وَعَلَى الْإِمَامِ حِمَايَةُ مَنْ هَادَنَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ،
ــ
قال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: قُطِعَ فى الأقْيَسِ. [وقيلَ: لا يُقْطَعُ. صحَّحه فى «النَّظْمِ»] (١). وأطْلقَهما فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الحاوِيَيْن»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرى».
الثَّالثةُ، قوله: وعلى الإِمامِ حِمايَةُ مَن هادَنَه مِنَ المُسْلِمِين. وهو بلا نِزاعٍ،
стр. 4832
وَإِنْ سَبَاهُمْ كُفَّارٌ آخَرُونَ، لَمْ يَجُزْ لَنَا شِرَاؤُهُمْ.
ــ
ويَلْزَمُه أيضًا حِمايَتُهم مِن أهْلِ الذِّمَّةِ.
قوله: وإنْ سَباهم كُفَّارٌ آخَرُون، لم يَجُزْ لنا شِرَاؤُهم. هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. جزَم به فى «المُحَرَّرِ» وغيرِه. وصحَّحه فى «الفُروعِ». وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهما. وقيل: يجوزُ. وهو احْتِمالٌ فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ». وذكَر الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ رِوايَةً منْصُوصَةً بجَوازِ شِرائهم مِن سَابِيهم.
فائدتان؛ إحْداهما، الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، جَوازُ شِراءِ أوْلادِ الكُفَّارِ المُهادَنِين
стр. 4833
وَإِنْ خَافَ نَقْضَ الْعَهْدِ مِنْهُمْ، نَبَذَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ.
ــ
منهم وأهْلِيهم، كحَرْبِىٍّ باعَ أهْلَه وأوْلادَه. جزَم به ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه». وقدَّمه فى «الفُروعِ». وصحَّحه فى «النَّظْمِ». وعنه، يَحْرُمُ شِراؤُهم، كذِمِّىٍّ باعَهم. وأطْلَقهما فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، فى الأهْلِ والأوْلادِ. وذكَر جماعةٌ مِنَ الأصحابِ، إن قهَر حَرْبِىٌّ وَلَدَه ورَحِمَه على نَفْسِه، وباعَه مِن مُسْلِمٍ وكافِرٍ، فقيل: يصِحُّ البَيْعُ. نقَل الشَّالَنْجِىُّ، لا بأْسَ، فإنْ دخَل بأَمانٍ، لم يُشْتَرَ. وقيل: لا يصِحُّ. وإنَّما يَمْلِكُه بتَوَصُّلِه بعِوَضٍ، وإنْ لم يكُنْ صحِيحًا، كدُخُولِه بغيرِ أَمانٍ فَيُرابِيهِم. نصَّ عليه. قال فى «الفُروعِ»: والمَسْألَةُ مَبْنِيَّةٌ على العِتْقِ على الحَرْبِىِّ بالرَّحِمِ، هل يحْصُلُ أم لا؟ لأنَّه من حُكْمِ الإِسْلامِ. انتهى. قال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: يصِحُّ شِراءُ وَلَدِ الحَرْبِىِّ منه. قلتُ: إنْ عتَق عليه بالمِلْكِ، فلا. وكذا إنْ قَهَر أبَاه وأُمَّه وملَكَهما وباعَهما. وإنْ قهَرَ زَوْجَتَه وملَكَها وباعَها، صحَّ لبَقاءِ مِلْكِه عليها. انتهى. ومنَع ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه» فى الزَّوْجَةِ. الثَّانيةُ، لو سَبَى بعضُهم أوْلادَ بعضٍ، وبَاعُوهم، صحَّ البَيْعُ. قالَه فى «الفُروعِ».
قوله: وإنْ خافَ نَقْضَ العَهْدِ منهم، نبَذ إليهم عَهْدَهم. بلا نِزاعٍ. ويجِبُ
стр. 4834
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إعْلامُهم قبلَ الإِغارَةِ عليهم. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، وجزَم به كثيرٌ منهم، بخِلافِ الذِّمِّىِّ، إذا خِيفَ منه الخِيانَةُ، لم يُنْقَضْ عَهْدُه. وقال فى «التَّرْغِيب»: إنْ صدَر مِنَ المهادَنةِ خِيانَةٌ، فإنْ عَلِمُوا أنَّها خِيانَةٌ، اغْتالَهم، وإلَّا فوَجْهان. وقال الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ ابنُ القَيِّمِ فى «الهَدْى»، فى
стр. 4835
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غَزْوَةِ الفَتْحِ: إنَّ أهْلَ العَهْدِ إذا حارَبُوا فى ذِمَّةِ الإِمامِ وعَهْدِه، صارُوا بذلك أهْلَ حَرْبٍ نابِذِين لعَهْدِه، فله أنْ يُبَيِّتَهم، وإنِّما يُعْلِمُهم إذا خافَ منهم الخِيانَةَ، وأنَّه يَنْتَقِضُ عَهْدُ الجميعِ إذا لم يُنْكِرُوا عليهم.
فوائد؛ إحْداها، ينْتَقِضُ عَهْدُ النِّساءِ والذُّرِّيَّةِ بنَقْضِ عَهْدِ رِجالِهم، تبَعًا لهم. الثَّانيةُ، لو نقَض الهُدْنَةَ بعضُ أهْلِها، فأنْكَرَ عليهم الباقُون، بقَوْلٍ أو فِعْلٍ ظاهِرٍ، أو أعْلَمُوا الإِمامَ بذلك، كان النَّاقِضُ مَن خالَفَ منهم دُونَ غيرِهم، وإنْ سَكتُوا عمَّا فعَلَه النَّاقِضُ، ولم يُنْكِرُوه، ولم يُكاتِبُوا الإِمامَ، انْتقَضَ عَهْدُ الكُلِّ. ويأْتِى نظِيرُ ذلك فى نقْضِ العَهْدِ. الثَّالثةُ، يجوزُ قَتْلُ رَهائِنِهم إذا قتَلُوا رَهائنَنا. جزَم به
стр. 4836
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه». وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن». وعنه، لا يجوزُ. وأطْلَقهما فى «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «النَّظْمِ». الرَّابعةُ، متى ماتَ الإِمامُ أو عُزِلَ، لَزِمَ مَن بعدَه الوَفاءُ بعَقْدِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ لأنَّه عقَدَه باجْتِهادِه، فلا يَنْتَقِضُ باجْتِهادِ غيرِه. وجوَّز ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه نَقْضَ ما عقَدَه الخُلَفاءُ الأربعَةُ، نحْوَ صُلْحِ بَنِى تَغْلِبَ؛ لاخْتِلافِ المَصالحِ باخْتِلافِ الأزْمِنَةِ.
стр. 4837
بَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ
ــ
بابُ عقْدِ الذِّمَّةِ
تنبيه: تقدَّم أوَّلَ بابِ الهُدْنَةِ، أنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ لا يصِحُّ إلَّا مِنَ الإِمامِ أو نائبِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وتقدَّم هناك قوْلان آخَران.
[فائدة: يجِبُ عَقْدُها إذا اجْتَمعَتِ الشُّروطُ، ما لم يخَفْ غائِلَةً منهم] (١).
فَأَمَّا الصَّابِئُ، فَيُنْظَرُ فِيهِ؛ فَإِنِ انْتَسَبَ إِلَى أَحَدِ الْكِتَابَيْنِ،
ــ
قوله: فأمَّا الصَّابِئُ، فَيُنْظَرُ فيه؛ فإنِ انْتَسَبَ إلى أحَدِ الكِتابَين، فهو مِن أهْلِه، وإلَّا فلا. هذا اخْتِيارُ المُصَنِّفِ، والشَّارِحِ، وجماعَةٍ مِنَ الأصحابِ. وجزَم به ابنُ البَنَّا فى «عُقودِه»، وابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِه». قال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»:
стр. 4846
فَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
ــ
والصَّابِئُ إنْ وَافقَ اليَهُودَ والنَّصارَى فى دِينِهم وكِتابِهم، فهو منهم، وإلَّا فهو كعابِدِ وَثَنٍ. وقيل: بل يُقْتَلُ مُطْلَقًا إنْ قال: الفَلَكُ حَىٌّ (١) ناطِقٌ، والكَواكِبُ السَبْعَةُ آلهَةٌ (٢). انتهى. والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ حُكْمَهم حُكْمُ مَن تدَيَّنَ بالتَّوْراةِ والإِنْجيلِ، مثل السَّامِرَةِ والفِرِنْجِ. قال الإِمامُ أحمدُ: هم جِنْسٌ مِنَ النَّصارَى. وجزَم فى «الهِدَايَةِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَقِيلٍ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوِيَيْن»، و «إدْرَاكِ الغايَةِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم، أنَّهم يُوافِقُون النَّصارَى، فحُكْمُهم حُكْمُهم، لكِنْ يُخالِفُونهم فى الفُروعِ. قال فى «الحاوِى» وغيرِه، وجزَم به فى «الخُلاصَةِ» وغيرها: يأخُذُ الجِزْيَةَ منهم. وقدَّمه فى «الفُروعِ». وقال الإِمامُ أحمدُ أيضًا، فى مَوْضِعٍ آخَرَ: بَلَغَنِى أنَّهم
стр. 4847
وَمَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ بَعْدَ بَعْثِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَوْ وُلِدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ لَا تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
يَسْبِتُون، فإذا أسْبَتُوا، فَهُم مِنَ اليَهودِ. ونقَل حَنْبَلٌ، مَنْ ذهَب مذْهَبَ عمرَ -فإنَّه قال: هم يَسْبِتُون- جعَلَهم بمَنْزِلَةِ اليَهُودِ. وقال فى «التَّرْغِيبِ»: فى ذَبِيحَةِ الصَّابِئَةِ رِوايَتان؛ مأْخَذُهما، هل هم فِرْقَةٌ مِنَ النَّصارَى أم لا؟
فائدة: صِيغَةُ عَقْدِ الذِّمَّةِ، أنْ يقولَ: أقْرَرْتُكم بالجِزْيَةِ والاسْتِسْلامِ. أو يقولوا ذلك؛ فيقولُ: أقْرَرْتُكم على ذلك. أو نحوَهما. هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. وقيل: يُعْتَبرُ فيه ذِكْرُ قَدْرِ الجِزْيَةِ، وفى الاسْتِسْلامِ وَجْهان. ذكَرَهما فى «التَّرْغِيبِ».
قوله: ومَن تَهَوَّدَ أو تَنَصَّرَ بعدَ بَعْثِ نَبِيِّنا ﷺ ، أو وُلِدَ بينَ أبَوَيْن لا تُقْبَلُ الجِزْيَةُ مِن أَحَدِهما، فعلى وَجْهَيْن. وهما رِوايَتان. إذا تَهوَّدَ أو تنَصَّرَ بعدَ بَعْثِ نَبِيِّنا محمدٍ ﷺ ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ الجِزْيَةَ تُقْبَلُ منه. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ. واخْتارَه القاضى. وصحَّحه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «التَّصْحِيحِ». قال فى «الوَجيزِ»: وإنِ انْتقَلَ إلى دِينِ أهْلِ الكِتابِ غيرُ مُسْلِمٍ، أُقِرَّ. وقدَّمه فى «الفُروعِ». وعنه، لا يُقْبَلُ [منه الجِزْيَةُ، ولا يُقْبَلُ] (١) منه إلَّا
стр. 4848
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإِسْلامُ أو السَّيْفُ. صحَّحه فى «النَّظْمِ». وقدَّمه فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «الخُلاصَةِ». وأطْلقَهما فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ». وقال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: قلتُ: مَن صارَ كِتابِيًّا بعدَ عَهْدِ النبىِّ ﷺ ، [أو جُهِلَ وَقْتُه] (١)، لا تُقْبَلُ جِزْيَتُه.
تنبيه: مفْهومُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه لو تهَوَّدَ أو تَنصَّرَ قبلَ بَعْثِ نَبِيِّنا ﷺ ، تُقْبَلُ منه الجِزْيَةُ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ. جزَم به فى «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الفُروعِ»، وغيرِه. واخْتارَه القاضى (٢) وغيرُه. وقدَّم فى «التَّبْصِرَةِ»، أنَّ الجِزْيَةَ لا تُقْبَلُ منه مُطْلَقًا. وذكَر فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّرْغِيبِ»، أنَّه لو تَنصَّرَ أو تهَوَّدَ قبلَ البَعْثَةِ، وبعدَ التَّبْديلِ، لا تُقْبَلُ منه الجِزْيَةُ، وإلَّا قُبِلَتْ. وأطْلقَه هو والأوَّلَ فى «البُلْغَةِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ».
فائدة: حُكْمُ مَن تمَجَّسَ بعدَ البَعْثَةِ أو قبلَها، بعدَ التَّبْديلِ أو قبلَه، حُكْمُ مَن تنَصَّرَ أو تهَوَّدَ، على ما تقدَّم. ويأْتِى الكلامُ على ذلك بأَتَمَّ مِن هذا فى آخرِ
стр. 4849
وَلَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ نَصَارَى بَنِى تَغْلِبَ، وَتُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، مِثْلَىْ مَا تُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
ــ
بابِ أحْكامِ الذِّمَّةِ، بعدَ قوْلِه: وإنْ تهَوَّدَ نَصْرانِىٌّ، أو تنَصَّرَ يهُودِىٌّ، لم يُقَرَّ. وأمَّا إذا وُلِدَ بينَ أبَويْن لا تُقْبَلُ الجِزْيَةُ مِن أحَدِهما، يعْنِى، واخْتارَ دِينَ مَن تُقْبَلُ منه الجِزْيَةُ، فأطْلقَ المُصَنِّفُ فى قَبُولِ الجِزْيَةِ منه وجْهَين. وأطْلَقهما فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الخُلاصَةِ»؛ أحدُهما، تُقْبَلُ منه الجِزْيَةُ، وتُعْقَدُ له الذِّمَّةُ. وهو المذهبُ. صحَّحه فى «المُغْنِى»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «البُلْغَةِ»، و «التَّصْحيحِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الكافِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. والوَجْهُ الثَّانى، لا تُقْبَلُ منه الجِزْيَةُ، ولا يُقْبَلُ منه غيرُ الإِسْلامِ. ذكَرَه أبو الخَطَّابِ فمَن بعدَه.
قوله: ولا تؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِن نَصارَى بَنِى تَغْلِبَ. هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ
стр. 4850
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم. وقيل: تُقْبَلُ منهم الجِزْيَةُ؛ للآيَةِ، وحَرْبِىٍّ منهم لم يدْخُلْ فى الصُّلْحِ إذا بذَلَها. على الصَّحِيحِ. وظاهِرُ المذهبِ خِلافُه. قالَه الزَّرْكَشِىُّ.
تنبيه: ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّها لا تُؤْخَذُ منهم ولو بذَلُوها. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقطَعُوا به. وفى «المُغْنِى» ومَن تابعَه احْتِمالٌ، تُقْبَلُ إذا بذَلُوها.
فائدة: ليسَ للإِمامِ نقْضُ عَهْدِهم وتجْديدُ الجِزْيَةِ عليهم. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ لأنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ مُؤَبَّدٌ، وقد عقَدَه عمرُ معهم هكذا، وعليه أكثرُ
стр. 4851
وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهمْ وَمَجَانِينِهِمْ.
ــ
الأصحابِ. واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ جَوازَ ذلك؛ لاخْتِلافِ المَصْلحَةِ باخْتِلافِ الأزْمِنَةِ، وقد فعَلَه عمرُ بنُ عَبْدِ العزِيزِ، وجعلَ ذلك جماعةٌ كالخَراجِ والجِزْيَةِ. واخْتارَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ. وجزَم القاضى فى «الخِلافِ» بالفَرْقِ. وكلامُ المُصَنِّفِ فى غيرِ هذا الكِتابِ وغيرِه، يقْتَضِيه.
قوله: ويُؤخَذُ ذلك مِن نِسائِهِم وصِبْيانِهم ومَجانِينِهم. وكذا زَمْنَاهم ومَكافِيفُهم. وشُيوخُهم، ونحوُهم. وهذا المذهبُ فى ذلك كلِّه، واخْتارَه جَماهيرُ
стр. 4852
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأصحابِ. وهو منَ المُفْرَداتِ. وفيه وَجْهٌ، لا يُؤْخَذُ مِن هؤلاءِ. قال المُصَنِّفُ: هذا أقْيَسُ. فالمَأْخُوذُ منه جِزْيَةٌ باسْمِ الصَّدقَةِ، فمَصْرِفُه مَصْرِفُ الجِزْيَةِ. وقال فى «الفُروعِ»: الأظهَرُ، إنْ قيلَ: إنَّها كالزَّكاةِ فى المَصْرِفِ، أُخِذتْ ممَّن لا جِزْيةَ عليهم، كالنِّساءِ ونحوِهم، وإلَّا فلا. انتهى. فعلى المذهبِ، لا تُؤْخَذُ مِن
стр. 4853
وَمَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الْجِزْيَةِ. وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: مَصْرِفُ الزَّكَاةِ.
ــ
فَقيرٍ، ولا ممَّن له مالٌ غيرُ زَكَوِىٍّ.
قوله: ومَصْرِفُه مَصْرِفُ الجِزْيَةِ. هذا المذهبُ. اخْتارَه القاضى، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والنَّاظِمُ، وغيرُهم. وجزَم به فى «المُنَوِّرِ». وقدَّمه فى «الفُروعِ». وقال الخِرَقِىُّ: مَصْرِفُ الزَّكاةِ. وهو رِوايَةٌ ثانيةٌ عن أحمدَ. جزَم
стр. 4854
وَلَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِىٍّ غَيْرِهِمْ. وَقَالَ الْقَاضِى: تُؤْخَذُ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَيَهُودِهِمْ.
ــ
به فى «الفُصُولِ»، وابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه». وقدَّمه فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «إدْراكِ الغايَةِ». وأطْلَقهما فى «المُحَرَّرِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ».
قوله: ولا تُؤْخَذُ مِن كِتابِىٍّ غيرِهم. كمَن تنَصَّرَ مِنَ العرَبِ مِن تَنُوخَ وبَهْراءَ، أو تهَوَّدَ مِن كِنانَةَ وحِمْيَرَ، أو تمَجَّسَ مِن تَمِيمٍ ونحوِهم. وهذا أحَدُ الوجْهَين.
стр. 4855
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وذكَرا أنَّ أحمدَ نصَّ عليه. وجزَم به فى «الوَجيزِ»، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ. وقال القاضى: تُؤْخَذُ مِن نَصارَى العَرَبِ ويَهُودِهم، كبَنِي تَغْلِبَ. وهو المذهبُ. نصَّ عليه. وجزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِيَيْن»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، و «إدْراكِ الغَايَةِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَيْن». وصحَّحه فى «النَّظْمِ». قال الزَّرْكَشِىُّ: والمَنْصُوصُ أنَّ مَن كان مِنَ العرَبِ مِن أهْلِ الجِزْيَةِ، وأبَاها إلَّا باسْمِ الصَّدَقَةِ مُضَعَّفَةً، وله شَوْكَةٌ يُخْشَى الضَّرَرُ منها، تَجُوزُ مُصالحَتُهم على ما صُولِحَ
стр. 4856
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه بنُو تَغْلِبَ. وهو الصَّوابُ، وعليه يُحْمَلُ إطْلاقُ أحمدَ أوَّلًا، وإطْلاقُ القاضى ومَنْ تَبِعَه، ولهذا قطَع به أبو البَرَكاتِ، وعليه اسْتَقرَّ قَوْلُ أبِى محمدٍ فى «المُغْنِى» (١)، إلَّا أنَّه شرَط مع ذلك، أنْ يكونَ المأْخُوذُ بقَدْرِ ما يجِبُ عليهم مِنَ
стр. 4857
وَلَا جِزْيَةَ عَلَى صَبِىٍّ، وَلَا امْرَأَةٍ، وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا زَمِنٍ، وَلَا أَعْمَى، وَلَا عَبْدٍ، وَلَا فَقِيرٍ يَعْجِزُ عَنْهَا.
ــ
الجِزْيَةِ، أو أزْيَدَ، وليسَ هذا فى كلامِ أحمدَ، ولا مُشْتَرَطٌ فى بنِي تَغْلِبَ. انتهى.
فائدة: يجوزُ للإِمامِ مُصالحَةُ مثْلِهم ممَّن يُخْشَى ضرَرُه بشَوْكَتِه مِن العرَبِ، إذا أبَي دَفْعَها إلَّا باسْمِ الصَّدَقَةِ مُضَعَّفَةً. نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ. وجزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
قوله: ولا جِزْيَةَ على صَبِىٍّ، ولا امْرَأةٍ، ولا مَجْنُونٍ، ولا زَمِنٍ، ولا أعْمَى.
стр. 4858
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكذا لا جِزْيَةَ على شَيْخٍ فانٍ، بلا نِزاعٍ فيهم. ويأْتِى كلامُ الشَّيْخِ تَقِىِّ الدِّينِ. وكذا لا جِزْيَةَ على راهِبٍ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ. وقيل: عليه الجِزْيَةُ. وهو احْتِمالٌ للمُصَنِّفِ، ولا يبْقَى بيَدِه مالٌ إلَّا بُلْغَتُه فقط، ويُؤْخَذُ ما بيَدِه. قالَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ. قال: ويُؤْخَذُ منهم ما لنا، كالرِّزْقِ الذى للدُّيُورَةِ (١) والمَزَارِعِ إجْمالًا. قال: ويجِبُ ذلك. وقال أيضًا: ومَن له تِجارَةٌ
стр. 4859
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو زِراعَةٌ، وهو مُخالِطٌ لهم أو مُعاوِنُهم على دِينِهم، كمَن يدْعُو إليه مِن راهِبٍ وغيرِه، فإنَّها تَلْزَمُه إجْماعًا، وحُكْمُه حُكْمُهم، بلا نِزاعٍ. انتهى.
стр. 4860
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فائدة: قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: الجِزْيَةُ؛ الوَظِيفَةُ المأْخُوذَةُ مِنَ الكافِرِ لإِقامَتِه بدارِ الإِسْلامِ فى كلِّ عامٍ. قال الزَّرْكَشِىُّ: وظاهِرُ هذا التَّعْريفِ، أنَّ الجِزْيَةَ أُجْرَةُ الدَّارِ، مُشْتَقَّةٌ مِن جَزاه بمَعْنَى قَضاه. وقال فى «الأَحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»: مُشْتَقٌّ مِنَ الجَزاءِ؛ إمَّا جَزاءً على كُفْرِهم لأخْذِها منهم صَغارًا، أو جَزاءً على أمَانِنا (١) لهم لأخْذِها منهم رِفْقًا. قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: وهذا أصحُّ. قال الزَّرْكَشِىُّ: وهو يرْجِعُ إلى أنَّها عُقُوبَةٌ أو أُجْرَةٌ.
قوله: ولا عَبْدٍ. هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ مُطْلَقًا. نصَّ عليه. وحكَاه ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا. وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «المُغْنِى»،
стр. 4861
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. واخْتارَه أبو بَكْرٍ، والقاضى، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهم. وعنه، عليه الجِزْيَةُ إذا كان لكافِرٍ. ويَحْتَمِلُه كلامُ الخِرَقِىِّ. وأطْلَقهما فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الزَّرْكَشِىِّ».
فائدة: لا تجِبُ على عَبْدِ المُسْلِمِ الذِّمِّىِّ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه. وقطَع به غيرُهما. قال فى «الفُروعِ»: ولا تَلْزَمُ عبْدًا. وعنه،
стр. 4862
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لمُسْلِمٍ. جزَم به فى «الرَّوْضَةِ»، وأنَّها تسْقُطُ بإسْلامِ أحَدِهما. وفى «التَّبْصِرَةِ»، عنِ الخِرَقِىِّ، تَلْزَمُ عبْدًا مُسْلِمًا عن عَبْدِه. فعلى المذهبِ، تَلْزَمُ المُعْتَقَ بعضُه بقَدْرِ ما فيه مِنَ الحُرِّيَّةِ. قالَه الأصحابُ.
فائدتان؛ إحْداهما، فى وُجوبِ الجِزْيَةِ على عَبْدٍ ذِمِّىٍّ أعْتقَه مُسْلِمٌ أو كافِرٌ رِوايَتان مَنْصُوصَتان. وأطْلَقهما فى «الفُروعِ» [فيما إذا كان المُعْتِقُ مُسْلِمًا] (١)؛ إحْداهما، تجِبُ عليه الجِزْيَةُ. وهى الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وهو ظاهِرُ كلامِ كثيرٍ مِنَ الأصحابِ. قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا الصَّحيحُ المشْهورُ مِنَ الرِّوايتَيْن. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: وإذا عتَق، لَزِمَتْه الجِزْيَةُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ، سواءٌ كان مُعْتِقُه مُسْلِمًا أو كافِرًا، هذا الصَّحيحُ عن أحمدَ. انتهيا. وقال فى «الوَجيزِ» وغيرِه:
стр. 4863
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وتُؤْخَذُ ممَّن صارَ أهْلًا لها فى آخِرِ الحَوْلِ. وهو ظاهِرُ ما قدَّمه فى «المُحَرَّرِ». وجزَم به الخِرَقِىُّ. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا جِزْيَةَ عليه. قال الخَلَّالُ: هذا قوْلٌ قديمٌ رجَع عنه. ووَهَّنَها. وعنه رِوايَةٌ ثالثةٌ، لا جِزْيَةَ عليه إذا كان المُعْتِقُ له مُسْلِمًا. الثَّانيةُ، قال الإِمامُ أحمدُ: المُكاتَبُ عَبْدٌ، فيُعْطَى حُكْمَه.
стр. 4864
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: ولا فَقِيرٍ يَعْجِزُ عنها. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. نصَّ عليه. وفيه احْتِمالٌ، تجِبُ عليه، ويُطالَبُ بها إذا أيْسَرَ؛ لأنَّه مِن أهْلِ القِتالِ. فعلى المذهبِ، لو كان مُعْتَمِلًا، وجَبَتْ عليه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قال فى «الفُروعِ»: تجِبُ على الأصحِّ. قال فى «القَواعِدِ»: أشْهَرُ الرِّوايتَيْن، الوُجوبُ. وجزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «الحاوِى الكَبِيرِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِى»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. قال الزَّرْكَشِىُّ: وهى أسْعَدُ دَلِيلًا. وهو ظاهِرُ ما قطَع به فى «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ». وعنه، لا تجِبُ. وهى ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ. وأطْلَقهما فى «المُحَرَّرِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ». وقال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: ولا تجِبُ على فَقِيرٍ عاجزٍ لا حِرْفَةَ له، أو له حِرْفَةٌ لا تكْفِيه. نصَّ عليه. وقال فى مَكانٍ آخَرَ: وتَلْزَمُ الفَقِيرَ المُحْتَرِفَ الحِرْفةَ التى تقومُ
стр. 4865
وَمَنْ بَلَغَ، أَوْ أَفَاقَ، أَوِ اسْتَغْنَى، فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ فِى آخِرِ الْحَوْلِ بِقَدْرِ مَا أَدْرَكَ.
ــ
بكِفايَتِه كُلَّ سَنةٍ.
فائدة: تجِبُ الجِزْيَةُ على الخُنْثَى المُشْكِلِ. جزَم به فى «الحاوى الصَّغِيرِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، و «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ». وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن». وقيل: لا تجِبُ عليه. قال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وهو أظْهَرُ. وجزَم به فى «الحاوِى الكَبِيرِ»، و «الكافِى». وهذا المذهبُ. وأطْلَقهما فى «الفُروعِ». فعلى القَوْلِ الثَّانى، لو بانَ رَجُلًا، أُخِذَتْ منه للمُسْتَقْبَلِ فقط. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وقطَع به مَن ذَكَرَه، منهم القاضى (١). وقال فى «الفُروعِ»: ويتَوجَّهُ، وللماضِى.
قوله: ومَن بلَغ، أو أفاقَ، أو اسْتَغْنَى -وكذا لو عتَق، وقلنا: عليه الجِزْيَةُ-
стр. 4866
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فهو مِن أهْلِها بالعَقْدِ الأوَّلِ. هذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. قال الزَّرْكَشِىُّ. هذا المَشْهُورُ. وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، ونَصَراه، و «الفُروعِ». وجزَم به فى «الحاوِى» وغيرِه. وقال القاضى فى مَوْضِعٍ مِن كلامِه: هو مُخَيَّرٌ بينَ العَقْدِ وبينَ أنْ يُرَدَّ إلى مَأْمَنِه، فيُجابُ إلى ما يَخْتارُ.
قوله: ويُؤْخَذُ منه فى آخِرِ الحَوْلِ بقَدْرِ ما أدْرَك. يعْنِى، إذا بلَغ أو أفاقَ، أو اسْتَغْنَى فى أثْناءِ الحَوْلِ، وكذا لو عتَق فى أثْنائه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ مُطْلَقًا. وعنه، لا جِزْيَةَ على عَتِيقِ مُسْلِمٍ. وعنه، وعَتِيقِ ذِمِّىٍّ. جزَم به فى «الرَّوْضَةِ».
стр. 4867
وَمَنْ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ، لُفِّقَتْ إفَاقَتُهُ، فَإِذَا بَلَغَتْ حَوْلًا، أُخِذَتْ مِنْهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ فِى آخِرِ كُلِّ حَولٍ بِقَدْرِ إِفَاقَتِهِ مِنْهُ.
ــ
قوله: ومَن كان يُجَنُّ ويُفِيقُ، لُفِّقَتْ إفاقَتُه، فإذا بلَغتْ حَوْلًا، أُخِذَتْ منه. هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. قدَّمه فى «الفُروعِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن». وقدَّمه فى «النَّظْمِ» إذا لم يتَعَسَّرْ ضَبْطُه. وقيل: يُعْتَبرُ الغالِبُ فيما لا ينْضَبطُ أمْرُه. وقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: إذا كان يُجَنُّ ويُفِيقُ، لا يخْلُو مِن ثَلَاثَةِ أَحْوالٍ؛ أحدُها، أنْ يكونَ غيرَ مَضْبُوطٍ، مثْلَ مَن يُفِيقُ ساعةً مِن أيَّامٍ، أو مِن يومٍ، فيُعْتَبرُ حالُه بالأغْلَبِ. الثَّانى، أنْ يكونَ مَضْبُوطًا، مثْلَ مَن يُجَنُّ يَوْمًا ويُفِيقُ يوْمَيْن، أو أقَلَّ أو أكثرَ، إلَّا أنَّه مَضْبُوطٌ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يُعْتَبرُ الأغْلَبُ مِن حالِه. والوَجْهُ الثَّانى، تُلَفَّقُ إفاقَتُه. فعلى هذا الوَجْهِ، فى أخْذِ الجِزْيَةِ وَجْهان؛ أحدُهما، تُلَفَّقُ أيَّامُه؛ فإذا بلَغتْ حَوْلًا،
стр. 4868
وَتُقْسَمُ الْجِزْيَةُ بَيْنَهُمْ؛ فَيُجْعَلُ عَلَى الْغَنِىِّ ثَمَانِيَةٌ وَأرْبَعُونَ دِرْهَمًا،
ــ
أُخِذَتْ منه. والثَّانى، يُؤْخَذُ منه فى آخرِ كلِّ حَوْلٍ بقَدْرِ ما أفاقَ منه. وإنْ كان يُجَنُّ ثُلُثَ الحَوْلِ ويُفِيقُ ثُلُثَيه، أو بالعَكْسِ، ففيه الوَجْهان. فإنِ اسْتَوتْ إفاقَتُه وجُنونُه، مثلَ مَن يُجَنُّ يَوْمًا ويُفِيقُ يوْمًا، أو يُجَنُّ نِصْفَ الحَوْلِ ويُفِيقُ نِصْفَه عادةً، لُفِّقَتْ إفاقَتُه؛ لأنَّه تعَذَّرَ الأغْلَبُ. الحالُ الثَّالِثُ، أنْ يُجَنَّ نِصْفَ حَوْلٍ، ثم يُفِيقُ إفاقَةً مُسْتَمِرةً، أو يُفِيقُ نِصْفَه، ثم يُجَنُّ جُنونًا مُسْتَمِرًّا، فلا جِزْيَةَ عليه فى الثَّانى، وعليه فى الأوّلِ مِنَ الجِزْيَةِ بقَدْرِ ما أفاقَ، كما تقدَّم. انتهيا.
قوله: وتُقْسَمُ الجِزْيَةُ بينَهم؛ فَيُجْعَلُ على الغَنِىِّ ثمانِيَةٌ وأرْبَعون دِرْهَمًا، وعلى
стр. 4869
وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَا عَشَرَ.
ــ
المتَوسِّطِ أرْبَعةٌ وعِشْرون دِرْهمًا، وعلى الفَقِيرِ اثنا عَشَرَ دِرْهَمًا. قد تقدَّم أنَّ مرْجِعَ الجِزْيَةِ والخَراجِ إلى اجْتِهادِ الإِمامِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. فله أنْ يَزِيدَ ويَنْقُصَ على قَدْرِ ما يَراه. فلا تَفْريعَ عليه. وتَفْريعُ المُصَنِّفِ هنا على القَوْلِ بأنَّ الجزْيَةَ مُقدَّرَةٌ بمِقْدارٍ، لا يُزادُ عليه ولا يُنْقَصُ منه، وهذا التَّقْديرُ، على هذه الرِّوَايَةِ، لا نِزاعَ فيه، وهو تَقْدِيرُ عمرَ رَضِىَ اللَّهُ عنه. وجزَم به فى «المُحَرَّرِ»