. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيه: مفْهومُ قولِه: أو مَوْضِع مِن الحَرَمِ. لو نذَرَ المَشْيَ إلى غيرِ الحَرَمِ؛ كعَرَفَةَ ومَواقِيتِ الإحْرامِ وغيرِ ذلك، لم يَلْزَمْه ذلك ويكونُ كنَذْرِ المُباحِ، وهو كذلك. قاله المُصَنِّف، والشَّارِحُ.
فائدة: لو نذَرَ الإتْيانَ إلى بَيتِ اللهِ غيرَ حاجٍّ ولا مُعْتَمِر، لَغا قوْلُه: غيرَ حاجٍّ ولا مُعْتَمِر. ولَزِمَه إتْيانُه حاجًّا أو مُعْتَمِرًا. ذكَرَه القاضي أبو الحُسَينِ.
стр. 13232
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: فإن تَرَكَ الْمَشْيَ لعَجْز أو غَيرِه، فعليه كَفارَةُ يَمِين. وهو المذهبُ. قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: هذا المذهبُ. وهو أصحُّ. وجزَم به في «الوَجيزِ». وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ». وعنه، عليه دَمٌ. ووُجوبُ كفارَةِ اليمينِ أو الدَّمِ مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. وعنه، لا
стр. 13233
وَإنْ نَذَرَ الرُّكُوبَ، فَمَشَى، فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ.
ــ
كفَّارَةَ عليه. ذكَرَها ابنُ رَزِين. وقال في «المُغْنِي» (١): قِياسُ المذهبِ (٢)، يسْتَأنِفُه ماشِيًا؛ لتَرْكِه صِفَةَ المَنْذُورِ، كتَفْرِيقِه صَوْمًا مُتَتابِعًا.
قوله: وإنْ نَذَرَ الرُّكُوبَ فمَشَى، ففيه الرِّوايَتانِ. يعْنِي: المُتَقَدِّمَتان. وهما؛ هل عليه كفَّارَةُ يمين أو دَمٌ (٣)؟ وقد عَلِمْتَ المذهبَ منهما؛
وَإنْ نَذَرَ رَقَبَةً، فَهِيَ الَّتِي تُجْزِئُهُ عَنِ الْوَاجِبِ، إلَّا أن يَنْويَ رَقَبَةً
ــ
الصَّلاةُ دُونَ المَشْي، ففي أيِّ مَوْضِعٍ صلَّى أجْزَأه. قالا: ولا نعلمُ فيه خِلافًا. قوله: فإن نَذَرَ رَقَبَةً، فهي الَّتِي تُجْزِئ عَن الواجِبِ -على ما تقدَّم تَبْيِينُه في كتابِ الظِّهارِ- إلَّا أن ينْويَ رَقَبَةً بعَينها. فيُجْزِئُه ما عيَّنَه، بلا نِزاعٍ. لكِنْ لو
стр. 13240
بِعَينهَا.
ــ
ماتَ المَنْذُورُ (١) قبلَ أن يُعْتِقَه، لَزِمَه كفارَةُ يمين، ولا يَلْزَمُه عِتْقُ عَبْدٍ. نصَّ على ذلك، وقاله الأصحابُ. ولو أتْلَفَ العَبْدَ المَنْذُورَ عِتْقُه، لَزِمَه كفَّارَةُ يمين. على
وَإنْ نَذَرَ الطَّوافَ عَلَى أرْبَع، طَافَ طَوَافَينِ. نَصَّ عَلَيهِ.
ــ
قوله: وإنْ نَذَرَ الطَّوافَ على أرْبَع، طافَ طَوافَينِ، نصَّ عليه. وهو المذهبُ. جزَم به في «الوَجيزِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي»، و «النَّظم»، وغيرِهم. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. قال الشَّيخُ تَقِي الدِّينِ، ﵀: هذا بدَلَّ واجِبٌ. وعنه، يُجْزِئُ طَوافٌ واحدٌ على رِجْلَيه. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: والقِياسُ أن يَلْزَمَه طَوافٌ واحدٌ على رِجْلَيه، ولا يَلْزَمُه على يدَيه. وفي الكفَّارَةِ على هذه الرِّوايَةِ وَجْهان. وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»،
стр. 13243
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «الرِّعايةِ الكُبْرى»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «القَواعِدِ الأصُولِيَّةِ»، و «الفُروعِ». قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: بِناءً على ما تقدَّم. وقالا: قِياسُ المذهبِ، لُزومُ الكفَّارَةِ؛ لإخْلالِه بصِفةِ نَذْرِه وإنْ كان غيرَ مَشْرُوع.
فوائد؛ الأولَى، مِثْلُ المَسْألةِ في الحُكْمِ، لو نَذَرَ السَّعْيَ على أرْبَع. ذكَرَه في «المبْهِجِ»، و «المُسْتَوْعِبِ». واقْتَصَرَ عليه في «الفُروعِ». وجزَم به في «الرِّعايةِ الكُبْرى». قال في «الفُروعِ»: [وكذا] (١) لو نذَرَ طاعَةً على وَجْهٍ
стр. 13244
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَنْهِيٍّ عنه؛ كنَذْرِه صَلاةً عُرْيانًا، أو الحَجّ حافِيًا حاسِرًا، أو نذَرَتِ المرْأةُ الحَج حاسِرَةً وَفاءً بالطاعَةِ. قال في «القَواعِدِ الأصُوليَّةِ»: قِياسُ المذهبِ، الوَفاءُ بالطَّاعَةِ على الوَجْهِ المَشْروعِ، وفي الكفَّارَةِ لتَرْكِه المَنْهِيَّ وَجْهان. وأطْلَقهما في «الفُروعِ». وهما كالوَجْهَين المُتَقَدِّمَين قبلَ ذلك. قال في «الرِّعايةِ»: فإن قال: حافِيًا حاسِرًا. كفَّر ولم يفْعَلِ الصِّفَةَ، وقيل: يَمْشِي منذُ أحْرَمَ. انتهي.
الثَّانيةُ، لو نذَرَ الطَّوافَ، فأقَلُّه أسْبوعٌ، ولو نذَرَ صَوْمًا، فأقَلُّه يَوْمٌ، ولو نذَرَ صَلاةً لم يُجْزِئْه أقلُّ مِن رَكْعَتَينِ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وقيل: يُجْزِئُه رَكْعَة. وأطْلَقَهما في «الشَّرْحِ».
الثَّالثةُ، قال في «الفُروعِ»: لو نذَرَ الحَجَّ العامَ فلم يَحُجَّ، ثم نذَرَ أخْرَى في العامِ الثَّاني، فيَتَوَجَّهُ أنَّه يصِحُّ، ويَبْدأ بالثَّانِيَةِ لفَوْتِها، ويُكَفِّرُ لتَأخِيرِ الأولَى، وفي المَعْذُورِ الخِلافُ. انتهى.
الرابِعَةُ، لا يَلْزَمُ الوفاءُ بالوَعْدِ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. نصَّ عليه. وعليه الأصحابُ؛ لأنَّه يَحْرُمُ (١) بلا اسْتِثْناءٍ، لقَوْلِه تَعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٢). ولأنَّه في مَعْنَى الهِبَةِ قبلَ القَبْض. ذكَرَه
стр. 13245
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في «الفُروعِ». وذكَر الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، ﵀، وَجْهًا، أنَّه يَلْزَمُه. واخْتارَه. قال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ أنَّه رِوايَةٌ مِن تأجيلِ العارِيَّةِ والصُّلْحِ عن عِوَضِ المُتْلَفِ بمُؤجَّل. ولمَّا قيلَ للإمامِ أحمدَ، ﵀: بِمَ يُعْرَف الكذَّابُون؟ قال: بخُلْفِ المَواعيدِ. قال في «الفُروعِ»: وهذا مُتَّجِه. وتقدَّم الخُلْفُ بالعَهْدِ في أوَّلِ كتابِ الأيمانِ.
الخامسةُ، لم يزَلِ العُلَماءُ يسْتَدِلُّون بهذِه الآيَةِ على الاسْتِثْناءِ. وفي الدَّلالةِ بها غُموضٌ، فلهذا قال القرَافِيُّ في «قَواعِدِه»: اتَّفَقَ العُلَماءُ (١) على الاسْتِدْلالِ بقَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، وَوجْهُ الدَّليلِ منه في غايَةِ الإشْكالِ؛ فإن ﴿إلا﴾ ليستْ للتَّعْليقِ، و ﴿أَنْ﴾ المَفْتوحةَ ليستْ للتَّعْليقِ، فما بَقِيَ في الآيَةِ شيءٌ يدُلُّ على التَّعْليقِ [مُطابَقَةً ولا الْتِزامًا] (٢)، فكيفَ يصِحُّ الاسْتِدْلالُ بشيء لا يدُلُّ على ذلك؟ وطولَ الأيَّامِ يُحاولُون الاسْتِدْلال بهذه الآيَةِ، ولا يكادُ يُتَفَطَّنُ لوَجْهِ الدَّليلِ منها، وليسَ فيها إلَّا الاسْتِثْناءُ و ﴿أَنْ﴾ النَّاصِبَةُ لا الشَّرْطِيَّةُ، ولا يَفْطُنون لهذا الاسْتِثْناء مِن أيِّ شيءٍ هو؟ وما هو المُسْتَثْنَى منه؟ فتأمَّلْه فهو في غايةِ الإشْكالِ، وهو أصْل في اشْتِراطِ المَشِيئَةِ عندَ النُّطْقِ بالأفْعالِ، والجوابُ، أنا نقولُ: هذا اسْتِثْناءٌ مِن الأحْوالِ، والمُسْتَثْنَى حالةٌ مِن الأحْوالِ، وهي مَحْذوفَةٌ قبلَ «أن» النَّاصِبَةِ وعامِلَة فيها؛ أعْنِي الحال عامِلَةً في «أن» النَّاصِبَةِ، وتقْرِيرُه، ولا تقُولَنَّ لشيءٍ: إنِّي فاعِل ذلك غدًا في حالةٍ مِن الأحْوالِ إلا مُعَلِّقًا بأنْ يَشاءَ الله، ثم حُذِفَتْ
стр. 13246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«مُعَلقًا» والباءُ مِن «أن» فيَكونُ النَّهْي المُتَقَدِّمُ مع «إلا» المُتَأخرَةِ قد حصَرَتِ القَوْلَ في هذه الحالِ دُونَ سائرِ الأحْوالِ، فتَخْتَص هذه الحالُ (١) بالإباحَةِ وغيرُها بالتَّحْريمِ، وتَرْكُ المُحَرَّمِ واجِب، وليسَ شيء هناك يُتْرَكُ به الحَرامُ إلَّا هذه، فتَكونُ واجِبَةً، فهذا مُدْرَكُ الوُجوبِ، وأمَّا مُدْرَكُ التَّعْليقِ فهو قوْلُنا (٢): مُعَلِّقًا. فإنَّه يدُلُّ على أنَّه تعْليق (٣) في تلك الحالةِ، كما إذا قال: لا تخْرُجْ إلَّا ضاحِكًا. فإنَّه يفيدُ الأمْرَ بالضَّحِكِ للخُروجِ، وانْتَظَمَ «مُعَلِّقًا» مع «أن» بالباءِ المَحْذُوفَةِ، واتجَهَ الأمْرُ بالتَّعْليقِ على المَشِيئَةِ مِن هذه الصِّيغَةِ عندَ الوَعْدِ بالأفْعالِ. انتهى.
стр. 13247
كتاب القضَاءِ
ــ
كتابُ القَضاءِ
فائدة: القَضاءُ واحِدُ الأقْضِيَةِ. والقَضاءُ يُعَبَّرُ به عن مَعانٍ كثيرةٍ، والأصْلُ فيه
стр. 13248
وَهُوَ فَرْضُ كِفَايةٍ. قَال أحْمَدُ، ﵀: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِم، أتذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ!
ــ
الحَتمُ، والفَراغُ مِن الأمْرِ. ويَجْرِي على هذا جميع ما في القُرْآنِ من لَفْظِ القَضاءِ. والمُرادُ به في الشَّرْعِ الإلْزامُ. وولايةُ القَضاءِ رُتْبَة دِينيَّة ونَصْبَة شَرْعِيَّة.
قوله: وهو فَرْضٌ كِفايَةٍ. هذا المذهبُ. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «المُنْتَخَبِ»، و «تَذكِرَةِ ابنِ عَبْدُوس»، وغيرِهم. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. وصحّحه في «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»،
стр. 13249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «تَجْريدِ العِنايةِ»، وغيرِهم. وعنه، سُنَّة. نصَرَه القاضي وأصحابُه. وقدَّمه ناظِمُ «المُفْرَداتِ» وهو منها. وعنه، لا يُسَنُّ دُخولُه فيه. نقَل عَبْدُ اللهِ، لا يُعْجِبُنِي، هو أسْلَمُ.
فائدة: نَصْبُ الإمامَةِ (١) فَرْضٌ على الكِفايَةِ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
فَيَجِبُ عَلَى الْإمَامِ أنْ يُنَصِّبَ في كُلِّ إقْلِيم قَاضِيًا، وَيَخْتَارَ لِذَلِكَ أَفْضَلَ مَنْ يجِدُ وَأَوْرَعَهُمْ،
ــ
قوله: فيَجِبُ -يعْنِي على القَوْلِ بأنَّه فَرْضُ كِفايَةٍ- على الإِمامِ أنْ يُنَصِّبَ في كُل إقلِيم قاضِيًا. وقال في «الرِّعايةِ»: يَلْزَمُه على الأصحِّ. والظَّاهِرُ أنَّه مَبْنِيٌّ على الوُجوبِ والسُّنِّيَّةِ.
стр. 13252
وَيَأْمُرَهُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَإيثارِ طَاعَتِهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتهِ، وَتَحَرِّي الْعَدْلِ، والْاجْتِهَادِ في إِقَامَةِ الْحَقِّ، وَأنْ يَسْتَخْلِفَ في كُلِّ صُقعٍ أصْلَحَ مَن يَقْدِرُ عَلَيهِ لَهُمْ.
ــ
قوله: ويَخْتارَ لذلِكَ أفْضَلَ مَن يَجِدُ وأوْرَعَهم. قاله الأصحابُ. وفي «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ البَغْدادِيِّ»، على الإمامِ نَصْبُ مَنْ يُكْتَفَى به. قال في
стр. 13253
وَيَجبُ على مَنْ يَصْلُحُ لَهُ، إِذَا طُلِبَ وَلَمْ يُوجَدْ غَيرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ، الدُّخُولُ فِيهِ. وَعَنْهُ، أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ يَأْثَمُ الْقَاضِي بِالامْتِنَاعِ إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بهِ؛ قَال: لَا يَأْثَمُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ليسَ بِوَاجِبٍ.
ــ
«الرِّعايةِ»: يَلْزَمُه أنْ يُوَلِّيَ قاضِيًا مِن أفْضَلِ وأصْلَحِ مَنْ يجدُ عِلْمًا ودِينًا. وعنه، ووَرَعًا ونَزاهَةً وصِيانَةً وأمانَةً.
قوله: ويَجِبُ على مَن يَصلُحُ له، إذا طُلِبَ ولم يُوجَدْ غَيرُه مِمَّن يُوثَقُ به، الدُّخُولُ فيه. يعْنِي على القَوْلِ بأنه فَرْضُ كِفايَةٍ. ومُرادُه، إذا لم يَشْغَلْه عمَّا هو أهَمُّ
стр. 13254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منه. وهذا المذهبُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وصحَّحه في «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَين»، وغيرِهم. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. وعنه، أنَّه سُئِلَ، هل يأْثَمُ القاضي بالامْتِناعِ إذا لم يُوجَدْ غيرُه ممَّنْ يُوثَقُ به؟ قال: لا يأْثَمُ. وهذا يدُلُّ على أنَّه ليسَ بواجِبٍ. قال في «الفُروعِ»:
стр. 13255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعنه، لا يُسَنُّ دُخولُه فيه. نقَل عَبْدُ اللهِ، لا يُعْجِبُنِي، هو أسْلَمُ. وذكَر ما رَواه عن عائشةَ، ﵂، مَرْفُوعًا: «لَيَأتِيَنَّ على القاضي العَدْلِ سَاعَةٌ يتَمَنَّى أنَّه لم يَقْضِ بينَ اثْنَين في تَمْرَةٍ» (١). قال في «الحاوي» عن الرِّوايةِ الثَّانيةِ: هذه الروايةُ مَحْمُولَة على مَن لا يأْمَنُ على نفْسِه الضَّعْفَ فيه، أو على أنَّ ذلك الزَّمانَ كان الحُكَّامُ يُحْمَلُون فيه (٢) على ما لا يَحِل (٣)، ولم يُمْكِنْهم الحُكْمُ بالحَقِّ. انتهى.
تنبيه: ظاهرُ قوْلِه: ويجِبُ على مَن يصْلُحُ له إذا طُلِبَ. أنَّه لا يجِبُ عليه الطَّلَبُ. وهو صحيح. وهو المذهبُ. قدَّمه في «الرِّعايةِ»، و «الفُروعِ». وقيل: يَلْزَمُه الطَّلَبُ. وهو ظاهِرُ كلامِ الشَّارِحِ. ويَحْتَمِلُه كلامُ المُصَنِّفِ هنا.
стр. 13256
فَإِنْ وُجِدَ غَيرُهُ، كُرِهَ لَهُ طَلبهُ، بِغَيرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ.
ــ
وقيل: يَحْرُمُ الطَّلَبُ (١)؛ لخَوْفِه مَيلًا.
فائدة: قال في «الفُروعِ»: وإنْ وُثِقَ بغيرِه، فيَتَوَجَّهُ أنَّه كالشَّهادَةِ، وظاهرُ كلامِهم مُخْتَلِفٌ.
قوله: فإِنْ وُجِدَ غَيرُه، كُرِهَ له طَلبه، بِغَيرِ خِلافٍ في المذهبِ. يعني، فيما
стр. 13257
وَإِنْ طُلِبَ، فَالأفْضَلُ أنْ لَا يُجيبَ إِلَيهِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ. وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: الأَفْضَلُ الإجَابَةُ إلَيهِ إِذَا أَمِنَ نَفْسَهُ.
ــ
إذا اطَّلَعَ عليه. وهو المذهبُ. وعليه الأصحابُ. وقطَع به كثير منهم. وعنه، لا يُكْرَهُ طَلَبُه لقَصْدِ الحقِّ ودَفْعِ غيرِ المُسْتَحِقِّ. وقيل: يُكْرَهُ مع وُجودِ أصْلَحَ منه، أو غِنَاه عنه، أو شُهْرَتِه. ذكَرَه في «الرِّعايَةِ». قال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ وجْهٌ، بل يُسْتَحَبُّ طَلَبُه لقَصْدِ الحقِّ ودَفْعِ غيرِ المُسْتَحِقِّ، وقال (١) الماوَرْدِي: ويتَوَجَّهُ وَجْهٌ، يَحْرُمُ بدُونِه.
قوله: وإنْ طُلِبَ، فالأَفْضَلُ أنْ لا يُجِيبَ إليه، في ظاهِرِ كلامِ أحْمَدَ.
стр. 13258
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يعْنِي، إذا وُجِدَ غيرُه وطُلِبَ هو. وهو المذهبُ مُطْلَقًا. جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الفُروعِ»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهم. واخْتارَه القاضي وغيرُه.
وقال ابنُ حامِدٍ: الأفْضَلُ الإجابَةُ إذا أمِنَ نَفْسَه. ذكَرَه المُصَنِّفُ هنا. وأَطْلَقهما في «المُحَرَّرِ». وقيل: الأفضَلُ الإجابَةُ إليه مع خُمولِه. قال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، والشَّارِحُ: وقال ابنُ حامِدٍ: إنْ كان رَجُلًا خامِلًا لا يُرْجَعُ إليه في الأحْكام، فالأوْلَى له التَّوْلِيَةُ ليُرْجَعَ إليه في ذلك، ويقُومَ الحَقُّ به، ويَنتفِعَ به المُسْلِمُون، وإنْ كان مَشْهورًا في النَّاسِ بالعِلْمِ، ويُرْجَعُ إليه في تَعْليمِ العِلْمِ والفَتْوَى، فالأوْلَى (١) له الاشْتِغالُ بذلك. انتهيا. فلعَلَّ ابنَ حامِدٍ له قوْلان. وقد حكاهُما في «الفُروعِ» وغيرِه قَوْلَين. وقيل:
стр. 13259
وَلَا تَثْبُتُ ولَايةُ الْقَضَاءِ إلَّا بِتَوْلِيَةِ الإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ.
وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا مَعْرِفَةُ الْمُوَلِّى كَوْنَ الْمُوَلَّى عَلَى صِفَةٍ تَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ،
ــ
الإجابَةُ أفْضَلُ مع خُمولِه وفَقْرِه.
فائدتان؛ إحْداهما، يَحْرُمُ بَذْلُ المالِ في ذلك، ويَحْرُمُ أخْذُه وطَلَبُه وفيه مُباشِرٌ أهْل له. قال في «الفُروعِ»: وظاهرُ تَخْصِيصِهم (١) الكَراهَةَ بالطلَبِ، أنَّه لا يُكْرَهُ توْلِيَةُ الحَريصِ، ولا ينْفِي أنَّ غيرَه أوْلَى. قال: ويتَوَجَّهُ وَجْهٌ. قلتُ: هذا التَّوْجِيهُ هو الصَّوابُ.
الثَّانيةُ، تَصِحُّ ولايةُ المفْضُولِ مع وجُودِ الأَفْضَلِ. على الصَّحيحِ مِن المذهَبِ. وقيل: لا تصِحُّ إلَّا لمَصْلَحَةٍ.
قوله: ومِن شَرْطِ صِحَّتِها مَعْرِفَةُ الْمُوَلِّي كَوْنَ المُوَلَّى على صِفَةٍ تصْلُحُ
стр. 13260
وَتَعْيِينُ مَا يُوَلِّيهِ الْحُكْمَ فِيهِ مِنَ الْأعْمَالِ وَالبُلْدَانِ، وَمُشَافَهَتُهُ بِالْولَايةِ أَوْ مُكَاتَبَتُهُ بِهَا، وَإشْهَادُ شَاهِدَينِ على تَوْلِيَتهِ. وَقَال الْقَاضِي: تَثْبُتُ بِالاسْتِفَاضَةِ، إِذَا كَانَ بَلَدُهُ قَرِيبًا تَسْتَفِيضُ فِيهِ أخْبَارُ بَلَدِ الْإِمَامِ.
ــ
للْقَضَاءِ، وتَعْيِينُ ما يُوَلِّيهِ الحُكْمَ فِيه مِن الأَعْمالِ والْبُلْدانِ، ومُشافَهَتُه بالْولايةِ أو مُكاتَبَتُه بها، واسْتِشْهادُ شاهِدَين على تَوْلِيَته. قدَّم المُصَنِّفُ، أنَّه يُشْتَرَطُ في ولايته؛ إمَّا المُكاتَبَةُ، وإمَّا المُشافَهَةُ، واسْتِشْهادُ شاهِدَين على ذلك فقطْ. وهذا أحدُ الوَجْهَين. قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: هذا المذهبُ. وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». وهو ظاهرُ ما جزَم به ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وقال القاضي: تَثْبُتُ بالاسْتِفاضَةِ إذا كان بَلَدُه قرِيبًا فتَسْتَفِيضُ فيه أخْبارُ بَلَدِ الإمامِ. وهذا المذهبُ. قال في «الفروعِ»: والأصحُّ، وتَثْبُت بالاسْتِفاضَةِ. وجزَم به
стр. 13261
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في «المُحَرَّرِ»، و «نِهايَةِ ابنِ رَزِينٍ»، و «النَّظْمِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَب الأدَمِيِّ»، و «الوَجيزِ»، و «الشَّرْحِ». وهو عجِيب منه، إلَّا أنْ تكونَ النُّسخَةُ مغْلُوطَةً. وجزَم به المُصَنِّفُ في أوَّلِ كتابِ الشَّهاداتِ.
стр. 13262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيهان؛ أحدُهما، حَدَّ الأصحابُ البَلَدَ القرِيبَ بخَمْسَةِ أيَّامٍ فما دُونَ. وأطْلَقَ الأدَمِيُّ الاسْتِفاضَةَ، وظاهِرُه مع البُعْدِ. قال في «الفُروعِ»: وهو مُتَّجِهٌ. قلتُ: وهو الصَّوابُ، والعَمَلُ عليه في الغالبِ، وهو قولُ أصحابِ أبي حَنِيفَةَ.
الثَّاني، ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه، أنَّه لا تصِحُّ الولايَةُ بمُجَرَّدِ الكِتابَةِ إليه بذلك (١) مِن غيرِ إشْهادٍ. وهو صحيحٌ. وهو المذهبُ. وعليه الأصحابُ. وقال في «الفُروعِ»: وتَتَوَجَّهُ صِحَّتُها بِناءً على صِحَّةِ الإقْرارِ بالخَطِّ. وهو احْتِمالٌ للقاضي في «التَّعْليقِ». ذكَرَه في بابِ صَرِيحِ الطَّلاقِ وكِنايته.
стр. 13263
وَهَلْ تُشْتَرَطُ عَدَالةُ الْمُوَلِّي؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
قوله: وهل تُشْتَرَطُ عَدالةُ المُوَلِّي؟ -بكَسْرِ اللَّامِ، اسْمُ فاعِلٍ- على رِوايَتَينِ. وأطْلَقَهما في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». وأطْلَقهما في «المُحَرَّرِ»، في نائبِ الإمامِ. قال في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي» بعدَ أنْ أطْلَقُوا الخِلافَ: وقيل: الرِّوايَتَان في نائبِ الإمامِ دُونَه. إحْداهما، لا تُشْتَرَطُ. وهو المذهبُ. صحَّحه في «التَّصْحيحِ» وغيرِه. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، وغيرِهما. وَقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. وهو ظاهرُ ما جزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «النظْمِ» في الإمامِ. وصححه في «النَّظْمِ» وغيرِه. والرِّوايةُ الثَّانيةُ (١)، تُشْترَطُ. وعنه، تُشْترَطُ العَدالةُ في سِوَى الإمامِ. وتقدَّم كلامُه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي». ثم قال في «الرِّعايةِ»: إنْ قُلْنا: الحاكِمُ نائِبُ الشَّرْعِ. صَحَّتْ منهما، وإلَّا فلا. قلتُ: في الإمامِ وَجْهان، هل تَصَرُّفُه بطَريقِ الوَكالةِ أو الولايَةِ؟ اخْتارَ القاضي الأوَّلَ. وقال في «الوَجيزِ»: وإذا كان المُوَلِّي نائِبَ الإمامِ، لم تُشْتَرَطْ عَدَالتُه.
стр. 13264
وَأَلفَاظُ التَّوْلِيَةِ الصَّرِيحَةِ سَبْعَةٌ: وَلَّيتُكَ الْحُكْمَ، وَقَلَّدْتُكَ، وَاسْتَنَبْتُكَ، وَاسْتَخْلَفْتُكَ، وَرَدَدْتُ إِلَيكَ، وَفَوَّضْتُ إِلَيكَ، وَجَعَلْتُ لَكَ الْحُكْمَ. فَإِذَا وُجِدَ لَفْظٌ مِنْهَا وَالْقَبُولُ مِنَ الْمُوَلَّى، انْعَقَدَتِ الْولَايةُ. وَالْكِنَايةُ نَحْوُ: اعْتَمَدْتُ عَلَيكَ، وَعَوَّلْتُ عَلَيكَ، وَوَكَّلْتُ إِلَيكَ، وَأسْنَدْتُ إِلَيكَ الْحُكْمَ. فَلَا يَنْعَقِدُ بِهَا
ــ
قوله: وأَلفَاظُ التوْلِيَةِ الصَّرِيحَةِ سَبْعَة: وَليتُكَ الْحُكْمَ، وقَلَّدْتُكَ، واسْتَنَبْتُكَ، واسْتَخْلَفْتُكَ، ورَدَدْتُ إليكَ، وفوضْتُ إليكَ، وجَعَلْتُ إليكَ الحُكْمَ. زاد في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي»، واسْتَكْفَيتُكَ. وذكَرَها في «الخُلاصةِ»، ولم يذْكُرِ، اسْتَنَبْتُكَ. وقيل: ردَدْتُه و (١) فوضْتُه وجعَلْتُه إليكَ كِناية.
قوله: فإذا وُجِدَ لَفْظٌ منها والْقَبُولُ مِن المُوَلَّى، انْعَقَدَتِ الْولايَةُ. وكذا قال في
стр. 13265
حَتَّى تَقْتَرِنَ بِهَا قَرِينَةٌ، نَحْوُ: فَاحْكُمْ، أو فَتَوَلَّ مَا عَوَّلْتُ عَلَيكَ فِيهِ. وَمَا أَشْبَهَهُ.
ــ
«الوَجيزِ». وقال في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُغْنِي»: فإذا وُجِدَ أحدُ هذه الأَلْفاظِ وجَوابُها مِن المُوَلَّى بالقَبُولِ، انْعَقَدَتِ الولايةُ. وهو قريبٌ مِن الأوَّلِ. وفي «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «تَجْريدِ العِنايةِ»، وغيرِهم، فإذا وُجِدَ لَفْظٌ منها، وقَبُولُ المُوَلَّى في المَجْلِسِ إن كان حاضِرًا، أو فيما بعدَه إنْ كانَ غائبًا، انْعَقَدَتِ الولايةُ. وفي «الكافِي»، و «الشَّرْحِ»، فإذا أَتَى بواحِدٍ منها واتَّصَلَ القَبُولُ، انْعَقَدَتِ الولايةُ. زادَ في «الشرْحِ»، كالبَيعِ والنِّكاحِ وغيرِ ذلك. وفي «مُنْتَخَبِ الأدَمِي»، تُشْتَرَطُ فَوْرِيَّةُ القَبُولِ مع الحُضورِ. وفي «المُنَوِّرِ»، وفَوْرِيَّةُ القَبُولِ. هذه عِباراتُهم. فيَحْتَمِلُ أنْ يكونَ مُرادُ صاحبِ «الهِدايةِ»، ومَن تابعَه، ما قاله صاحِبُ «المُحَرَّرِ»، ومَن تابعَه، أنَّه يُشْتَرَطُ للحاضِرِ القَبُولُ في المَجْلِسِ. وأنَّ مُرادَه -في «الكافِي»، و «الشرْحِ» - بالاتصالِ المَجْلِسُ، بدَليلِ قوْلِه: كالبَيعِ والنِّكاحِ. وأمَّا «المُنْتَخَبِ»، و «المُنَورِ» فمُخالِفٌ لهم، وكلامُه في «الكافِي»، و «الشَّرْحِ» يَقْرُبُ مِن ذلك. ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ كلامُ صاحبِ
стр. 13266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«الهِدايةِ»، ومَن تابعَه على ظاهِرِه، وأنَّه لا يُشْتَرَطُ للقَبُولِ المَجْلِسُ، ولم نَرَه صَرِيحًا، فيَكونُ في المَسْأَلَةِ وَجْهان، وكلامُه في «المُنْتَخَبِ»، و «المُنَوِّرِ» وَجْهٌ ثالثٌ، وقد قال كثير مِن الأصحابِ: هلِ القُضاةُ نُوَّابُ الإمامِ أو نُوَّابُ المُسْلِمِين؟ فيه وَجْهان. وقد قال القاضي: عَزْلُ القاضي نفْسَه يتَخَرجُ على رِوايتَين؛ بِناءً (١) على أنَّه، هل هو وَكِيل للمُسْلِمِين أمْ لا؟ فيه رِوايَتان. وقال كثيرٌ مِن الأصحابِ: هل ينْعَزِلُ قبلَ عِلْمِه بالعَزْلِ؟ على وَجْهَين؛ بِناءً على الوَكيلِ. وقد قال الأصحابُ: لا يُشْتَرَطُ للوَكِيلِ القَبُولُ في المَجْلِسِ. واللهُ أعلمُ.
تنبيه: قولُه: والْقَبُولُ مِن الْمُوَلَّى. إنْ قَبِلَ باللَّفْظِ، فلا نِزاعَ في انْعِقادِ ما، وإنْ قَبِلَ بالشُّروعِ في العَمَلِ إنْ كانَ غائبًا، فالصَّحيحُ مِن المذهبِ، انْعِقادُ الولايَةِ بذلك. قال في «الفُروعِ»: والأصح، أو شَرَعَ غائِبٌ في العَمَلِ [انْعَقَدَتْ] (٢). وقدَّمه في «الرِّعايتَين». وقيل: لا يَنْعَقِدُ بذلك. وقال في «الرِّعايتَين»: قلتُ: وإنْ قُلْنا: هو نائِبُ الشَرْعِ. كَفَى الشُّروعُ في العَمَلِ، وإنْ قُلْنا: هو نائبُ مَن وَلَّاهُ. فلا. وحكَى القاضي في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ» في ذلك احْتِمالين وجعَل مأَخْذَهما، هل يَجْرِي الفِعْلُ مَجْرَى النُّطْقِ لدَلالتِه عليه؟ قال في «القاعِدَةِ الخامِسَةِ والخَمْسِينَ»: ويَحْسُنُ بِناؤهما على أنَّ ولايَةَ القَضاءِ عَقْدٌ جائزٌ أو لازِمٌ.
قوله: والْكِنايَةُ نَحْوُ، اعْتَمَدْتُ عليكَ، وعَوَّلْتُ عليكَ، ووَكَّلْتُ اليكَ،
стр. 13267
فصلٌ: وَإذَا ثَبَتَتِ الْولَايةُ وَكَانَتْ عَامَّةً، اسْتَفَادَ بِهَا النَّظَرَ في عَشَرَةِ أَشْيَاءَ؛ فَصْلُ الْخُصُومَاتِ، وَاسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِمَّنْ هُوَ عَلَيهِ وَدَفْعُهُ إلَى رَبِّهِ، والنَّظَرُ في أَمْوَالِ الْيَتَامَى والْمَجَانِينِ والسُّفَهَاءِ، وَالْحَجْرُ عَلَى مَنْ يَرَى الْحَجْرَ عَلَيهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ، وَالنَّظَرُ فِي الْوُقُوفِ في عَمَلِهِ، بِإجْرَائِهَا عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ، وَتَنْفِيذُ الْوَصَايَا، وَتزْويجُ النِّسَاءِ اللَّاتي لَا وَلِيَّ لَهُنَّ، وَإقَامَةُ الْحُدُودِ، وَإقَامَةُ
ــ
وأَسْنَدْتُ إليكَ الْحُكْمَ. فلا ينْعَقِدُ بها حَتَّى يَقْتَرِنَ بها قَرِينَة نَحْوُ، فاحْكُمْ، أو فتَوَلَّ ما عَوَّلْتُ عليكَ، وما أشْبَهَه. وتقدَّم قولٌ) (١): إنَّ في: رَدَدْتُه، وفَوضْتُه، وجعَلْتُه إليكَ، كِنايَة. فلابُدَّ أيضًا مِن القَرِينَةِ على هذا القولِ.
قوله: وإذا ثَبَتَتِ الْولايةُ وكانَتْ عامَّة، اسْتَفادَ بها النَّظَرَ في عَشَرَةِ أَشْياءَ؛ فَصْلُ الْخُصُوماتِ، واسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِمَّنْ هو عليه ودَفْعُه إلى رَبِّه، والنَظَرُ في أمْوالِ اليَتامَى والمَجانِينِ والسُّفَهاءِ، والْحَجْرُ على مَن يَرَى الْحَجْرَ عليه لِسَفَهٍ أو فَلَس، والنَّظَرُ
стр. 13268
الْجُمُعَةِ، والنَّظَرُ في مَصَالِحِ عَمَلِهِ، بِكَفِّ الأذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَفْنِيَتهِمْ، وَتَصَفُّحُ حَالِ شُهُودِهِ وَأُمَنَائِهِ، والْاسْتِبدَالُ بِمَنْ ثَبَتَ جَرْحُهُ مِنْهُمْ. فَأَمَّا جِبَايةُ الْخَرَاجِ، وَأَخْذُ الصَّدَقَةِ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
ــ
في الْوُقُوفِ في عَمَلِه، بإجْرَائِها على شَرْط الْواقِفِ، وتَنْفِيذُ الْوَصايا، وتزْويجُ النِّساءِ الَّلاتِيَ لا وَلِي لَهُنَّ، وإقامَةُ الْحُدُودِ، وإقامَةُ الْجُمُعَةِ. وكذا إقامَةُ العيدِ. وهذا المذهبُ بلا رَيبٍ. وعليه الأصحابُ. وقَطَعُوا به في الْجُمْلَةِ.
وقال النَّاظِمُ:
وقَبْضُ خَراجٍ والزَّكاةِ أجِزْ (١) وأنْ ... يَلِي جُمْعَة والعِيدَ في المُتَجَوِّدِ
فظاهِرُه إجْراءُ الخِلافِ في الجُمُعَةِ والعيدِ، ولم أرَه لغيرِه، ولعَلَّ الخِلافَ عائدٌ إلى قَبْضِ الخَراجِ والزَّكاةِ.
стр. 13269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيهان؛ أحدُهما، مَحَلُّ ذلك إذا لم يُخَصَّا بإمامٍ.
الثَّاني، قوْلُه: وإقامَةُ الجُمُعَةِ. وتَبِعَه على ذلك ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»، وصاحِبُ «المَذْهَبِ الأحْمَدِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، و «المُنَوِّرِ». وقال القاضي: وإمامَةُ الجُمُعَةِ. بالمِيمِ بدَلَ القافِ. وتَبِعَه صاحِبُ «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفُروعِ»، وغيرُهم. وتَقَدَّمَ عِبارَةُ النَّاظِمِ. قال الحارِثِيُّ: قال الشَّيخُ: وإقامَةُ الجُمُعَةِ. بالقَافِ، وعلَّلَ بأنَّ الأئمَّةَ كانُوا يُقِيمُونَها والقاضي يَنُوبُ عنهم (١)، والإقامَةُ قد يُرادُ بها ولايةُ الإذْنِ في إقامَتِها، ومُباشَرةُ الإمامَةِ فيها، وقد يُرادُ بها (٢) نَصْبُ الأئمَّةِ مع عدَمِ ولايةِ أصْلِ الإذْنِ، وقال في «المُغْنِي» إمامَةٌ -بالميمِ- كقَوْلِ أبي الخَطَّابِ وغيرِه، وكذا القاضي، فيَحْتَمِلُ إرادَةَ نَصْبِ الأئمَّةِ، وهذا أظْهَرُ، وفيه جَمْعٌ بينَ العِبارَتَين؛ فإن النَّصْبَ فيهما إقامَةٌ لهما، وعلى هذا نَصْبُ أئمَّةِ المَساجدِ، ويَحْتَمِلُ إرادَةَ فصلِ الإمامَةِ، كما صرَّح به بعْضُ شُيوخِنا في مُصَنَّفِه. قال: وأنَّ يَومَّ في الجُمُعَةِ والعيدِ مع عدَمِ إمامٍ خاصٍّ لهما، إلَّا أنَّ الحَمْلَ على هذا يَلْزَمُ مَنه أنْ لا يكونَ له الإقامَةُ أو (٣) الإمامَةُ إلَّا في بُقْعَةٍ مِن عَمَلِه لا في جميعِ عَمَلِه؛ إذْ لا يُمْكِنُ منه الفِعْلُ إلا في بُقعَةٍ واحدةٍ منه، وهو خِلافُ الظَّاهِرِ مِن إطْلاقِ أنَّ له فِعْل ذلك في عَمَلِه. انتهى. قلتُ: عِبارَتُه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي»، وأنْ يَؤمَّ في الجُمُعَةِ والعيدِ. كما نَقَلَه الحارِثِيُّ عن
стр. 13270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بعْضِ مَشايخِه.
فائدة: مِن جُمْلَةِ ما نسْتَفِيدُه ممَّا (١) ذكَرَه المُصَنفُ هنا، النَّظَرُ في عمَلِ مصالحِ عمَلِه، بكَفى الأذَى عن طُرُقاتِ المُسْلِمين وأفْنِيَتهم، وتَصَفحُ حالِ شُهودِه وأُمَنائِه والاسْتِبْدالُ ممَّنْ ثَبَتَ جَرْحُه منهم. ويَنْظُرُ أيضًا في أمْوالِ الغائِبِين. على ما يأْتِي في أواخِرِ بابِ أدبِ القاضي.
قوله: فأمَّا جِبايَةُ الخَراجِ وأخْذُ الصَّدَقَةِ، فعلى وَجْهَين. ومحَلُّهما، إذا لم يُخَصَّا بعامِلٍ. وأطْلَقهما في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الهادِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم؛ أحدُهما، يُسْتَفادان بالولايةِ. وهو المذهبُ. صحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ»، كما تقدَّم. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ». وتدَّمه في «الفُروعِ». والوَجْهُ الثَّاني، لا يُسْتَفادان بها. وهو ظاهِرُ كلامِه في «المُنَورِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِي». وقيل: لا يُسْتَفادُ الخَراجُ فقطْ.
تنبيه: مفْهومُ قوْلِه: اسْتَفادَ بها النَّظَرَ في عَشَرَةِ أشْياءَ. أنَّه لا يسْتَفِيدُ غيرَها. وهو المذهبُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وقال في «التَّبصِرَةِ»: ويسْتَفِيدُ أيضًا الاحْتِسابَ على الباعَةِ والمُشْتَرِين، وإلْزامَهم بالشَّرْعِ (٢). وقال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، ﵀: ما يسْتَفِيدُه بالولايةِ لا حدَّ له شَرْعًا، بل يُتَلَقَّى مِن الأَلْفاظِ والأحْوالِ والعُرْفِ. ونقَل أبو طالِبٍ، أمِيرُ البَلَدِ إنَّما هو مُسَلَّطٌ على الأدَبِ،