← Тараджим

Тараджим · id 19199

سلم الوصول إلى طبقات الفحول

حاجي خليفة

Полный текст (2 344 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

منظمة المؤتمر الإسلامي مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية بإستانبول سلم الوصول إلى طبقات الفحول تأليف العلامة المؤرخ مصطفى بن عبد الله القسطنطيني العثماني المعروف بـ «كاتب جلبي وبحاجي خليفة» (١٠١٧ هـ - ١٠٦٧ هـ = ١٦٠٩ م - ١٦٥٧ م) إشراف وتقديم: أكمل الدين إحسان أوغلي تحقيق: محمود عبد القادر الأرناؤوط تدقيق: صالح سعداوي صالح إعداد الفهارس: صلاح الدين أويغور [المجلد الأول]

стр. 2

منظمة المؤتمر الإسلامي مَرْكَز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية بإستانبول سلسلة كتب التراجم والطبقات: ١ ISBN المجلد الأول: ٨ - ٢١٠ - ٩٠٦٣ - ٩٢ - ٩٧٨ المجلد الثَّانِي: ٥ - ٢١١ - ٩٠٦٣ - ٩٢ - ٩٧٨ المجلد الثَّالِث: ٢ - ٢١٢ - ٩٠٦٣ - ٩٢ - ٩٧٨ المجلد الرَّابِع: ٩ - ٢١٣ - ٩٠٦٣ - ٩٢ - ٩٧٨ المجلد الْخَامِس: ٦ - ٢١٤ - ٩٠٦٣ - ٩٢ - ٩٧٨ المجلد السَّادِس: ٣ - ٢١٥ - ٩٠٦٣ - ٩٢ - ٩٧٨ الْمَجْمُوعَة: ٠ - ٢١٦ - ٩٠٦٣ - ٩٢ - ٩٧٨ إرسيكا ٢٠١٠ © العنوان Barbaros Bulvari, Yildiz Seyir, Kosku Besiktas, Istanbul/ Turkiye, ٣٤٣٤٩ Tel: + (٩٠٢١٢) ٢٥٩١٧٤٢ - Fax: + (٩٠٢١٢) ٢٥٨٤٣٦٥ e-posta: ircica@ircica.org www.ircica.org تنضيد وتنظيم الصفحات: صَلَاح الدّين أويغور الطباعة والتجليد EUROMAT ENTEGRE MATBAACILIK A. S., Istanbul - TUrkiye www.euromat.com.tr تَحت إشراف شركَة يلدز للنشر والإعلام ش. م. www.yildizprint.com فهرسة وتصنيف مكتبة إرسيكا كَاتب جلبي، مصطفى بن عبد الله حاجي خَليفَة، ١٦٠٩ م - ١٦٥٧ م سلم الْوُصُول إِلَى طَبَقَات الفحول/ مصطفى بن عبد الله القسطنطيني العثماني الْمَعْرُوف بكاتب جلبي وبحاجي خَليفَة؛ إشراف وَتَقْدِيم: أكمل الدّين إِحْسَان أوغلي؛ تَحْقِيق: مَحْمُود عبد الْقَادِر الأرناؤوط؛ تدقيق: صَالح سعداوي صَالح. إستانبول: مَرْكَز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية، ٢٠١٠ م. سِتَّة مجلدات، ٢٩ سم - (سلسلة كتب التراجم والطبقات، ١) العنوان بالإنجليزية: ... يشْتَمل على هوامش ببليوغرافية وكشافات. قَائِمَة المصادر: ج ٣ / ص: ٤٤٩ - ٤٧٢، ج ٥/ ص: ٤٨١ - ٤٨٨. النَّص بِالْعَرَبِيَّةِ، الْمدْخل بالإنجليزية. الترقيم الدولي: ٠ - ٢١٦ - ٩٠٦٣ - ٩٢ - ٩٧٨ (الْمَجْمُوعَة) ١ - الْعلمَاء، الْمُسلمُونَ - تراجم. ٢ - الْبلدَانِ الإسلامية - تراجم. أ - إِحْسَان أوغلي، أكمل الدّين، ١٩٤٣. ب - الأرناؤوط، مَحْمُود عبد الْقَادِر. ت - صَالح سعداوي. ث - صَالح. جـ - العنوان. حـ - السلسلة. ٩٢٠.٠٠٩١٧٦٧١ - ddc ٢٢

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4

صدر هَذَا الْكتاب فِي إطار إعلان اليونسكو عَام ٢٠٠٩ م عَاما للاحتفال بالذكرى الأربعمائة على مولد كَاتب جلبي

стр. 5

تقديم الدكتور خالد أرن مدير عام إرسيكا كان من مجالات النشاط الأساسية التي عُني بها مركزُ الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية (إرسيكا) التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي أعمال فهرسة المخطوطات المتعلقة بتاريخ الإسلام وثقافته، ثم العمل على حماية تلك المخطوطات ونشرها والتعريف بها. ونشعر اليوم بامتنان عظيم ونحن نقدم للقراء والباحثين نسخةً محققة من كتاب "سلم الوصول"، هذا العمل المهم الذي وَضَعَه في تراجم الأعلام كاتب جلبي (ت ١٦٥٧ م)، ذلك العالم العثماني الكبير، صاحبُ كتاب "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون" الذى عاش في القرن السابع عشر الميلادي. ويبرز أمامنا مجالُ التراجم (الطبقات والوفيات) واحدًا من أكثر المجالات ثراءً في الأدبيات الإسلامية. فقد وَضَعَ المؤرخون المسلمون مئات الكتب في التراجم بشتى فروعها. وقِسْمٌ من تلك المؤلفات يضم تراجم لعلماء ينتسبون لمذهب معين أو يعملون في فرع معين من فروع العلم، بينما يتناول قسم آخر سير الأعلام البارزين خلال عصر معين من رجال الدولة والقادة والحكام والعلماء وأرباب الصنائع والأدباء والشيوخ وغيرهم. ويأتي هذا النوع من التراجم العامة مرتبًا في الغالب بحسب الترتيب الألفبائي، وأبرز الأمثلة فيه: وَفَيَات الأعيان لابن خلكان (ت ١٢٨٢ م)، والوافي بالوفيات للصفدي (ت ١٣٦٣ م). وبالإضافة إلى ذلك هناك كتب تاريخ الإسلام العام أو كتب التاريخ الخاصة بمنطقة معينة (الحوليات)، والتي تتناول الحديث عن أحداث العام ثم تعقبه بالحديث عن حياة بعض المتوفين من المشهورين في ذلك العام. وقد جرى العثمانيون على ذلك التقليد في الحضارة الإسلامية، وكان كتاب "الشقائق النعمانية" الذي وضعه بالعربية طاشكوبري زاده أحمد بن مصطفى باكورة كتب التراجم العامة عند العثمانيين. وهو كتاب قُسِّمَتْ فيه التراجم إلى أدوار بحسب السلاطين

стр. 6

العثمانيين، ولم يتحدث فيه المؤلف إلّا عن حياة الأعلام العثمانيين الذين عاشوا حتى عصره. ويأتي كاتب جلبي على رأس أهم الشخصيات التي ألفت في مجال التراجم العامة، وهو على الرغم من وفاته في سن مكبرة إلّا أنه نجح في كتابة العديد من الكتب القيمة، وكان من أهمها وأكبرها كتاب "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون" في التعريف بالكتب وموضوعات العلوم، وكتاب "سلم الوصول إلى طبقات الفحول" في التراجم، ثم كتاب "فذلكة" في تاريخ الإسلام العام، وكتاب "جهاننما" أي مظهر العالم في الجغرافيا. وقد طبع الكتابان الأول والأخير أكثر من مرة، أما "سلم الوصول" الذي لا يقل أهمية عن هذين الكتابين المنشورين، وكذلك "فذلكة" فلم يستطع أحد التصدي لنشرهما حتى الآن. وإدراكًا لذلك الأمر بادر مديرنا العام الأسبق والأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي البروفيسور أكمل الدين إحسان أوغلى باتخاذ القرار لتحقيق ونشر ذلك الكتاب تحت إشرافه. وعندئذٍ تم الحصول على مسودة المؤلف المحفوظة في مكتبة السليمانية (قسم الشهيد علي باشا، رقم ١٨٨٧) في إستانبول، وعلى النسخة المنسوخة من المجلد الأول الذي بيّضه كاتب جلبي والمحفوظة في دار الكتب المصرية (مصطفى فاضل، تاريخ رقم ٥٢) بالقاهرة. ثم جرى الاتفاق مع المحقق المعروف الأستاذ محمود الأرناؤوط على انجاز عملية التحقيق، فبدأت في سنة ١٩٩٨ م. وقام الأستاذ الفاضل بقراءة النص رغم صعوبتها والمقارنة بين المخطوطتين وتحديد الفروق الموجودة بينهما حتى ظهر النص الأساسي للكتاب مدعمًا بالتعليقات والشروح اللازمة للتراجم. وبعد عملٍ مشترك وطويل من المراجعة والتدقيق وإضافة بعض الملاحظات واستكمال بعض المداخل ووضع الفهارس خرج الكتاب بصورته الجاهزة للطباعة، وها نحن نقدمه اليوم لقرائنا الأعزاء. وكما تم في أثناء الإعداد مقارنة النسختين المذكورتين فقد جرى أيضًا استكمال بعض المداخل الناقصة في المسودة بعد الرجوع لبعض المصادر وعلى رأسها كتاب "فذلكة" للمؤلف، ثم أضيفت إليها الملحوظات الببليوغرافية اللازمة. والجدير بالذكر هنا أن "سلم الوصول" لكاتب جلبي هو أكبر الكتب التي ظهرت في التراجم العامة الإسلامية في تاريخ الأدبيات العثمانية. وقد تناول فيه المؤلف حياة رجال الدولة البارزين في تاريخ الإسلام، وحياة العلماء والشخصيات المهمة التي احتلت مكانتها في الأدبيات الإسلامية رغم أنها عاشت قبل ظهور الإسلام، ثم عن أعمال ومؤلفات هؤلاء، مع ترتيب كل ذلك في مداخل ألفبائية. كما قدم لنا في القسم الثاني من الكتاب (جـ ٤، ٥) معلومات في الأنساب والكنى والألقاب، وعَرّف بعض الأماكن والفرق والمذاهب المختلفة.

стр. 7

وحرص المؤلف وهو يُعِدُّ كتابه على الحديث في المقدمة عن المنهج الذي جرى عليه مع تقديم شروح حول علم التاريخ وبعض الأنساب. أما الخاتمة فهي تضم معلومات إضافية مكملة للمعلومات الموجودة في نص الكتاب، ومن هنا فهو ليس مقصورًا على التراجم وحدها، وإنما يعد أيضًا واحدًا من كتب الأنساب. وقد جاء هذا الكتاب بصورته المحققة والمدققة نتيجة جهود مشتركة ساهم فيها عدد كبير من المتخصصين والباحثين تحت إشراف البروفيسور إحسان أوغلي. وبهذه المناسبة يسعدني أن أتوجه بالشكر الجزيل أولًا إلى معالي البروفيسور أكمل الدين إحسان أوغلى على الجهد المشكور الذي بذله في الإشراف على هذا الكتاب وإصداره، وإلى المحقق المعروف الأستاذ محمود الأرناؤوط، ثم إلى كل من الزميلين العزيزين الأستاذ الدكتور رمضان ششن والدكتور هدايت نوح أوغلى على جهودهما الطيبة خلال مراحل إخراج الكتاب، ثم إلى الزميل العزيز الدكتور صالح سعداوي، وإلى أخي صلاح الدين أويغور صاحب الجهد الكبير في هذا الكتاب.

стр. 8

كاتب جلبي أو حاجي خليفة حياته ومؤلفاته * ١٠١٧ - ١٠٦٨ هـ / ١٦٠٩ - ١٦٥٧ م كاتب جلبي أو حاجي خليفة، كما يُعرف بلقبيه المختلفين، هو واحد من أبرز علماء المسلمين في القرن الحادي عشر الهجري، السابع عشر الميلادي. وهو -كما يتضح من ترجمته التي تضمنتها هذه المقدمة- رجل صَرَفَ همّته وقضى عمره في تحصيل العلم ونشره. بدأ يطلب العلم منذ نعومة أظفاره، وظل يشتغل به طيلة حياته في الحضر والسفر، وفي الحرب والسلم، حتى وَافته المنية وهو منكب على الكتب. وهو أنموذج واضح لشخصية المثقف العثماني التركي الذى بدأ حياته العلمية بتعلم القرآن الكريم، وتحصيل علوم العربية، والتخصص في علوم الدين، والتمرّس بالعلوم الرياضية والطبيعية، مع إتقان للغة الفارسية وأدبها إلى جانب إتقانه للغة العربية. وقد ألف -كعادة العلماء العثمانيين الأتراك ومن سار على نهجهم من مثقفي الدولة العثمانية غير الناطقين بالعربية- باللغتين العربية والتركية في آن معًا. كذلك فإن الأسلوب المسجع الذي هو القاسم المشترك في كافة النصوص النثرية الكلاسيكية التي كتبت في القرنين السادس عشر والسابع عشر لا نجده في أعماله إلّا في القليل النادر، ولكي نعثر عليها لا بد لنا من تقليب عدة صفحات. فهو لا يعبأ بتزويق أفكاره ومباحثه الجدلية، ولا يعنى باستخدام التعابير والألفاظ الغريبة، أي أنه لا يتعسف في اختلاق الألفاظ والتراكيب، وإنما يميل إلى الكتابة بأسلوب واضح مختصر، ونادرًا ما يستخدم الجناس والتشبيه في الجملة. وإن المؤلفات العديدة التي خَلّفها لنا كاتب جلبي، والتي سوف نأتي على ذكرها باختصار، تنم عن معرفة موسوعية، وعن عمق في تمثل التراث الحضاري الإسلامي. ولاشك أن كتابه "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون" - الذي صار مرجعًا أساسيًا لا غنى عنه لدارسي الحضارة الإسلامية عنه- وإحاطته بالتراث الحضاري الإسلامي هو خير دليل على

стр. 9

موسوعية كاتب جلبي، وربما لا يعدله في هذه الشمولية بين مؤلفاته إلا كتاب "سُلّم الوصول إلى طبقات الفحول" الذي نحن بصدد تحقيقه ونشره لأول مرة. كما تدلنا كتبه التي ضمّنها أفكاره في ذلك العصر، حول حاضر الدولة العثمانية، كما خَبَرَها من خلال عمله في الجهاز البيروقراطي في العاصمة إستانبول، أو عمله الإداري في الحملات العسكرية، على عقلية نقدية موضوعية، ونظرة تحليلية، وإن له من الآراء ما يعتبر شاهدًا حيًّا على الشعور القَلِق بين طبقة المثقفين العثمانيين من التحول في ميزان القوى الذي حصل بين الدولة العثمانية والقوى الأوربية في ذلك الحين، ومن بوادر الضعف والخلل الذي أصاب الدولة العثمانية، والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي مرت بها. أما البعد الثالث في شخصية كاتب جلبي- والذي نعتبره من أهم العناصر في تكوينه الفكري- فهو انفتاحه على الثقافة الأوربية، واهتمامه بها، وعمله الدؤوب على نقل بعض المؤلفات الأوربية من كتب التاريخ والجغرافيا، ومحاولاته في الاستفادة من المصادر الغربية في كتاباته. وهو بعمله هذا يعتبر من أوائل الرُّواد في الحضارة الإسلامية في عصره، ممن بادروا بالاتصال بالغرب، وحاولوا فهم السبل التي أدت إلى تقدمه، وبداية تفوق الأوربيين على العالم الإسلامي، الذي كانت تمثله آنذاك الدولة العثمانية. ولم يقتصر عمل كاتب جلبي على الترجمة أو النقل من اللغة اللاتينية إلى إحدى اللغتين العربية أو التركية، وإنما كانت له نظرات ومقارنات بين الحضارتين الإسلامية والأوربية، أوردها شذراتٍ متفرقات في العديد من مؤلفاته، مما يدل على إحساس مبكر منه بسبق الأوربيين للعثمانيين في مجال الثقافة. ومن السمات المهمة التي جعلته يحوز مكانة متميزة هي همه في البحث عن الحقيقة، فهي ضالته التي انشغل بالعثور عليها، ثم شجاعته في عرض أفكاره والدفاع عنها، وشجاعته في التناول المحايد للموضوعات الخلافية والجدلية. ولعل ذلك هو الذي جعله يحظى بمكانة متميزة في الشرق والغرب، فتحدث الغربيون عنه وعن أعماله بالإعجاب الشديد، حتى وصفه أحد المستشرقين بأنه "السيوطي" التركي (١) وقد ترك على الكتاب العثمانيين أثرًا كبيرًا، مما حدا ببعضهم أن يقتفي أثره، ويسير على نهجه، فهناك شهري زاده في كتابه (نو بيدا)، ونعيما في تاريخه. ومع ذلك فإن قيمته العلمية الحقيقية لم تظهر في تركيا إلّا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وخاصة منذ كتب عنه عدد من الكتاب والمفكرين الأتراك بعض البحوث والمقالات ابتداءً من الرسائل المستقلة التي كتبها بورصه لي محمد طاهر بك، عن

стр. 10

حياته، ثم المقالات التي تركزت بوجه خاص حول نظراته العقلانية وأفكاره المتحررة التي جاء بها كتابه "ميزان الحق" (٢). إن كتبه الأخرى في التاريخ والجغرافيا، وكتبه التي حملت آراءه حول الدولة والمجتمع والحياة العلمية والثقافية في أيامه جديرة بالتحقيق المنهجي، والدراسة العلمية المتأنية، والنظرة المتعمقة لمعرفة أدق للوضع الثقافي والمستوى الحضاري الذي كان عليه العالم الإسلامي في القرن السابع عشر (٣)، والذي لم يكن أبدًا مثلما زعم البعض منذ أواخر القرن التاسع عشر، وخلال القرن العشرين، قرنًا آخر من القرون المظلمة في تاريخ الإسلام، بل على العكس كان يزخر بالنشاط الفكري والعلمي، ويسود المثقفين فيه إحساس بضرورة مراجعة النفس والاتجاه إلى النقد الذاتي. * * *

стр. 11

حياته: إن الأساس في التعرف على حياة كاتب جلبي هو ما استمددناه من ترجمته هو لنفسه في نهاية كتابيه "سُلّم الوصول إلى طبقات الفحول" (٤) و"ميزان الحق في اختيار الأحق" (٥). ثم من المعلومات التي سردها في مواضع مختلفة من مؤلفاته كلما وجد لذلك مناسبة، ومن بعض الملاحظات والإشارات المقتضبة، وغير ذلك من الشوارد التي لا تُقَارَنُ بما جاء في كتابيه المذكورين. فعندما نضم هاتين الترجمتين إلى تلك الملاحظات والإشارات يمكننا الحصول على سيرته وحياته بشكل كاف، وهو ما فعله المرحوم الأستاذ أورخان شائق كوكياي في دراسته المطولة عن صاحب الترجمة (٦)، والتي اعتمدناها أساسًا لهذه المقدمة. أصل اسمه مصطفى، واسم أبيه عبد الله، وهو يكتفي على غير العادة بذكر اسم والده فحسب، وكانت شهرته بين علماء المدينة باسم "كاتب جلبي"، وبين أهل الديوان باسم "حاجي خليفة" [وكلمة خليفة في المصطلح العثماني تعني آمر القلم ورئيسه] وهو حين يعرِّف بنفسه يقول إنه "حنفي المذهب إشراقي المشرب". وقد ولد -حسبما ذكرته والدته- في شهر ذي القعدة عام ١٠١٧ هـ (فبراير/ شباط ١٦٠٩ م) في مدينة إستانبول، حيث كانت دارهم أيضًا. وهو بحسب قوله: "قسطنطيني المولد والدار". وعمل والده في قسم الـ (أندرون) (٧) بالسراي العثماني، ثم "خرج" منه بوظيفة ملحقة بزمرة السلحدارية (٨)، وقنعت نفسه بتلك الوظيفة، فكان يشارك في الحروب والأسفار، وكان على دين وخلق، مواظبًا على مجالس العلماء والشيوخ، حتى إن ليله كان يقضيه في العبادة. ولما بلغ ابنه الخامسة أو السادسة من عمره اتخذ له معلمًا يعلمه القرآن وتجويده، هو الإمام عيسى خليفة القريمي، فتعلم على يديه قراءة القرآن والمقدمة الجزرية في التجويد، كما تعلم مبادئ الصلاة. ثم أسمعه بعد ذلك ما قرأه عليه وحفظه في دار القراء التي تعرف باسم مؤسسها مسيح باشا بإستانبول. وتعلم أيضًا

стр. 12

على يدي زكريا علي إبراهيم أفندي، ونَفَس زاده مصطفى أفندي (ت ١١ ذو القعدة ١٠١١ ص) (٩)، واكتفى بحفظ نصف القرآن. وقرأ بعد ذلك كتابي التصريف والعوامل على إلياس خوجه، وتعلم الخط على يدي الخطاط أحمد جلبي الأحدب (بوكرى) (١٠). ولما بلغ الرابعة عشرة من عمره بدأ والده يمنحه مصروفًا يوميًا قدره أربعة عشر درهمًا من راتبه، ثم اصطحبه إلى جانبه. وعلى هذا النحو انخرط للعمل مساعدًا (شاكرد) في "قلم محاسبة الأناضول" أحد أقلام الديوان الهمايوني (١١) (١٠٣٢ هـ / ١٦٢٢ - ١٦٢٣ م). وهناك تعلم مبادئ الحساب من أحد خلفاء القلم، وتعلم معها الأرقام وخط "السياقت" (١٢) فأجاده حتى تقدم على أستاذه، أي "الخليفة" نفسه. ولما غادر الجيش إستانبول عام ١٠٣٣ هـ / ١٦٢٣ - ٢٤) لإخماد ثورة أباظة باشا سافر مع والده ليشارك في حملة ترجان. وكان آنذاك في آلاي السلحدار. وفي الوقت الذي حمي فيه وطيس الحرب مع اباظة باشا بالقرب من قيسري في ٢٢ ذي القعدة ١٠٣٣ هـ (٧ سبتمبر/ أيلول ١٦٢٤ م)، سنحت له الفرصة من فوق ربوة عالية "أن يشهد بعينيه عن كثب أحوال تلك الحرب". ويقول في كتابه (فذلكه) وهو يروي قصة المعركة تلك مجددًا بها الذكرى: "وكان الفقير [يقصد نفسه كعادة العلماء العثمانيين عند الحديث عن أنفسهم تواضعًا] واقفا في ذلك المحل، فرأيت الباشا المرحوم الصدر الأعظم (طباني ياصِّى محمد باشا) وقد وضع على رأسه خوذة محلاة بماء الذهب، ولا يزال صليل رمحه في أذني إلى الآن". وشارك كاتب جلبي في حملة العراق عام ١٠٣٥ هـ ـ (١٦٢٥ - ١٦٢٦ م)، وفي ١٢ رمضان من نفس العام (٧ يونية / حزيران ١٦٢٦ م) فتسلق برجًا عاليًا خلف جناح السلحدارية، وشاهد سير المعركة، وكانت طلقات المدافع من برج الأعاجم تمر من فوقه، رغم بعد المسافة (١٣). واستمر الحصار هناك تسعة أشهر، وشهد بعينيه كيف تكون ضراوة الحروب. ونتيجة لغلبة الخصم بسبب القحط انقطع الأمل وبدأت رحلة العودة، وعندها عانى من الضيق أعظمه مع الجميع. ولكنه راح يسلي نفسه متعللًا بأن البلية إذا عمت طابت.

стр. 13

وقد أوجز كاتب جلبي تصويره المؤلم لتلك العودة بقوله: "لم تكن المشقة التي عاناها عساكر الإسلام في هذا الطريق شيئًا حدث في التاريخ من قبل"، ولما بلغوا مدينة الموصل توفي والده في شهر ذي القعدة عام ١٠٣٥ هـ (أغسطس- سبتمبر ١٦٢٦ م)، ودفن هناك في مقبرة الجامع الكبير. ولم يمض شهر آخر حتى توفي عمه عند موضع (جَرّاحْلو) بالقرب من نصيبين. وعلى هذا رجع كاتب جلبي إلى ديار بكر مع أحد أقربائه، ومكث هناك مدة. وقام أحد زملاء والده ويدعى أحمد خليفة بتعيينه مساعدًا في "قلم مقابلة السواري". (١٤) وفي عام ١٠٣٧ هـ (١٦٢٧ - ١٦٢٨ م) عاد إلى إستانبول، وراح يواظب على دروس قاضي زاده منلا قاسم (ت ٨٩٩ هـ / ١٤٩٤ م). ثم شارك بعد ذلك في حصار مدينة أرضروم، وبعد الحصار الذي دام سبعين يومًا بلا طائل لقي مع غيره عناءً كبيرًا في الطريق إلى توقاد، فقد تجمدت أيادي وأرجل الغالبية من شدة البرد وبترت بعضها، ومات من مات، وتعرض هو خلال تلك الكارثة للكثير من المحن والآلام "التي لم تحدث من قبل". وفي عام ١٠٣٨ ص (١٦٢٨ - ١٦٢٩ م) حضر مدة إلى إستانبول، وراح يواظب على دروس قاضي زاده منلا قاسم (ت ٨٩٩ هـ / ١٤٩٤ م)، وتأثر به كثيرًا، فقد كان الرجل عالمًا طلق اللسان عظيم التأثير في نفوس سامعيه، يحضهم على طلب العلم والتخلص من الجهل، فجعله يتعلق به" وجذبه إلى طريق الشغل وتحصيل العلم جذبة وأي جذبة". وبدأ يتذاكر معه العلوم العالية التي درسها من قبل، وظل مداومًا على دروسه ووعظه حتى خرج للحرب مرة أخرى مع خسرو باشا (١٥). وفي عام ١٠٣٩ هـ (١٦٢٩ - ١٦٣٠ م) كان في حاشية خسرو باشا مشاركًا إياه في حملتي همدان وبغداد، وقد رَوَى فيما بعد ما تعرضوا له أثناء تلك الحرب، وأشار إلى المدن والمواقع التي استولوا عليها، مثل قلعة كلعنبر وحسن آباد وهمدان وبستون وغيرها، وذلك في كتابه الكبير في الجغرافيا المعروف باسم (جهاننما) (١٦) وفي كتابه (فذلكه) (١٧). وعقب حرب همدان في عام ١٠٤٠ هـ (١٦٣٠ - ١٦٣١ م) رافق الجيش عندما نزل به خسرو باشا إلى بغداد. ويذكر كاتب جلبي حصار الجيش العثماني لبغداد الذي بدأ في ٢٢ صفر ١٠٤٠ هـ (٣٠ سبتمبر ١٦٣٠ م) في كتابه (فذلكه)، فيقول إنه بسبب الأمر الصادر خلافًا للقاعدة العامة جاء

стр. 14

الجيش كله إلى قرب المتاريس ورابط هناك، فارتبك الجميع ورفعوا خيامهم ثم نصبوها خلف المتاريس، وقام كل واحد بحفر خندق أمام خيمته، ثم يصور كاتب جلبي الأمور ببعض الصور الحية عندما يقول: "وكنا نقوم بتكويم القرب الجرداء ونفتح دفتر المقابلة ونجلس وراءه، وفي الليل نحفر حفرة ننام فيها مثل القبر" (١٨). وفي عام ١٠٤١ هـ (١٦٣١ - ١٦٣٢ م) عاد كاتب جلبي مرة أخرى إلى إستانبول، وراح يواظب على دروس قاضي زاده، وقرأ عليه التفسير وإحياء العلوم، وشرح المواقف، والدرر، والطريقة المحمدية. وفي عام ١٠٤٣ هـ (١٦٣٣ - ١٦٣٤ م) عندما انسحب الجيش تحت قيادة الوزير الأعظم محمد باشا إلى حلب لقضاء الشتاء هناك سافر كاتب جلبي من حلب إلى الحجاز، وفي عودته كان الجيش آنذاك في ديار بكر فقضى فصل الشتاء في تلك المدينة بمصاحبة بعض العلماء والتباحث معهم. وفي عام ١٠٤٤ هـ (١٦٣٤ - ١٦٣٥ م) سافر مع السلطان مراد الرابع في حملته على رَوَان، وروى لنا بالتفصيل مشاهداته وانطباعاته عن تلك الحرب. وبعد أن قضى قدر عشر سنوات يصاحب الجيش في الحروب والحملات المختلفة، و"تم له بذلك أمر الحج والجهاد" عاد إلى إستانبول بقصد التفرغ الكامل لتحصيل "العلم الشريف"، والانتقال من "الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" كما هو شائع. وفي إستانبول أنفق على شراء الكتب إرثًا صغيرًا كان له. وكان أثناء إقامته في حلب قد بدأ يسجل أسماء الكتب التي يراها في حوانيت الوراقين، وكان يميل بطبعه إلى مطالعة كتب التاريخ والطبقات والوفيات أكثر من غيرها، حتى استكمل قراءة كل ما وقع تحت يده منها في عام ١٠٤٦ هـ (١٦٣٦ - ١٦٣٧ م). ولما توفي أحد أقربائه عام ١٠٤٧ هـ (١٦٣٨ م) وكان تاجرًا ثريًا ورث عنه عدة أحمال من الأقجه (اسم العملة العثمانية)، فانفق قدر ثلاثة منها على شراء الكتب، والباقي على تعمير وإصلاح دار له كانت تقع في الجانب الشمالي لجامع الفاتح (١٩)، وفي موضع متوسط بين الجامع المذكور وجامع السلطان سليم، ثم تزوج في السنة نفسها. ولأنه كان قد عزم على الانقطاع للبحث والتأليف لم يشارك هذه المرة في حملة السلطان مراد الرابع على بغداد، وراح يواظب على دروس مصطفى أفندي الأعرج الذي اشتهر بالعلم

стр. 15

والفضل (٢٠)، فقد وجد في ذلك الرجل عِلْمًا وفيضًا يزيد عما وجده لدى كل العلماء الذين حضر دروسهم من قبل، فاتخذه أستاذًا له. كما أبدى الأستاذ أيضًا اهتمامًا بكاتب جلبي يزيد عن اهتمامه بباقي طلابه. وقد قرأ على هذا الأستاذ الأندلسية في العروض، وهداية الحكمة (حتى نهاية الباب الرابع)، والملخص في علم الهيئة، وأشكال التأسيس في علم الهندسة مع شرحه (٢١). وفي عام ١٠٤٩ هـ (١٦٣٩ - ١٦٤٠ م) واظب على سماع دروس الشيخ كُرْد عبد الله واعظ جامع آياصوفيا، وانتقل في العام التالي إلى سماع دروس الشيخ كجه جي محمد أفندي واعظ جامع السليمانية. أما في عام ١٠٥٢ هـ (١٦٤٢ - ١٦٤٣ م) فقد قرأ على الواعظ ولي أفندي نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر لابن حجر العسقلاني، وبدأ يسمع دروسه في النخبة أيضًا والألفية. واستطاع في عامين أن يكمل أصول الحديث. ولأن هذا الواعظ كان قد أخذ هذا الفنّ عن الشيخ إبراهيم اللقاني في مصر، فإن كاتب جلبي كان يعد نفسه تلميذًا للأخير بالواسطة. كما قرأ كتاب تلخيص المفتاح على المولى ولي الدين تلميذ المولى أحمد حيدر السُّهْرَاني ومفتي أَرْمَنَاك، وقرأ كتاب الفرائض للإمام سراج الدين محمد وشمسية كاتبي في المنطق. والتقى عدة مرات بالشيخ المصري سري الدين الرضا الذي جاء إلى إستانبول عام ١٠٥٧ هـ (١٦٤٧ م) وسمع بعض دروسه. وظل كاتب جلبي قدر عشر سنوات منكبًا ليل نهار على القراءة والبحث، وقد ينسى نفسه أحيانًا مع كتاب، ويظل الشمع مشتعلًا في غرفته من مغيب الشمس إلى مطلعها، فلا يكل ولا يمل أبدًا. وكان يتردد عليه في تلك الآونة بعض الطلاب ليتعلموا على يديه. واستطاع في عام ١٠٥٥ هـ (١٦٤٥ - ١٦٤٦ م) أن يشهد بنفسه بمناسبة حملة الجيش العثماني على جزيرة كريت كيف يجري إعداد الخرائط ورسْمها، ورأى الكتب المؤلفة في ذلك الموضوع، واطلع على كافة الخرائط. وفي تلك الأثناء حصلت قطيعة بينه وبين كبير موظفي قلم المقابلة (باش خليفه)، لأنه قال له "إن العادة الجارية عند السلف هي تبديل النوبة على خلافة هذا القلم كل عشرين سنة، فهل النوبة لم تأت بعد علينا بحسب أصول الطريق"، فلما رد عليه "الباش خليفة" بأن النوبة "مدى الحياة"، بادر هو بطلب الاستعفاء. وعاش نحو ثلاث سنوات منزويًا بعيدًا عن الحياة الوظيفية، وكان يدرس عليه في تلك الأثناء عدد من

стр. 16

الطلاب في موضوعات مختلفة، لكنه مرض، فكان يقرأ كتب الطب، وطالع أيضًا كتب الأسماء والخواص بقصد البحث عن سبل ووسائل للتداوي من ناحية، والتنقيب عن الشفاء بالطرق الروحانية من ناحية أخرى. وكان ينعزل عن الناس، ويتقرب إلى الله ثقة منه أن دعواته إليه بقلب سليم والتعويذات التي صنعها سوف تأتي بالنتيجة (٢٢). وفي أثناء عام ١٠٥٧ هـ (١٦٤٧ م) قام بتدريس شرح الأشكال في الهندسة والمحمدية لعلي قوشجي في الحساب لكل من مولانا محمد بن أحمد الرومي ولولده هو نفسه، كما علمهما من الزيج قاعدة استخراج دستور التقويم. وفي أواخر عام ١٠٥٨ ص (١٦٤٨ م) حصل على وظيفة "الخليفة الثاني" في القلم الذي كان يعمل فيه، وذلك بتوصية من شيخ الإسلام عبد الرحيم أفندي إلى الصدر الأعظم قوجه محمد باشا بسبب كتاب تقويم التواريخ، وذلك رغم ما بذله المعارضون له من مساعٍ لرفض طلبه وجهود مادية ومعنوية للحيلولة دون ذلك (٢٣). وكان عبد الرحيم أفندي هذا صديقًا ودودًا له، مطلعًا على سرّه، يحادثه في شئون الدولة، ويستعين بمشورته في موضوعات شتى (٢٤). والشاهد على ذلك أنه أفتى بأن كتاب ميزان الحق كتاب مفيد. وقنع كاتب جلبي بما كان يتقاضاه من نقود تكفيه على معيشته، ولم يطلب المزيد. وقد ظهر عدد كبير من مؤلفاته في غضون تلك السنوات الأخيرة، كما استطاع بمساعدة الشيخ محمد إخلاصي (٢٥) أن ينقل إلى التركية بعض الكتب اللاتينية. وفي يوم الجمعة السابع والعشرين من ذي الحجة عام ١٠٦٧ هـ (٦ أكتوبر ١٦٥٧ م) شعر كاتب جلبي بضيق وهو يشرب قهوة الصباح، فسقط الفنجان من يده ومات فجأة (٢٦). وكان قد كشف عن ذلك من قبلها لزوجته وخادمه، فقال لهما بعد أن سيطر عليه الخوف عندما أكل بطيخًا فجًّا في تلك الليلة، ثم اغتسل في الصباح بماء بارد: "ماذا يا ترى، فقد فعلنا أشياء تُنَاقِضُ بعضها بعضًا، حفظنا الله تعالى من الضر" (٢٧). وتكررت نفس الأقوال سببًا للوفاة في نسخة من كتاب ميزان الحق جرى استنساخها عام ١١٣٨ هـ (٢٨)، ولكن يضاف إلى الحادثة

стр. 17

بعض التفاصيل. إذ تقول الروايات التاريخية إن كاتب جلبي قد فسدت معدته بسبب البطيخ غير الناضج الذي أكله مساءً، فذكر أن في صدره ألمًا ظهر، "فاستعمل بعض المعاجين والمسهلات، وبينما هو يشرب القهوة بعدها تغيرت حاله، وسقط الفنجان من يده، وراح وهو في هذا الاضطراب يفتش بغير حيلة في كتب الطب، وإذا به يموت فجأة". وهناك تباين في بعض المصادر حول تاريخ وفاته، إذ يُلاحظ أن تاريخ الوفاة في هذه المخطوطة كان مكتوبًا على شكل (١٠٦٧) ثم تم مَسْحه من بعد وجُعل على شكل (١٠٦٨). كما ذكر محمد عُبَيْدي في (تذكره شكوفجيان) التي تحمل اسم (نتائج الأزهار) أن كاتب جلبي توفي عام ١٠٧٤ هـ (١٦٦٣ - ١٦٦٤ م) وهو خطأ (٢٩). بينما يذكر مستقيم زاده في مجلة النصاب أنه توفي في أدرنة عام ١٠٦٤ هـ وهذا خطأ أكبر (٣٠). والواقع أن هذه المخطوطة كتبت بخط بديع الجمال، إلّا أن عدم معرفة الناسخ للعربية جعلتها تفيض بالأخطاء. ويذكر المؤرخ التركي المعاصر إسماعيل حامي دانشمند تاريخ وفاته على أنه ١٥ من ذي الحجة ١٠٦٨ هـ (٢٤ سبتمبر ١٦٥٧). إلّا أنه لا يذكر كالعادة المصدر الذي اعتمد عليه (٣١). ويقع قبر كاتب جلبي في مقبرة صغيرة تلاصق سبيل مياه في أسفل مدرسة بالقرب من جامع زَيْرَك بإستانبول، وهناك صورة فوتوغرافية لشاهد قبره القديم، نشرها شرف الدين يالتقايا في مقدمة كشف الظنون. وفي عام ١٩٥٣ م شُيِّدت له مقبرة جديدة ونُقِشَ على شاهدها الجديد اسمه وتاريخ وفاته. شخصيته: يقول محمد عزتي بن لطف الله الذي اشترى معظم مؤلفات كاتب جلبي ومسوداتها من تركته عقب وفاته بعامين إنه كان رجلًا صاحب همّة، حَسَنَ الطباع، قليل الحديث، حكيم النزعة (٣٢). ويصفه عشاقي زاده الذي صاحبه في شبابه- في عدة أبيات من الشعر التركي تقول (٣٣): مع الزاهد والعابد رفيق وشريك مشرب واحد يرى لكل قاعدة ما يناسبها

стр. 18

وأرْسَلَ على هؤلاء المتعلمين الجدد صوته الشجي كالناي حسنًا ولم يك قعيدًا كالدجاجة ليلًا عند مسقاها وهو صغيرٌ مع الصغير كبيرٌ مع الكبير (٣٤) وقد حظي كاتب جلبي بسمعة طيبة، ونال تقدير الناس واحترامهم في حياته وبعد مماته، ولم يخرج على ذلك إلّا رجل يدعى الشيخ محمد نظمي في كتابه الذي ألفه عام ١١٠٨ هـ (١٦٩٦ م) تحت عنوان "هدية الإخوان وعبرة الخلان"، فقد كتب عن العلاقة التي كانت بين قاضي زاده والشيخ السيواسي، وتعرض وهو يترجم لحياة الثاني لكاتب جلبي، فَقَدَحَهُ بلسان غليظ. والحق أن مؤلفات كاتب جلبي كلها تشهد على روحه السمحة، وموضوعيته في النقد، وحياده بين الأطراف المختلفة (٣٥). فقد كان كاتب جلبي رجلًا وقورًا ينفر من الهجاء (٣٦)، ولم يتحدث في كتابه عن الهزل والمزاح إلّا قليلًا، إذ كان يعرف للأخلاق السامية قدرها، ولهذا امتدح كتاب (اخلاق علائي) في الأخلاق والحكم والسياسة بما لم يمتدح به كتابًا آخر، وامتدح مؤلفه قنالى زاده علي أفندي، فقال "هو أحسن من الجميع في نفس الأمر، شكر الله سعي مؤلفه، وجعله مثابًا ومأجورًا بسبب هذا التأليف الحنيف والتحرير اللطيف، ولعمري إنه كامل أخلاقه طيب أعراقه، من الأفاضل الأفراد، وآثاره تجذب بيد لطفها عنان الفؤاد". ونعلم أيضًا أنه كان من أصحاب الذوق الرفيع، إذ يهوى تربية الزهور، وكان يزرع نوعًا من السنبل الأزرق كثير الأوراق. أعماله: ١ - فذلكة أقوال الأخيار في علم التاريخ والأخبار (بالعريية): وهو أول كتاب شرع في تأليفه فكتبه بالعربية، ويضم مقدمة وثلاثة أصول وخاتمة، وهو في التاريخ الإسلامي العام. وتضم المقدمة أربعة فصول، يتحدث أولها عما يحتويه الكتاب من فصول وأبواب. ويتحدث الفصل الثاني عن معنى التاريخ وموضوعاته وفوائده. بينما يتعرض الفصل الثالث لأسماء الكتب التي كتبت في ذلك الموضوع، مرتبةً بحسب الترتيب الألفبائي، وتبدأ بالكتب العربية ثم الفارسية ثم التركية. أما الفصل الرابع فهو يتعرض لذكر القواعد والأصول التي يجب على المؤرخ الالتزام بها في الكتابة. وفي الأصل الأول الذي

стр. 19

قسمه إلى قسمين، ثم جعل كل قسم إلى ثلاثة فصول، تحدث في أولهما عن بداية خلق المخلوقات، وفي الثاني عن الأنبياء والرسل، وفي الثالث عن الخلفاء الراشدين الأربعة. أما القسم الثاني فقد تحدث في فصله الأول عن الحكام الذين حكموا قبل ظهور الإسلام، وفي الفصل الثاني عن الحكام الذين جاءوا بعد الإسلام، مرتبين بحسب القرون، وفي الفصل الثالث عن المتغلبة، والخوارج، وعمن ادعوا النبوة، ثم يردف ذلك بتتمة جمع فيها بعض المعلومات النافعة. وفي القسم الأول من الأصل الثاني تحدث عن "الأمور الكلية لأحوال البشر"، فقسمه هو الآخر إلى ثلاثة فصول، تحدث في الفصل الأول عن هيئة الأرض والأقاليم، وفي الفصل الثاني عن الأقوام المختلفة وقبائل العرب، وفي الفصل الثالث عن الأسماء والألقاب والكنى والأنساب والوفيات وقواعد كل ذلك. وجعل القسم الثاني مخصصًا للمدن والرجال الذين تحدث عنهم في القسم الأول مرتبين بحسب الترتيب الألفبائي. أما الأصل الثالث والأخير فقد جعله للأحداث والوقائع التي مرت منذ الهجرة النبوية حتى حياة المؤلف، أي حتى عام ١٠٠٠ هـ (١٥٩١ م) وذلك بترتيب السنوات. والملاحظ أنه استفاد من تاريخ الجنّابي المعروف بالعيلم الزاخر في الأول والآخر. وقد فرغ المؤلف من كتابته في آخر شهر ربيع الآخر عام ١٠٥٢ هـ (يوليه ١٦٤٢ م). والنسخة الوحيدة الموجودة منه هي نسخة المؤلف المحفوظة الآن في مكتبة بايزيد العمومية تحت رقم (١٠٣١٨). ٢ - فذلكه (بالتركية): وقد كتبه ذيلًا للكتاب الأول، فهو في التاريخ، ويبدأ من أول عصر المؤلف، أي قبل مولده (١٠١٧ هـ / ١٦٠٩ م) من عام ١٠٠٠ هـ (١٥٩١ م) إلى عام ١٠٦٥ هـ (١٦٥٤ م). وقد رتب الأحداث فيه على السنين، وجعل في نهاية كل سنة ذكر موجز لوفيات رجال الدولة وحياة المشاهير من العلماء والشعراء، كما تحدث عن مؤلفات مَنْ له مؤلفات منهم. واستفاد من الكتب الأخرى في الأحداث التي لم يشهدها، ولا سيما حسن بكزاده، كما نقل عن بجوي وجَرّاحْزَاده وبيري باشا زاده وفخري. وينتهي الكتاب بحادثة عصيان إبشير باشا عام ١٠٦٥ هـ (١٦٥٤ م). وقد طبع ذلك الكتاب في مجلدين في مطبعة جريدة الحوادث بإستانبول (المجلد الأول ٤١٢ هـ سنة ١٢٨٦ م، والمجلد الثاني ٣٩٨ هـ سنة ١٢٨٧ م). ٣ - تحفة الكبار في أسفار البحار (بالتركية): كان كاتب جلبي قد حضر حرب كريت التي بدأت عام ١٠٥٥ هـ (١٦٤٥ م)، فشاء أن يروي الأحداث والوقائع التي مرت منذ العهد العثماني الأول حتى عام ١٠٦٧ هـ (١٦٥٦ م)، وهو

стр. 20

العام الذي شرع فيه كتابة هذا الكتاب، سواء في البر أم البحر. فقد شهد المؤلف بعينيه الهزائم والانكسارات التي لحقت بالعثمانيين، ومدى طغيان الأعداء وغرورهم، وكل ذلك نتيجة للتدابير الناقصة والأخطاء التي ارتكبها المسئولون، فروى من خلال هذا الكتاب حياة قباطنة الماضي الشجعان وحروب قراصنة البحر والمجاهدين، ثم الآراء والتدابير التي كان يتخذها بعض المسئولين والعقلاء، مستهدفًا تنبيه العثمانيين وإنقاذهم من حالة الفتور التي وقعوا فيها. ولهذا السبب كان -وهو يتحدث بخاصةٍ عن الهزائم التي تعرض لها العثمانيون في بداية حملتهم على جزيرة كريت- يشير بإيجاز إلى أسباب كل هذه الهزائم، والسبل الكفيلة للحيلولة دون وقوعها، من خلال كشفه للأخطاء وسوء التدبير. وقد تم طبع ذلك الكتاب في غرة ذي القعدة ١١٤١ هـ (١٧٢٩ م) في مطبعة إبراهيم متفرقة، وكان ترتيبه الثاني بين الكتب المطبوعة آنذاك، كما زوّده إبراهيم متفرقة بسبع صفحات للمندرجات وصحيفتين لأخطاء الطباعة وعدة خرائط مهمة وأشياء أخرى. وكانت طبعته الثانية عام ١٣٢٩ هـ (١٩١٩ م) في مطبعة البحرية (١٢+١٦٦+ ٢ ص). وقد صدرت له مؤخرًا طبعة محققة نشرها الدكتور إدريس بستان (٣٧). ٤ - تقويم التواريخ (بالتركية): وهو تاريخ إسلامي عام، يضم الوقائع والأحداث التي ذكرتها التواريخ المختلفة، منذ هبوط آدم ﵇ إلى الأرض حتى عام ١٠٥٨ هـ (١٦٤٨ م)، وهو بمثابة جدول زمني أو ثبت بالأحداث التي مرت في الكتب التي كتبها قبل ذلك، وخاصة كتاب الفذلكة العربي، وفرغ من كتابته في شهرين عام ١٠٥٨ هـ (١٦٤٨ م). وهو الكتاب الذي أرسل إلى الصدر الأعظم قوجه محمد باشا في نفس سنة الفراغ منه بواسطة شيخ الإسلام عبد الرحيم أفندي، وتمت عندئذ ترقية كاتب جلبي إلى درجة الخليفة الثاني. وللكتاب عدة ذيول، أولها الذي كتبه محمد شيخي أفندي ووصل به حتى عام ١١٤٤ هـ (١٧٣١ م)، والذيل الثاني هو الذي كتبه إبراهيم متفرقة ووصل به حتى عام ١١٤٦ هـ (١٧٣٣ م)، ثم قام إبراهيم متفرقة بطبع الكتاب الأصلي مع هذين الذيلين عام ١١٤٦ هـ (يونيه ١٧٣٣ م). ٥ - تاريخ فرنكى ترجمه سى (بالتركية): وهو ترجمة تركية لكتاب يوهان كاريون Johann Carion بعنوان، chronik، وقام بهذه الترجمة كاتب جلبي مع الشيخ محمد إخلاصي في إستانبولى عام ١٠٦٥ هـ (١١٥٤ م)، ثم أضيفت لتلك الترجمة بعض ذيول مختصرة أخرى. وقد فعل فيه مثلما فعل في كتاب "لوامع

стр. 21

النور" تمامًا، ولأن قصد المترجم ليس هو الترجمة المباشرة، بل ليكون إضافة يضعها على الأعمال التاريخية الأخرى التي كتبها فلم ينظر لتحسين عباراته ولم يراع نظام الكلام وقواعده. وصرح بأنه سوف يقوم بتصحيح الأخطاء الواقعة وهو يضيف تلك الترجمة إلى التواريخ الأخرى. وبعد الترجمة التي تشغل ١٨٨ صحيفة من هذه الحولية تأتي عدة ذيول أضيفت إليها. ويضم الذيل الأول حديثًا عن السلطان سليمان القانوني وطرد المسلمين من إسبانيا وإرغام قسم منهم على تغيير دينه. وهذا الذيل تم نقله عن تاريخ الراهب الروماني هوراتيوس تورسللينو Horatius Torsellino. ثم يلي ذلك ذيلان آخران. ٦ - تاريخ قسطنطينيه وقياصره (رونق السلطنة) (بالتركية): وهو كتاب نقله كاتب جلبي ترجمة واختصارًا "من كتاب كبير" حسب قوله، ليضم حوادث وقعت في الشرق حتى سنة ١٥٧٩ م، وأصل الكتاب وضعه عدة مؤلفين، ثم جرى تذييله بعد ذلك بملوك مدينة القسطنطينية، وهؤلاء المؤلفون هم: يوهانس زواراس نيستاس اكومينات Johannes Zouaras Niccestas Acominate ونيسافوروس Nicephorus Gregoras والأثيني لايونيكوس شالكونديل Laonikos Chalcondyle. والكتاب الأصلي الذي وضعه هؤلاء المؤلفون تم طبعه في فرانكفورت عام ١٥٨٧ م. ٧ - إرشاد الحيارى إلى تاريخ اليونان والروم والنصارى (بالتركية): وهو كتاب تاريخ الدول المجاورة لدول المسلمين، وفي تاريخ حكامها ونظم الحكم فيها. جمعه كاتب جلبي من الكتب الأجنبية التي حاول ترجمتها، مثل أطلس مينور وغيره، بقصد تعريف المسلمين بأحوال وأوضاع تلك الدول. وهو عبارة عن رسالة تقع في ٥٨ ورقة، وتضم مقدمة وعدة فصول. وكان قد بدأ كتابتها في الرابع عشر من كانون الثاني عام ١٦٥٤ م، وجعلها على قسمين، تحدث في الأول عن الأديان في أوربا، بينما خصص الثاني لعادات وقوانين الحكام فيها، كما تحدث عن نظم الإدارة والديمقراطية والجمهورية وأصول الانتخاب، وغير ذلك مما تقدم الغرب فيه وعلاقاتهم بالعثمانيين. ٨ - جهاننما (ومعناه: مرآة العالم) (بالتركية): وهو كتاب يحوز أهمية تتجاوز تصور العثمانيين للجغرافيا، ونقطة تحول عظيمة من نظرة الشرقيين إلى نظرة الغربيين في علم الجغرافيا. وقد جرت ترجمته عدة مرات إلى اللغات الأوربية، وكان عونًا كبيرًا للرحالة الذين زاروا القسم الآسيوي من تركيا، لا سيما في القرن التاسع عشر. وقد جعله صاحبه على قسمين، تحدث في الأول عن البحار والأنهار والجزر، بينما تحدث في الثاني عن اليابسة، فذكر المدن مرتبة ترتيبًا ألفبائيًا، وعن الممالك التي تم

стр. 22

اكتشافها بعد القرن السابع للهجرة (الثالث عشر الميلادي). وتم طبع هذا الكتاب في مطبعة ابراهيم متفرقة في ١٠ محرم ١١٤٥ هـ (٣ يوليه ١٧٣٢ م). فكان ترتيبه الحادي عشر في الكتب التي تم طبعها في تلك المطبعة. ٩ - لوامع النور في ظلمات أطلس مينور (بالتركية): وهو الكتاب الثاني في الجغرافيا لكاتب جلبي، وهو ترجمة لكتاب أطلس مينور الذي وضعه جيرهارد ميركاتور (G.Mercator) ول. هونديوس (Lud. Hundius). وبدأ كاتب جلبي في ترجمته عن اللاتينية بمساعدة الشيخ محمد إخلاصي في أواسط المحرم ١٠٦٤ هـ (أوائل ديسمبر ١٦٥٣ م). وهو يتحدث فيه عن جغرافية الدول الأوربية واحدة واحدة، ابتداءً من القطب الشمالي وجزيرة ايسلاندا، فيذكر الأنهار والجبال والمدن في خليط من المعلومات الجغرافية والتاريخية ونظم الحكم. أما الأقسام المخصصة في الكتاب لآسيا وإفريقيا وأمريكا فهي ليست بهذا التفصيل. وتوجد مخطوطات ذلك الكتاب محفوظة في أغلب مكتبات إستانبول، أما نسخة المؤلف فهي في مكتبة نورعثمانيه تحت رقم (٢٩٩٨) وتضم ٤٢٩ ورقة. ١٠ - إلهام المُقَدَّس في فيض الأقدس (بالتركية): وهي رسالة كتبها كاتب جلبي عندما كان منشغلًا بعلم الهيئة، وسيطرت على ذهنه ثلاث مسائل، فأرجعها إلى مسائل فقهية وطلب الجواب عنها من علماء عصره. الأولى هي تحديد أوقات الصلاة والصوم في البلدان الشمالية، والثانية هي إمكانية طلوع وغروب الشمس من جهة واحدة في نقطة من العالم، والثالثة هي وجود أو عدم وجود بلد غير مكة يمكن أن تكون قبلةً، مهما توجه الإنسان بوجهه. ونقل الإجابة على ذلك في المسألة الأولى من آراء فقهاء الحنفية، بينما استشهد في المسألة الثانية برأي "سدرة المنتهى" لتقي الدين أبي بكر محمد، وشرح المسألة الثالثة مستعينًا برأي مولانا خسرو حول تعريفه للقبلة. وتوجد مخطوطات تلك الرسالة في مكتبات إستانبول. ١١ - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون (بالعربية): وهو المعجم الببليوغرافي الضخم الذي استغرق كاتب جلبي عشرين سنة في كتابته بالعربية، وعرف به بين العلماء والباحثين. وقد رتّبه ترتيبًا ألفبائيًا. فهو يذكر اسم الكتاب في موضعه ثم يتبعه باسم مؤلفه وتاريخ التأليف، ويذكر الكتب الأخرى المتعلقة بموضوعه، ثم شروح الكتاب ومختصراته وحواشيه، والموضع الذي مر فيه قبل ذلك أو سيمر فيه. أما الكتب التي لا تحمل عناوين فقد وضعها إما في العلم الذي ترجع إليه، وإما بعد المؤلف الذي تنسب إليه. كما تحدث ضمن تواريخ تأليف الكتب عن أبوابها والفصول التي تحتويها،

стр. 23

وأورد فقرات من أولها لدفع الالتباس. وقد وقف في مقدمة كتابه التي قَسَّمَهَا إلى أقسام مختلفة عند ماهية العلم وقيمته وتقسيمه وتاريخه، وذكر كافة العلوم وتعريفاتها وموضوعاتها. واستفاد في تلك المقدمة من كتاب "مفتاح السعادة" لطاشكوبري زاده، كما استعان بمقدمة ابن خلدون، وغيرهما كالسبكي صاحب "الطبقات". وقد قام المستشرق الألماني فلوجل بطبع المجلدين الأولين خلال سنوات ١٨٣٥ - ١٨٥٨ م في ليبزغ وفيهما النص العربي مع الترجمة اللاتينية، بينما طبعت المجلدات الخمسة الأخرى في لندن مع الكشافات. ثم ظهرت في إستانبول طبعة شرف الدين يالتقايا وكليسلي رفعت عام ١٩٤١ - ١٩٤٣ م في مجلدين كبيرين بالعربية مع مقدمة بالتركية، وهي الطبعة الأكثر انتشارًا بين أيدي الباحثين. ولا زال الكتاب بحاجة إلى الإخراج في طبعة جديدة محققة مفهرسة. وقام إسماعيل باشا البغدادي بإعداد ذيل عليه سماه "إيضاح المكنون". ١٢ - تحفة الأخيار في الحكم والأمثال والأشعار (باللغات الثلاث): وهو كتاب في المحاضرات، رتبه على حروف المعجم، فهو نوع من الموسوعات، أو هو بتعريف المؤلف "سمير الخلوة". وقد جمعه من الكتب المختلفة، بثلاث لغات هي العربية والتركية والفارسية في الفلسفة والأدب، وفي الأمور المتعلقة بالعائلة وإدارة البلاد، وفي الطيور والحيوان والأعشاب، وفي المِلَحِ واللطائف والحكايات، وفي بعض النقاط المتعلقة بالنحو والصرف، وفي الأشعار والأمثال وغير ذلك. وتوجد نسخة منه في مكتبة السليمانية (اسعد أفندي ٢٥٣٩/ ٥٦٥ ورق). ١٣ - دُرر منتثرة وغرر منتشرة (بالعربية): وهو مجموع جمعه كاتب جلبي عندما كان يقرأ ويدرس كتب الوفيات والطبقات من أجل إعداد كتابه في التراجم، فهو مختارات من نكات مفيدة ومسائل وبحوث مختلفة. ولم يطلق عليه اسمًا خاصًا في المقدمة، وإنما قال: "هو درر منتثرة وغرر منتشرة وزواهر مختلفة وجواهر غير مؤتلفة مشتملة على فوائد وافية ... الخ". فهو جمع لأمور مختلفة قد لا يربط فيما بينها رابط، مثال ذلك: النِّية، والحُلَّة، واستقبال القِبْلة، وآداب الأكل، والافتقار، والذل، والجنين في بطن أمه، واليقين، والطمأنينة، وشرط صحة الملوك، والصلاة في جوف الكعبة، وعلم الكلام، وعقوق الأستاذ، وموضوع العبادة، والسرّ المكتوم، وعيادة المريض، وذم الشعر، وفتنة الأشعرية، والحنفية، وإنكار الكرامات، ومزج الخمر بالماء، والشطرنج، وبغداد، والجواب الحاضر، والخوف، والرجاء، والقناعة، وولد السوء، ورد القاضي كتاب السلطان،

стр. 24

والافتخار بالبخل، ونَحْوُ الفقهاء .. وغير ذلك مما استخرجه من كتب الغزالي، والحارث المحاسبي، والشافعي، والاصطخري، وأبي ثور، وابن جرير، وابن سريج، وأبي القاسم القشيري، والسبكي، والذهبي، وغيرهم من المؤلفين. وتوجد النسخة الوحيدة التي هي بخط المؤلف في مكتبة نور عثمانية بإستانبول تحت رقم (٤٩٤٩)، وتقع في ٢٤٣ ورقة. ١٤ - دستور العمل في إصلاح الخلل (بالتركية): كان كاتب جلبي قد شارك هو الآخر في اجتماع الديوان الهمايوني [لسلطاني] الذي انعقد عام ١٠٦٣ هـ (١٦٥٣ م) بقصد بحث الأسباب التي أدت إلى تناقص الإيرادات وزيادة النفقات في ميزانية الدولة، وإيجاد حلول لعجز الميزانية الذي يقتضي جباية ضرائب العام التالي مقدمًا. وباعتباره رجلًا له تجاربه في الحرب والسلم وعِلْمه بتاريخ السلف فقد قام بوضع رسالة في هذا الصدد من مقدمة وثلاثة فصول ونتيجة، ثم جعل لها ذلك العنوان. فذكر في المقدمة أن حياة المجتمعات تشبه حياة الأفراد من حيث انقسامها إلى مراحل مختلفة، وأن لكل مرحلة خصائصها التي تتميز بها، وأن الدولة العثمانية قد ولجت مرحلة الركود، وأن على المسئولين الذين بيدهم زمام الأمور أن يروا ذلك ويتخذوا له التدابير اللازمة، وأن القاعدة العامة في علاج الخلل أن تتضمن الجانب العضوي والجانب النفسي معًا، وأن لكل مرحلة علاج خاص بها. أما في الفصل الأول فهو يتحدث عن أحوال الرعية، فيقول إن العلماء والعسكر وأصحاب التيمار [أي الاقطاعات] والرعايا يشكلون الأركان الأربعة الأساسية في المجتمع الذي يحكمه السلطان بواسطة رجال الدولة. ويقول إن هذه الأركان تشبه الأخلاط الأربعة في البدن، فإذا استفادت من بعضها البعض واتسق عملها صلح البدن، وصلح نظام المجتمع. ثم يشير إلى أنه رأى بعينيه حالة الخراب التي وصلت إليها كافة القرى أثناء سفره على مدى اثنتي عشرة سنة، ويعدد أسباب ذلك في فداحة الضرائب وانتشار الرشوة ومخالفة القانون، ثم يقول محذرًا: إنه في حالة الاستمرار في ذلك فلا مفر من خراب البلاد مع انتشار الثورات والمظالم. وفي الفصل الثاني يتعرض لأحوال العسكر، فيقول إن النفقات زادت نتيجة للازدياد المستمر في أعداد العسكر، ثم جرى تخفيض عددهم إلى النصف، وكان هناك تدابير أخرى عديدة يمكن اللجوء إليها دون تخفيض عدد الجند.

стр. 25

أما في الفصل الثالث فهو يتحدث عن أوضاع خزانة الدولة، بينما يسرد في الخاتمة السبل والوسائل التي يراها مناسبة لدفع الخلل. وقد طبعت هذه الرسالة في إستانبول عام ١٢٨٠ مع رسالة (عين علي) المعروفة باسم "قوانين آل عثمان". ١٥ - رجم الرجيم بالسين والجيم: وهو كتاب وضعه عام (١٠٦٤ - ١٠٦٥ م)، وجمع فيه المسائل الفقهية الغريبة والفتاوى المعضلة العجيبة من خطوط مشايخ الإسلام. وهو كتاب مفقود لم يعثر عليه حتى الآن. ١٦ - بيضاوي تفسيرينك شرحي (شرح تفسير البيضاوي) (بالتركية): كان كاتب جلبي قد قرأ تفسير البيضاوي من أوله على يدي أستاذه الشيخ مصطفى الأعرج، فبدأ في غضون عام ١٠٥٢ هـ (١٦٤٣ م) يكتب شرحًا له، ولكن يبدو أن المؤلف لم يستمر في هذا العمل، أو أن هذا الشرح مفقود. ١٧ - شرح المحمدية (بالتركية): وهو شرح كتبه كاتب جلبي على محمدية علي قوشجي في علم الحساب في غضون عام ١٠٥٧ هـ (١٦٤٧ م) برجاء من تلميذه مولانا محمود ابن العالم الآقحصاري أحمد الرومي، ثم سماه "حسن الهدية". فقد كانت تجمعه بذلك التلميذ ألفه وصحبة علمية دون سائر التلاميذ. ولما وصل الشرح إلى باب الجبر والمقابلة في غضون العام التالي توفي ذلك التلميذ، فَتَرك صاحبنا الشرح على حاله دون تبييض. ويبدو أن مخطوطته ضاعت. ١٨ - جامع المتون من جل الفنون: وهو مجموع لمتون من الخلاصات والشروح التي قرأها كاتب جلبي أو دَرَّسَها لتلامذته في موضوعات مختلفة، ثم أضاف إليها فيما بعد مقدمات نافعة تحت عنوان تتمة وتذييل. وتلك المقدمات هي: مقدمة في علم التفسير من إتمام الدراية، وتعليم المتعلم، وبداية الهداية في التذكير، ومقامات الحريري في الأدب، وجهينة الأخبار في التاريخ. أما المتون التي جمعها هذا الكتاب فهي: الشافية، والكافية، والوضعية العضدية، وتلخيص المفتاح، والأندلسية، والموجز، واللمعة في الصناعة الشعرية، ومنار الأنوار، والنقاية مختصر الوقاية، والسراجية، ونخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، والأربعين النووية، ومقدمة الجزرية، والشاطبية، والعقيلة الرائية للشاطبي، والتعرف، والتهذيب، والشمسية في المنطق، ومتن

стр. 26

السمرقندي، وهداية الحكمة، والرسالة العضدية، وقانونجه، والملخص في الهيئة، وسي فصل، وأشكال التأسيس، والشمسية في الحكمة العملية. والنسخة الوحيدة الموجودة من هذا المجموع محفوظة في مكتبة سراي طوب قابي (امانت خزينه سى، ١٧٦٣)، وهي تقع في ٦٦٦ ورقة. ١٩ - ميزان الحق في اختيار الأحق (بالتركية): وهو آخر كتابٍ وضعه كاتب جلبي، إذ انتهى من تأليفه في شهر صفر عام ١٠٦٧ هـ (نوفمبر ١٦٥٦ م). وقد كتبه حول عدة مسائل كانت مثارًا للجدل في أيامه، مثل الخلاف حول حياة الخضر (﵇) أو مماته، والتغني، والرقص والدوران، والتصلية والترضية، والتبغ أو الدخان، وشرب القهوة، وتعاطي الأفيون والمكيفات، وفقر أو غنى أبوي النبي محمد ﷺ ، وإيمان فرعون، والاختلاف في الرأي حول مكانة الشيخ محي الدين ابن عربي، وسبّ يزيد، والبدعة، وزيارة القبور، والصلاة في ليالي القدر والجمعة الأولى من رجب والنصف من شعبان، والمصافحة، والانحناء، والأمر بالمعروف، والأمة، والرشوة، والحديث حول أبي السعود أفندي والشيخ محمد البركوي، والحديث عن السيواسي وقاضي زاده. وقد طبع ذلك الكتاب الصغير عدة مرات في أعوام (١٢٨١ هـ) (١٨٦٤ م) و (١٢٨٦ هـ) (١٨٦٩ م) و (١٣٠٦ هـ) (١٨٨٨ م).

стр. 27

كاتب جلبي وكتابه سلم الوصول أكمل الدين إحسان أوغلي قررت منظمة اليونسكو الاحتفال هذا العام (٢٠٠٩ م) مع العالم كله بالذكرى الأربعمائة على مولد العالم العثماني الكبير كاتب جلبي، ويسعدنا اليوم بهذه المناسبة أن نقدم إلى دنيا العلم عَمَلَة الثاني الأهم في اعتقادنا وهو كتاب "سلم الوصول إلى طبقات الفحول"، هذا المعجم البيوغرافي الأشمل في الأدبيات الإسلامية، وذلك بعد عمله الخالد الأول، ألا وهو المعجم الببليوغرافي الأشمل أيضًا "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون". وقد كنا قبل نحو عشر سنوات ونحن ندير فعاليات إرسيكا قد عقدنا العزم على القيام بتحقيق كتاب أساسي من الكتب المخطوطة في الثقافة الإسلامية ليكون خدمة ثقافية مهمة في ساحة جديدة. وكانت الرغبة أن يكون العمل الذي ننشره في التراث الثقافي خلال العصر العثماني الذي يشكل واحدًا من العناوين الهامة في فعاليات إرسيكا، فوقع الإختيار على كتاب "سلم الوصول" الذي وَضَعَهُ كاتب جلبي ولم يكن منشورًا حتى ذلك اليوم. ولا شك أن كاتب جلبي واحد من أهم الوجوه التي عرفها القرن السابع عشر الميلادي، ذلك العصر الذي لم يلق اهتمامًا كبيرًا من الباحثين وكان يوصف حتى زمن قريب بأنه بداية عهد "الانحطاط" في الحضارة الإسلامية. وكاتب جلبي ذلك المثقف العثماني كان واحدًا من أبرز الشخصيات التي عرفتها الأمة التركية وعرفتها الدولة العثمانية والعالم الإسلامي كله على الإطلاق. فإن انفتاحه في ذلك العهد المبكر على ثقافات مختلفة، ولا سيما على ثقافات وعلوم الغرب قد جعله يتبوأ مكانةً تليق به بين الرواد الذين أقاموا أولى الاتصالات فيما بين الشرق والغرب. ولا شك أن ظهور شخصية بارزة أخرى مثل أوليا جلبي في نفس القرن ثم قيامه في رحلاته التي سجلها في كتابه (سياحتنامه) بالكشف عن الحياة الاجتماعية فوق الرقعة الجغرافية الواسعة التي يضمها العالم العثماني بكل ثرائها وتنوعها، ثم قيام كاتب جلبي بوضع

стр. 28

معجم بيوغرافي واسع يشمل الساحة الثقافية للعالم الإسلامي والعثماني لهو دليل مهم على أن الثقافة العثمانية حافظت على حيويتها في ذلك العصر (١). وقد توفي كاتب جلبي في سن التاسعة والأربعين، ومع ذلك فقد استطاع بكتبه التي أنجزها خلال تلك الحياة القصيرة مع كثرة عددها وتنوع موضوعاتها فضلًا عن محتواها وأصالتها أن يحتل مكانة متميزة في الأدبيات العثمانية والإسلامية. واستطاع كاتب جلبي بذهنه الوقاد وفكره النقاد وإحاطته الموسوعية وأعماله المنظمة التي تركها لنا أن يُتْحِفَ دنيا العلم ومن خلال منهج علمي لم يُدركه أحد في عصره بتراجم رجال برزوا في تاريخ الحضارة الإسلامية وأدبياتها. وقد حظيت تلك الأعمال باهتمام رجال العلم في الغرب منذ عهد مبكر، ولا يزال كل كتاب منها يحافظ على قيمته كمرجع لا يمكن الاستغناء عنه في بابه حتى اليوم. كان كاتب جلبي يجيد التركية والعربية والفارسية، أي (الألسنة الثلاثة) بالمصطلح العثماني، ولهذا فقد استطاع بخبرته وبراعته العاليتين الاستفادة في تأليف أعماله من المصادر والمراجع المدونة بتلك اللغات الثلاث. فإلى جانب استخدامه الأوسع للغة التركية التي هي لغته الأم قد استفاد بكل يسر من اللغتين الأخريين عند الحاجة. ويدلنا اختياره للغة معينةٍ منها في تأليفه أو ترجمته لأحد الكتب على ماهية الهدف الذي قصده من ذلك الكتاب وعلى كتلة القراء التي أرادها له. ولسوف يبدو لنا عند الاطلاع على قائمة أعماله ماهية المسوغات في اختيار لغة معينة لتأليف كتابٍ معين. ففي الأحوال التي رأى فيها ضرورة مخاطبة النخبة العثمانية وزمرة رجال الحكم في عاصمة الدولة استخدم اللغة التركية لكتابه، أي أنه استخدم اللغة التركية دائمًا وهو يضع أعماله الهامة في الجغرافيا، وأيضًا وهو يعبر عن آرائه في شئون الدولة والمجتمع، وكذلك وهو يضع كتبه المتعلقة بالتاريخ، سواء كان في تاريخ أوروبا أم كان في تاريخ الدولة العثمانية. وكان عند إعداده لأعماله يسعى للاستفادة من المصادر المعاصرة التي جاءت بالمعلومات والمعارف الحديثة التي تنير عقول الفئات التي يخاطبها وتتيح لها التعرف على تاريخها وتاريخ الأمم الأخرى المناهضة لها والتعرف من ثم على تاريخ وجغرافيا العالم،

стр. 29

فوضع نصب عينيه أن يكون خطابه لهم بلغتهم التي يفهمونها بسهولة، أي باللغة التركية التي هي اللغة الرسمية للدولة. وقد استفاد كثيرًا من الأدبيات الفارسية لكنه لم يكتب بالفارسية. وكان كاتب جلبي عندما يرى مخاطبة العلماء والمثقفين الموجودين داخل وخارج رقعة الأراضي العثمانية المنسوبين إلى أقوام ومجموعات عرقية متباينة فإنه يختار لهم اللغة العربية، اللغة العلمية المشتركة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك -إلى جانب كتابيه- كشف الظنون، وسلم الوصول - كتابه المعروف اختصارًا باسم فذلكة، والموسوم بعنوان: "فذلكة أقوال الأخيار بعلم التاريخ والأخبار"، والموصوف بالتاريخ الكبير الذي هو تاريخ عام بالعربية يبدأ من بدء الخليقة حتى سنة ١٠٥١ هـ / ١٦٤١ م (٢). ولا شك أن قيام كاتب جلبي بجعل اللغة العربية لغةً لهذه الأعمال الموسوعية الثلاثة إنما يكون قد قدم خدمة جليلة في المجال العلمي، كما يصبح جديرًا بأن يكون عَلَمًا من أعلام تاريخ الثقافة الإسلامية بعد هذه المؤلفات التي لا يمكن الاستغناء عنها في الأدبيات الإسلامية (٣). والناظر في "كشف الظنون" -الذي هو قمة من قمم تاريخ الأدبيات الإسلامية- يدرك أن كاتب جلبي قد أتحفنا بمعجم ببليوغرافي لا نظير له بما قدم من معلومات حول ما يقرب من خمسة عشر ألف كتاب؛ كما أنه أعد في مجال التراجم كتابًا آخر يعدله في القيمة سَمّاه: "سلم الوصول إلى طبقات الفحول". وكان هناك عدد محدود من الناس حاولوا الاستفادة من هذا الكتاب الذي ظل في حالة مخطوط حتى اليوم. وها نحن بعد جهود مستمرة منذ عام ١٩٩٨ م نقدم هذا العمل الهام لخدمة الباحثين نصًا محققًا تحقيقًا علميًا جادًّا. ويضم هذا المعجم البيوغرافي في مجمله نحو ٨٥٦١ ترجمة. وقد جرى ترتيب التراجم في قسمه الأول بحسب أسماء الأشخاص، أما في القسم الثاني فإنه يتحدث عن كنى وأنساب وألقاب هؤلاء الأعلام وغيرهم بطريقة منهجية معينة.

стр. 30

وكان الذين تعرضوا لحياة وأعمال كاتب جلبي وخاصة المرحوم أورخان شائق كَوكياي قد تحدثوا بشكل عام قبل ذلك عن هذا الكتاب. كما لم نشهد أحدًا تناول "سلم الوصول" بدراسة علمية جادة غير باحث أو اثنين (٤)، ورأى البعض أن ينشروه ولو في شكل صورة طبق الأصل (Facsimile) في عام ١٩٥٧ م وعام ١٩٩٤ م، لكن ذلك الأمر لم يتحقق (٥). ولم يُقْدِم أحد حتى اليوم على نشر نص محقق للكتاب بشكل من الأشكال، لا في تركيا ولا في خارجها. ومن ثم فإن نشر الكتاب من طرف إرسيكا يُعد خطوة هامة تصدرت جهودنا المتواضعة التي نبذلها لإلقاء الضوء على تاريخ العلم والثقافة في العهد العثماني. ولا شك أن إخراج الكتاب على هذا النحو من مسودة المؤلف قد اقتضى جهودًا طويلة متعددة الجوانب والاتجاهات، وأمكن بفضل مشاركة العديد من الزملاء أن يخرج على هذه الصورة. ويتحدث كاتب جلبي عن "سلم الوصول" وهو يسرد سيرته الذاتية في كتابه "ميزان الحق"، فيقول: "لقد تم تبييض المجلد الأول من كتابنا في الطبقات الموسوم بسلم الوصول إلى طبقات الفحول خلال سنتي إحدى وستين واثنتين وستين (١٠٦١ - ١٠٦٢ هـ) (١٦٥١ - ١٦٥٢ م)، فكتبنا فيه تواريخ الكبار من الأولين والآخرين". (٦) وسوف نشير إلى هذا الكتاب اختصارًا باسم "سلم الوصول"، وهو يتضمن بوجه عام مقدمة وقسمين ثم خاتمة. وجرى ترتيب القسمين الأساسيين على الحروف الألفبائية، وجاء كل حرف في باب. ويذكر كاتب جلبي في نهاية القسم الثاني أنه انتهى منه في سنة ١٠٥٣ هـ / ١٦٤٣ م، ثم يعود المؤلف فيضيف إلى هذا القسم عددًا من الصفحات تتضمن "فوائد" في موضوعات مختلفة، ثم يذكر تاريخ الانتهاء منها بسنة ١٠٥٨ هـ / ١٦٤٩ م. النسخ المخطوطة من سلم الوصول لقد وصلتنا نسختان من سلم الوصول، إحداهما مسودة المؤلف، وهي نسخة تامة لا ينقصها إلّا المقدمة، وتُحفظ في مكتبة السليمانية بإستانبول ضمن مجموعة الشهيد علي باشا برقم ١٨٨٧. أما النسخة الثانية فهي نسخة القاهرة التي لا تضم إلّا المقدمة وجانبًا من صدر

стр. 31

الكتاب والباب الأول ثم جزءًا من الباب الثاني، أي حرف الباء حتى نهاية مادة (بختنصر)، وهي محفوظة في دار الكتب المصرية ضمن مجموعة مصطفى فاضل باشا برقم (تاريخ ٥٢). وقد أشرنا إلى الفروق الموجودة بين هاتين النسختين، فرمزنا إلى النسخة الأولى مسودة المؤلف باسم (الأصل)، بينما استخدمنا لنسخة القاهرة الحرف (م). مسودة المؤلف المحفوظة في قسم شهيد علي باشا (١٨٨٧) بمكتبة سليمانية إن النسخة الأولى التي هي مسودة المؤلف المحفوظة في مكتبة السليمانية (شهيد علي باشا) هي نسخة مخطوطة في مجلد بجلد بني غامق في وسطه حِلْيَةٌ وسلاسل زينة، وتقع في ٥٧٧ ورقة بمقاسات ١٠ × ٢٤ سم (المقاسات الداخلية والأسطر مختلفة)، ولا تضم قسم المقدمة. وتتصدر صحيفةَ العنوان عبارةٌ بخط المؤلف تقول: كتاب سلم الوصول إلى طبقات الفحول لكاتبه الفقير إلى عناية ربه القدير مصطفى بن عبد الله القسطنطني المولد والدار

стр. 32

صحيفة العنوان (الصحيفة الأولي) نسخة إستانبول

стр. 33

وجرى ترتيب النسخة على شكل كراسات (ملازم)، وحَمَلَتْ كل كراسة رقمًا مسلسلًا أعلى الصفحة الأولى منها، لكن هذه الأرقام المسلسلة لا تشمل إلّا الكراسات الاثنتين والثلاثين الأولى من الكتاب، كما يبدو أن الكراستين الأوليين مفقودتان. وتتشكل الكراسة الواحدة من خمس أو ست أوراق بمقاس ٢٠ × ٢٤ سم وضعت داخل بعضها بعضًا، ثم جرى ثني هذه الأوراق من المنتصف، وجُعلت على شكل ملازم تضم كل واحدة منها عشر صفحات أو اثنتي عشرة صفحة. وقام المؤلف بوضع أرقام مسلسلة (١، ٢، ٣، ٤، ٥، ٦ ... ) في أعلى الصفحات الخمس أو الست الأولى من تلك الصفحات العشر أو الأثنتي عشرة، بينما لم يضع أرقامًا على الصفحات الخمس أو الست الثانية، ربما لأنها امتداد للصفحات الأولى. ويلفت النظر في هذه المسودة وجود ثلاثة أنواع من الترقيم فوق الصحيفة الواحدة. فهناك الترقيم الموجود على الجانب الأيسر من الصحيفة ونعتقد أنه تم بيد المؤلف ولا يشمل كل صفحات الكتاب، وإنما يوجد فقط على الأوراق (٨٣ أ- ٩٦ أ). ويوجد عدا ذلك ترقيمان متسلسلان من أول الكتاب إلى نهايته، ولكن يبدو أن الذي وضعهما على الصفحات هم موظفو المكتبة بعد دخول الكتاب إليها. والترقيم الأول هو بالأرقام العربية ( .... ١,٢,٣) تبدأ من صحيفة العنوان وتنتهي عند رقم (٥٧٨)، أما الترقيم بالأرقام الهندية (١، ٢، ٣، ... ) فتبدأ من الورقة الثانية التي يبدأ منها باب الألف وتنتهي عند الرقم ٥٧٨ في الورقة الأخيرة من النسخة. وقام الشخص الذي وضع الأرقام الهندية -من بين المكتبيين الذين قاموا بالترقيم العربي والهندي لأوراق الكتاب- بتجاوز رقم الورقة التالي للورقة رقم ٢٧١، فبدلًا من أن يكتب الرقم ٢٧٢ كتب الرقم ٢٧٣، وبذلك زال الفارق الموجود بين الترقيمين. وسبب وجود فارق بقدر عشر صفحات بين الترقيم الذي وضعه كاتب جلبي والترقيم الذي وضعه موظفو المكتبة فيما بعد يبدو أنه ناشئ عن ضياع ملزمتين تضم كل واحدة منهما خمس ورقات كما سبق وأسلفنا من قبل. وتجدر الإشارة إلى أننا اعتمدنا الأرقام العربية المتسلسلة الموجودة (١, ٢, ٣, ... ) ونحن نسعى لتحقيق المخطوط وإعداده للنشر. وهناك دليل آخر يؤكد ضياع كراستين من صدر الكتاب تحتويان مقدمته، وهو أن الورقة الفارغة الظهر التي تضم قيد عنوان الكتاب الذي ذكرناه من قبل قد جرت إضافتها من بعد في حالة ورقة منفصلة إلى الكراسة الأولى الموجودة. وفي اعتقادنا أن هذه النسخة المسودة قد دخلت بهذه الحالة الناقصة إلى مجموعة الشهيد علي باشا في مكتبة السليمانية، لأن خاتم الوقف الخاص بالشهيد علي باشا يوجد مطبوعًا في القسم الأسفل من وجه الورقة الأولى بعد صحيفة العنوان مبالثرة، وهو ظاهر بصورة جلية عليها. والورقة التي يبدأ بها القسم الأول من الكتاب تقابل الرقم (١١) الذي وضعه المؤلف، مما يعني أن مقدمة الكتاب كانت تتصدره

стр. 34

آنذاك. ويوجد خاتم الشهيد علي باشا مطبوعًا على الورقتين (٢ a) و (٥٧٥ b) وفي داخله عبارة "مما وقف الوزير الشهيد علي باشا رحمه الله تعالى بشرط أن لا يخرج من خزانته ١١٣٠". وبما أن هذا الوزير توفي سنة ١١٢٨ هـ (١٧١٦ م) إذن فهذا الخاتم وضع على المخطوط بعد مرور عامين على وفاته، أي في سنة ١٧١٨ م. ويلاحظ أن صفحات الكتاب من أول حرف الألف حتى نهاية حرف التاء ممتلئة، وهذا الجزء يمتد حتى الورقة (٦٧ b)، ويبدو أن النص فيه قد أخذ شكله النهائي تقريبًا، وهو يشتمل على الجلد الأول الذي تم تبييضه كما قال كاتب جلبي في العبارة التي نقلناها عنه سابقًا. كما يلاحظ في هذا الجزء من الكتاب أن الرموز الخاصة بأسماء المصادر المختلفة التي يستعين بها كاتب جلبي على الترجمة ويضعها فوق رؤس المواد ليست موجودة هنا. كما يلاحظ أيضًا أن بعض البطاقات التي لصقها كاتب جلبي بيديه بعد الورقة (٢٥ b) قد سقطت من هذا الجزء، فلا توجد الترجمات ذات الأرقام (٤٧٦ - ٤٨٣)، ويثبتُ لنا ذلك وجودُ لفظ التعقيب (*) الذي يمثل الكلمة الأولى في الترجمة رقم (٤٧٦) الموجودة في نهاية الورقة المذكورة. وتلك الترجمات الساقطة من هنا (٤٧٦ - ٤٨٣) نراها موجودة في نسخة القاهرة (م). ثم يأتي بعد الورقة (٦٦ أ) رؤس لمواد أو تراجم كُتِبَ مقدارُ النصف منها أو ما هو دون ذلك، كما نشهد رؤسًا لتراجم ظلتْ على ذلك دون كتابة، ومن هنا يبدأ ظهور رموز المصادر. وجانب من التراجم الموجودة في هذا الجزء قد تم ملؤها، وذُكرتْ في نهاياتها أسماء المصادر التي اعتمد عليها المؤلف، ثم شُطِبت الرموز الموجودة في أعلاها. ويلاحظ أن المؤلف وَزَّعَ رؤس المواد على الصحيفة أولًا فكان إذا ضاق المكان المخصص خرج بالكتابة إلى الهوامش والحواشي، أو كتب تلك الإضافات على بطاقات وقام بلصقها في موضعها. لكن تلك البطاقات سقط بعضها من موضعه فقام بلصقها أحد خبراء موظفي المكتبة في مواضع أخرى مختلفة مع الكتابة بالقلم الرصاص عن الموضع الذي ترجع إليه كل بطاقة. ويلاحظ أسفل الأوراق (٢٢ b، ٢٣ b، ٢٥ b، ٢٦ b، ٢٧ b) وجود ألفاظ تعقيب، وهذه الألفاظ مكتوبة بنفس الشكل في أول الصفحة التي تعقبها على اليسار. أما في الأوراق الأخرى فنلاحظ وجود أرقام بدلًا من هذه الألفاظ لتقوم بنفس الوظيفة، وعلى سبيل المثال يوجد رقم (١) أسفل الورقة (٣٢ b)، ورقم (٢) أسفل الورقة (٣٣ b)، ورقم (٢) أسفل الورقة (٣٤ b)، ورقم (٤) أسفل الورقة (٣٥ b)، ورقم (٥) أسفل الورقة (٣٦ b)، ورقم (٢) أسفل الورقة (٤٣ b)، ورقم (٤) أسفل الورقة (٤٤ b)،

стр. 35

ورقم (٥) أسفل الورقة (٤٥ b)، ورقم (٦) أسفل الورقة (٤٧ b)، ورقم (١) أسفل الورقة (٥٢ b)، ورقم (٢) أسفل الورقة (٥٣ b)، ورقم (٣) أسفل الورقة (٥٤ b)، ورقم (٤) أسفل الورقة (٥٥ b)، ورقم (٥) أسفل الورقة (٥٦ b). وهذه الأرقام قد كتبت بعينها في أوائل الصفحات التالية على اليسار. أما في القسم الثاني من الكتاب (أي المتعلق بالكنى والألقاب والأنساب) فيلاحظ وجود دوائر صغيرة أو أرقام في هوامش بعض المواد، لكننا لم نستطع التعرف على المغزى من وجودها. نسخة القاهرة ونسخة القاهرة من الكتاب والمحفوظة في دار الكتب المصرية ضمن مجموعة مصطفى فاضل باشا تحت رقم (تاريخ ٥٢) مكتوبة بخط النسخ العادي، وتقع في ١١٤ ورقة ومقاسات ١٧.٥ × ١٧.٥ سم (١٠ × ٢٥ سم) ومسطرتها ٢٩ سطرًا. ويبدو أن استنساخها وقع في القرن التاسع عشر الميلادي. وتحتوي هذه النسخة على مقدمة الكتاب، ثم الباب الأول والثاني حتى منتصف مادة (بختنصر) الموجودة في مسودة المؤلف في الورقة (b ٥٩). أما الأوراق التالية فقد بقيت فارغة. وهي تضم ١٠٤٤ ترجمة، كما يوجد في هذه النسخة أيضًا لترجمات (٤٧٦ - ٤٨٣) التي سقطت من مسودة المؤلف. وفي مقابل ذلك فان نسخة القاهرة هذه لا تضم الترجمة رقم ٩٨٣ ضمن البابين اللذين تشملهما من الكتاب. وخط النسخة مقروء، لكنها تحتوي العديد من الأخطاء الإملائية. كما أنها لا تضم الإضافات والتواريخ الشعرية وبعض الأرقام الخاصة بتواريخ الوفاة والأبيات الشعرية الفارسية الموجودة على هوامش وحواشي مسودة المؤلف، لكنها تضم على هامش الورقتين (١ b، ٢ a) من المقدمة غير الموجودة في مسودة المؤلف بعض عبارات منتهية بلفظ "منه".

стр. 36

الورقة الأولى من نسخة القاهرة (دار الكتب المصرية، مجموعة مصطفى فاضل باشا، تاريخ ٥٢)

стр. 37

الصحيفة الأولى في سلم الوصول نسخة القاهرة

стр. 38

مقارنة بين النسختين عند المقارنة بين مسودة المؤلف التي وصفناها سابقًا وبين نسخة القاهرة (م) يمكننا الوصول إلى بعض الأمور التي تدلنا على الكيفية التي أعد بها كاتب جلبي كتابه. وعلى الرغم من أن نسخة القاهرة لا تضم إلّا جزءًا صغيرًا من الكتاب، أي لا تضم حتى كل الجزء الذي وصفه كاتب جلبي بأنه يمثل المجلد الأول من الكتاب إلّا أنها تنطوي على أهمية كبيرة نظرًا لأنها تحتوي المقدمة التي لا توجد في نسخة المؤلف الموجودة بين أيدينا. والآن نحاول من خلال عقد بعض المقارنات فيما بين النسختين إيضاح الكيفية التي أعد بها المؤلف كتابه، والكيفية التي وعملت بها النسختان الموجودتان بين أيدينا، ونسعى للتعرف على الفرضيات المختلفة في هذا الصدد. ولا شك أن عدم احتواء نسخة المؤلف على المقدمة ووجودها في نسخة القاهرة أمر يدفعنا للتفكير في بعض الاحتمالات، أولها أن المستنسخ الذي كتب نسخة القاهرة قد يكون أعدها نقلًا عن نسخة المؤلف المحفوظة ضمن مجموعة الشهيد علي باشا قبل ضياع الملزمتين الموجودتين في أولها، وهذا يقتضي أن يكون استنساخ نسخة القاهرة قد جرى في الوقت الذي كانت فيه نسخه الشهيد علي باشا موجودة بشكلها التام وقبل انتزاع ملزمتين منها، أي أن مستنسخ نسخة القاهرة ربما يكون قد اطلع على نسخة المؤلف قبل دخولها إلى مجموعة الشهيد علي باشا ونقل منها ما نقل. ونظرًا لأن مسودة المؤلف دخلت إلى مجموعة الشهيد علي باشا في نهاية القرن السابع عشر أو بداية القرن الثامن عشر على أقصى تقدير وأن نسخة القاهرة جرى استنساخها في القرن التاسع عشر فإن هذا الاحتمال قد يبدو بعيدًا عند النظر بدقة إلى الفروق الموجودة بين النسختين، إذ يظهر أن كاتب جلبي أعد نسخة أخرى مبيضة -كما ذكر هو- عدا نسخة المسودة الموجودة بين أيدينا. ولسوف نلحظ عند تدقيق نسخة القاهرة أن ناسخها لم ينقل إليها بعض الإضافات الموجودة على هامش نسخة المؤلف، مثل عبارات التأريخ بحساب الجمل، وتواريخ الأيام التي حشرها المؤلف بالأرقام من بعد فيما بين السطور لتحديد تواريخ وفيات بعض أصحاب التراجم، وكذلك الأشعار المكتوبة باللغة الفارسية. وهنا يمكننا الافتراض أن المستنسخ الذي كتب نسخة القاهرة لم يراع هذه الأمور فيها، أو أنها لا توجد في النسخة المبيضة التي قال كاتب جلبي إنه كتبها، أي في المجلد المستقل الذي وصفه بالمجلد الأول. ولكن الواضح

стр. 39

والأرجح هو الفرضية القائلة بأن الإضافات التي أشرنا إليها هنا قد جرى وضعها في المسودة فيما بعد من طرف المؤلف نفسه وذلك على ضوء النتائج التي توصلنا إليها حتى الآن. وعلى ذلك فإن النسخة المبيضة التي ذكرها كاتب جلبي وهو يتحدث عن سيرته الذاتية في كتابه "ميزان الحق" فقال: "في سنة إحدى وستين واثنتين وستين (١٠٦١ - ١٠٦٢ هـ) (١٦٥١ - ١٦٥٢ م) جرى تبييض الجلد الأول من كتابنا في الطبقات الموسوم بسلم الوصول إلى طبقات الفحول وذلك حتى حرف التاء" هي نسخة مفقودة لم تصلنا، والمستنسخ الذي كتب نسخة القاهرة قد اعتمد عليها ونقل لنا المقدمة الموجودة في أولها ثم تراجم حرف الألف والتاء حتى مادة (بختنصر)، أي ما مجموعه ١٠٥٨ ترجمة، ثم توقف عند ذلك. وإذا أمعنا النظر في نسخة القاهرة فسوف نرى أن الصفحات التي تعقب الصحيفة (٢٢٨) التي هي ظهر الورقة (١١٤ b)، أي الورقة الأخيرة المكتوبة في النسخة قد ظلت فارغة. ويمكننا الاعتقاد أن المستنسخ كان ينوي الاستمرار في ملء تلك الصفحات الفارغة من المجلد المبيض المفقود. وهناك دليل هام يدعم تلك الفرضية، ألا وهو مادة أفلاطون رقم (٩٧٠) الموجودة في الورقة (٥٣ b) من مسودة المؤلف، إذ تكشف أن هذه الترجمة قد تم نقلها بعينها من النسخة المبيضة المفقودة لسُلم الوصول إلى نسخة القاهرة، غير أن المعلومات التي أضافها كاتب جلبي فيما بعد وحشرها حشرًا على هامش الصحيفة في مسودته لم تكن موجودة في النسخة المبيضة، لذلك لم تنقل إلى نسخة القاهرة. ويبدو أن كاتب جلبي قد ترك النسخة المبيضة التي أعدها خلال عامي ١٠٦١ - ١٠٦٢ هـ (١٦٥١ - ١٦٥٢ م) جانبًا، وراح يواصل العمل على المسودة الأساسية، فأخذ يستكمل المواد التي لم تكتب ويملأ أسفل المواد التي تحتوي رموزًا لمصادرها، كما لم يهمل في الوقت نفسه أن يضيف إلى مواد معينة معلوماتٍ إضافية وجدها خاصة بالقسم الأول الذي تم تبيضه. وفي هذا السياق فإنه عندما وَجَدَ فيما بعد معلومات تتعلق بمادة أفلاطون وشعر بضرورة إضافتها إلى تلك المادة لم يتردد في إضافتها إلى الهامش في المسودة. وهذه المعلومات الإضافية والتراجم الإضافية وغيرها من العبارات والإضافات (كالأبيات الشعرية وغيرها) لم يستطع نقلها إلى "المجلد الأول" المستقل، ومن ثم لم نشهدها في نسخة القاهرة. وهناك ثماني تراجم (٤٧٦ - ٤٨٣) موجودة في نسخة القاهرة، لكنها غير موجودة في مسودة المؤلف الموجودة بين أيدينا بصورتها المتماسكة من حرف الألف حتى حرف الياء، لكن هذه التراجم أضيفت إلى المسودة في حالة بطاقات من حيث الأساس، ويبدو أنها بعد أن نقلت إلى النسخة المبيضة سقطت من موضعها. (وألصقت على الورقة ٢٦ b والورقة ٢٧ a).

стр. 40

الورقة: ٢٦ b
следующие страницы →