. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصَّغِيرِ». وقطَع به ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وقال المُصَنِّفُ: والذي يقْوَى عندِي، أنّه متى كان المَتْروكُ لا يفْضُلُ عن غِنَى الوَرَثَةِ، لا تُسْتَحَبُّ الوَصِيَّة. واخْتارَه في «الفائقِ». وقيل: هو مَن كان له أكثرُ مِن ثلاثةِ آلافٍ. وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «المُسْتَوْعِبِ». وقال في «الوَجيز»: تُسَنُّ لمَن ترَك وَرَثَة وألْفَ دِرْهَم فصاعِدًا، لا دُونَها. وقاله أبو الخَطَّابِ وغيرُه.
стр. 8087
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فائدة: المُتَوَسِّطُ في المالِ، هو المَعْروفُ في عُرْفِ النَّاسِ بذلك. على الصحيح مِنَ المذهبِ. جزَم به في «الرِّعايةِ الصُّغْرَى». وقدَّمه في «الرِّعايةِ الكُبْرى». وقيل: المُتَوَسِّطُ؛ مَن له ثلاثةُ آلافِ دِرْهَم، والفَقِيرُ؛ مَن له دُونَها. وجزَم جماعَةٌ مِنَ الأصحابِ، أن المُتَوَسِّطَ، مَن مَلَك مِن ألْفٍ إلى ثلاثةِ آلافٍ؛ منهم صاحِبُ «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ». وقيل: الفَقِيرُ؛ مَن له دُونَ ألْفٍ. ونقَلَه ابنُ مَنْصُورٍ. قال في «الفُروعِ»: قال
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «الشَّرْحِ». وقدمه في «الفُروعِ»، و «الفائقِ». وقال النَّاظِمُ: يُسْتَحَب لمَن له مالٌ كثيرٌ، ووارِثُه غَنِيٌّ، الوَصِيَّةُ (١) بخُمْسِ مالِه. وقيل: بثُلُثِ مالِه عندَ كثرتِه. اخْتارَه القاضي، وأبو الخَطابِ، وابنُ عَقِيل. قال الحارِثي: وهو المَنْصوصُ. وقال في «الإفْصاحِ»: تُسَن الوَصِيَّةُ بدُونِ الثلُثِ. وقال في
стр. 8090
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ» , و «المُسْتَوْعِب»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرعايتَين»، وغيرِهم: يُسْتَحَبُّ للغنِيِّ الوَصِيَّةُ بثُلُثِ مالِه، وللمُتَوَسِّطِ بالخُمسِ. ونقَل أبو طالبٍ، إنْ لم يَكُنْ له مال كثيرٌ؛ ألْفان أو ثلاثة، أوْصَى بالخُمْسِ، ولم يُضَيِّقْ على وَرَثَتِه، وإنْ كان له (١) مالٌ كثيرٌ، فبالرُّبْع، أو الثُّلُثِ. وأطْلَقَ في «الغُنْيَةِ» اسْتِحْبابَ الوَصِيَّةِ بالثُّلُثِ لقريبٍ فقير، فإن كان القريبُ غَنِيًّا؛ فلمِسْكِين، وعالِمٍ، ودَيِّنٍ، قَطَعَهم عن السَّبَبِ القدَرُ، وضيَّقَ عليهم الوَرَعُ الحَرَكةَ فيه، وانْقَلَبَ السَّبَبُ عندَهم فترَكُوه، ووَثِقُوا بالحقِّ. انتهى. وكذا قيَّد المُصَنِّفُ في «المُغْنِي» اسْتِحْبابَ الوَصِيَّةِ بالثُّلُثِ لقريب فقير. قال في «الفُروعِ»: مع أنّ دَليلَه عامٌّ.
стр. 8091
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: وتُكْرَهُ لغيرِه، إنْ كان له وَرَثَة. أي، تُكْرَهُ الوَصِيَّةُ لغيرِ مَن ترَك خَيرًا، فتُكْرَهُ للفَقيرِ الوَصِيَّةُ مُطْلَقًا. على الصّحيحِ مِنَ المذهب. نقَل ابنُ مَنْصُور، لا يُوصِي بشيءٍ. قال في «الوَجيزِ»: لا تُسَنُّ لمَن ترَك أقل مِن ألْفِ دِرْهَم. وقدَّمه في «الفُروعِ». وقيل: تُكْرَهُ إذا كان ورَثته مُحْتاجِين، وإلَّا فلا. قال في «التبصِرَةِ»: رَواه ابنُ مَنْصُور، وقاله في «المُغنِي» وغيرِه. وجزَم به في «الرِّعايتَين»، و «النَّظْمِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفائقِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ». قلتُ: وهو الصَّوابُ. وتقدّم إطْلاقُه في «الغُنْيَةِ» اسْتِحْبابَ الوَصِيَّةِ بالثُّلُثِ. وتقدّم ما اخْتارَه المُصَنِّفُ.
стр. 8092
فَأمَّا مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، فَتَجُوزُ وَصِيَّتُهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ. وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ إلَّا الثُّلُثُ.
ــ
قوله: فأمَّا مَن لا وارِثَ له، فتجُوزُ وَصِيته بجميعِ مالِه. هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ؛ منهم أبو بَكْر، والقاضي، والشَّرِيفُ، وأبو الخَطابِ، والشِّيرازِيُّ، والمُصَنِّفُ، وغيرُهم. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في
стр. 8093
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«الفُروعِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرّعايتَين»، و «الحاوي الضغِيرِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. وصحّحه في «النَّظْمِ» وغيرِه. وعنه، لا تجوزُ إلا بالثُّلُثِ. نصَّ عليه، في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ. قال أبو الخَطابِ في «الانْتِصارِ»: هذه الرّوايَةُ صَرِيحَةٌ في منْعِ الرَّدِّ، وتَوْريثِ ذوي الأرْحام. وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ». وقيل: تجوزُ بمالِه كلّه، إذا كان وارِثُه ذا رَحِمٍ. قال الشارِحُ: وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيّ. وأطْلَقَ في «الفائقِ»، في ذَوي الأرْحامِ، وَجْهَين. قال في «القاعِدَةِ التَّاسِعَةِ والأرْبَعِين بعدَ المِائَةِ»: بَناهما بعضُ الأصحاب على أن الحق لغيرِ مُعَيَّنٍ. وبَناهما القاضي على أن بيتَ المالِ؛ هل هو جِهَةٌ ومَصْلَحَةٌ، أو وارِثٌ؟ فإنْ قيلَ: هو جِهَة ومَصْلَحَة. جازَتِ الوَصِيَّةُ
стр. 8094
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بجميعِ مالِه. وإنْ قيل: هو وارِثٌ. فلا تجوزُ إلَّا بالثُّلُثِ. وتابَعَه في «الفُروعِ» وغيرِه. ويأتِي الكلامُ في ذلك مُسْتَوْفُىٍ، في آخِرِ باب أصُولِ المَسائلِ. فعلى المذهبِ، لو ماتَ وتَرَك زَوْجًا أو زَوْجَة، لا غيرُ، وأوصَى بجميعِ مالِه ورُدَّ، بَطَلَتْ في قَدْرِ فَرْضِه مِنَ الثلُثَين، فيأخُذُ المُوصَى له الثُّلُثَ، ثم يأخُذُ أحدُ الزوْجَين فَرْضَه مِنَ الباقي؛ وهو الثُّلُثان، فيَأخُذُ الرُّبعَ، إنْ كان زَوْجَةً، والنِّصْفَ، إنْ كان زَوْجًا، ثم يأخُذُ المُوصَى له الباقِي مِنَ الثُّلُثَين. وهذا الصحيحُ مِنَ المذهبِ. اخْتارَه
стр. 8095
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفائقِ». وقدَّمه في «الرِّعايةِ الكُبْرى»، و «الفُروعِ». وجزَم به في «المُحَررِ»، و «النظمِ»، و «الرِّعايةِ الصغْرى»، و «الحاوي الصغِيرِ». وقيل: لا يأخُذُ المُوصَى له مع أحَدِ الزَّوْجَين سِوَى الثلُثِ. وقدمه في «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ». قلتُ: وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، وصاحِبِ «الوَجيزِ»، وغيرِهما؛ حيثُ قالوا: ولا يجوزُ لمَن له وارِث الوَصِيَّةُ (١) بزِيادَة على الثلُثِ.
стр. 8096
وَلَا تَجُوزُ لِمَنْ لَهُ وَارِث بِزِيَادَةٍ عَلى الثُّلُثِ لأجْنَبِيٍّ، وَلَا لِوَارِثِهِ بِشَيْءٍ إلَّا بِإجَازَةِ الْوَرَثَةِ.
ــ
فائدتان؛ إحْداهما، وكذا الحُكْمُ لو كان الوارِثُ واحِدًا مِن أهْلِ الفُروضِ، وقُلْنا بعدَمِ الرَّدِّ. قاله في «الرعايةِ» وغيرِها. الثَّانيةُ، لو أوْصَى أحدُ الزَّوْجَين للآخَرِ، فله على الروايَةِ الأولَى المالُ كله إرْثًا ووَصِيَّةً. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقيل: لا تصِحُّ. وله على الروايَةِ الثَّانيةِ الثُّلُثُ بالوَصِيَّةِ، ثم فرْضُه مِنَ الباقي، والبَقِيَّةُ لبَيتِ المالِ.
قوله: ولا تَجُوزُ لمَن له وارِثٌ بزِيادَةٍ على الثُّلُثِ لأجْنَبِيّ، ولا لوارِثِه بشيء إلَّا بإجازَةِ الوَرَثَةِ. يَحْرُمُ عليه فِعْلُ ذلك. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نصَّ عليه. وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الفائقِ». وقيل: يُكْرَهُ له ذلك. قال في «الفُروعِ»: وقال في «التبصِرَةِ»: يُكْرَهُ.
стр. 8097
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قلتُ: وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «النَّظْمِ»، وغيرِهم. وجزَم به في «الرِّعايةِ الكُبْرى»، في الثانيةِ. وقدَّمه في الأولَى. وعنه، يُكْرَهُ في صِحَّتِه مِن كلِّ مالِه. نَقَلَه حَنْبَلٌ. قلت: الأوْلَى الكَراهَةُ. ولو قيلَ بالإباحَةِ، لكان له وَجْهٌ.
قوله: إلَّا بإجازَةِ الوَرَثَةِ. يَعْنِي، أنها تصِحُّ بإجازَةِ الوَرَثَةِ، فتكونُ مَوْقوفَةً
стр. 8098
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليها. وهذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليهَ جماهيرُ الأصحابِ. صحَّحه في «الفُروعِ» وغيرِه. وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهما. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: هذا ظاهِرُ المذهبِ. قال الزَّرْكَشِي: هو المَشْهورُ المَنْصُورُ في المذهبِ؛ حتى أنَّ القاضِيَ في «التَّعْليقِ»، وأبا الخَطَّابِ في
стр. 8099
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«خِلافِه»، والمَجْدَ، وجماعَةً، لم يحْكُوا فيه خِلافًا. وعنه، الوَصِيَّةُ باطِلَةٌ، وإنْ أجازَها الوَرَثَةُ، إلا أنْ يُعْطُوه عَطيَّةً مُبْتَدَأةً. واخْتارَه بعضُ الأصحابِ. وهو وَجْهٌ في «الفائقِ» في الأجْنَبِيِّ، ورِوايَةٌ في الوارِثِ.
تنبيه: يُسْتَثْنَى مِن كلامِ المُصَنفِ، إذا أوْصَى بثُلُثِه يكونُ وَقْفًا على بعضِ وَرَثَتِه، فإنَّه يصِحُّ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، على ما تقدَّم في الهِبَةِ. وفيه قولٌ اخْتارَه المُصَنفُ بعدَمِ الصِّحَّةِ. فيكونُ ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ مُوافِقًا لما اخْتارَه.
وَإنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالْوَصَايَا، تَحَاصُّوا فِيهِ، وَأُدْخِلَ النَّقْصُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ وَصِيَّتهِ. وَعَنْهُ، يُقَدَّمُ الْعِتْقُ.
ــ
وَجْهَين. وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الفائقِ»؛ أحدُهما، تَصِحُّ. وهو الصَّحيحُ. قال في «الفُروعِ»: وتصِحُّ مُعاوَضَةُ مريضٍ بثَمَنِ مِثْلِه، وعنه، مع وارثٍ بإجازَةٍ، اخْتارَه في «الانْتِصارِ»، لفَواتِ حَقِّه مِنَ المُعَيَّنِ. ثم قال: ومِثْلُها وَصِيَّة لكُلِّ وارِثٍ بمُعَيَّن بقَدْرِ حَقه. وصحَّحه في «التصْحيحِ»، و «الحارِثِيِّ». وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «إدْراكِ الغايةِ»، و «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». والوَجْهُ الثَّاني، لا تصِحُّ إلَّا بإجازَةِ الوَرَثَةِ. صحَّحه في «المُذْهَبِ»، و «النَّظْمِ».
قوله: وإنْ لم يَفِ الثُّلُثُ بالوَصَايا، تحاصُّوا فيهِ، وادْخِلَ النَّقْصُ على كُل
وإجَازَتُهُمْ تَنْفِيذٌ في الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَلَا تَفْتَقِرُ إلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ، وَلَا تَثْبُتُ أحكَامُهَا فِيهَا. فَلَوْ كَانَ الْمُجِيزُ أبا لِلْمُجَازِ لَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُجَازُ عِتْقًا كَانَ الْوَلَاءُ لِلْمُوصِي يَخْتَصُّ بِهِ عَصبَتُهُ، وَلَوْ كَانَ وَقْفًا عَلَى الْمُجِيزِينَ، صَحَّ. وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّ الْإجَازَةَ هِبَة، فَتَنْعكِسُ هَذِهِ الْأحْكَامُ.
ــ
قوله: وإجازَتُهما تَنْفِيذ في الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وهو كما قال. قال في «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: أشْهَرُ الروايتَين، أنَّها تَنْفِيذ. قال الزَّرْكَشِي: هذا المَشْهورُ
стр. 8105
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المَنْصورُ في المذَهبِ. وجزَم به جماعَة. انتهى. قال في «الفائقِ» وغيرِه: والإجازَةُ تنْفيذٌ، في أصَحِّ الرِّوايتَين. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدمه في «الفُروعِ» وغيرِه. قال الشَّارِحُ: لأنَّ ظاهِرَ المذهبِ، أن الوَصِيَّةَ للوارِثِ والأجْنَبِيِّ بالزِّيادةِ على الثُّلُثِ صَحيحةٌ مَوْقوفَةٌ على إجازَةِ الوَرَثَةِ، فعلى هذا تكونُ إجازَتُهم تنْفِيذًا، وإجازَةً محْضَةً، يكْفِي فيها قوْلُ الوارِثِ: أجَزْتُ. أو أمْضَيتُ. أو نفَّذْتُ. انتهى. وعنه ما يدُل على أن الإجازةَ هِبَة مُبْتدَأة. قال في «الفُروعِ»: وخصَّها في «الانْتِصارِ» بالوارِثِ. قال الشارِحُ: وقال بعضُ أصحابِنا: الوَصِيَّةُ باطِلَة. فعلى هذا، تكونُ هِبَةً. انتهى. وأطْلَقَهما أبو الفَرَجِ.
стр. 8106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيهان؛ أحدُهما، قيل: هذا الخِلافُ مَبْنِي على أن الوَصِيَّةَ بالزِّائدِ على الثُّلُثِ؛ هل هي باطِلَة، أو مَوْقوفة على الإجازَةِ، كما تقدّم؟ وتقدَّم كلامُ الشارِحِ قريبًا عن بعضِ الأصحابِ. وقيل: بل هو مَبْنِي على القَوْلِ بالوَقْفِ. أنا على البُطْلانِ، فلا وَجْهَ للتنفيذِ. قال في «القَواعِدِ» ـ: وهذا أشْبَهُ. قلتُ: وهو الصَّوابُ. الثاني، لهذا الخِلافِ فوائدُ كثيرة، ذكَرَها ابنُ رَجَبٍ في «قَواعِدِه»، وغيرُه مِنَ الأصحابِ. فمنها، على المذهبِ، لا تفْتَقِرُ إلى شُروطِ الهِبَةِ؛ مِنَ الإيجابِ والقَبُولِ، والقَبْضِ، ونحوه، بل تصِحُّ بقوْلِه: أجَزْتُ. وأنْفَذْتُ. وأمْضَيتُ. ونحو ذلك. وعلى الثَّانيةِ، تفْتَقِرُ إلى الإيجابِ، والقَبُولِ. ذكَرَه ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه. وكلامُ القاضي يقْتَضِي أن في صِحتِها بلَفْظِ الإجازَةِ وَجْهَين. قال المَجْدُ: والصحةُ ظاهِرُ المذهبِ. ومنها, لا تثْبتُ أحْكامُ الهِبَةِ، على المذهبِ، فلو كان المُجِيزُ أبا للمُجازِ له، لم يكُنْ له الرُّجوعُ فيه. وعلى الثَّانيةِ، له الرُّجوعُ. ومنها، هل يُعْتَبَرُ أنْ يكونَ المُجازُ معْلومًا للمُجيزِ؟ ففي «الخِلافِ» للقاضي، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم، هو مَبْنِي على الخِلافِ. وطريقَةُ المُصَنِّفِ في «المُغْنِي»، أن الإجازَةَ لا تصِحُّ بالمَجْهولِ، ولكِنْ هل يُصَدَّقُ في دَعْوَى الجَهالةِ؟ على وَجْهَين. ومِنَ الأصحابِ مَن قال: إنْ قُلْنا: الإجازَةُ تنْفِيذٌ. صحَّتْ بالمجْهولِ، ولا رُجوعَ، وإنْ قُلْنا: هي هِبَة. فوَجْهان. ومنها، لو كان المُجازُ عِتْقًا، كان الوَلاءُ للمُوصِي، تخْتَصُّ به عصَبَتُه، على المذهبِ،
стр. 8107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعلى الثَّانيةِ، الوَلاءُ لمَن أجازَ، ولو كان أنثَى.
فائدة: لو كسَب المُوصَى بعِتْقِه بعدَ المَوْتِ وقبلَ الإعْتاقِ، فهو له. على الصّحيحِ مِنَ المذهبِ. وذكَرَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ»، وغيرُهم. وقدَّمه في «القاعِدَةِ الثَّانِيَةِ والثَّمانِين». وقال المُصَنفُ في «المُغْنِي» (١)، في آخِرِ بابِ العِتْقِ: كَسْبُه للوَرَثَةِ، كأم الوَلَدِ. انتهى. ولو كان المُوصَى بعِتْقِه أمَةً، فوَلَدَتْ قبلَ العِتْقِ، وبعدَ المَوْتِ، تَبِعَها الوَلَدُ، كأم الوَلَدِ. قدَّمه في «القَواعِدِ»، وقال: هذا هو الظَّاهِرُ. وقال القاضي في «تَعْليقِه»: لا تَعْتِقُ. ومنها, لو كان وَقْفًا على المُجِيزِين؛ فإنْ قُلْنا: الإجازَةُ تَنْفِيذٌ. صحَّ الوَقْفُ ولَزِمَ، وإنْ قُلْنا: هِبَةٌ. فهو كوَقْفِ الإنْسانِ على نفْسِه. ومنها, لو حلَف لا يهَبُ، فأجازَ، لم يحْنَثْ. على المذهبِ. وعلى الثَّانيةِ، يحْنَثُ. ومنها, لو قَبِل الوَصِيَّةَ المُفْتَقِرةَ إلى الإجازَةِ قبلَ الإجازَةِ، ثم أُجِيزَتْ؛ فإنْ قُلْنا: الإجازَةُ تَنْفِيذ. فالمِلْكُ ثابِتٌ له مِن حينِ قَبُوله، وإنْ قُلْنا: هي هِبَةٌ. لم يثْبُتِ المِلْكُ إلَّا بعدَ الإجازَةِ. ذكَرَه القاضي في «خِلافِه». ومنها، أنَّ ما جاوَزَ الثُّلُثَ مِنَ الوَصايا إذا أُجِيزَ؛ هل يُزاحِمُ بالزائدِ الذي لم يُجاوزْه، أوْ لا؟ مَبْنيٌّ على الخِلافِ. ذكَرَه في «المُحَرَّرِ»، ومَن تابعَه. قال في «القَواعِدِ»: واسْتَشْكَلَ تَوْجِيهُه على الأصحابِ، وهو واضِحٌ، فإنَّه إذا كانتْ مَعنا وَصِيَّتان؛ إحْداهما، مُجاوزَة للثُّلُثِ، والأخْرَى، لا تُجاوزُه؛ كنِصْفٍ وثُلُثٍ؛ وأجازَ الوَرَثَةُ الوَصِيَّةَ المُجاوزَةَ للثُّلُثِ خاصَّةً؛ فإنْ قُلْنا: الإجازَةُ تَنْفِيذ. زاحَمَ صاحِبُ النصْفِ صاحِبَ الثُّلُثِ بنصفٍ كامِلٍ، فيُقْسَمُ الثُّلُثُ بينَهما على خمْسَ؛ لصاحِبِ النِّصْفِ ثلاثةُ أخْماسِه، وللآخرِ خُمْساه، ثم يُكْمَلُ لصاحِبِ النصْفِ نِصْفُه
стр. 8108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالإجازَةِ. وإنْ قُلْنا: الإجازَةُ ابْتِداءُ عَطيةٍ. فإنَّما يُزاحِمُ بثُلُثٍ خاصٍّ؛ إذِ الزيادَةُ عليه عَطيَّةٌ مَحْضَةٌ مِنَ الوَرَثَةِ، لم تُتَلَقَّ مِنَ المَيِّتِ. فلا يُزاحِمُ بها الوَصايا، فيُقْسَمُ الثُّلُثُ بينَهما نِصْفَين، ثم يُكْمَلُ لصاحِبِ النِّصْفِ ثُلُث (١) بالإجازَةِ، [أي يُعْطَى ثُلُثًا زائدًا على السُّدْسِ الذي أخَذَه مِنَ الوَصِيَّةِ] (٢). وهذا مَبْنِي على القَوْلِ بأن الإجازَةَ عَطيَّة أو تَنْفِيذ. فيُفَرَّعُ، على هذا، القَوْلُ بإبْطالِ الوَصِيَّةِ بالزَّائدِ على الثُّلُثِ وصِحَّتِها، كما سَبَق. انتهى. وقد تكَلم القاضي مُحِبُّ الدينِ ابنُ نَصْرِ الله البَغْدادِيُّ على هذه المَسْألةِ في كُراسَةٍ بما لا طائلَ تحتَه. وما قاله ابنُ رَجَبٍ صحيح واضِحٌ. وقال الزرْكَشِيُّ، وقد يُقال: إن عَدَمَ المُزاحَمَةِ، إنما هو في الثُّلُثَين؛ لأن الهِبَةَ تَخْتَصُّ بهما، والمُجِيزُ يُشْرِكُ بينَهما فيهما، أما الثُّلُثُ، فيُقْسَمُ بينَهما على قَدْرِ أنْصِبائِهما. انتهى. قلتُ: الذي يظْهَرُ، أنَّ هذا هو الصَّوابُ. ومنها, لو أجازَ المرِيضُ في مرَضِ مَوْتِه وَصِيَّةَ مَوْرُوثِه؛ فإنْ قُلْنا: إجازَتُه عَطيَّة. فهي مُعْتَبَرَة مِن ثُلُثِه. وإنْ قُلْنا: هي تنْفِيذ. فللأصحابِ طرِيقان؛ أحدُهما، القطعُ بأنها منَ الثُّلثِ أيضًا. قاله القاضي في «خِلافِه»، والمَجْدُ. والطريقُ الثاني، المَسْألةُ على وَجْهَين. وهي طريقةُ أبي الخَطابِ في «انْتِصارِه»، وهما مُنَزَّلان على أصْلِ الخِلافِ في حُكمِ الإجازَةِ. قال في «القواعِدِ»: وقد يُنَزلان على أن المِلْكَ؛ هل ينْتَقِلُ إلى الوَرَثَةِ في المُوصَى به، أم تمْنَعُ الوَصِيَّةُ الانْتِقال؟ وفيه وَجْهان؛ فإنْ قُلْنا: تنْتَقِلُ إليهم. فالإجازَةُ مِنَ الثُّلُثِ، وإلا فهي مِن رأسِ مالِه. ومنها، إجازَةُ المُفْلِسِ. قال في «المُغْنِي» (٣): هي نافِذَة. وهو
стр. 8109
وَمَنْ أوصِىَ لَهُ وَهُوَ في الظَّاهِرِ وَارِثٌ، فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ غَيرَ وَارِثٍ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ لَهُ. وَإنْ أُوصِيَ لَهُ وَهُوَ غَيرُ وَارِثٍ، فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَارِثًا، بَطَلَتْ؛ لأنَّ اعْتِبَارَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَوْتِ.
ــ
مُنَزلٌ على القَوْلِ بالتنفِيذِ. وجزَم به في «الفُروعِ». قال في «القَواعِدِ»: ولا يبْعُدُ على قَوْلِ (١) القاضي في التي قبلَها، أنْ لا ينْفُذَ. وقاله المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، في الشفْعَةِ. ومنها، إجازَةُ السَّفيهِ نافِذَة على المذهبِ، لا على الثَّانيةِ. ذكَرَه في «الفُروعِ». وقال المُصَنِّفُ، والشارِحُ: لا تصِحُّ إجازَته مُطْلَقًا. وكذا صاحِبُ «الفائقِ».
قوله: ومَن أُوصِيَ له وهو في الظَّاهِرِ وارِثٌ، فصارَ عندَ المَوْتِ غيرَ وارِثٍ، صَحَّتِ الوَصِيَّةُ له، وإنْ أوصِيَ له وهو غيرُ وارِثٍ، فصارَ عندَ المَوْتِ وارِثا، بَطَلَتْ؛ لأنَّ اعْتِبارَ الوَصِيَّةِ بالمَوْتِ. هذا (٢) الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ، وأكثرُهم لم يَحْك فيه خِلافًا؛ أن الاعْتِبارَ في الوَصِيَّةِ بحالِ المَوْتِ.
стр. 8110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال في «القاعِدَةِ السابِعَةَ عَشْرَةَ بعدَ المِائَةِ»: وحكَى بعضُهم خِلافًا ضعِيفًا، أن الاعْتِبارَ بحالِ الوَصِيَّةِ، كما حكَى أبو بَكْر، وأبو الخَطابِ رِوايَةً، أن الوَصِيَّةَ في حالِ الصِّحَّةِ مِن رأسِ المالِ، ولا تصِحُّ عن الإمامِ أحمدَ، ﵀، وإنما أرادَ
стр. 8111
وَلَا تَصِحُّ إجَازَتُهُمْ وَرَدُّهُمْ إلا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ لَا عِبْرَةَ بِهِ.
ــ
العَطيَّةَ المُنْجَزَةَ، كذلك قال القاضي. انتهى. وقال في «الرِّعايتَين»: وقيل: تبْطُلُ الوَصِيَّة فيهما.
قوله: ولا تَصِحُّ إجازَتُهم ورَدُّهم إلَّا بعدَ مَوْتِ المُوصِي، وما قبلَ ذلك لا عِبْرَةَ به. هذا المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم. وقدمه في «الفُروعِ» وغيرِه. وعنه، تصِح إجازَتُهم قبلَ المَوْتِ في مرَضِه. خرجَها القاضي أبو حازِم مِن إذْنِ الشفيعِ في الشِّراءِ. قال في «القاعِدَةِ الرابعَةِ»: شَبهَه الإمامُ أحمدُ في موْضِعٍ بالعَفْو عن الشفْعَةِ، فخرجَه المَجْدُ في «شَرْحِه»، على رِوايتَين. واخْتارَها صاحِبُ «الرِّعايةِ»، والشيخُ تَقِي الدِّينِ، ﵀.
стр. 8112
وَمَنْ أجَازَ الْوَصِيَّةَ ثُمَّ قَال: إِنَّمَا أجَزْتُ لأننِي ظَنَنْتُ الْمَال قَلِيلًا. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينهِ، وَلَهُ الرُّجُوع بِمَا زَادَ عَلَى مَا ظَنَّهُ، في أظْهَرِ الْوَجْهينِ، إلّا أن تقُومَ عَلَيهِ بَيِّنة.
ــ
قوله: ومَن أجازَ الوَصِيَّةَ -يعْنِي، إذا كانتْ جُزءًا مُشاعًا- ثُمَّ قال: إنَّما أجَزْتُ لأننِي ظنَنْتُ المال قَلِيلًا. فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينه، وله الرُّجُوعُ بما زادَ على ظَنِّه، في أظْهَرِ الوَجْهَين. وهو المذهبُ. جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»،
стр. 8113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. والوَجْهُ الثاني، ليس له الرُّجوعُ. اخْتارَه أبو الخَطَّابِ وغيرُه. وهو احْتِمالٌ في «الهِدايَةِ». وتقدَّم في الفوائدِ، هل يُشْتَرَطُ أنْ يكونَ المُجازُ مَعْلومًا؟
تنبيه: قوْلُه: إلَّا أنْ تقُومَ عليه بَيِّنة. يعْنِي، تشْهَدُ بأنه كان عالِمًا بزِيادَتِه، فلا يُقْبَلُ قَوْلُه. وكذا لو كان المالُ ظاهِرًا لا يخْفَى عليه، لا يُقْبَلُ قَوْلُه. وكلامُ المُصَنِّفِ وغيرِه، ممَّن أطْلَقَ، مُقَيَّدٌ بذلك، وهذا إذا قُلْنا: الإجازَةُ تَنْفِيذٌ. فأمَّا إذا قُلْنا: هي هِبَة مُبْتدَأةٌ. فله الرُّجوعُ فيما يجوزُ الرُّجوعُ في مِثْلِه في الهِبَةِ. وقد تقدَّم قريبًا في الفوائدِ.
стр. 8114
وإنْ كَانَ الْمُجَازُ عَينًا، فَقَال: ظَنَنْتُ بَاقِيَ الْمَالِ كَثِيرًا. لَمْ يقْبَلْ قَوْلُهُ، في أظْهَرِ الْوَجْهَينِ.
ــ
قوله: وإنْ كان المُجازُ عَينًا -وكذا لو كان مَبْلَغًا مُقَدَّرًا- فقال: ظنَنْتُ باقِيَ المالِ كثيرًا. لم يُقْبَلْ قَوْلُه، في أظْهَرِ الوَجْهَين. وهو المذهبُ، جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْح»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروع»، و «الرعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. والوَجْهُ الثاني، يُقْبَلُ قَوْلُه. قال الشَّيخُ تَقِي الدِّينِ، ﵀: لو قال: ظنَنْتُ قِيمَتَه ألْفًا. فبانَ أكثرَ، قُبِلَ قَوْلُه، وليسَ نَقْضًا للحُكْمِ بصِحَّةِ
стр. 8115
وَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُوصَى لَهُ إلا بِالْقَبُولِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَأمَّا قَبُولُهُ وَرَدُّهُ قَبْلَ الْمَوْتِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ.
ــ
الإجازَةِ بيِّنةٍ أو إقْرارٍ. قال: وإنْ أجازَ، وقال: أرَدْتُ أصْلَ الوَصِيَّةِ. قُبِلَ. انتهى.
قوله: ولا يثْبُتُ المِلْكُ للمُوصَى له إلَّا بالقَبُولِ بعدَ المَوْتِ، فأمَّا قبولُه ورَدُّه قبلَ المَوْتِ فلا عِبْرَةَ به. اعلَمْ أنَّ حُكْمَ قَبُولِ الوَصِيَّةِ كقَبُولِ الهِبَةِ، على ما تقدم في بابِه. قال الإمامُ أحمدُ، ﵀: الهِبَةُ والوَصِيَّةُ واحِدٌ. قاله في «الفُروعِ»، و «الزركَشِيِّ»، وغيرِهما. وقال في «القَواعِدِ»: نَصَّ الإمامُ أحمدُ، ﵀، في مواضِعَ على أنّه لا يُعْتَبَرُ للوَصِيَّةِ قَبُولٌ، فيَمْلِكُه قَهْرًا، كالمِيراثِ. وهو وَجْهٌ للأصحابِ. حَكاه غيرُ واحدٍ. انتهى. وذكَر الحَلْوانِي عن أصحابِنا، أنّه يمْلِكُ الوَصِيَّةَ بلا قَبُولِه، كالمِيراثِ. وقال في «المُغْنِي»، ومَن
стр. 8116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تابَعَه: وَطْؤه الأمَةَ المُوصَى بها، قبولٌ؛ كرَجْعَةٍ، وبَيعِ خِيار.
وقال في «الرِّعايةِ»: وقيل: يكْفِي الفِعْلُ قَبُولًا. قال في «القاعِدَةِ التاسِعَةِ والأرْبَعِين»: واخْتارَ القاضي، وابنُ عَقِيل، أنها لا تلْزَمُ في المُبْهَمِ بدُونِ قَبْضٍ. وخرج المُصَنِّفُ في «المُغْنِي» وَجْهًا ثالثًا، أنَّها لا تلْزَمُ بدُونِ القَبْضِ؛ سواءٌ كان مُبْهَمًا، أوْ لا، كالهِبَةِ. وقال في «القاعِدَةِ الخامِسَةِ والخَمسِين»: الأظْهَرُ أنَّ تَصَرُّفَ المُوصَى له في الوَصِيَّةِ بعدَ المَوْتِ، يقُومُ مَقامَ القَبُولِ؛ لأن سبَبَ المِلْكِ قدِ اسْتَقَر له اسْتِقرارًا لا يمْلِكُ إبْطاله. واقْتَصَرَ عليه.
فائدة: لا يصِحُّ بَيعُ المُوصَى به قبلَ قبولِه مِن وارِثِه. ذكَرَه في «الفُروعِ»، في بابِ التَّدْبيرِ. ويجوزُ التصَرُّفُ في المُوصَى به بعدَ ثُبوتِ المِلْك، وقبلَ القَبْضِ، باتِّفاقٍ مِنَ الأصحابِ فيما نعْلَمُه. قاله في «القاعِدَةِ الثَّانيةِ والخَمْسِين» واقتصَرَ عليه.
стр. 8117
فَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ.
ــ
تنبيه: مُرادُه، إذا كان المُوصَى له واحِدًا أو جَمْعًا محْصُورًا. فأما إذا كانُوا غيرَ مَحْصُورِين، كالفُقَراءِ، أو المَساكِينِ مَثَلا، أو لغيرِ آدَمِيٍّ؛ كالمَساجِدِ، والقَناطِرِ، ونحوهما، فلا يُشْتَرَطُ القَبُولُ، قوْلا واحِدًا. وسيأتِي قريبا، متى يثْبُتُ المِلْكُ له إذا قَبِلَ؟.
فوائد؛ إحْداها، يسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الوَرَثَةِ بمُجَرَّدِ مَوْتِ مَوْرُوثِهم، إذا كان المالُ عَينًا حاضِرَة يُتمَكَّنُ مِن قَبْضِها. على الصّحيحِ مِنَ المذهبِ. قال الإمامُ أحمدُ، ﵀، في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُور، في رجُلٍ ترَك مِائَتَي دِينار وعَبْدًا قِيمَتُه مِائَةٌ، وأوْصَى لرَجُل بالعَبْدِ، فسُرِقَتِ الدَّنانِيرُ بعدَ موتِ الرجُلِ: وجَب العَبْدُ للمُوصَى له، وذَهَبَتْ دَنانِيرُ الوَرَثَةِ. وهكذا ذكَرَه الخِرَقِيُّ، وأكثرُ الأصحابِ. وقال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، في كتابِ العِتْقِ: لا يدْخُلُ في ضَمانِهم بدُونِ القَبْضِ؛ لأنّه لم يحْصُلْ في أيدِيهم، ولم ينْتَفِعُوا به، أشْبَهَ الدينَ والغائبَ ونحوَهما، ممَّا لمَ يتَمَكَّنُوا مِن قَبْضِه. فعلى هذا؛ إنْ زادَتِ التَّرِكَةُ قبلَ القَبْضِ، فالزِّيادَةُ للوَرَثَةِ، وإنْ نقَصَتْ، لم يُحْسَبِ النَّقْصُ عليهم، وكانتِ التّرِكَةُ ما بَقِيَ. ذكَرَه في «القاعِدَةِ الحادِيَةِ والخَمْسِين»، وعلَّلَه.
الثَّانيةُ، قولُه: فَإنْ ماتَ المُوصَى له قبلَ مَوْتِ المُوصِي، بطَلَتِ الوَصِيَّةُ. بلا نِزاعٍ. لكِنْ لو ماتَ المُوصَى له بقَضاءِ دَينه قبلَ موتِ (١) المُوصِي، لم تبْطُل
стр. 8118
وَإنْ رَدَّهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، بَطَلَتْ أَيضًا.
ــ
الوَصِيَّةُ، بلا نِزاعٍ؛ وإن تفْريغ ذِمِّةِ المَدينِ بعدَ مَوْتِه كتَفْريغها قبلَه؛ لوُجودِ الشُّغْلِ في الحالين، كما لو كان حَيًّا. ذكَرَه الحارِثِيُّ. الثالثةُ، لا تنْعَقِدُ الوَصِيَّةُ إلَّا بقَوْلِه: فَوَّضْتُ. أو وصَّيتُ إليك. أو إلى زَيدٍ بكذا. أو أنت. أو هو. أو جعَلْتُه. أو جعَلْتُك وَصِيِّي. أو أعْطُوه مِن مالِي بعدَ مَوْتِي كذا. أو ادْفَعُوه إليه. أو جعَلْتُه له. أو هو له بعدَ مَوْتِي. أو هو له مِن مالِي بعدَ مَوْتِي. ونحو ذلك.
تنبيه: وإنْ ردَّها بعدَ مَوْتِه، بطَلَتْ أيضًا. بلا نِزاع. لكِنْ لو رَدَّها بعدَ قَبُولِه، وقبلَ القَبْضِ، لم يصِحَّ الرَّدُّ مُطْلَقًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه في «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ». وصحَّحه الحارِثِيُّ. قال المَجْدُ؛ هذا المذهبُ. وقيل: يصِحُّ رَدُّه مُطْلَقًا. اخْتارَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكذلك لو كان بعدَ القَبُولِ، وقبْلَ القَبْضِ، على ظاهِرِ كلامِ جماعةٍ. وأوردَه المَجْدُ مذهبًا.
فائدة: إذا لم يقْبَلْ بعدَ مَوْتِه، ولا رَدَّ، فحُكْمُه حُكْمُ مُتَحَجِّرِ المَواتِ، على
стр. 8121
وَإنْ مَاتَ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الرَّدِّ وَالْقَبُولِ، قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ. ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ. وَقَال الْقَاضِي: تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ.
ــ
ما مرَّ في بابِه. قاله في «الفُروعِ». وقال في «القاعِدَةِ العاشِرَةِ بعدَ المِائَةِ»: لو امْتَنَعَ مِنَ القَبُولِ والرَّدِّ، حُكِمَ عليه بالرَّد، وسقَط حقُّه مِنَ الوَصِيَّةِ. قاله في «الكافِي». وجزَم به الحارِثِيُّ.
قوله: وإنْ ماتَ بعدَه وقبلَ الرَّدِّ والقَبُولِ، قامَ وارِثُه مقامَه. ذكَرَه الخِرَقِيُّ. هذا المذهبُ، نصَّ عليه في روايَةِ صالحٍ. قاله المَجْدُ. واخْتارَه المُصَنِّفُ،
стр. 8122
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والشَّارِحُ، وغيرُهما. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَررِ»،
стр. 8123
وَإنْ قَبِلَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، ثَبَتَ الْمِلْكُ حِينَ الْقَبُولِ، فِي الصَّحِيحِ.
ــ
و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ». وقال القاضي: تبْطُلُ الوَصِيَّةُ على قِياسِ قَوْلِه. يعْنِي، في خِيارِ الشُّفْعَةِ، وخِيارِ الشَّرْطِ. وهو رِوايَةٌ عنِ الإمامِ أحمدَ، ﵀، نقَلَها عَبْدُ اللهِ، وابنُ مَنْصُورٍ. واخْتارَه ابنُ حامِدٍ، والقاضي، وأصحابُه. وقدَّمه في «القاعِدَةِ الرَّابِعَةِ والأرْبَعِين بعدَ المِائَةِ»، وقال: اخْتارَه القاضي والأكْثَرُون. وحكَى الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ، وأبو الخَطَّابِ وَجْهًا، أنَّها تنْتَقِلُ إلى الوارِثِ بلا قبُولٍ، كالخِيارِ.
قوله: وإنْ قبِلَها بعدَ المَوْتِ، ثبَت المِلْكُ حينَ القَبُولِ، في الصَّحيحِ. وهو المذهبُ. قاله المُصَنِّفُ وغيرُه، وأوْمَأَ إليه الإمامُ أحمدُ، رحِمَه الله تُعالى. ونصَرَه القاضي، وأصحابُه. وقدَّمه في «الفُروعِ». قال الشَّارِحُ، وابنُ مُنَجَّى: هذا
стр. 8124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. ونصَرَه الشَّارِحُ. ويحْتَمِلُ أنْ يثْبُتَ المِلْكُ حينَ الموتِ. وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفائقِ». قال في «العُمْدَةِ»: ولو وصَّى بشيءٍ، فلم يأْخُذْه المُوصَى له زَمانًا، قُوِّمَ وقْتَ الموتِ، لا وقْتَ الأخْذِ. انتهى. وقال في «الوَجيزِ»: ويثْبُتُ المِلْكُ بالقَبُولِ عقِبَ الموتِ. وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ». وقيل: الخِلافُ رِوايَتان. واخْتارَ أبو بَكْرٍ في «الشَّافِي»، أنَّ المِلْكَ مُراعًى؛ فإذا قَبِلَ، تبَيَّنَّا أنَّ المِلْكَ ثبَت له مِن حينِ الموتِ. وهو رِوايَةٌ عنِ الإِمامِ أحمدَ، رحِمَه اللهُ تعالى. وحكَى الشَّرِيفُ عن شَيخِه (١)، أنَّه قال: هذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. قلتُ: ويحْتَمِلُه كلامُ «الوَجيزِ» المُتَقَدِّمُ، بل هو ظاهِر في ذلك. قال في «المُسْتَوْعِبِ»: وهذا