. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في زَمَنِنا هذا- الخُروجُ عنها. وقد يَلْزَمُ أنَّ الفِسْقَ مانِع، ويقالُ: المانِعُ لا بدَّ مِن تحَقُّقِ ظَنِّ عدَمِه، كالصبِيِّ والكُفْرِ. وقال الشّيخُ تَقِيّ الدِّينِ، ﵀: مَنْ قال: إنّ الأصْلَ في الإنْسانِ العَدالةُ. فقد أخْطَأ، وإنما الأصْلُ فيه الجَهْلُ والظُّلْمُ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (١). وقال ابنُ القَيِّمِ، ﵀، في أواخِرِ «بَدائِع الفَوائدِ»: إذا شكَّ في الشاهِدِ، هل هو عَدْلٌ أم لا؟ لم يحْكُمْ بشَهادَتِه (٢)؛ إذِ الغالِبُ في النَّاسِ عدَمُ العَدالةِ، وقولُ مَن قال: الأصْلُ في النّاسِ العَدالةُ. كَلام مُسْتَدْرَك، بلِ العَدالةُ حادِثَة تتَجَدَّدُ، والأصْلُ عدَمُها، فإنَّ خِلافَ العَدالةِ مُسْتَنَدُه جَهْلُ الإنْسانِ وظُلْمُه، والإنْسانُ جَهُول ظَلُوم، فالمُؤمِنُ يَكْمُلُ بالعِلْمِ والعَدالةِ، وهما جِماعُ الخَيرِ، وغيرُه يَبْقَى على الأصْلِ. وقال بعْضُهم: العَدالةُ والفِسْقُ مَبْنِيَّان على قَهُولِ شَهادَتِه، فإنْ قُلْنا: تُقْبَلُ شَهادَةُ مَسْتُورِ (٣) الحالِ. فالأصْلُ فيه العَدالةُ، ؤإنْ قُلْنا: لا تُقْبَلُ. فالأصْلُ فيه الفِسقُ. قلتُ: الذي يَظْهَرُ أن المُسْلِمَ ليسَ الأصْلُ فيه الفِسْقَ، لأن الفِسْقَ قَطْعًا يَطْرأ، والعَدالةُ أيضًا -ظاهِرًا وباطِنًا- تَطْرأ، لكِن الظَّنَّ في المُسْلِمِ العَدالةَ أوْلَى مِن الظَّنِّ به الفِسْقَ. وممَّا يُسْتَأنَسُ به -على القَوْلِ بأنَّ الأصْلَ في المُسْلِمِ العَدالةُ- قوْلُه عليه أفْضَلُ الصِّلاةِ والسّلام: «ما مِنْ مَوْلُود يُولَدُ إلَّا على الفِطْرَةِ، فأبَواهُ يُهَوِّدانِه أو يُنَصِّرَانِه أو يُمَجِّسانِه» (٤).
стр. 13477
وَإذَا عَلِمَ الحَاكِمُ عَدَالتَهُمَا، عَمِلَ بِعِلْمِهِ، وَحَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا،
ــ
قوله: وإذا عَلِمَ الْحاكِمُ عَدالتَهُما، عَمِلَ بعِلْمِه. هكذا عِبارَةُ غالبِ الأصحابِ. قال في «الفُروعِ»: وفي عِبارَةِ غيرِ واحدٍ، ويَحْكُمُ بعلْمِه في عَدالةِ الشَّاهِدِ وجَرْحِه للتَّسَلْسُلِ. قال في «عُيونِ المَسائلِ»: ولأنه يُشْرِكُه فيه غيرُه، فلا تُهْمَةَ. وقال هو والقاضي وغيرُهما: هذا ليسَ بحُكْم؛ لأنه يُعَدلُ هو ويَجْرَحُ غيرُه، ويَجْرَحُ هو ويُعَدِّلُ غيرُه، ولو كان حُكْمًا، لم يَكُنْ لغيرِه نقْضُه. قال في «التَّرْغيبِ»: إنَّما الحُكْمُ بالشَّهادَةِ، لا بِهما. إذا عَلِمْتَ ذلك، فَعَمَلُ الحاكِمِ بعِلْمِه في الشهودِ، وحُكْمُه بعِلْمِه في العَدالةِ والجَرْحِ هو المذهبُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. وقيل: يعْمَلُ في جَرْحِه بعِلْمِه فقطْ. وعنه، لا يعْمَلُ بعِلْمِه فيهما، كالشَّاهِدِ، على أصح الوَجْهَين فيه. قال الزَّرْكَشِي: وحكَى ابنُ حَمْدانَ في «رِعايته» قوْلًا بالمَنْعِ. وهو مَرْدود، إنْ صحَّ ما حَكاه القُرْطُبِيُّ؛ فإنَّه حكَى اتفاقَ الكُلِّ على الجَوازِ. انتهى.
فائدتان؛ إحْداهما، لا يجوزُ الاعْتِراضُ عليه لتَرْكِه تَسْمِيَة الشُّهودِ. ذكَرَه
стр. 13478
إِلَّا أَنْ يَرْتَابَ بِهِمَا، فَيُفَرقَهُمَاْ وَيَسْأَلَ كُلَّ وَاحِدٍ: كَيْفَ تَحَمَّلْتَ الشَّهَادَةَ؟ وَمَتَى؟ وَفِى أَيَّ مَوْضِعٍ؟ وَهَلْ كُنْتَ وَحْدَكَ أَوْ أَنْتَ
وَصَاحِبُكَ؟ فَإِنِ اخْتَلَفَا، لَمْ يَقْبَلْهَا، وَإِنِ اتَّفَقَا، وَعَظَهُمَا وَخَوَّفَهُمَا، فَإِنْ ثَبَتَا، حَكَمَ بِهِمَا إِذَا سَأَلَهُ المُدَّعِى.
ــ
القاضى وغيرُه فى مَسْألَةِ المُرْسلِ، وابنُ عَقِيل. وقدَّمه فى «الفُروعِ». وذكَر الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، ﵀، أنَّ له طَلَبَ تَسْمِيَةِ البَينةِ، ليَتَمَكَّنَ مِن القَدْحِ، بالاتِّفاقِ. قال فى «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ مِثْلُه لو قال: حكَمْتُ بكذا. ولم يذْكُرْ مُسْتَنَدَه.
الثَّانيةُ، قال فى «الرِّعايةِ»: لو شَهِدَ أحدُ الشَّاهِدَيْن ببَعْضِ الدَّعْوى، قال: شَهِدَ عنْدِى بما وضَعَ به خَطُّه فيه، أو عادةَ حُكَّامِ بلَدِه. وإنْ كانَ الشَّاهِدُ عدْلاً، كتَب تحتَ خطِّه: شَهِدَ عنْدِى بذلك. وإنْ قَبِلَه كتَب: شَهِدَ بذلك عنْدِى. وإنْ قَبِلَه غيرُه أو أخْبَرَه بذلك، كتَبَ: وهو مَقْبولٌ. وإنْ لم يَكُنْ مَقْبُولًا، كتَبَ: شَهِدَ بذلك. وقال للمُدَّعِى: زِدْنِى شُهودًا. أو: زَكِّ شاهِدَيْكَ. وقيل: إنْ
طلَبَ خَصْمُه التَّزْكِيَةَ، وإلَّا فلا. انتهى.
قوله: إلَّا أنْ يَرْتابَ بهما، فيُفَرِّقَهُما ويَسْأَلَ كُلَّ واحِدٍ: كَيْفَ تَحَمَّلْتَ الشَّهادَةَ؟ ومَتَى؟ وفى أىِّ مَوْضِعٍ؟ وهل كُنْتَ وحْدَكَ أو أنْتَ وصاحِبُكَ؟ فإنِ
وَإِنْ جَرَحَهُمَا المَشْهُودُ عَلَيْهِ، كُلِّفَ البَيَّنَةَ بِالْجَرْحِ، فَإنْ سَأَلَ الْإنْظَارَ، أُنْظِرَ ثَلَاثًا.
وَلِلْمُدَّعِى مُلَازَمَتُهُ، فَان لَمْ يُقِمْ بَينّةَ، حُكِمَ عَلَيْهِ.
ــ
قوله: وإِنْ جَرَحَهُما المشْهُودُ عليه، كُلِّفَ- إقامَةَ- الْبَيِّنَةِ بالجَرْحِ، فإنْ سألَ الإنْظارَ، أنْظِرَ ثَلاثًا. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. قال فى «الرِّعايةِ»: يُمْهَلُ الجارِحُ ثَلاَثةَ أيَّامٍ- فى الأصحِّ- إنْ طَلَبَه. وجزَم به كثيرٌ مِن الأصحابِ. وقيل:
стр. 13484
وَلَا يُسْمَعُ الْجَرْحُ إِلَّا مُفَسَّرًا بِمَا يَقْدَحُ فِى العَدَالَةِ، إِمَّا أَنْ يَرَاهُ، أَوْ يَسْتَفِيضَ عَنْهُ. وعنه، [٣٣٢ و] أَنَّهُ يَكْفِى أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ فَاسِقٌ،
وَلَيْسَ بِعَدْلٍ.
ــ
لا يُمْهَلُ.
قوله: ولا يُسْمَعُ الْجَرْحُ إلا مُفَسَّرًا بما يَقْدَحُ فى العَدالَةِ، إمَّا أَنْ يَراه، أو يَسْتَفِيضَ عنه. فلا يَكْفِى مُطْلَقُ الجَرْحِ، وهذا المذهبُ. قالَه فى «الفُروعِ»، و «الزرْكَشِىِّ»، وغيرِهما (١). وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[باسْتِفاضَةِ ذلك عنهْ] (١). على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وعليه جاهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. وقيل: ليسَ له ذلك، كالتَّزْكِيَةِ، فى أصحِّ الوَجْهَيْن فيها. وفى التَّزْكِيَةِ وَجْهٌ، اخْتارَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، ﵀، وقال: المُسْلِمُون يشْهَدُون (٢) فى مِثْلِ عمرَ بنِ عَبْدِ العَزيزِ، والحَسَنِ [البَصْرِىِّ، رَضِىَ اللهُ تعالَى عنهما] (٣)، بما لا (٤) يعْلَمُونَه إلاَّ
стр. 13487
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالاسْتِفاضَةِ. وقال: لا نعْلَمُ فى الجَرْحِ بالاسْتِفاضَةِ نِزاعًا بينَ النَّاسِ. وقال فى «التَّرْغيبِ»: لا يجوزُ الجَرْحُ بالتَّسَامُعِ. نَعَم، لو زُكِّيَ جازَ التَّوَقُّفُ بتَسامُعِ الفِسْقِ.
فائدتان؛ إحْداهما، قال فى «المُحَرَّرِ»: الجَرْحُ المُبَيِّنُ؛ أنْ يذْكُرَ ما يقْدَحُ
стр. 13488
وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَهُ فَاسِقٌ يَعْرِفُ حَالَهُ، قَالَ لِلْمُدَّعِى: زِدْنِى شُهُودًا.
ــ
فى العَدالَةِ، عن رُؤْيَةٍ أو (١) اسْتِفاضَةٍ. والمُطْلَقُ؛ أنْ يقولَ: هو فاسِقٌ. أو (٥): ليسَ بعَدْلٍ. قال الزرْكَشِىُّ: هذا هو المَشْهورُ. وقال القاضى فى «خِلافِه»: هذا هو المُبَيِّنُ، والمُطْلَقُ أنْ يقولَ: اللهُ أعلمُ. ونحوُه.
الثَّانيةُ، يُعَرِّضُ الجارِحُ بالزِّنَى، فإنْ صرَّح ولم يأْتِ بتَمامِ أرْبَعَةِ شُهودٍ (٢)،
стр. 13489
وَإِنْ جَهِلَ حَالَهُ، طَالَبَ المُدَّعِىَ بِتَزْكِيَتَهِ.
وَيَكْفِى فِى التَّزْكِيَةِ شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًا، وَلَا يَحْتَاجُ أنْ يَقُولَ: عَلَىَّ وَلِىَ.
ــ
حُدَّ، خِلافًا للشَّافِعِىِّ.
تنبيه: قولُه (١): وِإنْ جَهِلَ حالَه، طالَبَ المدَّعِىَ بتَزْكِيَتَه. بِناءً على اعْتِبارِ العَدالَةِ ظاهِرًا وباطِنًا. وهو المذهبُ، كما تقدَّم.
فائدة: التَّزْكِيَةُ حقٌّ للشَّرْعِ، يَطْلُبُها الحاكِمُ وإنْ سكَتَ عنها الخَصْمُ. هذا الصَّحيحُ مِن المذهبِ. وقيل: بل هى حقٌ للخَصْمِ، فلو أقَرَّ بها، حكمَ عليه بدُونِها. وعلى الأوَّلِ، لا بُدَّ منها. ويأْتِى بأعَمَّ مِن هذا قريبًا.
قوله: ويَكْفِى فى التَّزْكِيةِ شاهِدان يَشْهَدان أنَّه عَدْلٌ رِضًا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«الفُروعِ» وغيرِه. وقيل: يُقْبَلان مع جَهْلِ الحاكمِ خِبْرَتَهما الباطِنَةَ. وقال فى «الرِّعايةِ»، وغيرِها: ولا يُتَّهَمُ بعَصَبِيَّةٍ أو غيرِها.
قولُه: يَشْهَدان أَنَّه عَدْلٌ رِضًا. وكذا لو شَهِدا أنَّه عَدْلٌ مَقْبُولُ الشَّهادَةِ. بلا نِزاعٍ. ويكْفِى قَوْلُهما (٤): عَدْلٌ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. قدَّمه فى «الفُروعِ». قال الزَّرْكَشِىُّ: ظاهِرُ كلامِ أبى محمدٍ، الجَوَازُ، وظاهِرُ كلامِ أبى البَرَكاتِ، المَنْعُ. وقال فى «التَّرْغيبِ»: هل يكْفِى قوْلُهما (١): عَدْلٌ؟ فيه
стр. 13492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَجْهان. وأَطْلَقَهما فى «الرِّعايةِ».
فوائد؛ الأُولَى، لا يكْفِى قوْلُهما: لا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا.
الثَّانيةُ، قال جماعَةٌ مِن الأصحابِ: لا يَلْزَمُ المُزَكِّىَ الحُضُورُ للتَّزْكِيَةِ. وجزَم به فى «الرَّعايةِ» [وغيرِه] (١). وقال فى «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ وَجْةٌ.
الثَّالثةُ، لا تجوزُ التَّزْكِيَةُ إلَّا لمَنْ له خِبْرَةٌ باطِنَةٌ. قطَع به الأصحابُ. وزادَ فى «التَّرْغيبِ»، ومَعْرِفَةُ الجَرْحِ والتَّعْديلِ.
الرَّابعةُ، هل تَعْدِيلُ المَشْهُودِ عليه وحدَه تعْديلٌ فى حقِّه، وتَصْديقُ الشُّهودِ تعْديلٌ؟ وهل تصِحُّ التَّزْكِيَةُ فى واقِعَةٍ واحدَةٍ؟ فيه وَجْهان. وأَطْلَقهما فى «الفُروعِ»، [و «الرِّعايةِ»] (٣). قال الإمامُ أحمدُ، ﵀: لا يُعْجِبُنِى أنْ يُعَدَّلَ؛ إنَّ النَّاسَ يتَغَيَّرُون. وقال: قيلَ لشُرَيْحٍ: قد أحْدَثْتَ فى قَضائِكَ؟ فقال: إنَّهم أحْدَثُوا، فأَحْدَثْنا. قال فى «الرِّعايةِ الكُبْري»: وإنْ أقَرَّ الخَصْمُ بالعَدالَةِ،
стр. 13493
وَإنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ وَجَرَحَهُ اثْنَانِ، فَالجَرْحُ أوْلَى.
ــ
فقال: هما عَدْلان فيما شَهِدَا به علىَّ. أو: صادِقان. حَكَمَ عليه بلا تَزْكِيَةٍ.
وقيل: لا. وقال: هل تصْديقُ الشُّهودِ تَعْديلٌ لهم؟ فيه وَجْهان. وقال فى «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»: والتَّزْكِيَةُ حقٌّ للهِ، فتُطْلَبُ وإنْ سكَتَ الخَصْمُ، فإنْ أقَرَّ بالعَدالَةِ، حَكَمَ عليه. وقيل: لا يحكُمُ. وأَطْلَقَ المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ- فيما إذا عدَّلَ المَشْهودُ عليه الشَّاهِدَ- الوَجْهَيْن-. وأَطْلَقَ فى «الرِّعايةِ» - فى صِحَّةِ التَّزْكِيَةِ فى واقِعَةٍ واحدَةٍ - الوَجْهَيْن، وقال: وقيل: إنْ تَبَعَّضَتْ، جازَ، وإلَّا فلا تَزْكِيَةَ.
تنييه: قولُه: وإنْ عَدَّلَه اثْنان، وجَرَحَه اثْنان، فالجَرْحُ أَوْلَى. بلا نِزاعٍ.
وإذا قُلْنا: يُقْبَلُ جَرْحُ واحدٍ. فجَرَحَه واحدٌ، وزَكَّاه اثْنان، فالتَّزْكِيَةُ أوْلَى، على أصحِّ الوَجْهَيْن. قالَه فى «الفُروعِ». وجزَم به فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «المُنَوِّرِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ»، وغيرِهم. وقيلَ: الجَرْحُ
стр. 13494
وَإنْ سَأَلَ المُدَّعِى حَبْسَ المَشْهُودِ عَلَيْهِ حَتَّى يُزَكِّىَ شُهُودَهُ، فَهَلْ يُحْبَس؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
أَوْلَى. وهو أوْلَى. وقال الزَّرْكَشِىُّ: ولو عدَّلَه ثَلاَثَةٌ، وجَرَحَه اثْنان، وبَيَّنا السَّبَبَ، [فالجَرْحُ أَوْلَى، وإنْ لم يُبَيِّنا السَّبَبَ] (١)، فالتَّعْدِيلُ أَوْلَى.
قوله: وإنْ سأَلَ المُدَّعِى حَبْسَ المشْهُودِ عليه حَتَّى يُزَكِّىَ شُهُودَه، فهل يُحْبَسُ؟ على وَجْهَيْن. وأَطْلَقَهما فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»؛ أحدُهما، يُجابُ ويُحْبَسُ. وهو المذهبُ. صحَّحه. فى «التَّصْحيحِ». وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِير»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. قال فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»: احْتَمَلَ أنْ يَحْبِسَه. واقْتَصَرَا عليه. قال فى «الخُلاصةِ»: وفى حَبْسِه احْتِمالٌ. واقْتَصَرَ عليه. والوَجْهُ الثَّانى، لا يُحْبَسُ. وقيلَ: لا يُحْبَسُ إلَّا فى المالِ. ذكرَه فى «الرِّعايةِ».
فائدتان؛ إحْداهما، مُدَّةُ حَبْسِه ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. جزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه، وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»،
стр. 13495
وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَسَأَلَ حَبْسَهُ حَتَّى يُقِيمَ الآخَرَ، حَبَسَهُ إِنْ كَانَ فِى المَالِ، وَإنْ كَانَ فِى غَيْرِهِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
و «الفُروعِ»، وغيرِهم. وقيل: يُحْبَسُ إلى أنْ يُزَكِّىَ شُهودَه. وقدَّمه فى «الرِّعايةِ». وقيلَ: القَوْلُ بإطْلاقِ ذلك ظاهِرُ الفَسادِ. وهو كما قالَ. وقطَع (١) جماعَةٌ مِن الأصحابِ؛ منهم، المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، بأَنَّه يُحالُ فى قِنٍّ أو امْرَأَةٍ، ادَّعَى عِتْقًا، أو طَلاقًا بينَهما بشاهِدَيْن. وفيه بواحِدٍ فى قِنٍّ وَجْهان.
الثَّانيةُ، مِثْلُ ذلك فى الحُكْمِ، لو سأَلَ كَفِيلًا به، أو تَعْدِيلَ عَيْنٍ مُدَّعاةٍ قبلَ التَّزْكِيَةِ. قالَه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»،
و «الفُروعَ»، وغيرِهم.
قوله: وإِنْ أَقَامَ شاهِدًا وسَأَلَ حَبْسَه حتى يُقِيمَ الآخَرَ، حَبَسَه إنْ كانَ فِى
стр. 13496
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمالِ. وهو المذهبُ. جزَم به فى «الوَجيزِ»، و «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصةِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. وقيل: لا يُحْبَسُ.
قوله: وإنْ كانَ فى غَيْرِه، فعلى وَجْهَيْن. وأطْلَقَهما فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «شَرْحِ ابنِ
مُنَجَّي»؛ أحدُهما، لا يُحْبَسُ. وهو المذهبُ. وقدَّمه فى «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ». وصحَّحه فى «التَّصْحيحِ». والوَجْهُ الثَّاني، يُحْبَسُ. وهو ظاهرُ ما جزَم به فى «الوَجيزِ». وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»،
стр. 13497
وَإِنْ حَاكَمَ إلَيْهِ مَنْ لَا يَعْرِفُ لِسَانَهُ، تَرْجَمَ لَهُ مَنْ يَعْرِفُ لِسَانَهُ.
ــ
و «الحاوِى»، و «النَّظْمَ».
стр. 13498
وَلَا يَقْبَلُ فِى التَّرْجَمَةِ، وَالجَرْحِ، وَالتَّعْدِيلِ، وَالتَّعْرِيفِ، وَالرِّسَالَةِ، إِلَّا قَوْلَ عَدْلَيْنِ. وعنه، يَقْبَلُ قَوْلَ وَاحِدٍ.
ــ
قوله: ولا يَقْبَلُ فى التَّرْجَمَةِ، والْجَرْحِ، والتَّعْدِيلِ، والتَّعْرِيفِ، والرِّسالَةِ، إلَّا قَوْلَ عَدْلَيْن. هذا المذهبُ بلا رَيْبٍ. قالَه فى «الفُروعِ» وغيرِه. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وقطَع به الْخِرَقِىُّ، وصاحِبُ «الوَجيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، وغيرُهم. وقدَّمه فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «الكافِى»، و «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوِى
стр. 13499
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرُهم مِن الأصحابِ.
وعنه، يَقْبَلُ قوْلَ واحدٍ. اخْتارَه أبو بَكْرٍ. وأَطْلَقَهما فى «الرِّعايةِ الكُبْرى».
فعلى المذهبِ، يكونُ ذلك شَهادَةً تفْتَقِرُ إلى العدَدِ والعَدالَةِ، ويُعْتَبَرُ فيها مِن الشُّروطِ ما يُعْتَبَرُ فى الشهادَةِ على الإِقْرارِ بذلك الحقِّ؛ فإنْ كانَ ممَّا يتَعَلقُ بالحُدودِ والقِصاصِ، اعْتُبِرَ فيه الحُرِّيَّةُ، ولم يَكْفِ إلَّا شاهِدان ذكَران، وإن كان مالًا، كَفَى فيه رجُلٌ وامْرَأَتان، ولم تُعْتَبَرِ الحُرِّيَّةُ، وإنْ كان فى حدِّ زِنى، فالأَصَحُّ
стр. 13500
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أرْبَعَةٌ. وقيلَ: يكْفِى اثْنان؛ بِناءً (١) على الرِّوايتَيْن فى الشَّهادَةِ على الإقْرارِ بالزِّنَى على ما تقدَّمَ. ويعْتَبَرُ فيه لَفْظُ الشهادَةِ. وعلى الرِّوايةِ الثَّانيةِ، يصِحُّ بدُونِ لَفْظِ الشَّهادَةِ، ولو كانَ امْرَأَةً، أو والِدًا، أو وَلَدًا، أو أعْمَى لمَن خَبَرُه بعدَ عَماه.
ويُقْبَلُ مِن العَبْدِ أيضًا. ويُكْتَفَى بالرُّقْعَةِ مع الرَّسُولِ، ولا بُدَّ مِن عَدالَتِه. وعلى المذهبِ، تجِبُ المُشافَهَةُ. قال القاضى: تَعْدِيلُ المَرْأةِ، هل هو مَقْبولٌ؛ مَبْنيٌّ على أصْلٍ؛ وهو، هل الجَرْحُ والتَّعْديلُ شَهادَةٌ أو خَبَرٌ؟ على قَوْلَيْن؛ فإنْ قُلْنا: هو خَبَرٌ. قُبِلَ تعْدِيلُهُنَّ. وإنْ قُلْنا بقَوْلِ الْخِرَقِىِّ، وأَنَّه شَهادَةٌ، فهل يُقْبَلُ تعْدِيلُهُنَّ؟ مَبْنِىٍّ على أصْلٍ آخَرَ؛ وهو، هل تُقْبَلُ شَهادَتُهُنَّ فيما لا يُقْصَدُ به المالُ ويَطَّلِعُ عليه
стр. 13501
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرِّجالُ، كالنِّكاحِ؟ وفيه رِوايَتان؛ إحْداهما، تُقْبَلُ، فيُقْبَلُ تَعْدِيلُهُن. والثَّانيةُ، لا تُقْبَلُ. وهذا الصَّحيحُ، فلا يُقْبَلُ تَعْدِيلُهُنَّ. انتهى.
فوائد؛ الأُولَى، مَن رَتَّبَه الحاكِمُ يَسْأَلُ سِرًّا عن الشُّهودِ لتَزْكِيَةٍ أو جَرْحٍ، فقيلَ: تُعْتَبَرُ شروطُ الشَّهادَةِ فيهم. قدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرحِ»، فَقالا: ويُقْبَلُ قولُ أصحابِ (١) المَسائلِ. قال فى «الكافِي»: ويجِبُ أن يكونُوا عُدُولًا، ولا يَسْأَلُوا عَدُوًّا ولا صَدِيقًا. وهذا ظاهِرُ ما جزَم به في «المُسْتَوْعِبِ».
стр. 13502
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقيل: تُشْتَرَطُ شُروطُ الشَّهادةِ فى المَسْئُولين، لا فى مَن رَتَّبَهم الحاكمُ. وأَطْلَقَهما فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «الفروعِ» و «الزَّرْكَشِىِّ». وقال فى «التَّرْغيبِ»: وعلى قَوْلِنا: التَّزْكِيَةُ ليستْ شَهادَةً. لا يُعْتَبَرُ لَفْظُ الشّهادَةِ والعدَدُ [فى الجميعِ] (١).
الثَّانيةُ، مَن سأَلَه حاكمٌ عن تَزْكِيَةِ مَن شَهِدَ عندَه، أَخبَرَه، وإلَّا لم يجِبْ.
الثَّالثةُ، مَن نُصِبَ للحُكْمِ بجَرْحٍ وتَعْديلٍ، وسَماعِ بَيِّنةٍ، قَنِعَ الحاكمُ بقَوْلِه وحدَه، إذا قامَتِ البَيِّنَةُ عندَه.
الرَّابعةُ، قال فى «المُطْلِعِ»: المُرادُ بالتَّعْريفِ تَعْريفُ الحاكمِ، لا تَعْريفُ الشَّاهدِ المَشْهُودَ عليه. قال أحمدُ: لا يجوزُ أنْ يقولَ الرَّجُلُ للرَّجُلِ: أَنا أَشْهَدُ أنَّ هذه فُلانَةُ. ويَشْهَدَ على شَهادَتِه. قال: والفَرْقُ بينَ الشُّهودِ والحاكمِ مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّ [الحاجَةَ للحاكِمِ] (٢) أكثرُ مِن الشُّهودِ. والثَّانى، أنَّ الحاكِمَ يحْكُمُ (٣) بغَلَبَةِ الظَّنِّ، والشَّاهِدَ لا يجوزُ له أنْ يشْهَدَ غالِبًا إلَّا على العِلْمِ. انتهى. وقال فى «الفُروعِ»، فى كتابِ الشَّهاداتِ: ومَن جَهِلَ رَجُلًا حاضِرًا، شَهِدَ فى حَضْرَتِه لمَعْرِفَةِ عَيْنِه، وإنْ كان غائِبًا، فَعَرَّفَه به مَن يَسْكُنُ إليه- وعنه (٤)، اثْنانِ. وعنه، جماعَةٌ - شَهِدَ، وإلَّا فلا. وعنه، المَنْعُ. وحَمَلَها القاضى على الاسْتِحْبابِ. والمَرْأَة كالرَّجُلِ. وعنه، إنْ عرَفَها كما يعْرِفُ نفْسَه.
وعنه، أو نظَرَ إليها، شَهِدَ، وإلَّا فلا. ونقَل حَنْبَلٌ، يَشْهَدُ بإذْنِ زَوْجٍ. وعلَّلَه
стр. 13503
وَمَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ مَرَّةً، فَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَي تَجْدِيدِ البَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِ مَرَّةً أُخْرَى؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
بأنَّه أمْلَكُ بعِصْمَتِها. وقطَع به في «المُبْهِجِ»؛ للخَبَرِ. وعلَّله بَعْضُهم بأنَّ النَّظَرَ حقُّه. قال فى «الفُروعِ»: وهو سَهْوٌ. ويأْتِى ذلك أيضًا فى كتابِ الشَّهاداتِ.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، ﵀: التَّعْريفُ يتَضَمَّنُ تَعْريفَ عَيْنِ المَشْهودِ عليه، والمَشْهودِ له، والمَشْهودِ به، إذا وَقَعَتْ على الأسْماءِ، وتعْرِيفَ المَحْكُومِ له والمَحْكُومِ عليه، والمَحْكُومِ به، وتَعْرِيفَ المُثْبَتِ عليه، والمُثْبَتِ له، ونفْسِ المُثْبَتِ فى كتابِ القاضِى إلى القاضِى، والتَّعْريفُ مثْلُ التَّرْجَمَةِ سواءً، فإنَّه بَيانُ مُسَمَّى هذا الاسْمِ، كما أنَّ التَّرْجَمَةَ كذلك؛ لأنَّ التَّعْرِيفَ قد يكونُ فى أسْماءِ الأَعْلامِ، والتَّرْجَمَةَ فى أسْماءِ الأجْناسِ. وهذا التَّفْسِيرُ لا يَختَصُّ بشَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ. انتهى. ذكرَه فى «شَرْحِ المُحَرَّرِ» عندَ قوْلِه: ولا يُقْبَلُ فى التَّرْجَمَةِ وغيرِها إلَّا عَدْلان.
قوله: ومَن ثَبَتَتْ عَدالَتُه مَرةً، فهل يَحْتاجُ الى تَجْدِيدِ البَحْثِ عَن عَدالَتِه مَرةً أُخْرَى؟ على وجْهَيْن. يعْنِى، مع تَطاوُلِ المُدَدِ. وهما رِوايَتان. قال فى
стр. 13504
فَصْلٌ: وَإِنِ ادَّعَى عَلَى غائِبٍ، أَوْ مُسْتَتِرٍ فِى البَلَدِ، أَوْ مَيِّتٍ، أوْ صَبِىٍّ، [٣٣٢ ظ] أَوْ مَجْنُونٍ، وَلَهُ بَيِّنَةٌ، سَمِعَهَا الْحَاكِمُ وَحَكَمَ
بِهَا.
ــ
«الرِّعايةِ»: فيه وَجْهان. وقيل: رِوايَتان. وأَطْلَقَهما فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الرِّعايةِ الكُبْري»؛ أحدُهما،
يُحْتاجُ إلى تجْديدِ البَحْثِ عن عَدالَتِه مع تَطاوُلِ المُدَدِ، ويجِبُ. وهو المذهبُ.
قال في «المُحَرَّرِ»: وهو المَنْصوصُ. قال فى «الفُروعِ»: لَزِمَ البَحْثُ عنها، على الأصحِّ، مع طُولِ المُدَّةِ. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ». والوَجْهُ الثَّاني، لا يجِبُ، بل يُسْتَحَبُّ. صحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ». وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايةِ الصُّغرى»، [و «الحاوِى الصَّغِيرِ»] (١).
قوله: وإِنِ ادَّعَى على غائبٍ، أو مُسْتَتِر فى البَلَدِ، أو مَيِّتٍ، أو صَبِيٍّ، أو مَجْنُونٍ، وله بَيِّنَةٌ، سَمِعَها الْحاكِمُ وحَكَمَ بها وهو المذهبُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وليس تقَدُّمُ الإِنْكارِ هُنا شَرْطًا، ولو فُرِضَ إقْرارُه، فهو تَقْوِيةٌ (٢)؛ لثُبوتِه بالبَيِّنةِ. قال في «التَّرْغيبِ» وغيرِه: لا تفْتَقِرُ البَيِّنَةُ إلى جُحُودٍ؛ إذِ الغَيْبَةُ كالسُّكُوتِ، والبَيِّنَةُ تُسْمَعُ على ساكتٍ. وكذا جعَل فى «عُيونِ المَسائلِ»
стр. 13505
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وغيرِها هذه المَسْأَلةَ أصْلًا على الخَصْمِ. وعنه، لا يحْكُمُ على غائبٍ، كحَقِّ اللهِ تعالَى. فيَقْضِى فى السَّرقَةِ بالغُرْمِ فقطْ. اخْتارَه ابنُ أبى مُوسى. قالَه (١) فى «الكافِى». وعنه، يحكُمُ على الغائبِ تَبَعًا، كشَرِيكٍ حاضِرٍ.
стр. 13506
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيهات؛ الأَوَّلُ، ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه، أنَّه إذا حكمَ له، أنَّه يُعْطَى العَيْنَ المُدَّعَاةَ مُطْلَقًا. وهو ظاهرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، ﵀. وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ». قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا أَشْهَرُ الوَجْهَيْن. وقيل: يُعْطَى بكَفِيلٍ. وما هو ببعيدٍ. وأَطْلَقَهما في «الحاوِى»، و «الرِّعايتَيْن».
الثَّانى، مُرادُه بالمُسْتَتِرِ هنا، المُمْتَنِعُ مِن الحُضورِ، على ما يأْتِي بعدَ ذلك قريبًا.
стр. 13507
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثَّالثُ، الغَيْبَةُ هنا، مَسافَةُ القَصْرِ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وقيل: ومَسِيرَةُ يومٍ أيضًا. وقيل: أو فوقَ نِصْفِ يومٍ. قالَه فى «الرِّعايةِ الكُبْري».
الرَّابعُ، ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، صِحَّةُ الدَّعْوى على الغائبِ فى جميعِ الحُقوقِ. وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، وأبى الخَطَّابِ، والمَجدِ، وغيرِهم.
وقال ابنُ البَنَّا، والمُصَنِّفُ، وابنُ حَمْدانَ، وغيرُهم: إنَّما يُقْضَى على الغائبِ فى
стр. 13508
وَهَلْ يَحْلِفُ المُدَّعِى أَنَّهُ لَمْ يَبْرَأْ إِلَيْهِ مِنْهُ، وَلَا مِنْ شَىْءٍ مِنْهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
حُقوقِ الآدَمِيِّينَ، لا فى حُقوقِ اللهِ، كالزِّنَى والسَّرِقَةِ. نَعَمْ، فى السَّرِقَةِ يُقْضَى بالمالِ فقطْ، وفى حدِّ القذْفِ وَجْهان؛ بِناءً على أنَّه حَقٍّ للهِ، أو لآدَمِىٍّ، على ما تقدَّم فى أوَّلِ بابِ القَذْفِ.
قوله: وهل يَحْلِفُ المُدَّعِى أَنَّه لم يَبْرَأْ إليه منه، ولا مِن شَىْءٍ منه؟ على رِوايتَيْن. وأَطْلَقهما فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»،
стр. 13509
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الهادِى»، وغيرِهم؛ إحْداهما، لا يَحْلِفُ. وهو المذهبُ. وعليه أكثرُ الأصحابِ. قال فى «الفُروعِ»: اخْتارَه الأكثرُ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: لم يُسْتَحْلَفْ فى أشْهَرِ الرِّوايتَيْن. وقالَا: هى ظاهِرُ المذهبِ. وصحَّحه فى «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ». وجزَم به ناظِمُ «المُفْرَداتِ»، وهو منها. وقدَّمه فى «الكافِى»، و «الفُروعِ»، و «خِلافِ أبى الخَطَّابِ»، [ونَصَرَه] (١). قال الزَّرْكَشِىُّ: هى اخْتِيارُ أبى الخَطَّابِ، والشَّرِيفِ، والشِّيرَازِىِّ، وغيرِهم. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يسْتَحْلِفُه على بَقاءِ حقِّه. قال فى «الخُلاصةِ»: حَلَف مع بَيِّنَتِه، على الأصحِّ.
قال فى «الرِّعايتَيْن»: وحلَفَ معها، على الأصحِّ، على بَقاءِ حقِّه. وجزَم به فى
стр. 13510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ». وهو ظاهرُ كلامِه فى «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ، فى «تَذْكِرَتِه»، وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ».
ومالَ إليه المُصَنفُ. ذكَرَه عنه الشَّارِحُ فى بابِ الدَّعاوَى، عندَ قولِه: وإنْ كانَ لأحَدِهما بَيِّنَةٌ، حكمَ له بها. فعلى الرِّوايةِ الثَّانيةِ، لا يَتَعَرَّضُ فى يَمِينِه لصِدْقِ البَيِّنةِ، على الصَّحيحِ [مِن المذهبِ] (١). وهو ظاهرُ كلامِ أكثرِ الأصحابِ.
وقدَّمه فى «الفُروعِ». وقال فى «التَّرْغيبِ»: لا يَتَعَرَّضُ فى يَمِينِه؛ لصِدْقِ البَيِّنَةِ إنْ كانتْ كامِلَةً، ويجبُ تعَرُّضُه إذا أقامَ شاهِدًا وحَلَفَ معه.
فوائد؛ الأُولَى، لا يَمِينَ مع بَيِّنَةٍ كامِلَةٍ - كمُقِرٍّ له- إلَّا هنا. وعنه، بلَى، فعلَه علىُّ بنُ أبى طالِبٍ، رَضِىَ اللهُ عنه. وعنه-، يَحْلِفُ مع رِيبَةٍ فى البَيِّنَةِ. وتقدَّم فى بابِ الحَجْرِ أنَّه إذا شَهِدَتْ بَيِّنَة بنَفادِ مالِه، أنَّه يَحْلِفُ معها. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وإذا شَهِدَتْ بإعْسارِه، أنَّه لا يَحْلِفُ معها. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. ولَنا وَجْهٌ، أنَّه يَحْلِفُ معها أيضًا.
الثَّانيةُ، قال فى «المُحَرَّرِ»: ويخْتَصُّ اليَمِينُ بالمُدَّعَى عليه دُونَ المُدَّعِى، إلَّا فى القَسامَةِ ودَعاوَى الأُمَناءِ المَقْبولَةِ، وحيثُ يُحْكَمُ باليمينِ مع الشَّاهِدِ، أوِ نقولُ برَدِّها. وقالَه فى «الرِّعايةِ»، وغيرِه، وقالَه كثيرٌ مِن الأصحابِ، مُفرَّقًا فى أَماكِنِه. وتقدَّم بعْضُ ذلك. وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينٍ، ﵀: أمَّا دَعْوَى الأُمَناءِ المَقْبولَةُ، فغيرُ مُسْتَثْناةٍ، فيَحْلِفُون؛ وذلك لأَنَّهم أُمَناءُ لا ضَمانَ عليهم إلَّا
بتَفْرِيطٍ أو عُدْوانٍ، فإذا ادُّعِىَ عليهم ذلك فأَنْكَرُوه، فهم مُدَّعًى عليهم، واليمينُ على المُدَّعَى عليهم. انتهى. قلتُ: صرَّح المُصَنِّفُ وغيرُه فى بابِ الوَكالَةِ، أنَّه لو ادَّعَى الوَكيلُ الهَلاكَ ونَفَى التَّفْرِيطَ، قُبِلَ قولُه مع يَمِينِه. وكذا فى المُضارَبَةِ،
стр. 13511
ثُمَّ إِذَا قَدِمَ الغَائِبُ، أَوْ بَلَغَ الصَّبِىُّ، أوْ أفَاقَ المَجْنُونُ، فَهُوَ عَلَى حُجَّتِه.
ــ
والوَدِيعَةِ، وغيرِهما.
الثَّالثةُ، قولُه: ثم إذا قَدِمَ الغائبُ، أو بَلَغ الصَّبِىُّ- يعْنِى، رَشِيدًا- أوْ أفَاقَ المجْنُونُ، فهو على حُجَّتِه. وهو صحيحٌ، لكِنْ لو جرَحَ البَيِّنَةَ بأَمْرٍ بعدَ أداءِ الشَّهادَةِ أو مُطْلَقًا، لم تُقْبَلْ؛ لجَوازِ كوْنِه بعدَ الحُكْمِ، فلا يقْدَحُ فيه، وإلَّا قُبِلَ.
فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْن. وَفِي الأُخْرَى، لَا تُسْمَعُ حَتَّى يَحْضُرَ، فَإِنْ أَبَى، بَعَثَ إِلَى صَاجِبِ الشُّرَطَةِ لِيُحْضِرَهُ، فَإِن تَكَرَّرَ مِنْهُ الاسْتِتَارُ،
أَقْعَدَ عَلَى بَابِهِ مَنْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ فِى دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ حَتَّى يَحْضُرَ.
ــ
يَحْضُرَ. ولا تُسْمَعُ أيضًا الدَّعْوى. وهو المذهبُ. جزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الوَجيزِ». وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «تَجْريد العِنايةِ»، وغيرِهم. وقيل: يُسْمَعانِ، ويحْكُمُ
عليه. وأَطْلَقَهما فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصةِ»، في سَماعِ البَيِّنَةِ. ونقَل أبو طالِبٍ، يُسْمَعان، ولا يحْكُمُ عليه حتى يَحْضُرَ. قال فى «المُحَرَّرِ»: وهو الأصحُّ. واخْتارَه النَّاظِمُ. وجزَم به فى «المُنَورِ». وأَطْلَقَهُنَّ الزَّرْكَشِىُّ.
стр. 13514
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: فإنِ امْتَنَعَ مِن الْحُضُورِ، سُمِعَتِ الْبَيِّنَةُ وحُكِمَ بها، فى إِحْدَى الرِّوايتَيْن.
وهو المذهبُ. اخْتارَه أبو الخَطَّابِ، والشُّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ. وقدَّمه فى «الفُروعِ». وهو ظاهرُ ما جزَم به فى «الرَّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ».
والأُخْرى: لا تُسْمَعُ حتى يَحْضُرَ. صحَّحه في «التَّصْحيحِ». وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ». وأطْلَقَهما ابنُ مُنَجُّى فى «شَرْحِه». فعلى الرِّوايةِ الثَّانيةِ، إنْ أَبَى مِن الحُضورِ، بعَثَ إلى صاحبِ الشُّرَطَةِ ليُحْضِرَه، فإنْ تكَرَّرَ منه الاسْتِتارُ، أقْعَدَ على بابِه مَن يُضَيِّقُ عليه فى دُخولِه وخُروجِه حتى يَحْضُرَ. كما قال المُصَنِّفُ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، وغيرُهما، وليسَ له دُخولُ بَيْتِه. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. قدُّمه في «الفُروعِ». وقال فى «التَّبصِرَةِ»: إنْ صحَّ
стр. 13515
وَإِنَ ادَّعَى أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ عَنْهُ وَعَنْ أَخٍ لَهُ غَائِبٍ، وَلَهُ مَالٌ فِى يَدِ
ــ
عندَ الحاكمِ أنَّه فى مَنْزِلِه، أَمَرَ بالهُجومِ عليه وإخْراجِه. فعلى الأوَّلِ، إنْ أصَرَّ على الاسْتِتارِ، حكَمَ عليه. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. نصَّ عليه. قال فى «المُحَرَّرِ»: فإنْ أصَرَّ على التَّغَيُّبِ، سُمِعَتِ البَيِّنَةُ، وحَكَم بها عليه، قوْلًا واحدًا. وقالَه غيرُه مِن الأصحابِ. وقدَّمه فى «الفُروعِ». وهو مُرادُ المُصَنِّفِ بقَوْلِه قبلَ ذلك بيَسِيرٍ: وإنِ ادَّعى على مُسْتَتِرٍ وله بَيِّنَةٌ، سَمِعَها الحاكِمُ، وحَكَمَ بها. قال فى «الفُروعِ»: ونصُّه: يَحْكُمُ عليه بعدَ ثَلَاَثةِ أيَّامٍ. وجزَم به فى «التَّرْغيبِ» وغيرِه. وظاهِرُ نَقْلِ الأَثْرَمِ، يحْكُمُ عليه إذا خرَجَ. قال: لأنَّه صارَ فى حُرْمَةٍ، كمَنْ لَجَأَ إلى الحَرَمِ. انتهى. وحكَى الزَّرْكَشِىُّ كلامَه فى «المُحَرَّرِ»، وقال: وفى «المُقْنِعِ» إذا امْتَنَعَ مِن الحُضورِ، هل تُسْمَعُ البَيِّنَةُ، ويحْكُمُ بها عليه؟ على رِوايتَيْن. مع أنَّه قطَع بجَوازِ الحُكْمِ على الغائبِ، وفيه نظَرٌ؛ فكَلامُه مُخالِفٌ لكَلامِ أبى البَرَكاتِ. فعلى المذهبِ، إنْ وَجدَ له مالًا، وَفَّاه الحاكِمُ منه، وإلَّا قال للمُدَّعِى: إنْ عرَفْتَ له مالًا، وثَبَتَ عنْدِى، وَفَّيْتُكَ منه.
قوله: وَإِنِ ادَّعَى أَنَّ أَباه ماتَ عنه وعَن أَخٍ له غائبٍ، وله مالٌ فى يَدِ فُلانٍ، أو