← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 19225

إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (88 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فصل الوجه الثالث: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾ [الأعراف: ١٥٠]. ووجه الاستدلال بالآية أن موسى صلوات الله عليه لم يكن لِيُلْقي ألواحًا كتبها الله تعالى، فيها كلامه، مِنْ على رأسه إلى الأرض، فيكسوها = اختيارًا منه لذلك، ولا كان فيه مصلحةٌ لبني إسرائيل، ولذلك جَرَّة بلحيته ورأسه (١)، وهو أخوه، وإنما حمله على ذلك الغضب، فَعَذَرهُ اللهُ سبحانه به، ولم يَعْتَبْ عليه بما فعل؛ إذْ كان مصدرُه الغضبَ الخارجَ عن قدرة العبد واختياره، فالمُتَوَلِّدُ عنه غيرُ منسوب إلى اختيارهِ ورضاهُ به. يوضِّحُه: الوجه الرابع: وهو قوله: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]. فعَدَلَ سبحانه عن قوله: "سَكَن" إلى قوله: ﴿سَكَتَ﴾؛ تنزيلًا للغضب منزلة السلطان الآمر الناهي، الذي يقول لصاحبه: افعل، لا تفعل. فهو مستجيب لداعي الغضبِ الناطقِ فيه، المتكلِّم على لسانه،

стр. 37

فهو أولى بِأَن يُعذرَ من المُكْرَهِ الذي لم يَتسلط عليه غضبٌ يأمُره وينهاه، كما سيأتي تقريره بعد هذا إن شاء الله. وإذا كان الغضبُ هو الناطق على لسانه، الآمر الناهي له، لم يكن ما جَرى على لسانه في هذه الحال منسوبًا إلى اختياره ورضاه، فلا يتم من عليه أثره (١). الوجه الخامس: قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] في ثلاثة مواضع من القرآن (٢). وما يتكلمُ به الغضبان في حال شدة غضبه، مِن طلاقٍ أو شتمٍ ونحوه، هو من نزغات الشيطان، فإنه يُلجئُه إلى أن يقول ما لم يكن مختارًا لقوله، فإذا سُرِّيَ عنه عَلِم أن ذلَك مِنْ إلقاء الشيطان على لسانه، مِمَّا لم يكن بِرَضاهُ واختيارِه. والغضب من الشيطان، وأثرُه منه، كما في الصحيح أن رجلين اسْتبّا عند النبي ﷺ حتى احْمَرَّ وَجْهُ أحدهما وانتفخت أوداجه، فقال النبي ﷺ : "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من

стр. 38

الشيطان الرجيم" (١). وفي السنن أن النبي ﷺ قال: "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان من النار، وإنما تطْفَأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" (٢). وإذا كان هذا السببُ وأثرُه من إلجاء الشيطان، لم يَكُنْ من اختيار العبد؛ فلا يترتب عليه حكمُه.

стр. 39

فصل فأما دلالة السُّنّة فمن وجوه (١): أحدها: حديث عائشة المتقدم، وهو قوله: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق". وقد اخْتلفَ في الإغلاق (٢)، فقال أهل الحجاز: هو الإكراه

стр. 40

وقال أهل العراق: هو الغضب، وقالت طائفة: هو جَمْعُ الثلاث بكلمة واحدة حكى الأقوال الثلاثة صاحب كتاب "مطالع الأنوار" (١). وكأن الذي فَسَّره بجمع الثلاث أخذه من التغليق، وهو أن المطلِّق غلق طلاقه كما يغلق صاحب الدين ما عليه، وهو مِنْ غلق الباب، فكأنه أغلق على نفسه باب الرحمة بجمعه الثلاث، فلم يجعل له الشارع ذلك، ولم يُملِّكْهُ إيَّاهُ، رحمة به، إنما مَلَّكه طلاقًا يَمْلِكُ فيه الرَّجْعَة بعد الدخول، وحَجَر عليه في وقته، وَوَضْعِه، وقَدْره: فلم يُملِّكْهُ إياه في وقت الحيض، ولا في وقت طهرٍ جامعها فيه. ولم يُملِّكْه أن يُبينها بغير عِوَضٍ (٢) بعد الدخول، فيكون قد غَيَّر صفة الكلام، وهذا عند الجمهور، فلو قال لها: أنت طالقٌ طلقةً لا رجعة لي فيها، أو طلقة بائنةً = لغى ذلك، وثبت (٣) له الرجعة.

стр. 41

وكذلك لم يمَلِّكْهُ جَمع الثلاث في مرة واحدة. بل حجر عليه في هذا وهذا وهذا، وكان ذلك منْ حُجَّةِ مَنْ لم يُوقع الطلاق المُحرَّم، ولا الثلاث بكلمة واحدة (١)، لأنه طلاقٌ محجورٌ على صاحبه شرعًا، وحَجْرُ الشارع يَمْنع نفوذ التصرُّف وصِحَّتَه، كما يَمْنَع نفوذ التصرُّف في العقود المالية. فهذه حُجَّةٌ من أكثر من ثلاثين حجة ذكرها على كلام وقوع الطلاق المحجور على المطلِّقِ فيه. والمقصود ها هنا أن هؤلاء فسَّروا الإغلاق بجَمع الثلاث؛ لكونه أغلق على نفسه باب الرحمة الذي لم يُغْلِقه اللهُ عليه إلا في المرة الثالثة. وأما الآخرون فقالوا: الإغلاق مأخوذ من إغلاق الباب، وهو إرتاجُه وإطباقه، فالأمرُ المُغْلَقُ ضدَّ الأمر المُنْفَرِج، والذي أُغلِقَ عليه الأمر ضد الذي فُرِجَ له وفُتِحَ عليه، فالمكْرَهُ (٢) الذي أُكْره على أمرٍ إن لم يفعله وإلا حَصَل له من الضرر ما أكره إليه (٣) = قد أُغلِقَ عليه بابُ القصد والإرادةِ لِما أُكْرِه عليه، فالإغلاق في حقه بمعنى إغلاق أبوابِ

стр. 42

القصد والإرادة له، فلم يكن قلبه منفتحًا لإرادة القول والفعل الذي أُكْرِه عليه، ولا لاختيارِهما، فليسَ مُطْلَقَ (١) الإرادة والاختيار، بحيث إن شاء طَلَّقَ وإن شاء لم يُطَلِّقْ، وإن شاء تكلَّم وإن شاء لم يتكلَّم، بل أُغْلِق عليه بابُ الإرادة إلا لِلَّذي قد أُكْرِهَ عليه. ولهذا قال النبي ﷺ : "لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ولكنْ لِيَعْزِمْ المسألة؛ فإن الله لا مكْرِه له" (٢). فبيَّن النبي ﷺ أن الله لا يفعل إلا إذا شاء، بخلاف المكرَه الذي يفعل ما لا يشاؤه، فإنه لا يُقال: يَفْعَل ما يشاء، إلا إذَا كان مُطْلَق الدواعي، وهو المختار، فأما من أُلْزِمَ بفعل معيَّن، فلا. ولهذا يُقال: المكرَه غير مختار. ويُجْعَلُ قَسِيم المختار، لا قِسْمًا منه. ومَنْ سَمَّاهُ مختارًا فإنه يعني أن له إرادة واختيارًا بالقصد الثاني، فإنه يُرِيد الخَلاصَ من الشرّ، ولا خلاص له إلا بفعل ما أُكرِهَ عليه، فصار مريدًا له بالقصد الثاني لا بالقصد الأول. والغضبانُ الذي يمنعه الغضب من معرفةِ ما يقولُ وقصدِه، فهذا مِنْ أعظم الإغلاق، وهو في هذا الحال بمنزلة المبَرْسَمِ والمجنون والسكران، بل أسوء حالًا من السكران؛ لأن السكران لا يقتل نفسه، ولا يلْقِي ولده من علو، والغضبان يفعل ذلك، وهذا لا يتوجَّه فيه نزاعٌ أنه لا يقع طلاقه، والحديثُ يتناول هذا القسم قطعًا.

стр. 43

وحينئذٍ، فنقول: الغضبُ ثلاثة أقسام (١): أحدها: أن يحصل للإنسان مبادئه وأوائله، بحيث لا يتغيَّر عليه عقله، ولا ذهنه، ويَعْلَمُ ما يقول ويقصده، فهذا لا إشكال في وقوع طلاقه، وعتقهِ، وصحة عقوده، ولا سيما إذا وقع منه ذلك بعد تردُّدِ فِكْره. القسم الثاني: أن يبلغ به الغضب نهايته، بحيث يَنْغَلِقُ عليه بابُ العلم والإرادة، فلا يعلم ما يقول ولا يريده، فهذا لا يتوجَّهُ خلافٌ في عدم وقوع طلاقه، كما تقدم. والغضبُ غُولُ العقل (٢)، فإذا اغتال الغضبُ عقله حتى لم يعلم ما يقول، فلا ريب أنه لا ينفذ شيء من أقواله في هذه الحالة، فإن أقوال

стр. 44

المكلف إنما تنفُذ مع علم القائل بصدورها منه، ومعناها، وإرادته للتكلم بها. فالأول يُخْرِجُ النائم، والمجنون، والمبَرْسَم، والسكران، وهذا الغضبان. والثاني: يُخْرِجُ من تكلم باللفظ وهو، يعلم معناه البتة، فإنه لا يلزم مقتضاه. والثالث: يُخْرِجُ من تكلم به مُكْرَهًا، وإن كان عالمًا بمعناه. القسم الثالث: من تَوَسَّط في الغضب بين المرتبتين، فتعدى مبادئه، ولم ينتَهِ إلى آخره بحيث صار كالمجنون، فهذا مَوْضِعُ الخلاف، ومحلُّ النظر. والأدلةُ الشرعية تدلُّ على عدم نُفوذ طلاقه، وعتقه، وعقوده التي يُعْتبر فيها الاختيار والرضا، وهو فرعٌ من الإغلاق، كما فسَّره به الأئمة، وقد ذكرنا دلالة الكتاب على ذلك من وجوه. وأما دَلالة السنة، فَمنْ وجوه: أحدها: حديث عائشة، وقد تقدَّم ذِكرُ وجه دَلالته (١). الثاني: ما رواه أحمد والحاكم في مستدركه من حديث عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نَذْرَ في غضب، وكفارتُه كفارة

стр. 45

يمين" (١)، وهو حديث صحيح، وله طرق. وجهُ الاستدلال به: أنه ﷺ ألغى وجوبَ الوفاء بالنذر إذا كان في حال الغضب، مع أن الله أثنى على المُوفِين بالنذور، وأَمرَ النبيُّ ﷺ الناذرَ لطاعة الله بالوفاء بنذره، وقال: "من نذر أن يطيع الله فَلْيُطِعْهُ، ومن نذر أن يعصيه فلا يعْصِهِ" (٢). فإذا كان النذرُ الذي أثنى الله على مَنْ أوفى به، وأَمَرَ رسولُه بالوفاء بما كان مِنْهُ طاعةً = قد أَثَّر الغضبُ في انعقاده، لِكَوْنِ الغضبان لم

стр. 46

يقصده، وإنما حَمَله على إتيانِه (١) الغضب = فالطلاقُ بطريق الأولى والأحرى. فإن قيل: فكيف رُتِّب عليه كفارة اليمين؟ قيل: ترَتُّبُ الكفارة عليه لا يدلُّ على تَرتُّب مُوجَبه ومقتضاه عليه، والكفارةُ لا تستلزم التكليف، ولهذا تجب في مال الصبيِّ والمجنون إذا قتلا صيدًا أو غيره، وتجب على قاتل الصيد ناسيًا أو مخطئًا، وتجب على من وطئ في نهار رمضان ناسيًا -عند الأكثرين-، فلا يلزم من تَرَتُّبِ الكفارة اعتبار كلام الغضبان. وهذا هو الذي يسمِّيه الشافعيُّ: "نذر الغلق"، ومنصوصه: عدم وجوب الوفاء به إذا حلف به، بل يُخَيَّر بينه وبين الكفارة. وحُكِيَ له قولٌ آخر بتَعَيُّنِ الكفارة عينًا، وقولٌ آخر يتعيُّن الوفاء به إذا حنث، كما يلزمه الطلاق والعتاق (٢)، وهذا قول مالك (٣)، وأشهر الروايتين عن أبي حنيفة (٤). الثالث: ما ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان" (٥)، ولولا أن الغضب يؤثِّرُ في قصده وعلمه لم

стр. 47

يَنْهَهُ عن الحكم حالَ الغصب. وقد اختلف الفقهاء في صحة حكم الحاكم في حال غضبه على ثلاثة أقوالٍ سنذكرها بَعْدُ إن شاء الله.

стр. 48

فصل وأما آثار الصحابة، فمن وجوه: أحدها: ما ذكره البخاري في صحيحه عن ابن عباس أنه قال: "الطلاق عن وَطَرٍ، والعِتْق ما يُبْتَغى به وجه الله" (١). فحَصَر الطلاق فيما كان عن وَطَرٍ، وهو الغرضُ المقصودُ، والغضبان لا وَطَر له. وهذا في الطلاق عن ابن عباسٍ نظيرُ قولهِ وقولِ أصحابه: لغوُ اليمين أن تحلف وأنت غضبان (٢).

стр. 49

الوجه الثاني: أن الزهريَّ روى عن أبان بن عثمان على عثمان أنه رد طلاق السكران (١)، ولا يُعْرَفُ له مخالفٌ من الصحابة (٢). وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي رجع إليه الإمام أحمد أخيرًا (٣). قال في رواية أبي طالب: والذي لا يأمر فيه بالطلاق فإنما أتى خصلة واحدة، والذي يأمر بالطلاق قد أتى خصلتين: حرَّمَها

стр. 50

عليه، وأحلَّها لغيره؛ فهذا خيرٌ من هذا. وأنا أتقي جميعها (١). وقال في رواية عبد الملك الميموني: قد كنتُ أقول إن طلاق السكران يجوز، حتى تبيَّنتُه، فغَلَبَ عليَّ أنه لا يجوز طلاقه؛ لأنه لو أقرَّ لم يَلْزَمْهُ، ولو باع لم يَجُزْ بيعُه. قال: وأُلْزِمُه الجناية، وما كان مِنْ غير ذلك فلا يَلْزَمُه. قال أبو بكر (٢): وبهذا أقول. وقال في رواية أبي الحارث: أرفعُ شيءٍ فيه (٣): حديثُ الزهريِّ عن (٤) أبان بن عثمان عن عثمان: "ليس لمجنونٍ ولا سكران طلاق". وهو اختيار الطحاوي (٥)، وأبي الحسن الكرخي (٦)، وإمام الحرمين (٧)، وشيوخ الإسلام ابن تيمية (٨)، وأحد قولي الشافعي (٩).

стр. 51

وإذا كان هؤلاء لا يُوقِعون طلاق السكران، لأنه غير قاصدٍ للطلاق؛ فمعلومٌ أن الغضبان كثيرًا ما يكون أسوأ حالًا من السكران. والسكرُ نوعان: سُكْرُ طَرَبٍ، وسُكْرُ غضَب، وقد يكون هذا أشدَّ، وقد يكون الآخر أشدَّ، فإذا اشتدَّ به الغضبُ حتى صار كالسكران كان أولى بعدم وقوع الطلاق منه؛ لأنه يُعْذَرُ ما لا يُعذَر السكران، ويَبْلغُ به الغضبُ أشدَّ ما يَبْلُغُ به السُّكْر، كما يُشاهَد مِنْ حال السكران والغضبان.

стр. 52

فصل وأما الاعتبارُ وأصولُ الشريعة، فمن وجوه: الأول: أنَّ المؤاخذةَ إنما ترتَّبَتْ على الأقوال، لكونها أدلةً على ما في القلب مِنْ كسبه وإرادته، كما قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، فجعلَ سبب المؤاخذة كَسْبَ القلبِ، وكَسْبُه هو إرادتُه وقصدُه. ومَنْ جرى على لسانه الكلام مِنْ غير قصدٍ واختيار، بل لشدةِ غضبٍ وسكْرٍ أو غير ذلك، لم يكن من كَسْبِ قلبه. ولهذا لم يؤاخذ الله سبحانه الذي اشتدَّ فرحُه بوجودِ راحلته بعد الإياس منها، فلما وَجَدها أخطأ من شدة الفرح، وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك (١)، فجرى هذا اللفظُ على لسانه من غير قصدٍ، فلم يؤاخذه به، كما يجري الغلطُ في القرآن على لسان القارئ. لكن، قد يقال: هذا قَصَد الصواب فأخطأ، فلم يُؤاخَذْ؛ إذْ كان قَصَد ضد ما تكلَّم به، بخلاف الغضبان إذا طَلَّق، فإنه قاصدٌ للطلاق.

стр. 53

قيل: لا كلام في الغضبان العالِم بما يقول، القاصدِ المختارِ لِحُكْمِه دفعًا لمكروه البقاء مع الزوجة، وإنما الكلامُ في الذي اشتد غصْبه حتى ألجأه الشيطان إلى التكلُّم بما لم يكن مختارًا للتكلُّم به، كما يُلْجِئه إلى فِعل ما لم يكن لولا الغضبُ يفعلُه. يوضِّحه: الوجه الثاني: وهو أنَّ الإرادة فيه هو محمولٌ عليها، مُلْجَأٌ إليها، كالمُكرَهِ، بل المُكْرَهُ أحسنُ حالًا منه؛ فإن له قصدًا وإرادة حقيقةً، لكنْ هو محمولٌ عليه، وهذا ليس له قصدٌ في الحقيقة، فإذا لم يَقَع طلاقُ المكرَهِ فَطلاقُ هذا أولى بعدم الوقوع. يوضِّحه: الوجه الثالث: وهو أن الأمر الحامل للمُكْرَه على التكلُّمِ بالطلاق يُشْبِهُ الحامل للغضبان على التكلُّم به؛ فإن المتكلِّم مُكْرَهًا إنما يقصدَ الاستراحة من توقُّع ما أُكْرِه به إن لم يُباشَرْ به، أو من حصوله إن كان قد باشره شيءٌ منه (١)، فيتكلم بالطلاق قاصدًا لراحته مِنْ أَلَمِ ما أُكْرِه به. وهكذا الغضبان، فإنه إذا اشتد به الغضب يَأْلَم بِحَمْلِه، فيقول ما يقول، ويفعل ما يفعل، ليدفع عن نفسه حرارة الغضب، فيستريح بذلك، وكذلك يلطم وجهه، ويصيح صياحًا قويًّا، ويشق ثيابه، ويُلْقِي ما في يده؛ دفعًا لألم الغضب، وإلقاءً لِحِمْلِه عنه، وكذلك يدعو على نفسه وأحبِّ الناس إليه، فهو يتكلم بصيغة الطلب والاستدعاء والدعاءِ وهو غيرُ طالبٍ لذلك في الحقيقة، فكذلك يتكلم بصيغة الإنشاء وهو

стр. 54

غير قاصدٍ لمعناها. ولهذا يأمر الملوكُ وغيرُهم عند الغضب بأمورٍ يَعْلَمُ خواصُّهم أنهم تكلموا بها دفعًا لحرارة الغضب، وأنهم لا يريدون مقتضاها، فلا يَمْتثِلُه خواصُّهم، بل يؤخرونه، فَيَحْمَدُونَهُمْ على ذلك إذا سكن غضبهم. وكذلك الرجل وقتَ شدة الغضب يقومُ ليبطش بولده أو صديقه، فيَحولُ غيره بينَه وبين ذلك، فيَحْمَدَهُم بعد ذلك، كما يَحْمَدُ السكرانُ والمحموم ونحوُهما مَنْ يحول بينه وبين ما يَهُمُّ بفعله في تلك الحالة. الوجه الرابع: أن العاقل لا يستدعي الغضب ولا يريده، بل هو أكرهُ شيءٍ إليه، وهو كما قال النبي ﷺ : "جَمْرَةٌ في قلب ابن آدم، أَمَّا رأيتم من احمرارِ عَيْنَيْه وانتفاخِ أوداجه؟! " (١). والعاقلُ لا يقصد إلقاء الجمرة في قلبه، فهو ناشئٌ فيه بغير اختياره، وإذا كان هو السببَ الحاملَ على التكلُّم بالطلاق وغيره، لم يكن ذلك أيضًا مضافًا إلى اختياره وإرادته، وهذا كما أن إرادة السببِ إرادةٌ للمسبَّب، فكراهةُ السبب وبغضُه كراهةٌ للمسبَّب، يوضِّحه:

стр. 55

الوجه الخامس: هو أنك تقولُ للغضبان إذا اشتد غضبه، ففَعَل ما لم يكن يفعله، أو تكلَّم ما لم يكن يتكلَّمُ به قبل الغضب: هل أردتَ ذلك أو قصدتَه؟ فيحلف أنه ما أراده ولا قصده، ولا كان له باختيار، ويحلف أنه وقع بغير اختيار. ولا تنكر هذا، فإنك تَجِدُهُ من نفسك. وتحقيقُ الأمر: أن له فيه إرادةً هو محمولٌ عليها، حَمَلهُ عليها الغضبُ، فهي كإرادة المكرَه، بل المكرَه أَدْخَل في الإرادة كما تقدم، وهذا يدلُّ على أن الغضبان أولى بعدم الوقوع من المكرَه. يوضِّحه: الوجه السادس: وهو أن الخوف في قلب المكره كالغضب في قلب الغضبان، لكنَّ المكرَه مقهورٌ بغيره مِنْ خارج، والغضبان مقهورٌ بغضبه الداخلِ فيه، وقهرُ الإكراه يُبْطِلُ حكم الأقوالِ التي أُكرِهَ عليها ويجعلها بمنزلة كلام النائم والمجنون، دون حكم الأفعال، فإنه يُقْتَلُ إذا قَتَل، ويَضْمَنُ إذا أتلف = فكذلك قَهْرُ الغضبِ يُبْطِلُ حكمِ أقوال الغضبان دون أفعاله، حتى لو قَتَل في هده الحالة أو أتلف شيئًا ضَمِنه. هذا كلُّه في الغضبان الذي يَكْرَهُ ما قاله حقيقةً، فأما من هو مُرِيدٌ له، على تقديرِ عدم غضبه لاقتضاء سبب ذلك (١)؛ فليس من هذا الباب، كمن زَنَتْ امرأته فغضب فطلَّقها لأنه لا يَرَى المُقام مع زانيةٍ، فلم يَقْصِدْ بالطلاقِ إطفاءَ نار الغضب، بل التخلُّصَ من المُقام مع زانيةٍ، فهذا يقع طلاقُه.

стр. 56

فتأمَّلْ هذا الفرق؛ فإنه حرفُ المسألةِ ونُكْتَتُها، وهذا بخلاف مَنْ خاصَمَتْهُ امرأته وهو يعلم من نفسه إرادة المُقام معها على الخصومة وسُوءِ الخُلُق، ولكنْ حَمَلهُ الغضبُ على أن شَفى نفسَه بالتكلُّم بالطلاق، وكسرًا لها (١) وإطفاءً لنار غضبه. يوضِّحه: الوجه السابع: وهو أن الغضبان يفعل أمورًا مِنْ شَقِّ الثياب، وإتلاف المال، وغير ذلك، مِمَّا لو أُكْرِهَ به حتى يتكلم بالطلاق لم يَنْفُذْ طلاقُه، وَلَغَتْ أقوالُه، فإذا فعل هو هذه الأمور عُلِم أن الذي ألجأَه إليها أعظمُ من الإكراه؛ فإن المكرَه لو أُكْرِه بها لم يَفْعَلْها، وهذا قد فعلها، فَعُلِمَ أن المقتضي لفعلها فيه أولى من اقتضاء الإكراه لفعلها، والمكرَه لو فُعِلَ به ذلك كان مكرهًا، فالغضبان كذلك، وهذا واضحٌ جدًّا. فإن قيل: المكرَهُ إذا تَكَلَّمَ بما أُكْرِه عليه دَفَعَ عنه الضرر، والغضبان لا يَدْفَعُ عنه بهذا القول ضررًا، فليس كالمكره. قيل: لا ريب أنهما يفترقان في هذا الوجه، ولكنْ لا يُوجِبُ ذلك أن يكون الغضبان مختارًا مريدًا لما قاله أو فعله، بل [هو] أَكْرَهُ شيء إليه. وهذا أمرٌ لا يمكن دفعه. فإن قيل: فما الحاملُ له على فعل ما يكرهه ويؤذيه، مِنْ غير أن يتوصَّل به إلى ما هو أحبُّ إليه منه؟ قيل: لما كان الغضبُ عدوَّ العقل (٢)، وهو له كالذئب للشاة،

стр. 57

قلَّما يتمكن منه إلا اغتال عقله = فقصَدَ إزالة الغضبِ وإطفاء ناره، وهذا مقصودٌ صحيحٌ في نفسه، لكنْ لما غاب عنه عَقلُه قَصَد إزالة ذلك - ممَّا فيه ضررٌ عليه - ليخفِّفَ عن نفسه ما هو فيه من البلاء، ولولا ذلك لم يفعل ما لا يفعله في الرِّضا، ولا تكَلَّمَ بما لم يكن يتكلم به، فهو قَصَدَ أن يستريح ويَسْكُن ويَبْرُدَ غضبُه بتلك الأقوال والأفعال، وإن لم يدفع ذلك عنه جملته (١) تلك الشِّدَّة فإنها تُخَفِّفُ وتُضْعف. فاقتضت رحمة الشارع به أنْ ألغى أقوالَه في هذه الحال؛ إذْ يُمْكِنُ (٢) أن لا يترتَّب عليها أثرها، وتكون كأقوال المُبَرْسَم، والمجنون الهاجِر (٣)، ونحوهما، وأما الأفعال فلا يُمْكِن إلغاء أثرها؛ فرَتَّبَ عليه مُوجَب فعله. فإن قيل: فيلزمكم على هذا أنه لو حلف في هذه الحال أن لا تنعقد يمينه. قيل: قد قال بذلك جماعة من السلف والخلف، واختاره من لا يُرتابُ في إمامته وجلالته، وكان يُقْرَنُ بالأئمة الكبار: إسماعيل بن إسحاق القاضي (٤). فإن قيل: لكنَّ المنقول عن الصحابة وجمهور التابعين والأئمة

стр. 58

الأربعة اعتبار نذر اللَّجاج والغضب، وإن تنازعوا في مُوجَبه، فأوجب مالك وأهل العراق الوفاءَ به كنذر التبرُّرِ، وخَيَّرَ الليث بن سعد والشافعيُّ وأحمد بن حنبل بين فعلِه وبين كفارة اليمين، ولم يقل أحدٌ منهم: إنه لا ينعقد، وإنه لغو (١). وقد ذكر الله تعالى الكفارة في الأيْمان كلِّها ولم يُحَصِّلْ (٢) منها يمين الغضب دون يمين الرضا. قيل: نعم، هدا حقٌّ، ولكن اليمين لما قَصَد صاحبُها الحَضَّ أو المَنْعَ كانت الكفارةُ رافعةً لما حصل بها من الضرر، بخلاف الطلاق والعتاق فإنهما إتلافٌ مَحْضٌ لِمُلْكِ البُضْعِ والرَّقَبة، ولا كفارة فيهما، فالضرر الحاصل بوقوعهما لا يندفعُ بكفارَةٍ ولا غيرِها، وكما أنه يُفَرَّقُ في الإكراه بين نوعٍ ونوعٍ، فالإكراهُ يُبيحُ الأقوال عندنا وعند الجمهور، وكلُّ قولٍ أُكْرِه عليه بغير حقٍ فإنه باطل، وأبو حنيفة يفرِّقُ بين نوعٍ ونوع (٣). والإكراهُ على الأفعال ثلاثةُ أنواع (٤): نوعٌ لا يُباح بالإكراه، كقتلِ المعصومِ، وإتلافِ أطرافِه. ونوعٌ يُبِيحُه الإكراه بشرط الضمان، كإتلاف مالِ المعصوم.

стр. 59

ونوعٌ مختلفٌ فيه، كالزنا، والشُّربِ (١)، والسرقة، وفيه روايتان عن الإمام أحمد (٢). فما أمكن تلافيه أُبِيح بالإكراه، كالأقوال والأموال، وما كان ضرره كضرر الإكراه لم يُبَحْ به، كالقتل؛ فإنه ليس قتلُ المعصوم يحياةِ المكرَه أولى من العكس. وأما الأفعال: فالقرآن يدل على رفع الإثم فيها، كقوله تعالي: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)﴾ [النور: ٣٣] (٣).

стр. 60

الوجه الثامن: أن النبي ﷺ شرع للغضبان أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن يتوضأ، وأن يتحوَّل عن حالته؛ فإن كان قائمًا فَلْيَقعُدْ، وإذا كان قاعدًا فليضطجع، قال: "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" (١). وهذا يدل على أنه محمولٌ عليه من غيره، وأن الشيطان يُغْضِبُه لِيَحْمِلَهُ بغضبه على فعل ما يُحبُّه الشيطان، وعلى التكلُّم به. وما يضاف إلى الشيطان مما يكرهه العبد ولا يحبُّه، فلا يؤاخذ به الإنسان، كالوسوسة والنسيان، كما قال فتى موسى لموسى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]. فاللهُ وتعالى لا يؤاخِذ بالوسوسة، ولا بالنسيان؛ إذ هما من أثرِ فِعْلِ الشيطان في القلب، وقد أخبر النبيُّ ﷺ أن الغضب من الشيطان، فيكون أثرهُ مضافًا إليه أيضًا، فلا يُؤَاخَذُ به العبد، كأثر النسيان، فإنه لو حلف أن لا يتكلم بكذا فتكلم به ناسيًا لم يحنث؛ لعدم قصده وإرادته لمخالفة ما عَقَد يمينَه عليه، وإنْ كان قاصدًا للكلام، فإنه لم يقع منه إلا بقصده وإرداته. وهذه حالُ الغضبان، فإنه لم يقصد حقيقة ما تكلم به وموجَبه، بل جرى على لسانه كما جرى كلام الناسي على لسانه، بل قَصْدُ الناسي

стр. 61

للتكلُّم أظهرُ من قصد الغضبان، ولهذا يقول الناسي: قصدتُ أن أقول كذا وكذا. والغضبانُ يحلف أنه لم يقصد. الوجه التاسع: أن القُصُودَ في العقود معتبرة في عَقْدِها كلِّها (١)، والغضبان ليس له قصدٌ معتبر في حل عُقْدَةِ النكاح، كما ليس له قصدٌ في قتلِ نفسه وولده وإتلافِ ماله، فإنه يفعل في الغضب هذا ويقول هذا، فإذا لم يكن له قصدٌ معتبر لم يصحَّ طلاقُه. فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بالهازل، فإنه يصحُّ طلاقه (٢) وإنْ لم يكن له فيه قصد. قيل: الفرق بينهما أن الهازل قَصَدَ التكلم باللفظ وأراده رضًا واختيارًا منه، لم يُحْمَلْ على التلفُّظ به، وغايتُه أنه لم يُرِدْ حكمَه وموجَبه، وذلك إلى الشارع ليس إليه، فالسببُ الذي إليه قد أتى به اختيارًا وقصدًا، مع علمه به، لم يُحْمَلْ عليه، والسببُ [الذي] إلى

стр. 62

المشرِّع (١) ليس إليه، فلا يصحُّ اعتبار أحدهما بالآخر، وكيف يُقاس الغضبانُ على المتخذِ آيات الله هُزؤًا؟! وهذا من أفسد القياس. الوجه العاشر: أن الغضب مرضٌ من الأمراض، وداءٌ من الأدواء، فهو في أمراض القلوب نظيرُ الحُمَّى والوسواس والصَّرعِ في أمراض الأبدان، فالغضبانُ المغلوبُ في غضبه كالمريض والمحمومِ، والمصروعِ المغلوب في مرضه، والمبرسَمِ المغلوب في برسامه. وهذا قياسٌ صحيح في الغضبان الذي قد اشتد به الغضب حتى لا يَعْلَمُ ما يقول، وأما إذا كان يَعْلَمُ ما يقول، ولكنْ يتكلَّم به حرجًا وضِيْقًا وغَلقًا، لا قصدًا للوقوع، فهو يُشْبِهُ المُبَرْسَمَ والهاجِر مِن الحُمَّى مِنْ وجهٍ، ويشبه المكرَه القاصدَ للتكلم مِنْ وجهٍ، ويشبه المختارَ القاصد للطلاق من وجهٍ، فهو مترددٌ بين هذا وهذا وهذا، ولكنَّ جهة الاختيار والقصدِ فيه ضعيفةٌ، فإنه يعلم من نفسه أنه لم يكن مختارًا لما صَدَر منه مِنْ خراب بيته، وفراق حبيبه، وكونِه يراه في يدِ غيره، فإنْ كان عاقلًا لا يختار هذا إلا لِيَدْفعَ به ما هو أكرهُ إليه منه، أو ليُحَصِّلَ به ما هو أحبُّ إليه، فإذا انتفى هذا وهذا لم يكن مختارًا لذلك. وهذا أمرٌ يعلمهُ كلُّ إنسانٍ من نفسه، فصار تردُّده بين المريض المغلوب، والمكرهِ والمحمولِ على الطلاق، وأيُّهما كان فإنه لا يَنْفُذُ طلاقُه. فإن قيل: الفرقُ بينهما أنَّ المريض المغلوب لا يَمْلِكُ نفسه في

стр. 63

الحال، والمكرَه وإن مَلَك نفسه لكنَّه لا يملك دفعَ المكروه عنه، وأما الغضبان فإنه يمكنه أن يملك نفسه. كما قال النبيُّ ﷺ : "ليس الشديد بالصُّرعة، ولكنه الذي يَمْلِكُ نفسه عند الغضب" (١). قيل: مِنَ الغضب ما يُمْكِنُ صاحبُه أن يملك نفسه عنده، وهو الغضب في مبادئه، فإذا استحكم وتمكَّن منه لم يَمْلِكْ نفسه عند ذلك، وكذاك الحُزْنُ الحامل على الجَزَع، يُمْكِنُ صاحبُه أن يملك نفسه في أوله، فإذا استحكم وقَهَر لم يملك نفسه، وكذلك الغضب يُمْكِن صاحبُه أن يملك نفسه في أوله، فإذا تمكن واستولى سلطانُه على القلبِ لم يملكْ صاحبُه قلبَه، فهو اختياريٌّ في أوله، اضطراريٌّ في نهايته، كما قال القائل (٢): يا عاذلي والأمرُ في يده … هلَّا عَذَلْتَ وفي يدي الأمرُ

стр. 64

وهكذا السكرانُ، سببُ السُّكْرِ مقدورٌ له، يُمْكِنُه فعلُه وتركُه، فإذا أتى بالسبب خَرَج الأمرُ عن يده، ولم يملك نفسه عند السُّكرِ، فإذا كان السكر الذي هو مفَرِّطٌ بتعاطي أسبابه ويَقْدِرُ على ملك نفسه باجتنابها، قَدْ عَذَر الصحابةُ وغيرُهم من الفقهاء صاحبَه إذا طلَّق في هذه الحال، مع كونه غير معذورٍ في تعاطي سببه = فَلأَنْ يُعْذَر سكرانُ الغضبِ الذي لم يُفَرِّطْ -مع شدة سُكْرِه على سُكْرِ الخمر- أولى وأحرى. الوجه الحادي عشر: وهو أنَّ مِن الناسِ مَنْ إذا لم يُنْفِذْ غضبَه قَتَلَه غَضبُه، ومات أو مرض أو غُشِيَ عليه، كما يُذكَر عن بعض العرب أن رجلًا سبَّهُ، فأراد أن أن يَرُدَّ على السابِّ (١)، فأمسك جليسٌ له بيده على فمه، ثم رفع يده لما ظَنَّ أن غضبه قد سَكَن، فقال: قتلتني! ردَدْتَ غضبي في جوفي!. ومات من ساعته (٢). فإذا نفذ مثلُ هذا غضبَه بقتلٍ أو ظلمٍ لغيره، لم يُعْذَرْ بذلك، كالسكران، وأما إذا نفذ بقولٍ فإنه يمْكِنُ إهدارُ قولِه، وأنْ لا يَتَرتَّب أثرُه عليه، كما أهدر اللهُ سبحانَه دعاءَه ولم يُرتِّبْ أثره عليه، ولم يستجِبْهُ له. ولهذا ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يُجْلَدُ بالقذف في حال الخصومة والغضب، وإنما يُجْلَدُ به إذا أتى به اختيارًا وقصدًا لقذفه (٣)،

стр. 65

وهو قول قويٌّ جدًّا، ويدلُّ عليه أن الخصمَ لا يُعَزَّرُ (١) بِجَرحِه لخصمه، وطعنِه فيه حال الخصومة، بقوله: هو فاجرٌ، ظالمٌ، غاشمٌ، يحلف على الكذب، ونحو ذلك. ومَنْ يَحُدُّه في هذه الحال يُفرِّقُ بين قذفِه وطلاقه بأن القذف حقٌّ لآدميٍّ، وانتهاكٌ لعرضه، أو قدحِه في نفسه فيجري مجرى إتلافِ نفسِه ومالِه، فلا يُعْذَرُ فيه بالغضب، لا سيَّما ولو عُذِر فيه بذلك لأمْكَن كلَّ قاذفٍ أن يقول: قذفتُه في حال الغضب. فيسقط الحدُّ. بخلاف الطلاق، فإنه يُمْكِن أن يدَيَّنَ فيما بينه وبين الله. والحق لا يَعْدُوْهُ. والمقصود أنه إذا تكلَّم بالطلاق دواءً لهذا المرض، وشفاءً له، بإخراج هذه الكلمة من صدره، وتنفُّسِه بها؛ فمِنْ كمال (٢) هذه الشريعة ومحاسِنها وما اشتملت عليه من الرحمةِ والحكمة والمصلحة = أنْ لا يُؤاخَدَ بها، ويُلْزَمَ بموجَبها، وهو لم يَلزَمْهُ (٣).

стр. 66

الوجه الثاني عشر: أن قاعدة الشريعة أن العوارض النفسيَّة لها تأثيرٌ في القول، إهدارًا واعتبارًا، وإعمالًا وإلغاءً. وهذا كعارض النسيان، والخطأ، والإكراه، والسُّكْر، والجنون، والخوف، والحزنِ، والغفلة، والذهول، ولهذا يُحْتَمَلُ من الواحد من هؤلاء من القولِ ما لا يُحْتَمَل مِنْ غيرِه، ويُعْذَرُ بما لا يُعْذَرُ به غيرُه، لعدم تجرُّدِ القصدِ والإرادة، ووجود الحامل على القول. ولهذا كان الصحابةُ يَسْأَلُ أحدُهم الناذِرَ: أفي رضًا قلتَ ذلك أم في غضب؟، فإنْ كان في غضبٍ أَمره بكفارة يمين (١)؛ لأنهم استدلوا بالغضب على أن مقصوده الحضُّ والمنعُ، كالحالف، لا التقرُّب. وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فَجَعلَ عارض السُّكر مانعًا من اعتبار قراءةِ السكران وذكرِه وصلاتِه، كما جعله النبيُّ ﷺ مانعًا من صحة إقراره لمَّا أمر باستنكاه (٢) مَنْ أقرَّ بين يديه

стр. 67

بالزنا (١)، وجعله مانعًا من تكفيرِ مَنْ قال له ولأصحابه: "هل أنتم إلا عبيدٌ لأبي؟! " (٢). وجعل الله سبحانه الغضب مانعًا من إجابة الداعي على نفسه وأهله، وجعل سبحانه الإكراه مانعًا مِنْ كُفرِ المتكلِّم بكلمة الكفر، وجعل الخطأ والنسيان: مانعًا مِن المؤاخذة بالقول والفعل. وعارضُ الغضب قد يكون أقوى من كثيرٍ من هذه العوارض، فإذا كان الواحدُ من هؤلاء لا يترتَّبُ على كلامه مقتضاهُ لعدم القصد، فالغضبانُ الذي لم يَقْصِدْ ذلك إنْ لم يكن أولى بالعذر منهم لم يكن دُونهم. ويوضِّحه: الوجه الثالث عشر: أن الطلاق في حال الغضب له ثلاث صور: إحداها (٣): أنْ يَبْلُغَه عن امرأته أمرٌ يشتدُّ غضبُه لأجله، ويظنُّ أنه حقٌّ، فيطلِّقُها لأجله، ثم يتبيَّن أنها بريئةٌ منه، فهذا في وقوع الطلاق به وجهان، أصحُّهما أنه لا يقع طلاقه؛ لأنه إنما طلّقها لهذا السبب

стр. 68

والعلة، والسببُ كالشرط، فكأنه قال: "إنْ كانت فعلَتْ ذلك فهي طالق"، فإذا لم تَفْعَلْهُ لم يُوجَدْ الشرط. وقد ذكر المسألة بعينها أبو الوفاء بن عقيل، وذكر الشريف ابن أبي موسى في "إرشاده" (١) فيما إذا قال: "أنت طالق أَنْ دخلت الدار" بفتح الهمزة، مِرارًا، وهو يَعْرِفُ العربية، ثم تبيَّن أنها لم تدخل، لم تَطْلُق. ولا يقال: هو هاهنا قد صرَّح بالتعليل، بخلاف ما إذا لم يصرِّح به، فإن هذا لا تأثير له، فإنه قد أوقع الطلاق لعلةٍ، فإذا انتفت العلة تبيَّنَّا أنه لم يكن مريدًا لوقوعه بدونها، سواء صرَّح بالعلة أو لم يصرِّحْ بها، وغايةُ الأمر أن تكون العلة بمنزلة الشرط، وهو لو قال: "أنت طالق" وقال: "أردت إنْ فَعلَتْ كذا وكذا" دُيِّنَ فيما بينه وبين الله تعالى. وقد ذكر أصحاب الشافعي وأحمد فيما إذا كاتب عبده على عِوَضٍ فأدَّاهُ إليه، فقال: "أنت حُرٌّ"، ثم تبيَّن أن العِوَض مُسْتَحَقٌّ؛ لم يعتق، مع تصريحه بالحرية، فالطلاقُ أولى بعدم الوقوع في هذه الصورة (٢). الصورة الثانية: أن يكون قد غضب عليها لأمرٍ قد عَلِم وقوعَه منها، فتكلَّم بكلمة الطلاق قاصدًا للطلاق، عالمًا بما يقول، عقوبةً لها على ذلك، فهذا يقع طلاقه، إذْ لو لم يقع هذا الطلاق لم يقع أكثر الطلاق، فإنه غالبًا لا يقع مع الرضا (٣).

стр. 69

الصورة الثالثة: أن لا يقصد أمرًا بعينه، ولكنَّ الغضب حمله على ذلك، وغيَّر عقلَه، ومنعه كمال التصوُّر والقصد، فكان بمنزلة الذي فيه نوعٌ من السُّكرِ والجنون. فليس هو غائب العقل بحيث لا يفْهَمُ ما يقولُ بالكلية، ولا هو حاضر العقل بحيث يكون قصده معتبرًا، فهذا لا يقع به الطلاق أيضًا، كما لا يقع بالمُبَرْسَمِ والمجنون. يوضِّحه: الوجه الرابع عشر: أن المجنون، والمُبَرْسَم، والموسوِس، والهاجِر، قد يشعرُ أحدهم بما قاله ويستحي منه، وكذلك السكران. ولهذا لم يشترط أكثر الفقهاء في كونه سكرانَ أن يعدم تمييزه بالكلية، بل قد قال الإمام أحمد وغيره: إنه الذي يخلط في كلامه، ولا يعرف رداءه في رداء غيره، وفعله من فعل غيره (١). والسنةُ الصريحة الصحيحة تدلُّ عليه، فإنَّ النبي ﷺ أمر أن يُسْتَنْكَهَ من أقَرَّ بالزنا (٢)، مع أنه حاضرُ العقل والذهن، يتكلَّمُ بكلامٍ مفهومٍ ومنتظمٍ، صحيحُ الحركة، ومع هذا فجوَّز النبيُّ ﷺ أن يكون به سُكْرٌ يَحُولُ بينه وبين كمال عقله وعلمه، فأمر باستنكاهه (٣).

стр. 70

والمقصود أن هؤلاء ليسوا مُسْلُوبي التمييز بالكلية، وليسوا كالعقلاء الذين لهم قصدٌ صحيحٌ، فإن ما عرض لهم أوجب تغيُّرَ العقل الذي منع صحة القصد، فلم يَبْق أحدهم يقصد قصْدَ العقلاء الذي مرادُه جَلْبُ ما ينفع، ودَفْعُ ما يضر، فَلَمْ يتصوَّر أحدهم لوازم ما تكلَّم به، ولا غاب عقلُه عن الشعور به، بل هو ناقصُ التصوُّر ضعيفُ القَصْد. والغضبان في حال غضبه قد يكون أسوأَ حالا من هؤلاء، وأشبهَ بالمجانين، ولهذا يقول ويفعل ما لا يقولُه المجنون ولا يفعلُه. فإن قيل: فهل يُحْجَرُ عليه في هذه الحال كما يُحجر على المجنون؟ قيل: لا، والفرق بينهما أن هذه الحال لا تدوم، فهو كالذي يُجَنُّ أحيانًا نادرًا ثم يفيق، فإنه لا يُحْجَرُ عليه. نعم، لو صدر منه في تلك الحال قولٌ عن غير قصدٍ منه، كان مثل القول الصادر عن المجنون، في عدم ترتُّب أثرِه عليه. ولا ريب أنه قد يحصلُ للغضبان إغماءٌ وغَشْيٌ، وهو في هذه الحال غير مكلَّفٍ قطعًا، كما يحصلُ ذلك للمريض، فيزيلُ تكليفَه حال الإغماء، حتى إن بعض الفقهاء لا يُوجب عليه قضاء الصلاة في هذه الحال، إلحاقًا بالمجنون كما يقوله الشافعي (١)، وأحمد يوجِبُ عليه القضاء إلحاقًا له بالنائم (٢)، وأبو حنيفة يفرِّق بين الطويل الزائد على

стр. 71

اليوم والليلة فيُلحِقُه بالجنون، وبين القصير الذي هو دون ذلك فيُلحِقُه بالنوم (١). وقد يُنكِر كثيرٌ من الناس أن الغضبَ يُزِيل العقل، ويبلغُ بصاحبه إلى هذه الحال، فإنه لا يعرف من الغضب إلا ما يَجدُ من نفسه، وهو لم يَعْلَمْ غضبًا انتهى إلى هذه الحال. وهذا غلط؛ فإن الناس متفاوتون في الغضب تفاوتًا عظيمًا، فمنه ما هو كالنَّشوة، ومنه ما هو كالسُّكْر، ومنه ما هو كالجُنون، ومنه ما هو سريعُ الحصولِ سريعُ الزوالِ، وعكسُه، ومنه سريعُ الحصول بطيء الزوال، وعكسه، كما قسَّمه النبي ﷺ إلى هذه الأقسام (٢). وقُوى الناس متفاوتةٌ تفاوتًا عظيمًا في مُلك تقواهم عند الغضب، والطمع، والحزن، والخوف، والشهوة، فمنهم من يملك [ذلك] (٣) ويتصرَّفُ فيه، ومنهم من يملكُه ذلك ويتصرَّف فيه. الوجه الخامس عشر: أن الغَضِب (٤) الذي قد انغلق عليه القصدُ (٥) والرأيُ في الغضب، وقد صار إلى الجنون العارض أقربَ منه

стр. 72

إلى العقل الثابت = أولى بعدم وقوع طلاقه من الهازل المتلفِّظ بالطلاق في حال عقله وإن لم يُرِدْهُ بقلبه. وقد ألغى طلاقَ الهازل بعضُ الفقهاء، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، حكاها أبو بكر عبد العزيز وغيره (١)، وبه يقول بعض أصحاب مالك إذا قام دليلُ الهزل، فلم يَلْزَمْهُ عتقٌ ولا نكاحٌ ولا طلاق (٢)؛ ولا ريب أن الغضبان أولى بعدم وقوع طلاقه من هذا. الوجه السادس عشر: أن جماعة من أصحابنا لم يشترطوا في المجنون والمُبَرْسَمِ أن لا يكون ذاكرًا لطلاقه، وإن كان ظاهرُ نصِّ أحمد أنه متى ذَكَر الطلاق لَزِمَه؛ فإنه قال في رواية أبي طالبٍ في المجنون يُطَلِّق، فقيل له لمَّا أفاق: إنك طَلَّقْتَ امرأتك، فقال: أنا ذاكر أني طلَّقْتُ ولم يكن عقلي معي = فقال: إذا كان يَذْكرُ أنه طلَّق فقد طَلُقَتْ. قال أبو محمد المقدسي: "وهذا هو المنقول عن الإمام أحمد فيمن كان جنونُه بذهابِ معرفته بالكلية، وبطلان حواسِّه، فأمَّا من كان جنونه لِنَشافٍ، أو كان مُبَرْسَمًا، فإنَّ ذلك يُسْقِط حكم تصرُّفِه، مع أنَّ معرفته غيرُ ذاهبةٍ بالكلية، فلا يضرُّه ذِكرُ الطلاق إن شاء الله" انتهى

стр. 73

كلامه (١). ومعلومٌ أن الغضبان الممتلئ أسوأ حالًا مِمَّن جنونُه مِنْ نشَافٍ، أو برسام، وأقلُّ أحواله أن يكون مثله. يوضِّحه: الوجه السابع عشر: وهو أن الموسوس لا يقع طلاقه، صرَّح به أصحابُ أبي حنيفة وغيرهم (٢)، وما ذاك إلا لعدم صِحة العقل والإرادة منه؛ فهكذا هذا. الوجه الثامن عشر: أنه لم يَقُلْ أحدٌ إن مجرد التكلُّم بلفظ الطلاق مُوجِبٌ لوقوعه على أيِّ حالٍ كان، بل لابدَّ من أمرٍ آخر وراءَ التكلُّم باللفظ. فطائفةٌ اشترطَتْ أن يأتيَ به في حال التكليف، فقط، سواءً قصَدَه أو جرى على لسانه من غير قصد، سواءً أُكِره عليه أو أَتَى به اختيارًا. وهذا مذهبُ مِنْ يُوقِع طلاقَ المكره، والطلاقَ الذي يجري على لسان العبد من غير قصد منه. وهو المنصوص عن أبي حنيفة في الموضعين (٣). وطائفة اشترطت: مع ذلك أن يأتيَ باللفظ مختارًا، قاصدًا له. وهو

стр. 74

قول الجمهور الذين لا يُنفِذون طلاق المكره (١). ثم منهم: من اشترط مع ذلك أن يكون عالمًا بمعناه، فإنْ تكلَّم به اختيارًا غيرَ عارفٍ بمعناه، لم يَلْزَمْهُ حكمُه. وهذا قولُ من يقول: لا يُلْزَمُ المكلفُ أحكامَ الأقوالِ حتى يكون عارفًا بمدلولها. وهذا هو الصواب. ومنهم: من اشترط مع ذلك أن يكون مريدًا لمعناه، ناويًا له، فإنْ لم ينوِ معناه ولم يُرِدْهُ، لم يَلْزَمْهُ حكمه. وهذا قولُ من يشترط لصريح الطلاق النيةَ، وقولُ مَنْ لا يُوقِع الهازل. وهو قولٌ في مذهب الإمام أحمد ومالك (٢) في المسألتين، فيَشْتَرِط هؤلاء الرضا بالنطق اللسانيِّ، والعلمَ بمعناه، وإرادةَ مقتضاه.

стр. 75

ومنهم: من يشترط مع ذلك كون الطلاق مأذونًا فيه من جهة الشارع. وهو قولُ مَنْ لا يوقِع الطلاق المحرَّم، وهو قولُ طائفةٍ من السلف، من الصحابة، والتابعين، ومَنْ بعدهم. وقال محمد (١) بن عبد السلام الخشني: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال في الرجل يطلِّق امرأته وهي حائض: "لا يعتد بذلك" (٢). وحسبك بهذا الإسناد إذا صَحَّ، رواه أبو محمد بن حزم قال: حدثنا يوسف بن عبد الله، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم، قال: حدثنا أحمد بن خالد، قال: حدثنا محمد بن عبد السلام، فذكره (٣).
следующие страницы →