Полный текст (96 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
هـ- حرية العمل: العمل عنصر فعال في كل طرق الكسب التي أباحها الإسلام، وله شرف عظيم باعتباره قوام الحياة ولذلك فإن الإسلام أقر بحق الإنسان فيه في أي ميدان يشاؤه ولم يقيده إلا في نطاق تضاربه مع أهدافه أو تعارضه مع مصلحة الجماعة. ولأهمية العمل في الإسلام، اعتبر نوعا من الجهاد في سبيل الله، كما روى ذلك «كعب بن عجرة ﵁ -قال: (مر على النبي ﷺ رجل، فرأى أصحاب الرسول الله ﷺ من جلده ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : إن كان خرج يسعى على ولده صغارا، فهو في سبيل الله، وإن خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين، فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان» وهكذا نجد كثيرا من نصوص الكتاب والسنة، تتحدث عن العمل، وتحث عليه، وتنوه بأعمال متنوعة كصناعة الحديد ونجارة السفن، وفلاحة الأرض، ونحو ذلك، لأن العمل في ذاته وسيلة للبقاء، والبقاء -من حيث هو - هدف مرحلي للغاية الكبرى، وهي عبادة الله، وابتغاء رضوانه، وبقدر
стр. 37
عظم الغاية تكون منزلة الوسيلة، فأعظم الغايات هو رضوان الله تعالى، وبالتالي فإن أعظم وسيلة إليها هي العمل والتضحية، وإنما نوه القرآن بالعمل والكسب للتنبيه على عظم فائدته وأهميته للوجود الإنساني، وأنه أكبر نعمة الله على الإنسان.
الصنف الثاني:
الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المعنوية، وهذا الصنف يشمل الآتي:
стр. 38
أ-حرية الاعتقاد، ويقصد بها: اختيار الإنسان لدين يريده بيقين، وعقيدة يرتضيها عن قناعة، دون أن يكرهه شخص آخر على ذلك. فإن الإكراه يفسد اختيار الإنسان، ويجعل المكره مسلوب الإرادة، فينتفي بذلك رضاه واقتناعه وإذا تأملنا قول الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ نجد أن الإسلام رفع الإكراه عن المرء في عقيدته، وأقر أن الفكر والاعتقاد، لا بد أن يتسم بالحرية، وأن أي إجبار للإنسان، أو تخويفه، أو تهديده على اعتناق دين أو مذهب أو فكرة، باطل ومرفوض، لأنه لا يرسخ عقيدة في القلب، ولا يثبتها في الضمير. لذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وقال أيضا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ كل هذه الآيات وغيرها، تنفي الإكراه في الدين، وتثبت حق الإنسان في اختيار دينه الذي يؤمن به. هذا ويترتب على حرية الاعتقاد ما يلي:
стр. 39
١ / إجراء الحوار والنقاش الديني، وذلك بتبادل الرأي والاستفسار في المسائل الملتبسة، التي لم تتضح للإنسان، وكانت داخلة تحت عقله وفهمه -أي ليست من مسائل الغيب - وذلك للاطمئنان القلبي بوصول المرء إلى الحقيقة التي قد تخفى عليه، وقد كان الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام يحاورون أقوامهم ليسلموا عن قناعة ورضا وطواعية، بل إن إبراهيم -أبا الأنبياء ﵇ -حاور ربه في قضية الإحياء والإماتة ليزداد قلبه قناعة ويقينا وذلك فيما حكاه القرآن لنا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ بل إن في حديث جبريل ﵇، الذي استفسر فيه رسول الله ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان وعلامات الساعة دليل واضح على تقرير الإسلام لحرية المناقشة الدينية، سواء كانت بين المسلمين أنفسهم، أو
стр. 40
بينهم وبين أصحاب الأديان الأخرى، بهدف الوصول إلى الحقائق وتصديقها، لا يقصد إثارة الشبه والشكوك والخلافات، فمثل تلك المناقشة ممنوعة، لأنها لا تكشف الحقائق التي يصل بها المرء إلى شاطئ اليقين.
стр. 41
٢ / ممارسة الشعائر الدينية، وذلك بأن يقوم المرء بإقامة شعائره الدينية، دون انتقاد أو استهزاء، أو تخويف أو تهديد، ولعل موقف الإسلام الذي حواه التاريخ تجاه أهل الذمة -أصحاب الديانات الأخرى -من دواعي فخره واعتزازه، وسماحته، فمنذ نزل الرسول ﷺ يثرب -المدينة المنورة - أعطى اليهود عهد أمان، يقتضي فسح المجال لهم أمام دينهم وعقيدتهم، وإقامة شعائرهم في أماكن عبادتهم. ثم سار على هذا النهج الخلفاء الراشدون، فكتب عمر بن الخطاب ﵁ لأهل إيلياء -القدس- معاهدة جاء فيها: هذا ما أعطاه عمر أمير المؤمنين، أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانا على أنفسهم، ولكنائسهم وصلبانهم، لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من غيرها ولا من صلبهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم. وها هم علماء أوروبا اليوم، يشهدون لسماحة الإسلام، ويقرون له بذلك في كتبهم. قال ميشود في كتابه (تاريخ الحروب الصليبية) : إن الإسلام الذي أمر بالجهاد، متسامح نحو أتباع الأديان الأخرى وهو قد أعفى البطاركة والرهبان وخدمهم من الضرائب، وقد حرم قتل الرهبان -على الخصوص - لعكوفهم على
стр. 42
العبادات، ولم يمس عمر بن الخطاب النصارى بسوء حين فتح القدس، وقد ذبح الصليبيون المسلمين وحرقوا اليهود عندما دخلوها أي مدينة القدس.
ب- حرية الرأي، وتسمى أيضا بحرية التفكير والتعبير، وقد جوز الإسلام للإنسان أن يقلب نظره في صفحات الكون المليئة بالحقائق المتنوعة، والظواهر المختلفة، ويحاول تجربتها بعقله، واستخدامها لمصلحته مع بني جنسه، لأن كل ما في الكون مسخر للإنسان، يستطيع أن يستخدمه عن طريق معرفة طبيعته ومدى قابليته للتفاعل والتأثير، ولا يتأتى ذلك إلا بالنظر وطول التفكير.
هذا ولإبداء الرأي عدة مجالات وغايات منها:
١ / إظهار الحق وإخماد الباطل، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فالمعروف هو سبيل الحق، ولذلك طلب من المؤمن أن يظهره، كما أن المنكر هو سبيل الباطل، ولذلك طلب من المؤمن أن يخمده.
стр. 43
٢ / منع الظلم ونشر العدل، وهذا ما فعله الأنبياء والرسل إزاء الملوك والحكام ويفعله العلماء والمفكرون مع القضاة والسلاطين قال رسول الله ﷺ : «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر»
٣ / وقد يكون إبداء الرأي، بتقديم الأمور حسب أهميتها وأولويتها، وهذا أكثر ما يقوم به أهل الشورى في أكثر من بلد، وأكثر من مجتمع وقد يكون بأي أسلوب آخر، إذ من الصعب حصرها، ولكنها لا تعني أن يخوض الإنسان فيما يضره، ويعود عليه بالفساد، بل لا بد أن تكون في إطار الخير والمصلحة إذ الإسلام بتقريره حرية الرأي، إنما أراد من الإنسان أن يفكر كيف يصعد، لا كيف ينزل، كيف يبني نفسه وأمته، لا كيف يهدمها، سعيا وراء شهوتها وهواها.
стр. 44
وباستعراض التاريخ الإسلامي، نجد أن حرية الرأي طبقت تطبيقا رائعا، منذ عصر النبوة، فهذا الصحابي الجليل، حباب بن المنذر، أبدى رأيه الشخصي في موقف المسلمين في غزوة بدر، على غير ما كان قد رآه النبي ﷺ ، فأخذ النبي صلى الله علبه وسلم برأيه، وأبدى بعض الصحابة رأيهم في حادثة الإفك، وأشاروا على النبي ﷺ بتطليق زوجته عائشة ﵂ -إلا أن القرآن برأها، وغير ذلك من المواقف الكثيرة التي كانوا يبدون فيها آراءهم.
ج-حرية التعلم: طلب العلم والمعرفة حق كفله الإسلام للفرد، ومنحه حرية السعي في تحصيله، ولم يقيد شيئا منه، مما تعلقت به مصلحة المسلمين دينا ودنيا، بل انتدبهم لتحصيل ذلك كله، وسلوك السبيل الموصل إليه، أما ما كان من العلوم بحيث لا يترتب على تحصيله مصلحة، وإنما تتحقق به مضرة ومفسدة، فهذا منهي عنه، ومحرم على المسلم طلبه، مثل علم السحر والكهانة، ونحو ذلك.
стр. 45
ولأهمية العلم والمعرفة في الحياة، نزلت آيات القرآن الأولى تأمر النبي ﷺ بالقراءة قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ والقراءة هي مفتاح العلم، ولذلك لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، ونصب عليه الكفار الحرب، وانتصر المسلمون وأسروا من أسروا من المشركين، جعل فداء كل أسير من أسراهم، تعليم القراءة والكتابة لعشرة من صبيان المدينة وهذا من فضائل الإسلام الكبرى، حيث فتح للناس أبواب المعرفة، وحثهم على ولوجها والتقدم فيها، وكره لهم القعود عن العلم والتخلف عن قافلة الحضارة والرفاهية والازدهار. ومن أجل ذلك كان على الدولة الإسلامية، أن تيسر سبل التعليم للناس كافة، وتضمن لكل فرد حقه في ذلك لأن هذا الحق مضمون لكل فرد من رعاياها، كسائر الحقوق الأخرى.
стр. 46
د- الحرية السياسية: ويقصد بها: حق الإنسان في اختيار سلطة الحكم، وانتخابها، ومراقبة أدائها، ومحاسبتها، ونقدها، وعزلها، إذا انحرفت عن منهج الله وشرعه، وحولت ظهرها عن جادة الحق والصلاح.
стр. 47
كما أنه يحق له المشاركة في القيام بأعباء السلطة، ووظائفها الكثيرة، لأن السلطة حق مشترك بين رعايا الدولة، وليس حكرا على أحد، أو وقفا على فئة دون أخرى واختيار الإنسان للسلطة، قد يتم بنفسه، أو من ينوب عنه من أهل الحل والعقد وهم أهل الشورى، الذين ينوبون عن الأمة كلها في كثير من الأمور منها: القيام بالاجتهاد فيما لا نص فيه، إذ الحاكم يرجع في ذلك، إلى أهل الخبرة والاختصاص من ذوى العلم والرأي، كما أنهم يوجهون الحاكم في التصرفات ذات الصفة العامة، أو الدولية، كإعلان الحرب، أو الهدنة، أو إبرام معاهدة، أو تجميد علاقات، أو وضع ميزانية أو تخصيص نفقات لجهة معينة أو غير ذلك من التصرفات العامة، التي لا يقطع فيها برأي الواحد. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ وقال رسول الله ﷺ : «الدين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.»
стр. 48
المساواة
١ / تعريفها: تعني المساواة: المماثلة والعدالة، والمراد بها: المماثلة والمشابهة بين الشيئين في القدر والقيمة. فإذا قلنا: الإنسان يتساوى مع أخيه الإنسان، إنما ذلك يعني أنه يكافئه في الرتبة، ويعادله في القيمة الإنسانية، وله من الحقوق مثل ما له، وعليه من الواجبات مثل ما عليه.
стр. 49
٢ / أهميتها: المساواة مبدأ هام في حياة البشر، أقره الشرع، ورضيه العقل، وأملته سنة التمدن والاجتماع، ومن أجل دفع التميز بين فرد وآخر للحصول على هذه الحاجة أو تلك المنفعة، كان لا بد من وضع قاعدة مستقيمة، تحفظ هذا الحق للجميع في ظروف متشابهة، فكانت المساواة أنسب قاعدة له، إذ عن طريقها يمكن أن تضمن الحقوق البشرية كلها، فضلا عن الحقوق التي يطلبها اثنان من الناس.
стр. 50
٣ / أنواعها: للمساواة في الإسلام أنواع كثيرة، يمكن حصرها وتطبيقاتها في الآتي:
أ- المساواة في القيمة الإنسانية:
стр. 51
جاء الإسلام ووجد الناس يتفاضلون في الخلق والنشأة، ويتميزون في الأحساب والأنساب، ويتقاتلون للحمية والعصبية، ناسين أنهم من أصل واحد ومصدر واحد. فقد كان الهنود البراهميون يقرون التفاضل في القيمة الإنسانية، وأنهم يفضلون غيرهم في ذلك. أما اليونان فقد كانوا يعتقدون أنهم شعب مفضل على سائر الشعوب وأنهم خلقوا من عناصر تختلف عن العناصر التي خلقت منها الشعوب الأخرى، التي أطلقوا عليها اسم البربر. وأما الرومان فقد نصوا في كتبهم أن غير الرومان مجردون من جميع ما يتمتع به الرومان من حقوق، وأنه لم يخلق غيرهم إلا ليكون رقيقا للرومان. وأما اليهود فقد اعتقدوا أنهم شعب الله المختار، وأن الكنعانيين -بقية الشعوب الأخرى -شعب وضيع بحسب النشأة الأولى، وأن الله خلقه لخدمتهم. وأما العرب فقد رأوا أنفسهم أنهم أكمل شعب على الإطلاق وأن بقية الشعوب -التي سموها الأعاجم -شعوب وضيعة ناقصة الإنسانية. تلك هي الظاهرة الاجتماعية التي كان الناس يعانون منها، ويقاسمون آلامها، حيث فرقت البشر فرقتين، فرقة الأشراف وفرقة العبيد.
стр. 52
المساواة في الإسلام: أما الإسلام فقد حرص كل الحرص على تقرير المساواة بين الناس في القيمة البشرية، وعدها من الأمور الأساسية التي يجب أن يدين بها كل إنسان ربه، فقد قرر أن الناس سواسية كأسنان المشط، في أصل نشأتهم وتكوينهم، وأنه لا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى، ولا بين العربي والأعجمي، ولا بين الأبيض والأسود، ولا بين السيد والعبد، ولا بين الغني والفقير، لأن هؤلاء جميعا ينحدرون من أصل واحد هو آدم، وآدم من تراب. وعن هذا النوع من المساواة، نوه القرآن الكريم فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ والتكرم هنا شامل للجنس كله فجنس الإنسان مكرم عند الله بلا تفرقة بين مجموعة وأخرى، بل كل مجموعة ينظر إليها بمنظار واحد هو الإنسانية فالإسلام لا يسمح بقيام نظام طبقي تسيطر فيه طبقة على أخرى، كما لا يسمح بتحكم فئة تدعي لنفسها الاستعلاء بالبيئة أو العنصر أو اللون أو الجاه على الفئات الأخرى، بل إنه ألغى كل سبب يدفع الإنسان إلى الاستعلاء والتحكم
стр. 53
في الآخرين فقد قال تعالى ﴿يا أيها النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ وقال ﷺ : «الناس سواسية كأسنان المشط» ، «وقد سمع النبي ﷺ ذات يوم أبا ذر الغفاري -وهو عربي-يعتدي على بلال بن رباح -وهو حبشي- ويقول له: يا ابن السوداء، فغضب رسول الله ﷺ غضبا شديدا وانتهر أبا ذر وقال: طف الصاع طف الصاع ثم اتجه إلى أبي ذر وقال له: إنك امرؤ فيك جاهلية، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بالتقوى أو عمل صالح) فوضع أبو ذر خده على الأرض، وأقسم على بلال أن يطأه بحذائه حتى يغفر الله له زلته هذه، ويكفر عنه ما بدر منه من خلق الجاهلية الأولى.» .
هل المساواة في القيمة الإنسانية ينافي التفاضل بين الناس؟
стр. 54
التفاضل لا يمكن أن يقع في أصل النشأة والتكوين، بأن يكون هناك فرد أفضل من غيره، أو جماعة تفوق غيرها بحسب عنصرها الإنساني، أو انحدارها من سلالة معينة، بل إن آدم ﵇ وهو أول إنسان وجد على وجه الأرض - يساوي آخر إنسان ينفخ فيه الروح في تلك القيمة الإنسانية. فالتفاضل لا يجري فيما لا يملكه الإنسان كالخلق والتكوين، وإنما يقع فيما يملكه ويندرج تحت قدرته وطاقته، كفعل الخيرات وترك المنكرات، فالإيمان بالله تعالى والصلاة والزكاة والصوم والحج ونحوه من الأعمال الصالحة، كلها أعمال يستطيع الإنسان القيام بها، وأداءها على أحسن وجه ولذلك صح التفاضل فيها بحسب عمل كل واحد منهم وأدائه لها. قال الله تعالى: ﴿يا أيها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ولهذا فضل المسلم على الكافر لأنه أتى بالأعمال الصالحة التي يريدها الله تعالى، قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾
стр. 55
بل إن التفاضل في العمل يجري أيضا بين المسلمين أنفسهم كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ كما امتد هذا التفاضل أيضا إلى الأنبياء والرسل، فكان بعضهم أولى من بعض، وأعلى درجة من بعض، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ فتفاضلهم ليس واردا على أصل خلقتهم وانتمائهم الإنساني، ولكنه وارد على الأعمال الجليلة التي قاموا بها والرسالات السماوية التي تحملونها، فمن بعث إلى قومه خاصة ليس كمن بعث إلى الناس كافة.
كيف تكون هناك مساواة وقد خلق الناس مختلفين أمة وشعبا، ولغة ولونا؟
стр. 56
نعم هذا الاختلاف موجود كونا، وليس بمرعي شرعا، فهو اختلاف تصنيف وتنويع للدلالة على قدرة الخالق جل وعلا، الذي يتصرف في مخلوقاته كيف يشاء، وليس اختلاف تفرق وعداء ولهذا وردت الحكمة من هذا الاختلاف، في نفس الآية (ليتعارفوا) أي أن الاختلاف الكوني وجد ليتم بين الناس التعاون والتآلف، والتآزر لمصلحة إنسانيتهم، فيسعى كل واحد منهم لعبادة ربه وخالقه، ومنفعة نفسه وبني جنسه فتنمو الإنسانية وتسعد بما يقدم لها أبناؤها من مواهب وقدرات إنمائية وحضارية وثقافية.
ب-المساواة أمام الشريعة:
стр. 57
إن الله تعالى استقل بالخلق والتشريع ليضع أرسخ قاعدة لكفالة حق الناس في المساواة أمام حكمه وشرعه، وقطع بذلك السبيل أمام أي فرد أو فئة من الناس قد تدعي لنفسها الفضل والتميز عن غيرها، وتذهب بالسيادة فتضع لغيرها من الأحكام ما تهواه، ومن أنظمة الحياة ما تشتهيه، سواء أضرها أم لا، ولذلك اختص الله وحده بالتشريع، كما اختص كذلك بالخلق والتكوين قال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ وإنما اختص الله بالتشريع، لأن التشريع يراد به إصابة الحق والعدل، وعدم التحيز للهوى والشهوات، والإنسان مهما وضع من نظم وقوانين، فلا يمكنه إصابة الحق والعدل فيها على الدوام، بل إن أصابه مرة، أخطأه مرات، لأنه تتحكم فيه الأهواء والنزعات، وينتابه النقص والقصور، ولهذا امتلأ التاريخ البشري بأنواع كثيرة من الظلم، في الأحكام التي صنعتها يد الإنسان، أو تدخلت فيها أما كيف يتساوى الناس أمام
стр. 58
الشريعة، فذلك أن خطاب الشرع عام يشمل جميع الناس، حكاما ومحكومين، رجالا ونساء، فالأوامر كلها كالصلاة والزكاة والصيام والحج ونحوه، يطالب الجميع بأدائها والقيام بها، فيطالب الراعي بالصلاة ونحوها، كما يطالب بها المرعى، وكذلك النواهي كالسرقة والزنا والقذف، يطالب من الجميع الكف عن ذلك دون استثناء أحد، وهذا معنى المساواة أمام الشريعة.
ج- المساواة أمام القضاء
стр. 59
يعتمد القضاء في الإسلام على التشريع الإلهي، فإذا كان الناس أمام التشريع سواء، فهم عند تنفيذه كذلك سواء، لا تفريق في ذلك بين القاضي والمقضي له، والحاكم والمحكوم، وكل إنسان في الإسلام تطاله يد القضاء كائنا من كان حين يقتضي الأمر ذلك، وقد عمل بالمساواة أمام القضاء منذ عهد النبي ﷺ وعهد الخلفاء الراشدين، فقد روت عائشة ﵂ «أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله، ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حب رسول الله ﷺ ، فكلمه أسامه، فقال رسول الله ﷺ : (أتشفع في حد من حدود الله؟) ثم قام فخطب فقال: (أيها الناس! إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»
د- المساواة بين المسلمين وأهل الذمة
стр. 60
أهل الذمة: هم المعاهدون من أهل الكتاب، ومن في حكمهم، الذين يقيمون بدولة الإسلام، وقد سموا بذلك، لأن لهم حقوقا قبل المسلمين، فعقد الذمة، يمنحهم عهدا بإباحة إقامتهم على التأبيد في دولة الإسلام، كما يمنحهم الأمان على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، أي حمايتهم من العدوان الخارجي، أو التعدي الداخلي، وعليهم في مقابل ذلك التزامات معينة. ولقد سوى الإسلام بين المسلمين وغيرهم، في الحقوق العامة، وقرر أن الذميين لهم في بلد المسلمين ما للمسلمين من حقوق، وعليهم ما عليهم من الالتزامات، سوى ما كان يتعلق منها بشئون الدين والعقيدة، فلا توقع عليهم مثلا: الحدود الشرعية فيما لا يحرمونه، ولا يدعون للقضاء في أيام أعيادهم وهناك نصوص ووقائع كثيرة، تدل على شرعية المساواة بين المسلمين وغيرهم. منها أن النبي ﷺ قال: «من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة» ولقد خاصم يهودي عليا ﵁ فحضر الخصمان فنادى عمر عليا بقوله: قف يا أبا الحسن - ليقف بجانب اليهودي -فبدا الغضب على وجه علي ﵁ -فقال عمر رضي الله
стр. 61
عنه: أكرهت أن نسوي بينك وبين خصمك في مجلس القضاء؟ فقال: لا، ولكني كرهت منك أن عظمتني في الخطاب وناديتني بكنيتي.
стр. 62
و من مظاهر التسوية بين المسلمين وغيرهم ما يلي:
المساواة في الانتفاع ببيت المال: فقد اتفق علماء المسلمين على أن للذمي حقا في بيت المال وأنه سواء مع المسلم في هذا الحق، إذا صار شيخا كبيرا، أو عاجزا عن الكسب والعمل وقد روي أبو عبيد عن سعيد بن المسيب «أن رسول الله ﷺ تصدق على بيت من اليهود ثم أجريت عليهم الصدقة من بعد» وكتب الخليفة عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى عامله في البصرة -وهو عدي بن أرطاة -فقال: (وانظر من قبلك من أهل الذمة من كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه) وبهذا كفل الإسلام كافة الحقوق الأساسية لرعايا الدولة الإسلامية، دون تمييز، فتعطي للذمي مثلما تعطي للمسلم.
стр. 63
٢ / المساواة في التوظيف: يستطيع الذمي أن يتقلد الوظيفة في الدولة الإسلامية إذا كانت من وظائف السلطة التنفيذية، كالمحاسب العام أو المهندس الأعلى أو ناظر البريد، أو فوقه. ويستثنى من ذلك، ما له صلة مباشرة بالعقيدة والدين، فان هذا لا يتولاه غير المسلم لخطورته في حياة الدولة الإسلامية. وتولية أهل الذمة المناصب الحكومية الإسلامية، دليل واضح على المساواة في الإسلام، والتزام المسلمين بتطبيقها، مما جعل كتاب الغرب يشهدون للإسلام فضله، وللمسلمين منقبتهم، قال " متز " " من الأمور التي نعجب لها، كثرة عدد العمال والمتصرفين غير المسلمين في الدولة الإسلامية " وقال آخر: " الواقع أن اليهود والنصارى لم يمنحوا حرية المعتقد الديني فحسب، بل عهد إليهم تولي المناصب الحكومية حين كانت مؤهلاتهم الشخصية من القوة بحيث تلفت انتباه الحاكمين"
стр. 64
٣ / المساواة في الخراج: والخراج: ضريبة مالية وضعت على الأرض وتؤدى عنها لبيت مال المسلمين فإذا فتح المسلمون أرضا" عنوة (وهي ما أجلي عنها أهلها بالحرب ولم تقسم بين الغانمين) تصير وقفا" على المسلمين، ويضرب عليها خراج معلوم، يؤخذ منها في كل عام، يكون أجرة لها، وتقر الأرض في أيدي أصحابها، ما داموا يؤدون خراجها، وهذا النوع من الخراج، يتساوى المسلم والذمي في دفعه والتزامه، لأن الخراج إنما فرض على الأرض، لا على أصحابها القائمين بها، ولا يسقط خراج تلك الأرض بإسلام أربابها، أو بانتقالها إلى شخص مسلم.
стр. 65
١ / مفهوم الإخاء: الأصل في الإخاء انه اشتراك الطرفين في الولادة القريبة أو البعيدة. أما القريبة فمثل موسى وهارون ﵉، فقد كان بينهما إخاء في الأب والأم قال تعالى مخبرا عنهما: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ كان ابن أمه وأبيه وقال ابن كثير: شقيقه لأبيه وأمه وهذا هو الإخاء في النسب القريب. وأما البعيد فمثل عاد وهود، قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ قيل: أخوهم في القبيلة، وقيل: بشر من بني أبيهم آدم والمراد بالإخاء هنا، الإخاء في الدين والحرمة، وهو أن يتآخى مجموعة من الناس في العقيدة، ويشتركوا في الدين، قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ وقد وصف الله المؤمنين بأنهم إخوة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وإنما وصفهم بالاخوة، لأن كل واحد منهم يتوخى مذهب أخيه ويقصده فلا يفارقه
стр. 66
اعتقادا، وعملا، وسلوكا.
стр. 67
ونحن إذا دققنا النظر في مسمى الإخاء ومدلوله اللغوي والشرعي، وجدنا أنه تنتظمه ثلاثة أنواع:
أ-أخوة في النسب والقرابة، وهي المراد في باب المواريث، مثل قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ وكل إنسان يولد مزودا بها.
стр. 68
ب-أخوة في الآدمية والإنسانية، وهي المراد في مطلق الإنسان، أو بني آدم، أو النوع قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ قال ابن كثير: استدل بهذه الآية الكريمة على أفضلية جنس البشر على جنس الملائكة أي استدل بها من قال بأن بني آدم -وهم جنس البشر -أفضل من الملائكة. وقال تعالى: ﴿يا أيها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ أي جميع الناس مؤمنهم وكافرهم، نسيبهم ودعيهم، قريبهم وبعيدهم، حاضرهم وغائبهم.
стр. 69
ج-أخوة في الدين والعقيدة، وهذه هي المرادة في باب الإيمان وفروعه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ أي أصبحتم بالإسلام إخوانا متحابين بجلال الله تعالى، متواصلين في ذات الله، متعاونين على البر والتقوى وفي الحديث: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره» وغير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على هذا النوع من الأخوة.
стр. 70
لماذا بني الإسلام الأخوة على أساس الإيمان دون النسب والجنس؟
إن الإسلام لم يبن الأخوة على النسب والجنس لكونهما مبنيين على الالتقاء الجسدي المادي وهو لا يكون جماعة قوية متماسكة، تصمد لعواصف التمزق والتفرق، ورياح الاختلاف والتنازع، لا سيما إذا كان الاختلاف في الفكر والتصور، والعقيدة والمنهج، ومن المشاهد المتكررة، إن أبناء النسب يتقاتلون متى اختلفت عقائدهم وأهدافهم، وتضاربت أفكارهم ومذاهبهم، بينما يتعامل أبناء الدين والعقيدة، ويتعاونون فيما بينهم وإن اختلفت أنسابهم وألوانهم، وتغايرت أوطانهم ولغاتهم. ولأجل هذا أقام الإسلام أخوة البشر على الإيمان، لأن الإيمان رابطة قوية، تستولي على الروح والضمير، فتجعله خاضعا لصوتها، أضف إلى ذلك، أنها لا تحد بالحدود النسبية واللونية، ولا بالحدود القومية والوطنية، ولا بالحدود الإقليمية والجغرافية، وإنما تتجاوزها بحذافيرها وتشمل أقطار الأرض كلها، لأنها تهدف إلى إقامة مجتمع بشري عالمي، يسوده الإخاء والمودة.
стр. 71
٢ / مقومات الأخوة الإسلامية:
إذا كان العمران بلا عمود ينهد، فكذلك الأخوة الإسلامية تصاب بالخروق إذا فقدت الأساس الذي تقوم عليه، والذي يمدها بالثبات والاستقرار، ولو ذهبنا نعدد مقومات هذه الأخوة، لا نحصيها كثرة، ولكن سنوجزها في الآتي:
أ-المحبة والولاء: لا يمكن أن تتحقق أخوة الإسلام إلا إذا أحب المسلم أخاه المسلم محبة صادقة تصدر من القلب والضمير، فتترجمها الجوارح والأعضاء، يسلم عليه إذا لقيه، ويساعده إذا احتاج إليه، ويكرمه إذا نزل عنده ويجلب إليه الخير كله، ويدفع عنه الشر كله، حتى انه من كثرة حبه له ينزله منزله نفسه، أو أقرب الناس إليه.
الأمثلة على ذلك:
стр. 72
مثال من القرآن الكريم، قوله تعالى: واصفا حال الأنصار مع من هاجر إليهم من مؤمني مكة ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ روى عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: (لما قدمنا المدينة آخى رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد لي: أي أخي أنا أكثر أهل المدينة مالا، فانظر شطر مالي فخذه، وتحتي امرأتان، فانظر أيهما أعجب إليك حتى أطلقها) أي حب أعظم من هذا، أن يطلق لك أخوك زوجته، وكريمته حتى تتزوجها وأي إخاء أمتن من أن يشاطرك أخوك ماله وجهده.
стр. 73
ب -الصبر واحتمال الأذى: المؤمن يصبر محتسبا لما يجده من إخوانه من جفاء وغلظة، ويتحمل كل ما يلقاه منهم من إساءة وأذى قولي أو فعلي، حفاظا على الأخوة، وحرصا على بقائها واستمرارها، فلو ذهب ينتقم من كل من أساء إليه، ويدفع سيئته بمثلها، ربما لا ينتهي الدور، خصوصا إذا كان المنتقم، أضعف من المنتقم منه، ولا أحد يعينه على قضاء وطره منه، فيصبح الناس في دوامة العنف والبطش، وهذا أشد خطورة من مصلحة الانتقام. قال تعالى عن هذا: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾
стр. 74
ج- حفظ السر وترك الفضيحة، والمؤمن ستار لعيوب أخيه، مهما بلغت من الخطورة غايتها، ما لم يكن مجاهرا بها، مفتخرا بالتلبس بها، حتى يصون كرامة أخيه، ويمنعها من التردي والانحطاط لو افتضح أمام الناس، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وقال ﷺ : «لا يستر عبد عبدا في الدنيا، إلا ستره الله يوم القيامة»
ما السر في منع الإسلام إعلان العيوب وإشهارها؟ لقد منع الإسلام إعلان العيوب وإشهارها، واعتبر الإعلان نفسه جريمة أخرى، منفصلة عن جريمة مرتكب المعايب والذنوب لأمرين:
стр. 75
أ-إتاحة الفرصة للمذنب أن يراجع نفسه ويتوب إلى الله، فلو افتضح أمره، وانكشف ذنبه، فقد ضاع الحياء من وجهه، وربما أغراه الافتضاح والتشهير على السير قدما في المعايب والرذائل. أما لو ظل عيبه مستورا، فإن الاحتفاظ بسمعته، وسيرته يبقى قائما لديه، ولذلك نصح الإسلام بعدم كشف العيب، فقد روى معاوية ﵁ -قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم» وروى عقبة ابن عامر ﵁ -مرفوعا «من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موءودة»
ب-منع انتشار الفساد في الأرض، فإعلان العيوب والعورات دون أن يصحبه العقاب، يفسد الجو الاجتماعي، ويغري الناس بارتكابها، وكان ذلك الإعلان بمثابة تنبيه وتعليم للأشرار وكثيرا ما يصرح الفساق بأن ما ارتكبوه من الذنوب، لم يكن إلا نتيجة لما تعلموه من خلال خبر كتبته صحيفة، أو بثته إذاعة، أو عرضه تلفاز، أو تناقلته ألسنة الناس.
حالات يجب ستر العورة فيها، أوجب الإسلام ستر العورة والعيب في الحالات التالية:
أ- الزنا الذي لم يبلغ نصاب الشهود فيه أربعة أشخاص.
следующие страницы →