نِكَاحُ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ، إلا أَنْ يَخَافَ الْعَنَتَ، وَلَا يَجِدَ طَوْلَا لِنِكَاحِ حُرَّةٍ، وَلَا ثَمَنَ أَمَةٍ.
ــ
٣١٥٨ - مسألة: (ولا يَحِلُّ لحُرِّ نِكاحُ أمَةٍ مُسْلِمَةٍ، إلَّا أن يَخافَ العَنَتَ، ولا يَجِدَ طَوْلًا لنِكاحِ حُرَّةٍ، ولا ثَمَنَ أَمَةٍ) الكلامُ في هذه المسألةِ في فَصْلَين؛ أحَدُهما، أنَّه يَحِلُّ له نِكاحُ الأمَةِ المُسْلِمَةِ إذا وُجِدَ فيه الشَّرْطان؛ خَوْفُ العَنَتِ، وعَدَمُ الطَّوْلِ. وهذا قولُ عامَّةِ العلماءِ، لا نَعْلَمُ بينَهم فيه اخْتِلافًا، لقولِ اللهِ سبحانَه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾. الآية. والصَّبْرُ عنها مع ذلك خَيرٌ وأفْضَلُ، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيرٌ لَكُمْ﴾. الفصلُ الثاني، إذا عُدِمَ الشَّرْطان أو أحَدُهما، لم يَحِلَّ نكاحُها لِحُرٍّ. رُوِيَ ذلك (١) عن جابِرٍ، وابنِ عباس. وبه قال عطاءٌ، وطاوُسٌ، والزُّهْرِيُّ، وعَمْرُو بنُ دِينارٍ، ومَكْحُولٌ، ومالكٌ، والشافعيُّ، [وإسحاقُ] (٢). وقال مجاهدٌ: مِمّا وَسَّعَ اللهُ على هذه الأُمَّةِ نِكاحُ الأمَةِ وإن كان مُوسِرًا. وبه قال أبو حنيفةَ، إلَّا أن يكونَ تَحْتَه حُرَّةٌ، لأنَّ القُدْرَةَ على النِّكاحِ لا تَمْنَعُ النِّكاحَ، كما يَمْنَعُه
стр. 9884
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وُجُودُ النِّكاحِ، كنِكاحِ الأُخْتِ والخامِسَةِ. وقال قَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ: إذا خَافَ العَنَتَ، حَلَّ له نِكاحُ الأمَةِ [وإن وَجَد الطَّوْلَ؛ لأنَّ إباحَتَها لضَرُورَةِ خَوْفِ العَنَتِ، وقد وُجِدَتْ، ولا يَنْدَفِعُ إلَّا بنِكاحِ الأمَةِ] (١)، فأشْبَهَ عدمَ الطَّوْلِ. ولَنا، قولُ اللهِ : ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. فشَرَطَ في نِكاحِها عَدَمَ اسْتِطاعَةِ الطَّوْلِ، فلم يَجُزْ مع الاسْتِطاعَةِ، لفَواتِ شَرْطِه، وكالصَّوْمِ في كَفّارَةِ الظِّهارِ مع استِطاعةِ الإِعْتاقِ. ولأنَّ في تَزْويجِ الأمَةِ إرقاقَ وَلَدِه مع الغِنَى عنه، فلم يَجُزْ، كما لو كان تَحْتَه حُرَّةٌ. وقياسُهم لا يَصِحُّ؛ لأنَّ نِكاحَ الخامسةِ والأُختِ إنَّما حَرُمَ لأجْلِ الجَمْعِ، وبالقُدْرَةِ على الجَمْعِ لا يَصِيرُ جامِعًا، والعِلَّةُ ههُنا هو الغِنَى عن إرْقاقِ وَلَدِه، وذلك يَحْصُلُ بالقُدْرَةِ على نِكاحِ الحُرَّةِ. وأمّا مَن يَجِدُ (٢) الطَّوْلَ ويَخافُ العَنَتَ، فإن كان ذلك لكَوْنِه لا يَجِدُ إلَّا حُرَّةً صغيرةً أو غائبةً أو مَريضةً لا يُمْكِنُ وَطؤُها، أو وَجَد مالًا ولم يُزَوَّجْ لقُصُورِ نَسَبِه، فله نِكاحُ الأمَةِ. نَصَّ عليه أحمدُ في الغائبةِ.
стр. 9885
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهو ظاهِرُ مذهبِ الشافعيِّ. وقال بعضُهم: لا يجوز؛ لوُجْدانِ الطَّوْلِ. ولَنا، أنَّه غيرُ مستطيعٍ للطَّوْلِ إلى حُرَّةٍ تُعِفُّه، فأشْبَهَ مَن لا يَجِدُ شيئًا، ألا تَرَى أنَّ الله سبحانه نَزَّلَ ابنَ السَّبِيلِ الذي له اليَسارُ في بَلَدِه فَقِيرًا؛ لعَدَمِ قُدْرَتِه عليه في الحالِ. وإن كانت له حُرَّةٌ يتَمَكَّنُ مِن وَطْئِها والعِفَّةِ بها، فليس بخائِفٍ للعَنَتِ.
فصل: فإن قَدَر على شِراء أمَةٍ تُعِفُّه، فهو كما لو وَجَد طَوْلَ الحُرَّةِ، لا يَحِلُّ له نِكاحُ الأمَةِ؛ لأنَّه أمْكَنَه صِيانَةُ وَلَدِه عن الرِّقِّ، فأشْبَهَ القادِرَ على طَوْلِ الحُرَّةِ، وكذلك إن قَدَر على تَزْويجِ كِتابِيَّةٍ تُعِفُّه. وهذا ظاهرُ
стр. 9886
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مذهبِ الشافعيِّ، وذَكَرُوا وَجْهًا آخَرَ أنَّه [يجوزُ له] (١)؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. وهذا غيرُ مستطيعٍ لذلك. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. وهذا غيرُ خائِفٍ له، ولأنَّه قَدَر على صِيانةِ وَلَدِه مِن الرِّقِّ، فلم يَجُزْ له إرْقاقُه، كما لو قَدَر على نِكاحِ مُؤْمِنَةٍ.
فصل: ومَن كانت تحتَه حُرَّةٌ يُمْكِنُ أن يَسْتَعِفَّ بها، لم يَجُزْ له نِكاحُ أمَةٍ، لا نعلمُ في هذا خِلافًا، ولافَرقَ بينَ المُسْلِمَةِ والكِتابِيَّةِ في ذلك؛ لِما ذَكَرْنا مِن قبلُ.
стр. 9887
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ومَن يَجِدْ طَوْلًا، لكنْ وَجَد مَن يُقْرِضُه ذلك، لم يَلْزَمْه؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في بَقاءِ الدَّين في ذِمَّتِه، ولصاحِبِه مُطَالبَتُه [به في الحالِ. وكذلك إن رَضِيَتِ الحُرَّةُ بتَأْخِيرِ صَداقِها، أو تَفْويضِ بُضْعِها (١)؛ لأنَّ لها مُطالبَتَه] (٢) بفَرْضِه (٣). وكذلك إن بَذَل له باذِلٌ (٤) أن يَزِنَهُ (٥) عنه، أو يَهَبَه إيَّاه، لم يَلْزَمْه؛ لِما عليه مِن ضَرَرِ المِنَّةِ، [وله في ذلك كلِّه] (٦) نِكاحُ الأمَةِ. فإن لم يَجِدْ مَن يُزَوِّجُه إلَّا بأكثرَ مِن مَهْرِ المِثْلِ، وكان قادِرًا عليه، ولا يُجْحِفُ به، لم يَكُنْ له نِكاحُ الأمَةِ. وقال أصحابُ الشافعيِّ: له ذلك، كما لو لم يَجدِ الماءَ إلَّا بِزيادَةٍ على ثَمَنِ المِثْلِ، فله التَّيَمُّمُ. ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾. وهذا مُسْتَطِيعٌ، ولأنَّه
стр. 9888
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قادِرٌ على نِكاحِ حُرَّةٍ بما لا يَضُرُّه، فلم يَجُزْ له إرْقاقُ وَلَدِه، كما لو كان بمَهْرِ مِثْلِها، وما ذَكَرُوه مَمْنُوعٌ، ثم إنَّ هذا مُفارِقٌ للتَّيَمُّمِ مِن وَجْهين؛ أحَدُهما، أنَّ التَّيَمُّمَ رُخْصَةٌ عامَّةٌ، وهذا أُبِيحَ للضَّرُورَةِ، ومع القُدْرَةِ على الحُرَّةِ لا ضَرُورَةَ. الثاني، أنَّ التَّيَمُّمَ يَتَكَرَّرُ، فإيجابُ شِرائِه بزِيادَةٍ على ثَمَنِ المِثْلِ يُفْضِي إلى الإِجْحافِ به، وهذا لا (١) يَتَكَرَّرُ، فلا ضَرَرَ فيه.
فصل: فإن كان في يَدِه مالٌ فذَكرَ أنَّه مُعْسِرٌ، وأنَّ المال لغيرِه، فالقولُ قولُه؛ لأنَّه حُكْمٌ بينَه وبينَ اللهِ ، فقُبِلَ قولُه فيه، كما لو ادَّعَى مَخافَةَ العَنَتِ. ومتى تَزَوَّجَ الأمَةَ، ثم ذَكَر أنَّه كان مُوسِرًا حال النِّكاحِ،
стр. 9889
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فُرِّقَ بينَهما؛ لأنَّه أقَرَّ بفَسادِ نِكاحِه. وهكذا إن أقَرَّ أنَّه لم يَكُنْ يَخْشَى العَنَتَ، فإن كان قبلَ الدُّخُولِ فصَدَّقَه السَّيِّدُ، فلا مَهْرَ، وإن كَذَّبَه، فله نِصْفً المَهْرِ؛ لأنَّه يَدَّعِي صِحَّةَ النِّكاحِ، والأصْلُ معه. وإن كان بعدَ الدُّخُولِ، فعليه المُسَمَّى جميعُه. فإن كان مَهْرُ المِثْلِ أكثرَ مِن المُسَمَّى، فعلى قولِ مَن أوجَبَ مَهْرَ المِثْلِ في النِّكاحِ الفاسِدِ، يَلْزَمُه مَهْرُ المِثْلِ (١)، لإِقْرارِه به. وإن كان المُسَمَّى أكثرَ، وَجَب [للسَّيِّدِ، إلَّا أن] (٢) يُصَدِّقَه فيما قال، فيكونُ له مِن [مَهْرِ المِثْلِ] (٣) ما يَجِبُ في النِّكاحِ الفاسِدِ. وهل ذلك المُسَمَّى أو مَهْر المِثْلِ؟ على رِوايَتَين.
стр. 9890
وَإنْ تَزَوَّجَهَا وَفِيهِ الشَّرْطَانِ، ثُمَّ أَيسَرَ، أَوْ نَكَحَ حُرَّةً، فَهَلْ يَبْطُلُ نِكَاحُ الْأَمَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
٣١٥٩ - مسألة: (وإن تَزَوَّجَها وفيه الشَّرْطان، ثم أيسَرَ، أو نَكَح حُرَّةً، فهل يَبْطُلُ نِكاحُ الأمَةِ؟ عَلَى رِوايَتَين) أمَّا إذا أيسَرَ، فظاهرُ المذهبِ أنَّه لا يَنْفَسِخُ نِكاحُ الأمَةِ. وهو الذي ذَكَرَه الخِرَقِيُّ. وهو مذهبُ الشافعيِّ. وفيه رِوايةٌ، أنَّه يَفْسُدُ نِكاحُ الأمَةِ. وهو قولُ المُزَنِيِّ؛ لأنَّه إنَّما أُبِيحَ للحاجَةِ، فإذا زالتِ الحاجَةُ، لم يَجُزِ اسْتِدامَتُه، كمَن أُبِيحَ له أكْلُ المَيتَةِ للضَّرُورَةِ، فإذا وَجَد الحَلَال لم يَسْتَدِمْه. ولَنا، أنَّ فَقْدَ الطَّوْلِ أحدُ شَرْطَيْ إباحَةِ نِكاحِ الأمَةِ، فلم تُعْتَبَرِ اسْتِدَامَتُه،
وَإنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً أَوْ أَمَةً فَلَمْ تُعِفَّهُ، وَلَمْ يَجِدْ طَوْلًا لِحُرَّةٍ
ــ
وإسحاقَ، والمُزَنِيِّ. ووَجْهُ الرِّوايَتَينِ [ما تقدَّم] (١) في المسألةِ قبلَها. وقال النَّخَعِيُّ: إن كان له مِن الأمَةِ وَلَدٌ، لم يُفارِقْها، وإلَّا فارَقَها. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ ماكان مُبْطلاً للنِّكاحِ في غيرِ ذاتِ الوَلَدِ، أبْطَلَه في ذاتِ الوَلَدِ، كسائرِ مُبْطِلاته، ولأنَّ وَلَدَه منها مَمْلُوكٌ لسَيِّدِها، ونَفَقَتُه عليه. وقد اسْتُدِلَّ على بَقاءِ النِّكاحِ بما رُوِيَ عن عليٍّ، كرَّمَ الله وَجْهَه، أنَّه قال: إذا تَزَوَّجَ الحُرَّةَ على الأمَةِ، قَسَمَ للحُرَّةِ لَيلَتَين، وللأمَةِ لَيلَةً (٢). ولأنَّه لو بَطَل بنِكاحِ الحُرَّةِ لبَطَلَ بالقُدْرَةِ عليه، فإنَّ القُدْرَةَ على المُبْدَلِ كاسْتِعْمالِه، بدليلِ الماءِ مع التُّرَابِ.
٣١٦٠ - مسألة: (وإن تَزَوَّجَ حُرَّةً أو أمَةً فلم تُعِفَّه، ولم يَجِدْ طَوْلًا
стр. 9893
أُخْرَى، فَهلْ لَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ أُخْرَى؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
لحُرَّةٍ أُخْرَى، فهل له نِكاحُ أمَةٍ أُخْرَى؟ على رِوايتَين) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، ﵀، في إباحَةِ أكثرَ مِن أمَةٍ إذا لم تُعِفَّه، فعنه أنَّه قال: إذا خَشِيَ العَنَتَ تَزَوَّجَ أرْبعًا، إذا لم يَصْبِرْ كيف يَصْنَعُ؟ وهذا قولُ الزُّهْرِيِّ، والحارثِ العُكْلِيِّ، ومالكٍ، وأصحابِ الرَّأْي. وعنه أنَّه قال: لا يُعْجِبُنِي أن يَتَزَوَّجَ إلَّا أمَةً واحدةً. يَذْهبُ إلى حديثِ ابنِ عباسٍ، قال: الحُرُّ لا يَتَزَوَّجُ مِن الإِماءِ إلَّا واحدةً. وقَرَأَ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ (١). وبه قال قَتادَةُ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، لأنَّ (٢) مَن له زَوْجَةٌ يُمْكِنُه وَطْؤُها لا يَخاف العَنَتَ. ووَجْهُ الأُولَى قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية. وهذا داخِلٌ في عُمُومِها. ولأنَّه عادِمٌ
стр. 9894
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للطَّوْلِ، خائِفٌ للعَنَتِ، فجازَ له نِكاحُ أمَةٍ، كالأُولَى. وقوْلُهم: لا يَخْشَى العَنَتَ. قُلْنا: الكلامُ في مَن يَخْشَاه (١). وقولُ ابنِ عباسٍ يُحْمَلُ على مَن لم يَخْشَ العَنَتَ، وكذلك الرِّوَايةُ الأُخْرَى عن أحمدَ. فإن كان تَحْتَه حُرَّةٌ لم تُعِفَّه، ففيها الرِّوَايتانِ أيضًا، مثلَ نِكاحِ الأمَةِ، ذَكَرَهما أبو الخطّابِ، إذا لم تُعِفَّه الأمَةُ، لِما ذَكَرْنا. فإن كانَتِ الحُرَّةُ (٢) تُعِفُّه، [أو كان تحتَه أمَةٌ تُعِفُّه] (٣)، فلا خِلافَ في تَحْرِيمِ نِكاحِ الأمَةِ الأُخْرَى.
стр. 9895
قَال الْخِرَقِيُّ: وَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنَ الإمَاءِ أَرْبَعًا إِذَا كَانَ الشَّرْطَانِ فِيهِ قَائِمَينِ.
ــ
فإن نَكَح أمَتَين في عَقْدٍ، وهو يَسْتَعِفُّ بواحدةٍ، فنِكاحُهُما باطلٌ؛ لأنَّه يَبْطُل في إحْداهما، وليست بأوْلَى مِن الأُخْرَى، فَبَطَلَ، كما لو جَمَع بينَ أُخْتَين.
٣١٦١ - مسألة: (قال الخِرَقِيُّ: وله أن يَتَزَوَّجَ مِن الإِماءِ أرْبَعًا، إذا كان الشَّرْطان فيه قَائِمَين) لِما ذَكَرْنا.
стр. 9896
وَلِلْعَبْدِ نِكَاحُ الْأَمَةِ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا عَلَى حُرَّةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
٣١٦٢ - مسألة: (وللعَبْدِ نِكاحُ الأَمَةِ) وإن فُقِدَ فيه الشَّرْطان؛ لأنَّه مُساوٍ لها، فلم يُعْتَبَرْ فيه هذان الشَّرْطان، كالحُرِّ مع الحُرَّةِ، وله نِكاحُ أمَتَين مَعًا، وواحدَةٍ بعدَ واحدَةٍ؛ لأنَّ خَشْيَةَ العَنَتِ غيرُ مَشْرُوطَةٍ فيه.
٣١٦٣ - مسألة: (وهل له أنْ يَنْكِحَها على حُرَّةٍ؟ على رِوايَتَين)
стр. 9897
وَإنْ جَمَعَ بَينَهُمَا فِي الْعَقْدِ، جَازَ،
ــ
إحداهما، له ذلك. وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ؛ لأنَّها مساويَةٌ له، فلم يُشْتَرَطْ لصِحَّةِ نِكاحِها عَدَمُ الحُرَّةِ، كالحُرِّ مع الحُرَّةِ، ولأنَّه لو اشْتُرِطَ عَدَمُ الحُرَّةِ، لاشْتُرِطَ عَدَمُ القُدْرَةِ عليها، كما في حَقِّ الحُرِّ. والثانيةُ، لا يجوزُ؛ وهو قولُ أصحاب الرَّأْي؛ لأنَّه يُرْوَى عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ أنَّه قال: تُنْكَحُ الحُرَّةُ على الأَمَةِ، ولا تُنْكَحُ الأمَةُ على الحُرَّةِ. ولأنَّه مالِكٌ لبُضْعِ حُرَّةٍ، فلم يَكُنْ له أن يَتَزَوَّجَ أمَةً، كالحُرِّ.
٣١٦٤ - مسألة: (وإن جَمَع بينَهُمَا في العَقْدِ، جاز) لأنَّ كلَّ واحدةٍ منهما يجوزُ إفْرادُها بالعَقْدِ (١)، فجازَ الجَمْعُ بينَهما، كالأَمتَين،
стр. 9898
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَجُوزَ.
ــ
هذا إذا قُلْنا: ليست حُرِّيَّةُ الزَّوْجِ شَرْطًا في نِكاحِ الحُرَّةِ (ويَتَخَرَّجُ أن لا يَجُوزَ) بِناءً على قولِه: لا يجوزُ نِكاحُ الأمَةِ على حُرَّةٍ. ولأنَّه لا يَجُوزُ نِكاحُ الأمَةِ على الحُرَّةِ، فحَرُمَ عليه الجَمْعُ بينَهما، كالأُخْتَين.
стр. 9899
وَلَيسَ لَهُ نِكَاحُ سَيِّدَتِهِ، وَلَا لِلْحُرِّ أن يَتَزَوَّجَ أَمَتَهُ، وَلَا أمةَ ابْنِهِ،
ــ
٣١٦٥ - مسألة: (وليس للعَبْدِ نِكاحُ سَيِّدَتِه) قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ نِكاحَ المرأةِ عَبْدَها باطِلٌ؛ لأنَّ أحكامَ المِلْكِ والنِّكاحِ تَتَناقَضُ، إذ مِلْكُها إيَّاه يَقْتَضِي وُجُوبَ نَفَقَتِه عليها، وسَفَرَه بسَفَرِها، وطاعَتَه إيَّاها، ونِكاحُه إيَّاها يُوجب عَكْسَ ذلك، فيَتَنافَيَان، ولِما روَى الأثْرَمُ بإسنادِه عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرٍ، أنَّه سَألَه عن العَبْدِ يَنْكِحُ سَيِّدَتَه، فقال: جاءَتِ امرَأة إلى عمرَ بنِ الخطابِ ونحنُ بالجابِيَةِ (١) وقد نَكَحَتْ عَبْدَها، فانْتَهَرَها عمرُ، وهَمَّ أن يَرْجُمَها، وقال: لا يَحِلُّ لكِ (٢).
٣١٦٦ - مسألة: (وليس للحُرِّ أن يَتَزَوَّجَ أمَتَه) لأنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ يُفِيدُ (٣) مِلْكَ المَنْفَعَةِ، وإباحَةَ البُضْعِ، فلا يَجْتَمِعُ معه عَقْدٌ أضْعَفُ منه. ولا يجوزُ أن يَتَزَوَّجَ أمَةً له فيها مِلْكٌ. ولا يَتَزَوَّجُ مُكاتَبَتَه؛ لأنَّها مَمْلُوكَتُه.
٣١٦٧ - مسألة: (ولا) يَجُوزُ للحُرِّ أن يَتَزَوَّجَ (أمَةَ ابْنِه) لأنَّ
стр. 9900
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
له فيها شُبْهَةَ مِلْكٍ. وهذا قولُ أهلِ الحجازِ. وقال أهلُ العراقِ: له ذلك، لأنَّها ليستْ مَمْلُوكَةً له، ولا تَعْتِقُ بإعْتاقِه إيَّاها. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «أنْتَ وَمَالُكَ لأبِيكَ» (١). ولأنَّه لو مَلَك جُزْءًا مِن أمَةٍ، لم يَصِحَّ نِكاحُه
стр. 9901
وَيَجُوزُ لِلْعَبْدِ نِكَاحُ أَمَةِ ابْنِهِ.
ــ
لها، فما هي مُضافَةٌ بجُمْلَتِها شَرْعًا أوْلَى بالتَّحرِيمِ. وكذلك لا يَجُوزُ للعبْدِ نِكاحُ أمِّ (١) سَيِّدِه أو سَيِّدَتِه، مع ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ.
٣١٦٨ - مسألة: (ويجوز للعبدِ نِكاحُ أمَةِ ابْنِه) لأنَّ الرِّقَّ قَطَع ولايتَه عن ابْنِه ومالِه، ولهذا (٢) لا يَلِي ماله ولا نِكاحَه، ولا يَرِثُ أحدُهما
стр. 9902
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صاحِبَه، فهو كالأجْنَبِيِّ منه.
فصل: وللابْنِ نِكاحُ أمَةِ أبيه؛ لأنَّه لا مِلْكَ له فيها، ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ , فأشْبَهَ الأجْنَبِيَّ، وكذلك سائرُ القَراباتِ. ويجوزُ للرجلِ أن يُزَوِّجَ ابْنَتَه لمَمْلُوكِه. ومتى ماتَ الأبُ فوَرِثَ أحدُ الزَّوْجَين صاحِبَه أو جُزْءًا منه، انْفَسَخَ النِّكاحُ. وكذلك إن مَلَكَه أو جُزْءًا منه بغيرِ الإِرْثِ، لا نعلمُ فيه خِلافًا، إلَّا أنَّ الحسنَ قال: إذا اشْتَرَى امرأتَه للعِتْقِ، فأعْتَقَها حينَ مَلَكَها، فهما على نِكاحِهما. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّهما مُتَنافِيان، فلا يَجْتَمِعان قليلًا ولا كثيرًا، فبِمُجَرَّدِ المِلْكِ لها انْفَسَخَ نِكاحُها سابقًا على عِتْقِها.
стр. 9903
وَإنِ اشْتَرَى الْحُرُّ زَوْجَتَهُ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَإنِ اشْتَرَاهَا ابْنُهُ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
ــ
٣١٦٩ - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى الحُرُّ زَوْجَتَه) أو جُزْءًا منها، أو (١) مَلَكَه بغيرِ الشِّراءِ (انْفَسَخَ نِكاحُها) وكذلك إن مَلَكَتِ المرأةُ زَوْجَها، أو جُزْءًا منه، ولا نَعْلَمُ في ذلك اخْتِلافًا؛ لِما ذكَرْناه (وإنِ اشْتَرَاها ابْنُه، فعلى وَجْهَين) أحَدُهما، يَنْفَسِخُ النِّكاحُ؛ لأنَّ مِلْكَ الابنِ كمِلْكِه في إسْقاطِ الحَدِّ، وحُرْمَةِ الاسْتِيلادِ (٢)، فكان كمِلْكِه في إبْطالِ
стр. 9904
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النِّكاحِ. والثاني، لا يَبْطُلُ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُها بمِلْكِ الابنِ، فلم يَبْطُلْ نِكاحُه، كالأجْنَبِي.
فصل: وإذا مَلَكَتِ المرأةُ زَوْجَها أو بعضَه فانْفَسَخَ نِكاحُها، فليس ذلك طَلَاقًا، فمتى أعْتَقَتْه ثم تَزَوَّجَها، لم تُحْتَسَبْ عليه (١) بتَطْلِيقَةٍ. وبهذا قال الحَكَمُ، وحَمّادٌ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وإسحاقُ. وقال الحسنُ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، والأوْزَاعِيُّ: هي (٢)
стр. 9905
وَمَنْ جَمَعَ بَينَ مُحَرَّمَةٍ وَمُحَلَّلَةٍ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَهَلْ يَصِحُّ فِي مَنْ تَحِلُّ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
تَطْلِيقَةٌ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه لم يَلْفِظْ بطَلاقٍ صَريحٍ ولا كِنايَةٍ، وإنَّما فُسِخَ النِّكاحُ بوُجُودِ ما يُنافِيه، فأشْبَهَ انْفِساخَه بإسْلامِ أحَدِهما [أو رِدَّتِه] (١).
فصل: ولو مَلَك الرجلُ بعضَ زَوْجَتِه، انفسخَ نِكاحُها، وحَرُمَ وَطْؤها، في قولِ عامَّةِ المُفْتِينَ، حتى يَسْتَخْلِصَها، فيَحِلُّ له وَطْؤها بمِلْكِ اليمينِ. ورُوِيَ عن قَتادَةَ أنَّه قال (٢): لم يَزِدْه مِلْكُه فيها إلَّا قرْبًا. وليس بصحيحٍ؛ لأنَّ النِّكاحَ لا يَبْقَى في بعضِها، ومِلْكَه لم يَتِمَّ عليها، ولا يَثْبُتُ الحِلُّ فيما لا يَمْلِكُه ولا نِكاحَ فيه.
٣١٧٠ - مسألة: (ومَنْ جَمَع بينَ مُحَلَّلَةٍ ومُحَرَّمَةٍ فِي عَقْدٍ واحِدٍ، فهل يَصِحُّ في مَن تحِلُّ؟ على رِوايَتَين) وإذا عَقَد النِّكاحَ على أُخْتِه وأجْنَبِيَّةٍ مَعًا، بأن يكونَ لرجلٍ أُخْتٌ وابنةُ عَمٍّ، إحدَاهُما رَضِيعَةٌ
стр. 9906
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للمتزَوِّجِ (١)، فيقولَ له: زَوَّجْتُكَهُما. فيَقْبَلُ ذلك، فالمنصوصُ صِحَّةُ نِكاحِ الأجْنَبيَّةِ، فيما ذَكَره الخِرَقِيّ. ونَصَّ في مَن تَزَوَّجَ حُرَّةً وأمَةً، أنَّه يَثْبُتُ نِكاحُ الحُرَّةِ، ويُفارِقُ الأمَةَ. وذَكَر شيخُنا (٢) فيه رِوَايَتَين؛ إحداهما، يَفْسُدُ فيهما. وهو أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ، [واختيارُ أبِي بكرٍ] (٣)؛ لأنَّه عَقْدٌ واحدٌ جَمَع حَلالًا وحَرامًا، فلم يَصِحَّ، كما لو جَمَع بينَ أُخْتَين. والثانيةُ، يَصِحُّ في الحُرَّةِ. وهي أظهرُ الرِّوايَتَين. وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأي؛ لأنَّها مَحَلٌّ قابِلٌ للنِّكاحِ، أُضِيفَ إليها عَقْدٌ صادِرٌ مِن أهْلِه، لم يَجْتَمِعْ معها فيه مِثْلُها، فصَحَّ، كما لو انْفَرَدَتْ به، وفارَقَ العَقْدَ على الأخْتَين؛ لأنَّه لا مَزِيَّةَ [لإِحداهما على الأُخْرَى] (٤)، وهاهُنا قد تَعَيَنّتِ التي بَطَل النِّكاحُ فيها. فعلى هذا القولِ،
стр. 9907
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يكونُ لها مِن المُسَمَّى بقِسْطِ مَهْرِ مِثْلِها منه. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ لها نِصْفَ المُسَمَّى. وأصْلُ هذين الوَجْهَين، إذا تَزَوَّجَ امرأتين يجوزُ له نِكاحُهُما بمَهْرٍ واحدٍ، هل يكونُ بينَهما على قَدْرِ صَدَاقِهِما، أو نِصْفَين؟ على وَجْهَين، يَأتِي ذِكْرُهما إن شاء الله تَعالى.
فصل: ولو تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً ومَجُوسِيَّةً، أو مُحَلَّلَةً [ومُحَرَّمةً] (١)، في عقدٍ واحدٍ، فَسَدَ في المَجوسِيَّةِ والمُحَرَّمَةِ، وفي الأُخْرَى وَجْهان. وإن نَكَح أرْبَعَ حَرَائِرَ وأمَةً، فَسَد في الأمَةِ، وفي الحَرائِرِ وَجْهان. وإن نَكَح العَبْدُ حُرَّتَين وأمَةً، بَطَل نِكاحُ الجميعِ. وإن تَزَوَّجَ امرأةً وابْنَتَها فَسَد فيهما؛ لأنَّ الجمعَ بينَهما مُحَرَّمٌ، فلم يَصِحَّ فيهما (٢)، كالأُختَين.
стр. 9908
وَمَنْ حَرُمَ نِكَاحُهَا، حَرُمَ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِين، إلا إِمَاءَ أهْلِ الْكِتَابِ.
ــ
٣١٧١ - مسألة: (و) كلُّ (مَن حَرُم نِكاحُها حَرُم وَطْؤُها بمِلْكِ اليمينِ، إلَّا إماءَ أهْلِ الكتابِ) الكلامُ في هذه المسألةِ في فصلَين؛ أحدُهما، أنَّ إماءَ (١) أهلِ الكتاب حَلالٌ. وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا الحسنَ، فإنَّه كَرِهَه؛ لَأنَّ الأمَةَ الكِتابِيَّةَ يَحْرُمُ نِكاحُها، فحَرُمَ التَّسَرِي بِها، كالمَجُوسِيَّةِ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَو مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ﴾ (٢). ولأنَّها مِمَّن يَحِلُّ نِكاحُ حَرائِرِهم، فحَلَّ له التَّسَرِي بِها، كالمُسْلِمَةِ. فأمَّا نِكاحُها، فيَحْرُمُ؛ لأنَّ فيه إرْقاقَ وَلَدِه، وإبْقَاءَه مع كافِرَةٍ، بخِلافِ التَّسَرِي. الفصلُ الثاني، أنَّ مَن حَرُمَ نِكاحُ حَرائِرِهم مِن المَجُوسِيَّاتِ وسائرِ الكَوافِرِ سِوَى أهلِ الكتابِ، لا يُبَاحُ وَطْءُ الإماءِ منهنَّ بمِلْكِ اليمينِ. في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الزُّهْرِيُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٣): على هذا جَماعَةُ فُقَهاءِ الأمصارِ، وجمهورُ العلماءِ، وما خالفَه فشُذُوذٌ لا يُعَدُّ خِلافًا، ولم يَبْلُغْنا إباحَةُ ذلك إلَّا عن طاوُسٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ
стр. 9909
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ (١). وقولِه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ (٢) الآية. وروَى أبو سعيدٍ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بَعَث يَوْمَ حُنَينٍ (٣) بَعْثًا قِبَلَ أوْطَاسٍ (٤)، فأصابُوا لهم سَبَايَا، [فكان ناسٌ] (٥) مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ تَحَرَّجُوا مِن غِشْيَانِهِنَّ مِن أجْلِ أزواجهنَّ مِن المشْرِكِينَ، فأنْزَلَ اللهُ في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾. قال: فهُنَّ لهم حلالٌ إذا انْقَضَتْ عِدَّتُهنَّ. وعنه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال في سَبَايَا أوْطاسٍ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا [غَيرُ ذَاتِ حَمْلٍ] (٦) حتَّى تَحِيضَ حَيضَةً». رَواهما أبو داودَ (٧). وهذا حديثٌ (٨) صحيحٌ. وهم
стр. 9910
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَبَدَةُ أوْثَانٍ وهذا ظاهرٌ في إباحَتِهِنَّ، ولأنَّ الصحابةَ في عصرِ النبيِّ ﷺ كان أكثرُ سَبَايَاهُم مِن كُفَّارِ العَرَبِ، وهم عَبَدَةُ الأوثانِ، فلم يكُونُوا يَرَوْنَ تَحْرِيمَهُنَّ ذلك، ولا نُقِلَ عن النبيِّ ﷺ تَحْرِيِمُهُنَّ، ولا أمَرَ الصحابةَ باجْتِنَابِهِنَّ، وقد دَفَع أبو بَكْرٍ إلى سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ امرأةً مِن بعضِ السَّبْيِ، نَفَلَه إيَّاها، وأخَذَ عمرُ وابنُه مِن سَبْي هَوازِنَ، وكذلك غيرُهما مِن الصحابةِ، وأُمُّ محمدِ بنِ الحَنَفِيَّةِ مِن سَبْي بَنِي حنيفةَ، وأخَذَ الصَّحابةُ سَبَايَا فارِسَ، وهم مَجُوسٌ، فلم يَبْلُغْنا أنّهم اجْتَنَبُوهُنَّ، وهذا ظاهِرٌ في إباحَتِهِنَّ، لولا اتِّفَاقُ سائِرِ أهلِ العلمِ على خِلافِه. وقد أجَبْتُ عن حديث أبي سعيدٍ بأجْوبَةٍ، منها، أنَّه يَحْتَمِلُ أنَّهُنَّ أسْلَمْنَ، كذلك رُوِيَ عن أحمدَ، حينَ سَألَه محمدُ بنُ الحَكَمِ، قال: قلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: فهَوازِنُ (١): أليسَ كانوا عَبَدَةَ أوثانٍ؟ قال: لا أدْرِي، كانوا أسْلَمُوا (٢) أو لا. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: إباحَةُ وَطْئِهِنَّ مَنْسُوخَةٌ بقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٣).