Полный текст (96 стр.). Показаны 71–96 · переход к 76.
стр. 71
٢ / مقومات الأخوة الإسلامية:
إذا كان العمران بلا عمود ينهد، فكذلك الأخوة الإسلامية تصاب بالخروق إذا فقدت الأساس الذي تقوم عليه، والذي يمدها بالثبات والاستقرار، ولو ذهبنا نعدد مقومات هذه الأخوة، لا نحصيها كثرة، ولكن سنوجزها في الآتي:
أ-المحبة والولاء: لا يمكن أن تتحقق أخوة الإسلام إلا إذا أحب المسلم أخاه المسلم محبة صادقة تصدر من القلب والضمير، فتترجمها الجوارح والأعضاء، يسلم عليه إذا لقيه، ويساعده إذا احتاج إليه، ويكرمه إذا نزل عنده ويجلب إليه الخير كله، ويدفع عنه الشر كله، حتى انه من كثرة حبه له ينزله منزله نفسه، أو أقرب الناس إليه.
الأمثلة على ذلك:
стр. 72
مثال من القرآن الكريم، قوله تعالى: واصفا حال الأنصار مع من هاجر إليهم من مؤمني مكة ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ روى عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: (لما قدمنا المدينة آخى رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد لي: أي أخي أنا أكثر أهل المدينة مالا، فانظر شطر مالي فخذه، وتحتي امرأتان، فانظر أيهما أعجب إليك حتى أطلقها) أي حب أعظم من هذا، أن يطلق لك أخوك زوجته، وكريمته حتى تتزوجها وأي إخاء أمتن من أن يشاطرك أخوك ماله وجهده.
стр. 73
ب -الصبر واحتمال الأذى: المؤمن يصبر محتسبا لما يجده من إخوانه من جفاء وغلظة، ويتحمل كل ما يلقاه منهم من إساءة وأذى قولي أو فعلي، حفاظا على الأخوة، وحرصا على بقائها واستمرارها، فلو ذهب ينتقم من كل من أساء إليه، ويدفع سيئته بمثلها، ربما لا ينتهي الدور، خصوصا إذا كان المنتقم، أضعف من المنتقم منه، ولا أحد يعينه على قضاء وطره منه، فيصبح الناس في دوامة العنف والبطش، وهذا أشد خطورة من مصلحة الانتقام. قال تعالى عن هذا: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾
стр. 74
ج- حفظ السر وترك الفضيحة، والمؤمن ستار لعيوب أخيه، مهما بلغت من الخطورة غايتها، ما لم يكن مجاهرا بها، مفتخرا بالتلبس بها، حتى يصون كرامة أخيه، ويمنعها من التردي والانحطاط لو افتضح أمام الناس، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وقال ﷺ : «لا يستر عبد عبدا في الدنيا، إلا ستره الله يوم القيامة»
ما السر في منع الإسلام إعلان العيوب وإشهارها؟ لقد منع الإسلام إعلان العيوب وإشهارها، واعتبر الإعلان نفسه جريمة أخرى، منفصلة عن جريمة مرتكب المعايب والذنوب لأمرين:
стр. 75
أ-إتاحة الفرصة للمذنب أن يراجع نفسه ويتوب إلى الله، فلو افتضح أمره، وانكشف ذنبه، فقد ضاع الحياء من وجهه، وربما أغراه الافتضاح والتشهير على السير قدما في المعايب والرذائل. أما لو ظل عيبه مستورا، فإن الاحتفاظ بسمعته، وسيرته يبقى قائما لديه، ولذلك نصح الإسلام بعدم كشف العيب، فقد روى معاوية ﵁ -قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم» وروى عقبة ابن عامر ﵁ -مرفوعا «من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موءودة»
ب-منع انتشار الفساد في الأرض، فإعلان العيوب والعورات دون أن يصحبه العقاب، يفسد الجو الاجتماعي، ويغري الناس بارتكابها، وكان ذلك الإعلان بمثابة تنبيه وتعليم للأشرار وكثيرا ما يصرح الفساق بأن ما ارتكبوه من الذنوب، لم يكن إلا نتيجة لما تعلموه من خلال خبر كتبته صحيفة، أو بثته إذاعة، أو عرضه تلفاز، أو تناقلته ألسنة الناس.
حالات يجب ستر العورة فيها، أوجب الإسلام ستر العورة والعيب في الحالات التالية:
أ- الزنا الذي لم يبلغ نصاب الشهود فيه أربعة أشخاص.
стр. 76
ب-أن يكون الذنب -من حيث أثره -يخص المذنب ولا يتعداه إلى غيره.
ج-أن يكون الإعلان له يؤدي إلى فساد أكبر، وضرر أوسع.
د-أن يكون الإعلان سببا لإسقاط ثقة الإنسان، الذي ينتفع الناس بثقته.
هـ-أن يكون المذنب مستفتيا، يبحث عن حكم الشرع في ذنبه، وطريق التوبة منه.
حالات يجب كشف العورة فيها: ويجب كشف العورة فيما عدا الحالات السابقة وخاصة إذا كان المذنب مجاهرا بذنبه، عارفا لحكم الله، ويعاقب عليه حتى لا يتشجع الناس على اقترافه.
تميز رابطة الأخوة الإسلامية على غيرها من الروابط: إن رابطة الأخوة الإسلامية عميقة الأثر في كيان الجماعة، لا تعدلها رابطة أخرى من الجنس أو اللغة أو الوطن، أو الجوار أو المصلحة المادية المشتركة، بل إن هذه الروابط مجتمعة، مهما يكن أثرها الظاهري من كف الأذى، وبذل المعروف، تظل روابط سطحية، لا تزال تتخللها الفجوات والثغرات، حتى تشدها رابطة الأخوة الروحية، والقيم العليا، فهنا تعود الكثرة وحدة.
стр. 77
٣ / ثمرة الإخاء ، ويمكن تقسيمها إلى قسمين:
أ-ثمرة في الدنيا: وهي كالآتي:
- الوحدة والجماعة: فالمسلمون يتحدون بالأخوة، ويجتمعون عليها، فهم حقا يتمثل فيهم قوله ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا»
- إزالة الفوارق الطبقية والاجتماعية: فالاخوة الإسلامية تذيب الفوارق النسبية والامتيازات الطبقية، لا يفضل أحدهم على آخر إلا بالجد والعمل، كلهم متساوون في الحقوق والواجبات ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
- النصح والإرشاد: فالمسلمون إخوة، يتناصحون فيما يهمهم من أمور الدنيا والآخرة، هذا التناصح الذي لم يكن ليحصل، لولا امتلاء قلوبهم بالحب الصادق لأخوتهم، ورغبتهم الملحة لجلب المعروف إلى ساحتهم، وإبعاد المنكر عنها.
- تقدم المسلمين في كل مجال وميدان: فإن لهذه الأخوة أثرا كبيرا في نشأة الحضارة، لأنه ما من مجتمع يتفرق أفراده، إلا ويتخلف عن ركب الحضارة تضرب عليه الذلة والمسكنة لعدم التآخي فيه، وبقدر تباعد أفراده واختلافهم وعدم اتحادهم، يتسرب إليهم الضعف والوهن، فتذوب قوتهم وتذهب ريحهم، ويصبحون أذلة بعد عزة.
стр. 78
ب-ثمرته في الآخرة: وهي كالآتي:
- الحصول على مرضاة الله بدخول الجنة: فإن المؤمن إذا آخى مؤمنا، وأحبه، أدخله الله الجنة لأنه آخى من أمر الله بمؤاخاته، وأحب من أمر الله بحبه، وفي الحديث: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء لو فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم»
- الأمن من شدائد يوم القيامة وأهواله: فقد ذكر النبي ﷺ سبعة أصناف يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، وفيه: «ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه» والمراد بالتظليل، هو النجاة من دنو الشمس وشدة حرها، وهذا لا يحصل إلا للإخوة المتحابين.
- الفوز بدعوة المؤمنين الصالحين قبل وبعد الموت: وذلك أن كل مصل، يدعو في تشهده بهذا الدعاء: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) وهو دعاء عام، يصيب كل عبد صالح في السماء والأرض والصلاح يتحقق بإتيان كل معروف شرعه الله، واجتناب كل منكر نهى الله عنه، ومن المعروف: أن تحب من وافقك في القصد والتوجه، وتؤاخي من شاركك في العمل والأداء.
стр. 79
الجمال
١ / تعريفه: الجمال ضد القبح، وهو الحسن والزينة، ومنه الحديث: «إن الله جميل يحب الجمال» أي حسن الأفعال، كامل الأوصاف واصطلاحا: حسن الشيء ونضرته وكماله على وجه يليق به ومعنى ذلك، أن كل شيء جماله وحسنه كامن في كماله اللائق به، الممكن له، فإذا كان جميع كمالاته الممكنة حاضرة فهو في غاية الجمال، وإن كان الحاضر بعضها فله من الحسن والجمال بقدر ما حضر. فالفرس الجميل هو الذي جمع كل ما يليق بالفرس الكامل، من هيئة وشكل ولون وحسن عدو، وتيسر كر وفر عليه. والخط الجميل هو الذي جمع ما يليق بالخط، من تناسب الحروف وتوازيها، واستقامة ترتيبها، وحسن انتظامها، فلا يجمل الإنسان بما يجمل به الحيوان مما هو من خصوصيته، ولا يجمل الخط بما يجمل به الصوت تخصيصا، ولا تجمل الأواني بما تجمل به الثياب خاصة، وهكذا سائر الأشياء.
стр. 80
٢ / أهميته: الجمال سمة واضحة في الصنعة الإلهية، وحيثما اتجه الإنسان ببصره، يجد من صنع الله ما يجذبه بلونه، أو يستهويه بصوته، أو يتملك فؤاده بدقته المتناهية وصنعته المحكمة، فهو -أي الجمال - بعض آيات الله، التي أودعها في خلقه، وطلب الإنسان أن ينظر فيه، ويستجلى أسراره، ويستقبل تأثيراته، ويعتبر بعبرته قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فقد تضمنت الآية جمالا من الطبيعة ومظاهرها، ما يدعو المرء إلى النظر والتأمل فيها، بل إن هذا الجمال ما ذكر هنا ليحفظ ويعلم فحسب، ولكنه ذكر أيضا كي يستمتع به الإنسان، لأن المنفعة المادية، ليست وحدها هي الغاية من خلق هذه المخلوقات، على هذا الوجه، ولكن الجمال كذلك منفعة معنوية،
стр. 81
لأنه مما يستمتع به الإنسان لذلك قال الله تعالى في الأنعام ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ فذكر الله تعالى المنافع المادية وأعقبها بالمنافع المعنوية والمتمثلة في الناحية الجمالية التي تحدثها في نفس صاحب الأنعام أو غيره.
стр. 82
٣ / مقومات الجمال: ولكي يكون الشيء جميلا، لا بد أن يتضمن الأمور الآتية:
أ-السلامة من العيوب: فكل شيء جميل، يدرك جماله وحسنه بسلامته من العيوب، وخلوه من أي خلل ونقص. وقد لفت القرآن الكريم النظر إلى التأكد من وجود هذه السمة في الجمال، وذلك بعد تسجيله بعض مظاهر الجمال في الكون، ففي الحديث عن جمال السماء، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ فقد نصت الآية على جمال السماء وزينتها، وأنها سالمة من الشقوق. وما ذلك إلا نفيا للعيوب عنها، وتأكيدا على جمالها.
стр. 83
ب-التناسق والتنظيم: وهو سمة أخرى للجمال تقوم أساسا على التقدير والضبط والإحكام وتحديد نسب الأشياء بعضها إلى بعض، في الحجم والشكل واللون والحركة والصوت، وقد تحدث القرآن الكريم عن هذه السمة، مقررا اعتبارها في أصل الخلقة والتكوين، قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ سواء كان صغيرا أو كبيرا، ناطقا أو صامتا، متحركا أو ساكنا. إننا لو ألقينا نظرة فاحصة على الإنسان، لأدركنا التناسق الذي يتجمل به هذا المخلوق الصغير، ولعل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ، ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ إضافة إلى دلالته على الإحكام والتقدير والتسوية والتعديل، فانه يشير إلى دقة التناسق بين عقل الإنسان وروحه وجسده، والتناسق بين أعضاء جسمه وبين الأعضاء الأخرى، والتناسق بين أجهزة عضو من أعضائه، وبين سائر الأجهزة
стр. 84
ج-النص والتعيين: ليس كل جمال في هذا الكون الفسيح، مما يدركه الإنسان، دون أن يساعده في تعينه وحي من السماء، فإن الكون أوسع من أن يحيطه الإنسان بعقله المحدود، وقد يخفي عليه وجه الجمال في شيء من الأشياء لا لخلل يرجع إلى الشيء نفسه، أو كونه فاقدا للتناسق والتنظيم، ولكن لكون الإنسان عاجزا عن إدراكه، وقاصرا عن الإحاطة به، ولعل مجال الجمال المعنوي أكبر دليل على ذلك، إذ لو لم يتم النص عليه والتعيين له بالوحي، لما أدركه الإنسان، ولظل جاهلا دهرا طويلا بمجال رحب للجمال الذي لا غنى له عنه. وسيأتي تفصيل ذلك في الفقرة التالية:
стр. 85
٤ / أنواع الجمال: الأشياء التي تنتظم هذا الكون الفسيح، إما أن تكون أجساما، لها طول وعرض وعمق كالإنسان والحيوان، والسماء والأرض، والشمس والقمر، ونحوها، وإما أن تكون معان، كالأقوال والأفعال والأسماء والصفات ونحوها وعلى هذا، يمكن تقسيم الجمال إلى قسمين: -
стр. 86
أ-جمال حسي: وهو الذي يدرك بالحس، كجمال الطبيعة في سمائها وأرضها وشمسها وقمرها وليلها ونهارها وبرها وبحرها، وكجمال الإنسان من حيث تكوينه، وقد ذكر القرآن الكريم كثيرا من مظاهر الكون مشيرا إلى جمالها الحسي، كي ينتفع به الإنسان، ويشكر ربه الذي سخر له الكون وما فيه، قال تعالى عن الأنعام: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ، ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ، ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى عن الإنسان: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ثم فسر قوله ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ فهذه الآية وتلك، تعبران عن الهيكل الجمالي الذي بني
стр. 87
عليه الإنسان. فالجمال سمة بارزه في الإنسان، مثلما هو مثبوت في الأعيان الأخرى، وهو في الحقيقة آية عظيمة، تدل على قدرة الخالق وإبداعه، إذ إنه لم يخلق الخلق فحسب، ولكنه خلق فأحكم، وبرأ فأبدع، وصبغ فأحسن، ولا يستطيع أحد - ولو أعانه أهل الأرض جميعا - أن يأتي بمثل خلقه في الجمال والإبداع.
ب - جمال معنوي: ويتمثل في أمور كثيرة، لا تدرك بالحس والرؤية، ولكنها تدرك بالعقل الواعي، والبصيرة المفتوحة. ويمكن تصنيفها كالأتي: -
- الأقوال: فالجمال المعنوي موجود في الأقوال الحسنة، والألفاظ الطيبة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فقد جعل الله الدعوة إلى الإسلام، والنطق بكلمة الشهادة من أحسن الأقوال وأجملها، فدل ذلك على أن الجمال موجود في الأقوال التي يقولها الناس، وفي الألفاظ التي ينطقونها لا من حيث تركيبها اللفظي وصياغتها البلاغية، ولكن بالنظر إلى ما تحمله من المعاني والمدلولات.
стр. 88
- الأفعال: والفعل قرين القول، بل إن القول إذا لم يقترن بالفعل، لا يبلغ الكمال في الحسن، ولهذا ذكر الله تعالى في الآية السابقة قوله: وعمل صالحا، إذ القول وحده - مهما كان جميلا - لا يكفي صاحبه، لاعتباره مسلما، ما لم ينضم إليه فعل ولهذا أورد أهل العلم تعريفا جميلا عن الإيمان فقالوا: هو نطق باللسان، وعمل بالأركان، وتصديق بالجنان وعلى العموم، فان الجمال يوجد في الفعل كما يوجد في القول.
стр. 89
٥ / ميادين الجمال: من خلال ما سبق ذكره من تقسيم الجمال إلى حسّي ومعنوي، نستطيع أن ننطلق منه، لمعرفة ميادين الجمال ومجالاته وهي: -
أ-الطبيعة: فالطبيعة بكل ما تحتويه من أرض وسماء، وإنسان وحيوان، ونبات وجماد، تصلح ميدانا" رحبا"، ومجالا" فسيحا" للجمال، والقرآن الكريم حين تناول "الطبيعة" لفت الإنسان إلى كثير من دقائقها. وأسلوب القرآن في عرض مشاهد الجمال من الطبيعة على نوعين:
стр. 90
- نوع إجمالي: وذلك أن يتناول الأشياء الكلية على وجه الإجمال، ثم يحوّل النظر إليها، كي يعيش المرء معها بعمق وتمعن، ويستخرج منها نتائج وأسرارا". قال تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فهذا المشهد العظيم لوحة من الطبيعة، التي لا تحدها الأبعاد والأنظار، يسرح فيها العقل والبصر، ليستنتج منها نتائج معينة، الجمال ليس بآخرها.
- نوع تفصيلي: وذلك أن يتناول جزءا من أجزاء الطبيعة، ومظهرا من مظاهرها، ويرشد إلى الجمال فيه، بالتصريح أو بالتلميح. قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾
стр. 91
ب-الإنسان: الإنسان ميدان آخر للجمال، يتخلله الجمال منذ مرحلة تكوينه ونشأته، إلى مرحلة نضجه وتكامله، بل إن الجمال من أبرز سمات الإنسان التي نوه بها القرآن الكريم، للدلالة على قدرة الله تعالى وإبداعه، يمتن الله به على عباده، فيقول تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ وقال جل وعلا: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ وقال عز سبحانه: ﴿يا أيها الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ فالتسوية التامة للإنسان، هي النقطة الأساسية، التي ينطلق منها جمال الإنسان، لأن عدم الخلل والنقص في بنيته، دليل على جماله وقد خلق الله الإنسان فبلغ به من الإحسان والإتقان ما بلغه.
стр. 92
ج-الفن: والفن نتاج إنساني، استفاده من الطبيعة التي سخرها الله له، ومن عقله الذي وهبه إياه، والإسلام قائم على أساس العقيدة، ذات التصور الشامل عن الكون والحياة والإنسان، ولهذا فلا مجال فيه للباطل من الأوهام والخرافات، والأصنام والأوثان. ويعد الفن مجالا خصبا للجمال لا ينضب ما دام الإنسان قائما على وجه الأرض، وقد تمثل الجمال الفني في الإسلام في أمور كثيرة، أهمها ما يلي:
* النقش والزخرفة: عرف المسلمون قديما بهذا الفن الجمالي، حتى قيل: إن الفن الإسلامي فن زخرفي، ذلك أنه لا يكاد يخلو أثر إسلامي، بدءا بالخاتم ومرورا بالأواني، وانتهاء بالبناء الضخم وقد قامت الزخرفة على نمطين:
- نمط نباتي أو ورقي: وهو الذي أبرز بأساليب متعددة، من إفراد ومزاوجة، وتقابل وتعانق، وفي مجالات متنوعة، من جدران وقباب، وتحف نحاسية وزجاجية، وصفحات الكتب وأغلفتها، ونحو ذلك.
- نمط هندسي: وذلك باستعمال الخطوط الهندسية وصياغتها في أشكال فنية رائعة، على شكل نجوم أو دوائر متداخلة، أو نحو ذلك، وقد زينت بهذا النوع من الزخرفة المباني والتحف الخشبية والنحاسية، والأبواب والسقوف، ونحو ذلك.
стр. 93
* الكتابة والخط: كانت الكلمة ولا زالت، ميدانا رحبا للجمال الفني، سواء كانت نثرا أو شعرا، ولقد تبوأ الخط والكتابة مكانة عظيمة، منذ بدء الوحي حيث اتخذ الرسول ﷺ كتابا للوحي، يكتبون كل ما ينزل من القرآن، فكتب على جريد النخل، وصفائح الحجارة، وجلود الأنعام، والأخشاب كما نقل من ذلك وكتب في مصحف واحد في عهد أبي بكر الصديق عندما خشي ضياعه بذهاب القراء في الجهاد. ولقد برع الكتاب براعة عظيمة، عندما أصبح الخلفاء والأمراء والخطباء والعلماء، والشعراء وغيرهم من صناع الكلمة ومصدرها، ذوي منزلة في المجتمع، وأصحاب الشأن في الدولة، فبلغ الخط والكتابة شأوا بعيدا، وحظي بعناية فائقة من المسلمين، وتفنن الناس فيه، حين صار أداة ضرورية للمعرفة، فأكسبوه ألوانا وأشكالا، فوجد الخط الكوفي، والفارسي، والنسخي والرقعي، والمغربي والديوانى والثلث، كما فَرَّعُوا عليها فروعا كثيرة، لا يسع المجال لذكرها.
стр. 94
* العمارة والتخطيط: والعمارة قديمة قدم الإنسان، وتتطور كلما طوّرت وسائلها عبر القرون والأجيال، إلا أنها في الإسلام، أحدث فيها ما لم يكن موجودا من قبل، ووضعت أمام معطيات منهجية تجعلها تؤدي وظيفتها، بطريقة جمالية مضبوطة، وقد تركز هذا الفن الجمالي على شيئين بارزين، هما:
١ / المساجد ودور العبادة: لقد قطع الفن المعماري أشواطا بعيدة، حقق فيها التنوع الرائع، والانسجام الجميل، إذ ظل المسجد، ذا طابع خاص، وشكل مميز، إضافة إلى العناصر الأخرى التي تؤكد ذلك التميز.
٢ / المساكن والبيوت: كان للإسلام أيضا تأثيره على الفن المعماري للبيوت والمساكن التي يسكنها كثير من الناس، والقصور التي يسكنها الخلفاء والأمراء، وأصحاب الجاه والمال، وقد شهد لهذا التأثير، عالم غربي، هو ج. مارسيه حين قال: (لقد تغلغل الإسلام في الحياة البيتية، كما دخل حياة المجتمع، وصاغت الطبائع التي نشرها، شكل البيوت والنفوس)
وإنما تميز البيت المسلم عن غيره، لارتباطه بالكثير من الشئون الاجتماعية، التي صاغها الإسلام صياغة جيدة، ونظمها تنظيما رائعا والتي ينبغي مراعاتها في البيوت الإسلامية، ومن تلك الأمور:
стр. 95
- الحجاب، الذي يفصل الرجال عن النساء.
- الاستئذان خارج البيت، للدخول فيه.
- الاستئذان داخل البيت، للدخول في غرفه، ونحو ذلك.
стр. 96
وقد بقي من القصور القديمة، في الأندلس (أسبانيا الآن) بقية، يعد قصر الحمراء في غرناطة من أهمها، أما القصور الحديثة فكثيرة ومتعددة، لا يحصيها العد كثرة، يراها كل الناس في البلاد التي يقطنها المسلمون، وستبقى كل من البيوت والقصور، تحكي ما وصل إليه المعماريون المسلمون من فن وعبقرية، وعلم عميق بالهندسة. على أن عمارة البيوت والقصور، والعناية بنقشها وزخرفتها، يجب أن يكون في حدود المنهج الإسلامي، الذي لا يسمح بالإسراف والتبذير ولا يرضي بالشح والتقتير، ولكنه بالتوسط والاعتدال، ولا ينسين المرء الجمال المادي ما حققه الإسلام من الجمال المعنوي، الذي يجعل كل إنسان، يهتم بالأمور الضرورية التي هي أكثر أهمية من غيرها، فجمال القاضي بعدله وإنصافه، وجمال الحاكم باهتمامه بشئون رعيته، وسهره لأمنهم وراحتهم، وجمال الغني بصدقته وإنفاقه، وجمال الفقير بكده وعمله لذا قال الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾