. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المذهبُ كذا. قد يكونُ بنَصِّ الإِمامِ، أو بإيمائِه، أو بتَخْريجِهم ذلك واسْتِنْباطِهم إيَّاه (١) مِن قوْلِه أو تَعْليلِه. وقوْلُهم: على الأصحِّ. أو: الصَّحيحُ. أو: الظَّاهرُ. أو: الأظْهَرُ. أو: المَشْهورُ، أو: الأشْهَرُ، أو: الأقْوَى، أو: الأقْيَسُ. فقد يكونُ عنِ الإِمامِ، رَضِىَ اللَّهُ تعالَى عنه، أو عن بعضِ أصحابِه. ثم الأصحُّ عنِ الإِمامِ، رَضِىَ اللَّه تُعالَى عنه، أوِ الأصحابِ، قد يكونُ شُهْرةً، وقد يكونُ نَقْلًا، وقد يكونُ دليلًا، أو عندَ القائلِ. وكذا القولُ فى الأشْهرِ، والأظْهَرِ، والأَوْلَى، والأقْيَسِ، ونحوِ ذلك. وقولُهم: وقيلَ. فإنَّه قد يكونُ رِوايةً بالإيماءِ، أو وَجْهًا، أو تَخْرِيجًا، أو احْتِمالًا. ثم الرِّوايةُ قد تكونُ نصًّا، أو إيماءً، أو تَخْريجًا مِنَ الأصحابِ، واخْتلافُ الأصْحابِ فى ذلك ونحوِه كثيرٌ، لا طائلَ فيه. والأوْجُهُ تُؤْخَذُ غالبًا مِن نصِّ لَفْظِ الإِمامِ، رَضِىَ اللَّهُ تعالَى عنه، ومَسائِلِه المُتَشابِهَةِ، وإيمائِه، وتعْليلِه. انتهى. قلتُ: قد تقدَّم ذلك فى مأْخَذِ الأوْجُهِ، وتقدَّم أكثرُ هذه العِباراتِ والمُصْطَلَحات فى الخُطْبَةِ.
تنبيه: عقَد ابنُ حَمْدانَ بابًا فى «آدابِ المُفْتِى والمُسْتَفْتِى» لمَعْرِفَة عُيوبِ التآليفِ، وغيرِ ذلك، ليَعْلَمَ المُفْتِى كيفَ يَتَصَرَّفُ فى المَنْقولِ، وما مُرادُ قائِلِة ومؤلِّفِه، فَيَصِحَّ نقْلُه للمذهبِ، وعَزْوه إلى الإِمامِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وبعض أصحابه، فأحْبَبْت أَنْ أذْكُرَه هنا؛ لأَنَّ كتابَنَا هذا (٢) مُشْتَمِلٌ على ما قالَه، فقال: اعلمْ أن أعْظَمَ المَخاذيرِ فى الئالمجو النقْلِى إهْمالُ نقْلِ الألْفاظِ بأعْيانِها، والاكْتِفاءُ
стр. 14317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بنَقْلِ المعانِى، مع قُصورِ التَّأَمُّلِ عنِ اسْتِيعابِ مُرادِ المُتَكَلِّمِ الأَوَّلِ بلَفْظِه، ورُبَّما كانتْ بقِيَّةُ الأسْبابِ مُفَرَّعَةً عنه؛ لأَنَّ القَطْعَ بحُصولِ مُرادِ المُتَكَلِّمِ بكلامِه، أو الكاتِبِ بكتابَتِه، مع ثِقَةِ الرَّاوىِ، يتوَقَّفُ على انْتِفاءِ الإِضْمارِ، والتَّخْصيصِ، والنَّسْخِ، والتَّقْديمِ، والتَّأْخيرِ، والاشْتِراكِ، والتَّجَوُّزِ، والتَّقْديرِ، والنَّقْلِ، والمُعارِضِ العَقْلِىِّ، فكُلُّ نقْلٍ لا يُؤْمَنُ معه حُصولُ بعضِ الأسْبابِ، ولا نقْطَعُ بانْتِفائِها، نحن ولا النَّاقِلُ، ولا نظُنُّ عدَمَها، ولا قرِينَةَ تَنْفِيها، ولا نَجْزِمُ فيه بمُرادِ المُتَكَلِّمِ، بل رُبَّما ظَنَنَّاه، أو تَوَهَّمْناه، ولو نُقِلَ لفْظُه بعَيْنِه، وقَرائنهِ، وتاريخِه، وأسْبابِه، لانْتَفَى هذا المَحْذورُ أو أكثرُه، وهذا مِن حيثُ الإِجْمالُ، وإنَّما يَحْصُلُ الظَّنُّ بنَقْلِ المُتَحَرِّى، فيُعْذَرُ تارةً لدَعْوَى الحاجَةِ إلى التَّصَرُّفِ لأسْبابٍ ظاهِرَةٍ، ويكْفِى ذلك فى الأُمورِ الظَّنِّيَّةِ وأكثرِ المَسائلِ الفُروعِيَّةِ، وأمَّا التَّفْصيلُ، فهو أنَّه لمَّا ظهَرَ التَّظاهُرُ بمذاهبِ (١) الأئمَّةِ، ﵏ ورَضِىَ عنهم، والتَّناصُرُ لها مِن عُلَماءِ الأمَّةِ، وصارَ لكُلِّ مذهبٍ منها أحْزابٌ وأنْصارٌ، وصارَ دَأْبُ كلِّ فريقٍ نَصْرَ قوْلِ صاحبِهم، وقد لا يكونُ أحدُهم قد اطَّلَعَ على مأْخَذِ إمامِه فى ذلك الحُكْمِ؛ فَتَارَةً يُثْبِتُه بما أثبَتَه به إمامُه، ولا يعْلَمُ بالمُوافَقَةِ، وتارة يُثْبِنُه بغيرِه، ولا يشْعُرُ بالمُخالفَةِ. ومَحْذُورُ ذلك ما يسْتَجِيزُه فاعِلُ ذلك مِن تخْريجِ أقاوِيلِ إمامِه مِن مسْألَةٍ إلى مسْألَةٍ أُخْرى، والتَّفريعِ على ما اعْتَقدَه مذهبًا له بهذا التَّعْليلِ، وهو لهذا الحُكْمِ غيرُ دليلٍ، ونِسْبَةِ (٢) القَوْلَيْن إليه بتَخْريجِه. ورُبَّما حَمَلَ كلامَ الإِمامِ
стр. 14318
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيما خالفَ نظِيرَه على ما يُوافِقُه، اسْتِمْرارًا لقاعِدَةِ تعْليلِه، وسَعْيًا فى تصْحيحِ تأْوِيلِه، وصارَ كلٌّ منهم يَنْقُلُ عنِ الإمام ما سَمِعَه، أو بَلَغَه عنه، مِن غيرِ ذِكْرِ سَبَبٍ ولا تاريخٍ؛ فإنَّ العِلْمَ بذلك قرينَةٌ فى إفادَةِ مُرادِه مِن ذلك اللَّفْظِ (١)، كما سَبَق، فيَكْثُرُ لذلك الخَبْطُ؛ لأَنَّ الآتِىَ بعدَه يجدُ عنِ الإمام اخْتِلافَ أقْوالٍ، واخْتِلالَ أحْوالٍ، فيتَعَذَّرُ عليه نِسْبَةُ أحدِهما إليه على أنَّه مذهبٌ له، يجبُ على مُقَلِّدِه المَصِيرُ إليه، دُونَ بَقِيَّةِ أقَاوِيلِه، إنْ كان النَّاظِرُ مُجْتَهِدًا. وأمَّا إِنْ كان مُقَلِّدًا، فغَرَضُه معْرِفَةُ مذهبِ إمامِه بالنَّقْلِ عنه، ولا يحْصلُ غرَضُه مِن جِهَةِ نفْسِه؛ لأنَّه لا يُحْسِنُ الجَمْعَ، ولا يَعْلَمُ التَّاريخَ؛ لعدَمِ ذِكْرِه، ولا التَّرْجِيحَ عندَ التَّعارُضِ بينَهما؛ لتَعَذُّره منه. وهذا المَحْذورُ إنَّما لَزِمَ مِنَ الإخْلالِ بما ذكَرْنا، فيَكونُ مَحْذُورًا. ولقد اسْتَمَرَّ كثيرٌ مِن المُصنِّفِينَ، والحاكِينَ (٢) على قوْلِهم: مذهبُ فُلانٍ كذا. و: مذهبُ فُلانٍ كذا. فإنْ أرادُوا بذلك أنَّه (٣) نُقِلَ عنه فقط، فلِمَ يُفْتُونَ به فى وَقْتٍ ما على أنَّه مذهبُ الإِمامِ؟ وإنْ أرادُوا أنَّه المُعَوَّلُ عليه عندَه، ويَمْتَنِعُ المَصِيرُ إلى غيرِه للمُقَلِّدِ، فلا يخْلُو حِينَئَذٍ؛ إمَّا أَنْ يكونَ التَّارِيخُ معْلومًا أو مجْهولًا؛ فإنْ كان معْلومًا، فلا يخْلُو؛ إمَّا أَنْ يكونَ مذهبُ إمامِه أنَّ القَوْلَ الأخيرَ يَنْسَخُ (٤) إذا تَناقَضَا، كالأخْبارِ، أو ليس مذهَبُه كذلك، بل يَرَى عَدَمَ نَسْخِ الأَوَّلِ بالثَّانى، أو لم يُنْقَلْ عنه شئٌ مِن ذلك؛ فإنْ كان مذهبُه اعْتِقادَ
стр. 14319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النَّسْخِ، فالأخِيرُ مذهبُه، فلا تجوزُ الفَتْوَى بالأوَّلِ للمُقَلِّدِ، ولا التَّخْرِيجُ منه، ولا النَّقْضُ به، وإنْ كان مذهبُه أنَّه لا يُنْسَخُ الأَوَّلُ بالثَّانى عندَ التَّنافِى؛ فإمَّا أَنْ يكونَ الإِمامُ يرَى جَوازَ الأخْذِ بأيِّهما شاءَ المُقَلِّدُ إذا أَفْتاه المُفْتِى، أو يكونَ مذهبُه الوَقْفَ، أو شيئًا آخَرَ؛ فإنْ كان مذهبُه القَوْلَ بالتَّخْيِيرِ، كان الحُكْمُ (١) واحدًا لا يتَعَدَّدُ، وهو خِلافُ الفَرْضِ، وإنْ كان ممَّنْ يرَى الوَقْفَ، تعَطَّلَ الحُكْمُ حِينَئذٍ، ولا يكونُ له فيها قولٌ يعْمَلُ عليه سِوَى الامْتِناعِ مِنَ العَمَلِ بشئ مِن أقْوالِه. وإنْ لم يُنْقَلْ عن إمامِه شئٌ مِن ذلك، فهو لا يَعْرِفُ حُكْمَ إمامِه فيها، فيكونُ شَبِيهًا بالقَوْلِ بالوَقْفِ، فى أنَّه يمْتَنِعُ مِن العَمَلِ بشئٍ منها. هذا كلُّه إنْ عُلِمَ التَّارِيخُ. وأمَّا إنْ جُهِلَ، فإمَّا أَنْ يُمْكِنَ الجَمْعُ بينَ القَوْلَيْن، باخْتِلافِ حالَيْن أو مَحَلَّيْن، أو لا يُمْكِنَ؛ فإنْ أمْكَنَ، فإمَّا أَنْ يكونَ مذهبُ إمامِه جَوازَ الجَمْعِ حِينَئذٍ، كما فى الآثارِ، أو وُجوبَه، أو التَّخْيِيرَ، أو الوَقْفَ، أو لم يُنْقَلْ عنه شئٌ مِن ذلك؛ فإنْ كان الأوَّلَ أو الثَّانىَ، فليسَ له حِينَئذٍ إلَّا قولٌ واحدٌ، وهو ما اجْتَمَعَ منهما، فلا يَحِلُّ حِينَئذٍ الفُتْيا بأحَدِهما على ظاهرِه، على وَجْهٍ لا يُمْكِنُ الجَمْعُ. وإن كان الثَّالِثَ، فمذهبُه أحدُهما بلا ترْجِيحٍ. وهو بعيدٌ، سِيَّما مع تَعَذُّرِ تَعادُلِ الأَماراتِ. وإنْ كان الرَّابعَ أو الخامِسَ، فلا عَمَلَ إذَنْ. وأمَّا إنْ لم يُمْكِنِ الجمعُ مع الجَهْلِ بالتَّاريخِ، فإمَّا أَنْ يَعْتَقِدَ نَسْخَ الأَوَّلِ بالثَّانى، أو لا يعْتَقِدَ؛ فإنْ كان يَعْتَقِدُ ذلك، وَجَبَ الامْتِناعُ عن الأخْذِ بأحَدِهما؛ لأنَّا لا نعْلَمُ أيُّهما هو المَنْسوخُ عندَه، وإنْ لم يَعْتَقِدِ النَّسْخَ؛ فإمَّا التَّخْيِيرُ، وإمَّا الوَقْفُ، أو غيرُهما، والحُكْمُ فى الكلِّ
стр. 14320
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَبَق. ومع هذا كلِّه، فإنَّه يحْتاجُ إلى اسْتِحْضارِ ما اطَّلَعَ عليه مِن نُصوصِ إمامِه عندَ حِكايةِ بعضِها مذهبًا له، ثم لا يَخْلُو؛ إمَّا أَنْ يكونَ إمامُه (١) يعْتَقِدُ وُجوبَ تجْديدِ الاجْتِهادِ فى ذلك، أَوْ لا؛ فإنِ اعْتقَدَه، وَجَبَ عليه تجْديدُه فى كلِّ حينٍ أرادَ حِكايةَ مذهبِه. وهذا يتَعذَّرُ فى مَقْدِرَةِ البَشَرِ إنْ شاءَ اللَّهُ؛ لأَنَّ ذلك يسْتَدْعِى الإِحاطةَ بما نُقِلَ عنِ الإِمامِ فى تلك المسْألَةِ على جِهَتِه فى كلِّ وقتٍ يُسْأَلُ. ومَنْ لم يُصَنِّفْ كُتُبًا فى المذهبِ، بل أخذَ أكْثَرَ مذهبِه مِن قوْلِه وفَتاوِيه، كيف يُمْكِنُ حَصْرُ ذلك عنه؟ هذا بعيدٌ عادةً. وإنْ لم يَكُنْ مذهبُ إمامِه وُجوبَ تجْديدِ الاجْتِهادِ عندَ نِسْبَةِ بعضِها إليه مذهبًا له، يُنْظَرُ؛ فإنْ قيل: رُبَّما لا يكونُ مذهبُ أحدٍ القَوْلَ بشئٍ مِن ذلك، فضْلًا عنِ الإِمامِ قُلْنا: نحنُ لم نَجْزِمْ بحُكْمٍ فيها، بل ردَدْناه، وقُلْنا: إنْ كان كذا، [لَزِمَ منه كذا] (٢)، ويكْفِى فى إيقافِ أقْدامِ هؤلاءِ تكْلِيفُهم نقْلَ هذه الأشْياءِ عن الإِمامِ، ومع ذلك فكثيرٌ مِن هذه الأقسامِ قد ذَهَبَ إليه كثيرٌ مِن الأئمَّةِ، وليسَ هذا مَوْضِعَ بَيانِه، وإنَّما يُقابِلُونَ هذا التَّحْقيقَ بكثْرَةِ نَقْلِ الرِّواياتِ، والأوْجُهِ، والاحْتِمالاتِ، والتَّهَجُّمِ على التَّخْريجِ والتَّفْريعِ، حتى لقد صارَ هذا عندَهم (٣) عادةً وفضِيلَةً، فَمَنْ لم يأْتِ بذلك، لم يكُنْ عندَهم بمَنْزِلَةٍ، فالْتَزَمُوا -للحَمِيَّةِ- نَقْلَ ما لا يجوزُ نقْلُه؛ لِمَا عَلِمْتَه آنِفًا. ثم لقد عَمَّ أكْثرَهم، بل كلَّهم، نقْلُ أقاوِيلَ يجبُ الإِعْراضُ عنها فى نظَرِهم؛ بِناءً على كوْنِه قوْلًا ثالثًا، وهو باطِلٌ عندَهم، أو لأنَّها مُرْسَلَةٌ فى سَنَدِها عن قائِلِها، وخرَّجُوا ما
стр. 14321
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يكونُ بمَنْزِلَةِ قولٍ ثالثٍ؛ بِناءً على ما يظْهَرُ لهم مِن الدَّليلِ، فما هؤلاء بمُقَلِّدِينَ حِينَئذٍ. وقد يَحْكِى أحدُهم فى كتابِه أشْياءَ، يَتَوَهَّمُ المُسْتَرْشِدُ أنَّها إمَّا مأْخُوذَةٌ مِن نُصوصِ الإِمامِ، أو ممَّا اتَّفقَ الأصحابُ [على نِسْبَتِها] (١) إلى الإِمامِ مذهبًا له، ولا يَذْكُرُ الحاكِى له ما يدُلُّ على ذلك، ولا أنَّه اخْتِيارٌ له، ولعَلَّه يكونُ قد اسْتَنْبَطَه أو رَآه وَجْهًا لبعضِ الأصحابِ، أو احْتِمالًا له (٢)، فهذا أشْبَهَ التَّدْلِيسَ؛ فإنْ قصَدَه فشِبْهُ المَيْنِ (٣)، وإنْ وقَع سَهْوًا أو جَهْلًا، فهو أعْلَى مَراتِبِ البَلادَةِ والشَّيْنِ، كما قيل (٤):
فإنْ كنتَ لا تدْرِى فتلكَ مُصِيبَةٌ ... وإنْ كنتَ تدْرِى فالمُصِيبَةُ أعْظَمُ
وقد يَحْكُونَ فى كُتُبِهم ما لَا يَعْتَقِدونَ صِحَّتَه، ولا يجوزُ عندَهم العمَلُ به، ويُرْهِقُهم إلى ذلك تكْثِيرُ الأقاوِيلِ؛ لأَنَّ كل مَنْ يحْكِى عنِ الإمام أقْوالًا مُتناقِضَةً، أو يُخَرِّجُ خِلافَ المَنْقُولِ عنِ الإِمامِ، فإنَّه لا يَعْتَقِدُ الجَمْعَ بينَهَما على وَجْهِ الجَمْعِ، بل إمَّا التَّخْيِيرُ، أو الوَقْفُ، أو البَدَلُ، أو الجَمْعُ بينَهما على وَجْهٍ يَلْزَمُ عنهما (٥) قولٌ واحدٌ، باعْتِبارِ حالَيْن، أو مَحَلَّيْن. وكلُّ واحدٍ مِن هذه الأقْسامِ حُكْمُه خِلافُ هذه الحِكايةِ عندَ تَعَرِّيها عن قَرينَةٍ مُفيدَةٍ لذلك، والغرَضُ كذلك. وقد يَشْرَحُ أحدُهم كِتابًا، ويَجْعَلُ ما يقُولُه صاحِبُ الكتابِ المَشْروحِ
стр. 14322
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رِوايةً، أو وَجْهًا، أو اخْتِيارًا لصاحبِ الكِتابِ، ولم يكُنْ ذكَرَه [صاحِبُ الكِتابِ] (١) عن نفْسِه، أو أنَّه ظاهِرُ المذهبِ، مِن غيرِ أَنْ يُبَيِّنَ سبَبَ شئٍ مِن ذلك. وهذا إجْمالٌ، أو إهْمالٌ. وقد يقُولُ أحدُهم: الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. أو: ظاهِرُ المذهبِ كذا. ولا يقولُ: وعنْدِى. ويقُولُ غيرُه خِلافَ ذلك، فلِمَنْ يُقَلِّدُ العامِّىُّ إذَنْ؟ فإنَّ كُلًّا منهم يعْمَلُ بما يرَى، فالتَّقْليدُ إذَنْ ليسَ للإمامِ، بل للأصحابِ فى أن هذا مذهبُ الإِمامِ، ثمَّ إنَّ أكْثَرَ المُصَنِّفِينَ والحاكِينَ (٢) قد يفْهَمُونَ مَعْنَّى، ويُعَبِّرونَ عنه بلَفْظٍ يَتَوَهَّمُونَ أنَّه وافٍ بالغَرَضِ، وليس كذلك، فإذا نظَرَ أحدٌ فيه وفى قوْلِ مَنْ أتَى بلَفْظٍ وافٍ بالغَرَضِ، رُبَّما يَتَوَهَّمُ أنَّها مسْألَةُ خِلافٍ؛ لأَنَّ بعْضَهم قد يَفْهَمُ مِن عِبارَةِ مَنْ يَثِقُ به مَعْنًى قد يكونُ على وَفْقِ مُرادِ المُصَنِّفِ للَّفْظِ، وقد لا يكونُ، فَيَحْصُرُ ذلك المَعْنَى فى لَفْظٍ وَجيز، فبالضَّرُورَةِ يَصِيرُ مفْهومُ كلِّ واحدٍ من (٣) اللَّفْطن -مِن جِهَةِ التَّنْبِيهِ وغيرِه- غيرَ مَفْهومٍ للآخَرِ. وقد يَذْكُرُ أحدُهم فى مسْأَلَةٍ إجْماعًا، بِناة على عدَمِ عِلْمِه بقَوْلٍ يُخالِفُ ما يَعْلَمُه. ومَنْ تَتَبَّعَ حِكايَةَ الإجْماعاتِ ممَّنْ يَحْكِيها وطالَبَه بمُسْتَندَاتِها، عَلِمَ (٤) صِحَّةَ ما ادَّعَيْناه. ورُبَّما أتَى بعضُ النَّاسِ بلَفْظٍ يُشْبِهُ قَوْلَ مَنْ قبلَه، ولم يكُنْ أخَذَه منه، فيُظَنُّ أنَّه قد أخذَه منه، فيُحْمَلُ كلامُه على مَحْمَلِ كلامِ مَنْ قبلَه، فإنْ رُئِىَ مُغايرًا له، نُسِبَ إلى السَّهْوِ أو الجَهْلِ، أو تَعَمُّدِ الكَذِبِ إنْ كان، أو يكونُ قد أخذَ منه، وأتَى
стр. 14323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بلَفْظٍ يُغايِرُ مدْلُولَ كلامِ مَنْ أخذَ منه، [فيُظَنُّ أنَّه لم يأْخذْ منه، فيُحْمَلُ كلامُه على غيرِ مَحْمَلِ كلامِ مَنْ أخَذَ منه] (١)، فيُجْعَلُ الخِلافُ فيما لا خِلافَ فيه، أو الوِفَاقُ فيما فيه خِلافٌ. وقد يَقْصِدُ أحدُهم حِكايةَ معْنَى ألْفاظِ الغيرِ، ورُبَّما كانُوا ممَّنْ لا يرَى جَوازَ نَقْلِ المَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، وقد يكونُ فاعِلُ ذلك ممَّنْ يُعَلِّلُ المَنْعَ فى صُورَةِ الفَرْضِ، بمَا يُفْضِى إليه مِنَ التَّحْريفِ غالِبًا، وهذا المَعْنَى موْجودٌ فى ألْفاظِ أكثرِ الأئمَّةِ. فمَنْ عَرَفَ حقيقَةَ هذه الأسْبابِ، رُبَّما رأى ترْكَ التَّصْنِيفِ أوْلَى إنْ لم يَحْتَرِزْ عنها؛ لِمَا يَلْزَمُ مِن هذه المَحاذِيرِ وغيرِها غالبًا، فإنْ قيل: يَرُدُّ هذا فِعْلُ القُدَماءِ وإلى الآنَ مِن غيرِ نَكِيرٍ، وهو دليلٌ على الجوازِ، وإلَّا امْتَنَعَ على الأئمَّةِ ترْكُ الإنْكارِ إذَنْ؛ لقوْلِه تعالَى: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢). ونحوِها مِن نُصوصِ (٣) الكِتابِ والسُّنَّةِ. قلتُ: الأوَّلُونَ لم يَفْعَلُوا شيئًا ممَّا عنَيْناه (٤)؛ فإنَّ الصَّحابةَ لم يُنْقَلْ عن أحدٍ منهم تألِيفٌ، فضْلًا عن أَنْ يكونَ على هذه الصِّفَةِ، وفِعْلُهم غيرُ مُلْزِم لمَنْ لا يَعْتَقِدُه حُجَّةً، بل لا يكونُ مُلْزِمًا لبَعضِ العَوامِّ عندَ مَنْ لا يَرَى أنَّ العامِّىَّ ملْزومٌ بالْتِزامِه مذهبَ إمام مُعَيَّن. فإنْ قيل: إنَّما فَعَلُوا ذلك ليَحْفَظُوا الشَّرِيعَةَ مِنَ الإغْفالِ والإهْمالِ. قُلْنا: قد كان أحْسَنُ مِن هذا -فى حِفْظِها- أَنْ يُدَوِّنُوا الوَقائِعَ والألْفاظَ النَّبَوِيَّةَ، وفَتاوَى الصَّحابَةِ، ومَنْ بعدَهم على جِهاتِها وصِفاتِها، مع ذِكْرِ أسْبابِها، كما ذكَرْنا سابقًا، حتى يَسْهُلَ على المُجْتَهِدِ
стр. 14324
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
معْرِفَةُ مُرادِ كلِّ إنْسانٍ بحَسَبِه، فيُقَلِّدَه على بَيانٍ وإيضاحٍ، وإنَّما عَنَيْنا ما وقَع فى التَّآليفِ مِن هذه المَحاذِيرِ، لا مُطْلَقَ التَّأْليفِ، وكيف يُعابُ مُطْلَقًا وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : «قَيِّدُوا العِلْمَ بالكِتابَةِ» (١). فلمَّا لم يُمَيِّزُوا فى الغالبِ ما نَقَلُوه ممَّا خَرَّجوه، ولا ما علَّلُوه ممَّا أهْمَلُوه، وغيرُ ذلك ممَّا سبَق، بانَ الفَرْقُ بينَ ما عيَّنَّاه وبينَ ما صَنَّفْناه. وأكثرُ هذه الأُمورِ المذْكُورَةِ يمْكِنُ أَنْ أذْكُرَها مِن ذِكْرِ المذهبِ مسْأَلَةً مسْألَةً، لكِنَّه يطولُ هنا. وإذا عَلِمْتَ عُذْرَ (٢) اعْتِذارِنا، وخِيرَةَ اخْتِيارِنا، فنقولُ: الأحْكامُ المُسْتَفادَةُ فى مذْهَبِنا وغيرِه مِن اللَّفْظِ أقْسامٌ كثيرةٌ؛ منها، أَنْ يكونَ لَفْظُ الإِمامِ، رَضىَ اللَّهُ عنه، بعَيْنِه، أو إيمائِه، أو تعْليلِه، أو سِياقِ كلامِه. ومنها، أَنْ يكونَ مُسْتَنْبَطًا مِن لَفْظِه؛ إمَّا اجْتِهادًا مِنَ الأصحابِ، أو بعْضِهم. ومنها، ما قيل: إنَّه الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. ومنها، ما قيل: إنَّه ظاهرُ المذهبِ. ومنها، ما قيل: إنَّه المَشْهورُ مِنَ المذهبِ. ومنها، ما قيل: نصَّ عليه. يعْنِى الإمامَ أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولم يَتَعَيَّن لَفْظُه. ومنها، ما قيل: إنَّه ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ. ولم يُعَيِّنْ قائِلُه لَفْظَ الإِمامِ، رَضىَ اللَّهُ تُعالَى عنه. ومنها، ما قيل: ويَحْتَمِلُ كذا. ولم يَذْكُرْ أنَّه يُرِيدُ بذلك كلامَ الإِمامِ، رَضىَ اللَّهُ تعالَى عنه، أو
стр. 14325
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غيرِه. ومنها، ما ذُكِرَ مِن الأحْكامِ سَردًا، ولم يُوصَفْ بشْئٍ أصْلًا، فيَظُنُّ سامِعُه أنَّه مذهبُ الإِمامِ، رَضِىَ اللَّهُ تعالَى عنه، ورُبَّما كان بعضَ الأقْسامِ المذْكُورَةِ آنفًا. ومنها، ما قيل: إنَّه مَشْكُوكٌ فيه. [ومنها، ما قيل: إنَّه تَوَقَّفَ فيه الإِمامُ أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ تعالَى عنه. ولم يُذْكَرْ لَفْظُه فيه] (١). ومنها، ما قال فيه بعضُهم: اخْتِيارِى. ولم يَذْكُرْ له أصْلًا مِن كلامِ الإِمامِ أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ تعالَى عنه، أو غيرِه. ومنها، ما قيل: إنَّه خُرِّجَ على رِوايةِ كذا. أو: على قَوْلِ كذا. ولم يُذْكَرْ لَفْظُ الإِمامِ، رَضِىَ اللَّهُ تعالَى عنه، فيه ولا تعْلِيلُه. ومنها، أَنْ يكونَ مذهبًا لغيرِ الإِمامِ، رَضِىَ اللَّهُ تعالَى عنه، ولم يُعَيِّنْ رَبَّه. ومنها، أَنْ يكونَ لم يَعْمَلْ (٢) به أحدٌ، لكِنَّ القَوْلَ به لا يكونُ خَرْقًا لإجْماعِهم. ومنها، [أَنْ يكونَ] (١) بحيثُ يصِحُّ تخْريجُه على وَفْقِ مذاهِبِهم، لكِنَّهم لم يَتَعَرضُوا له بنَفْىٍ أو إثْباتٍ. انْتَهَى كلامُ ابنِ حَمْدانَ. وفى بعضِه شئٌ وقَع هو فيه فى تَصانِيفِه، ولَعَلَّه بعدَ تَصْنِيفِ هذا الكتابِ. ووَقَعَ للمُصَنِّفِ وغيرِه حِكايَةُ هذه الأَلْفاظِ الأخيرةِ فى كُتُبِهم. وتقدَّم التَّنْبِيهُ على ما هو أكْثَرُ مِن ذلك وأعْظَمُ فائدةً فى الخُطْبَةِ، على الكَلامِ على مُصْطَلَحِ المُصَنِّفِ فى كِتابِه هذا، مع أنِّى لم أطَّلِعْ على كلامِه (٣) وَقْتَ عَمَلِ الخُطبَةِ. واللَّهُ أعلمُ. وصلَّى اللَّهُ على محمدٍ وعلى آلِه وسلَّمَ.
فصل: فى ذِكْرِ مَنْ نقَل الفِقْهَ عن الإِمامِ أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ تعالَى عنه، مِن أصحابِه، ونقَله عنه إلى مَنْ بعدَه إلى أَنْ وَصَلَتْ إلينا، فمِنْهم المُقِلُّ عنه، ومنهم