اليوم والليلة فيُلحِقُه بالجنون، وبين القصير الذي هو دون ذلك فيُلحِقُه بالنوم (١).
وقد يُنكِر كثيرٌ من الناس أن الغضبَ يُزِيل العقل، ويبلغُ بصاحبه إلى هذه الحال، فإنه لا يعرف من الغضب إلا ما يَجدُ من نفسه، وهو لم يَعْلَمْ غضبًا انتهى إلى هذه الحال.
وهذا غلط؛ فإن الناس متفاوتون في الغضب تفاوتًا عظيمًا، فمنه ما هو كالنَّشوة، ومنه ما هو كالسُّكْر، ومنه ما هو كالجُنون، ومنه ما هو سريعُ الحصولِ سريعُ الزوالِ، وعكسُه، ومنه سريعُ الحصول بطيء الزوال، وعكسه، كما قسَّمه النبي ﷺ إلى هذه الأقسام (٢).
وقُوى الناس متفاوتةٌ تفاوتًا عظيمًا في مُلك تقواهم عند الغضب، والطمع، والحزن، والخوف، والشهوة، فمنهم من يملك [ذلك] (٣) ويتصرَّفُ فيه، ومنهم من يملكُه ذلك ويتصرَّف فيه.
الوجه الخامس عشر: أن الغَضِب (٤) الذي قد انغلق عليه القصدُ (٥) والرأيُ في الغضب، وقد صار إلى الجنون العارض أقربَ منه
стр. 72
إلى العقل الثابت = أولى بعدم وقوع طلاقه من الهازل المتلفِّظ بالطلاق في حال عقله وإن لم يُرِدْهُ بقلبه.
وقد ألغى طلاقَ الهازل بعضُ الفقهاء، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، حكاها أبو بكر عبد العزيز وغيره (١)، وبه يقول بعض أصحاب مالك إذا قام دليلُ الهزل، فلم يَلْزَمْهُ عتقٌ ولا نكاحٌ ولا طلاق (٢)؛ ولا ريب أن الغضبان أولى بعدم وقوع طلاقه من هذا.
الوجه السادس عشر: أن جماعة من أصحابنا لم يشترطوا في المجنون والمُبَرْسَمِ أن لا يكون ذاكرًا لطلاقه، وإن كان ظاهرُ نصِّ أحمد أنه متى ذَكَر الطلاق لَزِمَه؛ فإنه قال في رواية أبي طالبٍ في المجنون يُطَلِّق، فقيل له لمَّا أفاق: إنك طَلَّقْتَ امرأتك، فقال: أنا ذاكر أني طلَّقْتُ ولم يكن عقلي معي = فقال: إذا كان يَذْكرُ أنه طلَّق فقد طَلُقَتْ.
قال أبو محمد المقدسي: "وهذا هو المنقول عن الإمام أحمد فيمن كان جنونُه بذهابِ معرفته بالكلية، وبطلان حواسِّه، فأمَّا من كان جنونه لِنَشافٍ، أو كان مُبَرْسَمًا، فإنَّ ذلك يُسْقِط حكم تصرُّفِه، مع أنَّ معرفته غيرُ ذاهبةٍ بالكلية، فلا يضرُّه ذِكرُ الطلاق إن شاء الله" انتهى
стр. 73
كلامه (١).
ومعلومٌ أن الغضبان الممتلئ أسوأ حالًا مِمَّن جنونُه مِنْ نشَافٍ، أو برسام، وأقلُّ أحواله أن يكون مثله. يوضِّحه:
الوجه السابع عشر: وهو أن الموسوس لا يقع طلاقه، صرَّح به أصحابُ أبي حنيفة وغيرهم (٢)، وما ذاك إلا لعدم صِحة العقل والإرادة منه؛ فهكذا هذا.
الوجه الثامن عشر: أنه لم يَقُلْ أحدٌ إن مجرد التكلُّم بلفظ الطلاق مُوجِبٌ لوقوعه على أيِّ حالٍ كان، بل لابدَّ من أمرٍ آخر وراءَ التكلُّم باللفظ.
فطائفةٌ اشترطَتْ أن يأتيَ به في حال التكليف، فقط، سواءً قصَدَه أو جرى على لسانه من غير قصد، سواءً أُكِره عليه أو أَتَى به اختيارًا.
وهذا مذهبُ مِنْ يُوقِع طلاقَ المكره، والطلاقَ الذي يجري على لسان العبد من غير قصد منه. وهو المنصوص عن أبي حنيفة في الموضعين (٣).
وطائفة اشترطت: مع ذلك أن يأتيَ باللفظ مختارًا، قاصدًا له. وهو
стр. 74
قول الجمهور الذين لا يُنفِذون طلاق المكره (١).
ثم منهم: من اشترط مع ذلك أن يكون عالمًا بمعناه، فإنْ تكلَّم به اختيارًا غيرَ عارفٍ بمعناه، لم يَلْزَمْهُ حكمُه. وهذا قولُ من يقول: لا يُلْزَمُ المكلفُ أحكامَ الأقوالِ حتى يكون عارفًا بمدلولها. وهذا هو الصواب.
ومنهم: من اشترط مع ذلك أن يكون مريدًا لمعناه، ناويًا له، فإنْ لم ينوِ معناه ولم يُرِدْهُ، لم يَلْزَمْهُ حكمه. وهذا قولُ من يشترط لصريح الطلاق النيةَ، وقولُ مَنْ لا يُوقِع الهازل. وهو قولٌ في مذهب الإمام أحمد ومالك (٢) في المسألتين، فيَشْتَرِط هؤلاء الرضا بالنطق اللسانيِّ، والعلمَ بمعناه، وإرادةَ مقتضاه.
стр. 75
ومنهم: من يشترط مع ذلك كون الطلاق مأذونًا فيه من جهة الشارع. وهو قولُ مَنْ لا يوقِع الطلاق المحرَّم، وهو قولُ طائفةٍ من السلف، من الصحابة، والتابعين، ومَنْ بعدهم.
وقال محمد (١) بن عبد السلام الخشني: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال في الرجل يطلِّق امرأته وهي حائض: "لا يعتد بذلك" (٢).
وحسبك بهذا الإسناد إذا صَحَّ، رواه أبو محمد بن حزم قال: حدثنا يوسف بن عبد الله، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم، قال: حدثنا أحمد بن خالد، قال: حدثنا محمد بن عبد السلام، فذكره (٣).
стр. 76
وهذا مذهبُ أفقه التابعين على الإطلاقِ سعيدُ بن المسيب، حكاه عنه الثعلبيُّ في تفسير سورة الطلاق (١).
وهو مذهب أفقه التابعين من أصحاب ابن عباس، وهو طاووس. قال عبد الرزاق: عن ابن جريج (٢)، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه: أنه كان لا يرى طلاقًا ما خالفَ (٣) وجهَ الطلاق، ووجهَ العدة. وكان يقول: وجهُ الطلاق أن يطلقها طاهرًا من غير جماعٍ، وإذا استبان حَمْلُها (٤).
وهذا مذهبُ خلاس بن عمرو. قال ابن حزم: حدثنا محمد بن سعيد بن نبات، قال: حدثنا عباس بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن قاسم بن محمد، قال حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني، قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا همام (٥) بن يحيى، عن قتادة عن خلاس بن عمروٍ أنه قال في الرجل يطلِّق امرأته وهي حائض، فقال: لا يعتَدُّ بها (٦).
стр. 77
وهذا قول أبي قلابة. قال ابن أبي شيبة [حدثنا] عبد الرزّاق، عن معمر، [عن أيوب] (١)، عن أبي قلابة قال: إذا طلَّق الرجل امرأته وهي حائض، فلا يعْتَدُّ بها (٢).
وهذا اختيار ابن عقيل في كتابه "الواضح في أصول الفقه"، صرَّح به في مسألة: النهي يقتضي الفساد (٣)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد (٥).
وقال أبو جعفر الباقر: لا طلاق إلا على سُنَّة، ولا طلاق إلا على طُهْرٍ من غير جماع، وكلُّ طلاقٍ في غضبٍ أو يمينٍ أو عتقٍ فليس بطلاقٍ إلا لمن أراد الطلاق (٦).
والمقصودُ أن هؤلاء يشترطون في وقوع الطلاق إذنَ الشارع فيه، وما لم يأذنْ فيه الشارعُ فهو عندهم لاغٍ (٧) غيرُ نافذ.
стр. 78
قال شيخ الإسلام: وقولُهم أصحُّ في الدليل من قولِ من يُوقِع الطلاق الذي لم يأذن فيه الله ورسوله، ويراهُ صحيحًا لازمًا.
والمقصودُ أن أحدًا لم يَقُلْ إن مُجَرَّد التكلُّم بالطلاق مُوجِبٌ لترتُّبِ أثرِه علي أيِّ وجهٍ كان.
الوجه التاسع عشر: أن هذا مقتضى نصِّ أحمد، كما تقدم تفسيرُه "الإغلاق" في رواية حنبل بالغضب. وقال عبد الله ابنه في "مسائله" (١): سألت أبي عن المجنون إذا طلَّق في وقتِ زَولان عقله، أيجوز؟ قال أبي: كلُّ من كان صحيحَ العقل، فَزَال عقلهُ عن صحته، فطلَّقَ، فليس طلاقه بشيء.
فهذا عمومُ كلامه، وذاك خاصُّه، فقد جَعَل تغيُّرَ العقل عن صحته مانعًا من وقوع الطلاق، ولا ريب أن إغلاق الغضب يُغَيِّر العقل عن صِحَّته.
الوجه العشرون: أن الفقهاء اختلفوا في صحة حُكْمِ الحاكم في الغضب على ثلاثة أقوال، وهي ثلاثةُ أوجهٍ في مذهب أحمد (٢):
أحدها: لا يصِحُّ ولا يَنْفُذ؛ لأن النهي يقتضي الفساد.
والثاني: يَنْفُذْ.
والثالث: إنْ عَرَض له الغضبُ بعدَ فَهْمِ الحكم نفَذَ حكمُه، وإنْ
стр. 79
عَرَض له قبل ذلك لم يَنْفُذْ، فإنَّ الحاكم يجب أنْ يكون عالمًا عدلًا.
فمن نَفَّذَ حكمَه قال: الغضبُ لا يمنعُه العلمَ والعدلَ، فقد حَكَم النبيُّ ﷺ للزبير في شِراج الحَرَّة وهو غضبان (١). ومن لم يُنَفِّذْ حكمَه قال: الغضبُ يمنعه كمال المقصود، وحسنَ القصد، فيمنعه العلم والعدل، ولا يصحُّ القياس على النبي ﷺ ، فإنه معصومٌ في غضبه ورضاه، فكان إذا غضب لم يقل إلا حقًّا كما كان في رضاه كذلك (٢).
ومن فَرَّق قال: إذا عَلِم الحق قَبْلَ الغضب لم يَمْنَعْهُ الغضبُ من العلم، وحينئذٍ فيُمْكِنه أن ينفِّذ الحق الذي عَلِمَه، وإذا غضب قبل الفهم لم يَنْفذْ حكمُه، لإمْكان أن يَحُول الغضبُ بينه وبين الفهم. وهؤلاء يحتجُّون بقضية الزبير، وأن النبيَّ ﷺ إنما عَرَضَ له الغضبُ بعد فهْمِ الحُكومة.
والمقصود أن الغضب إذا أثَّر عند هؤلاء في بطلان الحكم، عُلِمَ أن كلام الغضبان غيرُ كلام الراضي المختار، وأنَّ للغضب تأثيرًا في ذلك.
الوجه الحادي والعشرون: أن وقوعَ الطلاق حكمٌ شرعيٌّ،
стр. 80
فيَسْتَدْعِي دليلًا شرعيًّا، والدليلُ إما كتابٌ، أو سنةٌ، أو إجماعٌ، أو قياسٌ يستوي فيه حكم الأصل والفرع، وليس شيءٌ منها موجودًا في مسألتنا.
وإنْ شئتَ قلتَ: الدليلُ إمَّا نصٌّ وإمَّا معقولُ نصٍّ، وكلاهما منتفٍ. وإن شئتَ قلتَ: لو ثبت الوقوعُ لزم وجودُ دليلهِ، واللازمُ مُنْتَفٍ، فالملزوم مثلُه.
الوجه الثاني والعشرون: أن نكاح هذا مثبتٌ بالإجماع، فلا يزول إلا بإجماعٍ مثلهِ. وإن شئت قلتَ: نكاحُه قبل صُدورِ هذا اللفظ منه ثابتٌ بإجماعٍ، والأصلُ بقاؤه حتى يَثْبُتَ ما يرفعُه.
الوجه الثالث والعشرون: أن جمهور العلماء يقولون: إن طلاق الصبيِّ المميِّزِ العاقلِ لا يَنْفُذُ ولا يَصِحُّ. هذا قولٌ أبي حنيفة (١)، ومالك (٢)، والشافعي (٣)، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد اختارها الشيخ أبو محمد (٤)، وهو قول إسحاق (٥).
مع كونه عارفًا باللفظ وموجبه بكلماتِه اختيارًا وقصدًا، وله قصدٌ
стр. 81
صحيح، وإرادة صحيحةٌ، وقد أمر الله سبحانه بابتلائه واختباره في تصرفاته (١)، وقد نَفَّذ عمر بن الخطاب وصيته (٢)، واعتبر النبيُّ ﷺ قصدَه واختياره في التخيير بين أبويه (٣).
فالغضبانُ الشديدُ الغضب، الذي قد أُغْلِقَ عليه بابُ القصدِ والعلمِ أولى بعدم وقوع طلاقه من هذا بلا ريب.
فإن قيل: الغضبانُ مكلَّفٌ، وهذا غير مكلَّفٍ؛ لأن القلم مرفوعٌ عنه.
قيل: نَعَمْ، الأمرُ كذلك، ولكنْ لا يلزم من كونه مكلَّفًا أن يترتَّب الحكم على مجرَّد لفظه، كما تقدَّم. كيفَ، والمكرهُ مكلفٌ ولا يصح طلاقُه، والسكرانُ مكلف، والمريضُ مكلف؟!، فلا يلزم من كون العبد مكلَّفًا أن لا يَعْرِضَ له حالٌ يَمْنَعُ إعتبارَ أقواله، ونقضَ
стр. 82
أفعاله (١).
الوجه الرابع والعشرون: أن غاية التلفُّظ بالطلاق أن يكون جزءَ سببٍ، والحكمُ لا يتمُّ إلا بعد وجود سببه وانتفاء مانعه، وليس مجرَّدُ التلفظ سببًا تامًّا، باتفاق الأئمة، كما تقدم.
وحينئذ، فالقصدُ والعلمُ والتكليفُ إما أن تكود بقيةَ أجزاءِ السبب (٢)، أو تكون شروطًا في اقتضائه، أو يكون عدمُها مانعًا من تأثيره. وعلى التقادير الثلاثة، فلا يؤثِّر التكلُّمُ بالطلاق بدونها.
وليس مع من أوقع طلاق الغضبان، والسكران، والمكره، ومن جرى على لسانه بغير قصدٍ منه، إلا مجرَّدُ السبب، أو جزؤُه، بدون شرطِه وانتفاء مانعه، وذلك غير كافٍ في ثبوت الحكم، والله أعلم.
الوجه الخامس والعشرون: أنه لو سَبَق لسانُه بالطلاق ولم يُرِدْهُ، دُيِّنَ فيما بينه وبين الله تعالى، ويُقْبَل منه ذلك في الحكم، في إحدي الروايتين عن أحمد، إلا أن تُكذِّبه قرينة. والرواية الأخرى: يُدَيَّنُ، ولا يُقبَل في الحكم (٣).
وكذلك قال أصحاب الشافعي، إذا سبق الطلاقُ إلى لسانه بغير قصدٍ فهو لغو، ولكن لا تُقْبَلُ دعوى سبق اللسان إلا إذا ظهرت قرينةٌ تدل عليه. فقبلوا منه في الباطن دون الحكم إلا بقرينة (٤).
стр. 83
وكذلك قال أصحاب مالك: مَنْ سَبقَ لسانُه إلى الطلاق لم يَقَعْ عليه الطلاق. قالوا: ويُقْبَلُ في الفتوى (١).
وأبو حنيفة لا يرى سَبْقَ اللسان مانعًا من وقوع الطلاق، وعنه في سبق اللسان في العتق: روايتان، وقرَّرَ أصحابُه بأن المرأة تملك بُضعها لسببٍ يستوي فيه القصدُ وعدمُ القصد، كالسكران، والمكره، والهازل، وكالرضاع، بالاتفاق؛ فزوال البُضع لا يختلف في سببه القصدُ وعدمُ القصد، بخلاف العتق، فإن السبب الذي يملك به نفسه يختلف فيه القصد وعدمه، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة التسوية بينهما، ثم اختلف أصحابه، فقالت طائفة: هما سواء في الوقوع، وقالت طائفة: بل هما سواء في عدم الوقوع (٢).
والمقصودُ أن سبق اللسان إلى الطلاق من غير قصدٍ له مانعٌ من وقوعه عند الجمهور.
والغضبانُ إذا عَلِم من نفسه أنَّ لسانه سَبَقه بالطلاق من غير قصدٍ جازَ له الإقامةُ على نكاحه، ويُدَيَّن في الفتوى، وأما قبولُه في الحكم فيُخَرَّج على الخلاف، والأظهرُ أنه إنْ قامت قرينةٌ ظاهرةٌ تدلُّ على صحة قولهِ قُبِل في الحكم، والغضبُ الشديدُ من أقوى القرائن، ولا سيَّما فإن كثيرًا ممن يطلِّق في شدة الغضب يحلفُ بالله جَهْدَ يمينه أنه لم
стр. 84
يقصد الطلاق، وإنما سَبَق لسانُه.
وحينئذٍ، فالجمهورُ، لا يُوقِعون عليه الطلاق، كما صرَّح به أصحابُ أحمد والشافعي ومالك.
وفي قبوله (١) في القضاء ثلاثةُ أقوال، أصحُّها أنه إنْ قامت قرينةٌ ظاهرةٌ على صحة قوله قُبِل، وإلَّا فلا.
стр. 85
فصل
ومما يبيِّنُ أن الغضبان قد يتكلَّم في الغضب بما لا يريده، ما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما أنا بشر، وإني اشترطْتُ (١) على ربي ، أيُّ عبدٍ من المسلمين شتمتُه، أو سَبَبْتُه، أن يكون ذلك له زكاةً وأجرًا" (٢).
وفي "مسند الإمام أحمد" من حديث مسروق، عن عائشة قالت: دخل على النبيِّ ﷺ رجلان، فأغْلَظ لهما وسبَّهما (٣)، قالت: فقلتُ: يا رسول الله! لَمَنْ أصابَ منكَ خيرًا، [ما أصاب هذان منك خيرًا!] (٤)، قالت: فقال: "أَو ما علمتِ ما عاهدتُ عليه ربِّي ؟، قلتُ: اللهمَّ أيُّما مؤمنٍ سببتُه، أو جلدتُه، أو لعنتُه، فاجعلها له مغفرةً وعافية" (٥).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة، أنه سمع النبيَّ ﷺ يقول: "اللهم أيُّما عبدٍ مؤمنٍ سببتُه، فاجعل ذلك قربةً إليك يوم القيامة" (٦).
стр. 86
وفي بعض ألفاظ الحديث: "إنما أنا بشرٌ، أَرضى كما يرضى البشر، وأغضبُ كما يغضبُ البشر، فأيُّما مؤمنٍ سببتُه أو لعنتهُ فاجعلها له زكاةً".
فلو كان النبي ﷺ مُريدًا لِما دعا به في الغضب، لَما شَرَط على ربِّه وسألَ أن يَفْعَلَ بالمدعوِّ عليه ضدَّ ذلك، إذْ من الممتنع اجتماعُ إرادةِ الضِّدَّيْن، وقد صرّح بإرادة أحدِهما، مشترطًا له على ربِّه، فدلَّ على عدم إرادته لِما دعا به في حال الغضب.
هذا وهُو ﷺ معصومُ الغضب، كما هو معصومُ الرضا، وهو مالك لفظه بتصرُّفه (١)، فكيف بمن لم يُعْصَم (٢) في غضبه، وتمليكه (٣)، ويتصرَّفُ فيه غضبُه، ويتلاعبُ الشيطان به فيه؟!
وإذا كان الغضبان يتكلَّم بما لا يريده، ولا يريدُ مضمونه، فهو بمنزلة المُكره الذي يُلْجَأُ إلى الكلام، أو يتكلَّم به باختياره ولا يريد مضمونه، والله أعلم.
فإن قيل: ما ذكرتم مُعارَضٌ بما يدلُّ على وقوع الطلاق؛ فإن الغضبان أتي بالسببِ اختيارًا، وأراد في حال الغضب ترتُّبَ أثرِه عليه، ولا يضرُّ عدمُ إرادته له في حال رضاه؛ إذْ الاعتبارُ بالإرادة إنما هو حالَ التلفُّظ، بخلافِ المُكْرَه، فإنه محمولٌ على التكلُّم بالسبب، غيرُ مريدٍ
стр. 87
لترتُّبِ أثره عليه، وبخلاف السكران المغلوب [على] (١) عقله، فإنه غيرُ مكلفٍ. والغضبان مكلَّفٌ مختارٌ، فلا وجه لإلغاء كلامه.
فالجواب: أن يقالُ: إنْ أُريد بالاختيار رضاهُ به وإيثارُه له، فليس بمختار، وإن أردتُم أنه وقع بمشيئته وإرادته التي هو غيرُ راضٍ بها ولا بأثرها، فهذا بمجرَّده. لا يُوجِبُ ترتُّب الأثر، فإن هذا الاختيار ثابتٌ للمكرَه والسكران، فإنا لا نشترط في السكران أن لا يفرِّقَ بين الأرض والسماء، بل المشتَرَط في عدم ترتُّب أثرِ أقواله: أنه يَهْذي ويخلِطُ في كلامه، وكذلك المحمومُ والمريض.
وأبلغ من هذا: الصبيُّ المراهقُ للبلوغ، إذْ هو من أهل الإرادة والقصد الصحيح، ثم لم يَتَرتَّب على كلامه أثرُه، وكذلك مَنْ سَبقَ لسانُه بالطلاق ولم يُرِدْهُ فإنه لا يَقَع طلاقُه، وقد أتى باللفظ في حال الاختيار غيرَ مكرهٍ، ولكنْ لم يقصِدْهُ.
والغضبانُ وإن قصده فلا حُكمَ لقصده في حال الغضب؛ لما تقدَّم من الأدلة الدالة على ذلك.
وقد صرَّح أصحابُنا: مَن (٢) كان جنونُه لِنَشافٍ، أو برسامٍ، لا يقعُ طلاقُه، ويسقط حكمُ تصرُّفه، وإن كانتْ (٣) معرفتُه غيرَ ذاهبةٍ بالكلية، ولا يضرُّه أن يَذْكُر الطلاقَ، وأنه أوقعه (٤).
стр. 88
وما ذكرناه من دعاء النبيِّ ﷺ رَبَّه أن يجعل سبَّه لمَنْ سَبَّه في حال غضبه، صريحٌ في أنه [غير] (١) مريدٍ له، إذ لو أراده واختاره لم يَسْألْ ربَّه أن يَفْعَلَ بالمدعوِّ عليه ضِدَّ ما دعا به عليه، إذْ لا يُتَصَوَّرُ إرادةُ ضدَّين في حالة واحدة، وهذا وحده كافٍ في المسألة.
فهذا ما ظهر في هذه المسألةِ بعد طُول التأمُّل والفِكْر، ونحنُ مِنْ وراء القبول والشكر لمن رَدَّ ذلك بحجةٍ يجب المصير إليها، ومِنْ وراء الردِّ على من رَدَّ ذلك بالهوى والعناد، والله المستعان، وعليه التكلان، وصلى الله على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه وعترته وأنصاره، صلاةً دائمةً بدوام مُلك الله .