. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الدِّينِ، ﵀. قال في «الفائقِ»: وهو الأظْهَرُ. قال: فتَعْتِقُ بوَفاةِ سيِّدِها مِن نَصِيبِ وَلَدِها إنْ كان لها وَلَدٌ، أو بعضُها مع عدَمِ سَعَتِه، ولو لم يكُنْ لها وَلَدٌ، فكَسائِر رَقِيقِه. وكذا قال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابن رَزِينٍ»، و «الفائقِ». قال في «الفُروعِ» بعدَ ذِكرِ الرِّوايَةِ: فقيل: لا تَعْتِقُ بمَوْتِه. ونفَى هذه الرِّوايَةَ في «الحاوي الصَّغِيرِ» ولم يُثبِتها، وتأوَّلَها. وحكَى
ثُمَّ إِنْ وَلَدَتْ مِنْ غَيرِ سَيِّدِهَا، فَلِوَلَدِهَا حُكْمُهَا فِي العِتْقِ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا، سَوَاءٌ عَتَقَتْ أوْ مَاتَتْ قَبْلَهُ.
ــ
قوله: ثم إِنْ وَلَدَتْ مِن غيرِ سَيِّدِها، فلوَلَدِها حُكْمُها في العِتْقِ بمَوْتِ سَيِّدِها؛ سَواءٌ عَتَقَتْ أوْ ماتَتْ قبلَه. يعْنِي، إذا وَلَدَتْ مِن زَوْجٍ أو غيرِه، بعدَ أنْ صارَتْ أُمَّ وَلَدٍ مِن سيِّدِها، وسواءٌ عتَقَتْ أُمُّه قبلَ مَوْتِ السَّيِّدِ، أو ماتَتْ في حَياةِ السَّيِّدِ، فإنَّ حُكْمَ الوَلَدِ حُكْمُها، إنْ ماتَ سيِّدُها، عَتَقَ معها، ويجوزُ فيه مِنَ التَّصَرُّفاتِ ما يجوزُ فيها، ويَمْتَنِعُ فيه ما يمْتَنِعُ فيها. وكذا وَلَدُ المُدَبَّرَةِ لا يبْطُلُ الحُكْمُ فيه بمَوْتِ أُمِّه. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهما. وقال في «الانْتِصارِ»:
стр. 9037
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هل يبْطُلُ عِتْقُ المُدَبَّرِ وأُمِّ الوَلَدِ بمَوْتِهما قبلَ السَّيِّدِ، أمْ لا؛ لأنَّه لا مال لهما؟ اخْتلَفَ كلامُه فيه، ويظْهَرُ الحُكْمُ في وَلَدِهما. وقال في «القاعِدَةِ الثَّانيةِ والثلاثِين»، على القَوْلِ بأنَّ وَلَدَ المُدَبَّرَةِ يتْبَعُها. قال الأكْثرونَ: يكونُ مُدَبَّرًا بنَفْسِه، لا بطَرِيقِ التَّبَعَ. وقد نَصَّ على أنَّ الأُمَّ لو عتَقَتْ في حياةِ السَّيِّدِ، لم يَعْتِقِ الوَلَدُ حتى تموتَ. فعلى هذا، لو رجَع في تَدْبيرِ الأُمِّ، وقُلْنا: له ذلك. بَقِيَ الوَلَدُ مُدَبَّرًا. وهذا قوْلُ القاضي، وابنِ عَقِيلٍ. وقال أبو بَكْرٍ: هو تابعٌ مَحْضٌ؛ إنْ عتَقَتْ عتَقَ، وإنْ رَقَّتْ رَقَّ. وهو ظاهِرُ كلامِ ابنِ أبِي مُوسى. انتهى. وتقدَّم
стр. 9038
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذلك في بابِ المُدَبَّرِ، عندَ قوْلِه: وما وَلَدَتِ المُدَبَّرَةُ بعدَ تَدْبيرِها، فهو بمَنْزِلَتِها. أمَّا وَلَدُ المُكاتَبَةِ إذا ماتَت، فإنَّه يعُودُ رَقِيقًا.
تنبيه: ظاهِرُ قوْلِه: ثم إنْ وَلَدَتْ. أنَّ الوَلَدَ لو كان مَوْجُودًا قبلَ إِيلادِها مِن سيِّدِها، لا يَعْتِقُ بمَوْتِ السَّيِّدِ. وهو صحيحٌ. وهو المذهبُ. قال في «الفُروعِ»: لا يَعْتِقُ على الأصحِّ. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهما. وعنه، يَعْتِقُ. خرَّجَها المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ مِن وَلَدِ المُدَبَّرَةِ الذي كان قبلَ التَّدْبيرِ، على ما تقدَّم في بابِه.
стр. 9039
وَإنْ مَاتَ سَيِّدُهَا وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ، فَهَلْ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ لِمُدَّةِ حَمْلِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
قوله: وإنْ ماتَ سيِّدُها وهي حاملٌ منه، فهل تسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ لمُدَّةِ حَمْلِها؟ على رِوايتَين. وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الفائقِ»، وغيرِهم، إحْداهما، تَسْتَحِقُّ النّفَقَةَ. صحَّحه في «التَّصْحيحِ». قال في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: لها النّفقَةُ على أصحِّ الرِّوايتَين. وجزَم به في «الوَجيزِ». والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا تَسْتَحِقُّها. هذا يُشْبِهُ ما إذا ماتَ عن امْرأَةٍ حامِلٍ، هل تسْتَحِقُّ النَّفقَةَ لمُدَّةِ حَمْلِها؟ على رِوايتَين. ومَبْنَى الخِلافِ على الخِلافِ في نفَقَةِ الحامِلِ، هل هي للحَمْلِ، أو للحامِلِ؟ فإنْ قُلْنا: هي للحَمْلِ.
стр. 9040
وَإِذَا جَنَتْ أُمُّ الْوَلَدِ، فَدَاهَا سَيِّدُهَا بِقِيمَتِهَا أَوْ دُونِهَا. وَعَنْهُ، عَلَيهِ فِدَاؤُهَا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ كُلِّهِ.
ــ
فلا نفَقَةَ لها، ولا للأمَةِ الحامِلِ؛ لأنَّ الحَمْلَ له نَصِيبٌ في المِيراثِ، وإنْ قُلْنا: للحامِلِ. فالنَّفَقَةُ على الزَّوْجِ، أو السَّيِّدِ. انتهى. قلتُ: ويأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ، في كتابِ النَّفَقاتِ، هل تجِبُ النَّفقَةُ لحَمْلِها، أو لها مِن أجْلِه؟ على رِوايتَين. والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّها تجِبُ للحَمْلِ.
قوله: وإذا جَنَتْ أُمُّ الوَلَدِ، فَداها سَيِّدُها بقِيمَتِها أَوْ دُونِها. يعْني، إذا كان ذلك قَدْرَ أَرْشِ جِنايَتِها. وهذا المذهبُ. قال الزَّرْكَشِيُّ، وابنُ مُنَجَّى: هذا المذهبُ. وجزَم به الخِرَقِيُّ، وصاحِبُ «الوَجيزِ». وقدَّمه في «الهِدايَةِ»،
стр. 9041
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». وعنه، عليه فِداؤُها بأرْشِ الجِنايَةِ كله. حكَاها أبو بَكْرٍ. وقدَّمه في «النَّظْمِ»، و «الفائقِ».
وَإنْ عَادَتْ فَجَنَتْ، فَدَاهَا أَيضًا. وَعَنْهُ، يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِذِمَّتِهَا.
ــ
قوله: وإنْ عادَتْ فجَنَتْ، فَداها أَيضًا. هذا المذهبُ، وعليه أكثر الأصحاب. قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المَشْهورُ مِنَ الرِّوايتَين، والمُخْتارُ لعامَّةِ الأصحابِ؛ أَبي بَكْرٍ، والقاضي، وأصحابِه، والمُصنِّفِ، وغيرِهم، حتى قال أبو بَكْرٍ: ولو جَئَتْ ألْفَ مرَّةٍ. وقطَع به الخِرَقِيُّ، وصاحِبُ «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرُهم. وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، ونَصَرَاه. قال ابنُ مُنَجَّى: هذا المذهبُ. وعنه، يتَعلَّقُ الفِداءُ الثَّاني وما بعدَه بذِمَّتِها. حكاها أبو الخَطَّابِ. وقدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ»،
стр. 9044
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «التَّرْغيبِ». وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ». وقال في «الفائقِ»: قلتُ: المُخْتارُ عدَمُ إلْزامِه جِنايتَها. فعلى الرِّوايَةِ الثَّانيةِ، قال في «الرِّعايَةِ»: قلتُ: يرْجِعُ الثَّاني على الأوَّلِ بما يخُصُّه ممَّا أخذَه.
تنبيه: أطْلَقَ المُصَنِّفُ هذه الرِّوايَةَ. وكذا أطْلَقَها أبو الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ»، والمُصَنِّفُ في «الكافِي»، والمَجْدُ في «المُحَرَّرِ»، وغيرهم. وقيَّدَها القاضي في كتاب «الرِّوايتَين»، والمُصَنِّفُ، و «المُغْنِي»، والشَّارِحُ،، حاكِينَ ذلك عن أبِي الخَطَّابِ، وابنِ حَمْدانَ في «رِعايَتَيه» بما إذا فدَاها أوَّلًا بقِيمَتِها. قال الزَّرْكَشِيُّ: ومُقْتَضَى ذلك، أنَّه لو فداها أوَّلًا بأقَلَّ مِن قِيمَتِها، لَزِمَه فِداؤُها ثانِيًا
стр. 9045
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بما بَقِيَ مِنَ القِيمةِ، بلا خِلافٍ.
فائدة: قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: وإنْ جَنَتْ جِناياتٍ، وكانتْ كلُّها قبلَ فِداءِ شيءٍ منها، تعَلَّقَ أرْشُ الجميعِ برَقَبَتِها، ولم يكُنْ على السَّيِّدِ في الجِنايَاتِ كلِّها إلَّا قِيمَتُها، أو أَرْشُ جَمِيعِها، وعليه الأقَلُّ منهما. ويشْتَرِكُ المَجْنِيُّ عليهم في الواجِبِ لهم، فإنْ لم يَفِ بها، تَحاصُّوا فيها بقَدْرِ أُرُوشِ جِنايَاتِهم.
стр. 9046
وَإنْ قَتَلَتْ سَيِّدَهَا عَمْدًا فَعَلَيهَا الْقِصَاصُ، وَإنْ عَفَوْا عَلَى مَالٍ، أَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ خَطَأً، فَعَلَيهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا، وَتَعْتِقُ فِي الْمَوْضِعَينِ.
ــ
تنبيه: قوْلُه: وإنْ قَتَلَتْ سَيِّدَها عَمْدًا، فعليها القِصاصُ. مقيَّدٌ بما إذا لم يكُنْ لها منه وَلَدٌ، فإنْ كانَ لها منه وَلَدٌ، لم يجِبِ القِصاصُ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ. وقد صرَّحُوا به في بابِ شُروطِ القِصاصِ بقَوْلِهم: ومتى وَرِثَ وَلَدُه القِصاصَ أو شيئًا منه، سقَط القِصاصُ، فلو قتَل امْرأَته، وله منها وَلَدٌ، سقَط عنه القِصاصُ. ونقَل مُهَنَّا، يقْتُلُها أوْلادُه مِن غيرِها. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: وهي مُخالِفَة لأصولِ مذهبِه. والصَّحيحُ، لا قِصاصَ عليها. قال في «الرِّعايَةِ»:
стр. 9047
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولوَلِيِّه، مع فَقْدِ ابْنِهما، القَوَدُ. وقيل: مُطْلَقًا.
قوله: فإِنْ عَفَوْا على مالٍ، أوْ كانتِ الجِنايَةُ خَطَأً، فعليها قِيمَةُ نَفْسِها. هذا إحْدَى الرِّوايتَين. وهو قولُ الخِرَقِيِّ، والمُصَنِّفِ، في كُتُبِه، والقاضي، وجماعةٍ مِن أصحابِه. والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يلْزَمُها الأقَلُّ مِن قِيمَتِها أو دِيَتِه. نصَّ عليه. وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الوَجيزِ»، و «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ». قال ناظِمُ المُفْرَداتِ:
إنْ قتَلَتْ في الحُكْمِ أُمُّ الوَلَدِ ... سيِّدَها في خَطَأٍ للرَّشَدِ
أو كان عَمْدًا فعَفَوْا للمالِ ... قِيمَتُها تَلْزَمُ في المقالِ
أو دِيَةٌ، فأنْقَصُ الأمْرَينِ ... يَلْزَمُها إذْ ذاكَ في الحالين
قال الزَّرْكَشِيُّ: ولعَلَّ إطْلاقَ الأوَّلِين مَحْمولٌ على الغالِبِ؛ إذِ الغالِبُ أنَّ قِيمَةَ الأمَةِ
стр. 9048
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا تزِيدُ على دِيَةِ الحُرِّ. انتهى. قال الأصحابُ: سواءٌ قُلْنا: الدِّيَةُ تحْدُثُ على مِلكِ الورَثَةِ، أوْ لا. وفي «الرَّوْضَةِ»: دِيَةُ الخَطأَ على عاقِلَتِها؛ لأنَّ عندَ آخِرِ جُزْءٍ ماتَ مِنَ السَّيِّدِ عتَقَتْ، ووَجَبَ الضَّمانُ.
فائدة: وكذا إنْ قتَلَتْه المُدَبَّرَةُ، وقُلْنا: تَعْتِقُ. على ما تقدَّم في آخِرِ بابِ المُدَبَّرِ.
قوله: وتَعْتِقُ في الموْضِعَين. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. قال الزَّرْكَشِيُّ فيما علَّلُوه: به نظرٌ؛ لأنَّ الاستِيلادَ؛ أنَّه سبَحب للعِتْقِ بعدَ المَوْتِ، كذلك النَّسَبُ سبَبٌ للارْثِ، فكما جازَ تخَلفُ الإِرْثِ مع قِيامِ السَّبَبِ بالنَّص، فكذلك يَنْبَغِي أنْ يتَخلَّفَ العِتْقُ مع قِيامِ سبَبِه؛ لأنَّه مثلُه. وقد قيلَ في وَجْهِ الفَرْقِ: إنَّ الحَقَّ -وهو الحُرِّيَّةُ- لغيرِها، فلا تسْقُطُ بفِعْلِها، بخِلافِ الإِرْثِ، فإنَّه مَحْضُ حقِّها. وأُورِدَ عليه المُدَبَّرَةُ، يبْطُلُ تَدْبيرُها إذا قَتلَتْ سيِّدَها، وإنْ كان الحَقُّ لغيرِها،
стр. 9049
وَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهَا. وَعَنْهُ، عَلَيهِ الْحَدُّ.
ــ
وأُجِيبَ بضَعْفِ السَّبَبِ في المُدَبَّرَةِ.
قوله: ولا حَدَّ على قاذِفِها. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، ونصَّ عليه. وعنه، عليه الحَدُّ. وعنه، عليه الحَدُّ إنْ كان لها ابن؛ لأنَّه أَرادَه. قال الزَّرْكَشِيُّ:
стр. 9050
فَصْلٌ: إِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ الْكَافِرِ، أوْ مُدَبَّرَتُهُ، مُنِعَ مِنْ غِشْيانِها، وَحِيلَ بَينَهُ وَبَينَهَا، وَأُجْبِرَ عَلَى نَفَقَتِهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا كَسْبٌ، فَإِنْ أَسْلَمَ حَلَّتْ لَهُ، وَإنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ عَتَقَتْ. وَعَنْهُ، أَنَّهَا تُسْتَسْعَى فِي حَيَاتِهِ، وَتعْتِقُ.
ــ
وينْبَغِي إجْراءُ الرِّوايتَين فيما إذا كان لها زَوْجٌ حُرٌّ، وكذلك ينْبَغِي إجْراؤُهما في الأَمَةِ القِنِّ. ونظيرُ ذلك، لو قذَف أمَةً، أو ذِمِّيَّة لها ابن أو زَوْجٌ مُسْلِمان، فهل يُحَدُّ؟ على رِوايتَين. ذكَرَهما المَجْدُ وغيرُه. ويَنْبَغِي أنْ يُقَيَّدَ الابنُ والزَّوْجُ بأنْ يكُونا حُرَّين. انتهى.
قوله: وإِذا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ الكافِرِ، أَوْ مُدَبَّرَتُه، مُنِعَ مِن غِشْيَانِها، وحيلَ بينَه وبينَها. بلا نِزاعٍ. ومُقْتَضَى ذلك، أنَّ مِلْكَه باقٍ عليهما، وأنهما لم يَعْتِقا. أمَّا في أُمِّ الوَلَدِ، فهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو المذهبُ المُخْتارُ لأبِي بَكْرٍ، والقاضي، وأبِي الخَطَّابِ، والشَّرِيفِ، والشِّيرازِيِّ،
стр. 9051
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وغيرِهم. وصحَّحه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما. قال ابنُ مُنَجَّى: هذا المذهبُ. وقدَّمه في «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغيرِ»، وغيرِهم. وعنه، تَعْتِقُ في الحالِ بمُجَرَّدِ إسْلامِها. نقَلَها مُهَنَّا. قاله المُصَنِّفُ في «الكافِي». قال الزَّرْكَشِيُّ: ولا أعلمُ له سَلَفًا في ذلك. وعنه، أنَّها تُسْتَسْعَى في حَياتِه وتَعْتِقُ. نقَلَها مُهَنَّا. قاله القاضي، ولم يُثْبِتْها أبو بَكْرٍ، فقال: أظُنُّ أنَّ أبا عَبْدِ اللهِ أطْلَقَ ذلك لمُهَنَّا، على سَبِيلِ المُناظَرَةِ للوَقْتِ. وأمَّا المُدَبَّرَةُ، فحُكْمُها حكمُ المُدَبَّرِ إذا أسْلَمَ. وقد ذكَرَه المُصَنِّفُ في بابِ التَّدْبيرِ. وتقدَّم الكلامُ على ذلك مُسْتَوْفًى، فَلْيُراجَعْ. وظاهِرُ كلامِ المُصَنِّف،
стр. 9052
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّ رِوايَةَ الاسْتِسْعاءِ عائِدَةٌ إلى أُمِّ الوَلَدِ والمُدَبَّرَةِ، والمَنْقولُ أنَّها في أُمِّ الوَلَدِ. وحمَلَها ابنُ مُنَجَّى على ظاهِرِها، وجعَلَها على القَوْلِ بعَدَمِ جَوازِ بَيعِ المُدَبَّرَةِ.
قوله: وأُجْبِرَ على نَفَقَتِها، إِنْ لم يَكُنْ لها كَسْبٌ. هذا المذهبُ. اخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الهِدايَةِ»،
стр. 9053
وإذَا وَطِئَ أَحَدُ الشَّرِيكَينِ الْجَارِيَةَ، فَأوْلَدَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ
ــ
و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. وقال المُصَنِّفُ: والصَّحيحُ أنَّ نفَقَتَها على سيِّدِها، والكَسْبَ له، يصْنَعُ به ما شاءَ، وعليه نَفَقَتُها على التَّمامِ؛ سواءٌ كان لها كَسْبٌ أو لم يكُنْ. وهو ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، ﵀، والخِرَقِيِّ. قاله الزَّرْكَشِيُّ. قلتُ: وهو الصَّوابُ. وعنه، لا تلْزَمُه نفَقَتُها بحالٍ، وتُسْتَسْعَى في قِيمَتِها، ثم تَعْتِقُ. كما تقدَّم. وذكَر القاضي، أنَّ نفَقَتَها في كَسْبِها، والفاضِلَ منهْ لسَيِّدِها، فإنْ عجَز كَسْبُها عن نَفَقَتِها، فهل يلْزَمُ السَّيِّدَ تَمامُ نفَقَتِهِا؛ على رِوايتَين. وتَبعَ القاضيَ جماعةٌ مِنَ الأصحابِ.
قوله: وإذا وَطِئَ أَحدُ الشَّرِيكَين الجارِيَةَ، فأَولَدَها، صارَتْ أُمَّ وَلَدٍ له، ووَلَدُه
стр. 9054
لَهُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَعِلَيهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، كَانَ فِي ذِمَّتِهِ.
ــ
حُرٌّ، وعليه قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِه. لا يَلْزَمُه إلَّا قِيمَةُ نَصِيبِ الشَّرِيكِ فقط. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ». وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. وعنه، يَلْزَمُه مع ذلك نِصْفُ مَهْرِها. وعنه، يلْزَمُه مع نِصْفِ المَهْرِ نِصْفُ قِيمَةِ الوَلَدِ. وقال القاضي: إنْ وَضَعتْه بعدَ التَّقْويمِ، فلا شيءَ فيه؛ لأنَّها وَضعَتْه في مِلْكِه، وإنْ وَضعَتْه قبلَ ذلك، فالرِّوايَتان. واخْتارَ اللُّزومَ. قاله الزَّرْكَشِيُّ.
قوله: وإنْ كان مُعْسِرًا، كان في ذِمَّتِه. هذا المذهبُ. نصَّ عليه. واخْتارَه
стр. 9055
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الخِرَقِيُّ وغيرُه. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهم. وعندَ القاضي في «الجامعِ الصَّغِيرِ»، وأبِي الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ»؛ إنْ كان مُعْسِرًا لم يَسْرِ اسْتِيلادُه، فلا يُقَوَّمُ عليه نَصِيبُ شرِيكِه، بل يصِيرُ نِصْفُها أمَّ وَلَدٍ، ونِصْفُها قِنٌّ
стр. 9056
فَإِنْ وَطِئَهَا الثَّانِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَولَدَهَا، فَعَلَيهِ مَهْرُهَا، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا، فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ، وَإنْ جَهِلَ إيَلادَ شَرِيكِهِ، أَوْ أَنَّهَا صَارَت أُمَّ وَلدٍ لَهُ، فَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَعَلَيهِ فِدَاؤُهُ يَوْمَ الْولَادَةِ. ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ.
ــ
باقٍ على مِلْكِ الشَّرِيكِ. فعلى هذا القَوْلِ، هل وَلَدُه حُرٌّ أو نِصْفُه؟ فيه وَجْهان. وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ». قلتُ: ظاهِرُ كلامِ كثيرٍ مِنَ الأصحابِ، أنَّه حُرٌّ كلُّه. ثم وَجَدتُ الزَّرْكَشِيَّ قال ذلك. قال ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه»: وهو أصحُّ.
قوله: فإنْ وَطِئَها الثَّاني بعدَ ذلك، فأوْلَدَها، فعليه مَهْرُها، فإنْ كان عالمًا، فوَلَدُه رَقِيقٌ، وإنْ جَهِلَ إيلادَ شَرِيكِه، أو أَنَّها صارَتْ أُمَّ وَلَدٍ له، فوَلَدُه حُرٌّ، وعليه فِداؤُه يَوْمَ الولادَةِ. ذكَرَه الخِرَقِيُّ. وهو المذهبُ. جزَم به في «الوَجيزِ»
стр. 9057
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. وهذا مَبْنِيٌّ على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ في المَسْأَلَةِ التي قبلَها. وعلى قوْلِ القاضي، وأبِي الخَطَّابِ، تكونُ أُمَّ وَلَدٍ لهما؛ مَن ماتَ منهما عتَقَ حقُّه، ويَتَكَمَّلُ عِتْقُها بمَوْتِ الآخَرِ. وتقدَّم في بابِ الكِتابةِ ما يُشابِهُ ذلك، في قَوْلِ المُصَنِّفِ: وإنْ كاتبَ اثنْان جارِيَتَهما، ثم وَطِئَاها. وما يُشابِهُها أيضًا، ما إذا كاتَبَ حِصَّتَه، وأعْتَقَ الشَّرِيكُ قبلَ أدائِه. فَلْيُراجَعْ.
стр. 9058
وَعِنْدَ الْقَاضِي، وَأَبِي الْخَطَّابِ، إِنْ كَانَ الْأوَّلُ مُعْسِرًا لَمْ يَسْرِ اسْتِيلَادُهُ، وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا، يَعْتِقُ نِصْفُهَا بِمَوْتِ أحَدِهِمَا. وَإنْ أَعْتَق أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ مُوسِرٌ، فَهَلْ يُقَوَّمُ عَلَيهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
ــ
قوله: وإنْ أَعْتَقَ أَحَدُهما نَصِيبَه بعدَ ذلك -يعْنِي، بعدَ حُكْمِنا بأنَّها صارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لهما، على قَوْلِ القاضي، وأبِي الخَطَّابِ- وهو مُوسِرٌ، فهل يُقَوَّمُ عليه نَصِيبُ شَرِيكِه؟ على وَجْهَين. أحدُهما، يُقَوَّمُ عليه. وهو المذهبُ. قال في
стр. 9059
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«الفُروعِ»: مَضْمُونًا عليه على الأصحِّ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: وهو أوْلَى وأصحُّ، إنْ شاءَ الله تعالى. قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: وهو أصحُّ وأقْوَى. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ». والوَجْهُ الثَّاني، لا يُقَوَّمُ عليه، بل يَعْتِقُ مجَّانًا. وقيل: لا يَعْتِقُ إلا ما أعْتَقَه، ولا يَسْرِي إلى نَصِيبِ شرِيكِه. واللهُ أعْلَمُ (١).
стр. 9060
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م
المكتب: ٤ ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة
تليفون: ٣٤٥٢٥٧٩ - فاكس: ٣٤٥١٧٥٦
المطبعة: ٢، ٦ ش عبد الفتاح الطويل
أرض اللواء - تليفون: ٣٤٥٢٩٦٣
ص. ب: ٦٣ إمبابة
стр. 9061
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه
أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته
стр. 9062
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتابُ النِّكاحِ
ــ
كِتابُ النِّكاحِ
فائدتان؛ إحْداهما، النِّكاحُ له مَعْنَيان؛ مَعْنَى في اللُّغةِ، ومَعْنَى في الشَّرْعِ. فمَعْناه في اللُّغَةِ، الوَطْءُ. قاله الأزْهَرِيُّ (١). وقيل للتَّزْويجِ: نِكاحٌ؛ لأنَّه سبَبُ الوَطْءِ. قال أبو عُمَرَ غُلامُ ثَعْلَبٍ (٢): الذي حَصَّلْناه عن ثَعْلَبٍ عن الكُوفِيِّين، والمُبَرِّدِ عنِ البَصْرِيِّين، أن النِّكاحَ في أصْلِ اللُّغَةِ هو اسْمٌ للجَمْعِ بينَ الشَّيئَين، قال الشَّاعِرُ (٣):
стр. 9063
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أيُّها المُنْكِحُ الثُّريَّا سُهَيلًا ... عَمْرَك اللهَ، كيف يجْتَمِعان؟
وقال الجَوْهَرِيُّ (١): النِّكاحُ الوَطْءُ، وقد يكونُ العَقْدَ. ونكَحْتُها ونَكَحَتْ هي أي تَزَوَّجت. وعنِ الزَّجَّاجِ (٢): النِّكاحُ في كلامِ العرَبِ بمَعْنَى الوَطْءِ والعَقْدِ جميعًا. ومَوْضعُ نكَح في كلامِهم؛ لُزومُ الشَّيْءِ الشَّيءَ راكِبًا عليه. قال ابنُ جِنِّيٍّ (٣): سأَلْتُ أبا عليٍّ الفارِسِيَّ عن قوْلِهم: نكَحَها. فقال: فرَّقَتِ العرَبُ فَرْقًا
стр. 9064
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لطيفًا يُعْرَفُ به مَوْضِعُ العَقْدِ مِنَ الوَطْءِ؛ فإذا قالوا: نكَح فُلانَةً. أو: بِنْتَ فُلانٍ. أرادُوا تَزْويجَها والعَقْدَ عليها، وإذا قالُوا: نكَح امْرأَتَه. لم يُرِيدُوا إلَّا المُجامعَةَ؛ لأنَّ بذِكْرِ امْرأتِه وزَوْجَتِه يُسْتَغْنَى عن العَقْدِ. قال الزَّرْكَشِيُّ: فظاهِرُه الاشْتِراكُ، كالذي قبلَه وأنَّ القَرِينَةَ تُغْنِي. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَعْناه في اللغةِ، الجَمْعُ والضَّمُّ على أتَمِّ الوُجوهِ؛ فإنْ كان اجْتِماعًا بالأبدانِ، فهو الإيلاجُ الذي ليس بعدَه غايَةٌ في اجْتِماعِ البَدَنَين. وإنْ كان اجْتِماعًا بالعُقودِ، فهو الجمعُ بينَهما على الدَّوامِ واللُّزومِ. ولهذا يُقالُ: اسْتنْكَحَه المَذْيُ. إذا لازَمَه وداوَمَه. انتهى. ومَعْناه في الشَّرْعِ، عَقْدُ التَّزْويجِ. فهو حَقِيقةٌ في العَقْدِ مَجازٌ في الوَطْءِ. على الصَّحيحِ. اخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وابنُ عَقِيل، وابنُ البَنَّا، والقاضي في «التَّعْليقِ». في كَوْنِ المُحْرِمِ لا ينْكِحُ -لمَّا قيلَ له: إنَّ النِّكاحَ حَقيقة في الوَطْءِ. فقال: إنْ
стр. 9065
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كان في اللُّغةِ حَقِيقةً في الوَطْءِ فهو في عُرْفِ الشرْعِ للعَقْدِ- قاله الررْكَشِيُّ. وجزَم به الحَلْوانِيُّ، وأبو يعْلَى الصَّغيرُ. قاله في «الفُروعِ». قال الحَلْوانِيُّ: هو في الشَّريعَةِ عبارَةٌ عن العَقْدِ بأوْصافِه، وفي اللُّغَةِ عبارَةٌ عن الجَمْعِ؛ وهو الوَطْءُ. قال ابنُ عَقِيلٍ: الصَّحيحُ أنَّه مَوْضِعٌ للجَمْعِ، وهو في الشَّرِيعةِ في العَقْدِ أظْهَرُ اسْتِكْمالًا، ولا نقولُ: إنه مَنْقولٌ. نقَلَه ابنُ خَطِيبِ السَّلاميَّةِ في تعْليقِه على «المُحَرَّرِ». وقدَّمه ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»، وصاحِبُ «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الفُروعِ»؛ وذلك لأنَّه أشْهَرُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، وليس في الكِتاب لَفْظُ النِّكاحِ بمعْنى الوَطْءِ، إلَّا في قوْلِه تَعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾ (١). على المشْهُورِ. ولصِحَّةِ نفْيِه عنِ الوَطْءِ؛ فيُقالُ: هذا سِفاحٌ وليس بنِكاح. وصِحَّةُ النَّفْي دَليلُ المَجازِ. وقيل: هو حَقيقةٌ في الوَطْءِ، مَجازٌ في العَقْدِ. اخْتارَه القاضي في «أحْكامِ القُرْآنِ»، و «شَرْحِ الخِرَقِيِّ»، و «العُدَّةِ» (٢)، وأبو الخَطَّابِ في «الانْتِصارِ»، وصاحِبُ «عُيونِ المَسائلِ»، وأبو يعْلَى الصَّغِيرُ. قاله
стр. 9066
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الزَّرْكَشِيُّ، وابنُ خَطيبِ السَّلامِيَّةِ، لِما تقدَّم عنِ الأزْهَرِيِّ وغُلامِ ثَعْلَبٍ. والأصْلُ عدَمُ النَّقْلِ. قال أبو الخَطَّابِ: وتحْريمُ مَن عقَد عليها الأبُ اسْتفَدْناه مِنَ الإِجْماعِ والسُّنَّةِ، وهو بالإِجْماعِ القَطْعِيِّ في الْجُمْلَةِ. وقيل: هو مُشْترَكٌ. يعْنِي أنَّه حَقِيقةٌ في كل واحدٍ منهما بانْفِرادِه. وعليه الأكْثَرُ. قال في «الفُروعِ»: والأشْهَرُ أنَّه مُشْترَكٌ. قال القاضي في «المُجَرَّدِ»: قاله الزَّرْكَشِيُّ، و «الجامِعِ الكَبِيرِ». قال ابنُ خَطيبِ السَّلامِيَّةِ: الأشْبَهُ بأُصُولِنا ومذهبِنا أنَّه حَقيقةٌ في العَقدِ والوَطْءِ جميعًا في الشَّريعَةِ؛ لقَوْلِنا بتَحْريمِ مَوْطُوءَةِ الأبِ مِن غيرِ تزْويجٍ؛ لدُخولِها
стр. 9067
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في قوْلِه تَعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (١). وذلك لوُرودِها في الكِتابِ العَزِيزِ. والأصْلُ، في الإِطْلاقِ الحقيقةُ. قال ابنُ خَطِيبِ السَّلامِيَّةِ: قال أبو الحُسَينِ: النِّكاحُ عندَ أحمدَ حَقيقةٌ في الوَطْءِ والعَقْدِ جميعًا. وقاله أبو حَكِيمٍ. وجزَم به ناظمُ «المُفْرَداتِ»، وهو منها. وقيل: هو حَقيقةٌ فيهما معًا، فلا يُقالُ: هو حَقيقةٌ على أحَدِهما بانْفِرادِه. بل على مَجموعِهما، فهو مِنَ الألْفاظِ المُتَواطِئَةِ. قال ابنُ رَزِينٍ: والأشْبَهُ أنَّه حَقيقةٌ في كلِّ واحدٍ باعْتِبارِ مُطْلَقِ الضَّمِّ؛ لأنَّ التَّواطُؤ خيرٌ مِن الاشْتِراكِ والمَجازِ؛ لأنَّهما على خِلافِ الأصْلِ. انتهى. قال ابنُ هُبَيرَةَ: وقال مالِكٌ، وأحمدُ: هو ضَيقةٌ في العَقْدِ والوَطْءِ جميعًا، وليس أحدُهما أخَصَّ منه بالآخَرِ. انتهى. معِ أنَّ هذا اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ أنْ يُرِيدَ به الاشْتِراكَ. وقال في «الوَسِيلَةِ» كما قال ابنُ هُبَيرَة، وذكَر أنَّه عندَ أحمدَ كذلك. انتهى. والفَرْقُ بينَ الاشْتِراكِ والتَّواطُؤِ، أن الاشْتِراكَ يُقالُ على كلِّ واحدٍ منهما بانْفرادِه: حقيقةٌ. بخِلافِ المُتَواطِئ، فإنَّه لا يُقالُ: حَقيقةٌ. إلَّا عليهما
стр. 9068
النِّكَاحُ سُنَّةٌ.
ــ
مُجْتَمِعَين، لا غيرُ. والله أعلمُ. وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هو في الإِثْباتِ لهما، وفي النَّهْي لكُلِّ منهما؛ بِناءً على أنَّه إذا نُهِيَ عن شيءٍ نُهِيَ عن بعضِه، والأمْرُ به أمْرٌ بكُلِّه، في الكِتابِ والسُّنَّةِ والكلامِ، فإذا قيلَ مثَلًا: انْكِحِ ابنَةَ عَمِّك. كان المُرادُ العَقْدَ والوَطْءَ. وإذا قيل: لا تَنْكِحْها. تَناولَ كلَّ واحدٍ منهما. الثَّانيةُ، قال القاضي: المَعْقودُ عليه في النِّكاحِ المَنْفَعةُ. أي للانْتِفاعِ بها لا لمِلْكِها. وجزَم به في «الفُروعِ». قال القاضي أبو الحُسَينِ في «فُروعِه»: والذي يقْتَضِيه مذهبُنا أنَّ المَعْقودَ عليه في النِّكاحِ مَنْفعَةُ الاسْتِمْتاعِ، وأنَّه في حُكْمِ مَنْفَعَةِ الاسْتِخْدامِ. قال صاحِبُ «الوَسيلَةِ»: المَعْقودُ عليه مَنْفَعَةُ الاسْتِمْتاعِ. وقال القاضي في «أحْكامِ القُرْآنِ»: المَعْقودُ عليه الحِلُّ لا مِلْكُ المَنْفعَةِ. وقال في «القاعِدَةِ السَّادِسَةِ والثَّمانِين»: ترَدَّدَتْ عِباراتُ الأصحابِ في مَوْردِ عقْدِ النِّكاحِ؛ هل هو المِلْكُ أو الاسْتِباحَةُ؛ فمِن قائل: هو المِلْكُ. ثم ترَدَّدُوا؛ هل هو مِلْكُ مَنْفعَةِ البُضْعِ، أو مِلْكُ الانْتِفاعِ بها؟ وقيل: بل هو الحِل لا المِلْكُ. ولهذا يقَعُ الاسْتِمْتاعُ مِن جِهَةِ الزَّوْجَةِ، مع أنَّه لا مِلْكَ لها. وقيل: بل المَعْقودُ عليه الازْدِواجُ كالمُشارَكَةِ، ولهذا فرَّق اللهُ بينَ الازْدِواجِ ومِلْكِ اليَمِينَ. وإليه مَيلُ. الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ. فيَكونُ مِن بابِ المُشارَكاتِ لا المُعاوَضاتِ.
قوله: النِّكاحُ سُنَّةٌ. اعْلَمْ أنَّ للأصحابِ في ضَبْطِ أقْسامِ النِّكاحِ طُرُقًا، أشْهَرُها وأصَحُّها أنَّ النَّاسَ في النِّكاحِ على ثَلاثَةِ أقْسامٍ؛ القِسْمُ الأوَّلُ، مَن له شَهْوَةٌ ولا
стр. 9069
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يخافُ الزِّنَى. فهذا النِّكاحُ في حَقِّه مُسْتَحَبٌّ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نصَّ عليه، وعليه جماهِيرُ الأصحابِ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المَشْهورُ مِنَ الرِّوايتَين. قال الشَّارِحُ وغيرُه: هذا المَشْهورُ في المذهبِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. وعنه، أنَّه واجِبٌ على الإطْلاقِ. اخْتارَه أبو بَكْرٍ، وأبو حَفْصٍ البَرْمَكِيُّ، وابنُ أبِي مُوسى. وقدَّمه ناظِمُ «المُفْرَداتِ»، وهو منها. وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»،. و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». وحمَل القاضي الرِّوايَةَ الثَّانيةَ على مَن يخْشَى على نفْسِه مُواقعَةَ المَحْظُورِ بتَرْكِ النِّكاحِ.
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه، أنَّه لا فَرْقَ في ذلك بينَ الغَنيِّ والفَقيرِ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ. نصَّ عليه. نقَل صالِحٌ، يقْتَرِضُ ويتَزوَّجُ. وجزَم به ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه». وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الفائقِ». قال الآمِدِي: يُسْتَحَبُّ في حقِّ الغَنِيِّ والفَقيرِ، والعاجِزِ والواجِدِ، والراغِبِ والزَّاهِدِ، فإن أحمدَ تزَوَّجَ وهو لا يجِدُ القُوتَ. وقيل: لا يَتَزَوَّجُ فقيرٌ إلَّا عندَ الضَّرُورَةِ. وقيَّده ابنُ رَزِينٍ في «مُخْتَصَرِه» بمُوسِرٍ. وجزَم به في «النَّظْمِ». قلتُ: وهو الصَّوابُ في هذه الأزْمِنَةِ. واخْتارَه صاحِبُ «المُبْهِجِ»، ويأْتِي كلامُه في تَعْدادِ الطُرُقِ. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فيه نِزاعٌ في مذهبِ أحمدَ وغيرِه. القِسْمُ الثَّاني، مَن ليس له شَهْوَةٌ كالعِنِّينِ، ومَن ذهَبَتْ شَهْوَتُه؛ لمَرَضٍ أو كِبَرٍ أو غيرِه. فعُمومُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا أنَّه سُنَّةٌ في حقِّه أيضًا. وهو ظاهِرُ كلامِه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم،
стр. 9070
وَالاشْتِغَالُ بِهِ أفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ، إلا أنْ يَخَافَ عَلَى
ــ
وهو إحْدَى الروايتَين، أو الوَجْهَين. واخْتارَه القاضي في «المُجَرَّدِ» في بابِ الطلاقِ، و «الخِصالِ»، وابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه». وجزَم به في «البُلْغةِ» وغيرِه. والقوْلُ الثَّانِي، هو في حقِّهم مُباحٌ. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. اخْتارَه القاضي في «المُجَرَّدِ»، في بابِ النِّكاحِ، وابنُ عَقِيل في «التَّذْكِرَةِ»، وابنُ البَنَّا، وابنُ بَطَّةَ. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ»، و «تَجْريدِ العِنايَةِ». وجزَم به في «المُنَوِّرِ». قال في «مُنْتَخبِه»: يُسَنُّ للتَّائقِ. وأطْلَقَهما في «المُغنِي»، و «الكافِي»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ». وقيل: يُكْرَهُ. وما هو ببَعيدٍ في هذه الأزْمِنَةِ. وحُكِيَ عنه، يجبُ. وهو وَجْهٌ في «التَّرْغِيبِ». قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: كلامُ صاحبِ «المُحَرَّرِ» يدُلُّ على أنَّ رِوايَةَ وُجوبِ النِّكاحِ مُنْتَفِيَةٌ في حقِّ مَن لا شَهْوَةَ له. وكذلك قال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والأكْثَرُون. ومِنَ الأصحابِ مَن طرَد فيه رِوايَةَ الوُجوبِ أيضًا. نقلَه صاحِبُ «التَّرْغِيبِ». وهو مُقْتَضَى إطْلاقِ الأكْثَرَين. ويأْتِي التَّنْبِيهُ على ذلك في تَعْدادِ الطُّرُقِ. القِسْمُ الثالثُ، مَن خافَ العنَتَ. فالنِّكاحُ في حقِّ هذا واجِبٌ قوْلًا واحدًا. إلَّا أنَّ ابنَ عَقِيلٍ ذكَر رِوايةً، أنَّه غيرُ واجِبٍ. ويأْتي كلامُه في تَعْدادِ الطُّرُقِ. قال الزَّرْكَشِيُّ: ولعَلَّه أرادَ بخَوْفِ العَنَتِ خَوْفَ المَرَضِ أو المَشَقَّةِ، لا خَوْفَ الزِّنَى، فإنَّ العَنَتَ يُفَسَّرُ بكُلِّ واحدٍ مِن هذه.
تنبيهات؛ أحدُها، العَنَتُ هنا هو الزِّنَى، على الصَّحيحِ. وقيل: هو الهَلاكُ بالزِّنَى. ذكَرَه في «المُسْتَوْعِبِ». الثَّاني، مُرادُه بقوْلِه: إلَّا أنْ يَخافَ على نفسِه