← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19228

الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف - ت التركي

المرداوي

Полный текст (14 346 стр.). Показаны 14281–14320 · переход к 14286.

стр. 14281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العَطْفِ، أو قال: له درْهَمٌ (١) درْهَمٌ درْهَمٌ. ونوَى بالثَّالثِ تأْكِيدَ الثَّانى. وقيل: أو أَطْلقَ بلا عَطْفٍ، فقيلَ: يُقْبَلُ منه ذلك، فيَلْزَمُه دِرْهَمان. قال فى «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»: ولو قال: دِرْهَمٌ ودرهمٌ ودرهمٌ. وأرادَ بالثَّالثِ تَكْرارَ الثَّانى وتوْكِيدَه، قُبِلَ، وإنْ أرادَ تَكْرارَ الأَوَّلِ، لم يُقْبَلْ؛ لدُخولِ الفاصِلِ (٢). وقال فى «القَواعِدِ الأُصُوليَّةِ»: إذا قال: له علىَّ دِرْهَمٌ ودِرْهَمٌ ودِرْهَمٌ. وأرادَ بالثَّالثِ تأْكيدَ الثَّانى، فهل يُقْبَلُ منه ذلك؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يُقْبَلُ. قالَه القاضى فى «الجامعِ الكَبِيرِ»، وفرَّق بينَه وبينَ الطَّلاقِ. والثَّانى، بُقْبَلُ. قالَه فى «التَّلْخيصِ». انتهى. وقيل: لا يُقْبَلُ منه ذلك، فيَلْزَمُه ثلاثةٌ. وقدَّمه فى «الكافِى»، وابنُ رَزِينٍ فى «شَرْحِه». وأَطْلَقَهما فى «الفُروعِ». قال فى «الرِّعايَةِ»: يَلْزَمُه ثلَاثَةٌ (٣) فى المَسْألَةِ الثَّانيةِ والثَّالثَةِ. ثم قال: فإنْ أرادَ بالثَّالثِ تَكْرارَ الثَّانى وتوْكِيدَه، صُدِّقَ ووَجَبَ اثْنان. ورجَّح المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى»، أنَّه لا يُقْبَلُ لو نوَى فدِرْهَمٌ لازِمٌ لى. وكذا فى الثَّانيةِ. ورجَّحه فى «الكافِى» (٤) فى الثَّانيةِ. وإنْ غايَرَ حُروفَ العَطْفِ، ونوَى بالثَّالثِ تأْكِيدَ الأَوَّلِ، لم يُقْبَلْ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ للمُغايَرَةِ وللفاصِلِ (٥). وأطْلَقَ

стр. 14282

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ هَذَا الدِّرْهَمُ، بَلْ هَذَانِ الدِّرْهَمَانِ. لَزِمَتْهُ الثَّلَاثَةُ. وَإِنْ قَالَ: قَفِيزُ حِنْطَةٍ، بَل قَفِيزُ شَعِيرٍ. أَوْ: دِرْهَمٌ، بَلْ دِينَارٌ. لَزِمَاهُ مَعًا. ــ الأَزَجِىُّ احْتِمالَيْن. قال (١): ويَحْتَمِلُ الفَرْقَ بينَ الطَّلاقِ والإِقْرارِ، فإنَّ الإِقْرارَ إخْبارٌ، والطَّلاقَ إنْشاءٌ. قال: والمذهبُ أنَّهما سواءٌ، إنْ صحَّ صحَّ فى الكُلِّ، وإلَّا فلا. وذكرَ قوْلًا فى: دِرْهَمٌ فقَفِيزُ بُرٍّ. أنَّه يَلْزَمُ الدِّرْهَمُ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ: قَفِيزُ بُرٍّ خيرٌ منه. قال فى «الفُروعِ»: كذا قال. فيَتَوَجَّهُ مِثْلُه فى الواوِ وغيرِها. قوله: وإنْ قالَ: قَفِيزُ حِنْطَةٍ، بلْ قَفِيزُ شَعِيرٍ. أو: دِرْهَمٌ، بل دينارٌ. لَزِماه مَعًا. هذا المذهبُ. اخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه». قال فى «النُّكَتِ»: قطَع به أكثرُ الأصحابِ. وجزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِى»، و «الهادِى»، و «التَّلْخيصِ»،

стр. 14283

وَإِنْ قَالَ: دِرْهَمٌ فِى دِينَارٍ. لَزِمَهُ دِرْهَمٌ. وَإِنْ قَالَ: دِرْهَمٌ فِى عَشَرَةٍ. لَزِمَهُ دِرْهَمٌ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الْحِسَابَ، فَتَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ. ــ و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوِى الصَّغيرِ»، و «الوَجِيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبَ الأدَمِىِّ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الفُروعِ». وقيل: يَلْزَمُه الشَّعِيرُ والدِّينارُ فقطْ. قال فى «النُّكَتِ»: ومُقْتَضَى كلامِ الشَّيْخِ تَقِىِّ الدِّينِ، ﵀، قَبُولُ قوْلِه فى الإِضْرابِ مع الاتِّصالِ فقط. ثم قال: فقد ظَهَرَ مِن هذا وممَّا قبلَه، هل يُقالُ: لا يُقْبَلُ الإِضْرابُ مُطْلَقًا -وهو المذهبُ- أو: يُقْبَلُ مُطْلَقًا؟ أو: يُقْبَلُ مع الاتِّصالِ فقطْ؟ أو: يُقْبَلُ مع الاتِّصالِ إضْرابُه عنِ البَعْضِ؟ فيه أقْوالٌ، وقولٌ خامِسٌ وهو ما حَكاه فى «المُسْتَوْعِبِ»، يُقْبَلُ مع تَغايُرِ الجِنْسِ، لا مع اتِّحادِه؛ لأَنَّ انْتِقالَه إلى جِنْسٍ آخَرَ قرِينَةٌ فى صدْقِه. انتهى. قوله: وإنْ قال: درْهَمٌ فى دينارٍ. لَزِمَه درْهَمٌ. بلا نِزاعٍ. لكِنْ إنْ فسَّره بالسَّلَمِ. فصدَّقه، بَطَلَ إنْ تفَرَّقَا عنِ المَجْلِسِ. وإنْ قال: دِرْهَمٌ رَهَنْتُ به

стр. 14284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الدِّينارَ عندَه. ففيه الخِلافُ المُتَقَدِّمُ. فائدة: مِثْلُ ذلك فى الحُكْمِ لو قال: دِرْهَمٌ فى ثَوْبٍ. وفسَّره بالسَّلَمِ، فإنْ قال: فى ثَوْبٍ اشْتَرَيْتُه منه إلى سنَةٍ. فصدَّقه، بَطَلَ إقْرارُه. وإنْ كذَّبَه المُقَرُّ له، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه. وكذا الدِّرْهَمُ. وإنْ قال: ثَوْبٌ قَبَضْتُه فى دِرْهَمٍ إلى شَهْرٍ. فالثَّوْبُ مالُ السَّلَمِ أقَرَّ بقَبْضِه، فيَلْزَمُه الدِّرْهَمُ. قوله: وإنْ قالَ: دِرْهَمٌ فى عَشَرَةٍ. لَزِمَه دِرْهَمٌ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ الحِسابَ، فتَلْزَمُه عَشَرَةٌ. أو يريدَ الجمعَ، فيَلْزَمُه (١) أحَدَ عَشَرَ. وقال فى «الفُروعِ» بعدَ قوْلِه:

стр. 14285

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِى تَمْرٌ فِى جِرَابٍ. أَوْ: سِكِّينٌ فِى قِرَابٍ. أَوْ: ثَوْبٌ فِى مِنْدِيلٍ. أَوْ: عَبْدٌ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ. أَوْ: دَابَّةٌ عَلَيْهَا سَرْجٌ. فَهَلْ يَكُونُ مُقِرًّا بِالظَّرْفِ وَالعِمَامَةِ وَالسَّرْجِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنَ. ــ دِرْهَمٌ فى دِينارٍ: وكذا دِرْهَمٌ فى عَشَرَةٍ، فإنْ خالفَه عُرْفٌ، ففى لُزومِه مُقْتَضَاه (١) وَجْهان، ويعْمَلُ بنِيَّةِ حِسابٍ، ويتَوَجَّهُ فى جاهِلٍ الوَجْهان، وبنِيَّةِ جَمْعٍ، ومِن حاسِبٍ، وفيه احْتِمالان. انتهى. وصحَّح ابنُ أبى المَجْدِ لُزومَ مُقْتَضَى العُرْفِ أو الحِسابِ، إذا كانَ عارِفًا به. قوله: وإنْ قالَ: له عنْدِى تَمْرٌ فى جِرابٍ. أو: سِكِّينٌ فى قِرابٍ. أو: ثَوْبٌ فى مِنْدِيلٍ. أو: عَبْدٌ عليه عِمامَةٌ. أو: دابَّةٌ عليها سَرْجٌ. فهل يَكُونُ مُقِرًّا بالظَّرْفِ

стр. 14286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والعِمامَةِ والسَّرْجِ؟ على وَجْهَيْن. وكذا قولُه: رَأْسٌ [وأكارِعُ] (١) فى شَاةٍ. أو: نَوًى فى تَمْرٍ. ذكَرَه فى «القَواعِدِ». وأطْلَقَ الخِلافَ فى ذلك فى «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. قال فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»: وإنْ قال: له عندِى تَمْرٌ فى جِرابٍ. أو: سَيْفٌ فى قِرابٍ. أو: ثَوْبٌ فى مِنْدِيلٍ. أو: زَيْتٌ فى جَرَّةٍ. أو. جِرابٌ فيه تَمْرٌ. أو: قِرابٌ فيه سَيْفٌ. أو: مِنْدِيلٌ فيها ثَوْبٌ. أو: كِيسٌ فيه دَراهِمُ. أو: جَرَّةٌ فيها زَيْتٌ. أو: عَبْدٌ عليه عِمامَةٌ. أو: دابَّةٌ عليها سَرْجٌ، أو مُسرَجَةٌ. أو: فَصٌّ فى خَاتَمٍ. فهو مُقِرٌّ بالأوَّلِ. وفى الثَّانى وَجْهان. وقيل: إنْ قدَّم المَظْروفَ، فهو مُقِرٌّ به، وإنْ أخَّرَه،

стр. 14287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فهو مُقِرٌّ بالظَّرْفِ وحدَه. قال فى «الكُبرى»: وقيل: فى الكُلِّ خِلافٌ. انتهى. أحدُهما، لا يكونُ مُقِرًّا بذلك. وهو المذهبُ. قال فى «القاعِدَةِ الخامسَةِ والعِشْرِين»: أشْهَرُهما (١)، يكونُ مُقِرًّا بالمَظْروفِ دونَ ظَرْفِه، وهو قولُ ابنِ حامدٍ، والقاضى، وأصحابِه. انتهى. وقالَه أيضًا فى «النُّكَتِ». وصحَّحه فى «التَّصْحيحِ». وجزَم به فى «الوَجِيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، وغيرِهم. والوَجْهُ الثَّانى، يكونُ مُقِرًّا به أيضًا. قال ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه»: فهو مُقِرٌّ بالأوَّلِ والثَّانى، إلَّا إنْ حَلَفَ: ما قَصَدْتُه. انتهى. وقال فى «الخُلاصَةِ»: لو قال: له عنْدِى سَيْفٌ فى قِرابٍ. لم يكُنْ إقْرارًا بالقِرابِ. وفيه احْتِمالٌ. ولو قال: سَيْفٌ بقِرابٍ. كان مُقِرًّا بهما. ومثْلُه: دابَّةٌ عليها سَرْجٌ. وقال فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»: إنْ قال: له عندِى تَمْرٌ فى جرابٍ. أو: سَيْفٌ فى قِرابٍ. أو: ثَوْبٌ فى مِنْديلٍ. فهو إقْرارٌ بالمَظْروفِ دونَ الظَّرْفِ. ذكَرَه ابنُ حامدٍ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يكونَ إقْرارًا بهما. فإنْ قال: عَبْدٌ عليه عِمامَةٌ. أو: دابَّةٌ عليها سَرْجٌ. احْتَمَلَ أَنْ لا يَلْزَمَه العِمامَةُ والسَّرْجُ، واحْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَه ذلك.

стр. 14288

فَإنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِى خَاتَمٌ فِيهِ فَصٌّ. كَانَ مُقِرًّا بِهِمَا. وَإِنْ قَالَ: فَصٌّ فِى خَاتَمٍ. احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ. ــ انتهى. واخْتارَ المُصَنِّفُ، أنَّه يكونُ مُقِرًّا بالعِمامَةِ والسَّرْجِ. قالَه فى «النُّكَتِ». ومسْأَلَةُ العِمامَةِ رأيْتُها فى «المُغْنِى». وقال فى «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: وفرَّق بعضُ المُتأخِّرين بينَ ما يتَّصِلُ بظَرْفِه عادةً أو خِلْقَةً، فيكونُ إقْرارًا به، دُونَ ما هو مُنْفَصِلٌ عنه عادَةً. قال: ويَحْتَمِلُ التَّفْريقَ بينَ أَنْ يكونَ الثَّانى تابِعًا للأوَّلِ، فيكونُ إقْرارًا به؛ كتَمْرٍ فى جِرابٍ. أو: سَيْفٍ فى قِرابٍ. وبينَ أَنْ يكونَ مَتْبُوعًا، فلا يكونُ إقْرارًا به؛ كنَوًى فى تَمْرٍ، ورَأْسٍ فى شاةٍ. انتهى. قوله: وإنْ قالَ: له عنْدِى خاتَمٌ فيه فَصٌّ. كانَ مُقِرًّا بهما. هذا المذهبُ المَقْطوعُ به عندَ جماهيرِ الأصحابِ. قال فى «الفُروعِ»: والأشْهَرُ لُزومُهما؛ لأنَّه جُزْؤُه. وجزَم به فى «الوَجِيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «الشَّرْحِ» وغيرِه. وقيل فيه الوَجْهان المُتَقَدِّمان فى التى قبلَها. قال الشَّارِحُ: ويَحْتَمِلُ أَنْ يُخَرَّجَ على الوَجْهَيْن. وحكَى فى «الكافِى»، و «الرِّعايَةِ»، وغيرِهما فيها الوَجْهَيْن. وأَطْلَقَ الطَّرِيقَتَيْن فى «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ». وقال: مِثْلُه: جِرابٌ فيه تَمْرٌ. و: قِرابٌ فيه سَيْفٌ.

стр. 14289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قوله: وإنْ قالَ: فَصٌّ فى خاتَمٍ. احْتَمَلَ وَجْهَيْن. وأَطْلَقَهما فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»؛ أحدُهما، لا يكونُ مُقِرًّا بالخاتَمِ. وهو المذهبُ. وصحَّحه فى «التَّصْحيحِ». قال فى «القَواعِدِ»: هذا المَشْهورُ. واخْتارَه ابنُ حامِدٍ، والقاضى، وأصحابُه. وقالَه فى «النُّكَتِ». وجزَم به فى «الوَجِيزِ» وغيرِه. والوَجْهُ الثَّانى، يكونُ مُقِرًّا بهما. قال ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه»: فهو مُقِرٌّ بالأوَّلِ والثَّانى، إلَّا إنْ حَلَفَ: ما قَصَدْتُه. واعلمْ أنَّ هذه المَسْألَةَ عندَ الأصحابِ -مثْلَ قولِه: له عنْدِى تَمْرٌ فى جِرابٍ. أو: سِكِّينٌ فى قِرابٍ. ونحوُهما- المَسْألَةُ الأُولَى خِلافًا ومذْهبًا.

стр. 14290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فوائد؛ منها، لو قال: له عنْدى دارٌ مفْروشةٌ. لم يَلْزَمْه الفَرشُ. على الصَّحيحَ مِنَ المذهبِ. جزَم به فى «التَّرْغيبِ»، و «الرِّعايَةِ»، و «الوَجِيزِ»، وقدَّمه فى «شَرْحِه». وقيل: يكونُ مُقِرَّا بالفَرْشِ أيضًا. وأَطْلَقهما فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ». ومنها، لو قال: له عنْدى عَبْدٌ بعِمامَةٍ، أو بعِمامَتِه. أو: دابَّةٌ بسَرْجٍ، أو بسَرْجِها (١). أو: سَيْفٌ بقِرابٍ، أو بقِرابِه. أو: دارٌ بفَرْشِها. أو: سُفْرَةٌ بطَعامِها. أو: سَرْجٌ مُفَضَّضٌ. أو: ثَوْبٌ مُطَرَّزٌ. لَزِمَه ما ذكَرَه. بلا خِلافٍ أعْلَمُه. ومنها، لو أقَرَّ بخاتَمٍ، ثم جاءَ بخاتَمٍ فيه فَصٌّ، وقال: ما أَرَدْتُ الفَصَّ. احْتَمَلَ وَجْهَيْن، أظْهَرُهما دُخولُه؛ لشُمولِ الاسْمِ. قالَه فى «التَّلْخيصِ». وقال: لو قال: له عنْدى جارِيَةٌ. فهل يدْخلُ الجَنِينُ فى الإِقْرارِ إذا كانتْ حامِلًا؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن. وأَطْلَقَهما فى «الفُروعِ»، ذكَرهما فى أوائلِ كتابِ العِتْقِ، فقال: وإنْ أقَرَّ بالأُمِّ، فاحْتِمالان فى دُخولِ الجَنِينِ. وذكَر الأَزَجِىُّ وَجْهَيْن. وأَطْلَقهما فى «الرِّعايَةِ». ومنها، لو قال: له عنْدى جَنِين فى دابَّةٍ، أو فى جارِيَةٍ. أو: له دابَّةٌ فى بَيْتٍ. لم يكُنْ مُقِرًّا بالدَّابَّةِ والجارِيَةِ والبَيْتِ. ومنها، لو قال: غَصَبْتُ منه ثَوْبًا فى مِنْديلٍ. أو: زَيْتًا فى زِقٍّ. ونحوَه، ففيه

стр. 14291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوَجْهان المُتَقَدِّمان. وأَطْلَقهما فى «الفُروعِ». قال فى «النُّكَتِ»: ومِنَ العَجَبِ حِكايَةُ بعْضِ المُتأخِّرين أنَّهما يَلْزَمانِه، وأنَّه مَحَلُّ وِفاقٍ. واخْتارَ الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، ﵀، التَّفْرِقَةَ بينَ المَسْألَتَيْن؛ فإنَّه قال: فَرْقٌ بينَ أَنْ يقولَ: غَصَبْتُه. أو: أخَذْتُ منه ثَوْبًا فى مِنْديلٍ. وبينَ أَنْ يقولَ: له عنْدى ثَوْبٌ فى مِنْديلٍ. فإنَّ الأوَّلَ يقْتَضِى أَنْ يكونَ مَوْصُوفًا بكَوْنِه فى المِنْديلِ وَقْتَ الأَخْذِ، وهذا لا يكونُ إلَّا وكِلاهُما مغْصوبٌ، بخِلافِ قولِه: له عنْدِى. فإنَّه يقْتَضِى أَنْ يكونَ فيه وَقْتَ الإِقْرارِ، وهذا لا يُوجِبُ كوْنَه له. انتهى. ومنها، لو أقَرَّ له بنَخْلَةٍ، لم يكُنْ مُقِرًّا بأرْضِها، وليسَ لرَبِّ الأَرْضِ قَلْعُها، وثَمَرَتُها للمُقَرِّ له. وفى «الانْتِصارِ» احْتِمالُ أنَّها كالبَيْعِ. يعْنِى، إنْ كانَ لها ثَمَرٌ بادٍ، فهو للمُقِرِّ دُونَ المُقَرِّ له. قال الإِمامُ أحمدُ، ﵀، فى مَن أقَرَّ بها: هى له بأصْلِها. قال فى «الانْتِصارِ»: فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أرْضَها، ويَحْتَمِلُ لا. وعلى الوَجْهَيْن يُخَرَّج، هل له إعادَةُ غيرِها، أمْ لا؟ والوَجْهُ الثَّانى اخْتارَه أبو إسْحَاقَ. قال أَبُو الوَفاءِ: والبَيْعُ مِثْلُه. قال فى «الفُروعِ»: كذا قال. يعْنِى، عن صاحبِ «الانْتِصارِ»؛ لذِكْرِه أنَّ كلامَ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ تعالَى، يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن. قال: ورِوايَةُ مُهَنَّا هى له بأصْلِها، فإنْ ماتَتْ أو سقَطَتْ، لم يكُنْ له موْضِعُها. يرُدُّ ما قالَه فى «الانْتِصارِ» مِن أحدِ الاحْتِمالَيْن. ومنها، لو أقَرَّ ببُسْتانٍ، شَمِلَ الأشْجارَ، ولو أقَرَّ بشَجَرَةٍ، شَمِلَ الأغْصانَ. واللَّهُ أعلمُ بالصَّوابِ.

стр. 14292

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ دِرْهَمٌ أَوْ دِينَارٌ. لَزِمَهُ أحَدُهُمَا، يُرْجَعُ إلَيْهِ فِى تَعْيِيِنهِ. تَمَّ (الْمُقْنِعُ) وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. ــ وهذا آخِرُ ما تيَسَّر جمْعُه وتصْحِيحُه، واللَّه أسْألُ أَنْ يجْعَلَه خالِصًا لوَجْهِه الكريمِ، نافِعًا للنَّاظرِ فيه، مُصْلِحًا ما فيه مِن سقيمٍ. قد تمَّ بحَمْدِ اللَّهِ تعالَى، وحُسْنِ معُونَتِه «كِتابُ الإنصافِ».

стр. 14293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [قاعِدَةٌ نافِعَةٌ جامِعَةٌ لصِفَةِ الرِّواياتِ المنقولةِ عن الإِمامِ أحمدَ، رَضِى اللَّهُ عنه، والأوجهِ والاحتمالاتِ الواردةِ عَن أصحابِه رحِمَهم اللَّهُ تعالى، وغَفَر لنا ولهم وللمُؤْمنين قال الإِمامُ عَلاءُ الدِّينِ علىُّ بنُ سُلَيْمانَ المَرْداوِىُّ السَّعْدِىُّ، بعدَ آخِرِ بابِ الإِقْرارِ، الذى ختَم به كِتابَ «الإِنْصافِ فى معْرِفَةِ الرَّاجِحِ مِن الخِلافِ» ما نصُّه] (١): وقد عَنَّ لى أَنْ أذْكُرَ هنا قاعِدَةً نافعَةً جامعَةً لصِفَةِ الرِّواياتِ المنْقولةِ عن الإِمامِ أحمدَ، رَضِىَ اللَّه تُعالَى عنه، والأوْجُهِ والاحْتِمالاتِ الوارِدَةِ عن أصْحابِه، وأقْسامِ المُجْتَهِدينَ، ومَنْ يكونُ منهم أهْلًا لتَخْريجِ الأوْجُهِ والطُّرُقِ، وصِفَةِ تصْحيحِهم، وبَيانِ عُيوبِ التَّصانيفِ، واصْطِلاحِهم فيها، وأسْماءِ مَنْ روَى عن الإِمامِ أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ تعالَى عنه، ونقَل عنه الفِقْهَ؛ فإنَّ طالِبَ العِلْمِ لا يسَعُه الجَهْلُ بذلك. اعلمْ، وفَّقَنِى اللَّهُ وإيَّاك لِمَا يُرْضِيه، أنَّ الإمامَ أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ تعالَى عنه، لم يُؤلِّفْ كتابًا مسْتَقِلًّا فى الفِقْهِ، كما فعَله غيرُه مِن الأئمةِ، وإنَّما أخذَ أصْحابُه ذلك مِن فَتاوِيه وأجْوِبَتِه، وبعْضِ تآليفِه، وأقْوالِه، وأفْعالِه. فإنَّ ألْفاظَه؛ إمَّا صَرِيحَةٌ فى الحُكْمِ بما لا يَحْتَمِلُ غيرَه، أو ظاهِرَةٌ فيه معَ احْتِمالِ غيرِه، أو مُحْتَمِلَةٌ لشَيْئَيْن فأكْثَرَ على السَّواءِ. وقد تقدَّم مَعانِى ذلك فى الخُطْبَةِ (٢).

стр. 14294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فكلامُه قد يكونُ صريحًا أو تَنْبِيهًا؛ كقَرْلِنا: أَوْمَأَ إليه. أو: أشارَ إليه. أو: دلَّ كلامُه عليه. أو: توَقَّفَ فيه. ونحوَ ذلك. إذا عَلِمْتَ ذلك، فمذْهَبُه، ما قالَه بدَليلٍ وماتَ قائلًا به. قالَه فى «الرِّعَايَةِ». وقال ابنُ مُفْلِحٍ فى «أُصولِه»: مذْهبُ الإنْسانِ ما قالَه، أو جرَى مَجْراه، مِن تَنْبِيهٍ أو غيرِه. انتهى. * وفيما قالَه قبلَه بدَليلٍ يُخالِفُه أوْجُهٌ؛ النَّفْىُ، والإثْباتُ، والثَّالثُ، إنْ رجَع عنه، وإلَّا فهو مذْهَبُه. كما يأْتى قريبًا. قلتُ: الصَّحيحُ أنَّ الثَّانىَ، مذْهَبُه. اخْتارَه فى «التَّمْهيدِ»، و «الرَّوْضَةِ»، و «العُمْدَةِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الرِّعايَةِ» وغيرِه. [قال فى «الرِّعايَةِ»] (١): وقيل: مذْهبُ كلِّ أحدٍ -عُرْفًا وعادةً- ما اعْتقدَه جَزْمًا أو ظَنًّا. انتهى. * فإذا نُقِلَ عن الإِمامِ أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ تعالَى عنه، قوْلان صَرِيحان، مُخْتَلِفان فى وَقْتَيْن، وتعَذَّرَ الجمعُ، فإنْ عُلِمَ التَّارِيخُ، فالثَّانى فقط مذهبُه. على الصَّحيحِ، وعليه الأكثرُ. وقيل: والأَوَّلُ، إنْ جُهِلَ رُجوعُه. اخْتارَه ابنُ حامدٍ وغيرُه. وقيل: أو عُلِمَ. وتقدَّم ذلك فى الخُطْبَةِ مُحَرَّرًا مُسْتَوْفًى (٢). * فعلى الأَوَّلِ، يُحْمَلُ عامُّ كلامِه على خاصِّه، ومُطْلَقُه على مُقَيَّدِه، فيكونُ كلُّ واحدٍ منهما مذهبَه. وهذا هو الصَّحيحُ. وصحَّحه فى «آدابِ المُفْتِى

стр. 14295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [والمُسْتَفْتِى] (١)»، و «الفُروعِ»، وغيرِهما. واخْتارَه ابنُ حامدٍ وغيرُه. وقيل: لا يُحْمَلُ. انتهى. فيُعْمَلُ بكلِّ واحدٍ منهما فى مَحَلِّه، وَفاءً باللَّفْظِ. * وإنْ جُهِلَ التَّارِيخُ، فمذهبُه أقْرَبُهما مِن كتابٍ أو سُنَّةٍ، أو إجْماعٍ، أو أَثَرٍ، أو قَواعِدِه، أو عَوائدِه، أو مَقاصِدِه، أو أدِلَّتِه. قال فى «الرِّعايَةِ»: قلتُ: إنْ لم يُجْعَلْ أوَّلُ قوْلَيْه، فى مسْأَلَةٍ واحدةٍ، مذهبًا له، مع معْرِفَةِ التَّاريخِ، فيكونُ هذا الرَّاجِحُ كالمُتأخِّرِ فيما ذكَرْنا، إذا جُهِلَ رُجوعُه عنه. قلتُ: ويَحْتَمِلُ الوَقْفَ؛ لاحْتِمالِ تقَدُّمِ الرَّاجِحِ. وإنْ جعَلْنا أوَّلَهما ثَمَّ مذهبًا له، فهُنا أوْلَى؛ لجوازِ أَنْ يكونَ الرَّاجِحُ مُتأخرًا. انتهى. قال فى «الفُروعِ»: فإنْ جُهل، فمذهبُه أقْرَبُهما مِن الأدِلَّةِ وقواعِدِه، وإنْ تَساوَيا نقْلًا ودلِيلًا، فالوَقْفُ أوْلَى. قالَه فى «الرِّعايَةِ». قال: ويَحْتَمِلُ التَّخْيِيرَ إذَنْ والتَّساقُطَ. * فإنِ اتَّحَدَ حُكْمُ القَوْلَيْن دُونَ الفِعْلِ؛ كإخْراجِ الحِقاقِ (٢) وبَناتِ اللَّبُوَنِ عن مِائَتَىْ بعيرٍ، وكلِّ وأجِبٍ مُوَسَّعٍ أو مخيَّرٍ، خُيِّر المُجْتَهِدُ بينَهما، وله أَنْ يُخَيِّرَ المُقَلِّدَ بينَهما، إنْ لم يكُنِ المُجْتَهِدُ حاكِمًا. * وإنْ منَعْنا تَعَادُلَ الأَماراتِ، وهو الظَّاهِرُ عنه، فلا وَقْفَ ولا تَخْيِيرَ، ولا تَساقُطَ أيضًا، ويُعْمَلُ بالرَّاجحِ رُواةً، أو بكَثْرَةٍ، أو شُهْرَةٍ، أو عِلْمٍ، أو وَرَعٍ، ويُقدَّمُ الأعْلَمُ على الأَوْرَعِ. قالَه فى «الرِّعايَةِ». وتقدَّم ذلك وغيرُه، فى آدابِ

стр. 14296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإفْتاءِ، فى [أواخِرِ كِتَابِ] (١) القَضاءِ. * فإنْ وافقَ أحدُ القَوْلَيْن مذهبَ غيرِه، فهل الأُوْلَى ما وافَقَه، أو ما خالفَه؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن. قالَه فى «الرِّعايَةِ». قلتُ: الأُوْلَى ما وافَقَه. وحُكِىَ الخِلافُ فى «آدابِ المُفْتِى» عن القاضى حُسَيْنٍ (٢) مِن الشَّافِعِيَّةِ. قال: وهذه التَّراجِيحُ مُعْتَبَرَةٌ بالنِّسْبَةِ إلى أئمَّةِ المَذاهبِ، وما رجَّحه الدَّليلُ مُقَدَّمٌ عندَهم. وهو أوْلَى. * وإنْ عُلِمَ تارِيخُ أحدِهما دُونَ الآخَرِ، فكما لو جُهِلَ تارِيخُهما، على الصَّحيحِ. ويَحْتَمِلُ الوَقْفَ. * ويخَصُّ عامُّ كلامِه بخاصِّه فى مسْألَةٍ واحدةٍ، فى أصحِّ الوَجْهَيْن. قالَه فى «الفُروعِ». وقدَّمه فى «الرِّعايَةِ الصُّغرى». وصحَّحه فى «آدابِ المُفْتِى». وفى الوَجْهِ الآخَرِ، لا يخْتَصُّ. * والمَقِيسُ على كلامِه مذهبُه. فى الصَّحيحِ مِن المذهبِ. قال فى «الفُروعِ»: مذهبُه فى الأشْهَرِ. وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، وغيرِهم. وهو مذهبُ الأَثْرَمِ، والخِرَقِىِّ، وغيرِهما. قالَه ابنُ حامدٍ فى «تَهْذيبِ الأجْوِبَةِ». وقيل: لا يكونُ مذهبَه. قال ابنُ حامدٍ: قال عامَّةُ مَشَايخِنا؛ مثْلَ

стр. 14297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الخَلَّالِ، وأبى بَكْرٍ عبدِ العَزِيزِ، وأبى علىٍّ، وإبْراهِيمَ، وسائرِ مَن شاهَدْناه: إنَّه لا يجوزُ نِسْبَتُه إليه. وأنْكَرُوا على الخِرَقِىِّ ما رَسَمَه فى كِتابِه، مِن حيثُ إنَّه قاسَ على قوْلِه. انتهى. وأَطْلَقَهما ابنُ مُفْلِحٍ فى «أُصولِه». قال (١) ابنُ حامِدٍ: والمأْخُوذُ أَنْ يُفَصَّلَ، فما كان مِن جوابٍ له فى أصْلٍ يحْتَوِى (٢) مَسَائِلَ، خُرِّجَ جوابُه على بعْضِها، فإنَّه جائزٌ أَنْ يُنْسَبَ إليه بَقِيَّةُ مسائلِ ذلك الأَصْلِ مِن حيثُ القِياسُ -وصَوَّر له صُوَرًا كثيرةً- فأمَّا أَنْ يَبْتَدِئ بالقِياسِ فى مَسائلَ لا شَبَهَ لها (٣) فى أُصُولِه، ولا يُؤْخَذُ عنه (٤) مَنْصُوصٌ يُبْنَى عليه، فذلك غيرُ جائزٍ. انتهى. وقيل: إنْ جازَ تخْصِيصُ العِلَّةِ، وإلَّا فهو مذهبُه. قال فى «الرِّعايَةِ الكُبرى»: قلتُ: إنْ نصَّ عليها، أو أَوْمَأَ إليها، أو علَّلَ الأَصْلَ بها، فهو مذهبُه، وإلَّا فلا، إلَّا أَنْ تشْهَدَ أقْوالُه وأفْعالُه وأحْوالُه للعِلَّةِ المُسْتَنْبَطَةِ بالصِّحَّةِ والتَّعْيينِ. وجزَم به فى «الحاوِى». وهو قريبٌ ممَّا قالَه ابنُ حامدٍ. وقال فى «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، بعدَ حِكايَةِ القَوْلَيْن الأوَّلَيْن: قلتُ: إنْ كانتْ مُسْتَنْبَطَةً، فلا نَقْلَ ولا تَخْرِيجَ. انتهى. * فعلى الأَوَّلِ، إنْ أفْتَى فى مَسْأَلتَيْن مُتَشابِهَتَيْن بحُكْمَيْن مُخْتَلِفَيْن فى وَقْتَيْنِ، جازَ نقْلُ الحُكْمِ وتخْرِيجُه مِن كلِّ واحدةٍ إلى الأُخْرى. جزَم به فى «المُطْلِعِ». وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن». واخْتارَه الطُّوفِىُّ فى «مُخْتَصَرِه» فى «الأُصُولِ» و «شَرْحِه». وقال: إذا كان بعدَ الجِدِّ والبَحْثِ. قلتُ: وكثيرٌ مِنَ

стр. 14298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأصحابِ على ذلك، وقد عمِلَ به المُصَنِّفُ فى بابِ سَتْرِ العَوْرَةِ وغيرِه. والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا يجوزُ، كقَوْلِ الشَّارِعِ. ذكَرَه أبو الخَطَّابِ فى «التَّمْهيدِ» وغيرُه. وقدَّمه ابنُ مُفْلِحٍ فى «أُصولِه»، والطُّوفِىُّ فى «أُصولِه»، وصاحِبُ «الحاوِى الكَبِيرِ»، وغيرُهم. وجزَم به المُصَنِّفُ، فى «الرَّوْضَةِ»، كما لو فرَّق بينَهما، أو منَع النَّقْلَ والتَّخْرِيجَ. قال فى «الرِّعايتَيْن»، و «آدابِ المُفْتِى»: أو قَرُبَ الزَّمَنُ، بحيثُ يُظَنُّ أنَّه ذاكِرٌ حُكْمَ الأوَّلَةِ حينَ أفْتَى بالثَّانيةِ. والمذهبُ إجْراءُ الخِلافِ مُطْلَقًا. [فعلى المذهبِ، يكونُ القولُ المُخَرَّجُ وَجْهًا لمَنْ خرَّجه. وعلى الثَّانيةِ، يكونُ رِوايةً مُخَرَّجَةً. ذكَرَه ابنُ حَمْدانَ، وغيرُه] (١). وأَطْلَقَهما فى «الفُروعِ» فى الخُطْبَةِ، و «آدابِ المُفْتِى». * فعلى الجوازِ، مِن شَرْطِه أَنْ لا يُفْضِىَ إلى خَرْقِ الإجْماعِ. قال فى «آدابِ المُفْتِى»: أو يدْفَعُ (٢) ما اتَّفَقَ عليه الجَمُّ الغَفِيرُ مِن العُلَماءِ، أو عارَضَه نصُّ كتابٍ أو سُنَّةٍ. وتقدَّم ذلك فى بابِ سَتْرِ العَوْرَةِ، مُسْتَوْفًى، وأصْلُه فى الخُطْبَةِ. وقال فى «الرِّعايَةِ»: قلت: وإنْ عُلِمَ التَّارِيخُ، ولم نجْعَلْ أوَّلَ قوْلَيْه فى مسْأَلَةٍ واحدَةٍ مذهبًا له، جازَ نقلُ حُكْمِ الثَّانيةِ إلى الأُولَى فى الأقْيَسِ، ولا عَكْسَ، إلَّا أَنْ نَجْعَلَ أوَّلَ قوْلَيْه فى مسْأَلَةٍ واحدةٍ مذهبًا له مع مَعْرِفَةِ التَّاريخِ، وإنْ جُهِلَ التَّارِيخُ، جازَ نَقْلُ حُكْمِ أقْرَبِهما مِن كتابٍ، أو سُنَّةٍ، أو إجْماعٍ، أو أَثَرٍ، أو قواعِدِ الإِمامِ، ونحوِ ذلك إلى (٣) الأُخْرَى فى الأَقْيَسِ، ولا عَكْسَ، إلَّا أَنْ

стр. 14299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَجْعَلَ أوَّلَ قَوْلَيْه فى مسْألَةٍ واحدَةٍ مذهبًا له، مع معْرِفَةِ التَّارِيخِ، وأولَى؛ لجوازِ كوْنِها الأَخيرَةَ، دُونَ الرَّاجِحَةِ. انتهى. وجزَم به فى «آدابِ المُفْتِى». * وإذا تَوَقَّفَ الإِمامُ أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فى مَسْألَةٍ تُشْبِهُ مسْألَتَيْن، فأكثرَ، أحْكامُهما مُخْتَلِفَةٌ، فهل يَلْحَقُ بالأخفِّ أو بالأَثْقَلِ أو يُخَيَّرُ المُقَلِّدُ بينَهما؟ فيه ثلاثةُ أوْجُهٍ. وأطلَقَهُنَّ فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى»، و «آدابِ المُفْتِى والمُسْتَفْتِى»، و «الحاوِى الكَبِيرِ»، و «الفُروعِ». قال فى «الرِّعايَةِ»، و «آداب المُفْتِى»، و «الحاوِى»: الأُوْلَى العَمَلُ بكُلِّ منهما لمَنْ هو أصْلَحُ له. والأظْهَرُ عنه هنا التَخْيِيرُ. وقالا: ومع مَنْعِ تَعادُلِ الأماراتِ -وهو قولُ أبى الخَطَّابِ. فلا وَقْفَ، ولا تَخْيِيرَ، ولا تَساقُطَ. * وإنْ أشْبَهَتْ مسْألَةً واحدةً، جازَ إلْحاقُها بها، إنْ كان حُكْمُها أرْجَحَ مِن غيرِه. قاله فى «الرِّعايَةِ»، و «الحاوِى». * وما انْفَرَدَ به بعْضُ الرُّواةِ، وقَوىَ دليلُه، فهو مذهبُه. قدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «آدابِ المُفْتِى». واخْتارَه ابنُ حامِدٍ، وقال: يجبُ تقْدِيمُها على سائرِ الرِّواياتِ؛ لأَنَّ الزِّيادةَ مِنَ العَدْلِ مَقْبولَةٌ فى الحديثِ عندَ الإِمامِ أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فكيْفَ والرَّاوِى عنه ثِقَةٌ خَبِيرٌ بما رَواه. وقيل: لا يكونُ (١) مذهبَه، بل ما رَواه جماعَةٌ بخِلافِه أَوْلَى. واخْتارَه الخَلَّالُ وصاحِبُه؛ لأَنَّ نِسْبَةَ الخَطَأ إلى الواحدِ أوْلَى مِن نِسْبَتِه إلى الجماعةِ، والأَصْلُ اتِّحادُ المَجْلِسِ. قلتُ:

стр. 14300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذا ضعيفٌ، ولا يَلْزَمُ مِن ذلك خَطَأُ الجماعَةِ. وأَطْلَقَهما فى «الفُروعِ». * وما دَلَّ عليه كلامُه فهو مذهبُه، إنْ لم يُعارِضْه أقْوَى منه. قالَه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الفُروعِ»، و «آدابِ المُفْتِى». * وقوْلُه: لا يَنْبَغِى. أو: لا يَصْلُحُ. أو: أسْتَقْبِحُه. أو: هو قَبِيحٌ. أو: لا أرَاه. للتَّحْريمِ. قالَه الأصحابُ. قال فى «الفُروعِ»: وقد ذكَرُوا أنَّه يُسْتَحَبُّ فِراقُ غيرِ العَفِيفَةِ، واحْتَجُّوا بقولِ الإِمامِ أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لا يَنْبَغِى أَنْ يُمْسِكَها. وسألَه أبو طالِبٍ: يُصَلَّى إلى القَبْرِ، والحَمَّامِ، والحُشِّ؟ قال: لا يَنْبَغِى أَنْ يكونَ، لا يُصَلَّى إليه. قلتُ: فإنْ كان؟ قال: يُجْزِيه. ونقَلَ أبو طالِبٍ، فى مَن قرَأ فى الأرْبَعِ كلِّها بالحَمْدِ وسُورَةٍ، قال: لا يَنْبَغِى أَنْ يَفْعَلَ. وقال فى رِوايةِ الحَسَنِ بنِ حَسَّان، فى الإِمامِ يُقَصِّرُ فى الأُولَى ويُطَوِّلُ فى الأخيرةِ: لا يَنْبَغِى ذلك. قال القاضى: كَرِهَ [الإِمامُ أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه] (١)، ذلك؛ لمُخالَفَتِه للسُّنَّةِ. قال فى «الفُروعِ»: فدَلَّ على خِلافٍ. * وقال فى «الرِّعايَةِ»: وإنْ قال: هذا حرامٌ. ثم قال: أكْرَهُه. أو: لا يُعْجِبُنِى. فحرامٌ. وقيل: بل يُكْرَهُ. * وفى قولِه: أكْرَهُ. أو: لا يُعْجِبُنِى. أو: لا أُحِبُّه. أو: لا أسْتَحْسِنُه. أو: يَفْعَلُ السَّائلُ كذا احْتِياطًا. وَجْهان. وأطلَقَهما فى «الفُروعِ». وأَطلَقَهما فى «آدابِ المُفْتِى»، فى: أكْرَهُ كذا. أو: لا يُعْجِبُنِى. أحدُهما، هو للتَّنْزِيهِ.

стр. 14301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قدَّمه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى»، و «الحاوِى»، فى غيرِ قولِه: يَفْعَلُ السَّائلُ كذا احْتِياطًا. وقدَّمه فى «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، فى قوْلِه: أكْرَهُ كذا. أو: لا يُعْجِبُنِى. وقال فى «الرِّعايَتَيْنِ»، و «الحاوِى»: وإنْ قال: يَفْعَلُ السَّائلُ كذا احْتِياطًا. فهو واجِبٌ. وقيل: مَنْدوبٌ. انتهوا. والوَجْهُ الثَّانى، أنَّ ذلك كلَّه للتَّحْريمِ. اخْتارَه الخَلَّالُ، وصاحِبُه، وابنُ حامدٍ، فى قوْلِه: أكْرَهُ كذا. أو: لا يُعْجِبُنِى. وقال فى «الرِّعايتَيْن»، و «آدابِ المُفْتِى»، و «الحاوِى»: والأَوْلَى النَّظَرُ إلى القَرائنَ فى الكُلِّ. انتهيا. * وقولُه: أُحِبُّ كذا. أو: يُعْجِبُنِى. أو: هذا أَعْجَبُ إلىَّ. للنَّدْبِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ. وقيل: للوُجوبِ. اخْتارَه ابنُ حامدٍ، فى قوْلِه: أحَبُّ إلىَّ كذا. وقيل: وكذا قولُه: هذا أحْسَنُ. أو: هذا (١) حسَنٌ. قالَه فى «الفُروعِ». قلتُ: قطَع فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى»، و «الحاوِى الكَبِيرِ» أنَّ قوْلَه: هذا أحْسَنُ، أو حسَنٌ. كـ: أُحِبُّ كذا. ونحوِه. وقال ابنُ حامدٍ: إذا اسْتَحْسَنَ شيئًا، أو قال: هو حَسَنٌ. فهو للنَّدْبِ، وإنْ قال: يُعْجِبُنِى. فهو للوُجوبِ. * وقولُه: لا بأْسَ. أو: أرْجُو أَنْ لا بأْسَ. للإباحةِ. * وقولُه: أخْشَى. أو: أخافُ أَنْ يكونَ. أو: لا يكونَ. ظاهِرٌ فى المَنْعِ. قالَه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، وقدَّماه. واخْتارَه ابنُ حامدٍ، والقاضى. قال فى «آدابِ المُفْتِى والمُسْتَفْتِى»، و «الفُروعِ»: فهو كـ: يجوزُ. أو: لا

стр. 14302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يجوزُ. انتهى. وقيل بالوَقْفِ. * وإنْ أجابَ فى شئٍ، ثم قال فى نحوِه: هذا أهْوَنُ. أو: أشَدُّ. أو: أشْنَعُ. فقيل: هما عندَه سواءٌ. واخْتارَه أبو بَكْرٍ عَبْدُ العزِيزِ، والقاضى. وقيل بالفَرْقِ. قلتُ: وهو الظَّاهِرُ. واخْتارَه ابنُ حامِدٍ، فى «تَهْذيبِ الأجْوِبَةِ». وأَطْلَقهما فى «الرِّعايَةِ»، و «الفُروعِ». قال فى «الرِّعايَةِ»: قلتُ: إنِ اتِّحَدَ المَعْنَى، وكَثُرَ التَّشابُهُ، فالتَّسْوِيَةُ أوْلَى، وإلَّا فلا. * وقيل: قولُه: هذا أشْنَعُ عندَ النَّاسِ. يقْتَضِى المَنْعَ. وقيل: لا. * وقولُه: أَجْبُنُ عنه. للجَوازِ. قدَّمه فى «الرِّعايتَيْن». وقيل: يُكْرَهُ. اخْتارَه فى «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «آدابِ المُفْتِى». وقال فى «الكُبْرى»: الأُوْلَى النَّظرُ إلى القَرائنِ. وقال فى «الفُروعِ»: وأجْبُنُ عنه. مذهبُه. وقالَه فى «آدابِ المُفْتِى والمُسْتَفْتِى». وقال فى «تَهْذِيب الأجْوِبَةِ»: جُمْلَةُ المذهبِ، أنَّه إذا قال: أَجْبُنُ عنه. فإنَّه إذْنٌ بأنَّه مذهبُه (١)، وأَنَّه ضعيفٌ لا يَقْوَى القُوَّةَ التى يُقْطَعُ بها، ولا يَضْعُفُ الضَّعْفَ الذى يُوجِبُ الرَّدَّ، ومع ذلك؛ فكُلُّ ما أجابَ فيه (٢)، فإنَّك تجِدُ البَيانَ عنه فيه كافِيًا، فإنْ وَجدْتَ عنه المَسْألةَ ولا جوابَ بالبَيانِ، فإنَّه يُؤْذِنُ بالتَّوَقُّفِ عَن (٣) غيرِ قَطْعٍ. انتهى. * وما أجابَ فيه بكِتابٍ أو سُنَّةٍ أو إجْماعٍ، أو قولِ بعْضِ الصَّحابَةِ، فهو

стр. 14303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مذهبُه؛ لأَنَّ قولَ أحَدِ الصَّحابَةِ عندَه حُجَّةٌ. على أصحِّ الرِّوايتَيْن عنه. * وما رَوَاه مِن سُنَّةٍ، أو أثَرٍ، أو صَحَّحَه، أو حَسَّنَه، أو رَضِىَ سَنَدَه، أو دَوَّنَه فى كُتُبِه، ولم يَرُدَّه، ولم يُفْتِ بخِلافِه، فهو مذهبُه. قدَّمه فى «تَهْذيبِ الأجْوِبَةِ»، ونَصَرَه. وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن». وجزَم به فى «الحاوِى الكَبِيرِ». واخْتارَه عَبْدُ اللَّهِ، وصالِحٌ، والمَرُّوذِىُّ، والأَثْرَمُ. قالَه فى «آدابِ المُفْتِى والمُسْتَفْتِى». وقيل: لا يكونُ مذهبَه، كما لو أفْتَى بخِلافِه قَبْلُ، أو بَعْدُ. وأَطْلَقَهما فى «آدابِ المُفْتِى والمُسْتَفْتِى»، و «الفُروعِ». وقال: فلِهذا أذْكُرُ رِوايتَه للخَبَرِ، وإنْ كان فى «الصَّحِيحَيْن». انتهى. * وإنْ أَفْتَى بحُكْمٍ، فاعْتُرِضَ عليه، فسَكَتَ، فليس رُجوعًا. قدَّمه فى «تَهْذيبِ الأجْوِبَةِ»، ونصرَه. وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن». وقيل: يكونُ رُجوعًا. اخْتارَه ابنُ حامدٍ. وأَطْلَقهما فى «الفُروعِ»، و «آدابِ المُفْتِى والمُسْتَفْتِى». وإنْ ذكرَ عنِ الصَّحابةِ فى مسْألَةٍ قوْلَيْن، فمذهبُه أقْرَبُهما مِن كتابٍ أو سُنَّةٍ أو إجْماعٍ؛ سَواءٌ عَلَّلَهما أو لا، إذا لم يُرَجِّحْ أحدَهما، ولم يَخْتَرْه. قدَّمه فى «تَهْذيبِ الأجْوِبَةِ»، ونصرَه. وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الكَبِيرِ»، و «الفُروعِ». وقيل: لا مذهبَ له منهما عَيْنًا، كما لو حَكاهُما عنِ التَّابِعينَ فَمَنْ بعدَهم، ولا مَزِيَّةَ لأحَدِهما بما ذكرَ؛ لجوازِ إحْداثِ قَوْلٍ ثالثٍ يُخالِفُ الصَّحابَةَ. قالَه فى «الرِّعايَةِ». وقيل بالوَقْفِ. * وإنْ علَّلَ أحدَهما واسْتَحْسَنَ الآخَرَ، أو فَعَلَهما فى أقْوالِ التَّابِعينَ فَمَنْ بعدَهم، فأيُّهما مذهبُه؟ فيه وَجْهان. وأَطْلَقهما فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الكَبِيرِ»،

стр. 14304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ و «الفُروعِ». قلتُ: الصَّوابُ أنَّ الذى اسْتَحْسَنَه مذهَبُه، ولا يَلْزَمُ مِن تَعْليلِ القَوْلِ أَنْ يكونَ قد أخَذَ به، ولا يدُلُّ عليه. ثم وَجَدْتُه فى «آدابِ المُفْتِى» قدَّمه، وقال: اخْتارَه ابنُ حامِدٍ. وقال عن الثَّانى: فيه بُعْدٌ. * وإنْ حسَّنَ أحدَهما، أو علَّلَه، فهو مذهبُه. قوْلًا واحدًا. جزَم به فى «الفُروعِ»، وغيرِه. * وإنْ أعاد (١) ذِكْرَ أحَدِهما، أو فَرَّعَ عليه، فهو مذهبُه. قدَّمه فى «آدابِ المُفْتِى». وقيل: لا يكونُ مذهبَه إلَّا أَنْ يُرَجِّحَه، أو يُفْتِىَ به. واخْتارَه ابنُ حَمْدانَ (٢)، فى «آدابِ المُفْتِى». وأَطْلَقَهما فى «الفُروعِ»، فيما إذا فَرَّعَ على أحَدِهما. * وإنْ نصَّ فى مَسْألةٍ على حُكْمٍ، وعلَّلَه بعِلَّةٍ، فوُجِدَتْ تلك العِلَّةُ فى مَسائِلَ أُخَرَ، فمذهبُه فى تلك المَسائِلِ كالمَسْألةِ المُعَلَّلَةِ. قدَّمه فى «الرِّعايَةِ»، و «الفُروعِ». قال فى «الرِّعَايَةِ»: سواءٌ قُلْنا بتَخْصِيصِ العِلَّةِ أَوْ لا. كما سَبَق. انتهى. وقيل: لا. * وإنْ نُقِلَ عنه فى مَسْألَةٍ رِوايَتان؛ دليلُ أحَدِهما قولُ النَّبِىِّ ﷺ ، ودليلُ الأُخْرَى قولُ صَحابِىٍّ، وهو أخَصُّ، وقُلْنا: هو حُجَّةٌ يُخَصُّ به العُمومُ -فأيُّهما مذهبُه؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، مذهبُه ما كانَ دليلُه قولَ النَّبِىِّ ﷺ . قلتُ: وهو الصَّوابُ.

стр. 14305

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقدَّمه فى «تَهْذِيبِ الأجْوِبَةِ» ونَصَرَه، و «آدابِ المُفْتى». وقيل: مذهبُه قولُ الصَّحابِىِّ، والحَالَةُ ما تقدَّم. وأَطْلَقهما فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الكَبِيرِ». وإنْ كان قولُ النَّبِىِّ ﷺ أخَصَّهما (١)، وأحْوَطَهما، تعَيَّنَ. * وإنْ وافقَ أحدُهما قولَ صَحابىٍّ، والآخَرُ قولَ تابِعِىٍّ، واعْتُدَّ به إذَنْ. وقيل: وعَضَّدَه (٢) عُمومُ كتابٍ أو سُنَّةٍ، أو أثَرٌ. فَوْجَهان. وأَطْلَقهما فى «الرِّعايتَيْن»، و «آدابِ المُفْتِى». * وإنْ ذكَرَ اخْتِلافَ النَّاسِ وحَسَّن بَعْضَه، فهو مذهبُه، إنْ سَكَتَ عن غيرِه. * وإنْ سُئِلَ مرَّةً، فَذَكَرَ الاخْتِلافَ، ثم سُئِلَ مرَّة ثانيةً، فتَوَقَّفَ، ثُمَّ سُئِلَ مرَّةً ثالثةً، فأفْتَى فيها، فالذى أفْتَى به مذهبُه. * وإنْ أجابَ بقوْلِه: قال فُلانٌ كذا. يعْنِى بعْضَ العُلَماءِ، فَوَجْهان. وأَطْلَقَهما فى «الرِّعايتَيْن»، و «الفُروعِ»، و «آدابِ المُفْتى». واخْتارَ أنَّه لا يكونُ مذهبَه. واخْتارَ ابنُ حامِدٍ أنَّه يكونُ مذهبَه. * وإنْ نصَّ على حُكْمِ مسْألَةٍ، ثم قال: ولو قال قائلٌ، أو ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى كذا. يريدُ حُكْمًا يخالفُ ما نصَّ عليه، كان مذهبًا؟ لم يكُنْ ذلك مذهبًا للإمامِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أيضًا، كما لو قال: وقد ذَهَبَ قومٌ إلى كذا. قالَه أبو الخَطَّابِ، ومَنْ بعدَه. وقدَّمه فى «الرِّعايَةِ»، و «الفُروعِ»، و «آدابِ

стр. 14306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المُفْتِى»، وغيرِهم. ويَحْتَمِلُ أَنْ يكونَ مذهبًا له. ذكَرَه فى «الرِّعايَةِ»، مِن عنْدِه. قلتُ: وهو مُتَوَجِّهٌ. كَقَوْلِه: يَحْتَمِلُ قوْلَيْن. قال فى «الفُروعِ»: وقد أجابَ الإِمامُ أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فيما إذا سافَر بعدَ دُخولِ الوَقْتِ هل يَقْصُرُ؟ وفى غيرِ (١) مَوْضِعٍ بمثْلِ هذا. وأثْبَتَ القاضى وغيرُه رِوايتَيْن. * وهل يُجْعَلُ فِعْلُه، أو مفْهومُ كلامِه مذهبًا له؟ على وَجْهَيْن. وأَطْلَقَهما فى «الرِّعايتَيْن»، و «آدابِ المُفْتِى»، و «أصولِ ابنِ مُفْلِحٍ». قال فى «تَهْذِيبِ الأجْوِبَةِ»: عامَّةُ أصحابِنا يقُولونَ: إنَّ فعْلَه مذهبٌ له. وقدَّمه هو، ورَدَّ غيرَه. قال فى «آدابِ المُفْتِى»: اخْتارَ الخِرَقِىُّ، وابنُ حامِدٍ، وإبْراهِيمُ الحَرْبِىُّ (١)، أنَّ مفْهومَ كلامِه مذهبُه. واخْتارَ أبو بَكْرٍ، أنَّه لا يكونُ مذهبَه. * فإنْ جعَلْنا المَفْهومَ مذهبًا له، فنَصَّ فى مَسْألَةٍ على خِلافِ المَفْهومِ، بَطَلَ. وقيل: لا يَبْطُلُ. فتَصِيرُ المَسْأَلَةُ على رِوايتَيْن، إنْ جعَلْنا أوَّلَ قوْلَيْه فى مسْأَلةٍ واحدَةٍ مذهبًا له. * وصِيغَةُ الواحدِ مِن أصحابِه ورُواتِه فى تفْسيرِ مذهبِه، وإخْبارُهم عن رَأْيِه، كنَصِّه فى وَجْهٍ. قالَه فى «الرِّعايتَيْن». قال فى «الفُروعِ»: هو مذهبُه فى الأصحِّ. قال فى «تَهْذيبِ الأجْوِبَةِ»: إذا بيَّن أصحابُ أبى عَبْدِ اللَّهِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قوْلَه بتَفْسيرِ جَوابٍ له، أو نَسَبُوا إليه بَيانَ حدٍّ فى سُؤالٍ، فهو منْسوبٌ إليه، ومَنُوطٌ به، وإليه يُعْزَى، وهو بمَثابَةِ نصِّه. ونَصَرَه. قال فى «آدابِ المُفْتِى»:

стр. 14307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اخْتارَه ابنُ حامِدٍ وغيرُه. وهو قِياسُ قولِ الخِرَقِىِّ وغيرِه. وقال ابنُ حامِدٍ: وخالَفَنا فى ذلك طائفةٌ مِن أصحابِنا، مثل الخَلَّالِ، وأبى بَكْرٍ عَبْدِ العزِيزِ. تنبيه: هذه الصِّيَغُ والمَسائلُ التى ورَدَتْ عن الإِمامِ أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وما قالَه الأصحابُ فيها، كلُّها أو غالِبُها (١)، مذْكورٌ فى «تَهْذيبِ الأجْوِبَةِ» لابنِ حامِدٍ، مَبْسُوطٌ بأمْثِلَةٍ كثيرةٍ لكُلِّ مسْألةٍ ممَّا تقدَّم. وله فيه أيضًا أشياءُ كثيرةٌ غيرُ ما تقدَّم، ترَكْنَا ذِكْرَها (٢) للإطالَةِ، ومذْكورٌ أيضًا فى «آدابِ المُفْتِى»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرى»، وبعْضُه فى «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاوِى الكَبِيرِ». فصل: هذا الذى تقدَّم ذِكْرُه هو الوارِدُ عنِ الإِمامِ أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ تعالَى عنه، وبَقِىَ الوارِدُ عن أصحابِه. * واعلمْ أنَّ الوارِدَ عنِ الأصحابِ؛ إمَّا وَجْهٌ، وإمَّا احْتِمالٌ، وإمَّا تخْريجٌ. وزادَ فى «الفُروعِ» التَّوْجِيهَ. * فأمَّا الوَجْهُ، فهو قولُ بعضِ الأصحابِ، وتخْرِيجُه إنْ كان مأْخُوذًا مِن قواعِدِ الإِمامِ أحمدَ، رَضِىَ اللَّه تُعالَى عنه، أو إيمائِه، أو دَليلِه، أو تعْليلِه، أو سِياقِ كلامِه وقُوَّتِه. * وإنْ كان مأْخُوذًا مِن نُصوصِ الإِمامِ أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ تعالَى عنه، ومُخَرَّجًا

стр. 14308

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منها، فهو رِواياتٌ مُخَرَّجَةٌ له ومنْقولَةٌ مِن نُصوصِه إلى ما يُشْبِهُها مِنَ المَسائلِ؛ إنْ قُلْنا: ما قِيسَ على كلامِه مذهبٌ له. على ما تقدَّم. وإنْ قُلْنا: لا. فهى أوْجُهٌ لمَنْ خرَّجها وقاسَها. * فإنْ خُرِّجَ مِن نصٍّ، ونُقِلَ (١) إلى مَسْألَةٍ فيها نصٌّ يُخالِفُ ما خُرِّجَ فيها، صارَ فيها رِوايَةٌ منصوصةٌ، ورِوايَةٌ مُخَرَّجَةٌ منْقولَةٌ مِن نَصِّه، إذا قُلْنا: المُخَرَّجُ مِن نصِّه مذهبُه. وإنْ قُلْنا: لا. ففيها رِوايَةٌ للإمامِ أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ تعالَى عنه، ووَجْهٌ لمَنْ خرَّجَه. * وإنْ لم يَكُنْ فيها نصٌّ يُخالِفُ القوْلَ المُخَرَّجَ مِن نصِّه فى غيرِها، فهو وَجْهٌ لمَنْ خرَّج. * فإنْ خالَفَه غيرُه مِن الأصحابِ فى الحُكْمِ، دُونَ طَريقِ التَّخْريجِ، ففيها لهما وَجْهان. قال فى «الرِّعايَةِ»: ويُمْكِنُ جعْلُهما مذهبًا للإمامِ أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ تعالَى عنه، بالتَّخْريجِ دُونَ النَّقْلِ؛ لعدَمِ أخْذِهما مِن نَصِّه. * وإنْ جَهِلْنا مُسْتَنَدَهما، فليس أحدُهما قوْلًا مُخَرَّجًا للإمامِ أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولا مذهبًا له بحالٍ. * فمَنْ قال مِنَ الأصحابِ هنا: هذه المَسْأَلَةُ رِوايةٌ واحدةٌ. أرادَ نصَّه. * ومَنْ قال: فيها رِوايَتان. فإحْداهما بنَصٍّ، والأُخْرى بإيماءٍ، أو تَخْريجٍ مِن نصٍّ آخَرَ له، أو نَصٍّ جَهِلَه مُنْكِرُه.

стр. 14309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ * ومَنْ قال: فيها وَجْهان. أرادَ عَدَمَ نَصِّه عليهما؛ سواءٌ جَهِلَ مُسْتَنَدَه أو عَلِمَه، ولم يجْعَلْه مذهبًا للإمامِ أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فلا يُعْمَلُ إلَّا بأصحِّ الوَجْهَيْن وأرْجَحِهما؛ سواءٌ وقَعا معًا أَوْ لا، مِن واحدٍ أو أكْثَرَ، وسواءٌ عُلِمَ التَّارِيخُ (١) أو جُهِلَ. * وأمَّا القَوْلانِ هنا، فقد يكونُ الإِمامُ أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، نصَّ عليهما، كما ذكرَه أبو بَكْرٍ عَبْدُ العَزِيزِ فى «الشَّافِى»، أو على أحَدِهما، وأوْمَأَ إلى الآخَرِ، وقد يكونُ مع أحَدِهما وَجْهٌ، أو تخْرِيجٌ، أو احْتِمالٌ بخِلافِه. * وأمَّا الاحْتِمالُ الذى للأصحابِ، فقد يكونُ لدَليلٍ مَرْجُوحٍ بالنِّسْبَةِ إلى ما خالَفَه، أو دَليلٍ مُساوٍ له، وقد يخْتارُ هذا (٢) الاحْتِمالَ بعضُ الأصحابِ، فَيَبْقَى وَجْهًا (٣). * وأمَّا التَّخْريجُ، فهو نَقْلُ حُكْمِ مسْألةٍ إلى ما يُشْبِهُها، والتَّسْوِيَةُ بينَهما فيه. وتقدَّم ذلك أيضًا فى الخُطْبَةِ (٤). فصل: صاحِبُ هذه الأوْجُهِ والاحْتِمالاتِ والتَّخارِيجِ لا يكونُ إلَّا مُجْتَهِدًا. واعلمْ أنَّ المُجْتَهِدَ يَنْقَسِمُ إلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ؛ مُجْتَهِدٌ مُطْلَقٌ، ومُجْتَهِدٌ فى مذهبِ إمامِه أو فى مذهبِ إمامِ غيرِه، ومُجْتَهِدٌ فى نَوْعٍ مِنَ العِلْمِ، ومجْتَهِدٌ فى مسْألَةٍ

стр. 14310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو مَسائلَ. ذكَرَها فى «آدابِ المُفْتِى والمُسْتَفْتِى»، فقال: القِسمُ الأَوَّلُ، المُجْتَهِدُ المُطْلَقُ؛ وهو الذى اجْتَمَعَتْ فيه شُروطُ الاجْتِهادِ التى ذكَرَها المُصَنِّفُ فى آخِرِ كتابِ القَضاءِ، على ما تقدَّم هناك (١)، إذا اسْتَقَلَّ بإدْراكِ الأحْكامِ الشَّرعِيَّةِ، مِنَ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ (٢) العامَّةِ والخاصَّةِ، وأحْكامِ الحوادِثِ منها، ولا يتَقَيَّدُ بمذهبِ أحدٍ. وقيل: يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْرِفَ أكْثَرَ الفِقْهِ. قدَّمه فى «آدابِ المُفْتى والمُسْتَفْتِى». وقال أبو محمدٍ الجَوْزِىُّ: مَنْ حَصَّل أُصولَ الفِقْهِ وفُروعَه، فمُجْتَهِدٌ. وتقدَّم هذا وغيرُه فى آخرِ كتابِ القَضاءِ. قال فى «آدابِ المُفْتِى والمُسْتَفْتِى»: ومِن زَمَنٍ طَويلٍ عُدِمَ المُجْتَهِدُ المُطْلَقُ، مع أنَّه الآنَ أيْسَرُ منه فى الزَّمَنِ الأَوَّلِ؛ لأَنَّ الحديثَ والفِقْهَ قد دُوِّنا، وكذا ما يتَعَلَّقُ بالاجْتِهادِ مِنَ الآياتِ، والآثارِ، وأُصولِ الفِقْهِ، والعرَبِيَّةِ، وغيرِ ذلك، لكِنَّ الهِمَمَ قاصِرَةٌ، والرَّغَباتِ فاتِرَةٌ، وهو فَرْضُ كِفايَةٍ، قد أهْمَلُوه ومَلُّوه، ولم يعْقِلُوه لِيَفْعَلُوه. انتهى. قلتُ: قد أَلْحَقَ طائفَةٌ مِنَ الأصحابِ المُتَأخِّرينَ بأصحابِ هذا القَسْمِ، الشَّيْخَ تَقِىَّ الدِّينِ ابنَ تَيْمِيَّةَ، رَحْمَةُ اللَّهِ عليه، وتَصَرُّفاتُه فى فَتاوِيه وتَصانيفِه تدُلُّ على ذلك. وقيل: المُفْتِى مَنْ تمَكَّنَ مِن معْرِفَةِ أحْكامِ الوَقائعِ على يُسْرٍ، مِن غيرِ تَعَلُّمٍ آخَرَ. القِسْمُ الثَّانى، مُجْتَهِدٌ فى مذهبِ إمامِه، أو إمامِ غيرِه، وأحْوالُه أرْبعَةٌ؛

стр. 14311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحالَةُ الأُولَى، أَنْ يكونَ غيرَ مُقَلِّدٍ لإمامِه فى الحُكْمِ والدَّليلِ، لكِنْ سَلَكَ طرِيقَه فى الاجْتِهادِ والفَتْوَى، ودَعا إلى مذهبِه، وقرَأ كثيرًا منه على أهْلِه، فوَجدَه صَوابًا وأَوْلَى مِن غيرِه، وأشَدَّ مُوافقَةً فيه وفى طَريقِه. قال ابنُ حَمْدانَ فى «آدابِ المُفْتِى»: وقد ادَّعَى هذا منا ابنُ أبى مُوسى فى «شَرحِ الإِرْشادِ» الذى له، والقاضى أبو يَعْلَى، وغيرُهما مِن الشَّافِعِيَّةِ خَلْقٌ كثيرٌ. قلتُ: ومِن أصحابِ الإِمامِ أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه؛ فمِنَ المُتَأخرينَ؛ كالمُصَنِّفِ، والمَجْدِ، وغيرِهما. وفَتْوَى المُجْتَهِدِ المذْكُورِ، كَفَتْوَى المُجْتَهِدِ المُطْلَقِ فى العَمَلِ بها، والاعْتِدادِ بها فى الإجْماعِ والخِلافِ. الحالَةُ الثَّانيةُ، أَنْ يكونَ مُجْتَهِدًا فى مذهبِ إمامِه، مُسْتَقِلًّا بتَقْريرِه بالدَّليلِ، لكِنْ لا يتَعَدَّى أُصولَه وقَواعِدَه، مع إتْقانِه للفِقْهِ وأُصولِه، وأدِلَّةِ مَسَائلِ الفِقْهِ، عالمًا بالقِياسِ ونحوِه، تامَّ الرِّياضَةِ، قادِرًا على التَّخْريجِ والاسْتِنْباطِ، وإلْحاقِ الفُروعِ بالأُصولِ والقَواعِدِ التى لإمامِه. وقيل: ليسَ مِن شَرْطِ هذا معْرِفَةُ عِلْمِ الحديثِ، واللُّغةِ العَرَبِيَّةِ؛ لكَوْنِه يتَّخِذُ نُصوصَ إمامِه أصُولًا يسْتَنْبِطُ منها الأحْكامَ، كنُصوصِ الشَّارِعِ، وقد يرَى حُكْمًا ذكرَه إمامُه بدَليلٍ، فيَكْتَفِى بذلك، مِن غيرِ بحثٍ عن مُعارِضٍ أو غيرِه. وهو بعيدٌ. وهذا شأْنُ أَهْلِ الأَوْجُهِ والطُّرُقِ فى المذاهبِ، وهو حالُ أكْثرِ عُلَماءِ الطَّوائفِ الآنَ. فَمَنْ عَلِمَ يقينًا هذا، فقد قلَّد إِمامَه دُونَه؛ لأَنَّ مُعَوَّلَه على صِحَّةِ إضافَةِ ما يقولُ إلى إمامِه؛ لعدَمِ اسْتِقْلالِه بتَصْحيحِ نِسْبَتِه إلى الشَّارِعِ بلا واسِطَةِ إمامِه، والظَّاهِرُ معْرِفَتُه بما يتعَلَّقُ بذلك مِن حديثٍ، ولُغَةٍ، ونَحْوٍ. وقيل: إنَّ فَرْضَ الكِفايَةِ لا يتَأدَّى به؛ لأَنَّ تقْليدَه نقْصٌ

стр. 14312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وخَلَلٌ فى المَقْصودِ. وقيل: يتَأَدَّى به فى الفَتْوَى، لا فى إحْياءِ العُلومِ التى تُسْتَمَدُّ منها الفَتْوَى؛ لأنَّه قد قامَ فى فَتْواه مَقامَ إمامٍ مُطْلَقٍ، فهو يُؤَدِّى عنه ما كان يتَأدَّى به الفَرْضُ حينَ كان حيًّا قائمًا بالفَرْضِ منها. وهذا على الصَّحيحِ فى جَوازِ تقْليدِ المَيِّتِ. ثم قد يُوجَدُ مِنَ المُجْتَهِدِ المُقَيَّدِ اسْتِقْلالٌ بالاجْتِهادِ والفَتْوَى فى مَسْألَةٍ خاصَّةِ، أو بابٍ خاصٍّ، ويجوزُ له أَنْ يُفْتِىَ فيما لم يَجِدْه مِن أحْكامِ الوَقائعِ منْصُوصًا عليه عن إمامِه، لِمَا يُخَرِّجُه على مذهبِه. وعلى هذا العَمَلُ، وهو أصحُّ. فالمُجْتَهِدُ فى مذهبِ الإِمامِ أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ تعالَى عنه، مثلًا، إذا أحاطَ بقَواعِدِ مذهبِه، وتدَرَّبَ فى مَقايِيسِه وتصَرُّفاتِه، يُنَزَّلُ مِنَ الإلْحاقِ بمَنْصُوصاتِه وقَواعِدِ مذهبِه، مَنْزِلَةَ المُجْتَهِدِ المُسْتَقِلِّ فى إلْحاقِه ما لم يَنُصَّ عليه الشَّارِعُ بما نصَّ عليه. وهذا أقْدَرُ على ذا مِن ذاك على ذاك؛ فإنَّه يجدُ فى مذهبِ إمامِه قَواعِدَ مُمَهَّدَةً، وضَوابِطَ مُهَذَّبَةً، ما لا يجِدُه المُسْتَقِلُّ فى أُصولِ الشَّارِعِ ونُصوصِه. وقد سُئل الإِمامُ أحمدُ، رَضِىَ اللَّه تُعالَى عنه، عمّن يُفْتِى بالحديثِ، هل له ذلك، إذا حَفِظَ أرْبَعَمِائَةِ ألْفِ حديثٍ؟ فقال: أرْجُو. فقِيلَ لأبى إسْحَاقَ ابنِ شَاقْلَا: فأنْتَ تُفْتِى، ولستَ تَحْفَظُ هذا القَدْرَ؟ فقال: لكِنِّى أُفْتِى بقَوْل مَنْ يحْفَظُ ألْفَ ألْفِ حديثٍ. يعْنِى الإمامَ أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ تعالَى عنه. ثمَّ إنَّ المُسْتَفتِىَ فيما يُفْتِيه (١) به مِن تخْرِيجِه هذا، مُقَلِّدٌ لإمامِه، لا له. وقيل: ما يُخَرِّجه أصْحابُ الإِمامِ على مذهبِه، هل يجوزُ أن ينْسِبُوه إليه، وأنَّه مذهبُه؟ فيه لَنا ولغيرِنا خِلافٌ وتفْصِيلٌ. والحاصِلُ، أنَّ المُجْتَهِدَ فى مذهبِ إمامِه، هو الذى يَتَمَكَّنُ مِن التَّفْريعِ

стр. 14313

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على أقْوالِه، كما يَتَمَكَّنُ المُجْتَهِدُ المُطْلَقُ مِن التَّفْريعِ على كلِّ ما انْعَقَدَ عليه الإجْماعُ ودَلَّ عليه الكِتابُ والسُّنَّةُ والاسْتِنْباطُ. [وليس] (١) مِن شَرْطِ المُجْتَهِدِ أَنْ يُفْتِىَ فى كلِّ مَسْأَلةٍ، بل يجبُ أَنْ يكونَ على بَصِيرَةٍ فيما يُفْتى به، بحيثُ يَحْكُمُ فيما يدْرى، ويدْرِى أنَّه يدْرِى، بل يَجْتَهِدُ المُجْتَهِدُ فى القِبْلَةِ، ويَجْتَهِدُ العامِّىُّ فى مَن يُقَلِّدُه ويتَّبِعُه. فهذه صِفَةُ المُجْتَهِدِينَ أرْبابِ الأوْجُهِ والتَّخارِيجِ والطُّرُقِ. وقد تقدَّم صِفَةُ تَخْريجِ هذا المُجْتَهِدِ، وأنَّه تارَةً يكونُ مِن نصِّه، وتارَةً يكونُ مِن غيرِه، قبلَ أقْسامِ المُجْتَهِدِ، مُحَرَّرًا. الحالَةُ الثَّالثةُ، أَنْ لا يَبْلُغَ به رُتْبَةَ أئمَّةِ المذهبِ أصحاب الوُجوهِ والطُّرُقِ، غيرَ أنَّه فَقِيهُ النَّفْسِ، حافِظٌ لمذهبِ إمامِه، عارِفٌ بأدِلَّتِه، قائمٌ بتَقْريرِه (٢)، ونُصْرَتِه، يُصَوِّرُ، ويُحَرِّرُ، ويُمَهِّدُ، ويُقَوِّى (٣)، ويُزَيِّفُ، ويُرَجِّحُ، لكنَّه قَصَّر عن دَرَجَةِ أُولئك؛ إمَّا لكَوْنِه لم يَبْلُغْ فى حِفْظِ المذْهبِ مَبْلَغهم، وإمَّا لكَوْنِه غيرَ مُتَبَحِّرٍ فى أُصولِ الفِقْهِ ونحوِه -على أنَّه لا يخْلُو مِثْلُه، فى ضِمْنِ ما يحْفَظُه مِن الفِقْهِ ويعْرِفُه مِن أدِلَّتِه، عن أطْرافٍ مِن قَواعِدِ أُصولِ الفِقْهِ ونحوِه- وإمَّا لكَوْنِه مُقَصِّرًا فى غيرِ ذلك مِنَ العُلومِ التى هى أدَواتُ الاجْتِهادِ الحاصِلِ لأصحابِ الوُجوهِ والطُّرُقِ، وهذه صِفَةُ كثيرٍ مِن المُتَأَخِّرينَ الذينَ رَتَّبُوا المذاهِبَ، وحرَّرُوها، وصنَّفُوا فيها تَصانِيفَ، بها يَشْتَغِلُ النَّاسُ اليومَ غالبًا، ولم يَلْحَقُوا

стр. 14314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَن (١) يُخَرِّجُ الوُجوهَ، ويُمَهِّدُ الطُّرُقَ فى المذاهبِ. وأمَّا فَتَاوِيهم، فقد كانُوا يَسْتَنْبِطُونَ فيها اسْتِنْباطَ أُولئكَ أو نحوَه، ويَقِيسُونَ غيرَ المَنْقُولِ والمَسْطُورِ على المَنْقُولِ والمَسطُورِ، نحوَ قِياسِ المرْأَةِ على الرَّجُلِ فى رُجوعِ البائعِ إلى عَيْنِ مالِه عندَ تعَذُّرِ الثَّمَنِ، ولا تبْلُغُ فَتاوِيهم فَتَاوَى أصحابِ الوُجوهِ، ورُبَّما تَطَرقَ بعْضُهم إلى تخْريجِ قَوْلٍ، واسْتِنْباطِ وَجْهٍ أو احْتِمالٍ، وفَتاوِيهم مَقْبُولةٌ. الحالةُ الرَّابعةُ، أَنْ يَقُومَ بحِفْظِ المذهبِ، ونقْلِه وفَهْمِه. فهذا يَعْتَمِدُ نَقْلُه وفَتْواه به، فيما يَحْكِيهِ مِن مَسْطوراتِ مَذْهبِه مِن مَنْصوصاتِ إمامِه، أو تفْرِيعاتِ أصحابِه المُجْتَهِدينَ فى مذهبِه، وتخْرِ يجاتِهم، وأمَّا ما لا يجِدُه مَنْقُولًا فى مذهبه؛ فإنْ وجَدَ فى المَنْقولِ ما هذا (٢) مَعْناه، بحيثُ يُدْرِكُ -مِن غيرِ فَضْلِ فِكْرٍ وتأَمُّلٍ- أنَّه لا فارِقَ بينَهما، كما فى الأمَةِ بالنِّسْبَةِ إلى العَبْدِ المَنْصوصِ عليه فى إعْتاقِ الشَّرِيكِ، جازَ له إلْحاقُه به والفَتْوَى به. وكذلك ما يُعْلَمُ انْدِراجُه تحتَ ضابِطٍ، ومَنْقُولٌ مُمَهَّدٌ مُحَرَّرٌ (٣) فى المذهبِ، وما لم يَكُنْ كذلك، فعليه الإمْساكُ عن الفُتْيَا فيه. ومِثْلُ هذا يقَعُ نادِرًا فى حقِّ مِثْلِ هذا المَذْكورِ؛ إذْ يَبْعُدُ أَنْ تَقَعَ واقِعَةٌ حادِثَةٌ (٤) لم يُنَصَّ على حُكْمِها فى المذهبِ، ولاهى فى مَعْنَى بعضِ المَنْصوصِ عليه فيه مِن غيرِ فَرْقٍ، ولا مُنْدَرِجَةٌ تحتَ شئٍ مِن [قَواعِد و] (٥) ضَوابِط المذهبِ المُحَرَّرِ فيه. ثمَّ

стр. 14315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إنَّ هذا الفَقِيهَ لا يكونُ إلَّا فَقِيهَ النَّفْسِ؛ لأَنَّ تَصْوِيرَ المَسائلِ على وَجْهِها، ونَقْلَ أحْكامِها بعدَه، لا يقُومُ به إلَّا فَقِيهُ النَّفْسِ، ويَكْفِى اسْتِحْضارُ (١) أكْثَرِ المذهبِ، مع قُدْرَته على مُطالَعَةِ بقِيَّتِه قريبًا. القِسْمُ الثَّالثُ، المُجْتَهِدُ فى نَوْع مِن العِلْمِ. فمَنْ عرَفَ القِياسَ وشُروطَه، فله أَنْ يُفْتِىَ فى مَسائِلَ منه قِياسِيَّةٍ لا تَتَعَلَّقُ بالحديثِ، ومَنْ عَرَفَ الفَرائِضَ، فله أَنْ يُفْتِىَ فيها، وإنْ جَهِلَ أحادِيثَ النِّكاحِ وغيرِه. وعليه الأصْحابُ. وقيل: يجوزُ ذلك فى الفَرائضِ دُونَ غيرِها. وقيل بالمَنْعِ فيهما. وهو بعيدٌ. ذكَره فى «آدابِ المُفْتِى». القِسْمُ الرَّابعُ، المُجْتَهِدُ فى مَسائِلَ، أو مَسْأَلَةٍ، وليس له الفَتْوَى فى غيرِها، وأمَّا فيها، فالأظْهَرُ جَوازُه. ويَحْتَمِلُ المَنْعَ؛ لأنَّه مَظِنَّةُ القُصورِ والتَّقْصِيرِ. قالَه فى «آدابِ المُفْتِى والمُسْتَفْتِى». قلتُ: المذهبُ الأَوَّلُ. قال ابنُ مُفْلِحٍ فى «أُصولِه»: يَتَجَزَّأُ الاجْتِهادُ عندَ أصحابِنا وغيرِهم. وجزَم به الآمِدِىُّ، خِلافًا لِبَعْضِهم. وذكَرَ بعضُ (٢) أصحابِنا مِثْلَه. وذكَرَ أيضًا قوْلًا، يَتَجَزَّأُ فى بابٍ لا (٢) مسْأَلَةٍ. انتهى. وقد تقدَّم ذلك فى أواخِرِ كتابِ القَضاءِ. هذه أقْسامُ المُجْتَهِدِ، ذكَرَها ابنُ حَمْدانَ فى «آدابِ المُفْتِى والمُسْتَفْتِى». فصل: قال ابنُ حَمْدانَ فى «آدابِ المُفْتِى»: قولُ أصحابِنا وغيرِهم:

стр. 14316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المذهبُ كذا. قد يكونُ بنَصِّ الإِمامِ، أو بإيمائِه، أو بتَخْريجِهم ذلك واسْتِنْباطِهم إيَّاه (١) مِن قوْلِه أو تَعْليلِه. وقوْلُهم: على الأصحِّ. أو: الصَّحيحُ. أو: الظَّاهرُ. أو: الأظْهَرُ. أو: المَشْهورُ، أو: الأشْهَرُ، أو: الأقْوَى، أو: الأقْيَسُ. فقد يكونُ عنِ الإِمامِ، رَضِىَ اللَّهُ تعالَى عنه، أو عن بعضِ أصحابِه. ثم الأصحُّ عنِ الإِمامِ، رَضِىَ اللَّه تُعالَى عنه، أوِ الأصحابِ، قد يكونُ شُهْرةً، وقد يكونُ نَقْلًا، وقد يكونُ دليلًا، أو عندَ القائلِ. وكذا القولُ فى الأشْهرِ، والأظْهَرِ، والأَوْلَى، والأقْيَسِ، ونحوِ ذلك. وقولُهم: وقيلَ. فإنَّه قد يكونُ رِوايةً بالإيماءِ، أو وَجْهًا، أو تَخْرِيجًا، أو احْتِمالًا. ثم الرِّوايةُ قد تكونُ نصًّا، أو إيماءً، أو تَخْريجًا مِنَ الأصحابِ، واخْتلافُ الأصْحابِ فى ذلك ونحوِه كثيرٌ، لا طائلَ فيه. والأوْجُهُ تُؤْخَذُ غالبًا مِن نصِّ لَفْظِ الإِمامِ، رَضِىَ اللَّهُ تعالَى عنه، ومَسائِلِه المُتَشابِهَةِ، وإيمائِه، وتعْليلِه. انتهى. قلتُ: قد تقدَّم ذلك فى مأْخَذِ الأوْجُهِ، وتقدَّم أكثرُ هذه العِباراتِ والمُصْطَلَحات فى الخُطْبَةِ. تنبيه: عقَد ابنُ حَمْدانَ بابًا فى «آدابِ المُفْتِى والمُسْتَفْتِى» لمَعْرِفَة عُيوبِ التآليفِ، وغيرِ ذلك، ليَعْلَمَ المُفْتِى كيفَ يَتَصَرَّفُ فى المَنْقولِ، وما مُرادُ قائِلِة ومؤلِّفِه، فَيَصِحَّ نقْلُه للمذهبِ، وعَزْوه إلى الإِمامِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وبعض أصحابه، فأحْبَبْت أَنْ أذْكُرَه هنا؛ لأَنَّ كتابَنَا هذا (٢) مُشْتَمِلٌ على ما قالَه، فقال: اعلمْ أن أعْظَمَ المَخاذيرِ فى الئالمجو النقْلِى إهْمالُ نقْلِ الألْفاظِ بأعْيانِها، والاكْتِفاءُ

стр. 14317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بنَقْلِ المعانِى، مع قُصورِ التَّأَمُّلِ عنِ اسْتِيعابِ مُرادِ المُتَكَلِّمِ الأَوَّلِ بلَفْظِه، ورُبَّما كانتْ بقِيَّةُ الأسْبابِ مُفَرَّعَةً عنه؛ لأَنَّ القَطْعَ بحُصولِ مُرادِ المُتَكَلِّمِ بكلامِه، أو الكاتِبِ بكتابَتِه، مع ثِقَةِ الرَّاوىِ، يتوَقَّفُ على انْتِفاءِ الإِضْمارِ، والتَّخْصيصِ، والنَّسْخِ، والتَّقْديمِ، والتَّأْخيرِ، والاشْتِراكِ، والتَّجَوُّزِ، والتَّقْديرِ، والنَّقْلِ، والمُعارِضِ العَقْلِىِّ، فكُلُّ نقْلٍ لا يُؤْمَنُ معه حُصولُ بعضِ الأسْبابِ، ولا نقْطَعُ بانْتِفائِها، نحن ولا النَّاقِلُ، ولا نظُنُّ عدَمَها، ولا قرِينَةَ تَنْفِيها، ولا نَجْزِمُ فيه بمُرادِ المُتَكَلِّمِ، بل رُبَّما ظَنَنَّاه، أو تَوَهَّمْناه، ولو نُقِلَ لفْظُه بعَيْنِه، وقَرائنهِ، وتاريخِه، وأسْبابِه، لانْتَفَى هذا المَحْذورُ أو أكثرُه، وهذا مِن حيثُ الإِجْمالُ، وإنَّما يَحْصُلُ الظَّنُّ بنَقْلِ المُتَحَرِّى، فيُعْذَرُ تارةً لدَعْوَى الحاجَةِ إلى التَّصَرُّفِ لأسْبابٍ ظاهِرَةٍ، ويكْفِى ذلك فى الأُمورِ الظَّنِّيَّةِ وأكثرِ المَسائلِ الفُروعِيَّةِ، وأمَّا التَّفْصيلُ، فهو أنَّه لمَّا ظهَرَ التَّظاهُرُ بمذاهبِ (١) الأئمَّةِ، ﵏ ورَضِىَ عنهم، والتَّناصُرُ لها مِن عُلَماءِ الأمَّةِ، وصارَ لكُلِّ مذهبٍ منها أحْزابٌ وأنْصارٌ، وصارَ دَأْبُ كلِّ فريقٍ نَصْرَ قوْلِ صاحبِهم، وقد لا يكونُ أحدُهم قد اطَّلَعَ على مأْخَذِ إمامِه فى ذلك الحُكْمِ؛ فَتَارَةً يُثْبِتُه بما أثبَتَه به إمامُه، ولا يعْلَمُ بالمُوافَقَةِ، وتارة يُثْبِنُه بغيرِه، ولا يشْعُرُ بالمُخالفَةِ. ومَحْذُورُ ذلك ما يسْتَجِيزُه فاعِلُ ذلك مِن تخْريجِ أقاوِيلِ إمامِه مِن مسْألَةٍ إلى مسْألَةٍ أُخْرى، والتَّفريعِ على ما اعْتَقدَه مذهبًا له بهذا التَّعْليلِ، وهو لهذا الحُكْمِ غيرُ دليلٍ، ونِسْبَةِ (٢) القَوْلَيْن إليه بتَخْريجِه. ورُبَّما حَمَلَ كلامَ الإِمامِ

стр. 14318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيما خالفَ نظِيرَه على ما يُوافِقُه، اسْتِمْرارًا لقاعِدَةِ تعْليلِه، وسَعْيًا فى تصْحيحِ تأْوِيلِه، وصارَ كلٌّ منهم يَنْقُلُ عنِ الإمام ما سَمِعَه، أو بَلَغَه عنه، مِن غيرِ ذِكْرِ سَبَبٍ ولا تاريخٍ؛ فإنَّ العِلْمَ بذلك قرينَةٌ فى إفادَةِ مُرادِه مِن ذلك اللَّفْظِ (١)، كما سَبَق، فيَكْثُرُ لذلك الخَبْطُ؛ لأَنَّ الآتِىَ بعدَه يجدُ عنِ الإمام اخْتِلافَ أقْوالٍ، واخْتِلالَ أحْوالٍ، فيتَعَذَّرُ عليه نِسْبَةُ أحدِهما إليه على أنَّه مذهبٌ له، يجبُ على مُقَلِّدِه المَصِيرُ إليه، دُونَ بَقِيَّةِ أقَاوِيلِه، إنْ كان النَّاظِرُ مُجْتَهِدًا. وأمَّا إِنْ كان مُقَلِّدًا، فغَرَضُه معْرِفَةُ مذهبِ إمامِه بالنَّقْلِ عنه، ولا يحْصلُ غرَضُه مِن جِهَةِ نفْسِه؛ لأنَّه لا يُحْسِنُ الجَمْعَ، ولا يَعْلَمُ التَّاريخَ؛ لعدَمِ ذِكْرِه، ولا التَّرْجِيحَ عندَ التَّعارُضِ بينَهما؛ لتَعَذُّره منه. وهذا المَحْذورُ إنَّما لَزِمَ مِنَ الإخْلالِ بما ذكَرْنا، فيَكونُ مَحْذُورًا. ولقد اسْتَمَرَّ كثيرٌ مِن المُصنِّفِينَ، والحاكِينَ (٢) على قوْلِهم: مذهبُ فُلانٍ كذا. و: مذهبُ فُلانٍ كذا. فإنْ أرادُوا بذلك أنَّه (٣) نُقِلَ عنه فقط، فلِمَ يُفْتُونَ به فى وَقْتٍ ما على أنَّه مذهبُ الإِمامِ؟ وإنْ أرادُوا أنَّه المُعَوَّلُ عليه عندَه، ويَمْتَنِعُ المَصِيرُ إلى غيرِه للمُقَلِّدِ، فلا يخْلُو حِينَئَذٍ؛ إمَّا أَنْ يكونَ التَّارِيخُ معْلومًا أو مجْهولًا؛ فإنْ كان معْلومًا، فلا يخْلُو؛ إمَّا أَنْ يكونَ مذهبُ إمامِه أنَّ القَوْلَ الأخيرَ يَنْسَخُ (٤) إذا تَناقَضَا، كالأخْبارِ، أو ليس مذهَبُه كذلك، بل يَرَى عَدَمَ نَسْخِ الأَوَّلِ بالثَّانى، أو لم يُنْقَلْ عنه شئٌ مِن ذلك؛ فإنْ كان مذهبُه اعْتِقادَ

стр. 14319

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النَّسْخِ، فالأخِيرُ مذهبُه، فلا تجوزُ الفَتْوَى بالأوَّلِ للمُقَلِّدِ، ولا التَّخْرِيجُ منه، ولا النَّقْضُ به، وإنْ كان مذهبُه أنَّه لا يُنْسَخُ الأَوَّلُ بالثَّانى عندَ التَّنافِى؛ فإمَّا أَنْ يكونَ الإِمامُ يرَى جَوازَ الأخْذِ بأيِّهما شاءَ المُقَلِّدُ إذا أَفْتاه المُفْتِى، أو يكونَ مذهبُه الوَقْفَ، أو شيئًا آخَرَ؛ فإنْ كان مذهبُه القَوْلَ بالتَّخْيِيرِ، كان الحُكْمُ (١) واحدًا لا يتَعَدَّدُ، وهو خِلافُ الفَرْضِ، وإنْ كان ممَّنْ يرَى الوَقْفَ، تعَطَّلَ الحُكْمُ حِينَئذٍ، ولا يكونُ له فيها قولٌ يعْمَلُ عليه سِوَى الامْتِناعِ مِنَ العَمَلِ بشئ مِن أقْوالِه. وإنْ لم يُنْقَلْ عن إمامِه شئٌ مِن ذلك، فهو لا يَعْرِفُ حُكْمَ إمامِه فيها، فيكونُ شَبِيهًا بالقَوْلِ بالوَقْفِ، فى أنَّه يمْتَنِعُ مِن العَمَلِ بشئٍ منها. هذا كلُّه إنْ عُلِمَ التَّارِيخُ. وأمَّا إنْ جُهِلَ، فإمَّا أَنْ يُمْكِنَ الجَمْعُ بينَ القَوْلَيْن، باخْتِلافِ حالَيْن أو مَحَلَّيْن، أو لا يُمْكِنَ؛ فإنْ أمْكَنَ، فإمَّا أَنْ يكونَ مذهبُ إمامِه جَوازَ الجَمْعِ حِينَئذٍ، كما فى الآثارِ، أو وُجوبَه، أو التَّخْيِيرَ، أو الوَقْفَ، أو لم يُنْقَلْ عنه شئٌ مِن ذلك؛ فإنْ كان الأوَّلَ أو الثَّانىَ، فليسَ له حِينَئذٍ إلَّا قولٌ واحدٌ، وهو ما اجْتَمَعَ منهما، فلا يَحِلُّ حِينَئذٍ الفُتْيا بأحَدِهما على ظاهرِه، على وَجْهٍ لا يُمْكِنُ الجَمْعُ. وإن كان الثَّالِثَ، فمذهبُه أحدُهما بلا ترْجِيحٍ. وهو بعيدٌ، سِيَّما مع تَعَذُّرِ تَعادُلِ الأَماراتِ. وإنْ كان الرَّابعَ أو الخامِسَ، فلا عَمَلَ إذَنْ. وأمَّا إنْ لم يُمْكِنِ الجمعُ مع الجَهْلِ بالتَّاريخِ، فإمَّا أَنْ يَعْتَقِدَ نَسْخَ الأَوَّلِ بالثَّانى، أو لا يعْتَقِدَ؛ فإنْ كان يَعْتَقِدُ ذلك، وَجَبَ الامْتِناعُ عن الأخْذِ بأحَدِهما؛ لأنَّا لا نعْلَمُ أيُّهما هو المَنْسوخُ عندَه، وإنْ لم يَعْتَقِدِ النَّسْخَ؛ فإمَّا التَّخْيِيرُ، وإمَّا الوَقْفُ، أو غيرُهما، والحُكْمُ فى الكلِّ

стр. 14320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سَبَق. ومع هذا كلِّه، فإنَّه يحْتاجُ إلى اسْتِحْضارِ ما اطَّلَعَ عليه مِن نُصوصِ إمامِه عندَ حِكايةِ بعضِها مذهبًا له، ثم لا يَخْلُو؛ إمَّا أَنْ يكونَ إمامُه (١) يعْتَقِدُ وُجوبَ تجْديدِ الاجْتِهادِ فى ذلك، أَوْ لا؛ فإنِ اعْتقَدَه، وَجَبَ عليه تجْديدُه فى كلِّ حينٍ أرادَ حِكايةَ مذهبِه. وهذا يتَعذَّرُ فى مَقْدِرَةِ البَشَرِ إنْ شاءَ اللَّهُ؛ لأَنَّ ذلك يسْتَدْعِى الإِحاطةَ بما نُقِلَ عنِ الإِمامِ فى تلك المسْألَةِ على جِهَتِه فى كلِّ وقتٍ يُسْأَلُ. ومَنْ لم يُصَنِّفْ كُتُبًا فى المذهبِ، بل أخذَ أكْثَرَ مذهبِه مِن قوْلِه وفَتاوِيه، كيف يُمْكِنُ حَصْرُ ذلك عنه؟ هذا بعيدٌ عادةً. وإنْ لم يَكُنْ مذهبُ إمامِه وُجوبَ تجْديدِ الاجْتِهادِ عندَ نِسْبَةِ بعضِها إليه مذهبًا له، يُنْظَرُ؛ فإنْ قيل: رُبَّما لا يكونُ مذهبُ أحدٍ القَوْلَ بشئٍ مِن ذلك، فضْلًا عنِ الإِمامِ قُلْنا: نحنُ لم نَجْزِمْ بحُكْمٍ فيها، بل ردَدْناه، وقُلْنا: إنْ كان كذا، [لَزِمَ منه كذا] (٢)، ويكْفِى فى إيقافِ أقْدامِ هؤلاءِ تكْلِيفُهم نقْلَ هذه الأشْياءِ عن الإِمامِ، ومع ذلك فكثيرٌ مِن هذه الأقسامِ قد ذَهَبَ إليه كثيرٌ مِن الأئمَّةِ، وليسَ هذا مَوْضِعَ بَيانِه، وإنَّما يُقابِلُونَ هذا التَّحْقيقَ بكثْرَةِ نَقْلِ الرِّواياتِ، والأوْجُهِ، والاحْتِمالاتِ، والتَّهَجُّمِ على التَّخْريجِ والتَّفْريعِ، حتى لقد صارَ هذا عندَهم (٣) عادةً وفضِيلَةً، فَمَنْ لم يأْتِ بذلك، لم يكُنْ عندَهم بمَنْزِلَةٍ، فالْتَزَمُوا -للحَمِيَّةِ- نَقْلَ ما لا يجوزُ نقْلُه؛ لِمَا عَلِمْتَه آنِفًا. ثم لقد عَمَّ أكْثرَهم، بل كلَّهم، نقْلُ أقاوِيلَ يجبُ الإِعْراضُ عنها فى نظَرِهم؛ بِناءً على كوْنِه قوْلًا ثالثًا، وهو باطِلٌ عندَهم، أو لأنَّها مُرْسَلَةٌ فى سَنَدِها عن قائِلِها، وخرَّجُوا ما
следующие страницы →