. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في «تَجْريدِ العِنايةِ»: ولا أُجْرَةَ لرَبّه مُدَّةَ اصْطِيادِه، في الأظْهَر. والوَجْهُ الثَّاني، يَلْزَمُه. وهو قِياسُ قَوْلِ صاحبِ «التَّلْخيصِ»، في صَيدِ العَبْدِ، على ما يأتِي قرِيبًا. وأمَّا سَهْمُ الفَرَسِ المَغْصُوبَةِ، فقد تقدَّم في كلامِ المُصَنِّفِ أيضًا، في بابِ قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ، في قَوْلِه: ومَن غصَبَ فَرَسًا، فَقَاتَلَ عليه، فسَهْمُه لمالِكِه. وذكَرْنا الخِلاف فيه هناك. وأمَّا إذا اغصَبَ شبَكَةً، أو شَرَكًا، فصادَ به، فجزَم المُصَنِّفُ هنا، أنَّه لمالِكِه. وهو المذهبُ. قال الحارِثِيُّ: هذا المذهبُ، وعليه عامَّةُ الأصحابِ. وجزَم به ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه». وقدَّمه في «الشَّرْحِ». والوَجْهُ الثَّاني، يكونُ للغاصِبِ. وجزَم به في «الوَجيزِ». وقال في «الفُروعِ»، بعدَ أنْ ذكَر صَيدَ الكَلْبِ، والقَوْسِ: وقيل: وكذا أُحْبُولَةٌ. وجزَم به غيرُ واحدٍ في كُتُبِ الخِلافِ، قالوا على قِياسِ قوْلِه: رِبْحُ الدَّراهِمِ لمالِكِها.
فائدة: صَيدُ العَبْدِ المغْصُوبِ، وسائرُ أكْسابِه للسَّيِّدِ، بلا نِزاعٍ. وفي لُزومِ أُجْرَتِه مُدَّةَ اصْطِيادِه وعَمَلِه، الوَجْهانِ المُتَقَدِّمان في الجارِحَةِ. قال في «التَّلْخيصِ»: ولا تدْخُلُ أُجْرَتُه تحتَه، إذا قُلْنا بضَمانِ المَنافِعِ.
стр. 7072
وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَقَصَرَهُ، أَوْ غَزْلًا فَنَسَجَهُ، أَوْ فِضَّةً أَوْ حَدِيدًا فضَرَبَهُ، أَوْ خَشَبًا فَنَجَرَهُ، أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا، رَدَّ ذَلِكَ بِزِيَادَتِهِ وَأَرْشَ نَقْصِهِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ.
ــ
قوله: وإنْ غصَب ثَوْبًا فقصَرَه، أو غَزْلًا فنسَجَه، أو فِضَّةً، أو حَدِيدًا فضَرَبَه -إبَرًا أو أَوانِيَ- أو خَشَبًا، فنجَرَه بابًا، ونحوَه، أَو شاةً فذَبَحَها وشَواها، رَدَّ ذلك بزيادَتِه، وأَرْشَ نَقصِه، ولا شيءَ له. وكذا لو غَصَبَ طينًا، فضَرَبَه لَبِنًا، أو جعَلَه فَخَّارًا، أو حبًّا، فطَحَنَه، ونحوَ ذلك. ذكَر المُصَنِّفُ هنا، ما يُغَيِّرُ المَغْصُوبَ عن صِفَتِه، ويَنْقُلُه إلى اسْمٍ آخَرَ، كما مثَّلَ، ونحوه، ففي هذا يكونُ الحُكْمُ كما قال المُصَنِّفُ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفائقِ»: هذا ظاهِرُ المذْهبِ. قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: هذا
стр. 7073
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المذهبُ. قال الحارِثِيُّ: اخْتارَه المُصَنِّفُ، والأكْثَرون مِن أهْلِ المذهبِ؛ منهم، القاضي في «المُجَرَّدِ»، وأبو عَليِّ بنُ شِهابٍ، وابنُ عَقِيلٍ في «الفُصولِ». قال: وهو المُخْتارُ. قال في «التَّلْخيصِ»: هذا الصَّحيحُ عندِي. وصحَّحه في «النَّظْمِ» وغيرِه. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ». وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ». وعنه، يكونُ شَرِيكًا بالزِّيادَةِ. اخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، قاله في «الفائقِ». قال في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»:
стр. 7074
وَعَنْهُ، يَكُونُ شَرِيكًا بِالزِّيَادَةِ.
ــ
الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، إنْ زادَتِ القِيمَةُ بذلك، فالغاصِبُ شَرِيكُ المالِكِ بالزِّيادَةِ. انتهى. وقدَّمه في «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «ناظِمِ المُفْرَداتِ»، وقال: رجَّحه الأكْثَرُ في الخِلافِ. انتهى. واخْتارَه القاضي في «الجامعِ الصَّغِيرِ»، والقاضي يَعْقُوبُ، وابنُ عَقِيلٍ في «التَّذْكِرَةِ»، وأبو الحَسَنِ ابنُ بَكْرُوسٍ (١). وقيل: للغاصِبِ أُجْرَةُ عَمَلِه فقط، إذا كانتِ
стр. 7075
وَقَال أَبُو بَكْرٍ: يَمْلِكُهُ، وَعَلَيهِ قِيمَتُهُ.
ــ
الزِّيادَةُ مِثْلَها فصاعِدًا. أوْمَأَ إليه ابنُ أبِي مُوسى. ذكَرَه عنه في «التَّلْخيصِ». قال الحارِثِيُّ: قاله ابنُ أبِي مُوسى، والشِّيرازِيُّ. فعلى هذا، إنْ عَمِلَ ولم يَسْتَأْجَرْ، فلا شيءَ له، قاله الشِّيرازِيُّ في «المُبْهِجِ». وقال أبو بَكْرٍ: يَمْلِكُه، وعليه قِيمَتُه قبلَ تَغْيِيرِه. وهو رِوايةٌ نقَلَها محمدُ بنُ الحَكَمِ، إلَّا أنَّ المُصَنِّفَ، والشَّارِحَ قالا: هو قوْلٌ قديمٌ رجَعَ عنه؛ فإنَّ محمدًا ماتَ قبلَ أبي عبدِ اللهِ بَنْحوٍ مِن عِشْرِين سنَةً. قلتُ: مَوْتُه قبلَ أبِي عبدِ اللهِ بعِشْرِين سنَةً لا يدُلُّ على أنَّه رجَع عنه، بل لا بُدَّ مِن دَليل على رُجُوعِه، وإلَّا فالأصْلُ عدَمُه. ثم وجَدْتُ الحارِثِيَّ قال نحوَه؛ فقال: وليس يَلْزَمُ مِن تقدُّمِ الوَفاةِ الرُّجُوعُ؛ إذْ مِنَ الجائزِ تقدُّمُ سَماعِ مَن تأخَّرَتْ وفاتُه، وكان يجِبُ، على ما قال، إلْغاءُ ما خالفَ أبو بَكْرٍ فيه لرِوايَةِ مَن تأَخَّرَ مَوْتُه،
стр. 7076
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والأَمْرُ بخِلافِه. انتهى. وعنه، يُخَيَّرُ المالِكُ بينَ العَينِ والقِيمَةِ. قال في «الفائقِ»: وهو المُخْتارُ.
تنبيه: أدْخَلَ المُصَنِّفُ فيما يُغيِّرُ المَغْصُوبَ عن صِفَتِه، قَصْرَ الثَّوْبِ، وذَبْحَ الشَّاةِ وشَيَّها. قال في «الفُروعِ»: فذَكَر جماعَةٌ، أنَّه كالنَّوْعِ الأوَّلِ. قلتُ: منهم صاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفائقِ»، و «الوَجيزِ» و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرُهم. قال الحارِثِيُّ: وقد أدْرَجَ هو وغيرُه في هذا الأَصْلِ قِصارَةَ الثَّوْبِ،
стр. 7077
وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَحَفَرَ فِيهَا بِئْرًا، وَوَضَعَ تُرَابَهَا فِي أَرْضِ
ــ
وليس بالمُخْتارِ؛ لانْتِفاءِ سلْبِ الاسمِ والمَعْنَى.
تنبيه ثان: أفادَ المُصَنِّفُ أنَّ ذَبْحَ الغاصِبِ للحَيوانِ المَغْصُوبِ لا يُحَرِّمُ أكْلَه. وهو كذلك على الصَّحيحِ، ويأْتِي ذلك عندَ تَصرُّفاتِ الغاصِبِ الحُكْمِيَّةِ، وفي بابِ القَطْعِ في السَّرِقَةِ.
فائدة: ما صوَّرَه المُصَنِّفُ وغيرُه، في هذه المَسْأَلَةِ، ينْقَسِمُ إلى مُمْكِنِ الرَّدِّ إلى الحالةِ الأُولَى؛ كالحَلْيَ، والأَوانِي، والدَّراهِمِ، فيُجْبَرُ المالِكُ على الإِعادَةِ. قاله في «التَّلْخيصِ»، واقْتَصرَ عليه الحارِثِيُّ. وإلى غيرِ مُمْكِنٍ؛ كالأَبوابِ، والفَخَّارِ، ونحوهما، فليس للغاصِبِ إفْسادُه، ولا للمالِكِ إجْبارُه عليه، فيما عَدا الأبوابَ، ونحوَها. وقال ابنُ عَقِيلٍ، في الأوانِي المُتَّخَذَةِ مِنَ التُّرابِ: للمالِكِ ردُّها ومُطالبَتُه بمِثْلِ التُّرابِ.
قوله: وإنْ غصَبَ أَرْضًا، فحَفَرَ فيها بِئْرًا، ووَضَعَ تُرابَها فِي أَرْضِ مالِكِها،
стр. 7078
مَالِكِهَا، لَمْ يَمْلِكْ طَمَّهَا إِذَا أَبْرَأَةُ الْمَالِكُ مِنْ ضَمَانِ مَا يَتْلَفُ بِهَا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
ــ
لم يمْلِكْ طَمَّها، إذا أَبْرأَه المالِكُ من ضَمانِ ما يَتْلَفُ بها، في أَحَدِ الوَجْهَين. إذا حفَرَ بِئْرًا، أو شَقَّ نَهْرًا، ونحوَه، في أرْضٍ غصَبَها، فطالبَه المالِكُ بطَمِّها، لَزِمَه ذلك إنْ كان لغَرَضٍ. قاله الحارِثِيُّ. وإنْ أرادَ الغاصِبُ طَمَّها ابْتِداءً، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ
стр. 7079
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يكونَ لغَرَضٍ صَحيحٍ، أوْ لا، فإنْ كان لغَرَضٍ صَحيحٍ؛ كإسْقاطِ ضَمانِ ما يقَعُ فيها، أو يكونُ قد نقَلَ تُرابَها إلى مِلْكِه، أو مِلْكِ غيرِه، أو إلى طَريقٍ يحْتاجُ إلى تَفْرِيغِه، فله طَمُّها مِن غيرِ إذْنِ ربِّها. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وهو ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ». واخْتارَه القاضي. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الحَارِثِيِّ»، و «الخُلاصَةِ». وقيل: لا يَمْلِكُ طَمَّها إلَّا بإذْنِه. وهو ظاهرُ ما قدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، على ما يأْتِي مِن كلامِهما. وإنْ لم يكُنْ له غرَضٌ صحيحٌ في ذلك، وهي مسْأَلَةُ المُصَنِّفِ؛ مِثْلَ أنْ يكونَ قد وضَع التُّرابَ في أرْضِ مالِكِها، أو في مَواتٍ، أو أبْرَأه مِن ضَمانِ ما يتْلَفُ بها، قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: أو منَعَه منه، فهل يَمْلِكُ طَمَّها؟ فيه وَجْهان. وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الحارِثِيِّ»؛ أحدُهما، لا يَمْلِكُ طَمَّها. وهو الصَّحيحُ. نصَرَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. وصحَّحه في «التَّصْحيحِ». واخْتارَه أبو الخَطَّابِ. والوَجْهُ الثَّاني، يَمْلِكُه. اخْتارَه القاضي. قال في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»: وإنْ غَصَبَ دارًا، فحفَرَ فيها بِئْرًا، ثم اسْتَرَدَّها مالِكُها، فأرادَ الغاصِبُ طَمَّ البِئْرِ، لم يكُنْ له ذلك. وقال القاضي: له ذلك مِن غيرِ رِضَا المالِكِ. وقال أبو الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ»: ليس له ذلك إذا أَبْرَأَه
стр. 7080
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المالِكُ مِن ضَمانِ ما يتْلَفُ فيها. انتهيا. وأطْلَقهنَّ في «المُذْهَبِ». قال في «التَّلْخيصِ»: وأصْلُ اخْتِلافِ القاضي، وأبِي الخَطَّابِ، هلِ الرِّضَا الطارِئُ كالمُقارِنِ للحَفْرِ، أمْ لا؟ والصَّحيحُ، أنَّه كالمُقارِنِ. انتهى. وقال في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»: وإنْ حفرَ فيها بِئْرًا أو نحوَها، فله طَمُّها مُطْلَقًا. وإنْ سَخِطَ رَبُّها، فأَوجُهٌ؛ النَّفْيُ، والإِثْباتُ. والثَّالثُ، إنْ أَبْرَأَه مِن ضَمانِ ما يتْلَفُ بما، وصحَّ في وَجْهٍ، فلا. زادَ في «الرِّعايةِ الكُبْرى» وَجْهًا رابِعًا، وهو إنْ كان غرَضُه فيه صَحِيحًا؛ كدَفْعِ ضَرَرٍ، وخَطَرٍ، ونحوهما، وإلَّا فلا. وخامِسًا، وهو إنْ ترَك تُرابَها في أرْضِ غيرِ رَبِّها، فلا. وقيل: بلَى، مع غَرَضٍ صحيحٍ. انتهى. وتقدَّم ذلك، والصَّحيحُ منه.
تنبيهان؛ أحدُهما، في القَوْلِ المَحْكِيِّ عنِ القاضي. قال الحارِثِيُّ: إنْ كانَ مأْخُوذًا مِن غيرِ كتابِ «المُجَرَّدِ»، فنَعم، وإنْ كان مِنَ «المُجَرَّدِ»، فكَلامُه فيه مُوافِقٌ لأبِي الخَطَّابِ؛ فإنَّه قال، وذكَر كلامَه. قلتُ: النَّاقِلُ عنِ القاضِي تِلْمِيذُه أبو الخَطَّابِ في «الهِدايةِ»، وهو أعلمُ بكَلامِه مِن غيرِه، وللقاضِي في مَسائِلَ كثيرَةٍ القوْلان والثَّلاثَةُ، وكُتُبُه كثيرةٌ. الثَّاني، ظاهرُ كلامِ أبِي الخَطَّابِ، وجماعَةٍ، أنَّه إذا أَبْرَأَه المالِكُ مِن ضَمانِ ما يتْلَفُ بها، أنَّه يصِحُّ، ويَبْرَأُ. وهو أحدُ الوَجْهَين. اخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وابنُ عَقِيلٍ، والقاضي في «المُجَرَّدِ».
стр. 7081
وَإِنْ غَصَبَ حَبًّا فَزَرَعَهُ، أَوْ بَيضًا فَصَارَ فِرَاخًا، أَوْ نَوًى فَصَارَ غرْسًا، رَدَّهُ، وَلَا شَيْءَ لَهُ وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ مِثْلُ الَّذِي قَبْلَهُ.
ــ
قاله الحارِثِيُّ لمَّا ذكَر كلامَه المُتَقدِّمَ. والوَجْهُ الثَّانِي، أنَّه لا يَبْرأُ. وتقدَّم قرِيبًا كلامُه في «الرِّعايتَين» في ذلك. وأطْلَقهما في «المُحَرَّرِ». قال الحارِثِيُّ: وحاصِلُ المَسْأَلةِ الأُولَى، الخِلافُ في صِحَّةِ الإِبْراءِ، وفيه وَجْهان.
قوله: وإنْ غصَب حَبًّا فزَرَعَه، أو بَيضًا فصارَ فِراخًا، أَو نَوًى فصارَ غِراسًا -قال في «الانْتِصارِ»: أو غُصْنًا فصارَ شَجَرَةً- ردَّه، ولا شيءَ له- وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقطَعِ به كثيرٌ منهم- ويتَخَرَّجُ فيها مِثْلُ الذي قبلَها. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: ويتَخَرَّجُ أنْ يَمْلِكَه الغاصِبُ. فعلى هذا، يتَخَرَّجُ لنا، أنْ يكونَ شَرِيكًا بالزِّيادَةِ، كالمَسْأَلةِ التي قبلَها. انتهى. وذلك؛ لأنَّها نَوْعٌ ممَّا تقدَّم مِن تَغْيِيرِ العَينِ وتَبَدُّلِ اسْمِها.
فائدة: ذكَر في «الكافِي» مِن صُوَرِ الاسْتِحالةِ، الزَّرْعَ يَصِيرُ حبًّا. قال الحارِثِيُّ: وفيه نَظَرٌ؛ فإنَّ الزَّرْعَ إنْ كانَ قد سَنبَلَ حالةَ الغَصْبِ، فهو مِن قَبِيلِ
стр. 7082
فَصْلٌ: وَإِنْ نَقَصَ، لَزِمَهُ ضَمَانُ نَقْصِهِ بِقِيمَتِهِ، رَقِيقًا كَانَ أَوْ غَيرَهُ. وَعَنْهُ، أَنَّ الرَّقِيقَ يُضْمَنُ بِمَا يُضْمَنُ بِهِ فِي
ــ
الرُّطَبِ والعِنَبِ يصِيران تَمْرًا وزَبيبًا، وليسا مِنَ المُسْتَحِيلِ بالاتِّفاقِ، وإنْ لم يكُنْ سَنْبَلَ، فهو في مَعْنَى إثْمارِ الشَّجَرِ، فيكونُ مِن قَبِيلِ المُتَوَلِّدِ، لا المُسْتَحِيلِ؛ لوُجودِ الذَّاتِ عَينًا. انتهى.
قوله: وإنْ نقَص، لَزِمَه ضَمانُ نَقْصِه بقِيمَتِه؛ رَقِيقًا كانَ أو غيرَه. وقال الأصحابُ: ولو بنَباتِ لِحْيَةِ أمْرَدَ، وقَطْعِ ذَنَبِ حِمارٍ. وهذا
стр. 7083
الإِتْلَافِ. وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَضْمَنَهُ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَينِ مِنْهُمَا.
ــ
المذهبُ في ذلك كلِّه. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرهِ. واخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والمَجْدُ، وغيرُهم. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعَايتين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الحارِثِيِّ»، وقال: عليه جمهورُ أهْلِ المذهبِ. وعنه، أنَّ الرَّقيقَ يُضْمَنُ بما يُضْمَنُ به في الإِتْلافِ. فيَجِبُ في يَدِه نِصْفُ قِيمَتِه، وفي مُوضِحَتِه نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِه. وعلى هذا فقِسْ. فإنْ كان النَّقْصُ ممَّا لا مُقَدَّرَ فيه؛ كنَقْصِه
стр. 7084
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للكِبَرِ أو المَرَضِ، أو شَجَّةٍ دُونَ المُوضِحَةِ، فعليه ما نقَصَ مع الرَّدِّ فقط. قال الحارِثِيُّ: هذه الرِّوايَةُ أقْوَى.
ويتَخَرَّجُ أنَّه يَضْمَنُه بأَكْثَرِ الأمْرَين منهما -وانفَرَدَ المُصَنِّفُ بهذا التَّخْريج هنا. قاله الزَّرْكَشِيُّ وعنه، في عَينِ الدَّابَّةِ؛ مِنَ الخَيلِ، والبِغالِ، والحَمِيرِ، رُبْعُ قِيمَتِها. نصَرَها القاضي، وأصحابُه. مَال الزَّرْكَشِي: وهو المَشْهورُ عن أحمدَ. فقال القاضي في «رِوايَتَيه»، وأبو الخَطَّابِ، والمُصَنِّفُ، والمَجْدُ، والشَّارِحُ، وغيرُهم: الخِلافُ في عَينِ الدَّابَّةِ؛ مِنَ الخَيلِ، والبِغالِ، والحَمِيرِ. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. قال الزَّرْكَشِيُّ: ونُصُوصُ أحمدَ على ذلك. وقال في «الفُروعِ»: وخَصَّ في «الرَّوْضَةِ» هذه الرِّوايَةَ بعينِ الفَرَسِ، وجعَل في عَينِ غيرِها ما نقَصَ، وأحمدُ إنَّما قال في عَينِ الدَّابَّةِ. انتهى. قال الحارِثِيُّ: مِنَ الأصحابِ مَن قصر الخِلافَ على عَينِ الفَرَسِ، دُونَ البَغْلِ والحِمارِ. وهذه طَريقَةُ القاضي في «التَّعْليقِ الكَبِيرِ»، وأبِي الخَطَّابِ في «رُءوسِ المَسائلِ»، والقاضي يَعْقُوبُ، وأبِيَ المَواهِبِ الحُسَينِ بنِ محمدٍ العُكْبَرِيِّ في آخَرِين، واخْتارَ أكثرُ هؤلاءِ القَوْلَ بالمُقَدَّرِ. قال: ونَصُّ أحمدَ
стр. 7085
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَقْتَضِي العُمومَ؛ فإنَّ لَفْظَ «الدَّابَّةِ» يشْمَلُ البَغْلَ، والحِمارَ، والفَرَسَ. وكذلك صِيغَةُ الدَّليلِ المُتَمَسِّكِ به، فالتَّخْصِيصُ خِلافُ الأصْلِ، مع أنَّا نَجِدُ في الفَرَسِ خَصائِصَ تُناسِبُ اخْتِصاصَ الحُكْمِ به، لكِنْ ما أخَذْنا فيه غيرَ القِياسِ، ولا يُمْكِنُ إعْمالُ ما ذكَرْنا مِنَ المُناسَبَةِ. انتهى. قلتُ: وممَّنْ خصَّ الرِّوايَةَ بعَينِ الفَرَسِ مِنَ المُتَأَخِّرِين؛ الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ، وصاحبُ «المُسْتَوْعِبِ»، و «الكافِي»، و «التَّلْخيصِ»، وغيرُهم. فعلى هذه الرِّوايةِ، في العَينَين ما نقَصَ، كسائرِ الأعْضاءِ. قال الحارِثِيُّ: كذلك قال الأصحابُ، لا أعْلَمُهم اخْتَلفُوا فيه. قال: وعن أبِي حَنِيفَةَ، نِصْفُ القِيمَةِ؛ اعْتِبارًا بالرُّبْعِ في إحْداهما. قال: وهو أظْهَرُ. انتهى. ويأْتِي، إذا شَقَّ ثَوْبًا، أو أتْلَفَ عصًا، أو قَصْعةً، أو كَسَرَ خَلْخَالًا، ونحوَه، في ضَمانِ غيرِ المِثْلِيِّ، في الفَصْلِ السَّادِسِ والخِلافُ فيه. ويأْتِي وَقْتَ لُزومِ قِيمَتِه، في أوَّلِ الفَصْلِ السَّادِسِ، في كلامِ المُصَنِّفِ.
تنبيه: دَخَلَ في قَوْلِ المُصَنِّفِ: وإنْ تَلِفَ، لَزِمَه ضَمانُ نَقْصِه بقِيمَتِه. لوَ جَنَى على حَيوانٍ حامِلٍ فأَلْقَتْ جَنينَها مَيتًا. وهو كذلك، فيَجِبُ عليه ضَمانُ ما نقَصَ مِن أُمِّه بالجِنايَةِ. نصَّ عليه، في رِوايَة ابنِ مَنْصُورٍ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. قاله في «القاعِدَةِ الرَّابِعَةِ والثَّمانِين». وقال أبو بَكْرٍ: يجِبُ ضَمانُ جَنِينِ البَهائمِ بُعشْرِ قِيمَةِ أُمِّه، كجَنِينِ الأمَةِ. قال في «القواعِدِ»: وقِياسُه جَنِينُ الصَّيدِ في الحَرَمِ والإِحْرامِ، والمَشْهورُ، أنَّه يَضْمَنُ بما نقَصَ أُمَّه أيضًا. ويأْتِي في مَقادِيرِ الدِّياتِ. قال: ولو أَلْقَتِ البَهِيمَةُ بالجِنايَةِ جَنِينًا حيًّا، ثم ماتَ، ففيه احْتِمالان. ذكَرَهما القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، في الرَّهْنِ؛ أحدُهما، يَضْمَنُ قِيمَةَ الوَلَدِ حيًّا لا غيرُ. والثَّاني، عليه أكْثَرُ الأَمْرَين، أو ما نَقَصَتِ الأُمُّ. انتهى. قلتُ: الثَّاني هو الصَّوابُ.
стр. 7086
وَإِنْ غَصَبَهُ وَجَنَى عَلَيهِ، ضَمِنَهُ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَينِ.
ــ
قوله: وإنْ غصَبَه وجَنَى عليه، ضَمِنَه بأَكْثَرِ الأَمْرَين. وهذا مُفَرَّعٌ على القَوْلِ بالمُقَدَّرِ مِنَ القِيمَةِ، قاله الحارِثِيُّ. قال الشَّارِحُ: إذا جنَى الغاصِبُ على العَبْدِ المَغْصُوبِ جِنايَةً مُقَدَّرَةَ الدِّيَةِ، فعلى قوْلِنا: ضَمانُ الغَصْبِ ضَمانُ الجِنايَةِ. يكونُ الواجِبُ أَرْشَ الجِنايةِ، كما لو جَنَى عليه مِن غيرِ غَصْبٍ. وإنْ قُلْنا: ضَمانُ الغَصْبِ غيرُ ضَمانِ الجِنايَةِ. وهو الصَّحيحُ، فعليه أكثرُ الأَمْرَين؛ مِن أَرْشِ النَّقْصِ، أو دِيَةِ ذلك العُضْو. وجزَم بأنَّه يَضمَنه بأكْثَرِ الأمْرَين، في «الرِّعايَتين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الوَجيزِ». قال في «الفُروعِ»: يَضْمَنُه بأَكْثَرِهما على الأصحِّ. وعنه، أنَّه يضمَنُ بما نقَصَ. ذكَرَها المُصَنِّفُ في هذا الكِتابِ، في الفَصْلِ الثَّالثِ مِن بابِ مَقادِيرِ الدِّياتِ. اخْتارَها الخَلَّالُ، وابنُ عَقِيلٍ أيضًا. ذكَرَه الحارِثِيُّ. لكِنَّ هذه الرِّوايَةَ أَعَمُّ مِن أنْ يكونَ الجانِي الغاصِبَ أو غيرَه. قال الحارِثيُّ: وُجوبُ أكْثَرَ الأمْرَينِ مُفَرَّعٌ على القَوْلِ بالمُقَدَّرِ؛ لاجْتِماعِ السَّبَبَين باليَدِ والجِنايَةِ. مِثالُه، لو كانتِ القِيمَةُ ألْفًا، فنَقَصَتْ بالقَطْعِ أرْبَعَمِائَةٍ،
стр. 7087
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فالواجِبُ خَمْسُمِائَةٍ. ولو نقَص سِتَّمائَةٍ، كان هو الواجِبَ. وعلى القَوْلِ بما نقَصَ، فكذلك في السِّتِّمِائَةِ؛ لأنَّه على وَفْقِ المُوجِبِ، وفيما قبلَه أرْبَعُمِائَةٍ؛ لأنَّه ما نقَصَ.
فائدة: لو غصَبَ عَبْدًا قِيمَتُه أَلْفٌ، فزادَتِ القِيمَةُ إلى ألْفَين، ثم قطَع يَدَه، فنقَصَ ألْفًا، فيَجِبُ أَلْفٌ على كِلا الرِّوايتَين، وهذا بلا نِزاعٍ. وإنْ نقَصَ ألْفًا وخَمْسَمِائَةٍ، فالواجِبُ ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ، على الرِّوايتَين أيضًا. أمَّا بتَقْديرِ القَوْلِ بما نقَصَ، فظاهِرٌ، وبتَقْديرِ القَوْلِ بالمُقَدَّرِ، يكونُ الواجِبُ أكْثَرَ الأمْرَين، فإذا اسْتَوَيا، كان أوْلَى. وقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: إنْ قُلْنا: الواجِبُ ضَمانُ الجِنايَةِ، يعْنِي المُقَدَّرَ، فعليه ألْفٌ فقط. قال الحارِثِيُّ: وهذا مُشْكِلٌ جدًّا؛ لإِفْضائِه إلى إلْغاءِ أثَرِ اليَدِ مع وجُودِها. انتهى. وإنْ نقَصَ خَمْسَمِائَةٍ، فقال الحارِثِيُّ: فعلى رِوايَةِ المُقَدَّرِ، عليه ألْفٌ، وعلى رِوايَةِ ما نقَص، عليه خَمْسُمِائَةٍ
стр. 7088
وَإِنْ جَنَى عَلَيهِ غَيرُ الْغَاصِبِ، فَلَهُ تَضْمِينُ الْغَاصِبِ بأَكْثَرِ الْأَمْرَينِ، وَيَرْجِعُ الْغَاصِبُ عَلَى الْجَانِي بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَلَهُ تَضْمِينُ الْجَانِي أَرْشَ الْجِنَايَةِ، وَتَضْمِينُ الْغَاصِبِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّقْصِ.
ــ
فقط. وهو ظاهِرٌ، وكذا قال غيرُه.
تنبيهان؛ الأوَّلُ، تكَلَّمَ المُصَنِّفُ هنا على العَبْدِ إذا جنَى عليه الغاصِبُ، أو جُنِيَ عليه في حالِ غَصْبِه، وبَقِيَ قِسْمٌ ثالثٌ، وهو ما إذا جنَى عليه مِن غيرِ غَصْبٍ، وقد ذكَرَه المُصَنِّفُ في بابِ مَقادِيرِ الدِّياتِ، في الفَصْلِ الثَّالثِ.
الثَّاني، قولُه: وإنْ جَنَى عليه غيرُ الغاصِبِ، فله تَضْمِينُ الغاصِبِ أَكْثَرَ الأَمْرَين، ويَرْجِعُ الغاصِبُ على الجانِي بأرْشِ الجِنايَةِ، وله تَضْمِين الجانِي أَرْشَ الجِنايَةِ، وتَضمينُ الغاصِبِ ما بَقِيَ مِنَ النَّقْصِ. هذا مُفَرَّعٌ على القَوْلِ بالمُقَدَّرِ.
стр. 7089
وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا فَخَصَاهُ، لَزِمَهُ رَدُّهُ وَرَدُّ قِيمَتِهِ. وَعَنْهُ، فِي عَينِ الدَّابَّةِ مِنَ الْخَيلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ رُبْعُ قِيمَتِهَا. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
ــ
أمَّا على القَوْلِ بما نقَصَ، فللمالِكِ تضْمِينُه مَن شاءَ منهما، وقَرارُ الضَّمانِ على الجانِي لمُباشَرَتِه قاله الحارِثِيُّ. وهو واضِحٌ.
قوله: وإن غصَبَ عَبْدًا فخَصاه، لَزِمَه رَدُّه ورَدُّ قِيمَتِه. وكذا لو قطَع يَدْيه، أو رِجْلَيه، أو لِسانَه، أو ما تجِبُ فيه الدِّيَةُ كامِلَةً مِنَ الحُرِّ، فإنَّه يَلْزَمُه ردُّه، ورَدُّ قِيمَتِه. ونصَّ عليه أحمدُ، وعليه الأصحابُ. قال الحارِثِيُّ: فيه ما في الذي قبلَه مِنَ الخِلافِ، غيرَ أنَّه لا يَتأَتَّى القَوْلُ بأكَثْرِ الأَمْرَين؛ لاسْتِغْراقِ القِيمَةِ في المُقَدَّرِ،
وَإِنْ نَقَصَتِ الْعَينُ لِتَغَيُّرِ الْأَسَعَارِ، لَمْ يَضْمَنْ. نَصَّ عَلَيهِ.
ــ
قوله: وإنْ نقَصَتِ العَينُ -أي، قِيمَةُ العَينِ- لتَغيُّرِ الأَسْعارِ، لم يَضْمَنْ، نصَّ عليه. وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، ونصَّ عليه. قال الحارِثِيُّ: هذا المذهبُ، وعليه التّفْريعُ. قال الزَّرْكَشِيُّ: اخْتارَه الأصحابُ، حتى إنَّ القاضِيَ قال: لم أجِدْ عن أحمدَ رِوايَةً بالضَّمانِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرهِ. وقدَّمه في «الفرُوعِ» وغيرِه. وعنه، يضْمَنُ. اخْتارَه ابنُ أبِي مُوسى، والشَّيخُ تَقِيُّ الدِّين. قاله في «الفائقِ»، ورَدَّه الحارِثِيُّ. وقيل: يضْمَنُ نقْصَه مع تغَيُّرِ
стр. 7092
وَإِنْ نَقَصَتِ الْقِيمَةُ لِمَرَضٍ، ثُمَّ عَادَتْ بِبُرْئِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيءٌ.
ــ
الأسْعارِ إذا تَلِفَ، وإلَّا فلا. وقال الحارِثِيُّ، بعدَ أنْ حكَى الرِّوايتَين: وهذا كلُّه ما لم يتَّصِلِ التَّلَفُ بالزِّيادَةِ. فإنِ اتَّصَلَ؛ بأَنْ غصَبَ ما قِيمَتُه مِائَةٌ، فارْتَفعَ السِّعْرُ إلى مِائتَين، وتَلِفَتِ العَينُ، ضَمِنَ المِائتَين، وَجْهًا واحدًا؛ إذِ الضَّمانُ مُعْتَبرٌ بيَوْمِ التَّلَفِ. وإنْ كان مِثْليًّا، فالواجِبُ المِثْلُ؛ بلا خِلافٍ. وقال في «التَّلْخيصِ»: لو غصَبَ شيئًا يُساوي خَمْسَةً، فعادَتْ قِيمَتُه إلى دِرْهَمٍ، ثم تَلِفَ، لَزِمَه خَمْسَةٌ، وهذا على اعْتِبارِ الضَّمانِ بحالةِ الغصْبِ. قال الحارِثِيُّ: وهو قَوْلٌ ضعيفٌ، وليس بالمذهبِ، وإنَّما اسْترسلَ إليه مِن كلامِ بعضِ المُخالِفِين. ولو تَلِفَ نِصْفُ العَينِ بعدَ العَوْدِ إلى دِرْهَمٍ، فرجَع الباقِي إلى نِصْفِ دِرْهَمٍ، ردَّ الباقِيَ ومعه قِيمَةُ التَّالِفِ نِصْفُ دِرْهَمٍ. وفي «التَّلْخيصِ»: يرُدُّ دِرْهَمَين ونِصْفًا. وليس بالمذهبِ، كما قُلْنا. قال الحارِثِيُّ: وإنَّما أوْرَدْتهُ تَنْبِيهًا.
قوله: وإنْ نقَصَتِ القِيمَةُ لمَرَضٍ، ثم عادَتْ ببُرْئِه، لم يَلْزَمْه شيءٌ. وهو المذهبُ. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، و «الوَجيزِ»، و «الحارِثِيِّ»، و «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغيرِ»، وغيرُهم مِنَ الأصحاب. وقدَّمه في «الفُروعِ»، وقال: ونصُّه، يضْمَنُ. وحكَى الحارِثِيُّ وَجْهًا للشَّافِعيَّةِ بالضَّمانِ، قال: وهو عندِي قَويٌّ، بل أقْوَى. ورَدَّ أدِلَّةَ الأصحابِ. والظَّاهِرُ، أنَّه لم يَطَّلِعْ على ما ذكَرَه صاحِبُ «الفُروعِ» مِنَ النَّصِّ،
стр. 7093
وَإِنْ زَادَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، مْثِلَ أَنْ تَعَلَّمَ صَنْعَةً فَعَادَتِ الْقِيمَةُ، ضَمِنَ النَّقْصَ.
ــ
فهذا يُقَوِّي قوْلَه، ورُبَّما كان المذهبَ. وقدَّمه في «الرِّعايةِ الكُبْرى»، وقال: نصَّ عليه.
فائدة: لو اسْتُرَدَّه المالِكُ مَعِيبًا مع الأَرْشِ، ثم زال العيبُ في يَدِ مالِكِه، فقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما: لا يجبُ رَدُّ الأَرْشِ؛ لاسْتِقْرارِه بأَخْذِ العَينِ ناقِصَةً. وكذا لو أخَذَ المغْصوبَ بغيرِ أَرْشٍ، ثم زال في يَدِه، لم يسْقُطِ الأَرْشُ كذلك. قال الحارِثِيُّ: وما يُذْكَرُ مِن الاسْتِقْرارِ، فغيرُ مُسَلَّمٍ. قال: والصَّوابُ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى، الوُجوبُ بقَدْرِ النَّقْصِ الحادِثِ في المُدَّةِ، ويجِبُ ردُّ ما زادَ، إنْ كان.
قوله: وإنْ زادَ مِن جِهَةٍ أُخْرَى، مثلَ أنْ تَعَلَّمَ صَنْعَةً، فعادَتِ القِيمَةُ، ضَمِنَ
стр. 7094
وَإِنْ زادَتِ الْقِيمَةُ بِسِمَنٍ أَوْ نَحْوهِ ثُمَّ نَقَصَتْ، ضَمِنَ الزِّيَادَةَ.
ــ
النَّقْصَ. وهو المذهبُ. جزَمْ به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ» و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الحارِثِيِّ»، و «الفائقِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ». وقيل: لا يضْمَنُه.
قوله: وإنْ زَادَتِ القِيمَةُ لسِمَنٍ، أو نحوه، ثم نقَصَتَ، ضَمِنَ الزِّيادَةَ. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. قال في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»: ضَمِنَ على الأصحِّ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرهِ. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، ونَصَراه، و «التَّلْخيصِ»، و «الحارِثِيِّ»، و «الحاوي
وَإِنْ عَادَ مِثْلُ الزِّيَادَةِ الْأَولَى مِنْ جِنْسِهَا، لَمْ يَضْمَنْهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
ــ
قوله: وإنْ عادَ مثلُ الزِّيادَةِ الأُولَى مِن جِنْسِها -مثلَ، أنْ كانتْ قِيمَتُها مِائَةً، فزادَتْ إلى أَلْفٍ؛ لسِمَنٍ، ونحوه، ثم هَزَلَتْ فَعادَتْ إلى مِائَةٍ، ثم سَمِنَتْ فزادَتْ
стр. 7097
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلى ألْفٍ- لم يَضْمَنْها في أَحَدِ الوَجْهَين. وهما احْتِمالان للقاضي في «المُجرَّدِ». وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الفُروعِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»؛ أحدُهما، لا يضْمَنُها. وهو المذهبُ. قال الحارِثِيُّ: هذا المذهبُ؛
стр. 7098
وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيرِ جِنْسِ الْأُولَى، لَم يَسْقُطْ ضَمَانُهَا. وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا مُفْرِطًا فِي السِّمَنِ، فهَزَلَ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ، رَدَّهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيهِ.
ــ
لنَصِّه في الخَلْخالِ، يُكْسَرُ؟ قال: يُصْلِحُه أحَبُّ إليَّ. وهو أحدُ صُوَرِ المَسْأَلةِ. وصحَّحه في «التَّصحيحِ». قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: هذا أقْيَسُ. وجزَم به في «الوَجيزِ». والوَجْهُ الثَّاني، يضْمَنُها. قال في «الرِّعايتَين»، و «الفائقِ»: ضَمِنَها في أصحِّ الوَجْهَين. وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه».
قوله: وإنْ كانَتْ مِن غيرِ جِنْسِ الأُولَى، لم يَسْقُطْ ضَمانُها. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وجزَم به في «التَّلْخيصِ»، و «الوَجيزِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الحارِثِيِّ»، وقال: هذا المذهبُ. وقيل: يسْقُطُ الضَّمانُ. ذكَرَه ابنُ عَقِيلٍ. وأطْلَقهما في «الشَّرْحِ».
فائدة: مِن صُوَرِ المَسْأَلةِ، لو كان الذَّاهِبُ عِلْمًا أو صِناعَةً، فتَعلَّمَ عِلْمًا آخَرَ، أو صِناعَةً أُخْرَى. قاله الحارِثِيُّ. وقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: هو كعَوْدِ السِّمَنِ، يَجْرِي فيها الوَجْهان. قال الحارِثِيُّ: والصَّحيحُ الأوَّلُ.
стр. 7099
وَإنْ نَقَصَ الْمَغْصُوبُ نَقْصًا غَيرَ مُسْتَقِرٍّ، كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ وَعَفِنَتْ، خُيِّرَ بَينَ أَخْذِ مِثْلِهَا، وَبَينَ تَرْكِهَا حَتَّى يَسْتَقِرَّ فَسَادُهَا وَيَأْخُذَهَا وَأَرْشَ نَقْصِهَا.
ــ
قوله: وإنْ نَقَصَ المغْصُوبُ نَقْصًا غيرَ مُسْتَقِرٍّ، كحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ وعَفِنَتْ، مُحيِّرِ بينَ أَخْذِ مِثْلِها وبينَ تَرْكِها حتى يَسْتَقِرَّ فَسادُها، ويأْخُذَها وأَرْشَ نَقْصِها. هذا أحدُ الوُجوهِ. جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجِيزِ»، و «الفائقِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الرِّعايةِ الكُبْرى»، و «النَّظْمِ». قال المُصَنِّفُ: قَوْلُ أبِي الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ» بَأْسَ به. وقيل: له أَرْشُ ما نقَصَ به مِن غيرِ تَخْيِيرٍ. اخْتارَه المُصَنِّفُ في «المُغنِي». وقدَّمه في «الشَّرْحِ». وقيل: يَضْمَنُه ببَدَلِه، كما في الهالِكِ. قال الحارِثِيُّ: وهو قَوْلُ القاضي، وأصحابِه؛ الشَّرِيفِ أبِي جَعْفَرٍ، وابنِ عَقِيلٍ، والقاضي يَعْقُوبَ بنِ إبْراهِيمَ، والشِّيرازِيِّ، وأبِي الخَطَّابِ في «رُءوسِ المَسائلِ»،
وَإِنْ جَنَى الْمَغْصُوبُ، فَعَلَيهِ أَرْشُ جِنَايَتِهِ، سَوَاءٌ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ أَوْ غَيرِهِ.
ــ
قوله: وإنْ جَنَى المغْصُوبُ، فعليه أَرْشُ جِنايَتِه، سَواءٌ جَنَى على سَيِّدِه، أو غيرِه. إنْ جنَى على غيرِ سَيِّدِه، فعلى الغاصِبِ أَرْشُ الجِنايَةِ، بلا نِزاعٍ، وسَواءٌ في ذلك ما يُوجِبُ القِصاصَ والمال، ولا يَلْزَمُه أكثرُ مِنَ النَّقْصِ الذي لَحِقَ العَبْدَ.
стр. 7102
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإنْ جنَى على سَيِّدِه، فعلى الغاصِبِ أيضًا أرْشُ الجِنايَةِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ». وقيل: لا يَضْمَنُ جِنايَتَه على سَيِّدِه؛ لتَعَلُّقِها برَقَبَتِه. قال الحارِثِيُّ: إذا جنَى على سَيِّدِه، فقال المُصَنِّفُ، وأبو الخَطَّابِ: يضْمَنُ الغاصِبُ أيضًا. واسْتَدَلَّ له بالقِياسِ على الأجْنَبِيِّ، قال: وإنَّما يتَمَشَّى هذا حالةَ الاقْتِصاصِ
стр. 7103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لوُجودِ الفَواتِ، أمَّا حالةَ عدَمِ الاقْتِصاصِ، فلا؛ لأنَّ الفَواتَ مُنْتَفٍ، فالضَّمانُ مُنْتَفٍ. وإنَّما قُلْنا: الفواتُ مُنْتَفٍ؛ لأنَّ الغايةَ، إذا تَعَلَّقَ الأرْشُ بالرَّقَبَةِ، وهو غيرُ مُمْكِنٍ؛ لأنَّ مِلْكَ المَجْنِيِّ عليه فيها حاصِلٌ، فلا يُمْكِنُ تَحْصِيلُه، فيكونُ حالةَ عدَمِ القِصاصِ هَدَرٌ. ثم قال بعدَ ذلك: وأمَّا الجِنايَةُ المُوجِبَةُ للمالِ؛ كالخَطَأ وإتْلافِ المالِ، فمُتَعَلِّقَةٌ بالرَّقَبَةِ، وعلى الغاصِبِ تخْلِيصُها بالفِداءِ وبما يَفْدِي. قال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ، وغيرُهم: بأقَلِّ الأمْرَين مِنَ القِيمَةِ أو أَرْشِ الجِنَايةِ. ولم يُورِدُوا هنا القَوْلَ بالأَرْشِ بالِغًا ما بلَغ، كما في فِداءِ السَّيِّدِ للعَبْدِ
стр. 7104
وَجِنَايَتُهُ عَلَى الْغاصِبِ وَعَلَى مَالِهِ هَدَرٌ. وَتُضْمَنُ زَوَائِدُ الْغَصْبِ؛ كَالْوَلَدِ، وَالثَّمَرَةِ إذَا تَلِفَتْ أَوْ نَقَصَتْ، كَالْأَصْلِ.
ــ
الجانِي؛ لأنَّ الذي ذكَرُوه هو الأصحُّ، لا لأنَّ الخِلافَ غيرُ مُطَّرِدٍ، وفي كَوْنِ الأوَّلِ هو الأصَحَّ بَحْثٌ. انتهى.
فائدتان؛ إحْداهما، قولُه: وجِنايَتُه على الغاصِبِ وعلى مالِه هَدَرٌ. بلا نِزاعٍ.
وقوله: وتُضْمَنُ زَوائِدُ الغَصْبِ؛ كالوَلَدِ، والثَّمَرةِ إذا تَلِفَتْ، أو نقَصَتْ كالأَصْلِ. بلا نِزاعٍ في الجُمْلَةِ. فإذا غصَب حامِلًا أو حائِلًا، فحَمَلتْ عندَه، فالوَلَدُ مضْمونٌ عليه، ثم إذا ولَدَتْ، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ تَلِدَه حيًّا، أو مَيتًا؛ فإنْ وَلَدَتْ مَيتًا، وكان قد غصَبَها حامِلًا، فلا شيءَ عليه؛ لأنَّه لا يَعْلمُ حَياتَه. وإنْ كان غصَبَها حائِلًا، فحَمَلتْ وولَدَتْه مَيتًا، فكذلك عندَ القاضي، وعندَ أبِيه أبِي الحُسَينِ، يَضْمَنُه بقِيمَتِه لو كان حَيًّا. وقال المُصَنِّفُ، ومَن تَبِعَه: والأَوْلَى أنَّه يَضْمَنُه بعُشْرِ قِيمَةِ أُمِّه. وإنْ وَلَدَتْه حيًّا وماتَ، فعليه قِيمَتُه يومَ تَلَفِه.
стр. 7105
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثَّانيةُ، قال في «الفُروعِ»، في هذا البابِ، في أوَّلِ الفَصْلِ الأخِيرِ منه: وإطْلاقُ الأصحابِ بأنَّه لا يضْمَنُ ما أتْلَفَتْه بهِيمَةٌ لا يَدَ عليها ظاهِرَةٌ، ولو كانتْ مغْصُوبَةً؛ لظاهرِ الخَبَرِ، وعلَّلَ الأصحابُ المَسْأَلةَ بأنَّه لا تَفْرِيطَ مِنَ المالِكِ، ولا ذِمَّةَ لها فيتَعَلَّقُ بها، ولا قَصْدَ فيَتَعَلَّقُ برَقَبتِها، [بخِلافِ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ والعَبْدِ] (١)، ويُبَيِّنُ ذلك أنَّهم ذكَرُوا جِنايَةَ العَبْدِ المَغْصوبِ، وأنَّ الغاصِبَ يَضْمَنُها، وقالُوا: لأنَّ جِنايَتَه تتَعَلَّقُ برَقَبَتِه فضَمِنَها؛ لأنَّه نقْصٌ حصَلَ في يَدِ المَغْصُوبِ. فهذا التَّخْصِيصُ وتَعْلِيلُه يقْتَضِي خِلافَه في البَهِيمَةِ. قال: وهذا فيه نَظَرٌ، ولهذا قال ابنُ عَقِيلٍ في جِناياتِ البَهائمِ: لو نَقَبَ لِصٌّ، وترَكَ النَّقْبَ، فخرَجَتْ منه بَهِيمَةٌ، ضَمِنَها، وضَمِنَ ما تَجْنِي بإفْلاتِها وتَخَلِّيها. وقد يَحْتَمِلُ، إنْ حازَها وترَكَها بمَكانٍ، ضَمِنَ؛ لتَعدِّيه بتَرْكِها فيه، بخِلافِ ما لو تَرَكَها بمَكانِها وَقْتَ الغَصْبِ. وفيه
стр. 7106
فَصْلٌ: وَإِنْ خَلَطَ الْمَغْصُوبَ بِمَالِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ، مِثْلَ أَنْ خَلَطَ حِنْطَةً أَوْ زَيتًا بِمِثْلِهِ، لَزِمَهُ مِثْلُهُ مِنْهُ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ. وَفِي الْآخَرِ، يَلْزَمُهُ مِثْلُهُ مِنْ حَيثُ شَاءَ.
ــ
نَظَرٌ. ولهذا قال الأصحابُ، في نَقْلِ التُّرابِ مِنَ الأَرْضِ المَغْصُوبَةِ: إنْ أرادَه الغاصِبُ، وأبَى المالِكُ، فللغاصِبِ ذلك مع غَرَضٍ صحيحٍ؛ مِثْلَ أنْ كان نقَلَه إلى مِلْكِ نَفْسِه، فيَنْقُلُه ليَنْتَفِعَ بالمَكانِ، أو كان طرَحَه في طريقٍ، فيَضْمَنُ ما يتَجَدَّدُ به مِن جِنايَةٍ على آدَمِيٍّ، أو بَهِيمَةٍ. ولا يَمْلِكُ ذلك بلا غرَضٍ صحيحٍ، مثْلَ أنْ كان نقَلَه إلى مِلْكِ المالِكِ، أو طَرَفِ الأرْضِ التي حفَرَها، ويُفارِق طَمَّ البِئْرِ؛ لأنَّه لا ينْفَكُّ عن غَرَضٍ؛ لأنَّه (١) يُسْقِطُ ضَمانَ جِنايَةِ الحَفْرِ. زادَ ابنُ عَقِيلٍ، ولعَلَّه مَعْنَى كلامِ بعضِهم، أو جِنايةِ الغيرِ بالتُّرابِ. انتهى كلامُ صاحبِ «الفُروعِ». ومحَلُّ هذه الفائِدَةِ، عندَ ضَمانِ ما أتْلَفَتِ البَهِيمَةُ، لكِنْ لها هنا نَوْعُ تَعلُّقٍ.
قوله: وإنْ خلُطَ المغْصُوبَ بمالِه على وَجْهٍ لا يَتَمَيَّزُ؛ مِثْلَ أنْ خلَطَ حِنْطَةً أو زَيتًا بمِثْلِه -قال في «الرِّعايَةِ»: ولم يَشْتَرِكا فيهما. انتهى- لَزِمَه مِثْلُه منه في أَحَدِ الوَجْهَين. وهو المذهبُ. وهو ظاهرُ كلام الإِمامِ أحمدَ. قال في «القاعِدَةِ الثَّانيةِ والعِشْرِين»: المَنْصُوصُ في رِوايَةِ عبدِ اللهِ، وأبِي الحارِثِ، أنَّه اشْتِراكٌ فيما إذا
стр. 7107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خلَطَ زَيتَه بزَيتِ غيرهِ. واخْتارَه ابنُ حامِدٍ، والقاضي في «خِلافِه»، وابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ». وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «العُمْدَةِ». قال في «الوَجيزِ»: فهما شَرِيكان. وقدَّمه في «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. قال الحارِثِيُّ: هذا أَمَسُّ بالمذهبِ، وأَقْرَبُ إلى الصَّوابِ. وفي الآخَرِ، يَلْزَمُه مِثْلُه مِن حيثُ شَاءَ، اخْتارَه القاضي في «المُجَرَّدِ»، وقال: هذا قِياسُ المذهبِ. وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفَائقِ»، و «الحارِثِيِّ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، وغيرِهم. قال في «الفُروعِ»: وقال في «الوَسِيلَةِ»، و «المُوجَزِ»: يُقْسَمُ بينَهما بقَدْرِ قِيمَتِهما. انتهى. وقال الحارِثِيُّ: وفيه وَجْهٌ
стр. 7108
وَإِنْ خَلَطَهُ بِدُونِهِ، أَوْ خَيرٍ مِنْهُ، أَو بِغَيرِ جِنْسِهِ، لَزِمَهُ مِثْلُهُ فِي قِيَاسِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُمَا شَرِيكَانِ بقَدْرِ مِلْكَيهِمَا.
ــ
ثالثٌ، وهو الشَّرِكَةُ، كما في الأوَّلِ، لكِنْ يُباعُ ويُقْسَمُ الثَّمَنُ على الحِصَّةِ. كذا أطْلَقَ القاضي يَعْقُوبُ بنُ إبْراهِيمَ في «تَعْليقِه»، وأبو الخَطَّابِ، وأبو الحَسَنِ ابنُ بَكْروسٍ، وغيرُهما في «رُءوسِ مَسائِلِهم»، حتى قالوا به في الدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ. وقاله ابنُ عَقِيلٍ في «تَذْكِرَتِه»، وأظُنُّه قَوْلَ القاضي، في «التَّعْلِيقِ الكَبيرِ». انتهى. ثم قال: وأمَّا إجْراءُ هذا الوَجْهِ في الدَّنانيرِ والدَّراهمِ، فَواهٍ جِدًّا؛ لأَنَّها قِيَمُ الأشْياءِ، وقِسْمَتُها مُمْكِنَةٌ، فأيُّ فائدَةٍ في البَيعِ؟ ورَدَّ هذا الوَجْهَ الأخِيرَ.
فائدة: هل يجوزُ للغاصِبِ أنْ يتَصَرَّفَ في قَدْرِ مالِه فيه، أمْ لا؟ ققال الإِمامُ أحمدُ في رِوَايةِ أبِي طالِبِ هنا: قد اخْتَلَطَ أوَّلُه وآخِرُه، أعْجَبُّ إليَّ أنْ يتَنَزَّهَ عنه كلِّه، ويتَصدَّقَ به. وأنْكَرَ قَوْلَ مَن قال: يُخْرِجُ منه قَدْرَ ما خالطَه. واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ في «فُنونِه» التَّحْرِيمَ؛ لامْتِزاجِ الحَلالِ بالحَرامِ فيه، واسْتِحالةِ انْفِرادِ أحَدِهما عنِ الآخَرِ. وعلى هذا، ليس له إخْراجُ قَدْرِ الحَرامِ منه بدُونِ إذْنِ المَغْصوبِ منه، وهذا بِناءً على أنَّه اشْتِراكٌ. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه اسْتِهْلاكٌ، فيتَخَرَّجُ به قَدْرُ الحَرامِ، ولو مِن غيرِه. قاله ابنُ رَجَبٍ في «القاعِدَةِ الثَّانيةِ والعِشْرِين».
قوله: وإنْ خَلَطَه بدونِه، أوْ بخَيرٍ منه، أَو بغيرِ جِنْسِه -يعْنِي، على وَجْهٍ لا يتَمَيَّزُ- لَزِمَه مِثْلُه في قِياسِ التي قبْلَها -قال القاضي في «المُجَرَّدِ»: قِياسُ
стр. 7109
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المذهبِ يَلْزَمُ الغاصِبَ مِثْلُه. واخْتارَه في «الكافِي»، وإليه مَيلُ الشَّارِحِ- وظاهِرُ كلامِه، أنَّهما شَرِيكَان بقَدْرِ مِلْكَيهما. وهو المذهبُ. قال في «الفُروعِ»: فشَرِيكَان بَقْدرِ حقِّهما، كاخْتِلاطِهما مِن غيرِ غَصْبٍ. نَصَّ عليه، في رِوايَةِ أبِي الحارِثِ. قال الحارِثِيُّ: وهذا اخْتِيارُ مَن سَمَّيناه في الوَجْهِ الثَّالثِ. انتهى. قال في «المُذْهَبِ»: هذا ظاهِرُ المذهبِ. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الخُلاصَةِ». وجزَم به في «الوَجيزِ». وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ». وقال القاضي أيضًا: ما تَعَذَّر تَمْيِيزُه،