فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ؛ كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ، وَالطَّهَارَةِ، وَالْجُمُعَةِ، وَالنَّفِيرِ الْمُتَعَيِّنِ، وَالشَّهَادَةِ الْوَاجِبَةِ، وَالْخَوْفِ مِنْ فِتْنَةٍ، أوْ مَرَض، وَالْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ، وَعِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَنَحْوِهِ.
ــ
السَّابِقُ. واخْتار الآجُرِّىُّ، إنْ نذَر اعْتِكافَ يوْمٍ، فمِن ذلك الوَقْتِ إلى مِثْلِه.
تنبيه: مُرادُه بقوله: ولا يَجُوزُ للمُعْتَكِفِ الخُروجُ إلَّا لما لا بُدَّ مِنْه؛ كحاجَةِ الإِنْسانِ. إجْماعًا، وهو البَوْلُ والغائِطُ، إذا لَزِمَه التَّتابُعُ فى اعْتِكافِه، وسَواءٌ عيَّنَ بنَذْرِه مُدَّةً، أو شرَط التَّتابُعَ فى عدَدٍ.
стр. 3572
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فائدة: يَحْرُمُ بَوْلُه فى المَسْجِدِ فى إناءٍ، وكذا فَصْدٌ وحِجَامَةٌ. وذكَر ابنُ عَقِيلٍ احْتِمالًا، يجوزُ فى إناءٍ، كالمُسْتَحاضَةِ، مع أمْنِ تَلْوِيثِه. وكذا حُكْمُ النَّجاسَةِ فى هَواءِ المَسْجِدِ. قال ابنُ تَميمٍ: يُكْرَهُ الجِماعُ فوقَ المَسْجِدِ، والتَّمَسُّحُ بحَائِطِه والبَوْل عليه. نصَّ عليه. قال ابنُ عَقِيلٍ فى «الفُصولِ»، فى الإِجارَةِ، فى التَّمَسُّحِ بحائطِه: مُرادُه الحَظْرُ، فإذا بالَ خارِجًا وجسَدُه فيه لا ذكَرُه، كُرِهَ. وعنه
стр. 3573
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَحْرُمُ. وقيل: فيه الوَجْهان. وتقدَّم بعضُ ذلك فى آخر بابِ الوُضوءِ.
قوله: والطَّهَارَةِ. يجوزُ له الخُروجُ للوُضوءِ عن حَدَثٍ. نصَّ عليه. وإن قُلْنا: لا يُكْرَهُ. فعَلَه فيه بلا ضَرُورَةٍ، ويخْرُجُ لغُسْلِ الجَنابَةِ، وكذا لغُسْلِ الجُمُعَةِ إنْ وجَب، وإلَّا لم يَجُزْ، ولا يجوزُ الخُروجُ لتَجْديدِ الوُضوءِ.
стр. 3574
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فوائد؛ يجوزُ له أيضًا الخُروجُ لقَىْءٍ بَغتَه، وغَسْلِ مُتَنَجِّسٍ لحاجَتِه، وله المَشْىُ على عادَتِه، وقَصْدُ بَيْتِه إِن لم يجِدْ مَكانًا يليقُ به، لا ضَرَرَ عليه فيه ولا مِنَّةً، كسِقايَةٍ لا يحْتَشِمُ مِثْلُه منها، ولا نَقْصَ عليه، ويَلْزَمُه قَصْدُ أقْرَبِ مَنْزِلَيْه لدَفْعِ حاجَتِه به. ويجوزُ الخُروجُ ليَأْتِىَ بمَأْكُولٍ ومَشْرُوبٍ يحْتاجُه، إنْ لم يكُنْ له مَن يأْتِيه به. نصَّ عليه. ولا يجوزُ الخُروجُ لأَكْلِه وشُرْبِه فى بَيْتِه، فى ظاهرِ كلامِه. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. اخْتارَه المُصَنِّفُ، والمَجْدُ وغيرُهما. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
стр. 3575
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال القاضى: يتَوَجَّهُ الجَوازُ. واخْتارَه أبو حَكِيمٍ، وحمَل كلامَ أبى الخَطَّابِ عليه. وقال ابنُ حامِدٍ: إنْ خرَج لما لا بُدَّ منه إلى مَنْزِلِه، جازَ أنْ يأْكُلَ فيه يَسِيرًا، كَلُقْمَةٍ ولُقْمَتَيْن، لا كُلَّ أكْلِه.
قوله: والجُمُعَةِ. يخْرُجُ إلى الجُمُعَةِ إنْ كانت واجِبَةً عليه، وكذا إنْ لم تكُنْ واجِبَةً عليه واشْترَطَ خُروجَه إليها، فأمَّا إنْ كانت غيرَ واجِبَةٍ عليه ولم يَشْتَرِطِ الخُروجَ إليها، فإنَّه لا يجوزُ له الخُروجُ إليها، فإنْ خرَج بطَل اعْتِكافُه.
فائدتان؛ إحْداهما، حيثُ قُلْنا: يَخْرُجُ إلى الجُمُعَةِ. فله التَّبكِيرُ إليها. نصَّ عليه، وله إطالَةُ المُقامِ بعدَها، ولا يُكْرَهُ؛ لصَلاحِيَةِ المَوْضعِ للِاعْتِكافِ، لكِنَّ المُسْتَحَبَّ عكْسُ ذلك. ذكَرَه القاضى، وهو ظاهِرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ، فى رِوايَةِ أبى داوُدَ.
стр. 3576
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقدَّمه فى «الفُروعِ». وقال المُصَنِّفُ: ويحْتَمِلُ أنْ تكونَ الخِيَرَةُ إليه فى تَعْجيلِ الرُّجوعِ وتأْخِيرِه. وفى «شَرْحِ المَجْدِ» احْتِمالٌ، أنَّ تَبْكِيرَه أفْضَلُ، وأنَّه ظاهِرُ كلامِ أبى الخطابِ فى بابِ الجُمعَةِ؛ لأنَّه لم يَسْتَثْنِ المُعْتَكِفَ. وقال ابنُ عَقِيلٍ فى «الفُصُولِ»: يَحْتَمِلُ أنْ يَضِيقَ الوَقْتُ، وأنه إنْ تَنفَّلَ فلا يَزيدُ على أرْبَعٍ. ونقَل أبو داوُدَ فى التَّبْكِيرِ، أجْوَدُ، وأنَّه يرْكَعُ بعدَها عادَتَه. الثَّانيةُ، لا يَلْزَمُه سُلوكُ
стр. 3577
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الطَّريقِ الأقْرَبِ إلى الجُمُعَةِ. قدَّمه فى «الفُروعِ». وقال: وظاهِرُ ما سبَق يَلْزَمُه، كقَضاءِ الحاجَةِ. قال بعضُ الأصحابِ: الأفْضَلُ خُروجُه لذلك وعَوْدُه فى أقْصَرِ طريق، لا سِيَّما فى النَّذْرِ. والأفْضَلُ سُلوكُ أطْوَلِ الطُّرُقِ إنْ خرَج لجُمُعَةٍ وعِبادَةٍ غيرِها.
قوله: والنَّفِيرِ المتَعَيِّنِ. بلا نِزاعٍ، وكذا إذا تعَيَّنَ خُروجُه لإِطْفاءِ حَريقٍ، وإنْقاذِ غَرِيقٍ، ونحوِه.
قوله: والشَّهادَةِ الواجِبَةِ. يجوزُ الخُروجُ للشَّهادَةِ المُتَعَيَّنَةِ عليه، فَيلْزَمُه الخُروجُ،
стр. 3578
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا يَبْطُلُ اعْتِكافُه، ولو لم يتَعيَّنْ عليه التَّحَمُّلُ، ولو كان سبَبُه اخْتِيارِيًّا. وهذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. واخْتارَ فى «الرعايَةِ»، إنْ كان تَعَيَّنَ عليه تَحَمُّلُ الشَّهادَة وأداؤُها، خرَج لها، وإلاَّ فلا.
فائدَة: قوله: والخَوْفِ مِن فِتْنَةٍ. يجوزُ الخُروجُ إنْ وقَعَتْ فِتْنَةٌ وخافَ منها - إنْ أقامَ فى المَسْجِدِ - على نفْسِه أو حُرْمَتِه أو مالِه نَهْبًا، أو حَرِيقًا، ونحوه، ولا يَبْطُلُ اعْتِكافُه بذلك.
قوله: أو مَرَضٍ. اعلمْ أنَّ المرَضَ إذا كان يتَعذَّرُ معه القِيامُ فيه، أو لا يُمْكِنُه إلَّا بمَشقَّةٍ شديدةٍ، يجوزُ له الخُروجُ، وإنْ كان المَرضُ خفِيفًا، كالصُّداعِ والحُمَّى الخَفِيفَةِ، لم يَجُزْ له الخُروجُ، إلَّا أنْ يُباحَ به الفِطْرُ فيُفْطِرَ، فإنَّه يخْرُجُ إنْ قُلْنا باشْتِراطِ الصَّوْمَ، وإلَّا فلا.
قوله: والحَيْضِ والنِّفَاسِ. تخْرُجُ المرأةُ للحَيْضِ والنَّفاسِ إلى بَيْتِها إنْ لم يكُنْ للمَسْجِدِ رَحْبَةٌ، فإذا طَهُرَتْ رجَعَتْ إلى المَسْجِدِ، وإنْ كان له رَحْبَةٌ يُمْكِنُها ضَرْبُ خِبائِها فيها بلا ضَرَرٍ، فعَلَتْ ذلك، فإذا طَهُرَتْ رجعَتْ إلى المَسْجدِ. ذكَرَه الخِرَقِىُّ، وابنُ أبى مُوسَى. ونقَلَه يَعْقُوبُ بنُ بَخْتَانَ عن أحمدَ. وقدَّمَه فى
стр. 3579
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«الفُروعِ»، واقْتَصَرَ عليه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهما. ونقَل محمدُ ابنُ الحَكَمِ، تذْهَبُ إلى بَيْتِها، فإذا طَهُرَتْ بَنَتْ على اعْتِكافِها. وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا. قلتُ: الظَّاهِرُ أنَّ محَلَّ الخِلافِ، إذا قُلْنا: إنَّ رَحْبَةَ المَسْجِدِ ليست منه. وهو واضِحٌ. فعلى الأوَّل، إقامَتُها فى الرَّحْبَةِ على سَبِيلِ الاسْتِحْبابِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. اخْتارَه المُصَنِّفُ، والمَجْدُ وغيرُهما. وجزَم به فى «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايَةِ»، وغيرِهما. واخْتارَ فى «الرِّعايَةِ»، أنَّه يُسَنُّ
стр. 3580
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جلُوسُها فى الرَّحْبَةِ غيرِ المَحُوطَةِ. وحكَى صاحِبُ «التَّلْخيصِ» قوْلاً بوُجوبِ الكفَّارَةِ عليها. وهذا الحُكْمُ إذا لم تخَفْ تَلْوِيثَه، فأمَّا إنْ خافَتْ تَلْوِيثَه، فأيْنَ شاءَتْ. وكذا بشَرْطِ الأمْنِ على نفْسِها. قال الزَّرْكَشِىُّ: ولهذا قال بعضُهم: هذا مع سَلامَةِ الزَّمانِ.
стр. 3581
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله، بعد ذكْرِ ما يجوزُ الخُروجُ له: ونحوِ ذلك. فنحْوُ ذلك، إذا تعَيَّنَ خُروجُه لإِطْفاءِ حَريقٍ، أو إنْقاذِ غَريقٍ, كما تقدَّم. وكذا إذا أكْرَهَه السُّلْطانُ أو غيرُه على الخُروجِ، وكذا لو خافَ أنْ يأخُذَه السُّلْطانُ ظُلْمًا، فخرَج واخْتَفَى، وإنْ أخْرجَه لاسْتِيفاءِ حقًّ عليه، فإنْ أمْكَنَه الخُروجُ منه بلا عُذْرٍ، بطَل اعْتِكافُه، وإلَّا لم يَبْطُلْ؛ لأنَّه خُروجٌ واجِبٌ.
فائدة: لو خرَج مِنَ المَسْجِدِ ناسِيًا، لم يَبْطُلِ اعْتِكافُه، كالصَّوْمِ. ذكرَه القاضى فى «المُجَرَّدِ». وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ»، و «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ». وذكَر القاضى فى «الخِلَافِ»، وابن عَقِيل فى «الفُصُولِ»، يَبْطُلُ؛ لمُنافَاتِه الاعْتِكافَ، كالجِماعِ. وذكَر المَجْدُ أحدَ الوَجْهَيْن، لا يَنْقَطِعُ التَّتابُعُ، ويَبْنِى، كمرَضٍ وحَيْضٍ، واخْتارَه، وذكَرَه قِياسَ المذهبِ. وجزم أيضًا، أنَّه لا يَنْقَطِعُ تَتابُعُ المُكْرَهِ. وأطْلَقَ بعضُهم وَجْهَيْن. قال فى «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»: لا يبطُلُ اعْتِكافُه إذا أُكْرِهَ على الخُروجِ، ولو خرج بنَفْسِه.
стр. 3582
وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً، إِلَّا أنْ يَشْتَرِطَهُ، فَيَجُوزُ. وَعَنْهُ، لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ.
ــ
فائدة: قوله: ولا يَعُودُ مَريضًا، ولا يَشْهَدُ جِنازَةً. وكذا كلُّ قُرْبَةٍ؛ كزِيارَةٍ، وتَحَمُّلِ شَهادَةٍ وأدائِها، وتَغْسِيلِ مَيِّتٍ، وغيرِه، إلَّا أنْ يشتَرِطَ. وهذا المذهبُ فى ذلك كلِّه، نصَّ عليه. قال فى «الفُروعِ»: اخْتارَه الأصحابُ. وعنه، له فِعْلُ ذلك كلِّه مِن غيرِ شَرْطٍ. وذكَر التَّرْمِذِىُّ (١)، وابنُ المُنْذِرِ رِوايَةً عن أحمدَ بالمَنْعِ، مع الاشْتِراطِ أيضًا. فعلى المذهبِ، لا يَقْضِى زمَنَ الخُروجِ إذا نذَر شَهْرًا مُطْلَقًا، فى ظاهرِ كلامِ الأصحابِ. قالَه فى «الفُروعِ»، كما لو عيَّنَ الشَّهْرَ. قال المَجْدُ: ولو قَضَاه صار الخُروجُ المُسْتَثْنَى والمَشْرُوطُ فى غيرِ الشَّهْرِ.
تنبيه: يُسْتَثْنَى مِن ذلك، لو تعَيَّنَتْ عليه صلاةُ جِنَازَةٍ خارِجَ المَسْجدِ، أو دَفْنُ
стр. 3583
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَيِّتٍ، أو تَغْسِيلُه، فإنَّه كالشَّهادَةِ إذا تعَيَّنَتْ عليه، على ما سبَق. ويأْتِى آخِرَ البابِ ما يجوزُ له فِعْلُه فى المَسْجِدِ.
стр. 3584
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فائدة: لو شرَط فى اعْتِكافِه فِعْلَ ما له منه بدٌّ، وليس بقُرْبَةٍ ويَحْتاجُه، كالعَشاءِ فى بَيْتِه، والمَبِيتِ فيه، جازَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ والرِّوايتَيْن. جزَم به المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى»، والشارِحُ، وغيرُهما، ونصَرُوه. وجزَم به فى «الرِّعايتَيْن»،
стр. 3585
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «الحاوِيَيْن». وعنه، المَنْعُ مِن ذلك. جزَم به القاضى، وابنُ عَقِيلٍ، وغيرُهما. واخْتارَه المَجْدُ وغيرُه. وأطْلقَهما فى «الفُروعِ». ولو شرَط الخروجَ للبَيْعِ والشِّراءِ، أو الإِجارَةِ، أو التَّكَسُّبَ بالصِّناعَةِ فى المَسْجِدِ، لم يَجُزْ، بلا خِلافٍ عنِ الإِمامِ أحمدَ وأصحابِه. ولو قال: متى مَرِضْتُ، أو عرَض لى عارِضٌ، خرَجْتُ. فله شَرْطُه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما، وأطْلَقُوا. وقدَّمه فى «الفُروعِ». وقال المَجْدُ: فائدَةُ الشَّرْطِ هنا، سُقوطُ القَضاءِ
стр. 3586
وَلَهُ السُّؤَالُ عَنِ الْمَرِيضِ فِى طَرِيقِهِ مَا لَمْ يُعَرِّجْ،
ــ
فى المُدَّةِ المُعَيَّنَةِ، فأمَّا المُطْلقَةُ، كنَذْرِ شَهْرٍ مُتَتابعٍ، فلا يجوزُ الخُروجُ منه إلَّا لمرَضٍ، فإنَّه يَقْضِى زمَنَ المرَضِ؛ لإِمْكانِ حمْلِ شَرْطِه هنا على نَفْى انْقِطاعِ التَّتابُع فقط، فنُزِّلَ على الأقَلِّ، ويكونُ الشَّرْطُ أفادَ هنا البِنَاءَ مع سُقوطِ الكَفَّارَةِ على أصْلِنا.
قوله: وله السُّؤَالُ عنِ المَريضِ فى طَرِيقِه ما لم يُعَرِّجْ. إذا خرَج إلى ما لا بُدَّ منه، فسَألَ عنِ المَريضِ أو غيرِه فى طَرِيقِه، ولم يُعَرِّجْ، جاز؛ كبَيْعِه وشِرائِه إذا لم يقِفْ له. قال فى «الفُروعِ»: ولا وَجْهَ لقَوْلِه فى «الرِّعايَةِ»: فَسَأل عنِ المَريضِ. وقيل: أو غيرِه.
فائدة: لو وقَف لمَسْألَتِه، بطَل اعْتِكافُه.
стр. 3587
وَالدُّخُولُ إِلَى مَسْجِدٍ يُتِمُّ اعْتِكَافَهُ فِيهِ، فَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ خُرُوجًا مُعْتَادًا كَحَاجَةِ الإِنْسَانِ [٦٠ ظ] وَالطَّهَارَةِ، فَلَا شَىْءَ فِيهِ وَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ الْمُعْتَادِ فِى الْمُتَتَابِعِ وَتَطَاوَلَ،
ــ
قوله: والدُّخولُ إلى مَسْجِدٍ يُتِمُّ اعْتِكافَه فيه. إذا خرَج لما لا بدَّ منه، فدَخَل مَسْجِدًا يُتِمُّ اعْتِكافَه فيه، جازَ، إنْ كان الثَّانِى أقْرَبَ إلى مَكانِ حاجَتِه مِنَ الأوَّلِ، وإنْ كان أبعَدَ، أو خرَج إليه ابْتِداءً بلا عُذْرٍ، بَطَلَ اعْتِكافُه؛ لتَرْكِه لُبْثًا مُسْتَحَقًّا. جزَم به فى «الفُروعِ» وغيرِه فيهما. وكلامُ المُصَنِّفِ مَحْمُولٌ على الأوَّلِ.
قوله: وإنْ خرَج لغيرِ المعْتَادِ فى المتَتابعِ وتَطاوَلَ، خُيِّرَ بينَ اسْتِئْنافِه وإتْمامِه مع كَفَّارَةِ يَمِينٍ. مُرادُه بالتَّتابُعِ، غيرُ المُعَيَّنِ. ومُرادُه بالخُروجِ غيرِ المُعْتادِ،
стр. 3588
خُيِّرَ بَيْنَ اسْتِئْنَافِهِ وإِتْمَامِهِ مَعَ كَفارَةِ يَمِين، وَإنْ فَعَلَهُ فِى مُتَعَيِّنٍ, قَضَى. وَفِى الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ.
ــ
الخُروجُ للنَّفِيرِ، والخَوْفِ، والمرَضِ، ونحوِ ذلك. وهذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وقال فى «الرَّعايَةِ»: يُتِمُّه، وفى الكفَّارَةِ الخِلافُ. وقيل: أو يسْتَأْنِفُ إنْ شاءَ. قال فى «الفروعِ»: كذا قال. وقال: ويتخَرَّجُ، يَلْزَمُ الاسْتِئْنافُ فى مرَضٍ يُباحُ الفِطْرُ به، ولا يجِبُ، بِناءً على أحَدِ الوَجْهَيْن فى انْقِطاعِ صَوْمِ الكفَّارَةِ بما يُبيحُ الفِطْرَ ولا يُوجِبُه. واخْتارَ القاضى فى «المُجَرَّدِ»، أنَّ كلَّ خُروجٍ لواجِبٍ، كمرَضٍ لا يُؤْمَنُ معه تَلْوِيثُ المَسْجِدِ، لا كفَّارَةَ فيه، وإلَّا كان فيه الكفَّارَةُ. واخْتارَ المُصَنِّفُ وُجوبَ الكفَّارَةِ، إلَّا لعُذْرِ حَيْضٍ أو نِفاسٍ؛ لأنَّه مُعْتادٌ، كحاجَةِ الإِنْسانِ. وضعَّفَ المَجْدُ كلامَ القاضى والمُصَنِّفِ. قال فى «الفُروعِ»: كذا قال المَجْدُ. قال فى «الفروعِ»: وظاهِرُ كلامِ الشَّيْخِ، يَعْنِى به المُصَنِّفَ،
стр. 3589
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يَقْضِى، ولعَلَّه أظْهَرُ. قال: ويتَوجَّهُ مِن قوْلِ القاضى هنا فى الصَّوْمِ، ولا فَرْقَ.
فائدة: تَقْيِيدُ المُصَنِّفِ الخُروجَ لغيرِ المُعتادِ، يدُلُّ على أنَّه يوجَدُ خُروجٌ لمُعْتادٍ، وهو صحيحٌ، فالمُعْتادُ مِن هذه الأعْذارِ؛ حاجَةُ الإِنْسانِ إجْماعًا، والطَّهارَةُ مِنَ الحَدَثِ إجْماعًا، والطَّعامُ والشَّرابُ إجْماعًا، والجُمُعَةُ. وقد تقدَّم شُروطُ ذلك. وغيرُ المُعْتادِ، بقِيَّةُ الأعْذارِ المُتقَدِّمَةِ. ثم إنَّ غيرَ المُعْتادِ إذا خرجَ له، فلا يخْلُو؛ إمَّا أنْ يتَطاوَلَ أوْ لا، فإنْ تَطاوَلَ، فهو كلامُ المُصَنِّفِ المُتقَدِّمُ، وإنْ لم يتَطاوَلْ، فذكَر المُصَنِّفُ والشَّارِحُ وغيرُهما، أنَّه لا يَقْضِى الوَقتَ الفائتَ بذلك؛ لكَوْنِه يسيرًا مُباحًا، أو واجِبًا. ويُوافِقُه كلامُ القاضى فى النَّاسِى. قال فى «الفُروعِ»: وعلى هذا يتَوجَّهُ، لو خرَج بنَفْسِه مُكْرَهًا، أنْ يُخَرَّجَ بُطْلانُه على الصَّوْمِ. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ وغيرِه، أنَّه يَقْضِى. واخْتارَه المَجْدُ.
قوله: وإنْ فعَلَه فى مُتَعَيَّنٍ، قضَى، وفى الكَفّارَةِ وَجْهان. يعْنِى إذا خرَج لغيرِ المُعْتادِ، وتَطاوَلَ فى مُتَتابعٍ مُتَعَيِّنٍ. وأطْلقَهما فى «المُحَرَّرِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»؛ أحدُهما، يكفِّرُ مع القَضاءِ. وهو المذهبُ، ونصَّ عليه فى الخُروجِ لفِتْنَةٍ، وصحَّحَه فى «التَّصْحيحِ». وجزَم به فى «الوَجِيزِ». وقدَّمه فى «الفُروعِ»،
стр. 3590
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». قال الزَّرْكَشِىُّ: وهو الذى ذكرَه الخِرَقِىُّ. انتهى. والذى ذكَرَه الخِرَقِىُّ فى الفِتْنَةِ، والخُروجِ للنَّفيرِ، وعِدَّةِ الوفَاةِ. وذكَرَه ابنُ أبى مُوسَى فى عِدَّةِ الوَفاةِ. والوَجْهُ الثَّانِى، لا كفّارَةَ عليه. قال الزَّرْكَشِىُّ: وعن أحمدَ ما يدُلُّ على أنَّه لا كفَّارَةَ مع العُذْرِ. انتهى. قال فى «الفُروعِ»: وعن أحمدَ - فى مَن نذَر صَوْمَ شَهْرٍ بعَيْنِه، فمَرِضَ فيه، أو حاضَتْ فيه المرأةُ - فى الكفّارَةِ مع القَضاءِ رِوايتَان، والاعْتِكافُ مِثْلُه. هذا مَعْنَى كلامِ أبى الخَطَّابِ وغيرِه. وقالَه صاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»، والمَجْدُ، وغيرُهما. قال: فَتُخَرَّجُ جميعُ الأعْذَارِ فى الكفّاراتِ فى الاعْتِكافِ على رِوايتَيْن. وعنِ القاضى، إنْ وجَب الخُروجُ، فلا كفَّارَةَ، وإنْ لم يجِبْ، وجَبتْ. وقال ابن عَبْدُوسٍ المُتقَدِّمُ، وصاحِبُ «التَّلْخِيصِ»: إنْ كان الخُروجُ لحَقِّ نفْسِه، كالمرَضِ والفِتْنَةِ ونحوِهما، وَجَبَتْ، وإنْ كان لحَقٍّ عليه، كالشهادَةِ والنفيرِ والحَيْضِ، فلا كفَّارَةَ. وقيل: تجِبُ. ونقَل المَرُّوذِىُّ وحَنْبَلٌ، عدَمَ الكفّارَةِ فى الاعْتِكافِ. وحمَلَه المَجْدُ على رِوايَةِ عدَمِ وُجوبِها فى الصَّوْمِ وسائرِ المَنْذُوراتِ.
стр. 3591
وَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ فِى الْمُتَتَابِعِ، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ، وَإنْ فَعَلَهُ فِى مُعَيَّنٍ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، وَفِى الِاسْتِئْنَافِ وَجْهَانِ.
ــ
فائدتان؛ إحداهما، لو ترَك اعْتِكافَ الزَّمَنِ المُعَيَّنِ لعُذرٍ أو غيرِه، قَضاه مُتَتابِعًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وعنه، لا يَلْزَمُه التَّتابُعُ إلَّا بشَرْطِه أو بنِيَّتِه الثَّانيةُ، إذا خرَج لغيرِ المُعْتادِ، وتَطاوَلَ فى نَذْرِ أيَّامٍ مُطْلَقَةٍ، فإنْ قُلْنا: يجِبُ التَّتابُعُ، على قوْلِ القاضى السَّابقِ. فحُكْمُه حُكْمُ النَّذْرِ المُتَتابعِ، كما تقدَّم فى كلامِ المُصَنِّفِ. وإنْ قُلْنا: لا يجِبُ. تَمَّمَ ما بَقِىَ، على ما تقدَّم، لكِنَّه يَبْتَدِئُ اليومَ الذى خرَج فيه مِن أوَّلِه ليَكُونَ مُتَتابِعًا، ولا كفَّارَةَ عليه. هذا المذهبُ. وقال المَجْدُ: قِياسُ المذهبِ، يُخَيَّرُ بينَ ذلك وبين البِنَاءِ على بعضِ اليومِ ويُكَفِّرُ.
قوله: وإن خرَج لما له منه بُدٌّ فى المُتَتابع، لَزِمَه اسْتِئْنافُه. يعْنِى، سَواءٌ كان
стр. 3592
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُتَتابِعًا بشَرْطٍ، كمَن نذَر اعْتِكافَ شَهْرٍ مُتَتابِعًا، أو عَشَرةِ أيَّامٍ مُتَتابِعَةً، أو كان مُتَتابعًا بِنيَّةٍ، أو قُلْنا: يُتابِعُ فى المُطْلَقِ. وهذا المذهبُ فى ذلك كلِّه، بشَرْطِ أنْ يكونَ عامِدًا مُخْتارًا، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وجزَم به المَجْدُ فى «شَرْحِه» وغيره. وقدَّمه فى «الفُروعِ». وقال فى «الرِّعايَةِ»: يَسْتَأْنِفُ المُطْلَقَ المُتَتابع بلا كفّارَةٍ. وقيل: أو يَبْنِى، ويكَفِّرُ. قال فى «الفُروعِ»: كذا قال. وهذا القوْلُ مِنَ المُفْرَداتِ.
فائدة: خُروجُه لمالَه منه بُدٌّ مُبْطِلٌ، سَواءٌ تطَاوَلَ أوْ لا، لكنْ لو أخْرَجَ بعضَ جسَدِه، لم يَبْطُلْ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه. وقيل: يَبْطُلُ. هذا كلُّه إذا كان عالِمًا مُخْتارًا، فأمَّا إنْ خرَج مُكْرَهًا أو ناسِيًا، فقد سبَق.
стр. 3593
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: وإنْ فعَلَه فى مُعَيَّنٍ، فعليه كَفّارَةٌ - يعْنِى، إذا خرَج لما لَه منه بُدُّ - وفى الاسْتِئْنافِ وَجْهان. واعلمْ أنَّه إذا خرج فى المُعَيَّنِ، فتارَةً يكونُ نذْرُه مُتَتابِعًا مُعَيَّنًا، وتارَةً يكونُ مُعَيَّنًا ولم يُقَيِّدْه بالتَّتابُعِ، فإنْ كان مُعَيَّنًا ولم يُقَيِّدْه بالتَّتابُعِ، كنَذْرِه اعْتِكافَ شَهْرِ شَعْبانَ، وخرَج لما لَه منه بُدٌّ، فعليه كفّارَةُ يَمِين. رِوايَةً واحدَةً. وفى الاسْتِئْنافِ وَجْهان. وأطْلقَهما فى «الفُروعِ»، والمَجْدُ فى «شَرْحِه»، والشَّارِحُ، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»؛ أحدُهما، يسْتأْنِفُ؛ لتَضَمُّنِ نَذرِه التَّتابُعَ. قال المَجْدُ: هذا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا تجِبُ كَفَّارَةٌ بالوَطْءِ فى الاعْتِكافِ مُطْلَقًا. نقَلَه أبو داوُدَ. وهو ظاهرُ نقْلِ ابنِ إبْراهِيمَ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفُروعِ»: هذا ظاهِرُ المذهبِ. قال فى «الكَافِى»، وابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِه»: هذا المذهبُ. قال فى «الفَائقِ»: ولا كفَّارَةَ عليه للوَطْءِ فى أصحِّ الرِّوايتَيْن. قال المَجْدُ فى «شَرْحِه»: وهو الصَّحيحُ. واخْتارَه المُصَنِّفُ وغيرُه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. وجزَم به فى «المُحَرَّرِ» وغيرِه. وهو ظاهِرُ ما جزَم به فى «الوجيزِ». واخْتارَ القاضى وأصحابُه وُجوبَ الكفَّارَةِ إنْ كان نذْرًا، كرَمَضانَ والحَجِّ. وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
стр. 3597
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال فى «المُسْتَوْعِبِ»: هذا أصحُّ الرِّواياتِ. وقدَّمه فى «الخُلَاصَةِ» و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، وغيرِهم.
تنبيهات؛ الأوَّلُ، قوْلُه: إلَّا لتَرْكِ نَذْرِه. يَعْنِى، إنَّما تجبُ الكفَّارَةُ لتَرْكِ النَّذْرِ لا للوَطْءِ، مثلَ أنْ يطَأَ فى وَقْتِ عَيْنِ اعْتِكافِه بالنَّذْرِ. الثَّانى، خصَّ جماعةٌ مِنَ الأصحابِ وُجوبَ الكفَّارَةِ بالوَطْءِ بالاعْتِكافِ المَنْذُورِ لا غيرُ؛ مِنهم القاضى، وأبو الخَطَّابِ، وغيرُهما. واخْتارَه المَجْدُ ورَدَّ غيرَه. وقال ابنُ عَقِيلٍ فى «الفُصُولِ»: تَجِبُ فى التَّطَوُّعِ، فى أصحِّ الرِّوايتَيْن. قال المَجْدُ فى «شَرْحِه»: لا وَجْهَ له. قال: ولم يذْكُرْها القاضى، ولا وَقفْتُ على لَفْظٍ يدُلُّ عليها عن أحمدَ. وهى فى «المُسْتَوْعِبِ». فهذه ثَلاثُ رِواياتٍ. الثالثُ، حيثُ أوْجَبْنا عليه الكفَّارَةَ بالوَطْءِ، فقال أبو بَكْرٍ فى «التَّنْبِيه»: عليه كفّارَةُ يَمينٍ. وحكَى ذلك رِوايَةً عن أحمدَ.
стр. 3598
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه». وجزَم به فى «الإفادَاتِ»، وقدَّمه فى «الرَّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الزَّرْكَشِىِّ»، و «الخُلَاصَةِ». قال فى «الفُروعِ»: ومُرادُ أبى بَكْرٍ، ما اخْتارَه صاحِبُ «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، وغيرِهم، أنّه أفْسَدَ المَنْذُورَ بالوَطْءِ، وهو كما أفْسدَه بالخُروجِ لما لَه منه بُدٌّ، على ما سبَق. وهذا مَعْنَى كلامِ القاضى فى «الجَامِعِ الصَّغِيرِ». وذكَر بعضُ الأصحابِ أنَّه قيل: إنَّ هذا الخِلافَ فى نَذْرٍ. وقيل: مُعَيَّنٍ. وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن». وجزَم به فى «الإِفاداتِ»، و «تَجْرِيدِ العِنايَةِ»، و «المُنَوِّرِ»، فلهذا
стр. 3599
وَإِنْ بَاشَرَ دُونَ الْفَرْجِ فَأنْزَلَ، فَسَدَ اعْتِكَافُهُ، وَإلَّا فَلَا.
ــ
قيل: تَجِبُ الكفَّارَتان؛ كفَّارَةُ الظِّهارِ، وكفّارَةُ اليَمينِ. وحكَى القولَ بذلك فى «الحاوِى» وغيرِه. وقال القاضى فى «الخِلَافِ»: عليه بالوَطْءِ كفَّارَةُ الظِّهارِ. وقدَّمه فى «النّظْمِ»، و «الفَائقِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوِيَيْن». واخْتارَ فى «الكُبْرَي» وُجوبَها، ككَفَّارَةِ رَمَضانَ. قال أبو الخَطَّابِ فى «الهِدَايَةِ»: وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ فى رِوايَةِ حَنْبَلٍ. وتأوَّلَها المَجْدُ. وأطْلقَهما فى «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «الشّرْحِ»، و «المَذْهَبِ الأحْمَدِ». وهما رِوايَتان عندَ الشَّيرازِىِّ.
قوله: وإنْ باشَر دُونَ الفَرْجِ فأنْزَلَ، فسَد اعْتِكافُه، وإلَّا فلا. بلا نِزاعٍ فيهما، ثم رأيْتُ الزَّرْكَشِىَّ حكَى عنِ ابنِ عَبْدُوسٍ المُتقدِّمِ احْتِمالًا بعدَمِ الفَسادِ مع الإِنْزالِ، ومتى فسَد خُرِّجَ فى إلْحاقِه بالوَطْءِ فى وُجوبِ الكفَّارَةِ وَجْهان. ذكَرَه ابنُ عَقِيلٍ. وقال المَجْدُ: يتَخرَّجُ وَجْهٌ ثالِثٌ، يَجِبُ بالإِنْزالِ بالوَطْءِ دُونَ الفَرْجِ،
стр. 3600
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا يجِبُ بالإِنْزالِ باللَّمْسِ والقُبْلَةِ. وقال: مُباشرَةُ النَّاسِى كالعامِدِ على إطْلاقِ أصحابِنا. واخْتارَ هنا، لا يُبطِلُه كالصَّوْمِ. انتهى. قلتُ: الأوْلَى وُجوبُ الكفَّارَةِ إذا أنْزَلَ بالمُباشرَةِ فيما دُونَ الفَرْجِ، إذا قُلْنا بوُجوبِها بالوَطْءِ فى الفَرْجِ.
فوائد؛ الأُولَى، لا تحْرُمُ المُباشَرةُ فيما دُونَ الفَرْجِ بلا شَهْوَةٍ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وذكَر القاضى احْتِمالًا بالتَّحْريمِ. وما هو ببَعِيدٍ. وتحْرُمُ المُباشرَةُ بشَهْوَةٍ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه. وقيل: لا تحْرُمُ. وجزَم به فى «الرِّعايَةِ». الثَّانيةُ، لو سَكِرَ فى اعْتِكافِه، فسَد، ولو كان ليْلًا، ولو شرِبَ ولم يَسْكَرْ، أو أتَى كبيرةً، فقال المَجْدُ: ظاهِرُ كلامِ القاضى، لا يَفْسُدُ. واقْتصَرَ
стр. 3601
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ التَّشاغُلُ بِفِعْلِ الْقُرَبِ، وَاجْتِنَابُ مَا لَا يَعْنِيهِ,
ــ
هو وصاحِبُ «الفُروعِ» عليه. الثَّالثةُ، لو ارْتَدَّ فى اعْتِكافِه، بطَل بلا نِزاعٍ.
قوله: ويُسْتَحَبُّ للمُعْتَكِفِ التَّشاغُلُ بفعْلِ القُرَب، واجْتِنابُ ما لا يَعْنِيه. مِن جِدَالٍ ومِراءٍ، وكثْرَةِ كلامٍ ونحوِه. قال المُصَنِّفُ: لأنَّه مكْرُوهٌ فى غيرِ الاعْتِكافِ،
стр. 3602
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ففيه أوْلَى. وله أنْ يتَحدَّثَ مع مَن يأْتِيه ما لم يُكْثِرْ، ولا بأْسَ أنْ يأْمُرَ بما يُريدُ خَفِيفًا لا يشْغَلُه.
стр. 3603
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فائدتان؛ إحداهما، ليس الصَّمْتُ مِن شريعَةِ الإِسْلامِ. قال ابنُ عَقيلٍ: يُكْرَهُ الصَّمْتُ إلى اللَّيْلِ. قال المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى»، والمَجْدُ فى «شَرْحِه»: وظاهِرُ
стр. 3604
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأخْبارِ تحْرِيمُه. وجزَم به فى «الكَافِى»، وإنْ نذَرَه لم يَفِ به. الثَّانيةُ، لا يجوزُ
وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ إِقْرَاءُ الْقُرْآنِ وَالْعِلْم، وَالْمُنَاظَرَةُ فِيهِ، إِلَّا عِنْدَ أَبِى الْخَطَّابِ، إِذَا قَصَدَ بِهِ الطَّاعَةَ.
ــ
قوله: ولا يُسْتَحبُّ له إقْراءُ القُرْآنِ والعِلْمِ، والمُناظَرةُ فيه. هذا المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ. قالَه أبو الخَطَّابِ فى «الهِدَايَةِ». قال أبو بَكْرٍ: لا يُقْرِئُ (١) ولا يكْتُبُ الحديثَ، ولا يُجالِسُ العُلَماءَ. وقال أبو الخَطَّابِ: يُسْتَحَبُّ إذا قصَد به الطَّاعَةَ. واخْتارَه المَجْدُ وغيرُه. وذكَر الآمِدِىُّ فى اسْتِحْبابِ ذلك رِوايَتَيْن. فعلى المذهبِ، فِعْلُه لذلك أفْضَلُ مِنَ الاعْتِكافِ؛ لتَعدِّى نَفْعِه. قال المَجْدُ: ويَتخرَّجُ على أصْلِنا فى كراهَةِ أنْ يَقْضِىَ القاضِى بينَ النَّاسِ وهو مُعْتَكِفٌ،
стр. 3607
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذا كان يسيرًا، وَجْهان، بِناءً على الإِقْراءِ وتَدْرِيس العِلْمِ، فإنَّه فى مَعْناه.
فوائد؛ إحْداها، لا بأْسَ أنْ يتَزَوَّجَ، ويشْهَدَ النِّكاحَ لنَفْسِه ولغيرِه، ويُصلِحَ بينَ القوْمِ، ويعُودَ المرِيضَ، ويُصَلِّىَ على الجِنازَةِ، ويُعَزِّىَ، ويُهَنَّئَ، ويُؤَذِّن، ويُقِيمَ، كلُّ ذلك فى المَسْجِدِ. قال فى «الفُروعِ»: ولعَلَّ ظاهِرَ «الإِيضاحِ»، يحْرُمُ أنْ يَتَزوَّجَ أو يُزَوِّجَ. وقال المَجْدُ: قال أصحابُنا: يُسْتَحَبُّ له تَرْكُ لُبْسِ رَفِيعِ الثِّيابِ، والتَّلَذُّذِ بما يُباحُ قبلَ الاعْتِكافِ، وأنْ لا ينامَ إلَّا عن غَلَبَةٍ، ولو مع قُرْبِ الماء، وأنْ لا ينامَ مُضْطَجِعًا بل مُتَربِّعًا مُسْتَنِدًا، ولا يُكْرَهُ شئٌ مِن ذلك. انتهى. وكَرِهَ ابنُ الجَوزِىَّ وغيرُه لُبْسَ رَفيعِ الثِّيابِ. قال المَجْدُ: ولا بأْس بأَخْذِ شَعَرِه
стр. 3608
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأظْفارِه فى قِيَاسِ مَذهَبِنا. وكَرِهَ ابنُ عَقِيلٍ إزَالَةَ ذلك فى المَسْجِدِ مُطْلَقًا، صيانَةً له. وذكَر غيرُه، يُسَنُّ ذلك. قال فى «الفُروعِ»: وظاهِرُه مُطْلَقًا، وإلَّا (١) يحْرُمُ إلْقاؤه فيه. ويُكْرَهُ له أنْ يَتَطيَّبَ. قدَّمه فى «الفروعِ». نقَل المَرُّوذِىُّ، لا يَتَطيَّبُ. ونَقل أيضًا، لا يُعْجِبُنى. وهو مِنَ المُفْرَداتِ. ونَقل ابنُ إبْرَاهِيمَ، يَتَطيَّبُ كالتَّنظُّفِ، ولِظَواهِرِ الأدِلَّةِ. قال فى «الفُروعِ»: وهذا أظْهَرُ. وقَاسَ أصحابُنا الكَراهةَ على الحَجِّ، والتَّحْرِيمَ على الصَّوْمِ. وأطْلَقَ فى «الرِّعايَةِ» فى كراهَةِ لُبْسِ الثَّوْبِ الرَّفيعِ والتَّطيُّبِ وَجْهَيْن. ويحْرُمُ الوَطْءُ فى المَسْجِدِ، على ما يأْتِى فى أوَاخِرِ الرَّجْعَةِ.
стр. 3609
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وجزَم به فى «الفُروعِ» هناك. وقال ابنُ تَميمٍ: يُكْرَهُ الجِماعُ فوقَ المَسْجِدِ، والتَّمَسُّحُ بحائطِه، والبَوْلُ عليه. نصَّ عليه. على ما تقدَّم قريبًا عندَ خُروجِه لِما لا بدَّ منه. الثَّانيةُ، يَنْبَغِى لمَن قصَد المَسْجِدَ للصَّلاةِ أو غيرِها، أنْ يَنْوِىَ الاعْتِكافَ مُدَّةَ لُبْثِه فيه، لا سِيَّما إنْ كان صائِمًا. ذكَرَه ابنُ الجَوْزِىَّ فى «المِنْهَاجِ»، ومَعْناه فى «الغُنْيَةِ». وقدَّمه فى «الفُروعِ»، ولم يَرَ ذلك الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ. الثَّالثةُ، لا يجوزُ البَيْعُ والشَّراءُ فى المسْجِدِ للمُعْتَكِفِ وغيرِه، على الصَّحِيحِ مِنَ المذهبِ.
стр. 3610
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نصَّ عليه فى رِوايَةِ حَنْبَلٍ. وجزَم به القاضى، وابنُه أبو الحُسَيْنِ، وصاحِبُ «الوَسِيلَةِ»، و «الإِفْصَاحِ»، و «الشَّرْحِ» هنا، وابنُ تَميمٍ وغيرُهم. وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، وغيرِهما. قال ابنُ هُبَيْرَةَ: منَع صِحَّتَه وجَوازَه أحمدُ. وجزَم فى «الفُصُولِ»، و «المُسْتَوْعِبِ» بالكَراهَةِ، وجزَم به فى «الشَّرْحِ»، [و «المُغْنِى»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «المَجْدِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ»] (١)، فى آخرِ كتابِ البَيْعِ. ونَقل حَنْبَلٌ عن أحمدَ ما يَحْتَمِلُ أنَّه يجوزُ أنْ يَبيعَ ويَشْتَرِى فى المسجدِ ما لَا بُدَّ منه، كما يجوزُ خُروجُه له، إذا لم يكُنْ له مَن يأْتِيه به. فعلى المذهبِ، لا يجوزُ فى المَسْجِدِ، ويَخْرُجُ له. وعلى الثَّانى، يجوزُ، ولا يَخْرُجُ له. وعلى المذهب أيضًا، قيلَ: فى صِحَّةِ البَيْعِ وَجْهان. وأطْلَقهما فى «الآدَابِ». قال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: فى صِحَّتِهما وَجْهان مع التَّحْرِيمِ. قلتُ: قاعِدَةُ المذهبِ تَقْتَضِى عدَمَ الصِّحَّةِ. وتقدَّم كلامُ ابنِ هُبَيْرَةَ. وظاهِرُ ما قدَّمه فى «الفُروعِ»، الصِّحَّةُ هنا. وقال فى «الفُروعِ»، فى آخِر كتابِ الوَقْفِ: وفى صِحَّةِ البَيْعِ فى المَسْجِدِ، وِفاقًا للأئمَّةِ الثَّلاَثةِ، وتحْريمِه، خِلافًا لهم، رِوايَتان. وقال فى «المُغْنِى» (٢)، قبلَ كتابِ السَّلَمِ بيَسِير: ويُكْرَهُ البَيْعُ والشِّراءُ فى المَسْجِدِ،