Полный текст (96 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
مقدمة
ماذا نقصد بالقيم؟
القيمة هي صفة في شئ تجعله موضع تقدير واحترام أي أن هذه الصفة تجعل ذلك الشيء مطلوبًا ومرغوبًا فيه، سواءً كانت الرغبة عند شخص واحد، أو عند مجموعة من الأشخاص. مثال ذلك إن للنسب عند الأشراف قيمة عالية، وللحكمة عند العٌلماء قيمة عظيمة، وللشجاعة عند الأمراء قيمة مرغوبة، ونحو ذلك.
وموضوع القيمة: هو البحث عن الموجود من حيث هو مرغوب فيه لذاته، والنظر في قيم الأشياء، وتحليلها، وبيان أنواعها وأصولها، فإن فسرت "القيمة" بنسبتها إلى الصور الغائبة، المرتسمة على صفحات الذهن، كان تفسيرها مثاليًّا، وإذا فسرت بأسباب طبيعية أو نفسية أو اجتماعية، كان تفسيرها وجوديًّا. وخير تفسير للقيم ما جمع بين الاثنين، المعنى المثالي، والمعنى الطبيعي، إذ لا يمكن تصور أحد هذين المعنيين في القيمة، دون الآخر، ولولا ذلك، لما كان للقيمة وجود، ولا للوجود قيمة.
стр. 2
١ / مفهوم العدل:
المراد بالعدل: إعطاء كل ذي حق حقه، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، من غير تفرقة بين المستحقين ولأهمية العدل ومنزلته، بعث الله رسله وأنزل كتبه، لنشره بين الأنام، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ والقسط: العدل، وهو قوام الدنيا والدين، وسبب صلاح العباد والبلاد، به قامت السموات والأرض، وتألفت به الضمائر والقلوب والتأمت به الأمم والشعوب، وشمل به الناس التناصف والتعاطف، وضمهم به التواصل والتجانس، وارتفع به التقاطع والتخالف.
وضعه الله تعالى لتوزّع به الأنصبة والحقوق، وتقدر به الأعمال والأشخاص، إذ هو الميزان المستقيم، الذي لا تميل كفته، ولا يختل وزنه، ولا يضطرب مقياسه، فمن رام مخالفته، وقصد مُجانيته، عرّض دينه للخبال، وعمرانه للخراب، وعزته للهوان، وكثرته للنقصان، وما من شيء قام على العدل، واستقام عليه، إلاّ أمن الانعدام، وسلم من الانهيار.
стр. 3
ومن أهم دعائم السعادة، التي ينشدها البشر في حياتهم، أن يطمئنوا على حقوقهم وممتلكاتهم، وأن يستقر العدل فيما بينهم، وإلاّ فلا يعرف على وجه الأرض شيء أبعث للشقاء والدّمار، وأنفى للهدوء والاستقرار بين الأفراد والجماعات، من سلب الحقوق.
إذن العدل قيمة ضرورية في الإسلام، عمل الإسلام على إثباتها، وإرسائها بين الناس، حتى ارتبطت بها جميع مناحي تشريعاته ونظمه، فلا يوجد نظام في الإسلام إلاّ وللعدل فيه مطلب، فهو مرتبط بنظام الإدارة والحكم، والقضاء، وأداء الشهادة، وكتابة العهود والمواثيق بل إنه مرتبط أيضًا بنظام الأسرة والتربية، والاقتصاد والاجتماع، والسلوك، والتفكير، إلى غير ذلك من أنظمة الإسلام المختلفة وهذا يدل بوضوح على أن الإسلام ضمن قيمة العدل في جميع مجالات الحياة، بل إنه ركز كافة أهدافه على ضوئها، مما شهد له التاريخ على سلامة المجتمعات التي حكمها، من الانهيار الخطير في الأخلاق، وأمنها من اضطراب الموازين والمعايير، وصانها من دمار النفوس، وخراب العمران.
стр. 4
٢ / أنواع العدل:
يمكن تقسيمه إلى أنواع باعتبارات مختلفة، منها:
أ - تقسيم العدل باعتبار زمانه ومكانه:
والعدل بهذا الاعتبار ينقسم إلى قسمين:
стр. 5
١ / عدل في الدنيا: وهو يشمل الحياة البشرية كلها، منذ أن خلق الله آدم ﵇ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ ومعلوم أن رسل الله وأنبياءه، موزعون على الأزمان والأجيال بالتعاقب، ليقيموا العدل بين الناس، إذ الناس يختلفون ويختصمون، ويؤثر فيهم الهوى والشهوة، فيقع الظلم بينهم، فجاء الأنبياء بالعدل لرفع ذلك الظلم، ومنع ضرره، ولولاهم، لفسدت حياة الناس وخربت عليهم الديار. وفي قصة ابني آدم ﵇ وهما قابيل وهابيل - التي خلّد ذكرها القرآن ما يعطي صورة واضحة على خطورة الظلم وضرره، حيث إنه أول معصية أودت بحياة إنسان على وجه الأرض، ويؤكد على ضرورة العدل، كي تعيش البشرية في أمن وسلام واستقرار. وهذا العدل الدنيوي عدل تبين لأنه يقوم على حسب وسع البشر في تطبيقهم لمقتضيات العدل الإلهي المثبت في أحكامه وشرائعه.
стр. 6
٢ / عدل في الآخرة: وهو الذي استأثر به الله تعالى يوم القيامة، إذ قد يفلت الظالم في الدنيا من سلطة الحكم العادل، الذي يرد عليه ظلمه، ويؤاخذه بذنبه، كما أن من التزم العدل في الدنيا، يتشوق إلى الأجر العظيم، الذي أعده الله له يوم القيامة مقابل التزامه وصبره وتحمله. وفي هذا وذاك، يقول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ وهذا هو العدل المطلق لأن الذي يتولى القيام به هو الله تعالى الذي لا يعزب عنه مثقال حبة أو ذرة في السماوات ولا في الأرض.
ب - تقسيم العدل باعتبار عمومه وشموله:
стр. 7
والعدل بهذا الاعتبار يعمّ الإنسان والحيوان وسائر الكائنات. أما شموله للإنسان فتدّل عليه أدلة كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ والخطاب للعقلاء، فكل عاقل مطالب بإقامة العدل في حياته، مع نفسه وغيره، حتى لو كان الغير عدوّه وخصمه لأن سلطان العدل، ليس له حدود، فهو يتجاوز حدود الدين والعقيدة، ويتجاوز حدود القرابة والنّسب، ويتجاوز حدود الأرض أو الوطن، فمن كان له حق لآخر، فلا يظلمه، بحجة أنه يختلف معه في الدّين أو النسب، أو الوطن، بل الواجب عليه أن يعطيه حقه لإنسانيته، إذ العدل حق يشترك فيه جميع الناس.
стр. 8
وأما شموله للحيوان، فلأن الإنسان مأمور بعدم ظلمه وإيذائه، سواء كان بحبس أو تجويع أو تحميل له فوق طاقته أو غير ذلك، وقد دخلت امرأة النار في هرة، حبستها من غير أن تطعمها أو تخلي سبيلها فتأكل من حشاش الأرض ودخل رجل الجنة في كلبٍ وجده يلهث ويأكل التراب من شدة العطش، فنزل في البئر، فملأ خفّه ماء، فسقاه، فشكر الله له، وأدخله الجنة فالحيوان وإن كان لا يستطيع هو بنفسه أن يحقق العدل في حياته - لعدم تكليفه حيث لا يعقل الخطاب عن المكلف - إلا أن الذين يعيشون معه مطالبون بالعدل معه، والكف عن أذيته.
стр. 9
وأما شمول العدل لسائر الكائنات، فهو ما نراه ونلحظه في حركة الكائنات التي تسبح في الأرض، أو التي تسبح في الفضاء، فإنها تتحرك حركة عادلة، فمنها ما يلاحظ عدله في الحركة بين السرعة والبطء، كالليل والنّهار، والشمس والقمر، والنجوم والكواكب، لهذا قال الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ، ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ومنها ما يكون عدله مركوزًا في حركته بين الزيادة والنقصان، كالماء واليابسة، فإن الماء لو طغى على اليابسة، لهلك كل شيء يقطن اليابسة، كما أنه لو نقص، لهلك كل كائن يعيش في الماء. ومن الكائنات ما عدله ملاحظ في طبيعته وتكوينه البيولوجي والكيمائي، كالحيوانات التي تدبّ على الأرض وما من شيء في الكون، إلاّ وقد رُكّز "العدل" في نظام حياته، مما فيه الحياة أو نظام حركته، مما لا حياة فيه، ولكنه يسير ويتحرك.
стр. 10
ج - تقسيم العدل باعتبار تعلقه بالإنسان:
والعدل بهذا الاعتبار ينقسم إلى قسمين:
- عدل فردي: وهو ما كان مظهرًا للتوازن النفسي لدى الفرد، وذلك أن تناسب قوى المرء الثلاث - العقل والغضب والشهوة - أمر راجع إلى الإنسان نفسه، إما لذاته، نتيجة تأملاته وأفكاره الفردية، وإما بتأثير غيره، عن طريق العلم والمعرفة والإدراك مثال ذلك: عدل الإنسان في نفسه، بأن يعدل في جسده وروحه، وعقله وفكره، وأخذه وعطائه، وعمله ونشاطه، ونحو ذلك من الأمور التي تخص الفرد في هذه الحياة.
стр. 11
- عدل جماعي: وهو ما روعي فيه حقوق الآخرين، وما يجب نحوهم من احترام وتقدير أي أن الإنسان يعتدل في أخذ ما له من حقوق، وأداء ما عليه من واجبات. مثال ذلك: عدل الإنسان في بيعه وشرائه، وفي حكمه وقضائه، وشهادته وأمانته، ومنعه وعطائه، وغير ذلك من المظاهر الاجتماعية الكثيرة، التي يجري فيها العدل بين الفرد وغيره. فالحاكم الأعلى أو الرّئيس - وهو إنسان فرد - يجب عليه إزاء الجماعة أن يتبع قواعد العدل في توليتها، وذلك بإسناد الأعمال إلى أهلها من ذوي الكفاءة والخبرة. والقاضي يجب أن يراعي العدل بين الخصمين، بإعطاء كل ذي حق حقه، وإلزام من عليه الحق أن يدفعه لمستحقه.
стр. 12
والزوج كذلك عليه أن يعامل زوجته أو زوجاته بالعدل، ويعطي كل واحدة منهن حقها المشروع، من النفقة والسكن، والمبيت والركوب، والطعام واللباس ونحوه. والأب مطالب بالعدل بين أبنائه، في التربية والتعليم، والصحة، والمنع والعطاء، وألاّ يفضل أحدًا على آخر إلاّ بحقّه وقد ثبت كل ذلك بنصوص صريحة ومباشرة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ وقال ﷺ : «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» وقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾
стр. 13
٣ / ثمرة العدل:
إن المجتمع الذي يضمن نظامه العدل، لا بدّ أن يجني في حياته ثمرات عظيمة ومنافع كثيرة، نذكر منها ما يلي:
стр. 14
أ - العدل مشعر للناس بالاطمئنان والاستقرار، وحافز كبير لهم على الإقبال على العمل والإنتاج، فيترتب على ذلك: نماء العمران واتساعه، وكثرة الخيرات وزيادة الأموال والأرزاق، ولا يخفى أن المال والعمل، من أكبر العوامل لتقّدم الدّول وازدهارها، بينما في المقابل تكون عواقب الاعتداء على أموال الناس وممتلكاتهم، وغمطهم حقوقهم، هي الإحجام عن العمل، والركود عن الحركة والنشاط، لفقد الشعور بالاطمئنان والثقة بين الناس. وهذا يؤدي بدوره إلى الكساد الاقتصادي، والتأخر العمراني، والتعثر السّياسي يقول ابن خلدون: [اعلم أن العدوان على الناس في أموالهم، ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها، لما يرونه حينئذ من أنّ غايتها ومصيرها، انتهابها من أيديهم، وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرّعايا عن السّعي في الاكتساب، والعمران ووفوره، ونفاق أسواقه إنما هو بالأعمال، فإذا قعد الناس عن المعاش، كسدت أسواق العمران، وانتقصت الأموال، وابذعر-أي تفرق- الناس في الآفاق، وفي طلب الرّزق، فخفّ ساكن القطر، وخلّت دياره، وخربت أمصاره، واختل باختلافه حال الدّولة]
стр. 15
ب-أنه بغير العدل، يتحيّن الناس الفرصة، للثورة على الحكومة الظالمة، وخلع يد الطاعة عن أعناقهم، ذلك أن النفوس مجبولة على حبّ من أحسن إليها، وكره من أساء إليها، وليس هناك إساءة أشد من الظلم، وأفدح من الجور، ولذلك تقوم الثورات كل حين، وتزداد الانتفاضات هنا وهناك، لتقويض كابوس الظلم، ورفع وطأته عن كاهل الشعوب. وما قيام "الثورة الفرنسية" في أوروبا، والانتفاضة الفلسطينية في الشرق الأوسط ومقاومة التمييز العنصري في أمريكا وجنوب أفريقيا إلاّ صورة معبرة عن فقدان العدل في تلك الأماكن وانتشار الظلم فيها، فأسفر عن إعلان غضب شعوب المنطقة على الظلم وأهله، وكراهيتها لأساليب القمع والاضطهاد، والتعذيب والتنكيل، والطغيان والاستبداد التي تمارسها السّلطات القائمة في تلك المناطق ضد شعوبها.
стр. 16
٤ / تطبيقات العدل في الإسلام:
стр. 17
طبّق المسلمون "العدل" في أعلى صوره، بدءًا برسول الله، الذي حكى عنه القرآن قوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فقد وضع نفسه في مصاف مرتبة البشر، ولم يحمله شرفه العظيم للامتياز عن الناس تبريرًا لأخذ حقوقهم من غير وجه حق، بل كان نموذجًا رائعًا في إقامة العدل، حتى على نفسه الكريمة رغم كونه نبي الله ورسوله. فقد رُوى أن «أسيد بن حضير ﵁ كان رجلا صالحا ضاحكا مليحا، فبينما هو عند رسول الله، يحدث القوم ويضحكهم، طعن رسول الله في خاصرته، فقال: أوجعتني. قال ﷺ : "اقتص" قال: يا رسول الله إن عليك قميصا، ولم يكن عليّ قميص. قال: فرفع رسول الله قميصه، فاحتضنه، ثم جعل يقبل كشحه، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أردت هذا» وهذا من أروع الأمثلة على العدل، الذي سيظلّ يعجز عن تحقيقه أعظم الزعماء إنصافًا مع رعاياه عبر القرون والأجيال. ومثال آخر في تطبيق العدل في الإسلام، عمر بن الخطاب ﵁ أمير المؤمنين، الذي لم تزد قيمة شهادته على شهادة غيره من الناس لمجرد كونه أميرًا. فقد روي عنه أنه كان يمر ليلًا - على عادته - ليتفقد أحوال
стр. 18
رعيته، فرأى رجلًا وامرأة على فاحشة، وجمع الناس وخطب فيهم: "ما قولكم أيها الناس في رجل وامرأة رآهما أمير المؤمنين على فاحشة؟ فرد عليه عليّ بن أبي طالب: يأتي أمير المؤمنين بأربعة شهداء، أو يجلد حد القذف، شأنه شأن سائر المسلمين. ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ولم يملك أمير المؤمنين إلاّ أن يمسك عن ذكر أسماء الجناة، حيث أدرك أنه لا يستطيع أن يأتي بباقي نصاب الشهادة وأنه لا فرق في هذا بينه وبين سائر المسلمين.
стр. 19
ومثال آخر: عليّ بن أبي طالب ﵁ الخليفة الرابع، افتقد درعه - يوما من الأيام - فوجدها عند رجل نصراني، فاختصمه إلى شريح القاضي، فقال عليّ مدعيا: الدّرع درعي، ولم أبع ولم أهب، وسأل شريح النصراني في ذلك فقال: ما الدّرع إلاّ درعي، وما أمير المؤمنين عندي بكاذبٍ. فالتفت القاضي إلى أمير المؤمنين عليّ، فقال: يا أمير المؤمنين، إن النصراني صاحب اليد على الدّرع، وله بذلك حقٌ ظاهر عليها، فهل لديك بيّنة على خلاف ذلك تؤيد ما تقول؟ فقال أمير المؤمنين أصاب شريح، مالي بيّنة، وقضى شريحٌ بالدرع للنصراني، وأخذ النصراني الدّرع وانصرف بضع خطوات، ثم عاد فقال أما أني أشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين يدنيني إلى قاضيه، فيقضي لي عليه، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، الدّرع درعك يا أمير المؤمنين، اتبعت الجيش وأنت منطلق من صفين، فخرجت من بعيرك الأورق. فقال علي: أما وقد أسلمت فهي لك وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة، التي تدلّ على تطبيق العدل في الإسلام في أعلى درجاته، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ
стр. 20
بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
стр. 21
١ / مفهوم الحرية
يقصد بالحرية: قدرة الإنسان على فعل الشيء أو تركه بإرادته الذاتية وهي ملكة خاصة يتمتع بها كل إنسان عاقل ويصدر بها أفعاله، بعيدا" عن سيطرة الآخرين لأنه ليس مملوكا" لأحد لا في نفسه ولا في بلده ولا في قومه ولا في أمته.
هل "الحرية" تعني الإطلاق من كل قيد؟
لا يعني بطبيعة الحال، إقرار الإسلام للحرية، أنه أطلقها من كل قيد وضابط، لأن الحرية بهذا الشكل أقرب ما تكون إلى الفوضى، التي يثيرها الهوى والشهوة، ومن المعلوم أن الهوى يدمر الإنسان أكثر مما يبنيه، ولذلك منع من اتباعه، والإسلام ينظر إلى الإنسان على أنه مدني بطبعه، يعيش بين كثير من بني جنسه، فلم يقر لأحد بحرية دون آخر، ولكنه أعطى كل واحد منهم حريته كيفما كان، سواء كان فردا" أو جماعة"، ولذلك وضع قيودا" ضرورية"، تضمن حرية الجميع، وتتمثل الضوابط التي وضعها الإسلام في الآتي:
أ- ألا تؤدي حرية الفرد أو الجماعة إلى تهديد سلامة النظام العام وتقويض أركانه.
ب- ألا تفوت حقوقا أعم منها، وذلك بالنظر إلى قيمتها في ذاتها ورتبتها ونتائجها.
ج - ألا تؤدي حريته إلى الإضرار بحرية الآخرين.
стр. 22
وبهذه القيود والضوابط ندرك أن الإسلام لم يقر الحرية لفرد على حساب الجماعة، كما لم يثبتها للجماعة على حساب الفرد، ولكنه وازن بينهما، فأعطى كلا" منهما حقه.
стр. 23
أنواع الحرية
- الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المادية.
- الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المعنوية.
الصنف الأول:
الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المادية، وهذا الصنف يشمل الآتي:
أ - الحرية الشخصية: والمقصود بها: أن يكون الإنسان قادرا" على التصرف في شئون نفسه، وفي كل ما يتعلق بذاته، آمنا من الاعتداء عليه، في نفسه وعرضه وماله، على ألا يكون في تصرفه عدوان على غيره. والحرية الشخصية تتضمن شيئين.
стр. 24
١ / حرمة الذات، وقد عنى الإسلام بتقرير كرامة الإنسان، وعلو منزلته. فأوصى باحترامه وعدم امتهانه واحتقاره، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وميزه بالعقل والتفكير تكريما" له وتعظيما" لشأنه، وتفضيلا" له على سائر مخلوقاته، وفي الحديث عن عائشة ﵂ مرفوعا": «أول ما خلق الله العقل قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، ثم قال له : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أثيب، وبك أعاقب» وفي هذه النصوص ما يدعو إلى احترام الإنسان، وتكريم ذاته، والحرص على تقدير مشاعره، وبذلك يضع الإسلام الإنسان، في أعلى منزلة، وأسمى مكان، حتى أنه يعتبر الاعتداء عليه، اعتداء على المجتمع كله، والرعاية له رعاية للمجتمع كله، وقال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى
стр. 25
بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ وتقرير الكرامة الإنسانية للفرد، يتحقق أيا كان الشخص، رجلا أو امراة، حاكما أو محكوما، فهو حق ثابت لكل إنسان، من غير نظر إلى لون أو جنس أو دين. حتى اللقيط في الطرقات ونحوها، يجب التقاطه احتراما لذاته وشخصيته، فإذا رآه أحد ملقى في الطريق، وجب عليه أخذه، فان تركوه دون التقاطه أثموا جميعا أمام الله تعالى، وكان عليهم تبعة هلاكه. هذا وكما حرص الإسلام على احترام الإنسان حيا، فقد أمر بالمحافظة على كرامته ميتا، فمنع التمثيل بجثته، والزم تجهيزه ومواراته، ونهى عن الاختلاء والجلوس على القبور.
٢ / تأمين الذات: بضمان سلامة الفرد وأمنه في نفسه وعرضه وماله:
стр. 26
فلا يجوز التعرض له بقتل أو جرح، أو أي شكل من أشكال الاعتداء، سواء كان على البدن، كالضرب والسجن ونحوه، أو على النفس والضمير، كالسب أو الشتم والازدراء والانتقاص وسوء الظن ونحوه، ولهذا قرر الإسلام زواجر وعقوبات، تكفل حماية الإنسان ووقايته من كل ضرر أو اعتداء يقع عليه، ليتسنى له ممارسة حقه في الحرية الشخصية. وكلما كان الاعتداء قويا كان الزجر أشد، ففي الاعتداء على النفس بالقتل وجب القصاص، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ أو كان الاعتداء على الجوارح بالقطع وجب القصاص أيضا كما قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ومنع عمر بن الخطاب ﵁ الولاة من أن يضربوا أحدا إلا أن يكون بحكم قاض عادل، كما أمر بضرب الولاة الذين يخالفون ذلك بمقدار ما ضربوا رعاياهم بل انه في سبيل ذلك منع الولاة من أن يسبوا أحدا من الرعية، ووضع عقوبة على من يخالف ذلك.
стр. 27
ب-حرية التنقل (الغدو والرواح) : والمقصود بها: أن يكون الإنسان حرا في السفر والتنقل داخل بلده وخارجه دون عوائق تمنعه. والتنقل بالغدو والرواح حق إنساني طبيعي، تقتضيه ظروف الحياة البشرية من الكسب والعمل وطلب الرزق والعلم ونحوه، ذلك أن الحركة شأن الأحياء كلها، بل تعتبر قوام الحياة وضرورتها وقد جاء تقرير حرية التنقل بالكتاب والسنة والإجماع ففي الكتاب قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ ولا يمنع الإنسان من التنقل إلا لمصلحة راجحة، كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ في طاعون عمواس، حين منع الناس من السفر إلى بلاد الشام، الذي كان به هذا الوباء، ولم يفعل ذلك إلا تطبيقا لقول رسول الله ﷺ «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه» ولأجل تمكين الناس من التمتع بحرية التنقل، حرم الإسلام الاعتداء على المسافرين، والتربص لهم في الطرقات، وأنزل عقوبة شديدة على الذين يقطعون الطرق ويروعون الناس بالقتل والنهب والسرقة، قال تعالى: ﴿
стр. 28
إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ولتأكيد حسن استعمال الطرق وتأمينها، نهى النبي ﷺ صحابته عن الجلوس فيها، فقال: «إياكم والجلوس في الطرقات، قالوا: يا رسول الله، ما لنا بد في مجالسنا، قال: فإن كان ذلك، فأعطوا الطريق حقها، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» فالطرق يجب أن تفسح لما هيئ لها، من السفر والتنقل والمرور، وأي استعمال لغير هدفها محظور لا سيما إذا أدى إلى الاعتداء على الآمنين، ولأهمية التنقل في حياة المسلم وأنه مظنة للطوارئ، فقد جعل الله تعالى ابن السبيل- وهو المسافر- أحد مصارف الزكاة إذا ألم به ما يدعوه إلى الأخذ من مال الزكاة، ولو كان غنيًّا في موطنه.
стр. 29
ج-حرية المأوى والمسكن: فمتى قدر الإنسان على اقتناء مسكنه، فله حرية ذلك، كما أن العاجز عن ذلك، ينبغي على الدولة أن تدبر له السكن المناسب، حتى تضمن له أدنى مستوى لمعيشته.
روى أبو سعيد الخدري ﵁-أن رسول الله ﷺ قال «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له» وقد استدل الإمام ابن حزم بهذا الحديث وغيره على أن أغنياء المسلمين مطالبون بالقيام على حاجة فقرائهم إذا عجزت أموال الزكاة والفيئ عن القيام بحاجة الجميع من الطعام والشراب واللباس والمأوى الذي يقيهم حر الصيف وبرد الشتاء وعيون المارة والدولة هي التي تجمع هذه الأموال وتوزعها على المحتاجين ولا فرق في هذا بين المسلمين وغيرهم لأن هذا الحق يشترك فيه جميع الناس كاشتراكهم في الماء والنار فيضمن ذلك لكل فرد من أفراد الدولة بغض النظر عن دينه.
стр. 30
فإذا ما ملك الإنسان مأوى ومسكن، فلا يجوز لأحد، أن يقتحم مأواه، أو يدخل منزله إلا بإذنه، حتى لو كان الداخل خليفة، أو حاكما أعلى -رئيس دوله-ما لم تدع إليه ضرورة قصوى، أو مصلحة بالغة، لان الله تعالى يقول: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وإذا نهي عن دخول البيوت بغير إذن أصحابها، فالاستيلاء عليها، أو هدمها أو إحراقها من باب أولى، إلا إذا كان ذلك لمصلحة الجماعة، بعد ضمان البيت ضمانا عادلا، وهذه المصلحة قد تكون بتوسعة مسجد، أو بناء شارع، أو إقامة مستشفى، أو نحو ذلك، وقد أجلى عمر بن الخطاب ﵁ -أهل نجران، وعوضهم بالكوفة ولحفظ حرمة المنازل وعظمتها، حرم الإسلام التجسس، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ وذلك لأن في
стр. 31
التجسس انتهاكا لحقوق الغير، والتي منها: حفظ حرمة المسكن، وحرية صاحبه الشخصية بعدم الاطلاع على أسراره بل وبالغ الإسلام في تقرير حرية المسكن بأن أسقط القصاص والديه عمن انتهك له حرمة بيته، بالنظر فيه ونحوه يدل على ذلك حديث أبى هريرة ﵁-أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقأوا عينه فقد هدرت عينه» وهدرت: أي لاضمان على صاحب البيت. فعين الإنسان -رغم حرمتها وصيانتها من الاعتداء عليها، وتغليظ الدية فيها -لكنها هنا أهدرت ديتها بسب سوء استعمالها واعتدائها على حقوق الغير.
د-حرية التملك: ويقصد بالتملك: حيازة الإنسان للشيء وامتلاكه له، وقدرته على التصرف فيه، وانتفاعه به عند انتقاء الموانع الشرعية وله أنواع ووسائل نوجزها في الآتي:
١ / أنواع الملكية: للملكية أو التملك نوعان بارزان، هما: تملك فردي، وتملك جماعي.
فالتملك الفردي: هو أن يحرز الشخص شيئا ما، وينتفع به على وجه الاختصاص والتعين.
стр. 32
وقد أعطى الإسلام للفرد حق التملك، وجعله قاعدة أساسية للاقتصاد الإسلامي، ورتب على هذا الحق نتائجه الطبيعية في حفظه لصاحبه، وصيانته له عن النهب والسرقة، والاختلاس ونحوه، ووضع عقوبات رادعة لمن اعتدى عليه، ضمانا له لهذا الحق، ودفعا لما يتهدد الفرد في حقه المشروع. كما أن الإسلام رتب على هذا الحق أيضا نتائجه الأخرى، وهي حرية التصرف فيه بالبيع أو الشراء، والإجارة والرهن، والهبة والوصية وغيرها من أنواع التصرف المباح.
غير أن الإسلام لم يترك (التملك الفردي) مطلقا من غير قيد، ولكنه وضع له قيودا كي لا يصطدم بحقوق الآخرين، كمنع الربا والغش والرشوة والاحتكار ونحو ذلك، مما يصطدم ويضيع مصلحة الجماعة. وهذه الحرية لا فرق فيها بين الرجل والمرأة قال الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾
стр. 33
أما النوع الثاني: فهو التملك الجماعي: وهو الذي يستحوذ عليه المجتمع البشري الكبير، أو بعض جماعاته، ويكون الانتفاع بآثاره لكل أفراده، ولا يكون انتفاع الفرد به، إلا لكونه عضوا في الجماعة، دون أن يكون له اختصاص معين بجزء منه مثاله: المساجد والمستشفيات العامة والطرق والأنهار والبحار وبيت المال ونحو ذلك. وما ملك ملكا عاما يصرف في المصالح العامة، وليس لحاكم أو نائبه أو أي أحد سواهما أن يستقل به أو يؤثر به أحد ليس له فيه استحقاق بسب مشروع وإنما هو مسؤول عن حسن إدارته وتوجيهه التوجيه الصحيح الذي يحقق مصالح الجماعة ويسد حاجاتها.
٢ / وسائل الملكية: وهي طرق اكتسابها التي حددها الإسلام، وعينها، وحرم ما سواها، ويمكن تقسيمها أيضا إلى قسمين: وسائل الملكية الفردية، والجماعية.
- وسائل الملكية الفردية، ولها مظهران:
المظهر الأول: الأموال المملوكة، أي المسبوقة بملك، وهذه الأموال لا تخرج من ملك صاحبها إلى غيره إلا بسبب شرعي كالوراثة، أو الوصية، أو الشفعة، أو العقد، أو الهبة، أو نحوها.
стр. 34
المظهر الثاني: الأموال المباحة، أي غير المسبوقة بملك شخص معين، وهذه الأموال لا يتحقق للفرد تملكها إلا بفعل يؤدي إلى التملك ووضع اليد، كإحياء موات الأرض والصيد، واستخراج ما في الأرض من معادن، وإقطاع ولي الأمر جزءا من المال لشخص معين، والعمل، ونحوه.
على أن ثمة قيودا على الملكية الفردية، تجمل فيما يلي:
١ / مداومة الشخص على استثمار المال، لأن في تعطيله إضرارا بصاحبه، وبنماء ثروة المجتمع.
٢ / أداء زكاته، إذا بلغ نصابا، لأن الزكاة حق المال، وكذلك إنفاقه في سبيل الله.
٣ / اجتناب الطرق المحرمة للحصول عليه، كالربا، والغش والاحتكار ونحوه.
٤ / عدم الإسراف في بذله أو التقتير.
- وسائل الملكية الجماعية، ولها مظاهر كثيرة، نوجزها في الآتي:
المظهر الأول: الموارد الطبيعية العامة، وهي التي يتناولها جميع الناس في الدولة دون جهد أو عمل. كالماء، والكلأ، والنار، وملحقاتها.
المظهر الثاني: الموارد المحمية، أي التي تحميها الدولة لمنفعة المسلمين أو الناس كافة، مثل: المقابر، والمعسكرات، والدوائر الحكومية، والأوقاف، والزكوات ونحوها.
стр. 35
المظهر الثالث: الموارد التي لم تقع عليها يد أحد، أو وقعت عليها ثم أهملتها مدة طويلة كأرض الموات.
المظهر الرابع: الموارد التي تجنيها الدولة بسبب الجهاد كالغنائم والفيء ونحوها.
стр. 36
هـ- حرية العمل: العمل عنصر فعال في كل طرق الكسب التي أباحها الإسلام، وله شرف عظيم باعتباره قوام الحياة ولذلك فإن الإسلام أقر بحق الإنسان فيه في أي ميدان يشاؤه ولم يقيده إلا في نطاق تضاربه مع أهدافه أو تعارضه مع مصلحة الجماعة. ولأهمية العمل في الإسلام، اعتبر نوعا من الجهاد في سبيل الله، كما روى ذلك «كعب بن عجرة ﵁ -قال: (مر على النبي ﷺ رجل، فرأى أصحاب الرسول الله ﷺ من جلده ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : إن كان خرج يسعى على ولده صغارا، فهو في سبيل الله، وإن خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين، فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان» وهكذا نجد كثيرا من نصوص الكتاب والسنة، تتحدث عن العمل، وتحث عليه، وتنوه بأعمال متنوعة كصناعة الحديد ونجارة السفن، وفلاحة الأرض، ونحو ذلك، لأن العمل في ذاته وسيلة للبقاء، والبقاء -من حيث هو - هدف مرحلي للغاية الكبرى، وهي عبادة الله، وابتغاء رضوانه، وبقدر
стр. 37
عظم الغاية تكون منزلة الوسيلة، فأعظم الغايات هو رضوان الله تعالى، وبالتالي فإن أعظم وسيلة إليها هي العمل والتضحية، وإنما نوه القرآن بالعمل والكسب للتنبيه على عظم فائدته وأهميته للوجود الإنساني، وأنه أكبر نعمة الله على الإنسان.
الصنف الثاني:
الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المعنوية، وهذا الصنف يشمل الآتي:
стр. 38
أ-حرية الاعتقاد، ويقصد بها: اختيار الإنسان لدين يريده بيقين، وعقيدة يرتضيها عن قناعة، دون أن يكرهه شخص آخر على ذلك. فإن الإكراه يفسد اختيار الإنسان، ويجعل المكره مسلوب الإرادة، فينتفي بذلك رضاه واقتناعه وإذا تأملنا قول الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ نجد أن الإسلام رفع الإكراه عن المرء في عقيدته، وأقر أن الفكر والاعتقاد، لا بد أن يتسم بالحرية، وأن أي إجبار للإنسان، أو تخويفه، أو تهديده على اعتناق دين أو مذهب أو فكرة، باطل ومرفوض، لأنه لا يرسخ عقيدة في القلب، ولا يثبتها في الضمير. لذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وقال أيضا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ كل هذه الآيات وغيرها، تنفي الإكراه في الدين، وتثبت حق الإنسان في اختيار دينه الذي يؤمن به. هذا ويترتب على حرية الاعتقاد ما يلي:
стр. 39
١ / إجراء الحوار والنقاش الديني، وذلك بتبادل الرأي والاستفسار في المسائل الملتبسة، التي لم تتضح للإنسان، وكانت داخلة تحت عقله وفهمه -أي ليست من مسائل الغيب - وذلك للاطمئنان القلبي بوصول المرء إلى الحقيقة التي قد تخفى عليه، وقد كان الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام يحاورون أقوامهم ليسلموا عن قناعة ورضا وطواعية، بل إن إبراهيم -أبا الأنبياء ﵇ -حاور ربه في قضية الإحياء والإماتة ليزداد قلبه قناعة ويقينا وذلك فيما حكاه القرآن لنا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ بل إن في حديث جبريل ﵇، الذي استفسر فيه رسول الله ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان وعلامات الساعة دليل واضح على تقرير الإسلام لحرية المناقشة الدينية، سواء كانت بين المسلمين أنفسهم، أو
стр. 40
بينهم وبين أصحاب الأديان الأخرى، بهدف الوصول إلى الحقائق وتصديقها، لا يقصد إثارة الشبه والشكوك والخلافات، فمثل تلك المناقشة ممنوعة، لأنها لا تكشف الحقائق التي يصل بها المرء إلى شاطئ اليقين.
следующие страницы →