← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19228

الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف - ت التركي

المرداوي

Полный текст (14 346 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.

стр. 7176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فائدة: إذا أخَذَ المالِكُ القِيمَةَ مِنَ الغاصِبِ، مَلَكَها. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قاله المُصَنِّفُ وغيرُه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرهِ. قال الحارِثِيُّ: قاله أصحابُنا. وقال في «عُيونِ المَسائلِ» وغيرِها: لا يَمْلِكُها، وإنَّما حصَل بها الانْتِفاعُ في مُقابلَةِ ما فوَّتَه الغاصِبُ، فما اجتَمعَ البَدَلُ والمُبْدَلُ منه. نقَلَه عنه في «الفُروعِ». وقال الزَّرْكَشِيُّ: وقال القاضي في «التَّعْليقِ»: لا يَمْلِكُها، وإنَّما يُباحُ له الانْتِفاعُ بها بإزاءِ ما فاتَه مِن مَنافِعِ العَينِ المَغْصُوبَةِ. قال القاضي يَعْقُوبُ في «تَعْليقِه»: لا يَمْلِكُها، وإنَّما جُعِلَ الانْتِفاعُ بها عِوَضًا (١) عمَّا فوَّته الغاصِبُ. قال الحارِثِيُّ: يجبُ اعْتِبارُ القِيمَةِ بيَوْمِ التَّعَذُّر. قال في «التَّلْخيصِ»: ولا يُجْبَرُ

стр. 7177

وَإِنْ غَصَبَ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ، فَعَلَيهِ قِيمَتُهُ. فَإِنِ انْقَلَبَ خَلًّا، رَدَّهُ، وَمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْعَصِيرِ. ــ المالِكُ على أخْذِها، ولا يصِحُّ الإِبراءُ منها، ولا يتَعلَّقُ الحقُّ بالبَدَلِ، فلا ينْتَقِلُ إلى الذِّمَّةِ، وإنَّما ثبَتَ جَوازُ الأخْذِ دَفْعًا للضَّرَرِ، فتوَقَّفَ على خِيَرَتِه. فائدة: لا يَمْلِكُ الغاصِبُ العَينَ المَغْصُوبَةَ بدَفْعِ القِيمَةِ؛ فلا يَمْلِكُ أكسابَه، ولا يَعْتِقُ عليه لو كان قَرِيبَه، ويَسْتَحِقَه المالِكُ بنَمائِه المُتَّصِلِ والمُنْفَصِلِ. وكذلك أُجْرَةُ مِثْلِه إلى حينِ دَفْعِ البدَلِ، على ما يأْتِي. قوله: وإِنْ غصَب عَصِيرًا فتَخَمَّرَ، فعليه قِيمَتُه. رأَيتُ في نُسْخَةٍ مَقْروءَةٍ على المُصَنِّف، وعليها خطُّه: فعليه قِيمَتُه. وهو أحدُ الوَجْهَين. جزَم به في

стр. 7178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَب»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». قال الحارِثِيُّ: وليس بالجَيِّدِ. قلتُ: وهو بعيدٌ جِدًّا؛ لأنَّ له مِثْلًا. والوَجْهُ الثَّاني، يَلْزَمُه مِثْلُه. ورأَيتُ في نُسَخٍ: فعليه مِثْلُه. وعليها شَرَحَ الشَّارِحُ، والحارِثِيُّ، وابنُ مُنَجَّى، وهو المذهبُ. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الرِّعايةِ الكُبْرى»، و «الوَجيزِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، و «التَّلْخيصِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «شَرْء الحارِثِيِّ»، و «الفائقِ». وأطْلَقهما في «الفُروعِ». قوله: وإِنِ انْقَلَبَ خَلًّا، رَدَّه، وما نقَص مِن قِيمَةِ العَصِيرِ. هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحاب. وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»،

стр. 7179

فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَتْ لِلْمَغْصُوب أُجْرَةٌ، فَعَلَى الْغَاصِبِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مُدَّةَ مُقَامِهِ في يَدِهِ. وَعَنْهُ، التَّوَقُّفُ عَنْ ذَلِكَ. وَقَال أَبُو بَكْرٍ: ــ و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهما. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ». وقال في «عُيونِ المَسائلِ»: لا يَلْزَمُه قِيمَةُ العَصِيرِ؛ لأنَّ الخَلَّ عينُه، كحَمَلٍ صارَ كَبْشًا. وقال الحارِثِيُّ: وللشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ، يَمْلِكُه الغاصِبُ. وهو الأقْوَى. ونصَرَه بأدِلَّةٍ كثيرةٍ. فائدة: لو غلَّى العَصِيرَ، فنقَصَ، غَرِمَ أرْشَ نَقْصِه، وكذا يَغْرَمُ نقْصَه. علِى المذهبِ، وقاله الأصحابُ. قال في «الفُروعِ»: وَيحْتَمِلُ أنَّه لا يَلْزَمُه؛ لأنَّه ماءٌ. قوله: وإنْ كانَ للمَغْصُوبِ أُجْرَةٌ، فعلى الغاصِبِ أُجْرَةُ مِثْلِه مُدَّةَ مُقَامِه في يَدِه.

стр. 7180

هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ. ــ يَعْنِي، إذا كانتْ تصِحُّ إجارَتُه (١) هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، ونصَّ عليه في قَضايا كثيرةٍ. وجزَم به في «الوَجيزِ»، وغيرِه. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارثِيِّ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. وعنه التَّوَقُّفُ عن ذلك. قال أبو بَكْرٍ: هذَا قَوْلٌ قديمٌ رجَع عنه؛ لأنَّ الرَّاويَ لها عنه محمدُ بنُ الحَكَمِ، وقد ماتَ قبلَ الإِمامِ أحمدَ بعِشْرين سَنةً. قلتُ: مَوْتُه قبلَ الإِمامِ أحمدَ لا يدُلُّ على رُجوعِه، بل لا بُدَّ مِن دَليل يدُلُّ على رُجوعِه غيرِ ذلك. ثم وَجَدْتُ الحارِثِيَّ قال قرِيبًا مِن ذلك، فقال: الاسْتِدْلالُ على الرُّجوعِ بتَقَدُّمِ وَفاةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ لا يصِحُّ، فإنَّ مَن تأَخَّرَتْ وَفاتُه مِنَ الجائزِ أنْ يكونَ منهم مَن سمِعَ قبلَ سَماعِ محمدِ بنِ الحَكَمِ، لا سِيَّما أبو طالِبٍ، فإنَّه

стр. 7181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قديمُ الصُّحْبَةِ لأحمدَ. قال: وأحْسَنُ منه التَّأَنُّسُ بما رُوِيَ أنَّ ابنَ مَنْصورٍ بلَغَه أنَّ أحمدَ رجَع عن بعضِ المَسائلِ التي علَّقَها، فجمَعَها في جِرابٍ وحمَلَها على ظَهْرِه، وخرَج إلى بَغْدادَ، وعرَضَ خُطُوطَ أحمدَ عليه في كلِّ مسْأَلَةٍ، فأَقَرَّ له بها ثانيًا. فالظَّاهِرُ أنَّ ذلك كان بعدَ مَوْتِ ابنِ الحَكَمِ، وقبلَ وَفاةِ أحمدَ بيَسِيرٍ، وابنُ مَنْصورٍ ممَّن روَى الضَّمانَ، فيَكُونُ مُتَأخِّرًا عن رِوايَةِ ابنِ الحَكَمِ. انتهى. وتقدَّم نَظيرُ ذلك في البابِ عندَ قوْلِه: وإنْ غصَبَ ثَوْبًا فقَصَرَه، أو غَزْلًا فنَسَجَه. قال في «الفُروعِ» هنا: ونقَل ابنُ الحَكَمِ، لا أُجْرَةَ مُطْلَقًا، يعْنِي، سواءٌ انْتَفَع

стр. 7182

وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ، فَعَلَيهِ أُجْرَتُهُ إلَى وَقْتِ تَلَفِهِ. وَإِنْ غَصَبَ شَيئًا فَعَجَزَ عَنْ رَدِّهِ، فَأَدَّى قِيمَتَهُ، فَعَلَيهِ أُجْرَتُهُ إلى وَقْتِ أَدَاءِ الْقِيمَةِ، وَفِيمَا بَعْدَهُ وَجْهَانِ. ــ به أوْ لا. وظاهرُ «المُبْهِجِ» التَّفْرِقَةُ. يعْنِي، إنِ انْتفَعَ به، فعليه الأُجْرَةُ، وإلَّا فلا. واخْتارَه بعضُ الأصحابِ. وجعَلَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ ظاهِرَ ما نُقِلَ عنه. وقد نقَلَ ابنُ مَنْصُورٍ، إنْ زرَع بلا إذْنٍ، فعليه أُجْرَةُ الأرْضِ بقَدْرِ ما اسْتعْمَلَها إلى ردِّه، أو إتْلافِه، أو رَدِّ قِيمَتِه. فائدتان؛ إحْداهما، لو كانَ العَبْدُ ذا صنائِعَ، لَزِمَه أُجْرَةُ أعْلاها فقط. الثَّانيةُ، مَنافِعُ المَقْبوضِ بعَقْدٍ فاسدٍ، كَمنافعِ المَغْصُوبِ؛ تُضْمَنُ بالفَواتِ والتَّفْويتِ. تنبيه: قال الحارِثِيُّ: «أبو بَكْرٍ» المُبْهَمُ في الكِتابِ هو الخَلَّالُ. وإطْلَاقُ «أبِي بَكْرٍ» في عُرْفِ الأصحابِ إنَّما هو أبو بَكْرٍ عَبْدُ العزيزِ، لا الخَلَّالُ، وإنْ كانَ يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ مِن كلامِ أبِي بَكْرٍ عَبْدِ العزِيزِ، كما قال، فإنَّه أدْخَلَ في «جامعِ الخَلَّالِ» شيئًا مِن كلامِه، فرُبَّما اشْتَبَه بكَلامِ الخَلَّالِ، إلَّا أنَّ القاضيَ، وابنَ عَقِيلٍ، وغيرَهما مِن أهْلِ المذهبِ، إنَّما حَكَوه عنِ الخَلَّالِ. انتهى. قوله: وإنْ غَصَبَ شَيئًا، فعَجَز عن رَدِّه فأَدَّى قِيمَتَه، فعليه أُجُرَتُه إلى وَقْتِ أَداءِ

стр. 7183

فصْلٌ: وَتَصَرُّفَاتُ الْغَاصِبِ الْحُكْمِيَّةُ؛ كَالْحَجِّ، وَسَائِرِ ــ القِيمَةِ، وفيما بعدَه وَجْهان. إنْ كانَ قبلَ أداءِ القِيمَةِ، فحُكْمُه حُكْمُ المَسْألةِ التي قبلَها، خِلافًا ومذهبًا. وإنْ كانَ بعدَ أدائِها، فأطْلَقَ في وُجوبِها الوَجْهَين، وأطْلَقهما في «التَّلْخيص»، وقال: ذكَرَهما القاضي، وابنُ عَقِيلٍ؛ أحدُهما، لا يَلْزَمُه. وهو الصّحيحُ مِنَ المذهبِ. صحَّحه في «المُسْتَوْعِبِ»، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «التَّصْحيحِ»، وغيرُهم. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. والوَجْهُ الثَّاني، يلْزَمُه؛ لأنَّ العَينَ باقيةٌ على مِلْكِ المغْصُوبِ منه والمَنْفَعَةَ. فعلى هذا الوَجْهِ، تَلْزَمُه الأُجْرَةُ إلى ردِّه مع بَقائِه. فائدة: قال في «الفُروعِ»: وظاهرُ كَلامِ الأصحابِ، أنَّه يضْمَنُ رائحةَ المِسْكِ ونحوَه، خِلافًا «للانْتِصارِ»، لا نقْدًا لتِجارَةٍ. قلتُ: الذي يَنْبَغِي أنْ يُقْطَعَ بالضَّمانِ في ذَهابِ رائحةِ المِسْكِ، ونحوه. قوله: وتَصرُّفَاتُ الغَاصِبِ الحُكْمِيَّةُ؛ كالحَجِّ وسائِرِ العِباداتِ، والعُقُودِ؛ كالبَيعِ والنِّكاحِ، ونحوها باطِلَةٌ في إحْدَى الروَايتَين. وهي المذهبُ. قال

стр. 7184

الْعِبَادَاتِ، وَالْعُقُودِ؛ كَالْبَيعِ، وَالنِّكَاحِ، وَنَحْوهَا، بَاطِلَةٌ في إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ، وَالْأُخْرَى صَحِيحَة. ــ الشَّارِحُ: هذا أظْهَرُ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المذهبُ. وصَحَّحه في «التَّصْحيحِ» وغيرِه. قال في «التَّلْخيصِ»، في بابِ البَيعِ: وإنْ كثُرَتْ تَصرُّفاتُه في أعْيانِ المَغْصُوباتِ، يُحْكَمُ ببُطْلانِ الكُلِّ، على الأصحِّ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. قال في «الفُروعِ»: اخْتارَه الأكْثَرُ. ذكَرَه في كتابِ البَيعِ، في الشَّرْطِ السَّابعِ. والأُخْرى، صحيحةٌ. وعنه، تصِحُّ

стр. 7185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَوْقُوفَةً على الإِجازَةِ. وأطْلَقهُنَّ في «الفائقِ»، وقال: وقيل: الصِّحَّةُ مُقَيَّدَةٌ بما لم يُبْطِلْه المالِكُ مِنَ العُقودِ. انتهى. قلتُ: قال الشَّارِحُ: وقد ذكَر شيخُنا في الكتابِ المَشْروحِ رِوايةً، أنَّها صحيحةٌ. وذكَرَها أبو الخَطَّابِ، قال: وهذا يَنْبَغِي أن يَتَقيَّدَ في العُقودِ بما إذا لم يُبْطِلْه المالِكُ. فأمَّا إنِ اخْتارَ المالِكُ إبْطاله، فأَخَذَ المَعْقُودَ عليه، فلا نعْلَمُ فيه خِلافًا. وأمَّا ما لم يُدْرِكْه المالِكُ، فوَجْهُ التَّصْحيحِ فيه، أن الغاصِبَ تَطُولُ مُدَّتُه وتكْثُرُ تصَرُّفاتُه، ففي القَضاءِ ببُطْلانِها ضرَرٌ كثيرٌ، ورُبَّما عادَ الضَّرَرُ على المالِكِ. انتهى. وقال ما قاله الشَّارِحُ، والقاضي في «خِلافِه»، وابنُ عَقِيلٍ. نقَلَه عنهما في «الفائِدَةِ العِشْرِين»، والمُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، وأطْلَقَ الرِّوايَةَ مرَّةً كما هنا، ومرَّة قال: يَنْبَغِي أنْ يُقَيِّدَ, كما قال الشَّارِحُ. وقال: وهو أشْبَهُ مِنَ الإِطْلاقِ. قال الحارِثِيُّ: وهذه الرِّوايةُ لم أرَ مَن تقدَّم المُصَنِّفَ وأبا الخطَّابِ في إيرادِها. وقال أيضًا: وأمَّا الصِّحَّةُ على الإِطْلاقِ، فلا أعْلَمُ به أيضًا، سِوَى نَصِّه على مِلْكِ المالِكِ، كرِبْحِ المالِ المَغْصُوبِ, كما سنُورِدُه في مسْألَةِ الرِّبْحِ. وقال عن كلامِ المُصَنِّفِ في تَقْيِيدِ الرِّوايةِ: أمَّا طُولُ مُدَّةِ الغَصْبِ، وكَثْرةُ تصرُّفاتِ الغاصِبِ، فلا يَطَّرِدُ، بل كثيرٌ مِنَ المَغْصُوبِ لا يُتَصَرَّفُ فيه بَعقْدٍ أصْلًا، وبتَقْديرِ الاطِّرادِ غالِبًا. تنبيهان؛ أحدُهما، بنَى المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، وجماعةٌ، تصَرُّفَ الغاصِبِ، على تَصُّرفِ الفُضُولِيِّ، فأثْبَتَ فيه ما في تَصرُّفِ الفُضُولِيِّ، مِن رِوايةِ الانْعِقادِ مَوْقُوفًا على إجازَة المالِكِ. قال الحارِثِيُّ: ومِن مُتَأَخِّرِي الأصحابِ مَن جعَل هذه التَّصَرُّفاتِ مِن نَفْسِ تصَرُّفاتِ الفُضُولِيِّ. قال: وليس بشيءٍ. ثم قال: ولا يصِحُّ إلحْاقُه بالفُضُولِيِّ. وفرَّق بينَهما بفُروقٍ جيِّدَةٍ. الثَّاني، هذا الخِلافُ المَحْكِيُّ في أصْلِ المَسْأَلةِ مِن حيثُ الجُمْلَةُ، وقد قَسَمَها المُصَنِّفُ

стр. 7186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قِسْمَين؛ عِباداتٌ، وعُقُودٌ. فالعِباداتُ فيها مَسَائلُ؛ منها، الوُضُوءُ بماءٍ مَغْصُوبٍ، والوُضُوءُ مِن إناءٍ مَغْصُوبٍ، وغَسْلُ النَّجاسَةِ بماءٍ مَغْصوبٍ، وسَتْرُ العَوْرَةِ بثَوْبٍ مَغْصُوبٍ، والصَّلاةُ في مَوْضِعٍ مَغْصوبٍ. وقد تقدَّم ذلك مُسْتَوْفًى في كتابِ الطَّهارَةِ، والآنِيَةِ، وإزالةِ النَّجَاسةِ، وسَتْرِ العَوْرَةِ، واجْتِنابِ النَّجاسَةِ. ومنها، الحَجُّ بمالٍ مَغْصُوبٍ, كما قال المُصَنِّفُ، والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا يصِحُّ. نصَّ عليه. قال ابنُ أبِي مُوسى: وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. قال في «الخُلاصَةِ»: باطِلٌ على الأصحِّ. قال الشَّارِحُ: باطِلٌ على الأظْهَرِ. قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: هذا المذهبُ. قال في «الرِّعايةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: يَبْطُلُ في كلِّ عِبادَةٍ على الأصحِّ. وصحَّحه النَّاظِمُ وغيرُه. وقدَّمه الحارِثِيُّ وغيرُه. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. وقيل: عنه، يُجْزِئُه مع الكَراهَةِ. قاله ابنُ أبِي مُوسى. واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ. قال الحارِثِيُّ: وهو أقْوَى. قلتُ: وهو الصَّوابُ، فيَجِبُ بَدَلُ المالِ دَينًا في ذِمَّتِه. ومنها، الهَدْيُ المَغْصُوبُ لا يُجْزِئُ. صرَّح به الأصحابُ. ونصَّ عليه في رِوايةِ عليِّ بنِ سَعِيدٍ. وعنه، الصِّحَّةُ مَوْقُوفَةٌ على إجازَةِ المالِكِ. ونصَّ الإِمامُ أحمدُ على الفَرْقِ بينَ أنْ يَعْلَمَ أنَّها لغيرِه، فلا يُجْزِئُه، وبينَ أنْ يظُنَّ أنَّها لنَفْسِه، فيُجْزِئَه، في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ، وسِنْدِيٍّ. وسوَّى كثيرٌ مِنَ الأصحابِ بينَهما في حِكَايةِ الخِلافِ. قال في «الفائِدَةِ العِشْرِين»: ولا يصِحُّ. وإنْ كان الثَّمَنُ مَغْصُوبًا، لم يُجْزِئْه أيضًا؛ اشْتَراه بالعَينِ، أو في الذِّمَّةِ. قاله الحارِثِيُّ. قلتُ: لو قيلَ بالإِجْزاءِ إذا اشْتَراه في الذِّمَّةِ، لكانَ مُتَّجِهًا. ومنها، لو أوْقَع الطَّوافَ، أو السَّعْيَ، أو الوُقوفَ على الدَّابَّةِ

стр. 7187

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المَغْصُوبَةِ، ففي الصِّحَّةِ رِوايتَا الصَّلاةِ (١) في البُقْعَةِ المَغْصُوبَةِ. قاله الحارِثِيُّ. قلتُ: النَّفْسُ تمِيل إلى صِحَّةِ الوُقوفِ على الدَّابَّةِ المَغْصُوبَةِ. ومنها، أداءُ المالِ المَغْصُوبِ في الزَّكاةِ غيرُ مُجْزِئُ. قال الحارِثِيُّ: ثم إنَّ أبا الخَطَّابِ صرَّح بجَرَيانِ الخِلافِ في الزَّكاةِ، وتَبِعَه المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، وغيرُه مِنَ الأصحابِ, كما انْتَظَمَه عُمومُ إيرادِ الكِتابِ. فإنْ أُرِيدَ به ما ذكَرْنا مِن أداءِ المَغْصُوبِ عنِ الغاصِبِ، وهو الصَّحيحُ، فهذا شيءٌ لا يقْبَلُ نِزاعًا أَلْبَتَّةَ؛ لما فيه مِنَ النَّصِّ، فلا يُتَوَهَّمُ خِلافُه. وإنْ أُرِيدَ به الأداءُ عنِ المالِكِ، بأنْ أخْرَجَ عنه مِنَ النِّصابِ المَغْصُوبِ، وهو بعيدٌ جدًّا، فإنَّ الواقِع مِنَ التَّصَرُّفِ للعِبادَةِ إنَّما يكونُ عنِ الغاصِبِ نَفْسِه؛ فلا يُقْبَلُ أَيضًا، خِلافًا لاتِّفاقِنا على اعْتِبارِ نِيَّةِ المالِكِ، إلَّا أنْ يَمْتَنِعَ مِنَ الأداءِ، فيَقْهَرَه الإِمامُ على الأخْذِ منه، فيُجْزِئَ في الظَّاهِرِ، وليس هذا بواحِدٍ مِنَ الأَمْرَين، فلا يُجْزِئُ بوَجْهٍ. ومنها، كلُّ صَدَقَةٍ؛ مِن كفَّارَةٍ، أو نَذْرٍ، أو غيرِهما، كالزَّكاةِ سَواءً. ومنها، عِتْقُ المَغْصوبِ لا يَنْفُذُ، بلا خِلافٍ في المذهبِ. ونصَّ عليه. قاله الحارِثِيُّ. ومنها، الوَقْفُ لا ينْفُذُ في المَغْصُوبِ، قَوْلًا واحِدًا. لكِنْ لو كان ثَمَنُ المُعْتَقِ أو الموْقُوفِ مَغْصوبًا؛ فإنِ اشْتَرَى بعَينِ المالِ، لم يَنْفُذْ، [وإنِ اشْتَرَى في الذِّمَّةِ، ثم نقَدَه، فإنْ قيلَ بعَدَمِ إفادَةِ المِلْكِ، لم يَنْفُذْ] (٢)، وإنْ قيلَ بالإِفادَةِ، نفَذ العِتْقُ والوَقْفُ. قاله الحارِثِيُّ. وأمَّا العُقودُ؛ مِنَ البَيعِ، والإِجارَةِ، والنَّكاحِ، ونحوها، فالعَقْدُ باطِلٌ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، ونصَّ عليه. وعليه الأصحابُ. وتقدَّم حِكايَةُ الرِّوايةِ بالصِّحَّةِ، والكلامُ عليها، والرِّوايَةُ بالوَقْفِ على الإِجازَةِ.

стр. 7188

وَإِنِ اتَّجَرَ بالدَّرَاهِمِ، فَالرِّبْحُ لِمَالِكِهَا. ــ [تنبيه: قوْلُه: وتَصَرُّفاتُ الغاصِبِ الحُكْمِيَّةُ. أي التي يُحْكَمُ عليها بصِحَّةٍ أو فَسادٍ. احْتِرازًا مِن غيرِ الحُكْمِيَّةِ، كإتْلافِ المَغْصُودبِ، كأكْلِه الطَّعامَ، أو إشْعالِه الشَّمْعَ، ونحوهما، وكَلُبْسِه الثَّوْبَ، ونحوه، فإن هذا لا يُقالُ فيه صحيحٌ ولا فاسِدٌ. واللهُ أعلمُ. قال ابنُ نَصْرِ اللهِ في «حَواشِي الفُروعِ (١)»: وقوْلُه: الحُكْمِيَّةُ احْتِرازٌ مِنَ التَّصَرُّفاتِ الصُّورِيَّةِ. فالحُكْمِيَّةُ؛ ما له حُكْمٌ من صِحَّةٍ وفَسادٍ؛ كالبَيعِ، والهِبَةِ، والوَقْفِ، ونحوه. والصُّورِيَّةُ، كطَحْنِ الحَبِّ، ونَسْجِ الغَزْلِ، ونَجْرِ الخَشَبِ، ونحوه. انتهى. وهو كالذي قبلَه] (٢). قوله: وإِن اتَّجَرَ بالدَّرَاهِمِ، فالرِّبْحُ لمالِكِها. يعْنِي، إذا اتَّجَرَ بعَينِ المالِ، أو بثَمَنِ الأعْيانِ المَغْصُوبَةِ، فالمالُ ورِبْحُه لمالِكِها. وهذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، ونصَّ عليه، ونقَلَه الجماعَةُ، وعليه الأصحابُ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: قال أصحابُنا: الرِّبْحُ للمالِكِ، والسِّلَعُ المُشْتَراةُ له. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. واحْتَجَّ أحمدُ بخَبَرِ

стр. 7189

وَإِنِ اشْتَرَى في ذِمَّتِهِ ثُم نَقَدَهَا، فَكَذَلِكَ. وَعَنْهُ، الرِّبْحُ لِلْمُشْتَرِي. ــ عُرْوَةَ بنِ الجَعْدِ (١). ونقَل حَرْبٌ في خَبَرِ عُرْوةَ، إنَّما جازَ؛ لأنَّه، عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، جوَّزَه له. وقيَّد جماعةٌ؛ منهم صاحِبُ «الفُنونِ»، و «التَّرْغيبِ» الرِّبْحَ للمالِكِ، إنْ صحَّ الشِّراءُ، وأطْلَقَ الأكْثَرُ. وقال الحارِثِيُّ: ويتَخَرَّجُ مِنَ القَوْلِ ببُطْلانِ التَّصُّرفِ رِوايَةٌ بعَدَمِ المِلْكِ للرِّبْحِ، وهو الأقْوَى. انتهى. وعنه، يتَصَدَّقُ به. وقيل: لا يصِحُّ بعَينه، إنْ قُلْنا: النُّقودُ تَتَعيَّنُ بالتَّعْيِينَ. قوله: وإنِ اشْتَرَى في ذِمَّتِه، ثم نقَدَها، فكذلك. يعْنِي، الرِّبْحُ للمالِكِ أيضًا. واعْلمْ أنَّه إذا اشْتَرَى في الذِّمَّةِ، أو باعَ سَلَمًا، ثم أقْبَضَ المَغْصُوبَ ورَبِحَ، فالعَقْدُ صحيحٌ، على المذهب، والإقْباضُ فاسِدٌ. بمَعْنَى، أنَّه غيرُ مُبْرِئُ، وصِحَّةُ العَقْدِ نصَّ عليها في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ. وحكَى القاضي في «التَّعْليقِ الكبيرِ» وَجْهًا، يكونُ العَقْدُ مَوْقوفًا على إجازَةِ المالِكِ؛ إنْ أجازَه، صحَّ، وإلَّا بَطَلَ.

стр. 7190

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: وهو أصحُّ ما يُقالُ في المَسْأَلَةِ. قال الحارِثِيُّ: وهو مأْخُوذٌ مِن مِثْلِه في مَسْألَةِ المفُضولِيِّ. قال: وهو مُشْكِلٌ؛ إذْ كيف يَقِفُ تصَرُّفُ الإِنْسانِ لنَفْسِه على إجازَةِ غيرِه؟ انتهى. وأمَّا الرِّبْحُ، فقدَّم المُصَنِّفُ هنا أنَّه للمالِكِ، وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. قال الشَّارِحُ: هذا المَشْهورُ في المذهبِ. قال الحارِثِيُّ: هو ظاهِرُ المذهبِ. وجزَم به جماهيرُ الأصحابِ، حتى أبو الخَطَّابِ في «رُءوسِ المَسائلِ». انتهى. وجزَم به في «الإرْشادِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، وغيرِهم. وهو مِنَ المُفْرَداتِ. وقال في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»: إذا اشْتَرَى في ذِمَّتِه بنِيَّةِ نقْدِها، فالرِّبْحُ للمالِكِ. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه». وعنه، الرِّبْحُ للمُشْتَرِي. وهو احْتِمالٌ في «الشَّرْحِ»، وهو قِياسُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ. قال الحارِثِيُّ: وهو الأَقْوَى. فعليها، يجوزُ له الوَطْءُ. ونقَلَه المَرُّوذِيُّ. وعلى هذا، إنْ أرادَ التَّخَلُّصَ مِن شُبْهَةٍ بيَدِه،

стр. 7191

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اشْتَرى في ذِمَّتِه، ثم نقَدَها. وقاله القاضي، وابنُ عَقِيلٍ. وذكَرَه عن أحمدَ. فوائد؛ الأُولَى، لو اتَّجَرَ بالوَدِيعَةِ، فالرِّبْحُ للمالِكِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، ونصَّ عليه في رِوايَةِ الجماعةِ. ونقَل حَنْبَلٌ، ليس لواحِدٍ منهما، ويتَصَدَّقُ به. قال الحارِثِيُّ: وهذا مِن أحمدَ مُقْتَضٍ لبُطْلانِ العَقْدِ، وذلك وَفْقَ المذهبِ المُخْتارِ في تَصَرُّفِ الغاصِبِ، وهو أقْوَى. انتهى. الثَّانيةُ، لو قارَضَ بالمَغْصوبِ، أو الوَدِيعَةِ، فالرِّبْحُ على ما تقدَّم، ولا شيءَ للعامِلِ على المالِكِ، وإنْ عَلِمَ، فلا شيءَ له على الغاصِبِ أيضًا، وإلَّا فله عليه أُجْرَةُ المِثْلِ. الثَّالثةُ، إجارَةُ الغاصِبِ للمَغْصُوبِ. وهو كالبَيعِ, تقدَّم، وهو داخِلٌ في كلامِ المُصَنِّفِ، والأُجْرَةُ للمالِكِ. نصَّ عليه. وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّ المُسَمَّى هو الواجِبُ للمالِكِ. قاله الحارِثِيُّ. وقال المُصَنِّفُ وغيرُه: إنَّ الواجِبَ أُجْرَةُ المِثْلِ. قال

стр. 7192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحارِثِيُّ: وهو أقْوَى. الرَّابعةُ، لو أنْكَحَ الأَمَةَ المَغْصوبَةَ، ففي البُطْلانِ والصِّحَّةِ ما قاله المُصَنِّفُ في المَتْنِ. قال الحارِثِيُّ: والتَّصْحيحُ لا أصْلَ له؛ فإنَّه مُقْتَضٍ لنَفْي اشْتِراطِ الوَلِيِّ في النِّكاحِ، وهو خِلافُ المذهبِ. لكِنْ قد يقْرُبُ إجْراؤُه مَجْرَى الفُضُولِيِّ، فتأْتِي رِوايَةُ الانْعِقادِ مع الإِجازَةِ. الخامسةُ، لو وَهَبَ المَغْصُوبَ، ففيه الخِلافُ السَّابِقُ. والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ البُطْلانُ، على ما تقدَّم. السَّادِسَةُ، تذْكِيَةُ الغاصبِ الحَيوانَ المَأْكُولَ. وفي إفادتِها لحِلِّ الأكْلِ رِوايَتان؛ إحْداهما، هو مَيتَةٌ، لا يَحِلُّ أكْلُه مُطْلَقًا. جزَم به أبو بَكْرٍ في «التنبِيهِ». والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يحِلُّ. قال الحارِثِيُّ: وهو قَوْلُ الأَكْثَرِين. انتهى. وهذا المذهبُ، وهو قَوْلُ غيرِ أبِي بَكْرٍ مِنَ الأصحابِ. قاله في «القاعِدَةِ الثَّانيةِ بعدَ المِائَةِ». [وقد نبَّهَ عليه المُصَنِّفُ قبلَ ذلك، فيما إذا ذَبَحَ الشَّاةَ وشَواها] (١). ويأْتِي نَظِيرُ ذلك في ذَبْحِ السَّارِقِ الحَيوانَ المَسْروقَ، في بابِ القَطْعِ في السَّرِقَةِ. ومِن جُمْلَةِ المَسائلِ المُتَعَلِّقَةِ بذلك؛ التَّذْكِيَةُ بالآلةِ المَغْصُوبَةِ، وكذلك التَّزَوُّجُ بمالٍ مَغْصُوبٍ. وفي كل واحِدٍ منهما خِلافٌ يأْتِي.

стр. 7193

وَإِنِ اخْتَلَفَا في قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ، أَوْ قَدْرِهِ، أَوْ صِنَاعَةٍ فِيهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ. ــ قوله: وإنِ اخْتَلَفا في قِيمَةِ المَغْصُوبِ، أو قَدْرِه، أو صِناعَةٍ فيه، فالقَوْلُ قَوْلُ الغاصِبِ. لا أعلمُ فيه خِلافًا. فائدة: لو اخْتَلَفا في تَلَفِ المَغْصُوبِ، فالقَوْلُ قَوْلُ الغاصِبِ في تَلَفِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قال في «الفُروعِ»: قُبِلَ قَوْلُ الغاصِبِ في الأصحِّ. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهما. وقدَّمه الحارِثِيُّ. وقيل: القَوْلُ قَوْلُ المالِكِ. اخْتارَه الحارِثِيُّ. وهما احْتِمالان مُطْلَقان في «التَّلْخيصِ». فعلى المذهبِ، للمَغْصُوبِ منه أنْ يُطالِبَ الغاصِبَ ببَدَلِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقدَّمه في «الشَّرْحِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الفرُوعِ». وصحّحه الحارِثِيُّ، واخْتارَه المُصَنِّفُ. وقيل: ليس له مُطالبَتُه؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه.

стр. 7194

وَإِنِ اخْتَلَفَا في رَدِّهِ، أَوْ عَيبٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ. ــ قوله: وإِنِ اخْتَلَفا في رَدِّه، أو عَيبٍ، فالقَوْلُ قَوْلُ المالِكِ. بلا نِزاعٍ أعْلَمُه. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الحارِثِيِّ»، و «الوَجيز»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. لكِنْ لو شاهَدَتِ البَيِّنَةُ العَبْدَ مَعِيبًا عندَ الغاصِبِ، فقال. المالِكُ: حدَثَ عندَ الغاصِبِ. وقال الغاصِبُ: بل كانَ فيه قبلَ غَصْبِه. فالقَوْلُ قَولُ الغاصِبِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به في «المُغْنِي» وغيرِه. وقدَّمه في «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الشَّرْحِ»، وقال: ويتَخَرَّجُ أنَّ القَوْلَ قوْلُ المالِكِ. كما لو تَبايَعا واخْتلَفا في عَيبٍ؛ هل كان عندَ البائعِ، أو حدَثَ عندَ المُشْتَرِي؟ فإنَّ فيه رِوايةً، أنَّ القَوْلَ قَولُ البائعَ. كذلك هذا؛ إذِ الأصْلُ السَّلامَةُ، وتأَخَّرَ

стр. 7195

وَإِنْ بَقِيَتْ في يَدِهِ غُصُوبٌ لَا يَعْرفُ أَرْبَابَهَا، تَصَدَّقَ بِهَا عَنْهُمْ، بِشرْطِ الضَّمَانِ، كَاللُّقَطَةِ. ــ الحُدوثُ عن وَقْتِ الغَصْبِ. انتهى. قلتُ: هذه الرِّوايةُ اخْتارَها جماعَةٌ مِنَ الأصحابِ هناك، على ما تقدَّم في الخِيارِ في العَيبِ. قوله: وإِنْ بَقِيَتْ في يَدِه غُصُوبٌ لا يَعْرِفُ أَرْبابَها، تَصَدَّقَ بها عنهم، بشَرْطِ الضَّمانِ، كاللُّقَطَةِ. إذا بَقِيَ في يَدِه غُصُوبٌ لا يَعْرِفُ أصحابَها، فسَلَّمَها إلى الحاكمِ، بَرِئَ من عُهْدَتِها، بلا نِزاعٍ. ويجوزُ له الصَّدَقَةُ بها عنهم بشَرْطِ ضَمانِها، ويَسْقُطُ عنه إثْمُ الغَصْبِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه

стр. 7196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأصحابُ. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. قال في «القاعِدَةِ السَّابِعَةِ والتِّسْعِين»: لم يذكُرْ أصحابُنا فيه خِلافًا. وقال في «القاعِدَةِ السَّادِسَةِ بعدَ المِائَةِ»: ويتَصَدَّقُ بها عنه، على الصَّحيحِ. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهما. نقَل المَرُّوذِيُّ، يُعْجِبُنِي الصَّدقَةُ بها. وقال في «الغُنْيَةِ»: عليه ذلك. ونقَل أيضًا، على فُقراءِ مَكانِه، إنْ عرَفَه. ونقَل صالِحٌ، أو بقِيمَتِه. وله شِراءُ عَرْضٍ بنَقْدٍ، ويتَصَدَّق به، ولا تجوزُ مُحاباةُ قَريبٍ وغيرِه. نصَّ عليهما. وظاهرُ نَقْلِ حَرْبٍ، في الثَّانِيَةِ، الكَراهَةُ. قال في «الفُروعِ» وهو ظاهرُ كلامِهم في غيرِ مَوْضِعٍ. انتهى. وعنه، ليس له الصَّدَقَةُ بها. ذكَرَها القاضي في كتابِ «الرِّوايتَين». وهو تخْرِيج في «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ». فائدتان؛ إحْداهما، قال الحارِثِيُّ وغيرُه: وكذا الرُّهونُ، والوَدائِعُ، وسائرُ الأماناتِ، كالأَمْوالِ المُحَرَّمَةِ فيما ذكَرْنا. وذكَر نُصوصًا في ذلك. وتقدَّم حُكْمُ الرُّهونِ في آخِرِ الرَّهْنِ، ويأْتِي قريبًا مِن ذلك، في بابِ أدَبِ القاضي، عندَ حُكْمِ الهَدِيَّةِ، والرِّشْوَةِ، وتأْتِي مسْأَلةُ الوَدِيعَةِ في بابِها، وهل يَلْزَمُ الحاكِمَ الأخْذُ، أم

стр. 7197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا؟ الثَّانيةُ، لا يجوزُ لمَن هذه الأشْياءُ في يَدِه، وقُلْنا: له الصَّدَقَةُ بها. أنْ يأْخُذَ منها لنَفْسِه إذا كان مِن أهْلِ الصَّدَقَةِ. نصَّ عليه. وخرَّج القاضي جَوازَ الأكْلِ منها إذا كان فَقِيرًا، على الرِّوايتَين في شِراءِ الوَصِيِّ مِن نَفْسِه. نقَلَه عنه ابنُ عَقِيلٍ في «فُنونِه»، وأفْتَى به الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في الغاصِبِ إذا تابَ. تنبيه: ظاهرُ قوْلِه: لا يعْرِفُ أرْبابَها. أنَّه لا يتَصَدَّقُ بها إلَّا مع عدَمِ مَعْرِفَةِ أرْبابِها، سواءٌ كان قليلًا أو كثيرًا، وهو المذهبُ. وقدَّمه في «الفُروعِ». ونقَل الأثْرَمُ وغيرُه، له الصَّدَقَةُ بها إذا عَلِمَ ربَّها، وشَقَّ دَفْعُه إليه، وهو يَسِيرٌ، كحَبَّةٍ. وقطَع به في «القاعِدَةِ السَّابعَةِ والتِّسْعِين»، فقال: له الصَّدقَةُ به عنه. نصَّ عليه في مَواضِعِ. وقال الحارِثِيُّ: إذا عَلِمَ الغاصِبُ المالِكَ، فهنا حالتان؛ إحْداهما، انْقِطاعُ خبَرِه لغيبَةٍ؛ إمَّا ظاهِرُها السَّلامَةُ؛ كالتِّجارَةِ، والسِّياحَةِ، ومضَتْ مُدَّةُ الإياسِ، ولا وارِثَ له، تصَدَّقَ بها كما لو جَهِلَ. نصَّ عليه. وإمَّا ظاهِرها الهَلاكُ؛ كالمَفْقُودِ مِن بينِ أهْلِه، أو في مَهْلَكَةٍ، أو بينَ الصَّفَّين، ونحوه، وكذلك أرْبَعُ سِنِين، وأربعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ، ولا وارِثَ له، تصَدَّقَ به أيضًا. نصَّ عليه. وإنْ كان له وارِثٌ، سلَّمَ إليه. وأنْكَرَ أبو بَكْرٍ الزِّيادَةَ على الأرْبَعِ سِنِين، وقال: لا مَعْنًى للأرْبعَةِ أشْهُرٍ في ذلك. قال القاضي وغيرُه: أصْلُ المَسْأَلةِ، هل يُقْسَمُ مالُ المَفْقُودِ للمُدَّةِ التي تُباحُ زَوْجَتُه فيها، أو لأرْبَعِ سِنِين فقط؟ على رِوايتَين. وإنْ لم تَمْضِ المُدَّةُ المُعْتَبَرَةُ، ففي المالِ المُحَرَّمِ يتَعَيَّنُ التَّسْليمُ إلى الحاكمِ مِن غيرِ انْتِظارٍ. وأمَّا ما اؤْتُمِنَ عليه؛ كالوَدِيعَةِ، والرَّهْنِ، فليس عليه الدَّفْعُ إليه. الحالةُ الثَّانيةُ، أنْ يعْلَمَ وُجودَه، فإنْ كان غائِبًا، سلَّمَ إلى وَكِيلِه، وإلَّا فإلى الحاكمِ، وإنْ كان حاضِرًا، فإليه أو إلى وَكِيلِه. وإنْ عَلِمَ مَوْتَه، فإلى وَرَثَتِه، فإن لم يكُنْ له وَرَثَةٌ، تصَدَّقَ به. نصَّ عليه. ولا يكون لبَيتِ المالِ فيه شيءٌ. ويأْتِي

стр. 7198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إذا كسَبَ مالًا حَرامًا برِضَا الدَّافِعِ، ونحوُه، في بابِ أدَبِ القاضي، عندَ الكلامِ على الهَدِيَّةِ للحاكمِ. تنبيه: قوْلُ المُصَنِّف: كاللُّقَطَةِ. قال الحارِثِيُّ: الأَلْيَقُ فيه التَّشْبِيهُ بأصْلِ الضَّمانِ، لا في مَضْمُونِ الصَّدَقَةِ والضَّمانِ، فإنَّ المذهبَ في اللُّقَطَةِ التَّمَلُّكُ لا التَّصَدُّقُ. انتهى. قلتُ: بل الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ جَوازُ التَّصَدُّقِ باللُّقَطَةِ التي لا تُمْلَكُ بالتَّعْريفِ، على ما يأْتِي مِن كلامِ المُصَنِّفِ في اللُّقَطَةِ. قال الشَّارِحُ هنا: وعنه في اللُّقَطَةِ، لا تجوزُ الصَّدَقَةُ بها. فيتَخَرَّجُ هنا مِثْلُه. فوائد؛ إحْداها، قال في «الفُروعِ»: لم يذْكُرِ الأصحابُ في ذلك سِوَى الصَّدَقَةِ بها. ونقَل إبْراهِيمُ بنُ هانِئٍ، يتَصَدَّقُ بها، أو يَشْتَرِي بها كِراعًا، أو سِلاحًا يُوقَفُ، هو مَصْلَحَةٌ للمُسْلِمين. انتهى. قلتُ: قد ذكَر ذلك الحارِثِيُّ، وقال عن ذلك: يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الصَّدَقَةِ. انتهى. قال في «الفُروعِ»: وسألَه جَعْفَرٌ (١) عن مَن ماتَ، وكان يدْخُلُ في أُمُورٍ تُكْرَهُ، فيُرِيدُ بعضُ وَلَدِه التَّنَزُّهَ؟ فقال إذا دفَعَها إلى المَساكِينِ، فأيُّ شَيءٍ بَقِيَ عليه؟ واسْتَحْسَنَ أنْ يُوقِفَها على المَساكِينِ. ويتَوَجَّهُ على أفْضَلِ البِرِّ. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تُصْرَف في المصَالِحِ. وقاله في وَديعَةٍ، وغيرِها، وقال: قاله العُلَماءُ، وأنَّه مذهبُنا، ومذهبُ أبِي حَنِيفَةَ، ومالكٍ. وهذا مُرادُ أصحابِنا؛ لأنَّ الكُلَّ صَدَقَةٌ. وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَن تَصَرَّفَ فيه بولايَةٍ شَرْعِيَّةٍ، لم يضْمَنْ. وقال: ليس لصاحِبِه، إذا عُرِفَ، ردُّ المُعاوَضَةِ؛ لثُبوتِ الولايَةِ عليها شَرْعًا للحاجَةِ، كمَن ماتَ ولا وَلِيَّ له ولا حاكِمَ. مع أنَّه ذكَر أنَّ مذهبَ أحمدَ وَقْفُ العَقْدِ للحاجَةِ؛ لفَقْدِ المالكِ،

стр. 7199

فَصْلٌ: وَمَنْ أَتْلَفَ مَالًا مُحْتَرَمًا لِغَيرِه، ضَمِنَهُ. ــ ولغيرِ حاجَةٍ، الرِّوايَتان. وقال في مَنِ اشْتَرَى مال مُسْلِمٍ مِنَ التَّتَرَ لمَّا دخَلُوا الشَّامَ: إنْ لم يُعْرَفْ صاحِبُه، صُرِفَ في المَصالِحِ، وأُعْطِيَ مُشْتَرِيه ما اشْتَراه به؛ لأنَّه لم يَصِرْ لها إلَّا بنَفقَتِه، وإنْ لم يقْصِدْ ذلك. كما رجَّحه في مَنِ اتَّجَرَ بمالِ غيرِه، ورَبِحَ. ونصَّ في وَدِيعَةٍ، تُنْتَظَرُ, كمالِ مَفْقُودٍ، وأنَّ جائزَةَ الإِمامِ أحَبُّ إليه مِنَ الصَّدَقَةِ. قال القاضي: إنْ لم يعْرِفْ أنَّ عَينَه مَغْصوبٌ، فله قَبُولُه. وسوَّى ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه بينَ وَدِيعَةٍ وغَصْبٍ، وذكَرَهما الحَلْوانِيُّ، كرَهْنٍ. الثَّانيةُ، إذا تصدَّقَ بالمالِ، ثم حضَر المالِكُ، خُيِّرَ بينَ الأَجْرِ وبينَ الأخْذِ مِنَ المُتَصَدِّقِ؛ فإنِ اخْتارَ الأَجْرَ، فذاك وإنِ اخْتارَ الأخْذَ، فله ذلك، والأَجْرُ للغارِمِ. نصَّ عليه في الرَّهْنِ، قاله الحارِثِيُّ. الثَّالثةُ، إذا لم يَبْقَ دِرْهَمٌ مُباحٌ، فقال في «النَّوادِرِ»: يأْكُلُ عادَتَه، لا ما له عنه غُنْيَةٌ؛ كحَلْواءَ، وفاكِهَةٍ. قوله: ومَن أَتْلَفَ مالًا مُحْتَرَمًا لغيرِه، ضَمِنَه. سواءٌ كان عَمْدًا أو سَهْوًا. ومَفْهومُه، أن غيرَ المُحْتَرَمِ لا يضْمَنُه؛ كمالِ الحَرْبِيِّ، والصَّائلِ، والعَبْدِ في حالِ قَطْعِه الطَّرِيقَ، ونحوه. وهو كذلك. تنبيه: يُسْتَثْنَى مِن قوْلِه: ومَن أتْلَفَ مالًا مُحْتَرَمًا، ضَمِنَه. الحَرْبِيُّ إذا أتْلَفَ مال المُسْلِم، فإنَّه لا يضْمَنُه.

стр. 7200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فوائد؛ منها، قال في «الفائقِ»: قلتُ: ولو أتْلَفَ لغيرهِ وَثِيقَةً بمالٍ، لا يثْبُتُ ذلك المالُ إلَّا بها ففي إلْزامِه ما تضَمَّنَتْه احْتِمالان؛ أحدُهما، يَلْزَمُه، كقْولِ المالِكِيَّةِ. انتهى. قلتُ: وهذا الصَّوابُ. وقال في «الفُروعِ»، في بابِ القَطعِ في السَّرِقَةِ: وإنْ سَرَق فَرْدَ خُفٍّ، قِيمَةُ كلِّ واحدٍ منهما مُنْفرِدًا دِرْهَمان، ومعًا عَشَرَةٌ، ضَمِنَ ثَمانِيةً؛ قِيمَةُ المُتْلَفِ خَمْسَةٌ، ونقْصُ التَّفْرِقَةِ ثَلاثةٌ. وقيل: دِرْهَمَين، ولا قَطْعَ. قال: وضَمانُ ما في وَثِيقَةٍ أتْلَفَها، إنْ تعَذَّرَ، يتَوَجَّهُ تخْرِيجُه عليها. انتهى. وقال ابنُ نَصْرِ اللهِ في «حَواشِي الفُروعِ»: وقد يُخرَّجُ الضَّمانُ للوَثيقَةِ مِن مَسْألَةِ الكَفالةِ؛ فإنَّها تَقْتَضِي إحْضارَ المَكْفُولِ، أو ضَمان ما عليه، وهنا؛ إمَّا أنْ يُحْضِرَ الوَثِيقَةَ، أو يَضْمَنَ ما فيها، إنْ تعَذَّرَتْ. ومنها، لو أُكْرِهَ على إتْلافِ مالِ الغيرِ، فقيل: يضْمَنُه مُكْرِهُه. قطَع به القاضي في كِتابِه «الأمْرُ بالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عنِ المُنْكَرِ»، وابنُ عَقِيل في «عُمَدِ الأدِلَّةِ». قاله في «القَواعِدِ». وقيل: هو كمُضْطَرٍّ. قال في «التَّلْخيصِ»: يجِبُ الضَّمانُ عليهما. واقْتَصَر عليه الحارِثِيُّ. وهو احْتِمالٌ للقاضي، في بعضِ تَعالِيقِه. وأطْلَقهما في «الفرُوعِ»، و «القَواعِدِ». وقال في «الرِّعايةِ»: وإنْ أُكْرِهَ على إتْلافِه، ضَمِنَه. يعْنِي المُباشِرَ، وقطَع به. انتهى. فإذا ضَمِنَ المُباشِرُ، إنْ كان جِاهلًا، رجَع على مُكْرِهِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به في «الرِّعايةِ». وصحَّحه في «الفُروعِ». وقيل: لا يَرْجِعُ. وإنْ كان عالِمًا، لم يرْجِعْ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقيل: يَرْجِعُ؛ لإِباحَةِ إتْلافِه ووُجوبه بخِلافِ الإِكْراهِ على القَتْلِ. ولم يَخْتَرْه، بخِلافِ مُضْطَرٍّ. وهل لمالِكِه مُطالبَةُ مُكْرِهِه إذا كان المُكْرَهُ، بفتْحِ الرَّاءِ، عالِمًا، وقُلْنا: له الرُّجوعُ عليه؟ فيه وَجْهان. وقال في «الرعايتَين»: يَحْتَمِلُ وَجْهَين. وأطْلَقهما في «الفُروعِ». قلتُ: له مُطالبَتُه. فإنْ قُلْنا: له

стр. 7201

وَإِنْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرِهِ، أَوْ حَلَّ قَيدَ عَبْدِهِ، أَوْ رِبَاطَ فَرَسِهِ، ــ مُطالبَته. وطالبَه، رجَع على المُتْلِفِ، إنْ لم يَرْجِعْ عليه. وقيل: الضَّمانُ بينَهما. ومنها، لو أذِنَ رَبُّ المالِ في إتْلافِه، فأَتْلَفَه، لم يَضْمَنِ المُتْلِفُ مُطْلَقًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: إنْ عيَّن الوَجْهَ المأْذُونَ فيه، مع غَرضٍ صحيحٍ، لم يضْمَنْ. وقال في «الفُنونِ»: لو أذِنَ في قَتْلِ عَبْدِه، فقَتَلَه، لَزِمَه كفَّارَةٌ للهِ، وأَثِمَ، ولو أذِنَ في إتْلافِ مالِه، سقَطَ الضَّمانُ والمَأْثَمُ، ولا كفَّارَةَ. وقال بعدَ ذلك: يُمْنَعُ مِن تَضْيِيعِ الحَبِّ والبَذْرِ في الأرْضِ السَّبِخَةِ بما يقْتَضِي أنَّه محَلُّ وفاقٍ. قال في «الفُروعِ»: وسبَقَ أنَّه يَحْرُمُ، في الأشْهَرِ، دَفْنُ شيءٍ مع الكَفَنَ. قوله: وإنْ فتَح قَفَصًا عن طائرِه، أو حَلَّ قَيدَ عَبْدِه، أو رِباطَ فَرسِه، ضَمِنَه. هذا المذهبُ مُطْلَقا، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمة في «الفُروعِ» وغيرِه. قال في «التَّلْخيصِ»: قال أصحابُنا: يَلْزَمُه الضَّمانُ في جميعِ ذلك، سواءٌ تعَقَّبَ ذلك فِعْلَه، أو تَراخَى عنه. قال في «القَواعِدِ»: ذكَرَه القاضي، والأكْثَرون.

стр. 7202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال الحارِثِيُّ: لا يخْتَلِفُ فيه المذهبُ. وقال في «الفُنونِ»: إنْ كان الطائِرُ مُتَأَلِّفًا، لم يَضْمَنْه. وقال أيضًا: الصَّحيحُ التَّفْرِقَةُ بينَ ما يُحالُ الضَّمانُ على فِعْلِه؛ كالآدَمِيِّ، وبينَ ما لا يُحالُ عليه الضَّمانُ؛ كالحَيواناتِ والجَماداتِ، فإذا حلَّ قَيدَ العَبْدِ، لم يَضمَنْ. وقيل: لا يضْمَنُ إلَّا إذا ذهَبُوا عَقِبَ الفَتْحِ. والحَلِّ. فعلى المذهبِ، يَضْمَنُه، سواءٌ ذهَبَ عَقِبَ فِعْلِه، أو مُتَراخِيًا عنه، وسواءٌ هيَّجَ الطَّائِرَ والدَّابَّةَ حتى ذهَبا، أو لم يُهَيِّجْهما. قاله الأصحابُ. فوائد؛ إحْداها، لو بَقِيَ الطَّيرُ والفَرَسُ بحالِهما، حتى نفَّرَهما آخَرُ، ضَمِنَهما المُنَفِّرُ. جزَم به في «المُغْنِي» , و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»،

стр. 7203

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ و «الرعايةِ»، وغيرِهم. الثَّانيةُ، لو دفَع مِبْرَدًا إلى عَبْدٍ فبَرد به قَيدَه، فهل يضْمَنُه، أم لا؟ وحكَى في «الفُضولِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايةِ» فيه احْتِمَالين، وحَكاهما في «الفُروعِ» وَجْهَين، وأطْلَقُوهما. قلتُ: الصَّوابُ الضَّمانُ. وهو ظاهرُ ما قدَّمه الحارِثِيُّ. ولو دفَع مِفْتاحًا إلى لِصٍّ، لم يَضمَنْ. الثَّالثةُ، لو حَلَّ قَيدَ أسيرٍ، ضَمِنَ، كحَلِّ قَيدِ العَبْدِ، وكذا لو فتَح الإِصْطَبْلَ، فضاعَتِ الدَّابَّةُ، وكذا لو حَلَّ رِباطَ سَفِينَةٍ، فغَرِقَتْ، وسواءٌ كان لعُصُوفِ رِيحٍ، أو لا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وعلى قَوْلِ القاضي: لا يضْمَنُ العُصُوفَ. الرَّابعةُ، قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لو غَرِمَ بسَبَبِ كَذِبٍ عليه، عندَ وَلِيِّ الأمْرِ، رجَع على الكاذِبِ. قلتُ: وهو صَحيحٌ. وتقدَّم ذلك وغيرُه في بابِ الحَجْرِ. الخامسةُ، لو كانتِ الدَّابَّةُ المَحْمُولَةُ عَقُورًا وجَنَتْ، ضَمِنَ جنايَتَها. ذكَرَه ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه، واقْتَصَر عليه في «شَرْحِ الحارِثِيِّ» , كما لو حلَّ سِلْسِلَةَ فَهْدٍ، أو ساجُورَ كَلْبٍ، فعقَرَ. وإنْ أفْسَدَتْ زَرْعَ إنْسانٍ، فكإفسادِ دابَّةِ نفْسِه، على ما سيَأْتِي. السَّادِسَةُ، لو وثَبَتْ هِرَّةٌ على الطَّائرِ بعدَ الفَتْحِ، ضَمِنَه. وقد تضَمَّنَه كلامُ المُصَنِّفِ. وكذا لو كسَر الطَّائرُ في خُروجِه قارُورَة، ضَمِنَها.

стр. 7204

أَوْ وكَاءَ زِقِّ مَائِعٍ، أَوْ جَامِدٍ فَأذَابَتْهُ الشَّمْسُ، أَوْ بَقِيَ بَعْدَ حَلِّهِ قَاعدًا فَأَلقَتْهُ الرِّيحُ فَانْدَفَقَ، ضَمِنَهُ. وَقَال الْقَاضِي: لَا يَضْمَنُ مَا أَلْقَتْهُ الرِّيحُ. ــ قوله: أو حَلَّ وكاءَ زِقِّ مائعٍ أو جامِدٍ، فأذابَتْه الشَّمْسُ، أو بَقِيَ بعدَ حَلِّه قاعِدًا، فأَلْقَتْه الرِّيحُ، فانْدَفَقَ، ضَمِنَه. إذا حَلَّ وكاءَ زِقِّ مائعٍ فانْدفَقَ، ضَمِنَه، بلا نِزاعٍ أعْلَمُه. وإنْ كان مُنْتَصِبًا، فسَقَطَ برِيحٍ، أو زَلْزَلَةٍ، أو طائر، ضَمِنَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الحارِثِيِّ»، ونَصرَه المُصَنِّفُ. وقال القاضي: لا يَضمَنُ ما ألْقَتْه الرِّيحُ. وكذا قال أبو الخَطَّابِ وغيرُه. وقال

стр. 7205

وَإِنْ رَبَطَ دَابَّةً في طَرِيقٍ فَأَتْلَفَتْ، أَو اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا فَعَقَرَ، أَوْ خَرَقَ ثَوْبًا ضَمِنَ. ــ الحارِثِيُّ: وعنِ القاضي، وابنِ عَقِيلٍ، لا يَضْمَنُ. وقدَّمه في «التَّلْخيصِ». وإنْ ذابَ بالشَّمْسِ وانْدفَقَ، ضَمِنَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قال الحارِثِيُّ: وافَقَ على ذلك القاضي، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ». وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، وغيرِهما. وقال في «الفائقِ»: قال القاضي: لا يَضْمَنُ، فلعَلَّ له قولَين. وقال ابنُ عَقِيلٍ: عندِي، لا فَرْقَ بينَ حَرِّ الشَمْسِ وهُبوبِ الرِّيحِ؛ فإمَّا أنْ يسْقُطَ الضَّمانُ في المَوْضِعَين، أو يجِبَ فيهما. واخْتارَ أنَّه لا ضَمانَ هنا أيضًا. وقال في «الفُروعِ»: وإنْ حَلَّ وعاءً فيه دُهْنٌ جامِدٌ، فذَهَبَ برِيحٍ ألْقَتْه، أو شَمْسٍ، فوَجْهان. قوله: وإنْ ربَط دَابَّةً في طَرِيقٍ فأَتْلَفتْ، ضَمِنَ. شَمِلَ مَسْأَلتَين؛ إحْداهما،

стр. 7206

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنْ يكونَ الطَّرِيقُ ضَيقًا، فيَضْمَنَ ما أتْلَفَتْ. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الفُروعِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، وغيرِهم. وقاله ابنُ عَقِيلٍ، وابنُ البَنَّا، ولو كان ما أتْلَفَتْه بنَفْحِ رِجْلِها. نصَّ عليه. ومَن ضرَبَها، فرفَسَتْه، فماتَ، ضَمِنَه. ذكَرَه في «الفُنونِ». والمَسْألَةُ الثَّانيةُ، أنْ تكونَ الطَّرِيقُ واسِعَةً. فظاهرُ ما قطَع به المُصَنِّفُ هنا، أنَّه يَضْمَنُ. قال الحارِثِيُّ: وكذا أوْرَدَه ابنُ أبِي مُوسى، وأبو الخَطَّابِ، مُطْلَقًا، ونصَّ عليه أحمدُ. انتهى. قلتُ: وهو ظاهرُ ما جزَم به في «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»؛ لإطْلاقِهم الضَّمانَ. وقدَّمه في «القاعِدَةِ الثَّامِنَةِ والثَّمانِين»، وقال: هذا المَنْصوصُ. وذكَر النُّصوصَ في ذلك. والروايةُ الثَّانيةُ، لا يَضْمَنُ إذا لم تَكُنْ في يَدِه. ذكَرَها القاضي في «المُجَرَّدِ». وهو ظاهرُ ما جزَم به في «الوَجيزِ». وقدمه في «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». وأطْلَقهما في «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، و «الفُروعِ»، و «القَواعدِ

стр. 7207

إلَّا أَنْ يَكُونَ دَخَلَ مَنْزِلَهُ بِغيرِ إِذْنِهِ. ــ الأُصُولِيَّةِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ». وقال القاضي في كتابِ «الرِّوايتَين» وغيرِه: ظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه لا يَضْمَنُ إذا كان واقِفًا لحاجَةٍ، والطَّرِيقُ واسِعٌ. قال الحارِثِيُّ: وهو الأَقْوَى نظَرًا. فائدة: لو تَرَكَ طِينًا في طَرِيقٍ، فزَلَقَ فيه إنْسانٌ، أو خَشَبَةً، أو عَمُودًا، أو حجَرًا، أو كِيسَ دَراهِمَ. نصَّ عليه، أو أسْنَدَ خَشَبَةً إلى حائطٍ، فتَلِفَ به شيءٌ، ضَمِنَه. جزَم به في «الفُروعِ» وغيرِه. ويأتِي في أوَّلِ كتابِ الدِّياتِ؛ إذا صبَّ ماءً في طَريقٍ، أو بالتْ فيها دابَّتُه، أو رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ، فتَلِفَ به إنْسانٌ، في كلامِ المُصَنِّفِ. قوله: أَو اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا فعَقَر، أو خرَق ثَوْبًا، إلَّا أَنْ يكونَ دخَل مَنْزِلَه بغيرِ إذْنِه. إذا دخَل بَيتَه بإذْنِه، فعَقَرَه، أو خرَق ثَوْبَه، أو فعَل ذلك خارِجَ البَيتِ، ضَمِنَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. قال الحارِثِيُّ: يَضْمَنُ بغيرِ خِلافٍ في المذهبِ، إذا فعَل ذلك خارِجَ المَنْزِلِ. وقال: إذا دخَل بإذْنِه، يَنْبَغِي تَقْيِيدُه بما، إذا لم يُنَبِّهْه على الكَلْبِ، أو على

стр. 7208

وَقِيلَ: في الْكَلْب رِوَايَتَانِ في الْجُمْلَةِ. ــ كوْنِه غيرَ مُوثَقٍ، أمَّا إنْ نبَّه، فلا ضَمانَ. قال في «الرِّعايةِ»: إنْ عقَر خارِجَ الدَّارِ، ضَمِنَ، إنْ لم يَكُفَّه رَبُّه، أو يُحَذِّرْ منه. انتهى. وعنه، لا يَضْمَنُ. اخْتارَه الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ. وإنْ دخَلَ بَيتَه بغيرِ إذْنِه، ففَعل ذلك به، لم يَضْمَنْ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وعنه، يَضْمَنُ أيضًا. اخْتارَه القاضي في «الجامعِ». نقلَ حَنْبَلٌ، إذا كان الكَلْبُ مُوثَقًا، لم يَضْمَنْ ما عقَر. قوله: وقِيلَ: في الكَلْبِ رِوايَتان في الجُمْلَةِ. يعْنِي رِوايتَين مُطْلقَتين، سواءٌ دخَل بإذْنٍ، أو لا، وسواءٌ كان في مَنْزِلِ صاحِبِه، أو خارِجًا عنه. ذكَرَه الشَّارِحُ. قال الحارِثِيُّ: أوْرَدَ المُصَنِّفُ في «كِتابَيه»، وابنُ أبِي مُوسى، والقاضي في «المُجَرَّدِ»، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ» ذلك مِن غيرِ خِلافٍ في شيءٍ مِن ذلك. وحكَى القاضي في «الجامعِ الصَّغِيرِ»، في الضَّمانِ مُطْلَقًا مِن غيرِ تَقيِيدٍ

стр. 7209

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بإذْنٍ، رِوايتَين، وهو ما حكَى أبو الخَطَّابِ في «كِتابَيه» عنِ القاضي، وأوْرَدَه المُصَنِّفُ هنا. وجرَى كل حِكايَةِ هذا الخِلافِ جماعَةٌ مِن أئِمَّةِ المذهبِ؛ الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ، وأبو الخَطَّابِ، وأبو الحَسَنِ بنُ بَكْرُوسٍ، في «كُتُبِهم الخِلافيَّةِ»، واخْتَلَفُوا؛ فمنهم مَن صحَّح الضَّمانَ، وهو القاضي في «الجامعِ»، ومنهم مَن عكَس، وهو قَوْلُ الشَّرِيفِ، والظَّاهِرُ مِن كلامِ أبِي الخَطَّابِ، وابنِ بَكْرُوسٍ. قال: وقَوْلُ المُصَنِّفِ. وقيلَ: في الكَلْبِ رِوايَتان. قال شيخُنا ابنُ أبِي عُمَرَ في «شَرْحِه»: سواءٌ كان في مَنْزِلِ صاحبِه، أو خارِجًا، وسواءٌ دخَلَ بإذْنِ صاحبِ المَنْزِلِ، أو لا. قال: وليس كذلك، فإنَّ كلامَ أبِي الخَطَّابِ، الذي أخَذ منه المُصَنِّفُ ذلك، إنَّما هو وارِدٌ في حالةِ الدُّخولِ، والإِجْمالُ فيه عائلٌ على الإِذْنِ وعدَمِه. وكذلك أوْرَدَ السَّامَرِّيُّ في «كِتابِه»؛ فقال: إنِ اقْتَنَى في مَنْزِلِه كَلْبًا عَقُورًا، فعَقَر فيه إنْسانًا؛ إنْ كان دخَل بغيرِ إذْنِه، فلا ضَمانَ، وإنْ كان بإذْنِه، فعليه الضَّمانُ. قال: وخرَّجَها القاضي على رِوايتَين؛ الضَّمانُ، وعدَمُه، فإنْ عقَر خارِجَ المَنْزِلِ، ضَمِنَ. ذكَرَه ابنُ أبِي مُوسى. انتهى. قال الحارِثِيُّ: فخَصَّصَ الخِلافَ بحالةِ العَقْرِ داخِلَ المَنْزلِ دُونَ خارِجِه. وهو الصَّحيحُ. انتهى. وهذا قطَع به ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه». فوائد؛ الأُولَى، إفْسادُ الكَلْبِ بما عَدا العَقْرَ؛ كبوْلِه ووُلُوغِه في إناءِ الغيرِ، لا يُوجِبُ ضَمانًا. ذكَرَه المُصَنِّفُ وغيرُه، واقْتَصَر عليه الحارِثِيُّ. وكذلك

стр. 7210

وَإِنْ أَجَّجَ نَارًا فِي مِلْكِهِ، أَوْ سَقَى أَرْضَهُ، فَتَعَدَّى إلَى مِلْكِ ــ لا يَضْمَنُ ما أتْلَفَه غيرُ العَقُورِ ليلًا ونَهارًا. قاله المُصَنِّفُ وغيرُه، وهو ظاهِرُ كلامِ الأصحابِ؛ لتَقْيِيدِهم الكَلْبَ بالعَقُورِ. قال الحارِثِيُّ: وكلامُ المُصَنِّفِ مَحْمولٌ على ما يُباحُ اقْتِناؤُه، وأمَّا ما يَحْرُمُ، كالكَلْبِ الأسْوَدِ، فيَجِبُ الضَّمانُ؛ لأنَّه في مَعْنَى العَقُورِ في مَنْعِ الاقْتِناءِ، واسْتِحْقاقِ القَتْلِ. وكذلك ما عَدا كَلْبَ الصَّيدِ والحَرْثِ والماشِيَةِ؛ لأنَّه في مَعْنَى ما تقدَّم، فيَحْصُلُ العُدْوانُ بإمْساكِه. انتهى. الثَّانيةُ، لو اقْتَنَى أسَدًا أو نَمِرًا أو ذِئْبًا، ونحوَ ذلك مِنَ السِّباعِ المُتَوَحِّشَةِ، فكالكَلْبِ العَقُورِ فيما تقدَّم؛ لأنَّه في مَعْناه وأوْلَى؛ لعدَمِ المَنْفَعَةِ. الثَّالثةُ، لو اقْتَنَى هِرَّةً تأْكُلُ الطُّيورَ، وتَقْلِبُ القُدورَ في العادَةِ، فعليه ضَمانُ ما تُتْلِفُه ليلًا ونَهارًا، كالكَلْبِ. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وقالُوا، إلَّا صاحِبَ «الفُروعِ»: قاله القاضي. قال الحارِثِيُّ: ذكَرَه أصحابُنا. فإنْ لم يكُنْ مِن عادَتِها ذلك، فلا ضَمانَ. قاله الأصحابُ. ولو حصَلَ عندَه كَلْبٌ عَقُورٌ، أو سِنَّوْرٌ ضارٌّ مِن غيرِ اقْتِناءٍ واخْتِيارٍ، وأفْسَدَ، لم يَضمَنْ. الرَّابعةُ، يجوزُ قَتْلُ الهِرِّ بأَكْلِ لَحْمٍ، ونحوه. على الصَّحيحِ بِنَ المذهبِ. قدَّمه في «الفُروعِ». وقال في «الفُصولِ»: له قَتْلُها حينَ أَكْلِها فقط. واقْتصَرَ عليه الحارِثِيُّ، ونصَرَه. وقال في «التَّرْغِيبِ»: له قَتْلُها إذا لم تَنْدَمعْ إلَّا به، كالصَّائلِ. قوله: وإِنْ أجَّجَ نارًا في مِلْكِه، أو سَقَى أَرْضَه فتَعَدَّى إلى مِلْكِ غيرِه فأَتْلَفَه، ضَمِنَه، إذا كانَ قد أَسْرَفَ فيه، أو فرَّطَ، وإلَّا فلا. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. قال في «الفُروعِ»: والمُرادُ، لا بطَرَيانِ رِيحٍ. ولهذا قال في

стр. 7211

غَيرِهِ فَأَتْلَفَهُ، ضَمِنَ إِذَا كَانَ قَدْ أَسْرَفَ فِيهِ، أوْ فَرَّطَ، وَإلَّا فَلَا. ــ «عُيونِ المَسائلِ»: لو أجَّجَها على سَطْحِ دارٍ، فَهبَّتِ الرِّيحُ، فأطارَتِ الشَّرَرَ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه في مِلْكِه، ولم يُفَرِّطْ، وهُبوبُ الرِّيحِ ليس مِن فِعْلِه، بخِلافِ

стр. 7212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما لو أوْقَفَ في دابَّته في طَريقٍ فبالتْ، أو رَمَى فيها قِشْرَ بِطِّيخٍ؛ لأنَّه في غيرِ مِلْكِه، فهو مُفَرِّطٌ. قال في «الفُروعِ»: وظاهِرُه، لا يَضْمَنُ في الأُولَى مُطْلقًا. انتهى. وقال في «الرِّعايةِ»، بعدَ ذِكْرِ المَسْألَةِ: قلتُ: وإنْ كان المَكانُ مَغْصُوبًا، ضَمِنَ مُطْلَقًا. يعْنِي، سواءٌ فرَّطَ أو أسْرَفَ، أو لا، إنْ لم يكُنْ للسَّطْحِ سُتْرَةٌ وبقُرْبِه زَرْعٌ، ونحوُه، والرِّيحُ هابَّةٌ، أو أرْسَلَ في الماءِ ما يَغْلِبُ ويَفِيضُ، ضَمِنَ. وقيل: مَن أجَّجَ نارًا في مِلْكٍ بيَدِه له أو لغيرِه بإيجارٍ أو إعارَةٍ، وأسْرَفَ، ضَمِنَ، وإلَّا فلا، وإنْ مُنِعَ مِن ذلك لأَذَى جارِه، ضَمِنَ، وإنْ لم يُسْرِف. انتهى. فائدة: قال الحارِثِيُّ: قوْلُه: أسْرَفَ فيه أو فَرَّطَ. يُغْنِي الاقْتَصارُ على لَفْظِ «التَّفْرِيطِ»؛ لدُخولِ الإِسْرافِ فيه. انتهى. قلتُ: الذي يَظْهَرُ، أنَّ الأمْرَ ليس

стр. 7213

وَإِنْ حَفَرَ في فِنَائِهِ بِئْرًا لِنَفْسِهِ، ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهَا. ــ كذلك، وأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَنْفَكُّ عنَ الآخَرِ؛ لأنَّ الإِسْرافَ مُجاوَزَةُ الحَدِّ عَمْدًا عُدْوانًا. وأمَّا التَّفْريطُ فهو التَّقْصِيرُ في المأْمُورِ. ولذلك قال بعضُ المُحَققِين مِنَ الأصحابِ: فرَّطَ أو أفْرَطَ. قوله: وإنْ حفَر في فِنائِه بِئْرًا لنَفْسِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ بها. هذا المذهبُ، بلا رَيب، نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ. وجوَّزَ بعضُ الأصحابِ حَفْرَ بِئْرٍ لنَفْسِه في فِنائِه بإذْنِ الإِمامِ. ذكَرَه القاضي. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: نَقْلتُه مِن خَطِّه، في مَسْألَةٍ حدَثَتْ في زَمَنِه. قال في «القاعِدَةِ الثَّامِنَةِ والثَّمانِين»: وفي «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»، له التَّصَرُّفُ في فِنائِه بما شاءَ مِن حَفْرٍ وغيرهِ، إذا لم يَضُرَّ. وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ومَن لم يسُدَّ بِئْرَه سَدًّا يَمْنَعُ مِنَ الضَّرَرِ، ضَمِنَ ما تَلِفَ بها. ويأْتِي ذلك أيضًا في أوَّلِ كتابِ الدِّياتِ. فائدة: لو حفَر الحُرُّ بِئْرًا بأُجْرَةٍ، أو لا، وثبَتَ عِلْمُه أنَّها في مِلْك غيرِه، نصَّ

стр. 7214

وَإِنْ حَفَرَهَا في سَابِلَةٍ؛ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَضْمَنْ، في أَصَحِّ الرِّوَايَتَينِ. ــ عليه، ضَمِنَ الحافِرُ. قاله القاضي، وابنُ عَقِيل، والمُصَنِّفُ، وغيرُهم مِنَ الأصحابِ. وقدَّمه في «الفُروعِ»، وقال: ونصُّه، هما. وقدَّمه الحارِثِيُّ، وقال: هو مُقْتَضَى إيرادِ ابنِ أبِي مُوسى، يَعْنِي، أنَّهما ضامِنان، وإنْ جَهِلَ، ضَمِنَ الآمِرُ. وقيل: الحافِرُ، ويرْجِعُ على الآمِرِ. قوله: وإنْ حفَرَها في سابِلَةٍ؛ لنَفْعِ المُسْلِمِين، لم يَضْمَنْ في أصَحِّ الرِّوايتَين. يعْنِي، إذا لم يَكُنْ فيه ضَرَرٌ. وهذا المذهبُ بهذا الشَّرْطِ. قال في «الوَجيزِ» وغْيرِه: إنْ كانتِ السَّابِلَةُ واسِعَةً. وهو قيدٌ حَسنٌ, كما يأْتِي. جزَم به ابنُ أبي

стр. 7215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُوسى، والقاضي في «الجامعِ الصَّغِيرِ»، وأبو الفَرَجِ الشِّيرازِيُّ، وصاحِبُ «الوَجيزِ»، وغيرُهم. قال في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَب»، و «الخُلاصَةِ»: لم يضْمَنْ في أصحِّ الرِّوايَتْين. وصحَّحه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ أيضًا، والنَّاظِمُ. وقدَّمه في «الفروعِ»، و «الفائقِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «المُحَرَّرِ». وعنه، يضْمَنُ. ولم يذْكُرِ القاضي غيرَ هذه الرِّوايَةِ. قال الحارِثِيُّ: وهذا له قُوَّةٌ، وإنْ كان المُصَنِّفُ، وأبو الخَطَّابِ صحَّحا غيرَه. وعنه، لا يضْمَنُ إنْ كانَ بإذْنِ الإِمامِ، وإلَّا ضَمِنَ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: قال بعضُ أصحابِنا: لا يَضْمَنُ إذا كانَ بإذْنِ الإِمامِ. قال
следующие страницы →