← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1922

الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (240 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فَقيل مَا نُكْتَة قَوْله تَعَالَى فِي الأَرْض قَالَ وَلَيْسَ هَذَا مِثَال قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا لَهُم فِي الأَرْض من ولي وَلَا نصير﴾ لِأَن مَعْنَاهُ فِي الأَرْض كلهَا فَلَو لم يَأْتِ بِهِ لاحتمل أَن يكون خَاصّا بِبَعْض الأَرْض انْتهى فَمَا الْجَواب (فَأجَاب) ﵁ بقوله إِنَّمَا يتَوَجَّه سُؤَاله لَو صَحَّ مَا فرق بِهِ بَين الْآيَتَيْنِ وَالظَّاهِر أَنه غير صَحِيح وَبَيَانه أَن فِي الأَرْض فِي كل مِنْهُمَا وَقعت فِي حيّز مَا يُفِيد الْعُمُوم وَهُوَ النَّهْي فِي الأول وَالنَّفْي فِي الثَّانِي وَحِينَئِذٍ فمفاد الأولى النَّهْي عَن جَمِيع أَنْوَاع الْفساد ومفاد الثَّانِيَة انْتِفَاء وجود ولي ونصير لَهُم بِسَائِر أنواعهما فاستويا فِي أَن ذكر فِي الأَرْض فِي كل مِنْهُمَا يسئل عَن حكمته لِأَنَّهُ لَو حذف لصَحَّ الْكَلَام بِدُونِهِ وَقَوله لَو لم يَأْتِ بِهِ لاحتمل الخ قد علمت أَنه غير مُتَوَجّه لما تقرر أَن النَّفْي أَفَادَ أَنه لَا يُوجد لَهُم ولي وَلَا نصير أصلا لَا سِيمَا أَن قُلْنَا أَن عُمُوم الْأَشْخَاص يسْتَلْزم عُمُوم الْأَزْمِنَة والأمكنة فَإِن قَالَ إِن الْعُمُوم عندنَا بِسَائِر أقسامه ظَنِّي لَا قَطْعِيّ فَلَا يَنْفِي الِاحْتِمَال الْمَذْكُور قُلْنَا وَكَذَا هُوَ فِي لَا تفسدوا فَكَمَا احْتِيجَ ذكر فِي الأَرْض فِي الْآيَة الثَّانِيَة لمنع ذَلِك الِاحْتِمَال كَذَلِك يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الأولى لمنع نَظِيره إِذْ لَو حذف لاحتمل أَن النَّهْي عَن الْفساد خَاص بِبَعْض الأَرْض وَهُوَ الْمَدِينَة الَّتِي هِيَ مَحل المخاطبين وَهُوَ المُنَافِقُونَ فاحتيج لذكر فِي الأَرْض حَتَّى يكون فِيهِ التَّنْصِيص على النَّهْي عَن وُقُوع نوع من أَنْوَاع الْفساد فِي نوع من أَنْوَاع الأَرْض وَالْحَاصِل أَن الْحق فِي الْآيَتَيْنِ أَن ذكر الأَرْض لَهُ فَائِدَة أَي فَائِدَة فَأَما فِي الثَّانِيَة فَوَاضِح مِمَّا قَرَّرَهُ وَأما فِي الأولى فَهُوَ مَا تقرر أَنه لَو حذف ذَلِك أوهم أَن النَّهْي عَن الْفساد خَاص بمحلهم وَهُوَ أَرض الْمَدِينَة فَذكر ليُفِيد أَنه عَام فِي كل جُزْء من جزئيات الأَرْض لِأَن الأَرْض مُفْرد محلى بَال وَهُوَ للْعُمُوم عِنْد الْأُصُولِيِّينَ وَلِأَن جُمْهُور المعانيين أَن الأَصْل فِي أل الْجِنْس والاستغراق لَا الْعَهْد وَمَا نقل عَن الْمُحَقِّقين من أَن الأَصْل فِيهَا الْعَهْد فَفِيهِ نظر أَي نظر على أَنه يُؤَيّد مَا قيل المُرَاد بِالْأَرْضِ فِي الْآيَة الْمَدِينَة وَعَلِيهِ فَذكر الأَرْض لَهُ فَائِدَة ظَاهِرَة وَهِي التَّنْصِيص على مَا وَقع مِنْهُم الْإِفْسَاد فِيهِ بِالْفِعْلِ ليَكُون أدعى إِلَى امتثالهم لِأَن إِفْسَاد الْإِنْسَان فِي بَلَده وَمحل إِقَامَته أقبح مِنْهَا فِي غير ذَلِك وَالتَّقْدِير لَو فرض إفسادكم فَلَا تجعلوه فِي أَرْضكُم وَمحل إقامتكم كَمَا يُقَال لنَحْو قَاطع الطَّرِيق إِن كَانَ وَلَا بُد فَلَا تجْعَل على ذَلِك فِي بلدك وَمَعَ من يعرفك وَبِمَا قَرّرته ظَهرت نُكْتَة ذكر فِي الأَرْض سَوَاء كَانَت أل فِيهَا للْعُمُوم أَو للْعهد وَيُمكن اسْتِخْرَاج نُكْتَة أُخْرَى لَهُ وَهِي التَّذْكِير بالمبدأ والمعاد وَذَلِكَ أردع عَن الْفساد وَالتَّقْدِير لَا تفسدوا فِي عنصركم الْغَالِب عَلَيْكُم الَّذِي خلقْتُمْ مِنْهُ ومرجعكم إِلَيْهِ وَهُوَ الطين وَالْأَرْض أصلكم مِنْهَا خلقْتُمْ وإليها تعودُونَ فَكيف تفسدون فِيهَا وَكلما ذكر الْإِنْسَان بحقارة أَصله ومبدئه وبهلاكه واضمحلاله وَعوده إِلَى ذَلِك المبدأ ومصيره تُرَابا ثمَّ بَعثه وحسابه كَانَ ذَلِك أدعى لقبوله الموعظة وانفكاكه عَمَّا نهى عَنهُ وامتثاله لما أَمر بِهِ وَكَأن هَذَا وَالله أعلم هُوَ السِّرّ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تمش فِي الأَرْض مرحا إِنَّك لن تخرق الأَرْض﴾ وَلَو سَأَلَ الْعِزّ عَن نُكْتَة هَذِه لَكَانَ أولى لِأَن حكمته فِي ذكر الأَرْض هُنَا أدق مِنْهَا فِي تِلْكَ بِكَثِير كَمَا لَا يخفى وَلَا يَصح أَن يُقَال احْتَرز بِهِ عَن الْمَشْي فِي الْهَوَاء أَو على المَاء لِأَن هَذَا خارق وَهُوَ لَا يحْتَرز عَنهُ وَكَأن مَا ذكرته أَيْضا هُوَ حِكْمَة تكريرها والعدول عَن الأَصْل لن تخرقها لَكِن لما كَانَت الْإِعَادَة بِالظَّاهِرِ تَقْتَضِي مزِيد التيقظ والتقريع أَو ثرت على الضَّمِير ونكتة أُخْرَى هِيَ الْإِشَارَة إِلَى عجزهم وَإِن آثَار فسادهم قَاصِرَة عَلَيْهِم لَا تتعداهم إِلَى الْمَلَائِكَة الَّذين يكون هلاكهم وعذابهم على أَيْديهم ونكتة أُخْرَى هِيَ غَايَة التقريع والتخويف وَلَهُم وَهِي أَن إفسادهم يُؤَدِّي إِلَى استئصالهم لِأَن الْفساد فِي الأَرْض يُؤَدِّي إِلَى خرابها واستئصال أَهلهَا فَكَأَنَّهُ قيل لَهُم لَا تَكُونُوا سَببا لهلاك أَنفسكُم بِوَاسِطَة وُقُوع الْفساد مِنْكُم وَمِمَّا يُوضح ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿ظهر الْفساد فِي الْبر وَالْبَحْر بِمَا كسبت أَيدي النَّاس﴾ وَقد سُئِلَ مُجَاهِد ﵁ عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا تولى سعى فِي الأَرْض ليفسد فِيهَا وَيهْلك الْحَرْث والنسل﴾ قَالَ بلَى فِي الأَرْض فَيعْمل فِيهَا بالعدوان وَالظُّلم فَيحْبس الله بذلك الْقطر من السَّمَاء فَيهْلك بِحَبْس الْقطر الْحَرْث أَي الزَّرْع والنسل أَي سَائِر الْحَيَوَانَات ثمَّ قَرَأَ مُجَاهِد ﴿ظهر الْفساد فِي الْبر وَالْبَحْر﴾ الْآيَة وَتَخْصِيص الْعِزّ هَذِه الْآيَة بالسؤال مَعَ أَن لَهَا نَظَائِر كَثِيرَة فِي الْقُرْآن نَحْو ﴿وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين﴾ ﴿وَلَا تفسدوا فِي الأَرْض بعد إصلاحها﴾ كَأَنَّهُ للاستغناء بهَا عَن نظائرها وَمَا ذكرته من

стр. 177

النكت فِي تِلْكَ الْآيَة يَأْتِي فِي نظائرها الَّتِي أَشرت إِلَيْهَا فتفطن لذَلِك فَإِنَّهُ أهم وَهَذَا كُله لم أر من نبه على شَيْء مِنْهُ ثمَّ رَأَيْت الْبَيْضَاوِيّ أَشَارَ إِلَى بعض هَذِه النُّكْتَة الْأَخِيرَة بقوله وَكَانَ من فسادهم فِي الأَرْض تهييج الحروب والفتن بمخادعة الْمُسلمين وممالآة الْكفَّار عَلَيْهِم وإفشاء الْأَسْرَار إِلَيْهِم فَإِن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى فَسَاد من فِي الأرئض من النَّاس وَالدَّوَاب والحرث وَمِنْه إِظْهَار الْمعاصِي والإهانة بِالدّينِ فَإِن الْإِخْلَال بالشرائع والإعراض عَنْهَا مِمَّا يُوجب الْهَرج والمرج ويخل انتظام الْعَالم انْتهى وَرَأَيْت أَبَا حَيَّان أَشَارَ إِلَى ذَلِك وَإِلَى مَا ذكرته أَو لَا من أَنه ذكر فِيهَا أَيْضا لإِفَادَة الْعُمُوم أَي التَّنْصِيص عَلَيْهِ لما قَدمته وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا تولى سعى فِي الأَرْض ليفسد فِيهَا﴾ مَعْلُوم أَن السَّعْي لَا يكون إِلَّا فِي الأَرْض لَكِن أَفَادَ بِهِ الْعُمُوم بِمَعْنى فِي أَي مَكَان حل مِنْهَا مَعَ الْفساد وَيدل لفظ فِي الأَرْض على كَثْرَة سَعْيه وتقلبه فِي نواحي الأَرْض لِأَنَّهُ يلْزم من عُمُوم الأَرْض تكْرَار السَّعْي وَتقدم مَا يُشبههُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تفسدوا فِي الأَرْض﴾ وَيُمكن اسْتِخْرَاج نُكْتَة أُخْرَى وَهِي التَّعْرِيض بصلاح الأَرْض وَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بإفسادهم رفع ذَلِك الصّلاح الَّذِي امتن الله بِهِ على أَهلهَا إِمَّا بِكَوْنِهِ تَعَالَى أصلح خلقهَا على الْوَجْه المطابق لمنافع الْخلق وَإِمَّا بِكَوْنِهِ بعث فِيهَا الرُّسُل وَأنزل الْكتب وَفصل الشَّرَائِع وفسادها حِينَئِذٍ إِمَّا بإفساد النُّفُوس بِالْقَتْلِ وَقطع الأعصاب وَإِمَّا بإفساد الْأَمْوَال بِنَحْوِ النهب ووجوه الْحِيَل وَإِمَّا بإفساد الْأَدْيَان بالْكفْر والبدع وَإِمَّا بإفساد الْأَنْسَاب بِالزِّنَا واللواط وَالْقَذْف وَإِمَّا بإفساد الْعُقُول بِشرب المسكرات فَاقْتضى النَّهْي عَن الْفساد فِي الأَرْض منع إِدْخَال مَاهِيَّة الْفساد فِي الْوُجُود بِجَمِيعِ أَنْوَاعه وأصنافه ونكتة أُخْرَى وَهِي تذكيرهم بِنِعْمَة الله الْعُظْمَى عَلَيْهِم الْمشَار إِلَيْهَا بقوله هُوَ أنشأكم من الأَرْض واستعمركم فِيهَا أَي جعلكُمْ عمارها وسكانها أَو أَطَالَ أعماركم فِيهَا أَو جعلهَا لكم مَا عشتم أَو أسكنكم فِيهَا وخلقكم لعمارتها أَو استدعى مِنْكُم عمارتها وَكَانَ التَّقْدِير لَا تفسدوا فِيمَا جعلتم عماره وخلقتم لعمارته وسكناه مَعَ جعله لكم فِيهَا مَا عشتم وَطَلَبه مِنْكُم أَن تعمروه بصلاح الْأَعْمَال وَالْأَمْوَال وَالْأَحْوَال وَفِي هَذَا من حملهمْ على الصّلاح وإرشادهم إِلَى النجاح مَا لَيْسَ فِيهِ مِمَّا لم يذكر فِي الأَرْض فَكَانَ فِي ذكره الْمُفِيد لذَلِك فَائِدَة أَي فَائِدَة (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ أَيْضا عَمَّا سَأَلَهُ الْعِزّ بن عبد السَّلَام فِي أَمَالِيهِ بقوله ذكر الْأَزْمِنَة فِي مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ نجيناكم﴾ ﴿وَإِذ واعدنا مُوسَى﴾ وَغير ذَلِك من الْمَوَاضِع الَّتِي حصل فِيهَا الامتنان بِالنعَم بِجعْل الممتن بِهِ نفس الزَّمَان وَمثله قَول من قَالَ من الْعَرَب (أنسيت يَوْم عكاظ إِذْ لاقيتني … تَحت العجاج وَلم يشق غباري) وَالْمرَاد مَا وَقع فِي الْيَوْم لَا نفس الْيَوْم مَا فَائِدَة ذَلِك وَلَو ذكر النعم فَقَط اسْتَقل الْمَعْنى اه فَمَا جَوَاب ذَلِك (فَأجَاب) نفع الله بِهِ بقوله لذَلِك حِكْمَة ظَاهِرَة جلية وبيانها إِجْمَالا أَن إِذْ فِي نَحْو ذَلِك معمولة لمَحْذُوف تَقْدِيره واذْكُرُوا وَقت كَذَا هَذَا هُوَ الْأَصَح وَأَن التَّذْكِير بِمُجَرَّد النعم لَيْسَ فِيهِ التَّنْبِيه على أضدادها بِوَجْه أظهر بِخِلَاف التَّذْكِير بهَا بِالَّتِي وَقعت فِيهِ وتفصيلا أَن الشَّيْء كلما لوحظ خطره ثمَّ النجَاة مِنْهُ ثمَّ تبديله بِالنعَم الْمَحْضَة يكون ذَلِك أدعى إِلَى مزِيد الشُّكْر عَلَيْهِ والخضوع لموليه ومسديه وَإِلَى الِاعْتِرَاف بِهِ وَإِلَى عدم مُخَالفَة الْمُنعم فِي شَيْء من أوامره أَو نواهيه فَلهَذَا ذكر تَعَالَى زمن النعم الَّتِي امتن بهَا على عباده وَذكرهمْ بذلك الزَّمن ليذكرهم مَا كَانُوا فِيهِ من المحن فِي ذَلِك الزَّمن قبل وُصُول تِلْكَ النعم إِلَيْهِم فَإِذا ذكرُوا ذَلِك عظمت النعم عِنْدهم عَظمَة لَا نِهَايَة لَهَا وَوَقعت تِلْكَ الْمِنَّة مِنْهُم الْموقع الْعَظِيم الاعظم ولاجل هَذَا ذكرنَا فِي آيَات كَثِيرَة أحوالنا السَّابِقَة لنشكره عَلَيْهَا وعَلى أحوالنا اللاحقة بِكَوْنِهِ خلقنَا من تُرَاب ثمَّ من نُطْفَة ثمَّ من علقَة ثمَّ من مُضْغَة ثمَّ أخرجنَا من بطُون أمهاتنا لَا نعلم شيأ وَلَا نقدر على شَيْء فيسر لنا من قَامَ بمصالحنا إِلَى أَن من علينا بِنِعْمَة الْهِدَايَة والوقاية وبكونه جعل لنا عينين وَلِسَانًا وشفتين وهدانا النجدين وَنَحْو ذَلِك من النعم الَّتِي لَا تحصى والمنن الَّتِي لَا تستقصى كَمَا يظْهر لَك بتدبر الْآي القرآنية وَبِمَا تقرر علم أَن قَول الْعِزّ لَو ذكرت النعم فَقَط اسْتَقل الْمَعْنى فِيهِ نظر لِأَن الْمَعْنى الْمَقْصُود الَّذِي قَرَّرْنَاهُ لَا يحصل كَمَاله بِمُجَرَّد ذكر النعم فَقَط بل بِذكر زَمَنهَا وَلَعَلَّه أَرَادَ بِالْمَعْنَى أَصله لكنه غير مجد لِأَن جزالة مَعَاني الْقُرْآن وبداعة أساليبه تَقْتَضِي رِعَايَة أبلغ الْمَرَاتِب وأسنى

стр. 178

المطالب وَهَذَا من أَسبَاب إعجازه الَّتِي لم يصل إِلَى أدنى مراتبها غَيره وَقد لحظ الشَّاعِر فِي الْبَيْت الَّذِي ذكره الْعِزّ نَحْو مَا قَرّرته لِأَنَّهُ لَو ذكره بِمُجَرَّد التلاقي لم يتَنَبَّه لهول ذَلِك الْيَوْم وَلَا استحضر جَمِيع مَا فِيهِ فَلم يحصل الْمَقْصُود من تخويفه وتقريعه وَأما إِذا ذكره بذلك الْيَوْم الْمَشْهُور الَّذِي صَار يضْرب بِهِ الْمثل فِي هزيمته وجبنه وعجزه عَن شقّ غباره فِيهِ وَبِنَحْوِ ذَلِك مِمَّا وَقع فِيهِ فقد حصل الْمَقْصُود من تخويفه وتقريعه وزجره وترويعه والتسجيل عَلَيْهِ بِأَن من وَقع لَهُ مثل ذَلِك الْيَوْم لَا يَنْبَغِي أَن يعود إِلَى طعان بل وَلَا إِلَى حمل سِنَان فاتضح أَن مَا فِي الْبَيْت من منوال مَا فِي الْآيَة وَإِن النُّكْتَة فِي ذَلِك أشهر من نَار على علم وَهَذَا الْجَواب لم أر من نبه على شَيْء مِنْهُ رَحمَه الله تَعَالَى اه (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا سَأَلَ الْعِزّ فِي أَمَالِيهِ أَيْضا بقوله تَعَالَى ﴿أَو لم تؤمن قَالَ بلَى وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي﴾ وَالله تَعَالَى عَالم بإيمانه فَمَا الْحِكْمَة فِي ذَلِك وَمَا فَائِدَة الِاسْتِفْهَام وَالْجَوَاب عَنهُ (فَأجَاب) طمن الله قلبه بِالْإِيمَان ووالى عَلَيْهِ مزِيد الْعَفو والغفران وَأَسْكَنَهُ أَعلَى فراديس الْجنان آمين بقوله الْجَواب عَن ذَلِك مَذْكُور فِي كتب التَّفْسِير وَحَاصِله مَعَ الزِّيَادَة عَلَيْهِ أَن الله تفضل على أنبيائه وَرُسُله بِمَا لم يتفضل على غَيرهم وَمِنْه حماية ساحتهم المطهرة أَن تدنس بريبة أَو ترمى برذيلة حاشاهم الله من ذَلِك وَإِذا كَانَ هَذِه عَادَة الله مَعَهم فإبراهيم أكملهم بعد نَبينَا ﷺ وَعَلَيْهِم فَلهُ من تِلْكَ الحماية الْحَظ الأوفى وَحِينَئِذٍ فإبراهيم سَأَلَ ربه بغاية من الْأَدَب وَنِهَايَة من الخضوع أَن يرِيه كَيْفيَّة إحيائه الْمَوْتَى فَإِذا سمع هَذَا من لم يبلغ حَقِيقَة الْعلم بأحوال الْأَنْبِيَاء دَاخله شكّ فِي هَذَا السُّؤَال وتوهم مِنْهُ غير المُرَاد مِمَّا لَا يَلِيق بمقام الْخَلِيل بل رُبمَا أَدَّاهُ إِلَى الْكفْر فَأَرَادَ الله تَعَالَى أَن ينزه مرتبَة خَلِيله وَأَن يحفظ غَيره من الْهَلَاك بِسَبَبِهِ فَسَأَلَهُ وَهُوَ أعلم بِمَا انطوى عَلَيْهِ ضَمِيره من الْبلُوغ إِلَى غايات الْإِيمَان والوصول إِلَى نهايات الإيقان فَقَالَ لَهُ بأداة التَّقْرِير الدَّال على كَمَال نزاهته ﴿أَو لم تؤمن قَالَ بلَى وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي﴾ بانضمام عين الْيَقِين إِلَى علم الْيَقِين بِأَنَّهُ فان أَن إِيمَان إِبْرَاهِيم على أكمل وُجُوه الْإِيمَان وَأَنه لم يخالطه أدنى وهم وَأَنه لَيْسَ غَرَضه من سُؤَاله عَن ذَلِك إِلَّا ذَلِك العيان الَّذِي هُوَ أَعلَى مقامات الْعرْفَان وَلَا جلّ ذَلِك جَاءَ عَن جمَاعَة أَنه قَالَ بلَى يَا رب وَلَكِن لَيْسَ الْخَيْر كالعيان على أَنه من تَأمل سُؤال إِبْرَاهِيم فهم مِنْهُ مُرَاده وَهُوَ أَنه ﷺ لم يسْأَل عَن أصل الْإِحْيَاء وَإِنَّمَا سَأَلَ عَن كيفيته وَهَذَا صَرِيح فِي أَنه مُؤمن بِأَصْل الْإِحْيَاء ومتيقن لَهُ وَأَنه مِمَّن انطوى ضَمِيره على اعْتِقَاده فَإِن قلت إِذا دلّ سُؤَاله على ذَلِك فَلم قيل أَو لم تؤمن قلت هَذِه الدّلَالَة لَا يفهمها أَكثر النَّاس فَلَو وكل الْأَمر إِلَيْهَا لوقع أَكْثَرهم فِي الْمَحْذُور على أَن بعض الْمُفَسّرين مِمَّن لَا يعول عَلَيْهِ مَعَ ذَلِك كُله تكلم هُنَا بِكَلِمَات لَا تسْتَحقّ أَن تذكر كَيفَ وألفاظ الْآيَة كَمَا تقرر لَا تدل على شَيْء يُنَافِي كَمَال الْإِيمَان فضلا عَن أَصله وإيضاحه أَنه إِنَّمَا سَأَلَ أَن يرِيه عيَانًا كَيْفيَّة إحْيَاء الْمَوْتَى لِأَنَّهُ لما علم ذَلِك بِقَلْبِه وتيقنه وَاسْتدلَّ بِهِ على نمروذ فِي قَوْله ﴿رَبِّي الَّذِي يحي وَيُمِيت﴾ طلب مِمَّن رباه فِي الكمالات العلمية والمواهب الأحدية أَن يرِيه كَيْفيَّة ذَلِك لما فِي معاينته من رُؤْيَة اجْتِمَاع الْأَجْزَاء المتلاشية والأعضاء المتبددة والصور المضمحلة واستعظام باهر قدرته تَعَالَى فَإِن قلت كَيفَ هَذَا مَعَ قَوْله ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح نَحن أَحَق بِالشَّكِّ من إِبْرَاهِيم قلت هَذَا فِيهِ أَيْضا غَايَة النزاهة لإِبْرَاهِيم ﷺ بِنَفْي وُقُوع شكّ مِنْهُ على أبلغ وَجه وأوضحه أَي لَو شكّ إِبْرَاهِيم كَمَا يتوهمه من سُؤَاله هَذَا من لَا علم لَهُ لَكنا أَحَق بِالشَّكِّ مِنْهُ لِأَنَّهُ الْخَلِيل وَالْإِمَام الْجَلِيل وَلم لَا وَقد أَمر ﷺ بِاتِّبَاع سنته وتعظيم مرتبته وَقد علم ﷺ أَنه أفضل من إِبْرَاهِيم بِنَصّ قَوْله إِنَّا سيد ولد آدم وَلَا فَخر وَمَعَ ذَلِك تواضع وَنفى الشَّك عَن إِبْرَاهِيم بِأَنَّهُ لَو ثَبت لَهُ لثبت لَهُ وَهَذَا غَايَة فِي الشَّهَادَة بِبَرَاءَة إِبْرَاهِيم ونزاهته فَإِن قلت سُؤال إِبْرَاهِيم وَجَوَابه قبل نزُول الْقُرْآن فَلَا توهم فِي ذَلِك الزَّمن حَتَّى ينفى قلت هُوَ تَعَالَى علم بِأَن الْقُرْآن سينزل على هَذَا النمط فَلَو حذف هَذَا السُّؤَال لوقع من أحد من هَذِه الْأمة توهم مَا فصانهم الله تَعَالَى عَن ذَلِك من أَصله جَريا على سَابق رأفته وَرَحمته بهم وَأَيْضًا فالتوراة وَالْإِنْجِيل مشتملان على حِكَايَة أَحْوَال إِبْرَاهِيم صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم فَلَو حكى سُؤَاله لَهُم لتوهموا مِنْهُ خلاف المُرَاد فَكَانَ السُّؤَال وَالْجَوَاب صونا لما عساه أَن يَقع (وَسُئِلَ) الله بِعُلُومِهِ عَمَّا سَأَلَ الْعِزّ بن عبد السَّلَام

стр. 179

فِي أماله أَيْضا عَن قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ لَا أحب الآفلين﴾ فَقَالَ هَذَا مُشكل غَايَة الْإِشْكَال لِأَن الدَّال على عدم الآلهية الْكَوَاكِب إِن كَانَ التَّغَيُّر وَقد وجد الْأَقْوَال فَلَا معنى لاختصاصه بِهِ وَإِن كَانَ الْغَيْبَة عَن الْبَصَر فَيلْزم فِي حق الله تَعَالَى وَإِن كَانَ كَونه انْتقل من كَمَال وَهُوَ الْعُلُوّ إِلَى النُّقْصَان فقد كَانَ نَاقِصا عِنْد الْإِشْرَاق وَأَيْضًا فَذَلِك معلومه لَهُ قبل الأفول أَنه يأفل وَأَنه فِي الْمشرق مسَاوٍ لحالته فِي الْمغرب اه فَمَا الْجَواب (فَأجَاب) أتم الله عَلَيْهِ نوره ووالى عَلَيْهِ نعمه وسروره بقوله ذكر غير وَاحِد من الْمُفَسّرين هَذَا الْإِشْكَال وَجَوَابه لكنه يحْتَاج إِلَى مُقَدمَات توضحه فَمَعْنَى ﴿جن عَلَيْهِ اللَّيْل﴾ أظلم والكوكب النَّجْم قَالَ الرَّاغِب لَا يُقَال فِي النَّجْم كَوْكَب إِلَّا عِنْد ظُهُوره قيل كافه الأولى زَائِدَة على خلاف الأَصْل إِذْ هِيَ لَيست من حُرُوف الزِّيَادَة والأفول الْغَيْبَة والذهاب والبزوغ الِابْتِدَاء فِي الطُّلُوع كَأَنَّهُ مَأْخُوذ من البزغ وَهُوَ الشق لِأَنَّهُ بنوره يشق الظلمَة شقا وَالْقَمَر مَعْرُوف سمى بِهِ لبياضه وانتشار ضوئه وَقيل لِأَنَّهُ يقمر ضوء الْكَوَاكِب وينور بِهِ وَذكر الشَّمْس فِي ﴿هَذَا رَبِّي﴾ وأنثها فِي ﴿بازغة﴾ لِأَن فِيهَا لغتين التَّذْكِير والتأنيث فالتذكير بِتَأْوِيل الْكَوْكَب أَو الضَّوْء أَو النُّور أَو الطالع أَو الشَّخْص أَو الشَّيْء أَو لكَونه أخبر عَنْهَا بمذكر والمبتدأ وَالْخَبَر كالشيء الْوَاحِد وَقَول أبي حَيَّان على لُغَة أَكثر الْأَعَاجِم لأَنهم لَا يفرقون فِي الضمائر وَأَسْمَاء الْإِشَارَة بَين الْمُذكر والمؤنث مَرْدُود بِأَن هَذَا إِنَّمَا يُقَال لَو عبر بلغَة إِبْرَاهِيم وَهِي العبرانية وَنقل الطَّبَرِيّ أَن سَبَب نطقه بهَا لما عبر النَّهر فَارًّا من النمروذ وَكَانَ وصّى من أرسلهم لإحضاره أَن يأتوه بِمن يسمعونه يتَكَلَّم بالسُّرْيَانيَّة فَلَمَّا أدركوه استنطقوه فحول الله لِسَانه عبرانيا فسميت العبرانية لِأَنَّهَا كَانَت عِنْد عبوره النَّهر وَذكر ابْن سَلام أَن سَبَب تَسْمِيَة السريانية بذلك أَن الله حِين علم آدم الْأَسْمَاء علمه إِيَّاهَا سرا عَن الْمَلَائِكَة وأنطقه بِمَا ذكرُوا أَكثر الْمُفَسّرين أَن إِبْرَاهِيم ﷺ ولد زمن ملك رأى رُؤْيا عبرها المعبرون بِأَنَّهُ يُولد غُلَام يكون هَلَاك ملكه على يَدَيْهِ فَأمر بِذبح كل غُلَام يُولد فَلم تظهر أم إِبْرَاهِيم حملهَا فَلَمَّا أحست بالطلق ذهبت إِلَى كَهْف جبل فَوَضَعته فِيهِ وسدت بَابه بِحجر فجَاء جِبْرِيل ﵊ وَوضع إصبعه فِي فَمه وَكَانَت تَأتيه وتتعهده أمه أَحْيَانًا قيل ولد فِي بَرزَة بغوطة دمشق وَالصَّحِيح بكوثة بإقليم بابل من الْعرَاق وَبَقِي إِلَى أَن عرف لَهُ رَبًّا فَسَأَلَ أمه من رَبِّي قَالَت أَنا قَالَ وَمن رَبك قَالَت أَبوك قَالَ وَمن ربه قَالَت ملك الْبَلَد فَعرف أَنَّهَا جاهلة بِاللَّه تَعَالَى فَنظر فِي بَاب ذَلِك الْغَار ليرى شَيْء يسْتَدلّ بِهِ على وجود الرب تَعَالَى فَرَأى نجما قيل المُشْتَرِي وَقيل الزهرة فَقَالَ ﴿هَذَا رَبِّي﴾ الْآيَة ثمَّ قيل كَانَ هَذَا قبل الْبلُوغ وَقيل بعده وَبَالغ الْمُحَقِّقُونَ فِي رد هَذَا القَوْل وبطلانه وَقَالُوا لَا يجوز أَن يَأْتِي على نَبِي زمن إِلَّا وَهُوَ على غَايَة من الْمعرفَة بِاللَّه والتبري مِمَّا سواهُ وَكَيف يتَوَهَّم هَذَا على من عصمه الله وطهره وَأخْبر عَنهُ أَنه آتَاهُ رشده من قبل وَأَنه جَاءَ ربه بقلب سليم وَأَنه أرَاهُ ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وليكون من الموقنين يَقُول هَذَا رَبِّي على حَقِيقَته لَا يُمكن ذَلِك أبدا وَمِمَّا احْتَجُّوا بِهِ أَن القَوْل بربوبية الجماد كفر إِجْمَاعًا وَهُوَ لَا يجوز على نَبِي إِجْمَاعًا وَبِأَنَّهُ عرف ربه قبل هَذِه الْقَضِيَّة حَيْثُ قَالَ لِأَبِيهِ آزر ﴿أتتخذ أصناما آلِهَة إِنِّي أَرَاك وقومك فِي ضلال مُبين﴾ وَدعَاهُ إِلَى التَّوْحِيد وَأطَال مَعَه الْكَلَام فِي تسفيه مَا هُوَ فِيهِ كَمَا ذكر فِي سُورَة مَرْيَم وَمِمَّا يدل على تقدم ذَلِك على مَا هُنَا أَن مَا هُنَا فِي التَّغْلِيظ فِي الْحجَّاج لسَائِر قومه وَمن الْمَعْلُوم تقدم الترفق على التعنيف فِي الدعْوَة إِلَى الله وابتدائه بالأهل ثمَّ بالأجانب وَإِذا ثَبت لإِبْرَاهِيم هَذَا الْكَمَال الباهر فِي التَّوْحِيد فَكيف يسوغ لعاقل فضلا عَن فَاضل أَن يتَوَهَّم فِي إِبْرَاهِيم أَنه اعْتقد ألوهية كَوْكَب معَاذ الله وحاشاه الله وَكَيف وَدَلَائِل الْحُدُوث فِي الأفلاك ظَاهِرَة لَا تخفى على أقل الْعُقَلَاء فَكيف بأكملهم وَقَوله ﴿يَا قوم إِنِّي بَرِيء مِمَّا تشركون﴾ وَقَوله ﴿وحاجه قومه قَالَ أتحاجوني فِي الله وَقد هدان﴾ أدل دَلِيل على بطلَان مَا مر أَنه قَالَ ذَلِك فِي الْغَار وعَلى أَنه أَنما قَالَ ذَلِك إرشادا لَهُم إِلَى الْإِيمَان وإبطالا لما كَانُوا عَلَيْهِ من عبَادَة غير الله تَعَالَى وَمن ثمَّ قَالَ ﴿وَكَيف أَخَاف مَا أشركتم وَلَا تخافون أَنكُمْ أشركتم بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ عَلَيْكُم سُلْطَانا﴾ قيل وَلَو كَانَ مَقْصُوده تَحْصِيل الْمعرفَة لنَفسِهِ لاستدل بغروب الشَّمْس فِي الْيَوْم السَّابِق لتِلْك اللَّيْلَة على أَنَّهَا لَا تصلح للألوهية وَإِذا بطلت صلاحيتها لذَلِك فغيرها أولى وَلَا يَتَأَتَّى مثل ذَلِك فِيمَا إِذا قُلْنَا أَن مَقْصُوده إلزاما لقوم وإلجاؤهم إِلَى

стр. 180

الِاعْتِرَاف بِالْحَقِّ لاحْتِمَال أَنه إِنَّمَا اتّفقت مكالمته مَعَهم حَال طُلُوع ذَلِك النَّجْم ثمَّ اشتدت تِلْكَ المناظرة إِلَى أَن طلع الْقَمَر وطلعت الشَّمْس بعده فَثَبت بِهَذِهِ الْأَدِلَّة الظَّاهِرَة أَنه لَا يجوز أَن إِبْرَاهِيم ﷺ قَالَ على سَبِيل الْجَزْم هَذَا رَبِّي وَإِذا بَطل هَذَا فَتلك المناظرة إِمَّا أَن تكون بعد الْبلُوغ وَحِينَئِذٍ فَقَوله هَذَا رَبِّي لَيْسَ إِخْبَارًا بل حِكَايَة لمعتقدهم حَتَّى يرجِعوا إِلَيْهِ فيبطله بقوله لَا أحب الآفلين كَمَا تَقول فِي الْبَحْث مَعَ الفلاسفة الْقَائِلين بقدم الْأَجْسَام الْجِسْم قديم فَلم نشاهده مركبا متغيرا وَيُؤَيّد ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَتلك حجتنا آتيناها إِبْرَاهِيم على قومه﴾ أَو هَذَا رَبِّي فِي زعمكم فَلَمَّا غَابَ قَالَ لَو كَانَ إِلَهًا لما غَابَ أَو هَذَا يرجع لما قبله خلافًا لمن غاير بَينهمَا أَو أَنه اسْتِفْهَام إنكاري بِحَذْف أداته لدلَالَة السِّيَاق عَلَيْهِ على حد ﴿أفائن مت فهم الخالدون﴾ أَي فهم الخالدون على أحد الْأَقْوَال أَو بِتَقْدِير القَوْل أَي يَقُولُونَ هَذَا رَبِّي أَي الَّذِي يربيني وإضماره كثير وَمِنْه ﴿وَإِذا يرفع إِبْرَاهِيم الْقَوَاعِد من الْبَيْت واسمعيل رَبنَا﴾ الْآيَة أَو ذكره استهزاء كَمَا يُقَال لذليل سَاد قوما هَذَا سيدكم أَو قَالَه خداعا لَهُم ليوهمهم أَنه مُعظم لما عظموه حَتَّى يلْقوا إِلَيْهِ مقاليد عُقُولهمْ ويقبلوا مَا صدر عَنهُ فَلَمَّا أفل أَرَاهُم نقص النُّجُوم وَأَنَّهَا لَا تصلح للألوهية وَلَا مَحْذُور فِي إِيهَام ذَلِك التَّعْظِيم لِأَنَّهَا مصلحَة عَامَّة من غير حُصُول مَحْذُور لما تقرر من أَن قَوْله هَذَا رَبِّي مُحْتَمل لعدة أُمُور على أَن التَّلَفُّظ بِكَلِمَة الْكفْر إِذا جَازَ للإكراه فَلِأَن يجوز إِذا استعقب فِي ظن الْقَائِل هِدَايَة أَقوام إِلَى الله بطرِيق الأولى وَقد وَقع لإِبْرَاهِيم نَظِير ذَلِك فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَنهُ ﴿فَنظر نظرة فِي النُّجُوم فَقَالَ إِنِّي سقيم﴾ وَذَلِكَ لأَنهم كَانُوا يستدلون بِعلم النَّجْم على حُصُول الْحَوَادِث الْمُسْتَقْبلَة فوافقهم على هَذَا الطَّرِيق فِي الظَّاهِر مَعَ بَرَاءَته عَنهُ فِي الْبَاطِن وقصده أَن يتَوَصَّل بِهِ إِلَى كسر الْأَصْنَام وَنَظِيره ٧ أَن جَوَاب لما ورد لدَعْوَة قومه فَرَآهُمْ عاكفين على عبَادَة جسم فأوهمهم أَنه يعظمه حَتَّى رجعُوا إِلَيْهِ فِي أَكثر أُمُورهم فدهمهم عَدو فشاوروه فِي أمره فَقَالَ ادعوا الصَّنَم فَدَعوهُ فَلم يفد فَلَمَّا بَين لَهُم أَنه لَا ينفع وَلَا يدْفع دعاهم إِلَى أَن يدعوا الله فَدَعوهُ فصرف عَنْهُم فأسلموا وَأما أَن يكون قبل الْبلُوغ وَتَقْرِيره أَنه كَانَ كَامِل الْعقل فِي صغره أَيْضا فخطر لَهُ إِثْبَات الصَّانِع بالأدلة القطعية فَلَمَّا رأى الْكَوْكَب أبطل ألوهيته بأفوله وَكَذَا الْقَمَر وَالشَّمْس إِذا تمهدت هَذِه الْمُقدمَة فإشكال الْعِزّ بن عبد السَّلَام قد ذكره غَيره كَمَا تقرر وَتَقْرِير الْمَقْصُود مِنْهُ أَن إِبْرَاهِيم ﷺ اسْتدلَّ بأفول الْكَوَاكِب على امْتنَاع ربوبيتها والأفول عبارَة عَن غيبوبة الشَّيْء بعد ظُهُوره فَيدل على الْحُدُوث من حَيْثُ أَنه حَرَكَة وعَلى هَذَا التَّقْدِير فالطلوع أَيْضا حَرَكَة فَلم ترك الِاسْتِدْلَال على حدوثها بالطلوع وعول فِي إِثْبَات هَذَا الْمَطْلُوب على الأفول وَجَوَابه أَن الطُّلُوع والغروب يَشْتَرِكَانِ فِي الدّلَالَة على الْحُدُوث إِلَّا أَن الدَّلِيل الَّذِي يحْتَج بِهِ الْأَنْبِيَاء فِي معرض دَعْوَة الْخلق كلهم إِلَى الله تَعَالَى لَا بُد وَأَن يكون ظَاهرا بِحَيْثُ يشْتَرك فِي فهمه الذكي والغبي كدلالة الْحَرَكَة على الْحُدُوث وَإِن كَانَت يقينة إِلَّا أَنَّهَا دقيقة إِلَّا على الأفاضل من الْخلق أما دلَالَة الأفول على هَذَا الْمَقْصُود فَإِنَّهَا ظَاهِرَة يعرفهَا كل أحد فَإِن الأفل يَزُول سُلْطَانه وَقت الأفول من حَيْثُ أَن الأفول غيبوبة والإله المعبود الْقَادِر الْعَالم لَا يغيب وَلِهَذَا اسْتدلَّ بِظُهُور الْكَوْكَب وببزوغ الشَّمْس على الإلهية وَاسْتدلَّ بأفولها على عدم الألوهية وَلم يتَعَرَّض للاستدلال بالحركة أَهِي تدل على الْحُدُوث أَو لَا قَالَ الْفَخر الرَّازِيّ وَفِيه دقيقه وَهُوَ أَنه ﵊ إِنَّمَا كَانَ يناظرهم وهم كَانُوا منجمين ومذهبهم أَن الْكَوْكَب إِذا كَانَ فِي الرّبع الشَّرْقِي وَيكون صاعدا إِلَى وسط السَّمَاء كَانَ قَوِيا عَظِيم التَّأْثِير أما إِذا كَانَ غَرِيبا أَو قريب الأفول فَإِنَّهُ يكون ضَعِيف الْأَثر قَلِيل الْقُوَّة فَدلَّ بِهَذِهِ الدقيقة على أَن إلهه الَّذِي لَا تَتَغَيَّر قدرته إِلَى الْعَجز وكماله إِلَى النَّقْص وَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُم مذهبكم أَن الْكَوْكَب حَال كَونه فِي الرّبع الغربي يكون ضَعِيف الْقُوَّة نَاقص التَّأْثِير عَاجِزا عَن التَّدْبِير وَذَلِكَ يدل على الْقدح فِي ألوهيته لَا يُقَال تِلْكَ اللَّيْلَة كَانَت مسبوقة بنهار وليل فأفول تينك النيرين كَانَ حَاصِلا فِيمَا قبل فَلَا فَائِدَة لتخصيص الأفول الْحَاصِل فِي هَذِه اللَّيْلَة لأَنا نقُول قد بَان مِمَّا سبق أَنه ﷺ إِنَّمَا أورد هَذَا الدَّلِيل على الْقَوْم الَّذين كَانَ يَدعُوهُم من عبَادَة النُّجُوم إِلَى التَّوْحِيد أَنه كَانَ جَالِسا مَعَهم لَيْلَة من اللَّيَالِي فزجرهم عَن عبَادَة الْكَوَاكِب فَبَيْنَمَا هم فِي تَقْرِير الْكَلَام

стр. 181

إِذْ رفع بَصَره إِلَى كَوْكَب مضيء فَلَمَّا أفل قَالَ لَو كَانَ هَذَا الْكَوْكَب إِلَهًا لما انْتقل من الْعُلُوّ إِلَى الهبوط وَمن الْقُوَّة إِلَى الضعْف وَمن الْوُجُود إِلَى الْعَدَم وَمن الظُّهُور إِلَى الْغَيْبَة ثمَّ فِي أثْنَاء ذَلِك الْكَلَام بزغ الْقَمَر وَأَقل فَأَعَادَ عَلَيْهِم ذَلِك الْكَلَام وَكَذَا القَوْل فِي الشَّمْس إِذا تقرر ذَلِك علم اندفاع قَول الْعِزّ فَلَا معنى لاختصاصه بِهِ كَيفَ وَمَعْنَاهُ أظهر من نَار على علم لما تقرر أَن التَّغْيِير وَأَن حدث قبل الأفول إِلَّا أَنه فِيهِ أظهر وَأتم وأوضح وأعم وَقَوله فَيلْزم فِي حق الْإِلَه مَمْنُوع لِأَن غيبَة الْكَوْكَب غيبَة بعد ظُهُور وهبوط بعد علو وَنقص بعد كَمَال وَعدم بعد وجود الله منزه عَن جَمِيع ذَلِك وَقَوله عَن التَّغْيِير لَيْسَ فِيهِ فَائِدَة بل موهم خلاف المُرَاد وَقَوله فقد كَانَ نَاقِصا عِنْد الْإِشْرَاق مُسلم وَلَكِن شتان بَين نَقصه عِنْده ونقصه بالأفول كَمَا تقرر وَقَوله أَيْضا فَذَاك مَعْلُوم لَهُ قبل الأفول أَنه يأفل مُسلم أَيْضا وَلَكِن استدلاله بالأفول عِنْد مشاهدته أبلغ فِي إِلْزَام الْخصم وأقهر لَهُ وأوقع لدعواه وَمن عَادَة إِبْرَاهِيم ﷺ أَنه ينْتَقل إِلَى أظهر الْأَدِلَّة وَإِن حصل مَقْصُوده بِغَيْرِهِ أَلا ترَاهُ فِي حجاجه مَعَ النمروذ كَانَ يُمكنهُ أَن يَقُول أَحَي من أمته وَمَعَ ذَلِك انْتقل عَن ذَلِك إِلَى مَا هُوَ أبلغ فِي قهره وألزم لَهُ فَقَالَ ﴿إِن الله يَأْتِي بالشمس من الْمشرق فأت بهَا من الْمغرب﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿فبهت الَّذِي كفر﴾ فَعلم أَن الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم يراعون فِي إِقَامَة الْأَدِلَّة على الدَّعْوَى إِلَى الله تَعَالَى أوضحها وأظهرها وأكملها وأقهرها لتظهر حجتهم لكل أحد ويفتضح معاندهم إِلَى الْأَبَد وَقَوله فِي الْمشرق مسَاوٍ لحالته فِي الْمغرب مَمْنُوع بل بَينهمَا بون بَائِن مِمَّا تقرر الْمرة بعد الْمرة والكرة بعد الكرة وَالله يوفقنا لإصابة الصَّوَاب ويهدينا إِلَى مَا يُحِبهُ ويرضاه ويجزل لنا عَظِيم الثَّوَاب أَنه الْكَرِيم الْجواد الَّذِي لَيْسَ لنعمته من نفاد (خَاتِمَة) دلّت الْآيَة على أَحْكَام لَا بَأْس بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهَا أَو بَعْضهَا مِنْهَا أَنه تَعَالَى لَيْسَ بجسم وَإِلَّا كَانَ غَائِبا أبدا وَكَانَ آفلا أبدا وَأَنه لَيْسَ محلا للحوادث كَمَا زَعمه الكرامية وَإِلَّا كَانَ متغير أَو حِينَئِذٍ يحصل معنى الأفول وَذَلِكَ محَال وَأَن إِقَامَة الْأَدِلَّة على التَّوْحِيد هُوَ شعار الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم وَأَن التَّقْلِيد فِي ذَلِك غير مغن شيأ كَمَا قَالَه كَثِيرُونَ أَو مغن شيأ وَلكنه نَاقص عَن الِاسْتِدْلَال وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيق وَأَن معارف الْأَنْبِيَاء برَبهمْ استدلالية ضَرُورِيَّة وَأَن الطَّرِيق فِي معرفَة الله تَعَالَى النّظر فِي مخلوقاته إِذْ لَو أمكن تَحْصِيلهَا بطرِيق آخر أسهل من ذَلِك لسلكه إِبْرَاهِيم صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم وَقَوله ﴿إِنِّي بَرِيء مِمَّا تشركون﴾ مَبْنِيّ على مَا أثْبته بِالدَّلِيلِ أَن هَذِه الْكَوَاكِب لَا تصلح للربوبية وَلَا للألوهية لكنه اسْتشْكل بِأَن دلَالَة الدَّلِيل على نفي ألوهية الْكَوَاكِب لَا يلْزم مِنْهُ نفي الشَّرِيك مُطلقًا وَإِثْبَات التَّوْحِيد وَجَوَابه أَن الْقَوْم كَانُوا مساعدين على نفي سَائِر الشُّرَكَاء وَإِنَّمَا نازعوا فِي هَذِه الصُّورَة الْمعينَة فَلَمَّا ثَبت بِالدَّلِيلِ أَنَّهَا لَيست أَرْبَابًا وَثَبت بالِاتِّفَاقِ نفي غَيرهَا حصل الْجَزْم بِنَفْي كل شريك وَإِثْبَات التَّوْحِيد الْمُطلق لله تَعَالَى وَحده فَإِن قلت ثَبت أَن قومه كَانُوا يعْبدُونَ الْأَصْنَام أَيْضا قلت لم يَكُونُوا مَعَ ذَلِك معتقدين الألوهية إِلَّا للنجوم وَأَن تِلْكَ صُورَة يتَقرَّب بعبادتها إِلَى النُّجُوم كَمَا حكى عَنْهُم وَالله أعلم (وَسُئِلَ) نفع الله بِعُلُومِهِ عَمَّا سَأَلَ الْعِزّ فِي أَمَالِيهِ أَيْضا عَن معنى قَوْله تَعَالَى ﴿إِن نعف عَن طَائِفَة مِنْكُم نعذب طَائِفَة﴾ كَيفَ يَصح أَن يكون نعذب طَائِفَة جَوَاب الشَّرْط وَعَذَاب الطَّائِفَة لَا يتَوَقَّف على الْعَفو عَن الْأُخْرَى كَيفَ يقدر الْجَواب انْتهى فَمَا الْجَواب (فَأجَاب) أسْكنهُ الله جنَّة المآب وأوضح بِهِ طَرِيق الصَّوَاب بقوله لم أر من نبه على جَوَاب ذَلِك لكنه يعلم من سَبَب نزُول الْآيَة وَهُوَ أَنه ﷺ كَانَ يسير فِي غَزْوَة تَبُوك وَبَين يَدَيْهِ ثَلَاثَة نفر من الْمُنَافِقين اثْنَان يستهزآن بِالْقُرْآنِ وَالرَّسُول وَالْآخر يضْحك فالطائفتان ثَلَاثَة وَاحِد تَابَ فعفى عَنهُ وَهُوَ محشي ابْن جُبَير الْأَشْجَعِيّ يُقَال هُوَ الَّذِي كَانَ يضْحك وَلَا يَخُوض مجانبا لَهُم وينكر بعض مَا سمع فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة وَهِي ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ ليَقُولن إِنَّمَا كُنَّا نَخُوض وَنَلْعَب﴾ إِلَى آخرهَا تَابَ من نفَاقه وَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَل وفاتي قتلا فِي سَبِيلك لَا يَقُول أحد أَنا غسلت أَنا كفنت أَنا دفنت فأصيب يَوْم الْيَمَامَة فَمَا أحد من الْمُسلمين إِلَّا عرف مصرعه وَأما هُوَ فَلم يعرف لَهُ مصرع وَلم يظفر أحد بجثته وَأما الْآخرَانِ فَلَمَّا يتوبا أَحدهمَا عبد الله بن أبي إِذا تقرر ذَلِك علم أَن التَّقْدِير إِن نعف عَن وَاحِد مِنْكُم أَيهَا الثَّلَاثَة

стр. 182

لكَونه تَابَ وتعيينه دلّ عَلَيْهِ الْمَذْكُور بِشَهَادَة الْوَاقِع (وَسُئِلَ) نفعنا الله بِعُلُومِهِ عَمَّا سَأَلَ العزر رَحمَه الله تَعَالَى فِي أَمَالِيهِ أَيْضا عَن قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا وَقدره منَازِل لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحساب﴾ فَجعل علم الْعدَد والحساب مَعْلُوما للمنازل مَعَ أَنه لَا يفْتَقر فِي معرفَة هذَيْن لكَون الْقَمَر مُقَدرا بالمنازل بل غروبه وطلوعه كَاف انْتهى فَمَا الْجَواب (فَأجَاب) أَعلَى الله تَعَالَى على النيرين مَنْزِلَته وبلغه فِي الدَّاريْنِ أمْنِيته بقوله ظَاهر تَقْرِيره أَن الضَّمِير الْمَفْعُول فِي قدره للقمر وَحده وتخصيصه بِالذكر لسرعة سيره ومعاينة مَنَازِله وإناطة أَحْكَام الشَّرْع بِهِ وَلِأَن بِهِ يعرف انْقِضَاء الشُّهُور والسنين لَا بالشمس وَلِأَنَّهُ هُوَ عُمْدَة الْعَرَب فِي تواريخهم وَقيل الضَّمِير لَهما لاشْتِرَاكهمَا فِي معرفَة عدد السنين والحساب وَاكْتفى بِذكر الْقَمَر لما ذكر ثمَّ منَازِل الْقَمَر هِيَ الْمَشْهُورَة وَهِي الثَّمَانِية وَالْعشْرُونَ منزلَة وَهَذِه الْمنَازل مقسومة على البروج الاثْنَي عشر لكل برج منزلتان وَثلث فَينزل الْقَمَر كل لَيْلَة مِنْهَا منزلَة فَيسْتر لَيْلَتَيْنِ إِن تمّ الشَّهْر وَإِلَّا فليلة فانقضاؤه مَعَ نُزُوله تِلْكَ الْمنَازل ومقام الشَّمْس فِي كل منزلَة ثَلَاثَة عشر يَوْمًا وبانقضائها تَنْقَضِي السّنة وسلطان الشَّمْس بِالنَّهَارِ وسلطان الْقَمَر بِاللَّيْلِ وبحركة الشَّمْس تنفصل السّنة إِلَى الْفُصُول الْأَرْبَعَة وبالفصول الْأَرْبَعَة تنتظم مصَالح هَذَا الْعَالم وبحركة الْقَمَر تحصل الشُّهُور وباختلاف حَاله فِي زِيَادَة ضوئه ونقصه يخْتَلف أَحْوَال رطوبات هَذَا الْعَالم وبسبب الْحَرَكَة اليومية يحصل النَّهَار الَّذِي هُوَ مَحل الْكسْب وَاللَّيْل الَّذِي هُوَ مَحل الرَّاحَة وَهَذَا يدل على كَثْرَة رَحمته تَعَالَى لِلْخلقِ وعظيم عنايته تَعَالَى بهم قَالَ حكماء الْإِسْلَام هَذَا يدل على أَنه تَعَالَى أودع فِي أجرام الأفلاك وَالْكَوَاكِب أَشْيَاء مُعينَة من الْخَواص وقوى مَخْصُوصَة باعتبارها تنتظم مصَالح هَذَا الْعَالم السفلي إِذْ لَو لم يكن لَهَا آثَار وفوائد فِي هَذَا الْعَالم لَكَانَ خلقهَا بِغَيْر فَائِدَة فِينَا فِي تِلْكَ النُّصُوص إِذا تقرر ذَلِك ظهر أَن لمعْرِفَة الْمنَازل فِي الْقَمَر وَالشَّمْس دخلا أَي دخل فِي معرفَة عدد السنين وشهورها وأيامها وَفِي معرفَة حِسَاب الْأَوْقَات وآجال الدُّيُون والمعاملات وَغَيرهمَا بل كَمَال ذَلِك ومعرفته على حَقِيقَته لَا يعرفهُ إِلَّا من عرف تِلْكَ الْمنَازل وحسابها وَكَيْفِيَّة سير النيرين فِيهَا وانتقالهما من بَعْضهَا إِلَى بعض وَأما مُجَرّد معرفَة غرُوب الْقَمَر وطلوعه فَلَا يحصل بِهِ تَمام ذَلِك فاتضح أَن لهيئة تِلْكَ الْمنَازل وحسابها للنيرين أَو الْقَمَر عِلّة وَاضِحَة لعلم السنين وحساب نَحْو الْأَوْقَات على وَجههَا وَأَن هَذَا الْعلم مَعْلُول لتِلْك الْهَيْئَة وَأَنه لَا غُبَار على ذَلِك وَأَن قَول العزانه لَا يفْتَقر فِي معرفَة هذَيْن لكَون الْقَمَر مُقَدّر بالمنازل وَأَن الطُّلُوع والغروب كَاف مَمْنُوع إِذْ لَو شَاهد الْجَاهِل بالمنازل لطلوع الْقَمَر أثْنَاء اللَّيْل فَقيل لَهُ مَا الْمَاضِي أَو الْبَاقِي من اللَّيْل أَو وَقت الْعشَاء لم يعرف الْجَواب مَعَ مشاهدته لطلوعه بِخِلَاف من يعرف الْمنَازل فَإِنَّهُ يعرف ذَلِك وَمَا هُوَ أدق مِنْهُ بِأَدْنَى الْتِفَات إِلَيْهِ فَإِن قلت الَّذِي ظهر مِمَّا قَرّرته هُوَ معرفَة الْحساب الْمَذْكُور أما علم عدد السنين فَلَا يتَوَقَّف على معرفَة الْمنَازل أصلا فَكيف جعل معلولا لتقدير الْمنَازل قلت الْموَاد بِعَدَد السنين مَا يَشْمَل عدد أَجْزَائِهَا من الشُّهُور وَالْأَيَّام والساعات وَلَا يعرف كَمَال ذَلِك أَيْضا بل أَصله إِلَّا من عرف تِلْكَ الْمنَازل فَلَا إِشْكَال حِينَئِذٍ فِي الْآيَة بِوَجْه وَلم أرى أحدا نبه على ذَلِك وَالله الْمُوفق للصَّوَاب (فَائِدَة) الضياء هُوَ أعظم وأبلغ من النُّور لِأَنَّهُ يَسْتَدْعِي سطوعا ولمعانا مفرطا بِخِلَاف النُّور فَلِذَا اخْتصّت الشَّمْس بالضياء وَالْقَمَر بِالنورِ لكنه مُشكل بقوله تَعَالَى ﴿الله نور السَّمَوَات وَالْأَرْض مثل نوره﴾ الْآيَة فَإِن إِيثَار النُّور فِيهَا يَقْتَضِي أَنه أبلغ وَأعظم فِي الرونق وَأجَاب ابْن عَطِيَّة بِأَن النُّور هُنَا أبلغ وَأحكم لِأَنَّهُ تَعَالَى شبه هداه ولطفه الَّذِي نَصبه ليهتدى بِهِ فَأَصَابَهُ قوم وضل عَنهُ آخَرُونَ بِالنورِ الَّذِي هُوَ أبدا مَوْجُود فِي اللَّيْل وأثناء الظلام وَلَو شبه بالضياء لوَجَبَ أَن لَا يضل أحدا إِذا كَانَ الْهدى يكون كَالشَّمْسِ الَّتِي لَا تبقى مَعهَا ظلمَة فَمَعْنَى الْآيَة أَنه تَعَالَى جعل هداه فِي الْكفْر كالنور فِي الظلام فاهتدى قوم وضل آخَرُونَ وَلَو جعله كالضياء لما أضلّ بِهِ أحد انْتهى (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ وبعلومه عَمَّا سَأَلَ الْعِزّ بن عبد السَّلَام رَحمَه الله تَعَالَى فِي أَمَالِيهِ أَيْضا عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآن أَن يفترى من دون الله﴾ فَقَالَ فِيهِ إِشْكَال لِأَن الْعَرَب إِذا أَرَادَت أَن تخبر بِالْمَصْدَرِ مَعَ قطع النّظر عَن الزَّمَان قَالُوا أعجبني قيامك وَإِن أَرَادوا أَن يخبروا بِأَن ذَلِك الْمصدر كَانَ فِي

стр. 183

الْمَاضِي قَالُوا أعجبني أَن قُمْت وَإِذا أَرَادوا فِي الْمُسْتَقْبل قَالُوا أَن تقوم وَهُوَ معنى قَول النُّحَاة أَن تخلص الْفِعْل للمستقبل إِذا تقرر ذَلِك فَنَقُول الْمُشْركُونَ قَالُوا هَذَا الْقُرْآن افترى أَي فِي الزَّمن الْمَاضِي فَكيف ينفى افتراؤه فِي الزَّمن الْمُسْتَقْبل اه فَمَا الْجَواب عَن ذَلِك (فَأجَاب) رَحمَه الله تَعَالَى بقوله لم أر من أَشَارَ لجواب ذَلِك وَلكنه ظَاهر لمن تَأمل السَّبَب الَّذِي ورد لأَجله هَذَا النَّفْي وَبَيَانه أَن الْكفَّار طلبُوا من النَّبِي ﷺ أَن يَأْتِيهم بقرآن غير مَا سمعُوا مِنْهُ كَمَا حَكَاهُ تَعَالَى عَنْهُم بقوله تَعَالَى ﴿وَإِذا تتلى عَلَيْهِم آيَاتنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذين لَا يرجون لقاءنا ائْتِ بقرآن غير هَذَا أَو بدله﴾ ثمَّ طلبُوا مِنْهُ ﷺ أَن يَأْتِيهم بِآيَة أُخْرَى كَمَا حَكَاهُ تَعَالَى بقوله ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ آيَة من ربه﴾ وَقد أبطل الله مَا قَالُوهُ أَولا بقوله ﴿قل مَا يكون لي أَن أبدله من تِلْقَاء نَفسِي إِن أتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ﴾ وَمَا قَالُوهُ ثَانِيًا بقوله فَقل إِنَّمَا الْغَيْب لله ثمَّ ذكر تَعَالَى مَا يُقرر ذَلِك وَيُؤَيِّدهُ إِلَى أَن انْتهى هَذَا السِّيَاق فختمه بِمَا يبطل ذَيْنك الْقَوْلَيْنِ الصادرين عَن جهلهم المفرط وحماقتهم الْبَالِغَة فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآن أَن يفترى من دون الله﴾ وَوَجهه بِمَا فِيهِ الرَّد عَلَيْهِم أَنهم اعتقدوا أَن الْقُرْآن لبشر وَأَن مُحَمَّدًا ﷺ أَتَى بِهِ من عِنْد نَفسه اختلاقا وافتعالا فَبين الله لَهُم بِهَذِهِ الْآيَة بعد أَن بَين لَهُم ذَلِك أَيْضا بسوابقها ومتعلقاتها أَن هَذَا الْقُرْآن لَا يُمكن أَن يفترى مِنْهُ شَيْء فِي الْمُسْتَقْبل من غير الله فَكيف تطالبون مُحَمَّدًا ﷺ بِأَن يأتيكم بقرآن آخر غير مَا سمعتوه أَو بِآيَة أُخْرَى غير الْقُرْآن وَقد علمْتُم اسْتِحَالَة افتراء الْقُرْآن المستلزم لِاسْتِحَالَة افتراء الْآيَات فالتعبير بِأَن يفترى بِفَرْض دلَالَة أَن هُنَا عَلَيْهِ إِنَّمَا وَقع طبقًا لرد مخترعهم الَّذِي طلبُوا مِنْهُ أَن يَأْتِيهم بِهِ فِي الْمُسْتَقْبل لَا للِاحْتِرَاز عَن الْمَاضِي وَالْحَال لِأَن اسْتِحَالَة افترائه فيهمَا علم من غير ذَلِك بل وَمن هَذَا أَيْضا لِأَن كل مَا اسْتَحَالَ الْإِتْيَان بِهِ فِي الْمُسْتَقْبل يَسْتَحِيل الْإِتْيَان بِهِ فِي الْمَاضِي وَالْحَال لِأَنَّهُمَا مستقبلان بِالنِّسْبَةِ لما قبلهمَا إِذا تقرر ذَلِك علم جَوَاب إِشْكَال الْعزو وَأَنه انما يتَوَجَّه على مَا زَعمه من أَن هَذَا الْجَواب لقَولهم افترى هَذَا الْقُرْآن فِي الزَّمن الماضى وَقد بَان انْتِفَاء ذَلِك وَأَن هَذَا لَيْسَ جَوَابا لذَلِك أصلا كَيفَ وَذَلِكَ مَذْكُور بجوابه أثر هَذَا الختام لذَلِك السِّيَاق كَمَا قَدمته فَإِنَّهُ تَعَالَى لما ذكر ذَيْنك الْقَوْلَيْنِ السَّابِقين وأبطلهما وَختم سياقهما بِهَذَا ذكر عقبه مَا يَقُولُونَهُ فِي الْقُرْآن النَّازِل الَّذِي سَمِعُوهُ مَعَ جَوَابه أَيْضا فَقَالَ ﴿أم يَقُولُونَ افتراه قل فَأتوا بِسُورَة مثله﴾ وَمَعَ تَأمل هَذَا وتدبره لَا يتَوَجَّه إِشْكَال الْعِزّ أصلا وَلَا يَصح قَوْله ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآن أَن يفترى من دون الله﴾ جَوَابا لقَولهم افتراه فِي الزَّمن الْمَاضِي وَاعْلَم أَن هَذَا كُله بِنَاء على تَسْلِيم مَا ذكر عَن الْعَرَب من تِلْكَ الْقَاعِدَة وَأَنَّهَا عَامَّة حَتَّى فِي غير كَانَ المنفية وَلَك أَن لَا تسلم عمومها لذَلِك اسْتِدْلَالا بقوله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين﴾ فَإِنَّهُ نزل نهيا عَن اسْتِغْفَار سبق مِنْهُم للْمُشْرِكين كَمَا قَالَه أَئِمَّة التَّفْسِير فَدلَّ على أَن أَن فِي خبر كَانَ لَا يفرق بَين مَاض وَغَيره لانسحاب مضى كَانَ على خَبَرهَا فَيلْزم مضيه فِي الْمَعْنى وَإِن دخلت عَلَيْهِ أَدَاة الِاسْتِقْبَال لفظا وَمن ثمَّ أعربوا أَن يفترى فِي الْآيَة افتراء ومفترى أَو ذَا افتراء كل هَذَا فِيهِ دَلِيل لما ذكرته من أَن حَقِيقَة الِاسْتِقْبَال هُنَا غير مُرَادة لوُجُود كَانَ على مَا تقرر وَعبارَة أبي حَيَّان أَي وَمَا صَحَّ وَلَا استقام أَن يكون هَذَا الْقُرْآن المعجز مفترى قَالَ وَالظَّاهِر أَن أَن يفترى هُوَ خبر كَانَ أَي ذَا افتراء أَو مفترى وَزعم بَعضهم أَن أَن هَذِه هِيَ الْمقدرَة بعد لَام محذوفة وَأَن يفترى معموله وَحِينَئِذٍ فَلَا يرد سُؤَاله من أَصله فَتَأمل ذَلِك فَإِنِّي لم أجد الْآن شيأ أراجعه من مطولات كتب النَّحْو (وَسُئِلَ) ﵀ عَمَّا سَأَلَ الْعِزّ بن عبد السَّلَام فِي أَمَالِيهِ عَن قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن مُوسَى ﵇ ﴿وَاشْدُدْ على قُلُوبهم هَذَا﴾ مُشكل لِأَنَّهُ طلب أَن يشدد رِبَاط قُلُوبهم حَتَّى لَا يدخلهَا الْإِيمَان والطلب مُسْتَلْزم للإرادة فَكيف يطْلب وَيُرِيد مَا أَمر الله بِخِلَافِهِ مِنْهُم وَلَيْسَ مثل قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن نوح ﵊ ﴿وَلَا تزد الظَّالِمين إِلَّا ضلالا﴾ لِأَن نوحًا قيل لَهُ أَنه لن يُؤمن من قَوْمك إِلَّا من قد آمن فأيس من إِيمَانهم بِخِلَاف مُوسَى (فَأجَاب) ﵀ لَا إِشْكَال فِيهِ عِنْد التَّأَمُّل لِأَن الْعِزّ إِنَّمَا بنى إشكاله على أَن الطّلب مُسْتَلْزم للإرادة مِنْهُم حَيْثُ قَالَ بعد الاسلتزام الَّذِي ذكره فَكيف يطْلب وَيُرِيد لما أَمر الله أَن يكرههُ مِنْهُم وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا ذكر وَبَيَانه أَن الطّلب

стр. 184

إِنَّمَا يسْتَلْزم إِرَادَة وُقُوعه من الله غَضبا عَلَيْهِم لَا لإِرَادَة وُقُوعه مِنْهُم وَهَذَا لَا مَحْذُور فِيهِ وَجه فَهُوَ يكره وُقُوعه مِنْهُم لاشْتِمَاله على الْمَفَاسِد الَّتِي لَا تحصى ومخالفته لما أَمر الله بِهِ من دعايتهم إِلَى الْإِسْلَام وَيُرِيد وُقُوعه من الله بهم من حَيْثُ استلزامه لعذابهم وَوُقُوع عقابهم فِي مُقَابلَة مَا قابلوه بِهِ من مزِيد العناد والطغيان فالإرادة وَالْكَرَاهَة لم يتواردا على شَيْء وَاحِد حَتَّى يلْزم عَلَيْهِ مَا قَالَه الْعِزّ وَبنى عَلَيْهِ إشكاله الْمَذْكُور وَبعد أَن علمت اخْتِلَاف مَا بَين الحيثيتين ظهر لَك أَنه لَا إِشْكَال وَأَن غَايَة سُؤال مُوسَى لَيْسَ إِلَّا الدُّعَاء عَلَيْهِم بدوام الْعَذَاب على كفرهم المستصحب بِسَبَب عدم توفيقهم إِلَى الْإِسْلَام وَقَوله لَيْسَ الخ فِيهِ نظر وَمن أَيْن لَهُ الْجَزْم بِانْتِفَاء الْمُمَاثلَة بل يحْتَمل أَنه علم بِالْوَحْي عدم إِيمَانهم فَدَعَا عَلَيْهِم وَهَذَا هُوَ اللَّائِق بمرتبة النَّبِي سِيمَا مُوسَى عَلَيْهِ وعَلى نَبينَا أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فَإِنَّهُ كَانَ عِنْده من الرَّحْمَة لِقَوْمِهِ الْغَايَة الْعُظْمَى كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِك نَبينَا مُحَمَّد ﷺ بقوله رحم الله أخي مُوسَى لقد أوذي بِأَكْثَرَ من هَذَا فَصَبر وَلَقَد ذكر الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا من أَئِمَّتنَا لَو قَالَ لمُسلم سلبه الله الْإِيمَان أَو لكَافِر لَا رزقه الله الْإِيمَان لَا يكون كفر إِلَّا أَنه لَيْسَ رضَا بالْكفْر وَإِنَّمَا هُوَ دُعَاء عَلَيْهِ بتَشْديد الْأَمر انْتهى فَعلم أَن الدُّعَاء بدوام الْكفْر لَا يسْتَلْزم الرِّضَا بالْكفْر الَّذِي هُوَ الْمَكْرُوه بل وَلَا إِرَادَة الْكفْر من الْمَدْعُو عَلَيْهِ الَّتِي هِيَ كفر أَيْضا لما تقرر أَن الْقَصْد من هَذَا الدُّعَاء تَشْدِيد الْأَمر عَلَيْهِ دون أَمر زَائِد على ذَلِك فَإِذا كَانَ هَذَا فِي شرعنا غير كفر فَلَا يبعد أَن يكون مُبَاحا فِي شرع مُوسَى ﵇ وَلم أر أحدا من الْمُفَسّرين أَشَارَ لشَيْء من ذَلِك ثمَّ رَأَيْت أَبَا حَيَّان ﵀ أَشَارَ لبَعض مَا ذكرته بِقَوْلِي وَقَوله الخ بل يحْتَمل أَنه علم بِالْوَحْي الخ فَقَالَ لما بَالغ مُوسَى ﵊ فِي إِظْهَار المعجزات وهم مصرون على العناد واشتدادهم عَلَيْهِ وعَلى من آمن مَعَه وهم لَا يزِيدُونَ على عرض الْآيَات إِ لَا كفرا وعَلى الْإِنْذَار إِلَّا استكبارا وَعلم بالتجربة وَطول الصُّحْبَة أَنه لَا يَجِيء مِنْهُم إِلَّا الغي والضلال أَو علم ذَلِك بِالْوَحْي من الله تَعَالَى دَعَا عَلَيْهِم بِمَا علم أَنه لَا يكون غَيره كَمَا يُقَال لعن الله إِبْلِيس وأخزى الْكَفَرَة وكما دَعَا نوح على قومه حِين أوحى إِلَيْهِ أَنه لن يُؤمن من قَوْمك إِلَّا من قد آمن (وَسُئِلَ) أدام الله النَّفْع بِهِ عَمَّا سَأَلَ الْعِزّ فِي أَمَالِيهِ أَيْضا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَفَمَن يخلق كمن لَا يخلق﴾ حَيْثُ قَالَ الْعِزّ هَذَا مُشكل لِأَن قَاعِدَة التَّشْبِيه أَن يكون الْمُشبه دون الْمُشبه بِهِ وَهَذَا وَارِد إنكارا عَلَيْهِم فِي تشبيههم الْأَصْنَام بِاللَّه لقَوْله تَعَالَى ﴿يحبونهم كحب الله﴾ فَكَانَ يقتضى أَن يُقَال أَفَمَن لَا يخلق كمن يخلق وَلَا يُقَال إِنَّهُم كَانُوا يعظمون الْأَصْنَام أَكثر من تَعْظِيم الله تَعَالَى لِأَن الْأَمر لَيْسَ كَذَلِك بل قَالُوا ﴿مَا نعبدهم إِلَّا ليقربونا إِلَى الله زلفى﴾ وَلَا يتم لنا فِي هَذِه الْآيَة الْجَواب الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أفنجعل الْمُسلمين كالمجرمين انْتهى فَمَا الْجَواب (فَأجَاب﴾ بقوله أجَاب عَن ذَلِك الْمُفَسِّرُونَ بِأَنَّهُ من عكس التَّشْبِيه وَهُوَ مَوْجُود فِي كَلَام الْعَرَب وَمِنْه قَوْله تَعَالَى حِكَايَة ﴿إِنَّمَا البيع مثل الرِّبَا﴾ شبهوا الْمجمع على حلّه بالربا الْمجمع على تَحْرِيمه وَلم يعكسوا تَنْزِيلا لما يَفْعَلُونَهُ من الرِّبَا بِمَنْزِلَة الأَصْل المماثل لَهُ البيع وَمن ذَلِك أَيْضا قَول ذِي الرمة: (كَانَ ضِيَاء الشَّمْس غرَّة أَحْمد) الْبَيْت إِذا تقرر ذَلِك فهم لمبالغتهم فِي كفرهم وعتوهم فِي عنادهم شبهوا الله تَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ والجاحدون علوا كَبِيرا بأصنامهم وَنَحْوهَا من كل مَا عبدوه من دون الله تَعَالَى تَنْبِيها مِنْهُم بذلك على أَنهم لما عِنْدهم من عَظِيم الْإِشْرَاك بِهِ جَعَلُوهُ من جنس الْمَخْلُوقَات المعجزة تَشْبِيها بهَا وَمن ثمَّ بَالغ تَعَالَى فِي الْإِنْكَار عَلَيْهِم مُشِيرا إِلَى أَنهم فِي ذَلِك بالبهائم أشبه فَقَالَ ﴿أَفلا تذكرُونَ﴾ عَظِيم فَسَاد هَذَا الْوَاقِع مِنْكُم فَإِن فَسَاده من أجلى البديهيات فضلا عَن الضروريات وَلذَلِك كَانَ كَأَنَّهُ حَاصِل فِي عُقُولهمْ مركوز فِي أفهامهم لكِنهمْ آثروا عَلَيْهِ أهويتهم الْبَاطِلَة وآراءهم الخالية فغفلوا عَنهُ وَلَو التفتوا إِلَيْهِ بعقولهم أدنى الْتِفَات لأدركوه وَكَانَ كالحاضر عِنْدهَا بِأَدْنَى تذكر والتفات وَمن ثمَّ قيل لَهُم ﴿أَفلا تذكرُونَ﴾ لأنكم لَو تذكرتم أدنى تذكر لم تَقولُوا ذَلِك إِذا تقرر ذَلِك علم الْجَواب عَمَّا قَالَه الْعِزّ وَأَن هَذَا إِنَّمَا جَاءَ على خلاف الْقَاعِدَة الَّتِي ذكرهَا لِأَن قصد قَائِله الْمُبَالغَة فِي إثارة مدعاه فعكس الطَّرِيق الجادة حَتَّى يحصل لَهُ تِلْكَ الْمُبَالغَة الْمَذْكُورَة كَمَا تقرر وَقَوله وَلَا يُقَال الخ مَمْنُوع بل كَانُوا على فرق مِنْهُم من يعظم صنمه أَكثر من تَعْظِيم الله وَمِنْهُم من يعكس فَهَذَا وَارِد فِي حق الْأَوَّلين وَقَوله تَعَالَى عَنْهُم ﴿مَا نعبدهم إِلَّا ليقربونا إِلَى الله زلفى﴾

стр. 185

فِي حق الآخرين (وَسُئِلَ) نفع الله بِعُلُومِهِ عَمَّا سَأَلَ عَنهُ الْعِزّ فِي أَمَالِيهِ أَيْضا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ حَيْثُ قَالَ فِيهِ سُؤال وَهُوَ أَن عدم قيام فعل الْغَيْر عَام فِي النَّفس الآثمة وَغير الآثمة فَلم خص الآثمة مَعَ أَن التَّصْرِيح بِالْعُمُومِ أتم فِي الْعدْل وأبلغ فِي الْبشَارَة وأخصر فِي اللَّفْظ كَمَا قيل وَلَا تحمل نفس حمل أُخْرَى انْتهى (فَأجَاب) رَحمَه الله تَعَالَى بقوله لِلْمُفَسِّرِينَ فِي ذَلِك رأيان أَحدهمَا أَن تزر مَعْنَاهُ أَن تحمل الْوزر وَهُوَ الثّقل وَالتَّقْدِير وَلَا تحمل نفس حاملة حمل نفس أُخْرَى وعَلى هَذَا فَلَا يرد سُؤال الْعِزّ ويندفع قَوْله كَمَا قيل الخ لِأَن مَا قَالَه هُوَ معنى الْآيَة كَمَا تقرر فَلَا فرق بَينهمَا وَقد جرى الْبَعْض من الْمُحَقِّقين على ذَلِك فِي قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة سُبْحَانَ ﴿من اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لنَفسِهِ وَمن ضل فَإِنَّمَا يضل عَلَيْهَا وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ فَقَالَ بَين تَعَالَى أَن ثَوَاب الْعَمَل الصَّالح مُخْتَصّ بفاعله وعقاب الذَّنب مُخْتَصّ بفاعله وَلَا يتَعَدَّى مِنْهُ إِلَى غَيره ويتأكد هَذَا بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ ثَانِيهمَا أَنه من الْوزر وَهُوَ الْإِثْم وَالتَّقْدِير وَلَا تحمل نفس آثمة إِثْم نفس أُخْرَى وعَلى هَذَا يتَوَجَّه سُؤال الْعِزّ وَيُجَاب عَنهُ بِأَن سَبَب التَّخْصِيص أَنه وَقع ردا لقَولهم مَا حَكَاهُ الله تَعَالَى عَنْهُم بقوله ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا اتبعُوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾ وَبعد أَن رده بقوله ﴿وَمَا هم بحاملين من خطاياهم من شَيْء﴾ وَإِنَّهُم لَكَاذِبُونَ وَمن عَادَة الْقُرْآن بِأَن يُكَرر الْأَدِلَّة وَإِن اتّحدت الدَّعْوَى بأوجه مُخْتَلفَة وسياقات مؤتلفة زِيَادَة فِي التَّأْكِيد والتقرير ومبالغة فِي الرَّد لتِلْك الْمقَالة ثمَّ بَالغ تَعَالَى فِي الرَّد عَلَيْهِم فَقَالَ عقب تِلْكَ الْآيَة فِي سُورَة فاطر ﴿وَإِن تدع مثقلة إِلَى حملهَا لَا يحمل مِنْهُ شَيْء وَلَو كَانَ ذَا قربى﴾ أَي وَإِن تطلب نفس مثقلة بِالذنُوبِ نفسا أُخْرَى إِلَى أَن تحمل عَنْهَا شيأ مِمَّا أثقلها لَا تحمل تِلْكَ النَّفس الْمَطْلُوبَة مِنْهُ شيأ فِي حَالَة من الْحَالَات وَلَو كَانَ الْمَدْعُو أَو الدَّاعِي ذَا قرَابَة لَهُ وأفادت هَذِه نفي حمل ذَنْب كل نفس عَنْهَا كَمَا أفادت الأولى نفي أَن يحمل عَلَيْهَا ذَنْب غَيرهَا وَلَا يُنَافِي هَذَا ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالا مَعَ أثقالهم﴾ لِأَن المُرَاد أَنهم يحملون أثقال ضلالهم وإضلالهم وَكلهَا أوزارهم فَلم يحمل أحد عَن أحد شيأ وَقَوله مَعَ أَن التَّصْرِيح بِالْعُمُومِ الخ لَا يرد لما تقرر أَن ذَلِك التَّخْصِيص إِنَّمَا وَقع بِسَبَب دَعَا إِلَيْهِ هُوَ رد مَا افتروه كَمَا تقرر على أَنه تَعَالَى لم يقْتَصر عَلَيْهِ بل ذكره فِي آيَة سُبْحَانَ بعد أَن مهد بِبَيَان أَن حَسَنَات الْإِنْسَان لَهُ وسيآته عَلَيْهِ فَقَالَ ﴿من اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لنَفسِهِ وَمن ضل فَإِنَّمَا يضل عَلَيْهَا﴾ وَذكر فِي آيَة فاطر بعده مَا يتَعَلَّق بِالْحَسَنَاتِ أَيْضا فَقَالَ ﴿وَمن تزكّى﴾ الْآيَة أَي تطهر عَن دنس الذُّنُوب فَإِنَّمَا يتزكى لنَفسِهِ إِذْ نَفعه لَهَا دون غَيرهَا فَذكر تَعَالَى هذَيْن السياقين سِيَاق الْمعاصِي وَمَا يتَعَلَّق بهَا ثمَّ سِيَاق الْحَسَنَات وَمَا يتَعَلَّق بهَا على أبلغ وَجه وأكمل تَقْرِير جَريا على بلاغة الْقُرْآن المقررة لكل مطلب على حِدته بِمَا لَا يبْقى فِي نفس الْمُنكر شُبْهَة وَلَا تردد بِوَجْه فَتَأمل ذَلِك فَإِنِّي لم أر من أَشَارَ إِلَى شَيْء مِنْهُ مِمَّا يتَعَلَّق بسؤال الْعِزّ (وَسُئِلَ) بلغه الله أمله وَختم بِالْخَيرِ عمله عَمَّا سَأَلَ الْعِزّ فِي أَمَالِيهِ أَيْضا عَن قَوْله تَعَالَى ﴿فضربنا على آذانهم فِي الْكَهْف سِنِين عددا﴾ أَي ذَوَات عدد وَمَعْلُوم أَن السنين لَا تكون إِلَّا ذَوَات عدد فَمَا فَائِدَة ذكره وَلَيْسَ مثل قَوْله تَعَالَى ﴿دَرَاهِم مَعْدُودَة﴾ وَفِي أَيَّام معدودات لِأَن ذكر الْعدَد فيهمَا يدل على الْقلَّة لِأَن مَا كثر فِي الْغَالِب يتَعَذَّر عده لكثرته وَالْمرَاد هُنَا تَعْظِيم الصّفة فَعدم ذكر الْعدَد أولى بِهِ انْتهى (فَأجَاب) لَا زَالَ كفها للسَّائِل وعلومه استقامة للمائل بقوله فَائِدَة ذكره أَن مُدَّة لبثهم فِي الْكَهْف مَضْرُوبا على آذانهم وَقع الْخلاف فِي قدرهَا فَمنهمْ من قَالَ لبثنا يَوْمًا أَو بعض يَوْم لأَنهم كَانُوا نائمين لَا ينتبهون إِلَّا أَن نبهوا وَسبب الشَّك أَنهم كَانُوا نَامُوا غدْوَة وانتبهوا ظهرا فشكوا هَل هِيَ ظهر ذَلِك الْيَوْم فَيكون بعض يَوْم أَو ظهر الْيَوْم الَّذِي بعده فَيكون يَوْمًا وشيأ وَلم يذكروه إِلْغَاء للكسر وَمِنْهُم من يأوي عِنْد التَّرَدُّد ففوض علم ذَلِك إِلَى الله وَحَقِيقَة الْأَمر ذَلِك ذكره الله تَعَالَى بعد بقوله ﴿وَلَبِثُوا فِي كهفهم ثَلَاث مائَة سِنِين وازدادوا تسعا﴾ فالمدة طَوِيلَة جدا فِي نفس الْأَمر وقصيرة جدا فِي ظن بَعضهم وهم الْقَائِلُونَ ﴿لبثنا يَوْمًا أَو بعض يَوْم﴾ وَالْعدَد يُقَال للكثير لِأَن الْعَرَب كَانُوا فِيمَا دون الْأَرْبَعين يعدونه وَلَا يزنونه وَفِي الْأَكْثَر من ذَلِك يزنونه وَمَا دون الْأَرْبَعين الشَّامِل لتسعة وَثَلَاثِينَ من أعداد الْكَثْرَة لَا الْقلَّة وَتارَة يسْتَعْمل للتقليل وَهُوَ الثَّلَاثَة وَمَا دون الْأَحَد عشر وَمن الأول فِي أَيَّام معدودات وَمن الثَّانِي

стр. 186

﴿دَرَاهِم مَعْدُودَة﴾ إِذا تقرر ذَلِك علم أَن وَصفه تَعَالَى السنين بالعد إِذْ الْمَعْنى مَعْدُودَة أَو ذَوَات عدد لَهُ نُكْتَة ظَاهِرَة جدا وَهِي أَن الْقَصْد فِي أول الْقِصَّة تعمية خبرهم وَبَيَان أَن الممتحنين للنَّبِي ﷺ لَا يعلمُونَ هم وَلَا غَيرهم مُدَّة لبثهم حَقِيقَة فَأتى بِالسِّنِينَ الَّتِي هِيَ نَص فِي الْقلَّة لِأَنَّهَا مُلْحقَة بِجمع الْمُذكر السَّالِم مِمَّا يحْتَمل الْقلَّة وَيحْتَمل الْكَثْرَة مُبَالغَة فِي التعمية والامتحان كَمَا تقرر وَيدل لذَلِك تَعْلِيله تَعَالَى عقب ثمَّ بعثناهم بقوله عز من قَائِل ﴿لنعلم أَي الحزبين أحصى لما لَبِثُوا﴾ أَي أضبط حزرا من لبثهم إِذا تقرر ذَلِك علم الْجَواب عَن قَوْله فَمَا فَائِدَة ذكره وَأَنه لَيْسَ مثل ﴿دَرَاهِم مَعْدُودَة﴾ و ﴿أَيَّام معدودات﴾ وَأَن قَوْله فَهُوَ المُرَاد الخ مَمْنُوع بل المُرَاد مَا قَرّرته وَهُوَ مزِيد التعمية والامتحان ليخضعوا إِلَى الله ويردوا الْعلم إِلَيْهِ وَمن ثمَّ قَالَ تَعَالَى آخر الْقِصَّة ﴿وَلَا تستفت فيهم مِنْهُم أحدا﴾ ثمَّ أخبر بِمدَّة لبثهم الْحَقِيقِيّ وَبَين أَن أحدا لَا يُعلمهُ كَذَلِك غَيره لِأَنَّهُ من جملَة الْغَيْب الَّذِي انْفَرد تَعَالَى بِعِلْمِهِ وَهَذَا كُله لم أر من نبه عَلَيْهِ ثمَّ رَأَيْت الْفَخر الرَّازِيّ قَالَ قَالَ الزّجاج ذكر الْعدَد هُنَا مُفِيد كَثْرَة السنين وَكَذَلِكَ كل شَيْء مِمَّا يعد اذا ذكر فِيهِ الْعدَد وَوصف بِهِ يُفِيد كثرته لِأَنَّهُ إِذا قل فهم مِقْدَاره بِدُونِ التعديد أما إِذا كثر فهناك يحْتَاج إِلَى التعديد فَإِذا قلت أَقمت أَيَّامًا عددا أردْت أَيَّامًا ذَوَات عدد أَو مَعْدُودَة انْتهى وَفِيمَا ذكره نظر ظَاهر وَالصَّوَاب مَا قَرّرته فَتَأَمّله (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَمَّا سَأَلَ الْعِزّ فِي أَمَالِيهِ أَيْضا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن أعرض عَن ذكري فَإِن لَهُ معيشة ضنكا﴾ مَعَ قَوْله ﴿وَكَذَلِكَ نجزي من أسرف﴾ لِأَن من أسرف اندرج فِيمَن أعرض إِذْ المعرض أَعم من المسرف فَيلْزم أحد أَمريْن إِمَّا تَشْبِيه الشَّيْء بِنَفسِهِ أَو بَقَاء من أعرض على عُمُومه إِذا لم يخصص أَو تَشْبِيه الْأَعْلَى بالأدنى إِن كَانَ قد خصص لِأَن المسرف أعظم ذَنبا من المعرض لِأَن المعرض قد يعرض وَلَا يسرف وكلا الْأَمريْنِ مُشكل انْتهى (فَأجَاب) بقوله من تَأمل نظم الْآيَة علم أَن هَذَا إِشْكَال لَا يرد أصلا وَذَلِكَ أَن المعرض عَن الذّكر المكنى بِهِ عَن الْهدى الْمَذْكُور قبله وَهُوَ الْكتاب وَالرَّسُول لَا فادة أَنه مُذَكّر بِاللَّه وداع إِلَى عِبَادَته يَقُول الله يَوْم الْقِيَامَة إِذا حشره أعمى البصيرة وَهُوَ الْأَظْهر أَو الْبَصَر ﴿رب لم حشرتني أعمى وَقد كنت بَصيرًا﴾ فَيُجِيبهُ الله تَعَالَى بأمرين أَحدهمَا يتَعَلَّق بِهِ وَالثَّانِي يتَعَلَّق بِكُل من كَانَ على طَرِيقَته فَالْأول هُوَ قَوْله ﴿وَمن أعرض عَن ذكري فَإِن لَهُ معيشة ضنكا﴾ وَالثَّانِي هُوَ قَوْله ﴿وَكَذَلِكَ نجزي من أسرف وَلم يُؤمن بآيَات ربه﴾ وَهَذَانِ الوصفان أَعنِي الْإِسْرَاف وَعدم الْإِيمَان بِالْآيَاتِ داخلان فِي الْإِعْرَاض السَّابِق وَكَانَ قَضِيَّة النّظم وَكَذَلِكَ نجزي من كَانَ مثلك وعَلى طريقتك لكنه عدل عَنهُ إِلَى ذَلِك الْبَيَان ليسجل عَلَيْهِ بالإسراف وَعدم الْإِيمَان بِالْآيَاتِ وَإِن جزاءه ذَلِك لَيْسَ خَاصّا بِهِ بل يعم كل من اتّصف بِمَا اتّصف بِهِ وَهُوَ الْإِعْرَاض الَّذِي هُوَ الْإِسْرَاف بالانهماك فِي الشَّهَوَات المنسي للتأمل فِي الْآيَات والأدلة وَعدم الْإِيمَان بهَا فَانْدفع بِمَا قَرّرته قَوْله لِأَن من أسرف اندرج فِيمَن أعرض لِأَن المعرض الخ وَوجه اندفاعه بِمَا علم مِمَّا قَرّرته أَن قَوْله ﴿وَكَذَلِكَ نجزي من أسرف﴾ لَيْسَ مَعْطُوفًا على من أعرض وَلَا هُوَ دَاخل فِي سِيَاقه وَإِنَّمَا هَذَا سِيَاق آخر كَمَا علمت فَإِن من أعرض من جملَة الْمَقُول لآدَم وحواء وَكَذَلِكَ نجزي من أسرف من جملَة الْمَقُول يَوْم الْقِيَامَة لكل من أعرض أَو لأحد الْأَفْرَاد المعرضين إِذْ الْآيَة تَشْمَل كلا من هذَيْن وشتان مَا بَين السياقين واندفع أَيْضا قَوْله إِذْ المعرض أَعم من المسرف وَوجه اندفاعه مَا قَرّرته بِمَا يَقْتَضِي أَن يكون عينه وَلَكِن إِنَّمَا عبر عَنهُ بسياقين مُخْتَلفين للتسجيل على كل معرض بِأَنَّهُ جمع بَين وصفي الْإِعْرَاض والإسراف وَعدم الْإِيمَان بِالْآيَاتِ واندفع قَوْله فَيلْزم أحد أَمريْن الخ وَوجه اندفاعه مَا مر من اخْتِلَاف السياقين وَالتَّعْبِير عَن المعرض بِمَا هُوَ من لَازمه للتسجيل عَلَيْهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يلْزم شَيْء من ذَلِك على أَن قَوْله أما تَشْبِيه الشَّيْء بِنَفسِهِ فِيهِ نظر بل اللَّازِم بمقتضي مَا ذكره تَشْبِيه الْجُزْء بكله وَقَوله إِن كَانَ قد خصص لِأَن المسرف الخ مَمْنُوع أَيْضا لما تقرر من استوائهما وَأَنه مَعَ ذَلِك لَيْسَ فِيهِ مَحْذُور بِوَجْه فَتَأمل ذَلِك كُله فَإِنِّي لم أر من نبه على شَيْء مِنْهُ انْتهى (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا سَأَلَ الْعِزّ فِي أَمَالِيهِ أَيْضا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ فِيهِ إِشْكَال لِأَن ذكره بعد قَوْله ﴿أم اتَّخذُوا آلِهَة من الأَرْض هم ينشرون﴾ يبطل قَوْلهم وَهَذَا لَا يُبطلهُ لِأَن الْمُلَازمَة بَين الْفساد والإله الثَّانِي إِنَّمَا تصدق إِذا كَانَ الْإِلَه الثَّانِي تَاما حَتَّى يلْزم التمانع وهم لم يدعوا ذَلِك أَلا تراهم

стр. 187

يَقُولُونَ ﴿مَا نعبدهم إِلَّا ليقربونا إِلَى الله زلفى﴾ أما الهان تامان فَلم يقل بِهِ أحد من الْملَل فَمَا قَالُوا بِهِ لَا تبطله الْآيَة وَمَا تبطله الْآيَة لم يَقُولُوا بِهِ وَكَذَلِكَ قَوْله وَلَو اتبع الْحق أهواءهم لفسدت السَّمَوَات وَالْأَرْض قيل الْحق لله وَقيل الْقُرْآن وأياما كَانَ فالملازمة مشكلة انْتهى (فَأجَاب) ختم الله لَهُ بِالْإِسْلَامِ وأدام عَلَيْهِ هُوَ اطل الْجُود والإنعام بقوله قد استروح الْعِزّ ببنائه إشكاله على قَوْله وهم لم يدعوا ذَلِك وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ لَا ينْتج لَهُ إشْكَالًا أما أَولا فَإنَّا نقُول لَيْسُوا كلهم يَقُولُونَ ﴿مَا نعبدهم﴾ الْآيَة بل مِنْهُم من أثبت آلِهَته فَقَط وَمِنْهُم من شرك وَهَؤُلَاء الْمُشْركُونَ مِنْهُم من زعم أَن آلِهَته أكمل من الله تَعَالَى لما مر عَنْهُم فِي قَوْله ردا عَلَيْهِم ﴿أَفَمَن يخلق كمن لَا يخلق﴾ وَمِنْهُم من عكس وهم الْقَائِلُونَ ﴿مَا نعبدهم﴾ وَأما ثَانِيًا فلئن سلمنَا لَهُ ذَلِك وَأَنَّهُمْ لم يَدعُوهُ إِلَّا أَنه لَازم لقَولهم ولازم الْمَذْهَب مَذْهَب بِالنِّسْبَةِ لإِقَامَة الدَّلِيل على إِبْطَاله اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا الْخلاف فِي أَنه هَل يحكم بِأَن الْقَائِل بالملزوم قَائِل بِهِ أَو لَا فَلَمَّا لزم من تسميتهم نَحْو الْأَصْنَام المنحوتة المتخذة من الأَرْض آلِهَة لَزِمَهُم أَنَّهَا تقدر على جَمِيع الممكنات إِذْ من لَوَازِم الْإِلَه الاقتدار على ذَلِك نسب الله تَعَالَى إِلَيْهِم ذَلِك وَإِن لم يصرحوا بِهِ فَقَالَ تَعَالَى ﴿أم اتَّخذُوا آلِهَة من الأَرْض هم ينشرون﴾ أَي ينشرون الْمَوْتَى دون غَيرهم كَمَا أَفَادَهُ الضَّمِير الموهم لاخْتِصَاص الانتشار بهم ثمَّ لما تقرر أَن تسميتهم إِيَّاهَا آلِهَة يلْزمهَا الاقتدار على جَمِيع الممكنات بَين الله تَعَالَى أَن هَذَا اللَّازِم إِن لم يُوجد فِيهَا فَهِيَ غير آلِهَة وَإِن وجد فِيهَا لزم التمانع الْمُقْتَضِي للْفَسَاد فَقَالَ تَعَالَى ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ أَي لخرجتا عَن نظامهما التَّام الْمشَاهد لما يكون بَينهمَا عَادَة من الِاخْتِلَاف والتمانع الْمُقَرّر فِي مَحَله وَفرض اتِّفَاقهمَا عقلا لَا يعول عَلَيْهِ فِي الْأَدِلَّة القرآنية كَمَا قرر فِي مَحَله أَيْضا إِذا تقرر ذَلِك علم اندفاع قَول الْعِزّ وَهَذَا لَا يُبطلهُ كَيفَ لَا وَقد علمت أَن إِبْطَاله أَمر وَاضح جلي لما قَرّرته أَنهم سموا نَحْو أصنامهم آلِهَة فإمَّا أَن يَقُولُوا مَعَ ذَلِك أَنَّهَا لَا تقدر على شَيْء فَيبْطل حِينَئِذٍ ألوهيتها فعلى كل تَقْدِير يبطل اتخاذهم لتِلْك الْآلهَة إِمَّا بِغَيْر دَلِيل بِأَن يعترفوا بِالْأولِ أَعنِي بِأَنَّهَا لَا تقدر على شَيْء أَو بِالدَّلِيلِ الَّذِي أَقَامَهُ تَعَالَى عَلَيْهِم إِن اعْتَرَفُوا بِأَنَّهَا تقدر على جَمِيع الممكنات وَمن تَأمل إِيرَاد الْأَدِلَّة بِأَن على الْمُسْتَدلّ أَن يبطل جَمِيع مَا يَقُوله خَصمه وَإِن لم يقل بِبَعْضِهَا علم أَن الْآيَة وَارِدَة على أكمل الاستدلالات وأتقن الْبَرَاهِين وَقَوله فَلم يقل بِهِ أحد من أهل الْملَل مَمْنُوع لأَنهم وَإِن لم يَقُولُوا بِهِ صَرِيحًا هم قَائِلُونَ بِهِ استلزاما فعلى الْمُسْتَدلّ إِبْطَاله لِأَنَّهُ لَازم قَوْلهم وَحِينَئِذٍ فَبَطل قَوْله فَمَا قَالُوا بِهِ لَا تبطله الْآيَة وَمَا تبطله الْآيَة لم يَقُولُوا بِهِ وَكَذَلِكَ قَوْله وأياما كَانَ فالملازمة مشكلة وَبَيَانه أَنه لَا إِشْكَال فِيمَا لما قَرَّرْنَاهُ إِذْ الْحق لَو اتبع أهواءهم بِأَن كَانَ فِي الْوَاقِع الهة شَتَّى لفسد الْعَالم كَمَا تقرر فِي أَو كَانَ فيهمَا آلِهَة الا الله لفسدتا وَفسّر بَان الْحق لَو اتبع اهواءهم وانقلب بَاطِلا لذهب مَا قَامَ بِهِ الْعَالم من نظامه فَلَا يبْقى وَبَان الْحق الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّد ﷺ لَو اتبع أهواءهم وانقلب شركا لجاء الله بالقيامة وَأهْلك الْعَالم لفرط غَضَبه وعَلى كل من هذَيْن فَلَا إِشْكَال فِي الْمُلَازمَة أَيْضا هَذَا وَمن طعن فِي دلَالَة التمانع فسر الْآيَة بِأَن المُرَاد لَو كَانَ فِي السَّمَاء وَالْأَرْض آلِهَة كَمَا تَقولُونَ بإلهيتها يَا عَبدة الْأَوْثَان لزم فَسَاد الْعَالم لِأَنَّهَا جمادات لَا تقدر على تَدْبِير الْعَالم فَيلْزم فَسَاد الْعَالم قَالُوا وَهَذَا أولى لانه تَعَالَى حكى عَنْهُم قَوْله أم اتَّخذُوا آلِهَة من الأَرْض هم ينشرون ثمَّ ذكر الادلة على فَسَاد هَذَا فَوَجَبَ أَن يخْتَص الدَّلِيل بِهِ وعَلى هَذَا التَّقْرِير لَا يتَوَجَّه سُؤال عز أصلا (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَمَّا سَأَلَ الْعِزّ عَنهُ أَيْضا فِي أَمَالِيهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَدَاوُد وَسليمَان إِذْ يحكمان فِي الْحَرْث إِذْ نفشت فِيهِ غنم الْقَوْم وَكُنَّا لحكمهم شَاهِدين ففهمناها سُلَيْمَان﴾ فَقَالَ فِيهِ سؤالان أَحدهمَا أَن المُرَاد بِالشَّهَادَةِ هُنَا الْعلم فَمَا فَائِدَة ذكره وَلَيْسَ مَحل التمدح بِالْعلمِ لِأَن الله تَعَالَى لَا يتمدح بِعلم جزئي وَلَيْسَ السِّيَاق سِيَاق تهديد أَو ترغيب حَتَّى يكون ذكر الْعلم للمجازاة على الْفِعْل كَقَوْلِك عرفت صنعك الثَّانِي أَن الْحَرْث كَانَ كرما فَقضى دَاوُد أَولا بِأَن الْغنم لصَاحب الْكَرم وَحكم سُلَيْمَان ثَانِيًا بِأَن الْغنم تسلم لصَاحب الْكَرم ينْتَفع بأصوافها وَأَلْبَانهَا وَيسلم الْكَرم لصَاحب الْغنم يصلحه فَإِذا صلح عَادَتْ الْغنم لِرَبِّهَا وَالْكَرم لرَبه فَحكم دَاوُد لَو وَقع فِي شريعتنا لم يكن ثمَّ مَا يَقْتَضِي فَسَاده لِأَن الإرش يجوز أَن يكون قدر قيمَة الْغنم وصاحبها مُفلس فَدفع قيمَة الْغنم لمستحقها وَحكم سُلَيْمَان لَو وَقع فِي شريعتنا لم يَصح وشريعتنا هِيَ

стр. 188

أتم الشَّرَائِع فَإِن كَانَ حكم سُلَيْمَان صَحِيحا فَلم لم يشرع لنا وَإِن كَانَ حكم دَاوُد أفضل فَلم أثنى على سُلَيْمَان دونه انْتهى فَمَا الْجَواب (فَأجَاب) أَسْبغ الله عَلَيْهِ من لطائف الْفضل وَالْإِحْسَان مَا يخلده بِهِ فِي مقصورات الْجنان بقوله الْجَواب عَن ذَلِك يَسْتَدْعِي مُقَدمَات بهَا يتَبَيَّن أَن فِي حِكَايَة الْعِزّ سقطا وَهُوَ أَنهم اخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة الْقِصَّة وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكثر الْمُفَسّرين أَن رجلَيْنِ دخلا على دَاوُد صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم أَحدهمَا صَاحب حرث وَالْآخر صَاحب غنم فَقَالَ صَاحب الْحَرْث أَن غنم هَذَا دخلت حرثي وَمَا أبقت مِنْهُ شيأ فَقَالَ دَاوُد اذْهَبْ فَإِن الْغنم لَك فَخَرَجَا فمرا على سُلَيْمَان ﷺ فَقَالَ كَيفَ قضى بَيْنكُمَا فَأَخْبَرَاهُ فَقَالَ لَو كنت أَنا القَاضِي لقضيت بِغَيْر هَذَا فَأخْبر بذلك دَاوُد فَدَعَاهُ فَقَالَ فَكيف كنت تقضي بَينهمَا فَقَالَ أدفَع الْغنم لصَاحب الْحَرْث فَيكون لَهُ مَنَافِعهَا من الدّرّ والنسل والوبر حَتَّى إِذا كَانَ من الْعلم الْمُسْتَقْبل كَهَيْئَته يَوْم أكل دفعت الْغنم لأَهْلهَا وَقبض صَاحب الْحَرْث حرثه وَالَّذِي عَلَيْهِ ابْن مَسْعُود وَشُرَيْح وَمُقَاتِل أَن رَاعيا بَات لَيْلَة بِجنب كرم فَدخلت الأغنام الْكَرم وَهُوَ لَا يشْعر فَأكلت القضبان وأفسدتها فَذهب صَاحب الْكَرم من الْغَد إِلَى دَاوُد فَقضى لَهُ بالغنم لِأَنَّهُ لم يكن بَين ثمن الْكَرم وَثمن الْغنم تفَاوت فَخَرجُوا ومروا بِسُلَيْمَان فَقَالَ كَيفَ قضى بَيْنكُمَا فاخبروه فَقَالَ غير هَذَا أرْفق بالفريقين فَقَالَ تسلم الْغنم إِلَى صَاحب الْكَرم حَتَّى يترفق بمنافعها وَيعْمل الرَّاعِي فِي إصْلَاح الْكَرم حَتَّى يصيركما كَانَ ثمَّ ترد الْغنم إِلَى صَاحبهَا كَمَا قبضت وَحكم بذلك ثمَّ فِي الْآيَة أُمُور قيل لم يختلفا الْبَتَّةَ ورد بِأَن الصَّوَاب أَنَّهُمَا اخْتلفَا كَمَا أجمع عَلَيْهِ الصَّحَابَة والتابعون رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم وَقَوله تَعَالَى ﴿ففهمناها سُلَيْمَان﴾ بعد قَوْله ﴿وَكُنَّا لحكمهم شَاهِدين﴾ صَرِيح فِي ذَلِك لِأَن الْفَاء للتعقيب فَوَجَبَ سبق ذَلِك الحكم على التفهيم وَحِينَئِذٍ يلْزم اخْتِلَافهمَا فِيهِ حَتَّى يبْقى لقَوْله ففهمناها سُلَيْمَان موقع وَيجوز فِي حكمهمَا أَن يَكُونَا عَن نَص أَو اجْتِهَاد لجوازه للأنبياء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم على الصَّحِيح وأدلته مبسوطة فِي علم أصُول الْفِقْه وَقَالَ الجبائي من الْمُعْتَزلَة لَا يجوز الِاجْتِهَاد هُنَا وَإِن جوزناه لوجوه أَحدهَا أَن الَّذِي وصل لصَاحب الْحَرْث من در الْمَاشِيَة ومنافعها مَجْهُول الْمِقْدَار فَكيف يجوز فِي الِاجْتِهَاد أَحدهمَا عوضا وَالْآخر معوضا عَنهُ وَثَانِيها أَن اجْتِهَاد دَاوُد إِن كَانَ صَوَابا لزم أَن لَا ينْقض لِأَن الِاجْتِهَاد لَا ينْقض بِالِاجْتِهَادِ وَإِن كَانَ خطأ وَجب أَن يبين الله تَعَالَى تَوْبَته كَسَائِر الْأَنْبِيَاء فِيمَا حَكَاهُ تَعَالَى عَنْهُم فَلَمَّا مدحهما بقوله ﴿وكلا آتَيْنَا حكما وعلما﴾ دلّ على أَنه لم يَقع الْخَطَأ وَثَالِثهَا كَيفَ يجوز أَن يكون عَن اجْتِهَاد مَعَ قَوْله ﴿ففهمناها سُلَيْمَان﴾ وَأجِيب عَن الأول بِأَن الْجَهَالَة فِي الْقدر لَا تمنع من الِاجْتِهَاد كَمَا قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي وجوب صَاع فِي مُقَابلَة لبن الْمُصراة عملا بِالْحَدِيثِ وَقدم أَبُو حنيفَة الْقيَاس عَلَيْهِ لمُخَالفَته لما اسْتَقر أَن المثلى إِنَّمَا يقوّم وَيضمن بِمثلِهِ والمتقوّم بِقِيمَتِه وَعَن الثَّانِي بِأَنَّهُ يحْتَمل أَنه كَانَ خطأ من الصَّغَائِر كَذَا قيل وَلَيْسَ بِصَحِيح بل الِاجْتِهَاد يُثَاب عَلَيْهِ وَلَو كَانَ خطأ كَمَا نَص عَلَيْهِ نَبينَا مُحَمَّد ﷺ فَبَطل قَول الجبائي وَإِن كَانَ خطأ وَجب الخ وَعَن الثَّالِث بِمَا فِيهِ نظر أَيْضا والأصوب أَن يُقَال قَوْله ﴿ففهمناها سُلَيْمَان﴾ أَي هديناه إِلَى مَا هُوَ الْحق فِي نفس الْأَمر فَكَانَ اجْتِهَاده صَوَابا فيثاب عَلَيْهِ عشرَة أجور وَهَذَا يلْزم عَلَيْهِ كَالَّذي قبله أَن من قَالَ بِجَوَاز الِاجْتِهَاد للأنبياء يجوز عَلَيْهِم الْخَطَأ فِيهِ وَهُوَ قَول الْأُصُولِيِّينَ وَاعْتَمدهُ بعض محققيهم فِي نَبينَا ﷺ لكنه قَول مَرْدُود وَالصَّوَاب فِي نَبينَا ﷺ أَن اجْتِهَاده لَا يُخطئ هَذَا وَجه كَون حكميهما عَن اجْتِهَاد وَإِمَّا وَجه كَونهمَا عَن نَص فَيكون الثَّانِي نَاسِخا للْأولِ وَيُجَاب عَمَّا اعْترض بِهِ على هَذَا بِأَنَّهُ لَا يمْنَع من ذَلِك نزُول النَّاسِخ على سُلَيْمَان لِأَن شريعتهما كَانَت وَاحِدَة وَلَا يمْنَع قَوْله ﴿ففهمناها سُلَيْمَان﴾ لِأَن مَعْنَاهُ ففهمناه مَا أمرناه بتبيلغه مِمَّا ينْسَخ حكم دَاوُد لكَونه أَهلا لذَلِك مَعَ صغر سنه فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ أحد عشر سنة على مَا قيل فَفِيهِ غَايَة المدحة ثمَّ على تَجْوِيز أَن يَكُونَا عَن نَص واجتهاد كَونهمَا عَن اجْتِهَاد أنجح لما روى فِي الْأَخْبَار الْكَثِيرَة إِن دَاوُد لم يكن قد بت الحكم فِي ذَلِك حَتَّى سمع من سُلَيْمَان أَن غير ذَلِك أولى وَفِي بَعْضهَا أَن دَاوُد ناشده أَن يُورد مَا عِنْده وكل ذَلِك لَا يَلِيق بِالنَّصِّ لِأَنَّهُ لَا يجوز كتمه وَطَرِيق الِاجْتِهَاد فِي ذَلِك مَا ذكره ابْن عَبَّاس ﵄ من أَن دَاوُد قدر الضَّرَر فِي الْكَرم فَكَانَ مُسَاوِيا

стр. 189

لقيمة الْغنم وَكَانَ عِنْده أَن الْوَاجِب فِي ذَلِك الضَّرَر أَن يزَال بِمثلِهِ من النَّفْع فَلَا جرم سلم الْغنم إِلَى المحق عَلَيْهِ كَمَا قَالَ أَبُو حنيفَة ﵁ فِي العَبْد إِذا جنى على النَّفس يدْفع الْمولى ذَلِك أَو يفْدِيه وَأما سُلَيْمَان فَكَانَ اجْتِهَاده أدّى إِلَى أَنه يجب مُقَابلَة الْأُصُول بالأصول والزوائد بالزوائد وَأما مُقَابلَة الْأُصُول بالزوائد فَغير جَائِزَة لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الحيف وَلَعَلَّ مَنَافِع الْغنم فِي تِلْكَ السّنة كَانَت موازية لمنافع الْكَرم فَحكم بِهِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِي ﵁ فِيمَن غصب عبدا فأبق من يَده أَنه يضمن الْقيمَة فينتفع بهَا الْمَغْصُوب مِنْهُ بِإِزَاءِ مَا قوّته الغاضب من مَنَافِع العَبْد فَإِذا ظهر ترادا وَاسْتدلَّ الْقَائِلُونَ بِأَن الْمُصِيب من الْمُجْتَهدين وَاحِد بقوله ﴿ففهمناها سُلَيْمَان﴾ إِذْ لَو أصَاب كل مِنْهُمَا لم يكن لتخصيص سُلَيْمَان بالتفهيم فَائِدَة وَبِأَن الْكل مصيبون بقوله وكلا آتَيْنَا حكما وعلما ورد الاستدلالان أما الأول فَلِأَنَّهُ لم يقل فهمه الصَّوَاب فَيحْتَمل أَنه فهمه النَّاسِخ وَلم يفهمهُ لداود بِأَن لم يبلغهُ وكل مُصِيب فِيمَا حكم بِهِ على أَن أَكثر مَا فِي الْآيَة أَنَّهَا دَالَّة على أَنَّهُمَا مَعًا لم يَكُونَا مصيبين وَذَلِكَ لَا يُوجب أَن يَكُونَا فِي شرعنا كَذَلِك وَأما الثَّانِي فَلِأَنَّهُ تَعَالَى لم يقل حكما وعلما بِمَا حكما بِهِ بل يجوز أَن يكون حكما وعلما بِوُجُوه الِاجْتِهَاد وطرق الْأَحْكَام على أَنه لَا يلْزم من كَون كل مُجْتَهد مصيبا فِي شَرعه أَن يكون كَذَلِك فِي شرعنا وَاعْلَم أَن الْحسن الْبَصْرِيّ ﵀ قَالَ أَن هَذِه الْآيَة محكمَة والقضاة يقضون بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ورد بقول كثير أَنَّهَا مَنْسُوخَة بِالْإِجْمَاع ثمَّ اخْتلفُوا فِي حكمه فَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ إِن كَانَ بِالنَّهَارِ لَا ضَمَان لتقصير صَاحب الْحَرْث أَو لَيْلًا فَالضَّمَان لتقصير صَاحب الْمَاشِيَة لِأَن الْفَرْض أَنَّهَا بِمحل جرت الْعَادة بانسيابها نَهَار أَو حفظهَا لَيْلًا وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵁ لَا ضَمَان مُطلقًا حَيْثُ لم يَتَعَدَّ صَاحبهَا بِالْإِرْسَال لقَوْله ﷺ العجماء جَبَّار واستدلال الشَّافِعِي ﵁ بِأَنَّهُ ﷺ قضى بِأَن حفظ الحوائط بِالنَّهَارِ على أَهلهَا وَأَن على أهل الْمَاشِيَة مَا أصَاب ماشيتهم بِاللَّيْلِ إِذا تقرر ذَلِك فَاعْلَم أَن قَول الْعِزّ فَمَا فَائِدَة ذكره وَلَيْسَ الخ يُجَاب عَنهُ بِأَن لَهُ فَائِدَة وَاضِحَة وَهِي إِفَادَة أَن اخْتِلَاف النَّبِيين الجليلين صلى الله على نَبينَا وَعَلَيْهِمَا وَسلم فِي الحكم فِي هَذِه الْقَضِيَّة الْوَاحِدَة لم يصدر عَن هوى وَلَا حدس وَإِنَّمَا صدر إِمَّا عَن نَص وَالثَّانِي نَاسخ للْأولِ كَمَا تقرر أَو اجْتِهَاد وَالثَّانِي أرجح كَمَا تقرر أَيْضا فَلَمَّا كَانَ الْخلاف مَظَنَّة الْخَوْض فِي الْمُخْتَلِفين الْمُؤَدى إِلَى استنقاص أَحدهمَا أَو كليهمَا رد الله هَذِه المظنة وَبَين أَنَّهَا منفية عَنْهُمَا بِأَنَّهُ تَعَالَى عَالم بحكمهما علما مَخْصُوصًا وَمن ثمَّ عبر عَنهُ بالشهود الَّذِي هُوَ أخص من مُطلق الْعلم لِأَنَّهُمَا إِن صَدرا عَن نصين فَوَاضِح أَو اجتهادين فَهُوَ تَعَالَى أَقَامَ فِي وجود كل وَاحِد حجَّة ألجأته إِلَى مَا قضى بِهِ فَعبر تَعَالَى عَن ذَلِك بِحُضُورِهِ لحكميهما وَمر أَن بَعضهم اسْتدلَّ بِهَذِهِ الْآيَة على أَن كل مُجْتَهد مُصِيب وَأخذ وَجه الدّلَالَة مِنْهَا فَذَلِك بِمَا ذكرته أولى من أَخذه من قَوْله ﴿وكلا آتَيْنَا حكما وعلما﴾ لِأَنَّهُ مَرْدُود كَمَا مر وَقَوله وَلَيْسَ الخ يفهم أَن ذكر الله تَعَالَى لعلمه لَا يكون إِلَّا لما ذكره وَهُوَ مَمْنُوع وَقَوله الثَّانِي إِلَى الخ رتب إشكاله فِيهِ على مُقَدمَات ستدفع وباندفاعها ينْدَفع الْإِشْكَال من أَصله فَلَا يحْتَاج لجواب وَبَيَان ذَلِك أَن قَوْله لم يكن ثمَّ مَا يقتضى فَسَاده إِن أَرَادَ بِنَفْي مقتضيه فِي شريعتنا أَن مجتهدي شريعتنا أَجمعُوا على أَنه سَائِغ فَمَمْنُوع كَيفَ وَأَبُو حنيفَة ﵁ لَا يضمن فَسَاد الْبَهِيمَة مُطلقًا ويستدل بقوله ﷺ العجماء جَبَّار على أَنه لَو قَالَ بتضمين إِتْلَاف الْبَهِيمَة لقَالَ بِهِ نَظِير مَا مر عَنهُ فِي العَبْد الْجَانِي وَالْحسن الْبَصْرِيّ يَقُول فِي غير هَذِه المسئلة بِمَا قضى بِهِ سُلَيْمَان كَمَا مر أَيْضا على أَنه غير صَحِيح فِي مَذْهَبنَا لَو سلم لَهُ مَا قَالَه من أَنه مُفلس لِأَن الْأَرْش يَعْنِي قيمَة الْمُتْلف إِنَّمَا يجب من النَّقْد الْغَالِب وَالْغنم لَيست مِنْهُ وَالْقَاضِي لَا يجوز لَهُ أَن يعْطى غَرِيم الْمُفلس مَا لَهُ إِلَّا إِن كَانَ من جنس حَقه وَكَانَ الْإِعْطَاء أحظ من البيع وَأما إِذا لم يُوجد ذَلِك فَلَا يجوز إِعْطَاؤُهُ مَال الْمُفلس بل يلْزمه بَيْعه بِثمن الْمثل حَالا من نقد الْبَلَد وَإِعْطَاء قيمَة متلفه من ثمنه فَبَان أَن إِعْطَاء دَاوُد عين الْغنم فِي قيمَة مَا أتْلفه غير صَحِيح فِي مَذْهَبنَا أَيْضا وَإِذا اندفعت هَذِه الْمُقدمَة من كَلَام الْعِزّ لم يتَوَجَّه إِشْكَال أصلا وَقَوله وَحكم سُلَيْمَان لَو وَقع فِي شريعتنا لما صَحَّ أَن أَرَادَ بِنَفْي صِحَّته فِي شريعتنا أَن أحدا من الْمُجْتَهدين من هَذِه الْأمة لم يره مَمْنُوع كَيفَ وَالْحسن الْبَصْرِيّ من أكابرهم قَائِل بِهِ كَمَا مر وَقد مر أَن الشَّافِعِي ﵁ قَائِل بنظيره فِيمَن غصب عبدا

стр. 190

فابق من يَده أَنه يضمن قِيمَته للْحَيْلُولَة يَأْخُذهَا مَالك العَبْد ويملكها ملك قرض فينتفع بربحها فِي مُقَابلَة مَا فوّته الْغَاصِب من مَنَافِع عَبده فَإِذا رد عَبده لَهُ رد قِيمَته عَلَيْهِ وَإِذا بَان واتضح مِمَّا قَرّرته هُنَا وَمِمَّا قَدمته فِي تَفْسِير الْآيَة ٢ بقوله وَاجِب الخ إِن كلا من حكم دَاوُد وَسليمَان ﷺ فِي شريعتنا من قَالَ بِهِ وبنظيره بِأَن أَن إِشْكَال الْعِزّ لَا يتَوَجَّه أصلا وَأَنه مَبْنِيّ على هَاتين المقدمتين وَقد بَان اندفاعهما فيندفع الْإِشْكَال الْمَبْنِيّ عَلَيْهِمَا وَقَوله فَإِن كَانَ حكم سُلَيْمَان الخ فِي تَعْبِيره بالأفضلية هُنَا الَّتِي لَهَا دخل فِي توجه إشكاله على مَا زَعمه مَعًا يَأْتِي نظر ظَاهر وَإِنَّمَا حق الْعبارَة فَإِن كَانَ حكم سُلَيْمَان هُوَ الْحق النَّاسِخ بِنَاء على أَنه نَص أَو هُوَ عَن اجْتِهَاد فَلم لم يشرع لنا وَيُجَاب بِمَنْع هَذِه الْمُلَازمَة إِذْ لَا يلْزم من كَون حكم سُلَيْمَان هُوَ النَّاسِخ أَو هُوَ الْحق بالاعتبارين الْمَذْكُورين أَن يشرع لنا لما هُوَ الْمُقَرّر أَن الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم إِنَّمَا اتّفقت مللهم على أصُول التَّوْحِيد ومتعلقاتها وَأما الْأَحْكَام فَإِنَّهُم متخالفون فِيهَا لِأَنَّهَا مرتبطة ومنوطة بالمصالح والمفاسد وَهِي مُخْتَلفَة باخْتلَاف الْأَشْخَاص والأزمان والأمكنة بل وبأحوال الْمُرْسل فَإِن كل رَسُول يظْهر فِي شَرِيعَته فِي الْغَالِب مَا يُنَاسب أَحْوَاله وخصائصه الَّتِي اختصه الله تَعَالَى بهَا أَلا ترى أَن شَرِيعَة مُوسَى يغلب عَلَيْهَا الْجلَال حَتَّى كَانَت التَّوْبَة فِيهَا بقتل النَّفس وتطهير النَّجَاسَة بِقطع محلهَا والقود فِيهَا متحتم لَا يجوز أَخذ الدِّيَة عَنهُ وقتال الْعَدو فِيهَا وَاجِب لَا مندوحة عَنهُ وَذَلِكَ لِأَن الْجلَال كَانَ يغلب على مُوسَى ﵇ أَلا ترى إِلَى أَخذه بِرَأْس أَخِيه يجره إِلَيْهِ وضربه للحجر الفار بثويه ودعائه على فِرْعَوْن وَأَتْبَاعه بالطمس على أَمْوَالهم والإشداد على قُلُوبهم وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ مَعْلُوم من أَحْوَاله وأحوال شَرِيعَته الَّتِي نَص عَلَيْهَا الله فِي كِتَابه على لِسَان نبيه مُحَمَّد ﷺ وَشَرِيعَة عِيسَى ﷺ يغلب عَلَيْهَا الْجمال إِذْ لم يشرع فِيهَا قصاص وَلَا قتال وَلَا نَحْوهمَا من التَّشْدِيد الَّذِي شرع لغيره وَقَوله فَلم أثنى على سُلَيْمَان بقوله تَعَالَى ﴿وكلا آتَيْنَا حكما وعلما﴾ على أَنه مر أَن تَخْصِيص سُلَيْمَان بِذكر التفهيم إِنَّمَا هُوَ لعَارض هُوَ دفع مَا يتَوَهَّم فِي حكمه لصغره وَمَا خرج لنَحْو ذَلِك فَلَا مَفْهُوم لَهُ فَلَيْسَ فِي الْآيَة مَا يدل على انْتِفَاء التفهيم عَن دَاوُد بل فِيهَا مَا يدل عَلَيْهِ لثُبُوت ذَلِك وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وكلا آتَيْنَا حكما وعلما﴾ وفقنا الله لتفهيم مَعَاني كِتَابه ولإدراك خطأ الْقَوْلَيْنِ من صَوَابه ودام علينا رِضَاهُ فِي هَذِه الدَّار وَإِلَى أَن نَلْقَاهُ بمنه وَكَرمه آمين (وَسُئِلَ) بلغه الله من الْخَيْر أَضْعَاف أمله عَمَّا سَأَلَهُ عَنهُ الْعِزّ فِي أَمَالِيهِ أَيْضا من قَوْله تَعَالَى ﴿لَا يُؤمنُونَ بِهِ حَتَّى يرَوا الْعَذَاب الْأَلِيم فيأتيهم بَغْتَة﴾ فَقَالَ فِيهِ إِشْكَال لأَنهم إِذا رَأَوْهُ فَكيف يَأْتِيهم بَغْتَة بعد ذَلِك لِأَن الْفَاء تدل على التعقيب انْتهى (فَأجَاب) حماه الله وإيانا من الْعَذَاب بقوله إِشْكَال الْعِزّ مَبْنِيّ عَليّ مَا أفهمهُ كَلَامه الْمَذْكُور وَأَن فيأتيهم عطف على يرَوا وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك وَإِنَّمَا هُوَ مَعْطُوف على قَوْله سلكناه وَقَوله لَا يُؤمنُونَ الخ بَيَان وتأكيد لما دلّ عَلَيْهِ قَوْله سلكناه لِأَن إِدْخَال الْكفْر فِي قُلُوبهم مَعْنَاهُ أَنَّهَا … ... … ... … ... … ... . . (٧ الحَدِيث مسئلة وَسُئِلَ) ﵁ وأفاض علينا من مدده عَن قَوْله ﷺ كَانَ الله وَلم يكن مَعَه شَيْء وَكَانَ عَرْشه على المَاء الحَدِيث يدل أَنه مَا كَانَ مَعَ الله شَيْء وَالْحَال أَن عَرْشه كَانَ مَعَه (فَأجَاب) ﵁ لفظ حَدِيث البُخَارِيّ كَانَ الله وَلم يكن شَيْء قبله وَكَانَ عَرْشه على المَاء ثمَّ خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَكتب فِي الذّكر كل شَيْء وَأخرج التِّرْمِذِيّ قلت يَا رَسُول الله أَيْن كَانَ رَبنَا قبل أَن يخلق خلقه قَالَ كَانَ فِي عماء مَا تَحْتَهُ هَوَاء وَمَا فَوْقه هَوَاء وَخلق عَرْشه على المَاء قَالَ التِّرْمِذِيّ قَالَ أَحْمد يُرِيد بالعماء لَيْسَ مَعَه شَيْء قَالَ ابْن الْأَثِير فِي جَامعه العماء فِي اللُّغَة السَّحَاب الرَّقِيق وَقيل الكثيف وَقيل الضباب وَلَا بُد فِي الحَدِيث من حذف مُضَاف تَقْدِيره أَيْن كَانَ عرش رَبنَا فَحذف كَقَوْلِه تَعَالَى (هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام

стр. 191

وَالْمَلَائِكَة﴾ أَي أَمر الله وَيدل على هَذَا الْمَحْذُوف قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَانَ عَرْشه على المَاء﴾ وَحكى عَن بَعضهم فِي عمى مَقْصُور وَهُوَ كل أَمر لَا يُدْرِكهُ الفطن قَالَ الْأَزْهَرِي قَالَ أَبُو عبيد إِنَّمَا تأولنا هَذَا الحَدِيث على كَلَام الْعَرَب الْمَعْقُول مِنْهُم وَإِلَّا فَلَا نَدْرِي كَيفَ كَانَ ذَلِك العماء قَالَ الْأَزْهَرِي فَنحْن نؤمن بِهِ وَلَا نكيف بِصفة وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي بحره عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَانَ عَرْشه على المَاء﴾ وَالظَّاهِر أَن قَوْله ﴿وَكَأن عَرْشه على المَاء﴾ تَقْدِيره قبل خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن المَاء وَالْعرش كَانَا مخلوقين قبل قَالَ كَعْب خلق الله ياقوتة خضراء فَنظر إِلَيْهَا بالهيبة فَصَارَت مَاء ثمَّ خلق الرّيح فَجعل المَاء على منتهاه ثمَّ وضع الْعَرْش على المَاء وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قيل لَهُ على أَي شَيْء كَانَ المَاء قَالَ على متن الرّيح قَالَ الْبَيْضَاوِيّ وَكَانَ عَرْشه على المَاء قبل خلقهما أَي السَّمَاء وَالْأَرْض لم يكن حَائِل بَينهمَا إِلَّا أَنه كَانَ مَوْضُوعا على متن المَاء وَاسْتدلَّ بِهِ على إِمْكَان الْخَلَاء وَأَن المَاء أول حَادث بعد الْعَرْش من أجرام هَذَا الْعَالم وَقيل كَانَ المَاء على متن الرّيح وَالله أعلم بذلك إِذا تقرر ذَلِك فَلفظ الحَدِيث وَلم يكن قبله شَيْء خلافًا لما فِي السُّؤَال على أَنه لَو فرض أَن ذَلِك ورد أَيْضا لم يكن فِيهِ إِشْكَال مَعَ قَوْله وَكَانَ عَرْشه على المَاء لِأَن مَعْنَاهُ وَلم يكن مَعَه شَيْء أَي فِي أزله وَأما بعد أَن أوجد بعض خلقه فَكَانَ الْعَرْش حِينَئِذٍ على المَاء فَقَوْل السَّائِل وَالْحَال أَن عَرْشه مَعَه إِن أَرَادَ أَنه كَانَ مَعَه فِي الْأَزَل فَبَاطِل وَإِن أَرَادَ أَنه كَانَ مَعَه فِيمَا لَا يزَال فَصَحِيح فَحِينَئِذٍ هُوَ لَا يُنَافِي الحَدِيث الَّذِي ذكره كَمَا لَا يخفى ذَلِك على ذِي بَصِيرَة وَالله أعلم بِالصَّوَابِ (وَسُئِلَ) ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَنا مَدِينَة الْعلم وَأَبُو بكر أساسها وَعمر حيطانها وَعُثْمَان سقفها وعَلى بَابهَا هَل الحَدِيث صَحِيح أم لَا (فَأجَاب) بقوله الحَدِيث رَوَاهُ صَاحب مُسْند الفردوس وَتَبعهُ ابْنه بِالْإِسْنَادِ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ مَرْفُوعا وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف كَحَدِيث أَنا مَدِينَة الْعلم وعَلى بَابهَا وَمُعَاوِيَة حلقها فَهُوَ ضَعِيف أَيْضا وَأما حَدِيث أَنا مَدِينَة الْعلم وعَلى بَابهَا فَهُوَ حَدِيث حسن بل قَالَ الْحَاكِم صَحِيح وَقَول البُخَارِيّ لَيْسَ لَهُ وَجه صَحِيح وَالتِّرْمِذِيّ مُنكر وَابْن معِين كذب معترض وَإِن ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات وَتَبعهُ الذَّهَبِيّ وَغَيره على ذَلِك وَلَيْسَ مقتضيا لافضليته على أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ فقد صَحَّ عَنهُ أَي عَن على نَفسه خير النَّاس بعد النَّبِي ﷺ أَبُو بكر ثمَّ عمر ثمَّ رجل آخر فَقَالَ لَهُ ابْنه مُحَمَّد ﵄ ثمَّ أَنْت يَا أَبَت فَقَالَ مَا أَبوك إِلَّا رجل من الْمُسلمين وَمن ثمَّة أجمع أهل السّنة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمن بعدهمْ على أَن أفضل الصَّحَابَة على الْإِطْلَاق أَبُو بكر ثمَّ عمر ﵄ وَالله أعلم (وَسُئِلَ) ﵁ فِي قَول سيد الْمُرْسلين ﷺ فِيمَن أَزَال عَنهُ أَذَى مسح الله عَنْك مَا تكره هَل لفظ مسح بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَو الْمُهْملَة أوضحُوا ذَلِك أثابكم الله الْجنَّة بمنه (فَأجَاب) بقوله مسح يَصح أَن يكون بِالْحَاء الْمُهْملَة والمعجمة إِذْ الأول بِمَعْنى محا أَو قطع أَو أذهب وكل مِنْهَا صَحِيح والمتبادر من الْمسْح حَقِيقَته الشائعة وَهِي تَحْويل الصُّورَة لأقبح مِنْهَا والْحَدِيث فِي أذكار النَّوَوِيّ عَن كتاب ابْن السّني وَلَفظه أَن أَبَا أَيُّوب الْأنْصَارِيّ ﵁ تنَاول من لحية رَسُول الله ﷺ أَذَى فَقَالَ رَسُول الله ﷺ مسح الله عَنْك يَا أَبَا أَيُّوب مَا تكره وَفِي رِوَايَة أَنه أَخذ عَن رَسُول الله ﷺ شيأ فَقَالَ ﷺ لَا يكن بك السوء يَا أَبَا أَيُّوب مرَّتَيْنِ (وَسُئِلَ) ﵁ ونفعنا بِهِ عَمَّا فِي الْإِحْيَاء من حَدِيث لعن الْمُؤمن كقتله قَالَ فِي الصَّحِيح مُتَّفق عَلَيْهِ فَمَا معنى هَذَا الحَدِيث وَكَيف لعن الْمُؤمن الْمَذْكُور (فَأجَاب) بقوله أَن معنى لعن الْمُؤمن كقتله أَي مثله فِي الْحُرْمَة الشَّدِيدَة لِأَن لعن الْمُسلم حرَام بل لعن الْكَافِر الْغَيْر الْحَرْبِيّ كَذَلِك بل لعن الْحَيَوَان كَذَلِك وَسبب ذَلِك أَن اللَّعْن عبارَة عَن الطَّرْد والإبعاد عَن الله وَذَلِكَ غير جَائِز الْأَعْلَى من اتّصف بِصفة تبعده عَن الله تَعَالَى وَهُوَ الْكفْر والبدعة وَالْفِسْق فَيجوز لعن المتصف بِوَاحِدَة من هَذِه بِاعْتِبَار الْوَصْف الْأَعَمّ نَحْو لعنة الله على الْكَافرين والمبتدعة والفسقة أَو الْوَصْف الْأَخَص نَحْو لعن الله الْيَهُود والخوارج والقدرية وَالرَّوَافِض والزنادقة والظلمة وآكل الرِّبَا وَأما لعن شخص بِعَيْنِه فَإِن كَانَ حَيا لم يجز مُطلقًا إِلَّا أَن علم أَنه يَمُوت على الْكفْر كإبليس وَذَلِكَ كمن لم يعلم مَوته على الْكفْر وَإِن كَانَ كَافِرًا فِي الْحَال لِأَنَّهُ رُبمَا يسلم فَيَمُوت مقربا عِنْد الله تَعَالَى فَكيف يحكم بِكَوْنِهِ

стр. 192

ملعونا مُبْعدًا مطرودا فَلَا نظر للكفر فِي الْحَال نعم يجوز أَن يُقَال لَعنه الله إِن مَاتَ كَافِرًا وَكَذَا يُقَال فِي فَاسق ومبتدع معِين إِن مَاتَ وَلم يتب وَمن ثمَّ لم يجز كَمَا قَالَه الْغَزالِيّ وَغَيره لعن يزِيد لِأَنَّهُ قَاتل الْحُسَيْن أَو أَمر بقتْله خلافًا لمن تسَامح فِي ذَلِك وَرَآهُ جَائِزا مِمَّن لم يعْتد بِهِ وَلَا بقوله فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لم يثبت أَنه قَتله وَلَا أَمر بقتْله وَلَا رَضِي إِلَّا مَا حكى فِي بعض التواريخ مِمَّا لَا تقوم بِمثلِهِ حجَّة بل لَا يجوز نِسْبَة ذَلِك إِلَيْهِ كَمَا قَالَه الْغَزالِيّ أَيْضا لِأَنَّهُ لَا يجوز نِسْبَة مُسلم إِلَى كَبِيرَة من غير تَحْقِيق نعم يجوز أَن يُقَال قَاتل الْحُسَيْن أَو الْآمِر بقتْله أَو الراضي بِهِ لَعنه الله ان مَاتَ قبل التَّوْبَة لاحْتِمَال مَوته بعْدهَا كَمَا وَقع لوحشى قَاتل سيدنَا حَمْزَة ﵁ فَإِن قيل قَتله كَبِيرَة بل أكبر الْكَبَائِر بعد الْكفْر واللعن لَيْسَ كَذَلِك فَكيف يُقَال إِنَّه مثله قلت أما كَون اللَّعْن لَيْسَ كَذَلِك على الْإِطْلَاق فَغير صَحِيح بل الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَن اللَّعْن كَبِيرَة أخذا من هَذَا الحَدِيث وَغَيره وَلَيْسَ هُوَ أكبر الْكَبَائِر وَحِينَئِذٍ فالتشبيه بَينهمَا إِنَّمَا هُوَ فِي أصل التَّحْرِيم أَو كَون كل مِنْهُمَا كَبِيرَة وَلَيْسَ يلازم فِي الْمُشبه أَن يعْطى حكم الْمُشبه بِهِ من كل وَجه وَالله أعلم (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ وبعلومه عَمَّا فِي الْإِحْيَاء من الحَدِيث وَهُوَ قَالَ ﷺ أول من يسئل يَوْم الْقِيَامَة ثَلَاثَة رجل آتَاهُ الله الْعلم فَيَقُول الله مَاذَا صنعت فِيمَا علمت قَالَ أَي رب كنت أقوم آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار فَيَقُول الله كذبت وَتقول الْمَلَائِكَة كذبت بل أردْت أَن يُقَال فلَان عَالم أَلا فقد قيل ذَلِك وَرجل آتَاهُ الله مَالا فَيَقُول تَعَالَى قد أَنْعَمت عَلَيْك فَمَاذَا صنعت فَيَقُول يَا رب كنت أنفقهُ وأتصدق بِهِ آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار فَيَقُول الله تَعَالَى كذبت وَتقول الْمَلَائِكَة كذبت بل أردْت أَن يُقَال فلَان سخي أَلا فقد قيل قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ فقد خبط على فَخذي وَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَة أُولَئِكَ خلق تسعر بهم النَّار يَوْم الْقِيَامَة انْتهى فَهَل هُوَ صَحِيح أم لَا (فَأجَاب) رَحمَه الله تَعَالَى بِأَن الحَدِيث الْمَذْكُور فِيهَا رَوَاهُ مُسلم لَكِن لم يذكر الصِّنْف الثَّالِث وَهُوَ مَذْكُور أَيْضا فِي حَدِيث الْإِحْيَاء وَإِنَّمَا وَقع الْخلَل فِيهِ من كَاتب السُّؤَال وَالله أعلم (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَن قَوْله ﷺ الْفُقَرَاء سراج الْأَغْنِيَاء فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلَوْلَا الْفُقَرَاء لهلك الْأَغْنِيَاء ودولة الْأَغْنِيَاء لَا بَقَاء لَهَا ودولة الْفُقَرَاء فِي الْآخِرَة لَا فنَاء لَهَا وَقَوله ﷺ لعن الله من أكْرم غَنِيا لأجل غناهُ وأهان الْفَقِير لفقره فَمن فعل ذَلِك سمى فِي السَّمَوَات عَدو الله وعدو الْأَنْبِيَاء وَلَا يُسْتَجَاب الدعْوَة وَلَا تقضى لَهُ حَاجَة قَالَه الطوسي فِي حَدِيث الْأَرْبَعين فَهَل هَذَا الحَدِيث صَحِيح أم حسن أم كَيفَ حَاله (فَأجَاب) بِأَن حَدِيث الْفُقَرَاء سراج الْأَغْنِيَاء لم أره فِي غير الْأَرْبَعين الْمَذْكُورَة فِي السُّؤَال ولمصنفها من الْجَلالَة مَا يمنعهُ أَن يضع فِيهَا حَدِيثا مَوْضُوعا مَعَ علمه بِوَضْعِهِ وَلَفظ الحَدِيث الَّذِي فِيهَا سراج الْأَغْنِيَاء فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة الْفُقَرَاء وَلَوْلَا الْفُقَرَاء لهلك الْأَغْنِيَاء مثل الْفَقِير كَمثل الْعَصَا فِي يَد الْأَعْمَى دولة الْأَغْنِيَاء لَا بَقَاء لَهَا ودولة الْفُقَرَاء يَوْم الْقِيَامَة الخ وَله شَاهد رَوَاهُ أَبُو نعيم بِسَنَد ضَعِيف اتَّخذُوا عِنْد الْفُقَرَاء أيادي فَإِن لَهُم دولة يَوْم الْقِيَامَة فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة نَادَى مُنَاد سِيرُوا إِلَى الْفُقَرَاء فاعتذروا إِلَيْهِم كَمَا يعْتَذر أحدكُم إِلَى أَخِيه فِي الدُّنْيَا وَحَدِيث لعن الله من أكْرم الْغَنِيّ الخ هُوَ فِي الْأَرْبَعين الْمَذْكُورَة أَيْضا لَكِن بِلَفْظ لعن الله من أكْرم الْغَنِيّ لأجل غناهُ وأهان الْفَقِير لأجل فقره وسمى فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض عَدو الله وعدو الْأَنْبِيَاء وَلَا تستجاب لَهُ دَعْوَة وَلَا تقضى لَهُ حَاجَة انْتهى وَذكره أَيْضا شيخ مَشَايِخ الْإِسْلَام الْحَافِظ أَبُو الْفضل أَحْمد بن حجر الْعَسْقَلَانِي فِي تَشْدِيد الْقوس لمُسْند الفردوس وَلَفْظَة حَدِيث لعن الله فَقِيرا تواضع لغنى من أجل مَاله الحَدِيث أسْندهُ عَن أبي ذَر انْتهى وَبَقِيَّة الحَدِيث من فعل ذَلِك مِنْهُم فقد ذهب ثلثا دينه وَأخرجه الديلمي أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ وَهُوَ فِي تَرْجَمَة وهب بن مُنَبّه من الْحِلْية لأبي نعيم مَرْفُوعا من تضعضع لذِي سُلْطَان أَرَادَ دُنْيَاهُ أعرض الله عَنهُ وَأخرج عَنهُ أَيْضا وَرَفعه من تضرع لصَاحب دنيا وضع بذلك نصف دينه وكل ذَلِك ضَعِيف بل رَوَاهُ لَكِن يشْهد لذَلِك حَدِيث من تواضع لَغَنِيّ لأجل غناهُ ذهب ثلثا دينه رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب من حَدِيث الْحسن بن بشر عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن ابْن مَسْعُود ﵁ بقوله من خضع لَغَنِيّ وَوضع لَهُ نَفسه إعظاما لَهُ طَمَعا فِيمَا قبله ذهب ثلثا مروأته وَشطر دينه وَمن حَدِيث سَمُرَة بن عَطِيَّة عَن ابْن زَائِدَة عَن ابْن مَسْعُود ﵁ مَرْفُوعا من أصبح مَحْزُونا على

стр. 193

الدُّنْيَا أصبح ساخطا على ربه وَمن أصبح يشكو مُصِيبَة نزلت بِهِ فَإِنَّهُ يشكو ربه وَمن تضعضع لَغَنِيّ يسْأَل مَا فِي يَده أَسخط الله وَمن أعْطى الْقُرْآن فَدخل النَّار فَأَبْعَده وَقَالَ مَا يرويهِ عَن ثَابت عَن أنس إِلَّا وهب بن رَاشد الْبَصْرِيّ وَكَانَ من الصَّالِحين وَفِي لفظ فتضعضع لمَاله وَقصد مَا عِنْده أحبط الله عمله وهما واهيان جدا حَتَّى أَن ابْن الْجَوْزِيّ ذكرهمَا فِي الموضوعات فَعلم أَن هَذِه الْأَحَادِيث لَيْسَ فِيهَا شَيْء صَحِيح وَلَا حسن قيل وَإِنَّمَا لم يحكم على الثُّلُث الثَّالِث وَهُوَ الْقلب لخفائه إِذْ الْإِيمَان قَول بِاللِّسَانِ وَعمل بالأركان وتصديق بِالْقَلْبِ وَالله أعلم (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا روى عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ من زار قبر أَبَوَيْهِ أَو أَحدهمَا فِي كل يَوْم جُمُعَة غفر لَهُ وَكتب لَهُ بَرَاءَة عَن ابْن سِيرِين قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَن الرجل ليَمُوت والداه أَو أَحدهمَا وَهُوَ عَاق لَهما فيدعو الله لَهما من بعدهمَا إِلَّا كتبه الله من البارين هَل هُوَ صَحِيح أم لَا (فَأجَاب) ﵁ بِأَن الْحَدِيثين الْمَذْكُورين هُنَا لم أرهما فِي شَيْء من كتب الحَدِيث الْمُعْتَمدَة لَكِن شيآن مِنْهُمَا وردا عِنْد ابْن عَسَاكِر عَن أنس ﵁ وَفِيه يحيى بن عَلَيْهِ كذبه ابْن معِين وَلَفظه أَن الرجل يَمُوت والداه أَو أَحدهمَا وَأَنه لعاق لَهما فَلَا يزَال يَدْعُو لَهما ويستغفر لَهما حَتَّى يَكْتُبهُ الله برا لَكِن مِمَّا رد فِي ذَلِك قَوْله ﷺ من أصبح مرضيا لِأَبَوَيْهِ أصبح لَهُ بَابَانِ مفتوحان إِلَى الْجنَّة وَمن أَمْسَى فَلهُ مثل ذَلِك فَإِن كَانَ وَاحِد فواحد قيل يَا رَسُول الله وَإِن ظلما قَالَ ﷺ وَإِن ظلما رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ وَلَا يَصح وَصَحَّ حَدِيث من أرْضى وَالِديهِ فتح لَهُ بَاب أَوسط أَبْوَاب الْجنَّة وَمَعَ ذَلِك الْبَاب كَذَا وَكَذَا وَمعنى كَونه أَوسط أَبْوَاب الْجنَّة أَنه خِيَار الْأَسْبَاب الموصلة إِلَيْهَا وروى ابْن مَاجَه حَدِيث أَن الرجل ترفع دَرَجَته فِي الْجنَّة فَيَقُول أَنى هَذَا فَيُقَال لَهُ اسْتِغْفَار ولدك لَك وروى الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِسَنَد ضَعِيف مَا على أحد عِنْده دَار أَن يتَصَدَّق بهَا لوَالِديهِ وَصَحَّ عَن مَالك بن ربيعَة بَينا نَحن عِنْد رَسُول الله ﷺ إِذْ جَاءَ رجل من بني سَلمَة فَقَالَ يَا رَسُول الله هَل بَقِي عَليّ من بر أَبَوي شَيْء أبرهما بِهِ بعد وفاتهما قَالَ نعم الصَّلَاة عَلَيْهِمَا وَالِاسْتِغْفَار لَهما وأنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما وصلَة الرَّحِم الَّتِي لَا توصل إِلَّا بهما وَالْمرَاد بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمَا الدُّعَاء لَهما وَمعنى الحَدِيث الثَّانِي وَمَا فِي مَعْنَاهُ صَحِيح وَإِن كَانَ لَفظه لم يَصح عَنهُ ﷺ لِأَن العقوق فِيهِ حق لله وَهُوَ يَزُول بِالتَّوْبَةِ بشرطها وَفِيه حق لَهما وَلَا يبعد زَوَاله بِالدُّعَاءِ لَهما عملا بِعُمُوم أَن الْحَسَنَات يذْهبن السيآت وَعُمُوم وأتبع السَّيئَة الْحَسَنَة تمحها وَالله أعلم (وَسُئِلَ) ﵁ وحشرنا فِي زمرته لما حن الْجذع إِلَى رَسُول الله ﷺ هَل ورد أَنه نزل ﷺ عَن الْمِنْبَر واختضبه (فَأجَاب) أعَاد الله علينا من بركاته نعم ورد بل صَحَّ فَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ عَن جَابر أَنه لما صَحَّ نزل رَسُول الله ﷺ وضمه إِلَيْهِ فَجعل يَئِن أَنِين الصَّبِي الَّذِي يسكت وَفِي رِوَايَة لأبي يعلى الْموصِلِي أَنه ﷺ لما قعد على الْمِنْبَر خار الْجذع خوار الثور حَتَّى ارتج الْمَسْجِد لخواره حزنا على رَسُول الله ﷺ فَنزل إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ ٢ فَقَالَ وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَو لم ألتزمه لما زَالَ هَكَذَا حَتَّى تقوم السَّاعَة حزنا على رَسُول الله ﷺ فَأمر بِهِ ﷺ فَدفن وروى التِّرْمِذِيّ وَقَالَ صَحِيح غَرِيب وَكَذَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل من طَرِيق الْحسن وَفِيه فَأخْبر أنس أَنه سمع الْخَشَبَة تحن حنين الْوَلَد قَالَ فَمَا زَالَت تحن حَتَّى نزل رَسُول الله ﷺ عَن الْمِنْبَر فَمشى إِلَيْهَا فاحتضنها فسكنت (فَائِدَة) فِي حَدِيث بُرَيْدَة الَّذِي أخرجه الدَّارمِيّ أَنه ﷺ قَالَ إِن أردْت أَن أردك إِلَى الْحَائِط الَّذِي كنت فِيهِ تنْبت لَك عروقك وتكمل خلقتك ويحدد لَك خرص وَثَمَرَة وَإِن شِئْت أغرسك فِي الْجنَّة فيأكل أَوْلِيَاء الله من ثمرك ثمَّ أصغى لَهُ النَّبِي ﷺ يستمع مَا يَقُول فَقَالَ بل تغرسني فِي الْجنَّة فيأكل مني أَوْلِيَاء الله وأكون فِي مَكَان لَا أبلى فِيهِ فتسمعه من يَلِيهِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ قد فعلت ثمَّ قَالَ اخْتَار دَار الْبَقَاء على دَار الفناء وَالله أعلم بِالصَّوَابِ (وَسُئِلَ) ﵁ عَن الحَدِيث الْمَرْوِيّ عَن أبي أُمَامَة ﵁ أَن حبرًا من الْيَهُود سَأَلَ النَّبِي ﷺ أَي الْبِقَاع خير فَسكت عَنهُ وَقَالَ اسْكُتْ حَتَّى

стр. 194

يَأْتِي جِبْرِيل فَسكت وَجَاء جِبْرِيل فَسَأَلَهُ فَقَالَ مَا الْمَسْئُول عَنْهَا بِأَعْلَم من السَّائِل وَلَكِن أسأَل رَبِّي ﵎ ثمَّ قَالَ جِبْرِيل يَا مُحَمَّد إِنِّي دَنَوْت من الله دنوا مَا دنوته مِنْهُ قطّ قَالَ وَكَيف كَانَ يَا جِبْرِيل قَالَ كَانَ بيني وَبَينه سَبْعُونَ ألف حجاب من نور فَقَالَ شَرّ الْبِقَاع أسواقها وَخير الْبِقَاع مساجدها رَوَاهُ ابْن حبَان فَهَل المُرَاد بِذكر السّبْعين أَنَّهَا بَاقِيَة أم ارْتَفَعت تِلْكَ (فَأجَاب) رَحمَه الله تَعَالَى بقوله لَا يخفى أَن الله منزه عَن الْجِهَات والمساحات وَأَن المُرَاد بِذكر الْحجب فِي هَذَا الْمحل وَغَيره إِنَّمَا هُوَ على طَريقَة الِاسْتِعَارَة والتمثيل ثمَّ فحوى لفظ الْخَبَر أَن جِبْرِيل لما أخبر عَن هَذَا الدنو الْمَخْصُوص الَّذِي لم يعهده قطّ أحب النَّبِي ﷺ أَن يسْأَله عَن حَقِيقَته إِمَّا لِيَزْدَادَ يقينه بذلك إِن كَانَ عَالما بِهِ قبله أَو ليتجدد عَلَيْهِ علم أَن لم يكن الْأَمر كَذَلِك فَسَأَلَهُ عَن كَيْفيَّة ذَلِك الدنو الْمَخْصُوص بقوله وَكَيف كَانَ يَا جِبْرِيل فَقَالَ جِبْرِيل كَانَ بيني وَبَينه سَبْعُونَ ألف حجاب من نور أَي كَانَ دنوي هَذَا الَّذِي لم أعهده إِن وصلت إِلَى مَحل بيني وَبَينه هَذِه الْحجب الْكَثِيرَة هَذَا مَعَ هَذِه الْغَايَة فِي الدنو فَمَا بالك فِي غير ذَلِك وَالْحَاصِل إِن ذَلِك من جِبْرِيل أَخْبَار عَن بعد مَسَافَة مَا بَينه وَبَين الله فِي هَذَا الْقرب فضلا عَن أكَابِر الْمَلَائِكَة وَغَيرهم وَلَا يتَوَهَّم أَن مُرَاده الْإِخْبَار عَن تِلْكَ الْحجب إِنَّهَا ارْتَفَعت لإيهامه أَنه لم يبْق بَينه وَبَين ربه حجاب وَهَذَا لَا يقدر مَخْلُوق عَلَيْهِ بل لَا بُد من الْحجب الْكَثِيرَة وَإِنَّمَا تخْتَلف رتب الأكابر بأعدادها كَمَا يدل على ذَلِك أَحَادِيث وَردت عَنهُ ﷺ لَيْلَة الْإِسْرَاء وَالله أعلم (وسئلت) فِي البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ مر النَّبِي ﷺ بحائط من حيطان الميدنة أَو مَكَّة فَسمع صَوت إنسانين يعذبان فِي قبورهما فَقَالَ النَّبِي ﷺ يعذبان وَمَا يعذبان فِي كَبِير ثمَّ قَالَ بلَى كَانَ أَحدهمَا لَا يستبرئ من بَوْله وَكَانَ الآخر يمشي بالنميمة ثمَّ دَعَا بجريد فَكَسرهَا كسرتين فَوضع على كل قبر مِنْهُمَا كسرة فَقيل يَا رَسُول الله لم فعلت هَذَا فَقَالَ لَعَلَّ الله أَن يُخَفف عَنْهُمَا مَا لم ييبسا أَو إِلَى أَن ييبسا مَا الْحِكْمَة فِي ذَلِك وَتَخْصِيص الجريدة وَهل لكل أحد أَن يفعل ذَلِك على أَي قبر شَاءَ وَهل المعذبان مسلمان أَو كَافِرَانِ (فأجبت) بِقَوْلِي جَوَاب هَذَا السُّؤَال بأقسامه يعرف من الْكَلَام على بعض أَلْفَاظ الحَدِيث فنتكلم على مَا تيَسّر مِنْهُ زِيَادَة فِي الْفَائِدَة فَنَقُول بلَى فِيهِ إِيجَاب النَّفْي أَي بلَى يعذبان فِي كَبِير وَالْجمع بَينهمَا باعتبارين أَي لَيْسَ بكبير عنْدكُمْ وَلكنه عِنْد الله كَمَا فِي ﴿تحسبونه هينا وَهُوَ عِنْد الله عَظِيم﴾ أَو المُرَاد بقوله وَمَا يعذبان فِي كَبِير أَي أَمر كَانَ يكبر ويشق عَلَيْهِمَا الِاحْتِرَاز مِنْهُ إِذْ لَا مشقة فِي التَّنَزُّه عَن الْبَوْل والنميمة وَلَيْسَ المُرَاد أَن ذَلِك غير كَبِير فِي أَمر الدّين بل هما كبيرتان لِأَن عدم التَّنَزُّه من الْبَوْل يلْزم مِنْهُ بطلَان الصَّلَاة وَتركهَا كَبِيرَة وَالْمَشْي بالنميمة من أقبح القبائح والكبائر لَا سِيمَا مَعَ قَوْله كَانَ وهى تشعر بِكَثْرَة ذَلِك مِنْهُمَا وَلَيْسَت الْكَبِيرَة منحصرة فِيمَا فِيهِ حد أَو وَعِيد شَدِيد بل الاظهر فِي تَعْرِيفهَا أَنَّهَا كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بِالدّينِ ورقة الدّيانَة وَلَا شكّ أَن كلا من عدم التَّنَزُّه من الْبَوْل وَمن الْمَشْي بالنميمة يُؤذن بذلك وَضمير ييبسا للمكسورتين قَالَ الْعلمَاء هُوَ مَحْمُول على أَنه سَأَلَ الشَّفَاعَة لَهما فأجيبت شَفَاعَته بِأَن يُخَفف عَنْهُمَا إِلَى أَن ييبسا وَيحْتَمل أَنه ﷺ كَانَ يَدْعُو لَهما تِلْكَ الْمدَّة وَيحْتَمل أَنَّهُمَا يسبحان مَا داما رطبين وَلَيْسَ لليابس تَسْبِيح وَقَوله تَعَالَى ﴿وَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ﴾ أَي شَيْء حَيّ وحياة كل شَيْء بِحَسبِهِ فالخشب مَا لم ييبس وَالْحجر مَا لم يقطع وَالْجُمْهُور أَنه على عُمُومه أما حَقِيقَة وَهُوَ قَول الْمُحَقِّقين إِذْ الْعقل لَا يحيله أَو بِلِسَان الْحَال بِاعْتِبَار دلَالَته على الصَّانِع وَأَنه منزه عَن كل نقص وَعَن كل وصف غير بَالغ فِي الْكَمَال نهايته وَقَالَ الْخطابِيّ لَعَلَّ التَّخْفِيف للتبرك بأثر النَّبِي ﷺ ودعائه وَكَأَنَّهُ جعل حَده دوَام النداوة لِأَن فِي الرطب معنى لَيْسَ فِي الْيَابِس قَالَ بعض الشُّرَّاح والعامة تفرش الخوص فِي الْقُبُور وَلَيْسَ لَهُ وَجه أَلْبَتَّة انْتهى فَعلمت الْحِكْمَة فِي كسر الجريدة وَعلم أَنَّهُمَا مسلمان إِذْ الْكَافِر لَا يسْأَل لَهُ النَّبِي ﷺ الشافعة وَقد مر عَن الْعلمَاء أَنه مَحْمُول عِنْدهم أَنه سَأَلَ لَهما الشَّفَاعَة فَأُجِيب فَيلْزم مِنْهُ كَونهمَا مُسلمين وَتَخْصِيص الجريد بذلك يظْهر أَن يُقَال فِي حكمته لَعَلَّه أَنه المتيسر بِالْمَدِينَةِ بِنَاء على أَن الْوَاقِعَة كَانَت بهَا وَأما الْإِشَارَة إِلَى مَا بَين الْإِنْسَان والنخلة من تَمام الْقرب والاتحاد كَمَا يشْهد لَهُ حَدِيث أكْرمُوا عماتكم النّخل فَإِنَّهَا خلقت من فضلَة

стр. 195

طِينَة آدم وَلَا شكّ أَن الْجِنْس أرْحم لجنسه من غَيره فَفِي الجريدة من زِيَادَة الحنو على الْآدَمِيّ لما بَينهمَا من الِاتِّحَاد مَا لَيْسَ فِي غَيرهَا وَيلْزم من زِيَادَة حنوها كَثْرَة التَّسْبِيح المخفف للعذاب أَو سُؤال التَّخْفِيف لأَنا إِذا جرينا على مَا مر عَن الْمُحَقِّقين أَن الجمادات تسبح الله بِلِسَان الْمقَال لَا يبعد أَنَّهَا تسْأَل الله فِي رَحْمَة بعض الْمُكَلّفين إِذْ يلْزم من تسبيحها بِلِسَان الْمقَال أَن فِيهَا إدراكا وَلَا يبعد من ذَوي الْإِدْرَاك أَن يسْأَل لقريبه مَا يَنْفَعهُ وَبِمَا قَرّرته يعلم أَنه يسن لكل أحد اتبَاعا لَهُ ﷺ فَإِن الأَصْل فِي أَفعاله ﷺ التأسي إِلَّا مَا دلّ دَلِيل على الخصوصية وَلَا دَلِيل هُنَا عَلَيْهَا فندب لنا التأسي بِهِ ﷺ فِي ذَلِك وَأَن لما يفعل الْعَامَّة من فرش الخوص وَهُوَ سعف الجريد فِي الْقُبُور وَجها خلافًا لما مر عَن بعض الشُّرَّاح وَذَلِكَ لما تقرر أَن بَين النَّخْلَة بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا والآدمي تَمام الْمُنَاسبَة فَإِذا كَانَ مَعَه من أَجْزَائِهَا شَيْء فِي قَبره كثر تسبيحه فَيحصل لَهُ بذلك أنس أَو تَخْفيف ثمَّ رَأَيْتنِي ذكرت فِي الْفَتَاوَى سؤالا وجوابا يعلم مِنْهُ مَا قَدمته من ندب التأسي بِهِ ﷺ فِي ذَلِك وَأَن لما يَفْعَله الْعَامَّة مِمَّا مر وَجها وجيها فالسؤال هَل يفرش من الريحان وَنَحْوه على متن الْقَبْر أَو مَا فِيهِ اللَّحْد وَالْجَوَاب استنبط الْعلمَاء من غرسه ﷺ للجريدتين على الْقَبْر غرس الْأَشْجَار والرياحين وَلم يبينوا كيفيته لَكِن فِي الصَّحِيح أَنه ﷺ غرس فِي كل قبر وَاحِدَة فَيشْمَل الْقَبْر كُله فَيحصل الْمَقْصُود بِأَيّ مَحل مِنْهُ نعم أخرج عبد بن حميد فِي مُسْنده أَنه ﷺ وضع الجريدة على الْقَبْر عِنْد رَأس الْمَيِّت فِي الْقَبْر وَالله أعلم (وَسُئِلَ) فِي صَحِيح البُخَارِيّ كَانَت عَائِشَة تحدث أَن النَّبِي ﷺ قَالَ بَعْدَمَا دخل بَيته وَاشْتَدَّ وَجَعه أهريقوا على من سبع قرب لم تحلل أَو كيتهن لعَلي أَعهد إِلَى النَّاس فاجلس فِي مخضب لحفصة زوج النَّبِي ﷺ ثمَّ طفقنا نصب عَلَيْهِ حَتَّى طفق يُشِير إِلَيْنَا أَن قد فعلتن ثمَّ خرج إِلَى النَّاس مَا الْحِكْمَة فِي ذَلِك وَفِي تَخْصِيص السَّبع (فَأجَاب) إِنَّمَا طلب ﷺ ذَلِك لِأَن المَاء الْبَارِد ينفع بعض الْأَمْرَاض بتَخْفِيف حرارته وَزِيَادَة الْقُوَّة بِسَبَبِهِ وينعش نفس الْمَرِيض ويزيل مَا بهَا من كرب الْحمى والوجع وَبِه يقوى الحنار الغريزي فيقهر الْمَرَض ويضعف عمله فَكَانَ فِي طلبه ﷺ لذَلِك بَيَان مَشْرُوعِيَّة التَّدَاوِي وَالرَّدّ على من زعم أَن التَّدَاوِي يُنَافِي التَّوَكُّل وَمن ثمَّ كَانَ أحسن حُدُود التَّوَكُّل وأجمعها أَنه مُبَاشرَة الْأَسْبَاب مَعَ شُهُود الْمُسَبّب وَلَا يُنَافِي ذَلِك قَول أَئِمَّتنَا ترك التَّدَاوِي توكلا فَضِيلَة لأَنهم لم يَقُولُوا أفضل وَأَيْضًا فمحله فِي غير من بعث لتشريع الْأَحْكَام وَمن ثمَّ لما قيل للصديق ﵁ وكرم وَجهه أَلا نَدْعُو لَك الطَّبِيب فَقَالَ الطَّبِيب أَمْرَضَنِي إِشَارَة إِلَى ترك التَّدَاوِي توكلا وتسليما وَأما النَّبِي ﷺ فمبعوث لبَيَان الْأَحْكَام تشريعا بالْقَوْل تَارَة وبالفعل أخري فَلَو ترك ﷺ ذَلِك لربما توهم أَن فِي التَّدَاوِي محذورا فَفعله ليبين بِهِ أَن لَا مَحْذُور فِيهِ وَأَنه لَا يخل بالتوكل وَأَن الْإِنْسَان مُخَيّر بَين فعله وَتَركه توكلا وَمن ثمَّ كَانَ فِي الحَدِيث إِشَارَة إِلَى أَنه يَنْبَغِي صب المَاء الْبَارِد على الْمَرِيض حَيْثُ كَانَ يَنْفَعهُ بِمَعْرِِفَة نَفسه أَو بقول طَبِيب عدل بنية التَّدَاوِي وَقصد الشِّفَاء وَحِكْمَة السَّبع أَن هَذَا الْعدَد فِيهِ بركَة بالاستقراء وَله دخل فِي إِزَالَة السمُوم أَو تَخْفيف ألمها وَهُوَ ﷺ فِي ذَلِك الْمَرَض كَانَ تحرّك عَلَيْهِ ذَلِك السم الَّذِي أَصَابَهُ من أَكلَة خَيْبَر كَمَا صَحَّ عَنهُ ﷺ الْأَخْبَار بذلك فَأَمرهمْ أَن يفرغوا عَلَيْهِ من تِلْكَ الْقرب السَّبع ليزول بذلك بعض ذَلِك السم الَّذِي تحرّك عَلَيْهِ وَأَيْضًا فَلهَذَا الْعدَد شَأْن عَظِيم لوُقُوعه فِي كثير من أعداد عظائم الْمَخْلُوقَات كالسموات وَالْأَرْض وأبواب جَهَنَّم وَبَعض الْأُمُور الشَّرْعِيَّة كَمَا لَا يخفى وَحِكْمَة التَّقْيِيد بِعَدَمِ حل الأوكية أَنه يكون أبلغ فِي طَهَارَته وصفائه لعدم مُخَالطَة الْأَيْدِي لَهُ وَأَيْضًا فالقرب إِنَّمَا كَانَت توكؤ وَتحل على ذكر الله تَعَالَى فَاشْترط كَونهَا لم تحل لِأَنَّهَا تجمع بركَة الذّكر فِي شدها وحلها قَالَ الْمُهلب أمره ﷺ بالصب عَلَيْهِ على وَجه التَّدَاوِي كَمَا صب ﷺ وضوءه على الْمغمى عَلَيْهِ وَغلط من قَالَ أَن الصب كَانَ للاغتسال من إغمائه وَالله أعلم (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَن الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيّ أَنه دخل رجل الْمَسْجِد وَرَسُول الله ﷺ يرمقه وَلَا يشْعر ثمَّ انْصَرف فَأتى رَسُول الله ﷺ فَسلم

стр. 196

عَلَيْهِ فَرد ﵇ ثمَّ قَالَ ارْجع فصل فَإنَّك لم تصل لم أدر قَالَ لَا أَدْرِي فِي الثَّانِيَة أم فِي الثَّالِثَة قَالَ وَالَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب لقد جهدت فعلمني وَأَمرَنِي قَالَ ﷺ إِذا أردْت الصَّلَاة فَتَوَضَّأ وَأحسن الْوضُوء ثمَّ قُم فَاسْتقْبل الْقبْلَة ثمَّ كبر ثمَّ اقْرَأ ثمَّ اركع حَتَّى تطمئِن رَاكِعا ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تعتدل قَائِما ثمَّ اسجد حَتَّى تطمئِن سَاجِدا فَإِذا صنعت فقد قضيت وَمَا انتقصت من ذَلِك فَإِنَّمَا انتقصته من صَلَاتك فَمَا الْجَواب عَن إِقْرَاره ﷺ لما رَآهُ يُصَلِّي هَذِه الصَّلَاة وَفِيه أَيْضا تَصْحِيح لصلاته مَعَ عدم الطُّمَأْنِينَة بِدَلِيل قَوْله فَإِنَّمَا انتقصته من صَلَاتك (فَأجَاب) بقوله إِنَّمَا أقره ﷺ لِأَنَّهُ جوز أَن يكون ترك بعض الْوَاجِبَات نِسْيَانا لَا جهلا فَلَمَّا تحقق أَنه جهل علمه والْحَدِيث صَرِيح فِي وجوب الطُّمَأْنِينَة حَيْثُ أمره بِالْإِعَادَةِ وَعلل ذَلِك بِأَنَّهُ لم يصل فَحِينَئِذٍ معنى قَوْله ﷺ فَإِنَّمَا انتقصته من صَلَاتك أَنه إِذا ترك الطُّمَأْنِينَة وَنَحْوهَا من الْأَركان انْتقصَ جزأ مِنْهَا وَمَعْلُوم أَن انتقاص الْجُزْء يبطل الْكل فَإِن قلت هَذَا خلاف الظَّاهِر قلت مَمْنُوع وعَلى التَّنْزِيل فَيجب حمله على مَا ذكر لتصريحه فِي الحَدِيث قبله بِوُجُوب الْإِعَادَة وتعليله بِمَا مر وَالله أعلم (وَسُئِلَ) عَن قَوْله ﷺ من كذب على الحَدِيث فَإِذا كَانَ يحدث عَن النَّبِي ﷺ وَيَأْتِي بِمَعْنى الحَدِيث إِلَّا أَنه يلحن لِأَنَّهُ لَا يحسن الْعَرَبيَّة فَمَا الحكم وَقَوْلهمْ فِي الحَدِيث على شَرط البُخَارِيّ أَو على شَرط مُسلم مَا هُوَ الشَّرْط الْمَذْكُور (فَأجَاب) بقوله لَا يجوز لأحد أَي يروي الحَدِيث بِالْمَعْنَى إِلَّا إِن كَانَ عَارِفًا بالألفاظ ومعانيها وَمَا أُرِيد بهَا فَحِينَئِذٍ لَيْسَ لهَذَا اللاحن أَن يروي شيأ من الْأَحَادِيث بِالْمَعْنَى لجهله بألفاظها ومدلولاتها وَمَتى فعل ذَلِك كَانَ من جملَة الْكَاذِبين على النَّبِي ﷺ وَالْكذب عَلَيْهِ كَبِيرَة وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد أَنه كفر وَشرط البُخَارِيّ أَن يرْوى الْعدْل الضَّابِط الْحَافِظ المتقن عَن مثله وَهَكَذَا إِلَى الصَّحَابِيّ وَمَعَ تحقق لقبه بشيخه الَّذِي يروي عَنهُ وَشرط مُسلم مَا ذكر إِلَّا تحقق اللقى فَإِنَّهُ لَا يشْتَرط بل يَكْتَفِي بإمكانه وَأطَال فِي الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ فِي مُقَدّمَة صَحِيحه وَالله أعلم (وَسُئِلَ) ﵀ عَن حَدِيث لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ هَل ورد عَن النَّبِي ﷺ (فَأجَاب) بقوله نقل الْبَهَاء السُّبْكِيّ عَن بَعضهم نسبته إِلَى النَّبِي ﷺ وَنسبه ابْن مَالك فِي شرح الكافية وَغَيره إِلَى عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ الْجلَال السُّيُوطِيّ وَلم أره فِي شَيْء من كتب الحَدِيث لَا مَرْفُوعا وَلَا مَوْقُوفا لَا عَن عمر وَلَا عَن غَيره مَعَ شدَّة الفحص عَلَيْهِ قَالَ وَرَأَيْت ذَلِك فِي فَتْوَى قدمت لأبي الْفضل الْعِرَاقِيّ وَكتب عَلَيْهَا أَنه وَقع فِي شرح التِّرْمِذِيّ لِابْنِ الْعَرَبِيّ وَأَنه لم يقف على إِسْنَاده لكنه فِي سَالم لَا صُهَيْب ثمَّ رَأَيْت أَبَا نعيم أخرجه فِي الْحِلْية بِسَنَد فِيهِ ابْن لَهِيعَة عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ وَلَفظه أَن سالما شَدِيد الْحبّ لله لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ وَأخرجه الديلمي أَيْضا فِي مُسْند الفردوس من طَرِيق الْحَافِظ أبي بكر بن مرْدَوَيْه عَن عمر عَن النَّبِي ﷺ وَلَفظه معَاذ بن جبل إِمَام الْعلمَاء يَوْم الْقِيَامَة لَا يَحْجُبهُ عَن ربه إِلَّا المُرْسَلُونَ وَإِن سالما مولى أبي حُذَيْفَة شَدِيدا الْحبّ لله لَو لم يخف الله مَا عَصَاهُ (وَسُئِلَ) زكى الله أَعماله عَمَّن خرج حَدِيث حبب إِلَى من دنياكم ثَلَاث وَمَا مَعْنَاهُ (فَأجَاب) بقوله أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن أنس من طَرِيق صَحِيح وَلَفظه حبب إِلَيّ النِّسَاء وَالطّيب وَجعلت قُرَّة عَيْني فِي الصَّلَاة وَأخرجه الضياء من هَذِه الطَّرِيق أَيْضا وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن أنس أَيْضا بِهَذَا اللَّفْظ من طَرِيق صَحِيح أَيْضا على كَلَام فِيهِ هَذَا حَاصله وَرَوَاهُ ابْن عدي عَن أنس كَذَلِك وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن أنس أَيْضا بِلَفْظ حبب إِلَيّ من الدُّنْيَا النِّسَاء وَالطّيب وَجعلت قُرَّة عَيْني فِي الصَّلَاة وَرَوَاهُ أَحْمد عَن أنس بِهَذَا اللَّفْظ وَأَبُو عوَانَة عَنهُ أَيْضا بِلَفْظ وَجعلت وَأَبُو يعلى كَذَلِك من طَرِيق وَمَا قبله من طَرِيق آخر وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق إِنَّمَا حبب إِلَيّ من الدُّنْيَا الطّيب وَالنِّسَاء وَجعلت قُرَّة عَيْني فِي الصَّلَاة وَقَوله عقبه لم يروه عَن ثَابت إِلَّا سَلام مَرْدُود بِأَن غَيره رَوَاهُ عَنهُ أَيْضا وَالْبَيْهَقِيّ عَن أنس بِلَفْظ إِنَّمَا حبب إِلَيّ من دنياكم ثَلَاث النِّسَاء وَالطّيب وَجعلت قُرَّة عَيْني فِي الصَّلَاة وبلفظ من الدُّنْيَا وَأخرجه أَيْضا كَذَلِك ابْن أبي شيبَة وَابْن سعد وَالْبَزَّار وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْعقيلِيّ من أَن هَذَا الحَدِيث ضَعِيف من جَمِيع طرقه مَرْدُود بِمَا مر وَبقول شيخ الْإِسْلَام ابْن حجر رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَإِسْنَاده حسن وَقَول الزين الْعِرَاقِيّ فِي تَخْرِيج الْإِحْيَاء رَوَاهُ النَّسَائِيّ

стр. 197

وَالْحَاكِم وَإِسْنَاده جيد وَقَول الذَّهَبِيّ إِسْنَاده قوي وَرَوَاهُ أَحْمد بِزِيَادَة لَطِيفَة وَهِي أَصْبِر عَن الطَّعَام وَالشرَاب وَلَا أَصْبِر عَنْهُن وَزَاد الديلمي وحبب إِلَيّ النِّسَاء وَالطّيب الحَدِيث وَعَزاهَا لمسندي الإِمَام أَحْمد وَأبي يعلى وَسنَن النَّسَائِيّ ومعجم الطَّبَرَانِيّ ورد بِأَنَّهَا لَيست فِي وَاحِد من الْمَذْكُورَات وَأما زِيَادَة ثَلَاث فَهِيَ فِي الْإِحْيَاء فِي موضِعين وَفِي الْكَشَّاف فِي آل عمرَان قَالَ الزين الْعِرَاقِيّ وَابْن حجر وَالزَّرْكَشِيّ وَغَيرهم وَلم تقع فِي شَيْء من طرقه بل هِيَ مفْسدَة للمعنى فَإِن الصَّلَاة لَيست من الدُّنْيَا لَكِن شَرحه الإِمَام ابْن فورك على أَنه ورد بِلَفْظ ثَلَاث وَوَجهه وَأَطْنَبَ فِيهِ وَوَجهه الْغَزالِيّ أَيْضا فِي كتاب ذمّ الدُّنْيَا بِأَن الصَّلَاة مِنْهَا بِالنّظرِ إِلَى اللَّذَّة الْحَاصِلَة بهَا لِأَن كل مَا يدْخل فِي الْحس والمشاهدة فَهُوَ مِنْهَا وَيقرب مِنْهُ مَا وَجهه ابْن فورك حَيْثُ قَالَ الصَّلَاة طَاعَة الْمُطِيع فِي الدُّنْيَا لرَبه تَعَالَى فَهِيَ مِنْهَا وقتا ومحلا وَلَيْسَت مِنْهَا حكما واسما وَالطّيب وَالنِّسَاء مِنْهَا وقتا ومحلا وَحكما ووضعا وَلذَلِك عبر عَن الصَّلَاة بِعِبَارَة أُخْرَى أفردها وَلم يذكرهَا ثَانِيًا ليدل على أَنَّهَا مَخْصُوصَة بِأَنَّهَا فِي الدُّنْيَا وَهِي وصلَة إِلَى الْآخِرَة ثمَّ قَالَ بعد كَلَام طَوِيل فِي بَيَان ذَلِك فَكل مَا فِي الدُّنْيَا مَحَله وَفِي الْآخِرَة حكمه فَهُوَ من الدُّنْيَا محلا وَمن الْآخِرَة مردا ومرجعا ومآلا وَفِي مُسْند أَحْمد عَن عَائِشَة ﵂ كَانَ رَسُول الله ﷺ يُعجبهُ من الدُّنْيَا ثَلَاثَة الطَّعَام وَالنِّسَاء وَالطّيب فَأصَاب ثِنْتَيْنِ وَلم يصب الطَّعَام وَمِنْه أَخذ تَوْجِيه الثَّلَاث أَن ثَبت بِأَنَّهُ اقْتصر مِنْهَا على الخصلتين اللَّتَيْنِ أصَاب مِنْهَا دون الثَّالِثَة الَّتِي لم يكثر مِنْهَا وَيكون قَوْله وَجعلت الخ جملَة مستأنفة لَيست من الثَّلَاث واستأنس لذَلِك بِعِبَارَة الْكَشَّاف فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فِيهِ آيَات بَيِّنَات﴾ وَالظَّاهِر أَن الْحصْر فِي الرِّوَايَة السَّابِقَة لَيْسَ بِشَيْء فقد أخرج النَّسَائِيّ عَن أنس ﵁ لم يكن شَيْء أحب إِلَى رَسُول الله ﷺ بعد النِّسَاء من الْخَيل وَكَانَ يحب لحم الْكَتف والقثاء بالرطب وَغير ذَلِك أَو أَن غَيرهمَا لم تبلغ محبته لَهُ كمحبته لَهما وَفِي بَحر الرَّوْيَانِيّ قَولَانِ فِي عِلّة حبه لَهُنَّ فَقيل لزِيَادَة الِابْتِلَاء وَالْمَشَقَّة حَتَّى لَا يلهو بِهن عَن أَدَاء الرسَالَة فَيكون ذَلِك أَكثر لمشاقه وَقيل ليزول بخلوته بِهن ظن أَنه سَاحر وَبَين القَاضِي عِيَاض فِي الشِّفَاء نكته تخصيصهن وَتَخْصِيص الطّيب بِكَلَام نَفِيس فاطلبه مِنْهُ وَكَذَا ابْن الْقيم فِي الْهدى والطب النَّبَوِيّ وَيُؤَيّد جعل الْجِمَاع من سنَن الْمُرْسلين حَدِيث التِّرْمِذِيّ وَأحمد أَربع من سنَن الْمُرْسلين الْحيَاء وَالْجِمَاع والتعطر والسواك زَاد الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَأَبُو نعيم والحلم وَكَذَلِكَ الْعقيلِيّ وَلَفظه من سنَن الْمُرْسلين الْحيَاء والحلم والحجامة والسواك والتعطر وَكَثْرَة الْأزْوَاج وَكَذَا هُوَ عِنْد الطَّبَرَانِيّ بِزِيَادَة خمس من سنَن الْمُرْسلين وهما ضعيفان والمرغبات فِي النِّكَاح كَثِيرَة شهيرة وَعدل عَن أَحْبَبْت إِلَى حبب إِشَارَة إِلَى أَنه ﷺ مَعْصُوم لَا يَبْتَدِئ أمرا من تِلْقَاء نَفسه وَأَنه مَحْفُوظ فِي محبته للنِّسَاء مَعْصُوم من الْخَطَأ فِيهِ وَلذَلِك افْتتن سُلَيْمَان ﵊ فِي قَوْله ﴿أَحْبَبْت حب الْخَيْر عَن ذكر رَبِّي﴾ ووكل يُوسُف ﵊ إِلَى اخْتِيَاره وَمَا أحبه لما قَالَ ﴿رب السجْن أحب إليّ﴾ وَعدل عَن الدُّنْيَا إِلَى دنياكم فِي رِوَايَتهَا ليصون نَفسه الشَّرِيفَة عَن إضافتها إِلَى الدُّنْيَا وَإِضَافَة الدُّنْيَا إِلَيْهَا لِأَنَّهُ كَانَ مَمْنُوعًا من التطلع لشَيْء مِنْهَا وَخص النِّسَاء وَالطّيب أما النِّسَاء فليتلقوا أَحْوَاله الْبَاطِنَة وليكثر النَّسْل عِنْد الِاقْتِدَاء بِهِ فِي ذَلِك وَأما الطّيب فَلِأَنَّهُ من دواعي الْجِمَاع بل أقواها وأفرد الصَّلَاة بسياق آخر إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا المحبوب الْأَعْظَم وَأَنَّهَا لَيست من المحبوبات الدُّنْيَوِيَّة وَالله سُبْحَانَهُ أعلم (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَن الْجُلُوس لسَمَاع الحَدِيث وقراءته هَل فِيهِ ثَوَاب أم لَا (فَأجَاب) بقوله أَن قصد بِسَمَاعِهِ الْحِفْظ وَتَعْلِيم الْأَحْكَام أَو الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ أَو اتِّصَال السَّنَد فَفِيهِ ثَوَاب وَأما قِرَاءَة متون الْأَحَادِيث فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَق الشِّيرَازِيّ فِي شرح اللمع أَن قِرَاءَة متونها لَا يتَعَلَّق بهَا ثَوَاب خَاص لجَوَاز قرَاءَتهَا وروايتها بِالْمَعْنَى قَالَ ابْن الْعِمَاد وَهُوَ ظَاهر إِذْ لَو تعلق بِنَفس ألفاظها ثَوَاب خَاص لما جَازَ تغييرها وروايتها بِالْمَعْنَى لِأَن مَا تعلق بِهِ حكم شَرْعِي لَا يجوز تَغْيِيره بِخِلَاف الْقُرْآن فَإِنَّهُ معجز وَإِذا كَانَت قِرَاءَته الْمُجَرَّدَة لَا ثَوَاب فِيهَا لم يكن فِي استماعه الْمُجَرّد عَمَّا مر ثَوَاب بِالْأولَى وَأفْتى بَعضهم بالثواب وَهُوَ الْأَوْجه عِنْدِي لِأَن سماعهَا لَا يَخْلُو من فَائِدَة لَو لم يكن إِلَّا عود بركته ﷺ على الْقَارئ والمستمع فَلَا يُنَافِي ذَلِك قَوْلهم

стр. 198

إِن سَماع الْأَذْكَار مُبَاح لَا سنة (وَسُئِلَ) ﵀ عَن حَدِيث بعثت أَنا والساعة كهاتين هَل يدل على علمه ﷺ بالساعة هَل يُنَافِي ذَلِك مَا قيل أَنه لَا يمْكث فِي الأَرْض أَكثر من ألف سنة أَو يُؤَيّدهُ (فَأجَاب) بقوله قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْبَعْث والنشور هَذَا لَا يدل على أَنه ﷺ عَالم بوقتها وَإِنَّمَا يُريدَان تَوَاتر الْأَنْبِيَاء انْقَطع وَأَنه آخِرهم وَهِي مَعَ ذَلِك دانية لِأَن أشراطها متتابعة وَبَينهَا انْتهى وَفِي التَّذْكِرَة مَعْنَاهُ قرب مجيئها وَمَا قيل لم يَصح فِيهِ شَيْء لَكِن روى الْبَيْهَقِيّ فِي الْكتاب الْمَذْكُور عَنهُ ﷺ إِنِّي لأرجو أَن لن يعجز أمتِي عِنْد رَبهَا أَن يؤخرهم نصف يَوْم قيل وَكم نصف الْيَوْم قَالَ ﷺ خَمْسمِائَة سنة وَذكر عَن السراج البُلْقِينِيّ أَنه روى حَدِيث أعْطى أمتِي نصف يَوْم من أَيَّام الْآخِرَة فَإِن أصلحت كمل لَهَا ذَلِك الْيَوْم وَقد أصلحت إِن شَاءَ الله تَعَالَى (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَن حَدِيث عُلَمَاء أمتِي كأنبياء بني إِسْرَائِيل مَا وَجه التَّمْثِيل (فَأجَاب) بقوله قَالَ الدَّمِيرِيّ هَذَا الحَدِيث لَا يعرف لَهُ مخرج لَكِن فِي صَحِيح البُخَارِيّ الْعلمَاء هم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم فِي صَحِيحَيْهِمَا وَفِي الفردوس وللديلمي أَن الله ثلثمِائة قُلُوبهم على قلب آدم وَله أَرْبَعُونَ قُلُوبهم على قلب مُوسَى وَله سبع قُلُوبهم على قلب إِبْرَاهِيم وَله خَمْسَة قُلُوبهم على قلب جِبْرِيل وَله ثَلَاثَة قُلُوبهم على قلب مِيكَائِيل وَله وَاحِد قلبه على قلب إسْرَافيل وَمعنى التنظير أَنهم مثلهم فِي مِيرَاث الْعلم أَو تشريع الْأَحْكَام لَكِن قطع الْأَنْبِيَاء بِالْوَحْي وَالْعُلَمَاء بِالِاجْتِهَادِ (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا صورته ذكر الدَّمِيرِيّ فِي شرح الْمِنْهَاج فِي الْكَلَام على قَوْله وَيُرْسل المسبحة أَن سبابته ﷺ أطول من الْوُسْطَى وَالْوُسْطَى أطول من البنصر والبنصر أطول من الْخِنْصر وَأورد فِيهِ حَدِيثا هَل ذكره غَيره (فَأجَاب) بقوله ذكره شيخ الْإِسْلَام ابْن حجر فِي أَسد الْغَايَة والقرطبي فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة (وَسُئِلَ) رَحمَه الله تَعَالَى عَن حَدِيث من صلى عَليّ عِنْد قَبْرِي سمعته وَمن صلى عَليّ بَعيدا عَن قَبْرِي بلغته مَا المُرَاد بالعندية للقبر والبعد عَنهُ (فَأجَاب) بقوله الَّذِي يظْهر أَن المُرَاد بالعندية عِنْد الْقَبْر الشريف على ساكنه أفضل الصَّلَاة وأزكى السَّلَام أَن يكون فِي مَحل قريب مِنْهُ بِحَيْثُ يصدق عرفا أَنه عِنْده وبالبعد عَنهُ مَا عدا ذَلِك وَإِن كَانَ بمسجده ﷺ وَنَظِير ذَلِك مَا يَقع السُّؤَال عَنهُ كثير أَو هُوَ مَا المُرَاد بخلف الْمقَام لقَوْله يسن رَكعَتَا الطّواف خلف الْمقَام فَالَّذِي يظْهر أَن المُرَاد بخلف الْمقَام أَن يكون بِمحل بِحَيْثُ يصدق عَلَيْهِ عرفا أَنه خَلفه وَإِن كَانَ بَينه وَبَينه بَعْدَمَا (وَسُئِلَ) ﵁ من روى حَدِيث من عطس أَو تجشأ فَقَالَ الْحَمد لله على كل من الْأَحْوَال رفع الله عَنهُ سبعين دَاء أهونها الجذام (فَأجَاب) بقوله رَوَاهُ الْخَطِيب فِي تَرْجَمَة الْحسن بن جَعْفَر الْوَاعِظ (وَسُئِلَ) ﵁ من روى قَوْله ﷺ من أعرض عَن صَاحب بِدعَة بغضا لَهُ فِي الله مَلأ الله قلبه أمنا وايمانا وَمن انتهر صَاحب بِدعَة أَمَنَة الله يَوْم الْفَزع الاكبر وَمن أهان صَاحب بِدعَة رَفعه الله فِي الْجنَّة مائَة دَرَجَة وَمن سلم على صَاحب بِدعَة أَو لقِيه بالبشر أَو استقبله بِمَا يسره فقد استخف بِمَا أنزل الله على مُحَمَّد ﷺ وَقَوله اللَّهُمَّ لَا تُطِع فِينَا تاجرنا وَلَا مسافرنا فَإِن تاجرنا يحب الغلاء ومسافرنا يكره الْمَطَر وَقَوله ﷺ من دخل على أَخِيه الْمُسلم فأطعمه من طَعَامه فَليَأْكُل وَلَا يسْأَله عَنهُ وَإِن سقَاهُ من شرابه فليشرب وَلَا يسْأَل عَنهُ (فَأجَاب) بقوله روى الثَّلَاثَة الْخَطِيب فِي تَارِيخه وروى عَن مُحَمَّد الدينَوَرِي مَا قد يُنَافِي الآخر وَهُوَ أَنه قدم لَهُ طَعَام مُعْتَبر فَقَالَ لمن قدمه لَهُ من أَيْن لَك هَذَا فَقَالَ من حَلَال لَا من ظلم وَلَا من غصب قَالَ فَفِيمَ تتجر قَالَ فِي الطَّعَام فَخرج عَنهُ فَقَالَ هَذَا جمع من غم الْمُسلمين وَأجَاب بَعضهم بِأَن الحَدِيث مَحْمُول على من لم يسترب والحكاية مَحْمُولَة على مَاذَا استراب وَهُوَ ظَاهر (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ هَل التَّكَلُّم فِي حَضْرَة الْأَصَم بِمَا لَا يسمعهُ وَلَا يفهمهُ كتناجي اثْنَيْنِ دون الثَّالِث الْوَارِد فِيهِ ﷺ لَا يَتَنَاجَى اثْنَان دون الثَّالِث أَو يفرق فَأجَاب بقوله عِلّة النَّهْي الدَّال على حُرْمَة تناجي اثْنَيْنِ دون ثَالِث الْمُصَرّح بِهِ فِي كَلَام أَئِمَّتنَا خشيَة أخافته وإيذائه وَإِن كَانَا صديقين لَهُ كَمَا اقْتَضَاهُ إِطْلَاقهم وَكَأَنَّهُم نظرُوا فِي ذَلِك إِلَى المظنة وَأَن قطع بانتفائها فِي بعض الصُّور كالمشقة فِي السّفر وَإِذا كَانَت هَذِه هِيَ الْعلَّة لَا يبعد أَن يُقَال أَن التَّكَلُّم بِحَضْرَة الْأَصَم كالتناجي لِأَن الخشية

стр. 199

الْمَذْكُورَة مَوْجُودَة فالمظنة مَوْجُودَة وَكَذَا يُقَال فِي متكلمين بِلِسَان بِحَضْرَة من لَا يعرفهُ فَإِنَّهُ كالتناجي سَوَاء بِسَوَاء فليحرم مثله فَإِن قلت يُمكن الْفرق بَين هذَيْن والتناجي بِأَن الْمُتَكَلِّمين فِيهِ يمكنهما تفهيم الْحَاضِر بِخِلَافِهِ فِي تينك الصُّورَتَيْنِ أما الْأَخِيرَة فَوَاضِح وَأما الَّتِي قبلهَا أَعنِي صُورَة الْأَصَم فَيشق عَلَيْهِمَا ذَلِك قلت هُوَ وَإِن أمكن بذلك إِلَّا أَن الْجَارِي على إِطْلَاقهم أَنه لَا نظر لذَلِك لما تقرر أَن المظنة مَوْجُودَة كَمَا لم ينْظرُوا ثمَّ إِلَى التناجي بِحَضْرَة من يُمكنهُ مُفَارقَة الْمجْلس وَلم يلزموه بِهِ بل حرمُوا عَلَيْهِمَا مَعَ ذَلِك التناجي بِحَضْرَتِهِ فَكَذَا هُنَا فَلَا نظر إِلَى إِمْكَان تفهيمه وَعَدَمه وَيُوجه بِأَن الْمُتَكَلّم بِحَضْرَتِهِ يُمكنهُ الذّهاب عَنهُ من غير إخافة وَلَا فعل مَا يكون مَظَنَّة لَهَا وَمن ثمَّ لَو فرض أَنه مُتَعَدٍّ فِي الْجُلُوس عِنْده اتجه أَنه لَا حُرْمَة عَلَيْهِم لتعديه بِخِلَاف مَا لَو لم يَتَعَدَّ كَأَن كَانَ الْمحل مُبَاحا وَجلسَ عِنْدهم فيلزمهم أما السُّكُوت أَو الْقيام من عِنْده لِأَن دفع الْمَفَاسِد أولى من جلب الْمصَالح وَالظَّاهِر أَن مَحل حُرْمَة التناجي وَمَا ألحق بِهِ حَيْثُ لم يعلم أَو يظنّ رِضَاء الْمُتَكَلّم بِحَضْرَتِهِ وَإِلَّا فَلَا تَحْرِيم لانْتِفَاء المظنة حِينَئِذٍ (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ بِمَا لَفظه من روى حَدِيث قَوْله ﷺ من أعرض عَن صَاحب بِدعَة بغضا لَهُ فِي الله مَلأ الله قلبه أمنا وإيمانا وَمن انتهر صَاحب بِدعَة أَمنه الله يَوْم الْفَزع الْأَكْبَر وَمن أهان صَاحب بِدعَة رَفعه الله تَعَالَى فِي الْجنَّة مائَة دَرَجَة وَمن سلم على صَاحب بِدعَة أَو لقِيه بالبشر أَو استقبله بِمَا يسره فقد استخف بِمَا أنزل الله على مُحَمَّد ﷺ وَمَا المُرَاد بأصحاب الْبدع وَهل مِنْهُم من يخبر بِمَا اقْتَضَاهُ النُّجُوم (فَأجَاب) ﵀ بقوله رَوَاهُ الْخَطِيب فِي تَارِيخ بَغْدَاد وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح شَرّ الْأُمُور محدثاتها وكل بِدعَة ضَلَالَة وَالْمرَاد بأصحاب الْبدع فِيهِ من كَانَ على خلاف مَا عَلَيْهِ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَالْمرَاد بهم أَتبَاع الشَّيْخ أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَأبي مَنْصُور الماتريدي إمامي أهل السّنة وَيدخل فِي المبتدعة كل من أحدث فِي الْإِسْلَام حَدثا لم يشْهد الشَّرْع بحسنه كالمكوس والمظالم نعم إِن كَانَ فِي تليين القَوْل للظالم إنقاذ مظلوم مِنْهُ أَو حمله على خير أَو مَعْرُوف فَلَا بَأْس بِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿فقولا لَهُ قولا لينًا لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى﴾ وَمن ثمَّ حكى عَن بعض الأكابر أَنه كَانَ يقوم لذِمِّيّ وَيعْتَذر بِأَنَّهُ كَانَ وَاسِطَة بَينه وَبَين الْخَلِيفَة ويستدل بقول الله تَعَالَى ﴿لَا يَنْهَاكُم الله عَن الَّذين لم يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّين وَلم يخرجوكم من دِيَاركُمْ أَن تبروهم وتقسطوا إِلَيْهِم﴾ وَفِي الْخَبَر من كَانَ آمرا بِمَعْرُوف فَلْيَكُن أمره ذَلِك بِمَعْرُوف وَهَذَا هُوَ سيرة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ يلين القَوْل لمن يَرْجُو إِسْلَامه كثمامة بن أَثَال وَغَيره لِأَنَّهُ أَرْجَى للهداية وَفسّر بَعضهم الْبِدْعَة بِمَا يعم جَمِيع مَا قدمنَا وَغَيره فَقَالَ هِيَ مَا لم يقم دَلِيل شَرْعِي على أَنه وَاجِب أَو مُسْتَحبّ سَوَاء أفعل فِي عَهده ﷺ أَو لم يفعل كإخراج الْيَهُود وَالنَّصَارَى من جَزِيرَة الْعَرَب وقتال التّرْك لما كَانَ مَفْعُولا بأَمْره لم يكن بِدعَة وَإِن لم يفعل فِي عَهده وَكَذَا جمع الْقُرْآن فِي الْمَصَاحِف والاجتماع على قيام شهر رَمَضَان وأمثال ذَلِك مِمَّا ثَبت وُجُوبه أَو اسْتِحْبَابه بِدَلِيل شَرْعِي وَقَول عمر ﵁ فِي التَّرَاوِيح نعمت الْبِدْعَة هِيَ أَرَادَ الْبِدْعَة اللُّغَوِيَّة وَهُوَ مَا فعل على غير مِثَال كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿قل مَا كنت بدعا من الرُّسُل﴾ وَلَيْسَت بِدعَة شرعا فَإِن الْبِدْعَة الشَّرْعِيَّة ضَلَالَة كَمَا قَالَ ﷺ وَمن قسمهَا من الْعلمَاء إِلَى حسن وَغير حسن فَإِنَّمَا قسم الْبِدْعَة اللُّغَوِيَّة وَمن قَالَ كل بِدعَة ضَلَالَة فَمَعْنَاه الْبِدْعَة الشَّرْعِيَّة أَلا ترى أَن الصَّحَابَة ﵃ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان أَنْكَرُوا غير الصَّلَوَات الْخمس ٢ كالعيدين وَإِن لم يكن فِيهِ نهي وكرهوا استلام الرُّكْنَيْنِ الشاميين وَالصَّلَاة عقيب السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة قِيَاسا على الطّواف وَكَذَا مَا تَركه ﷺ مَعَ قيام الْمُقْتَضى فَيكون تَركه سنة وَفعله بِدعَة مذمومة وَخرج بقولنَا مَعَ قيام الْمُقْتَضى فِي حَيَاته تَركه إِخْرَاج الْيَهُود من جَزِيرَة الْعَرَب وَجمع الْمُصحف وَمَا تَركه لوُجُود الْمَانِع كالاجتماع للتراويح فَإِن الْمُقْتَضى التَّام يدْخل فِيهِ الْمَانِع وَذكر ان الْحَاج الْمَالِكِي فِيمَن قَالَ النُّجُوم تدل على كَذَا لَكِن بِفعل الله يجْرِي فِي خلقه أَنه بِدعَة من القَوْل مَنْهِيّ عَنْهَا فيؤدب وَلَا يكفر إِلَّا أَن جعل للنجم تَأْثِيرا فَيقْتل وَظَاهر كَلَام الْمَازرِيّ الْجَوَاز إِذا أسْند ذَلِك لعادة أجراها الله تَعَالَى وَذكر مَالك ﵁ حَدِيثا مَعَ حَدِيث أصبح من عبَادي مُؤمنا بن الحَدِيث وَجعل الأول دَالا على الْجَوَاز إِذا نسب ذَلِك لعادة جرت وَالثَّانِي يدل

стр. 200

على الْحُرْمَة أَو الْكفْر إِذا نسبه للأنواء وَبِه صرح الْبَاجِيّ فَقَالَ نِسْبَة ذَلِك للمطر إِمَّا مَعَ اعْتِقَاد أَنه فَاعل أَو دَلِيل وَالْأول كفر قَالَ وَبَعض الْجُهَّال يَقُول هَذَا من الْأَخْبَار بمغيب لِأَنَّهُ إِنَّمَا أخبر بِمَا دلّت عَلَيْهِ النُّجُوم لِأَنَّهُ مَا من شَيْء إِلَّا والنجوم دَالَّة عَلَيْهِ وَهُوَ بَاطِل لِأَنَّهُ مِمَّا اسْتَأْثر الله بِعِلْمِهِ فَلَا دَلِيل عَلَيْهِ وَلَو قَالَ إِن الْعَادة نزُول الْمَطَر عِنْد نوء كَذَا والنوء لَا تَأْثِير لَهُ فِي نزُول الْمَطَر فَلَا يكفر إِلَّا أَنه لَا يجوز إِطْلَاق هَذَا اللَّفْظ بِوَجْه وَإِن لم يَعْتَقِدهُ لوُرُود الشَّرْع بِالْمَنْعِ مِنْهُ لما فِيهِ من إِيهَام السَّامع انْتهى وَفِيمَا قَالَه نظر وَلم يرد فِي الشَّرْع مَا يمْنَع مِنْهُ بِهَذَا الْمَعْنى بل قد جَاءَ عَن عمر ﵁ أَنه كَانَ يَقُول مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا فَالْحق مَا قَالَه غير الْبَاجِيّ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّتنَا على أَن من قَالَ ذَلِك مُعْتَقد التَّأْثِير الْكَوْكَب وَحده أَو مَعَ الله تَعَالَى كَافِر وَهَذَا مِمَّا لَا خلاف فِيهِ وَمن قَالَه مُعْتَقدًا أَن الْكَوْكَب جعله الله عَلامَة على كَذَا بِحَسب مَا اسْتَقر فِي الْعَادة فَلَيْسَ بِحرَام وعَلى هَذَا نَص الشَّافِعِي ﵁ فَقَالَ إِذا قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا يُرِيد فِي وَقت كَذَا فَهُوَ كَقَوْلِه مُطِرْنَا فِي شهر كَذَا وَهَذَا لَا يكون كفرا من مُسلم وَلَا حَرَامًا بِخِلَاف قَول أهل الشّرك لأَنهم يَعْتَقِدُونَ التَّأْثِير لَهُ وَفِي سَماع ابْن الْقَاسِم فِي الرجل ينظر فِي النُّجُوم فَيَقُول الشَّمْس تكسف غَدا وَالرجل يقدم بعد غَد أرى أَن يزْجر قَالَ فَإِنِّي لَا أرى هَؤُلَاءِ المعالجين الَّذِي يَزْعمُونَ أَنهم يعالجون المجانين بِالْقُرْآنِ قد كذبُوا وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا وَلَو كَانَ لعلمته الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام فقد صنع لَهُ ﷺ طَعَام مَسْمُوم فَلم يعرفهُ حَتَّى أخْبرته الشَّاة وَقَالَ ابْن رشد لَيْسَ قَول الرجل الشَّمْس تكسف غَدا بِعلم الْحساب كَقَوْلِه فلَان يقدم غَدا فِي جَمِيع الْوُجُوه لِأَن النيرين مسخران يجريان فِي أفلاكهما من برج إِلَى آخر على تَرْتِيب وحساب وَقد لَا يبعد فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالْقَمَر قدرناه منَازِل﴾ إِلَى قَوْله ﴿وكل فِي فلك يسبحون﴾ وَقَالَ ﴿وَالشَّمْس وَالْقَمَر بحسبان﴾ فالقمر سريع الجري يقطع الْفلك فِي شهر وَلَا تقطعه الشَّمْس إِلَّا فِي اثْنَي عشر شهرا وَالْحَاصِل أَن دَعْوَى الْكُسُوف لَيست من علم الْغَيْب فِي شَيْء لِأَنَّهُ يُدْرِكهُ بِالْحِسَابِ فَلَا ضلال فِيهِ وَلَا كفر لَكِن يكره الِاشْتِغَال بِهِ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يعْنى وَفِي الْخَبَر بِهِ قبل وُرُوده ضَرَر فِي الدّين لِأَن الْجَاهِل إِذا سمع بِهِ ظن أَنه من علم الْغَيْب فيزجر عَن ذَلِك فَاعله ويؤدب عَلَيْهِ لِأَنَّهُ من جملَة حبائل الشَّيْطَان وَالْحَاصِل أَنه تقدم للمازري عَن سَحْنُون أَنه كَانَ يُؤَدب عَلَيْهِ وَعَن أبي الطّيب أَن ذَاك جَائِز لِأَنَّهُ مِمَّا يعلم بدقيق الْحساب كالمنازل وَهَذَا جَائِز تعلمه وتعليمه إِجْمَاعًا فَكَذَا الْكُسُوف وَاعْترض القَوْل بتأديب قَائِله بِأَنا إِذا كُنَّا نرى بالعيان صدق قَوْلهم وأصابتهم فِي الْأَخْبَار بِهِ ثمَّ رددناه كَانَ ذَلِك مُكَابَرَة للحس فَإِذا رَآهُ الْعَاميّ وَمن لم يعرف أوجد فِي نَفسه رِيبَة من الشَّرِيعَة وَالدّين فَكَانَ من الْمصلحَة والحرص على هَذِه الْقَاعِدَة أَن يصدقُوا فِي ذَلِك وَلَا يُنكر عَلَيْهِم مَا يَقُولُونَهُ وَاخْتلفُوا فِي المنجم يقْضِي بتنجيمه فَيَقُول أَنه يعلم مَتى يقدم فلَان وَمَا فِي الْأَرْحَام وَوقت نزُول الأمطار وحدوث الْفِتَن والأهوال وَمَا يسر النَّاس من الْأَخْبَار وَغير ذَلِك من المغيبات فَقَالَ بعض الْمَالِكِيَّة أَنه كَافِر يجب قَتله من غير اسْتِتَابَة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد صرفناه بَينهم لِيذكرُوا﴾ إِلَى قَوْله ﴿إِلَّا كفورا﴾ وَلقَوْله ﷺ أصبح من عبَادي مُؤمن بِي وَكَافِر بِي الحَدِيث بِطُولِهِ وَقَالَ بَعضهم يقتل بعد استتابته فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل وروى عَن أَشهب وَقَالَ بَعضهم يزْجر ويؤدب قَالَ بعض محققيهم وَالَّذِي أَقُول بِهِ أَنه لَيْسَ باخْتلَاف قَول وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَاف فِي الْأَحْكَام بِحَسب الْأَحْوَال فَإِن كَانَ المنجم يعْتَقد فِي النُّجُوم أَنَّهَا الفاعلة لذَلِك كُله مستسرا بذلك فحضرته الْبَيِّنَة أَو أقرّ على نَفسه وَجب قَتله دون استتابته كالزنديق وَإِن كَانَ مُعْلنا بِهِ غير مسر بظهوره ويحاج عَلَيْهِ فَهُوَ كالمرتد فيستتاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل وَإِن كَانَ مقرا بِاللَّه مُؤمنا ومقرا بِأَن النُّجُوم لَا تَأْثِير لَهَا فِي الْعَالم وَالْفَاعِل هُوَ الله تَعَالَى لكنه جعل النُّجُوم دَالَّة وَلها إِمَارَة على مَا يحدث فِي الْعَالم فَهَذَا يزْجر عَن اعْتِقَاده ويؤدب عَلَيْهِ أبدا حَتَّى يكف عَنهُ وَعَن اعْتِقَاده وَيَتُوب مِنْهُ فَهُوَ بِدعَة فَتسقط أَمَانَته وشهادته على مالسحنون فِي نوازله من الشَّهَادَات وَلَا يحل لمُسلم أَن يصدقهُ فِيمَا يَقُول وَكَيف يحل لَهُ تَصْدِيقه مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿قل لَا يعلم من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض الْغَيْب إِلَّا الله﴾ وَغير ذَلِك من الْآيَات الدَّالَّة على أَن الله تَعَالَى اسْتَأْثر بِعلم الْغَيْب مَعَ قَوْله ﷺ من صدق كَاهِنًا أَو عرافا أَو منجما فقد كفر بِمَا أنزل الله على مُحَمَّد ﷺ وَيُمكن أَن يُصَادف فِي بعض المرار فَيكون من

стр. 201

حبائل الشَّيْطَان فَلَا يغتر بِهِ أحد كَمَا لَا يصدق الَّذين يعالجون المجانين فِيمَا يَزْعمُونَ أَنهم يعالجونهم بِهِ من الْقُرْآن فَلَا يعلم الْأُمُور على تفاصيلها إِلَّا علام الغيوب أَو من أطلعه الله من أنبيائه ليَكُون دَلِيلا على صِحَة نبوته أَو أوليائه ليَكُون دَلِيلا على صِحَة ولَايَته وَحَاصِل مَذْهَبنَا فِي ذَلِك أَنه مَتى اعْتقد أَن لغير الله تَأْثِيرا كفر فيستتاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل سَوَاء أسر ذَلِك أم أظهره وَكَذَا لَو اعْتقد أَنه يعلم الْغَيْب الْمشَار إِلَيْهِ بقوله تَعَالَى ﴿لَا يعلمهَا إِلَّا هُوَ﴾ لِأَنَّهُ مكذب لِلْقُرْآنِ فَإِن خلا عَن اعْتِقَاد هذَيْن فَلَا كفر بل وَلَا إِثْم إِن قَالَ علمت ذَلِك بِوَاسِطَة الْقرْبَة وَالْعَادَة الإلهية وَنَحْو ذَلِك (سُئِلَ) نفع الله بِهِ بِمَا لَفظه الحَدِيث مضلة إِلَّا للفقهاء هَل هُوَ حَدِيث وَمَا مَعْنَاهُ مَعَ أَن معرفَة الحَدِيث شَرط فِي مُسَمّى الْفَقِيه وَأَيّمَا أعظم قدر أَو أجل ذكرا الْفُقَهَاء أَو المحدثون (فَأجَاب) بقوله لَيْسَ بِحَدِيث وَإِنَّمَا هُوَ من كَلَام ابْن عُيَيْنَة أَو غَيره وَمَعْنَاهُ أَن الحَدِيث كالقرآن فِي أَنه قد يكون عَام اللَّفْظ خَاص الْمَعْنى وَعَكسه وَمِنْه نَاسخ ومنسوخ وَمِنْه مَا لم يَصْحَبهُ عمل وَمِنْه مُشكل يَقْتَضِي ظَاهره التَّشْبِيه كَحَدِيث ينزل رَبنَا الخ وَلَا يعرف معنى هَذِه إِلَّا الْفُقَهَاء بِخِلَاف من لَا يعرف إِلَّا مُجَرّد الحَدِيث فَإِنَّهُ يضل فِيهِ كَمَا وَقع لبَعض مُتَقَدِّمي الحَدِيث بل ومتأخريهم كَابْن تَيْمِية وأتباعهم وَبِهَذَا يعلم فضل الْفُقَهَاء المستنبطين على الْمُحدثين غير المستنبطين وَمن ثمَّ قَالَ ﷺ رب مبلغ أوعى من سامع وَرب حَامِل فقه لَيْسَ بفقيه وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ وَقَوله بلغُوا عني وَلَو آيَة وَحَدثُوا عَن بني إِسْرَائِيل وَلَا حرج فمستنبطوا الْفُرُوع هم خِيَار سلف الْأمة وعلماؤهم وعدولهم وَأهل الْفِقْه والمعرفة فيهم فهم قوم غذوا بالتقوى وربوا بِالْهدى أفنوا أعمارهم فِي استنباطها وتحقيقها بعد أَن ميزوا صَحِيح الْأَحَادِيث من سقيمها وناسخها من منسوخها فأصلوا أُصُولهَا ومهدوا فروعها فجزاهم الله عَن الْمُسلمين خيرا وَأحسن جزاءهم كَمَا جعلهم وَرَثَة أنبيائه وحفاظ شَرعه وشهود آلائه وألحقنا بهم وَجَعَلنَا من تابعيهم بِإِحْسَان إِنَّه الْكَرِيم الْجواد الرَّحْمَن ووقفت امْرَأَة على مجْلِس فِيهِ يحيى بن معِين وَزُهَيْر بن حرث وَخلف بن صَالح وَجَمَاعَة يتذاكرون الحَدِيث فسألتهم هَل تغسل الْحَائِض الْمَيِّت فَسَكَتُوا فَأقبل أَبُو ثَوْر فأمروها أَن تسأله فَسَأَلته فَقَالَ نعم تغسله لحَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَن حيضك لَيْسَ فِي يدك وَأَنَّهَا كَانَت تفرق رَأسه ﷺ وَهِي حَائِض فَإِذا فرقت رَأس الْحَيّ فالميت أولى بذلك قَالُوا نعم حَدثنَا بذلك فلَان عَن فلَان فَقَالَت لَهُم أَيْن كُنْتُم إِلَى الْآن وَكَانَ الْأَعْمَش يسْأَل أَبَا حنيفَة ﵄ عَن الْمسَائِل فَيُجِيبهُ فَيَقُول من أَيْن لَك هَذَا فَيَقُول أَنْت حَدَّثتنَا عَن النَّخعِيّ بِكَذَا أَو عَن الشّعبِيّ بِكَذَا فَيَقُول الْأَعْمَش عِنْد ذَلِك يَا معشر الْفُقَهَاء نَحن الأطيار وَأَنْتُم الصيادون لَهَا وَعَن عَطِيَّة قَالَ كنت عِنْد شُعْبَة فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد إِذا جاءتكم معضلة من تسْأَلُون عَنْهَا فَقلت فِي نَفسِي هَذَا رجل أَعْجَبته نَفسه فَقلت لَهُ نتوجه إِلَيْك وَإِلَى أَصْحَابك حَتَّى تفتوا فَمَا بقيت إِلَّا قَلِيلا حَتَّى جَاءَهُ سَائل فَقَالَ يَا أَبَا بسطَام رجل ضرب رجلا على أم رَأسه فَادّعى أَنه ذهب بذلك شمه فَجعل يتشاغل عَنهُ يَمِينا وَشمَالًا فأومأت للرجل بِأَن يلح عَلَيْهِ فَالْتَفت إِلَيّ وَقَالَ لي يَا أَبَا مُحَمَّد مَا أشر الْبَغي على أَهله وَالله مَا عِنْدِي فِيهِ شَيْء أَنْت أَنْت فَقلت يستفتيك وَأَنا أُجِيبهُ فَقَالَ إِنِّي سَائِلك فَقَالَ سَمِعت الْأَوْزَاعِيّ وَالزهْرِيّ يَقُولَانِ يدق الْخَرْدَل دقا بَالغا ويشم فَإِن عطس فقد كذب وَإِن لم يعطس فقد صدق فَقَالَ جِئْت بهَا وَالله مَا يعطس رجل انْقَطع شمه وَقَالَ ابْن عبد الْبر أَرَادَ الْأَعْمَش الْحَج فَلَمَّا بلغ الْحيرَة قَالَ لعَلي بن مشْهد اذْهَبْ إِلَى أبي حنيفَة حَتَّى يكْتب لنا الْمَنَاسِك ثمَّ ذكر ابْن عبد الْبر حكايات يطول ذكرهَا من تلبيس إِبْلِيس وَغَيره فَذكر فِيهِ جهل الْمُحدثين معرفَة الْأَحْكَام وَقَالَ ابْن وهب كل صَاحب حَدِيث لَا يكون لَهُ رَأس فِي الْفِقْه لَا يفلح أبدا وَلَوْلَا أَن الله تَعَالَى أنقذنا بِمَالك لضللنا وَقَالَ بَعضهم لَا أَجْهَل من صَاحب حَدِيث إِن لم يتفقه فِيهِ وَقَالَ مَالك ﵁ لِابْني أُخْته بكر واسمعيل أراكما تحبان الحَدِيث وتطلبانه قَالَا نعم قَالَ إِن أحببتما أَن تنتفعا بِهِ وينفع الله بكما فأقلا من الحَدِيث وتفقها أَشَارَ ﵁ إِلَى أَنه لَا بُد من معرفَة الحَدِيث لَكِن الْعُمْدَة إِنَّمَا هِيَ على التفقه فِيهِ وَفِي أَشْيَاخ القَاضِي عِيَاض لما ذكر أَبَا مُحَمَّد بن الْعَرَبِيّ الْمَشْهُور حكى من حَدِيثه عَن عماد بن مُحَمَّد بن مخلد التَّمِيمِي قَالَ لما عزل أَبُو الْعَبَّاس الْهَمدَانِي من قَضَاء الرّيّ ورد بخاري لتجديد مَوَدَّة

стр. 202

كَانَت بَينه وَبَين أبي الْفضل القلعي فَنزل فِي جوارنا فَحَمَلَنِي إِلَيْهِ معلمي وَقَالَ أَسأَلك أَن تحدث هَذَا الصَّبِي بِمَا سمعته من مشايخك قَالَ مَالِي سَماع قَالَ كَيفَ وَأَنت فَقِيه فَمَا هَذَا قَالَ لِأَنِّي لما بلغت مبلغ الرِّجَال اشتاقت نَفسِي إِلَى معرفَة الحَدِيث وَرِوَايَة الْأَخْبَار وسماعها فقصدت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَسَأَلته الإقبال على ذَلِك فَقَالَ يَا بني لَا تدخل على أَمر حَتَّى تعرف حُدُوده وَالْوُقُوف على مِقْدَاره فَقلت لَهُ عرفني يَرْحَمك الله حُدُود مَا تصديت لَهُ وَمِقْدَار مَا سلكت إِلَيْهِ وَسَأَلْتُك عَنهُ فَقَالَ لي أعلم أَن الرجل لَا يصير مُحدثا كَامِلا فِي الحَدِيث إِلَّا أَن يكْتب أَرْبعا مَعَ أَربع كأربع مثل أَربع فِي أَربع عِنْد أَربع بِأَرْبَع على أَربع عَن أَربع لأَرْبَع وكل هَذِه الرباعيات لَا تتمّ إِلَّا بِأَرْبَع مَعَ أَربع فَإِذا تمت لَهُ هان عَلَيْهِ أَربع وابتلى بِأَرْبَع فَإِذا صَبر على ذَلِك أكْرمه الله بِأَرْبَع وأثابه فِي الْآخِرَة بِأَرْبَع فَقلت لَهُ فسر لي مَا ذكر من أَحْوَال هَذِه الرباعيات من قلب صَاف منشرح كَاف وَبَيَان شاف طَالبا لأجر واف فَقَالَ نعم أما الْأَرْبَع الَّتِي يحْتَاج إِلَى كتبهَا فأخبار النَّبِي ﷺ وشرائعه وَالصَّحَابَة ومقاديرهم وَالتَّابِعِينَ وأحوالهم وَسَائِر الْعلمَاء وتواريخهم مَعَ أَسمَاء رِجَالهمْ وَكُنَاهُمْ وأمكنتهم وأزمنتهم كالتحميد مَعَ الْخطب وَالدُّعَاء مَعَ الرسائل والبسملة مَعَ السُّور والتكبيرات مَعَ الصَّلَوَات مثل المسندات والمرسلات والموضوعات والمقطوعات فِي صغره وإدراكه وكهولته وشبابه عِنْد فَرَاغه وَعند شغله وَعند فقره وَعند غناهُ بالجبال والبحار والبلدان والبراري على الْأَحْجَار والأصداف والجلود والأكتاف إِلَى الْوَقْت الَّذِي يُمكنهُ نَقله إِلَى الأوراق عَمَّن هُوَ فَوْقه وَعَمن هُوَ مثله وَعَمن هُوَ دونه وَعَن كتاب إِلَيْهِ يتَيَقَّن أَنه خطه دون غَيره لوجه الله تَعَالَى طَالبا لمرضاته وَالْعَمَل بموافق كتاب الله تَعَالَى ونشرها بَين طالبها والتأليف فِي إحْيَاء ذكره بعده ثمَّ لَا تتمّ هَذِه الْأَشْيَاء إِلَّا بِأَرْبَع معرفَة الْكِتَابَة والثقة والضبط والنحو مَعَ أَربع هِيَ من مَحْض عَطاء الله تَعَالَى الْقُدْرَة وَالصِّحَّة والحرص وَالْحِفْظ فَإِذا تمت هَذِه الْأَشْيَاء هان عَلَيْهِ أَربع الْأَهْل وَالْمَال والوطن وَالْولد وابتلى بِأَرْبَع شماتة الْأَعْدَاء وملامة الأصدقاء وَطعن الجهلاء وحسد الْعلمَاء فَإِذا صَبر على هَذِه المحن الْأَرْبَع أكْرمه الله تَعَالَى بِأَرْبَع بعز القناعة وتهنئة النَّفس وَلَذَّة الْعلم وَحسن الذّكر وأثابه فِي الْآخِرَة بِأَرْبَع بالشفاعة لمن أَرَادَ من أحبابه وبظل الْعَرْش يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله ويسقى من أَرَادَ من حَوْض نبيه وبجوار الرَّحْمَن فِي أَعلَى عليين فِي الْجنَّة فقد أَخْبَرتك يَا بني بجملة مَا كنت سمعته من مشايخي مُتَفَرقًا فِي هَذَا الْبَاب فَأقبل الْآن على مَا قصدتني لَهُ أودع قَالَ فهالني قَوْله فَسكت متفكرا وطرقت نَادِما فَلَمَّا رأى ذَلِك مني قَالَ لي فَإِذا لم تطق هَذِه المشاق كلهَا فَعَلَيْك بالفقه الَّذِي يمكنك فعله وَأَنت ببيتك لَا تحْتَاج لبعد الْأَسْفَار وَوَطْء الديار وركوب الْبحار وَهُوَ مَعَ ذَلِك ثَمَرَة الحَدِيث وَلَيْسَ ثَوَاب الْفِقْه دون ثَوَاب الحَدِيث فِي الْآخِرَة وَلَا فن الْفَقِيه بِأَقَلّ من فن الْمُحدث قَالَ فَلَمَّا سَمِعت ذَلِك نقض عزمي فِي طلب الحَدِيث وَأَقْبَلت على دراسة الْفِقْه وتعلمه إِلَى أَن صرت مُتَقَدما فِيهِ فَلذَلِك لم يكن عِنْدِي مَا أمليه على هَذَا الصَّبِي فَقَالَ لَهُ الْمعلم أَن هَذَا الحَدِيث الَّذِي لَا يُوجد عِنْد غَيْرك خير للصَّبِيّ من كَلَام كثير نجده عِنْد غَيْرك انْتهى واستفيد من ذَلِك مزِيد فضل الْفِقْه وَأَنه ثَمَرَة الحَدِيث وَإِن كَانَ طلب الحَدِيث أَشد وتحصيله أشق وَحكى الْخَطِيب فِي تَارِيخ بَغْدَاد أَن معتزليا لَام مُحدثا على كَثْرَة كِتَابَته فَقَالَ يَا بني كم تكْتب يذهب بَصرك ويحدودب ظهرك ويزداد فقرك ثمَّ كتب لَهُ بِظهْر كِتَابه: (إِن التفقه وَالْقِرَاءَة والتشاغل بالعلوم … أصل المذلة والإذاية والمهانة والهموم) فَلَمَّا قَرَأَهَا قَالَ كذب عَدو نَفسه بل يرْتَفع ذكرك وينشر علمك وَيبقى اسْمك مَعَ اسْم رَسُول الله ﷺ يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ كتب لَهُ (أَن التشاغل بالدفاتر وَالْكِتَابَة والدراسة … أصل التفقه والزهادة والفهامة والرياسة) وَقَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ من حفظ الْفِقْه عظمت قِيمَته وَمن تعلم الحَدِيث قويت حجَّته وَمن تعلم الشّعْر والعربية رق طبعه وَمن تعلم الْحساب جزل رَأْيه وَمن لم يصن نَفسه لم يَنْفَعهُ علمه (وَسُئِلَ) ﵁ مَا معنى قَوْله ﷺ من عمل بِمَا يعلم وَرثهُ الله علم مَا لَا يعلم فَمَا ذَلِك الْعلم وَمَا ذَلِك الَّذِي يورثه (فَأجَاب) بقوله سُئِلَ عَن ذَلِك ابْن عبد السَّلَام وَأجَاب عَنهُ بِمَا ملخصه أَن من عمل بِمَا يعلم من وَاجِب الشَّرْع ومندوبه وَاجْتنَاب مكروهه

стр. 203

ومحرمه أورثه الله من الْعلم الإلهي مَا لم يكن يُعلمهُ قبل لقَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا﴾ هَذَا هُوَ الظَّاهِر مِنْهُ وَلَا يجوز تَخْصِيصه بِمن ينظر فِي الوقائع ٣ قبلهم فِيمَا لم يكن عِنْده إِذْ لَا دَلِيل على هَذَا التَّخْصِيص بل الحَدِيث شَامِل للفقهاء وَغَيرهم وَقد ذكر بعض الْعلمَاء العارفين الَّذين عاملهم الله بذلك إِن لكل طَاعَة نوعا من الْعلم يخْتَص بهَا لَا يَتَرَتَّب على غَيرهَا كَمَا أَن الثَّوَاب كَذَلِك والإلهام من جملَة مَا عجله الله تَعَالَى من ثَوَاب الْأَعْمَال الصَّالِحَة فَإِن الله تَعَالَى يُعْطي بهَا فِي الدُّنْيَا ويجازي بهَا فِي الْأُخْرَى فَلِكُل عمل مِنْهَا الإلهام يخْتَص بِهِ فأفضله لَا فَضلهَا لِأَن من جملَة ثَوَابهَا وَكَذَلِكَ التَّوْفِيق للطاعات مُرَتّب على فَضَائِل الْأَعْمَال (وَسُئِلَ) عَن ندب وَلَا بِشَيْء من نعمك رَبنَا نكذب فلك الْحَمد عِنْد قَوْله تَعَالَى ﴿فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وتكريرها بتكريرها وَالله رب الْعَالمين آخر تبَارك الْملك وَالتَّكْبِير فِي ختم الضُّحَى وَمَا بعْدهَا مَا دَلِيله وَمن رَوَاهُ (فَأجَاب) بقوله ﵁ روى الأول عَنهُ ﷺ الطَّبَرَانِيّ وَفِيه أَنه ﷺ أثنى على الْجِنّ إِذْ قَالُوا ذَلِك عِنْد قِرَاءَته عَلَيْهِم سُورَة الرَّحْمَن عِنْد كل ﴿فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وروى الْبَقِيَّة الْبَيْهَقِيّ (وَسُئِلَ) ﵁ عَن حَدِيث الْأَسْمَاء الْحسنى الْمَشْهُور اتّفقت عَلَيْهِ الطّرق أم اخْتلفت بِأَلْفَاظ وأحرف فِي بَعْضهَا أَو زِيَادَة عَلَيْهَا (فَأجَاب) بقوله ورد المقيت بدل المغيث والمبين بدل المتين والقريب بدل الرَّقِيب والرافع بدل الْمَانِع والقائم بدل الدَّائِم وَبدل الْقَابِض الباسط والشديد بل الرشيد وَجَاء فِي رِوَايَات الْأَعْلَى الْمُحِيط مَالك يَوْم الدّين الراشد الفاطر الْعَادِل الْمُنِير الرب الْفَرد الْكَافِي القاهر الصَّادِق الْجَمِيل الْبَارِي الْقَدِيم الْبَاقِي الوفي الْبُرْهَان الوافي الْقَدِير الْحَافِظ الْمُعْطِي الْعَالم الْأَبَد الْوتر ذُو الْقُوَّة الحنان المنان الخلاق العلام (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَمَّا حكى الدَّمِيرِيّ تَخْرِيجه فِي شرح الْمِنْهَاج وَشرح سنَن ابْن مَاجَه عَن السّنَن الصِّحَاح لِابْنِ السّني ومسند أبي يعلى الْموصِلِي عَن ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ بِمَكَّة إِذا أَرَادَ قَضَاء الْحَاجة خرج إِلَى المغمس قَالَ نَافِع وَهُوَ على ميلين من مَكَّة انْتهى فَهَل يَقْتَضِي هَذَا ندب الْخُرُوج من مَكَّة لمريد قَضَائهَا أَولا فيجاب عَن الْخَبَر وَعَلِيهِ فَمَا الْجَواب وَإِذا قُلْتُمْ بالندب فَهَل صرح بِهِ أحد من أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة أَو غَيرهم وَمَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِيَاق الدَّمِيرِيّ لَهُ عِنْد قَول الْمِنْهَاج وَيبعد (فَأجَاب) بقوله هَذَا الحَدِيث إِنَّمَا سيق مُوَافقَة لحَدِيث أبي دَاوُد وَغَيره أَنه ﷺ كَانَ لَا يَأْتِي البرَاز حَتَّى يتغيب فَلَا يرى فَمن ثمَّ نَص الْأَئِمَّة على ندب الإبعاد عَن النَّاس حَتَّى لَا يرى شخص قَاضِي الْحَاجة فَهَذَا هُوَ الَّذِي يدل عَلَيْهِ الْخَبَر فَإِن قلت التغيب حَتَّى لَا يرى الشَّخْص يحصل بِدُونِ هَذِه الْمسَافَة فَمَا حِكْمَة هَذَا الْبعد المفرط قلت لَعَلَّه ﷺ علم انتشار النَّاس حوالي مَكَّة فَلم يَتَيَسَّر لَهُ مَحل خَال غير ذَلِك فَعلم أَن الْخَبَر لَا بدل على ندب خُصُوص الْخُرُوج من مَكَّة على أَنه إِنَّمَا يتَوَهَّم لَو كَانَ المغمس من الْحل فَإِذا كَانَ من الْحرم فَلَا يتَوَهَّم أصلا إِذْ لَا فرق بَين مَكَّة وَبَقِيَّة الْحرم فِي الاحترام (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَن قَوْله ﷺ أَنا بَرِيء من مُسلم مُقيم بَين أظهر الْمُشْركين قَالُوا لم قَالَ لَا تتراءى ناراهما (فَأجَاب) بقوله هَذَا تَعْلِيل للبراءة فَحذف لَام التَّعْلِيل وَوجه الْمُنَاسبَة بَين الْعلَّة والمعلول أَن فِي الْإِقَامَة بَينهم تَكْثِير سوادهم وَإِنَّهُم لَو قصدهم جَيش غزَاة رُبمَا مَنعهم مِنْهُم رُؤْيَة نيران الْمُسلمين مَعَ نيرانهم فَإِن الْعَرَب كَانُوا عِنْد تقَابل الجيوش يعْرفُونَ كثرتها بِرُؤْيَة النيرَان كَمَا وَقع ذَلِك فِي إرسالهم لرؤية جَيْشه ﷺ بمر الظهْرَان عِنْد قصد مَكَّة لفتحها فَلَمَّا كَانَ فِي إِقَامَة الْمُسلمين بَين أظهر الْمُشْركين هَذَا الْمَحْذُور الْعَظِيم وَهُوَ منع الْمُسلمين من غزوهم أَو إِدْخَال ٢ عدم مرعب عَلَيْهِم برِئ مِنْهُ ﷺ لكَونه سَببا لعدم جهادهم فَالنَّار على حَقِيقَتهَا فِي الْأَمريْنِ وَهُوَ الْوَجْه الظَّاهِر الْمُنَاسب المنضبط كَمَا علمت فَإِن قلت قدينا فِيهِ قَول الْفُقَهَاء تجوز الْإِقَامَة بَينهم لمن أَمن على نَفسه قلت لَا يُنَافِيهِ لأَنهم شرطُوا أَمنه على إِظْهَار دينه وَإِذا أَمن ذَلِك كَانَ فِي إِقَامَته بَينهم مصلحَة للْمُسلمين راجحة على خُرُوجه من بَينهم فجوزوا لَهُ ذَلِك لِئَلَّا يصير مَحَله لهجرته مِنْهُ دَار حَرْب بل تجب عَلَيْهِ الْإِقَامَة حِينَئِذٍ فَإِن قلت التَّعْلِيل فِي الحَدِيث بالخشية مِنْهُم على دينه أظهر فَلم عدل لذَلِك قلت لِأَن فِيمَا ذكر فِي الحَدِيث مضرَّة الْمُقِيم فَقَط على أَن حُرْمَة الْإِقَامَة لخشية الْفِتْنَة مَعْلُوم عِنْد كل أحد فَلَا يحْتَاج للتّنْبِيه عَلَيْهِ بِخِلَاف حرمتهَا لترائي

стр. 204

النارين فَإِن هَذَا لَا يعرفهُ كل أحد فَمن ثمَّ نبه ﷺ جَريا على عَادَته الْكَرِيمَة من تنبيهه أمته على الْأَشْيَاء الْخفية الَّتِي لَا يهتدى إِلَيْهَا إِلَّا بِنَوْع تَوْقِيف وَالله أعلم (وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفظه نقل شيخ الْإِسْلَام الزين الْعِرَاقِيّ فِي تَخْرِيجه أَحَادِيث الْإِحْيَاء عَن أَحْمد ﵁ أَنه قَالَ فِي حَدِيث الاستخارة الْمَشْهُور هَذَا حَدِيث مُنكر مَعَ أَن البُخَارِيّ رَوَاهُ عَن جَابر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كَانَ ﷺ يعلمنَا الاستخارة فِي الْأُمُور كلهَا كالسورة من الْقُرْآن يَقُول إِذا هم أحدكُم بِأَمْر فليركع رَكْعَتَيْنِ من غير الْفَرِيضَة ثمَّ ليقل اللَّهُمَّ إِنِّي أستخيرك بعلمك الحَدِيث فَهَل قَول أَحْمد الْمَذْكُور يُؤثر ضعفا فِي الحَدِيث أَولا (فَأجَاب) بقوله لَا يُؤثر قَول أَحْمد الْمَذْكُور ضعفا فِي الحَدِيث لِأَنَّهُ لَيْسَ المُرَاد بِهِ ظَاهره فَإِن اصْطِلَاح أَحْمد كَمَا نَقله الْأَئِمَّة عَنهُ أَنه يُطلق هَذَا اللَّفْظ على الْفَرد الْمُطلق وَإِن كَانَ رَاوِيه ثِقَة وَقد جَاءَ عَن أَحْمد ذَلِك فِي حَدِيث الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ لكَونه فَردا مُطلقًا بِاعْتِبَار أَوله وَإِن كَانَ متواترا بِاعْتِبَار آخِره فَقَالَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ روى حَدِيثا مُنْكرا وَوصف مُحَمَّدًا مَعَ ذَلِك بِأَنَّهُ ثِقَة فَإِذا عرف من اصْطِلَاح أَحْمد ﵁ ذَلِك على أَنه لم يضعف الحَدِيث بِوَجْه على أَن الْحَافِظ ابْن عدي ﵁ أَشَارَ إِلَى أَن حَدِيث جَابر الْمَذْكُور لَيْسَ فَردا مُطلقًا كَيفَ وَقد رَوَاهُ غير جَابر من الصَّحَابَة ﵃ سمى التِّرْمِذِيّ مِنْهُم اثْنَيْنِ فَقَالَ وَفِي الْبَاب عَن ابْن مَسْعُود وَأبي أَيُّوب انْتهى زَاد غَيره عبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن عمر وَأَبا هُرَيْرَة وَأَبا سعيد رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ لَكِن مَعَ بعض زِيَادَة وَنقص فِي أَلْفَاظه وَذَلِكَ يعلمك بِأَن الحَدِيث لَيْسَ فَردا مُطلقًا كَيفَ وَقد وَافق جَابِرا فِي رِوَايَته عَن النَّبِي ﷺ سِتَّة من أكَابِر الصَّحَابَة ﵃ (وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفظه مَا معنى حَدِيث أَن رَسُول الله ﷺ بعث سَرِيَّة إِلَى خثعم فاعتصم نَاس بِالسُّجُود فأسرع فيهم الْقَتْل فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ فَأمر لَهُم بِنصْف الْعقل وَقَالَ أَنا بَرِيء من كل مُسلم يُقيم بَين أظهر الْمُشْركين قَالُوا يَا رَسُول الله وَلم قَالَ لَا تراى ناراهما وَهل هُوَ حَدِيث صَحِيح أم لَا (فَأجَاب) بقوله الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وقبلهم أَبُو بكر بن أبي شيبَة بأسانيد صَحِيحَة إِلَى قيس بن أبي حَازِم التَّابِعِيّ الْكَبِير فَمنهمْ من أرْسلهُ عَن النَّبِي ﷺ وَمِنْهُم من أسْندهُ عَن قيس عَن جرير البَجلِيّ وَقَالَ البُخَارِيّ الْمُرْسل أصح وَمعنى الحَدِيث كَمَا فسره أهل الْغَرِيب أَنه يلْزم الْمُسلم أَن يبعد منزله عَن منزل الْمُشْركين أَي الْحَرْبِيّ وَلَا ينزل بِموضع إِذا أوقدت فِيهِ نَار تلوح وَتظهر النَّار الَّتِي يوقدونها فِي منزلهم لِأَن النارين مَتى تراءيا كَانَ معدودا مِنْهُم وَقد تقرر أَن الْهِجْرَة من دَار الْحَرْب وَاجِبَة بشروطها والترائي تفَاعل من الرُّؤْيَة يُقَال ترَاءى الْقَوْم إِذا رأى بَعضهم بَعْضًا وتراءى لي الشَّيْء إِذا ظهر حَتَّى رَأَيْته وَإسْنَاد الترائي إِلَى النارين مجَاز من قَوْلهم دَاري تنظر إِلَى دَار فلَان أَي تقَابلهَا وَيُقَال ناراهما مُخْتَلِفَانِ هَذِه تَدْعُو إِلَى الله وَكَأن هَذِه النَّار تعبد وَالْأُخْرَى تنادى بِلِسَان حَالهَا للترائي وَهَذِه تَدْعُو إِلَى الشَّيْطَان فَكيف يَجْتَمِعَانِ وَالْأَصْل فِي ترَاءى تتراءى حذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا (وَسُئِلَ) نفعنا الله بِهِ عَن حَدِيث أَن الله يبغض البليغ من الرِّجَال الَّذِي يَتَخَلَّل بِلِسَانِهِ تخَلّل الباقرة بلسانها من رَوَاهُ (فَأجَاب) بقوله رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَهُوَ بِمَعْنى الحَدِيث الْحسن أَيْضا أَن الله يبغض الثرثارين والمتشدقين وَفِي رِوَايَة أَن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني يَوْم الْقِيَامَة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون أَي المكثرون للْكَلَام مَعَ التشدق فِيهِ وَإِظْهَار التفاصح وَأَنه بليغ لَا يصل أحد إِلَيْهِ فِي ذَلِك زهوا وعجبا (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ هَل ورد لَا تعد من لَا يعدوك (فَأجَاب) بقوله لم يرد بِهَذَا اللَّفْظ وَإِنَّمَا هُوَ من كَلَام ابْن وهب والوارد بِسَنَد ضَعِيف من عَاد مرضانا عدنا مرضاه وَهُوَ يفهم مَا ذكر واستؤنس لَهُ بِالْحَدِيثِ بِسَنَد ضَعِيف أَيْضا لَا خير فِي صُحْبَة من لَا يرى لَك مثل مَا ترى لَهُ وَمن ثمَّ قَالَ أَحْمد ﵁ ورحمه لما قَالَ لَهُ وَلَده يَا أَبَت إِن جارنا مرض فَمَا نعوده يَا أَبَت فَقَالَ مَا عدانا فنعوده فَإِن قلت قد يُنَافِي ذَلِك الحَدِيث الْمُرْسل عد من لَا يعدوك قلت لَا يُنَافِيهِ لَا مَكَان حمل الأول على التَّأْدِيب لمن يتْرك ذَلِك انتقاصا لَك وَالثَّانِي على الْمقَام الْأَكْمَل وَهُوَ هضم النَّفس وَعدم الِالْتِفَات لحظوظها بِوَجْه (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ هَل يكره الْقُرْآن بَين تمرتين مُطلقًا وَهل يلْحق بِالتَّمْرِ غَيره

стр. 205

(فَأجَاب) بقوله ورد النَّهْي عَن الْقُرْآن فِي التَّمْر وَخَصه بعض الْحفاظ بِمَا إِذا كَانَ من أحد الشَّرِيكَيْنِ حَيْثُ لم يسْتَأْذن صَاحبه انْتهى وَهَذَا التَّخْصِيص يحْتَاج لدَلِيل إِذْ الْعبْرَة بِعُمُوم اللَّفْظ لَا بِخُصُوص السَّبَب وَأَيْضًا فالضيوف يَنْبَغِي مُرَاعَاة لنصفة بَينهم وَلَيْسَ مِنْهَا الْقُرْآن بل قَالَ بعض الْأَئِمَّة يحرم على بَعضهم تَكْبِير اللُّقْمَة ليَأْكُل أَكثر مِنْهُم ويحرمهم لأَنهم استحقوا الطَّعَام الْمحْضر إِلَيْهِم على السوَاء فَلَا يجوز تَمْيِيز بَعضهم عَلَيْهِم بِبَعْضِه من غير رضاهم فَالْوَجْه أَنه لَا فرق بَين الشُّرَكَاء والضيوف نعم التَّقْيِيد بِعَدَمِ استئذانهم مُتَّجه فبإذنهم فِي الْقُرْآن عَن طيب نفس لإحياء نزُول الْكَرَاهَة أَو الْحُرْمَة وَالْحق بِالتَّمْرِ غَيره حَتَّى السمسم وَفِيه بعد وَالَّذِي يتَّجه حمله على مَا يعد الْقُرْآن فِيهِ مزريا بِصَاحِبِهِ ودالا على تهوره فِي الْأكل وَعدم أدبه فِيهِ (وَسُئِلَ) هَل ورد فِي موت فِرْعَوْن كَافِرًا حَدِيث (فَأجَاب) نعم ورد فِيهِ أَحَادِيث مِنْهَا حَدِيث عدي وَالطَّبَرَانِيّ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه ﷺ قَالَ خلق الله يحيى بن زَكَرِيَّا فِي بطن أمه مُؤمنا وَخلق فِرْعَوْن فِي بطن أمه كَافِرًا (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَن حَدِيث أَنا من الله والمؤمنون مني من رَوَاهُ (فَأجَاب) بقوله هُوَ كذب مختلق وَإِن ذكره الديلمي بِلَا إِسْنَاد (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَن حَدِيث أول مَا خلق الله روحي والعالم بأسره من نوري كل شَيْء يرجع إِلَى أَصله من رَوَاهُ (فَأجَاب) بقوله لَا أعلم أحدا رَوَاهُ كَذَلِك وَإِنَّمَا الَّذِي رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق أَنه ﷺ قَالَ إِن الله خلق نور مُحَمَّد قبل الْأَشْيَاء من نوره (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ وبعلومه عَن حَدِيث من رَآنِي فقد رأى الْحق مَا حكمه (فَأجَاب) بقوله هُوَ حَدِيث صَحِيح وَمعنى قَوْله فقد رأى الْحق أَي الرُّؤْيَا الْحق (وَسُئِلَ) ﵁ عَن حَدِيث من عرف نَفسه عرف ربه من رَوَاهُ (فَأجَاب) ﵀ بقوله لَا أصل لَهُ وَإِنَّمَا يحْكى من كَلَام يحيى بن معَاذ الرَّازِيّ الصُّوفِي وَمَعْنَاهُ من عرف نَفسه بِالْعَجزِ والافتقار وَالتَّقْصِير والذلة والانكسار عرف ربه بِصِفَات الْجَلالَة والجمالة على مَا يَنْبَغِي لَهما فأدام مراقبته حَتَّى يفتح لَهُ بَاب مشاهدته فَيكون من أخصائه الَّذين أفرغ عَلَيْهِم سِجَال مَعْرفَته وألبسهم صوافي خِلَافَته (وَسُئِلَ) ﵁ عَن حَدِيث الْمُؤمن مرْآة الْمُؤمن من رَوَاهُ (فَأجَاب) بقوله رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره وَله طرق تصير حسنا (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَن حَدِيث تفكر سَاعَة خير من عمل الثقلَيْن من رَوَاهُ (فَأجَاب) بقوله لم أره بِهَذَا اللَّفْظ وَالَّذِي رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ تفكر سَاعَة خير من عبَادَة سِتِّينَ سنة (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَن حَدِيث خلق آدم على صورته أَو على صُورَة الرَّحْمَن هَل هُوَ وَارِد أَولا (فَأجَاب) بقوله نعم هُوَ وَارِد وَلَكِن الضَّمِير فِي صورته إِذا أُرِيد بهَا حَقِيقَتهَا لَيْسَ للحق تَعَالَى لتعاليه عَن الصُّورَة ولوازمها علوا كَبِيرا وَإِنَّمَا سَبَب ذَلِك أَن عبدا لطمه سَيّده على وَجهه فزجره النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك وَقَالَ لَهُ زِيَادَة فِي تأديبه أَن الله خلق آدم على صورته أَي فَكيف تضربه على وَجهه المحاكي لوجه أَبِيك آدم وَصورته أما إِذا أُرِيد بهَا مُجَرّد الْوَصْف فَيصح رُجُوع الضَّمِير إِلَى الله كَمَا تصح بِهِ رِوَايَة على صُورَة الرَّحْمَن وَيكون مفَاد الحَدِيث حِينَئِذٍ أَنه تَعَالَى خلق آدم متجليا على صورته بِشَيْء من صِفَات الْحق كالرحمة وَمن ثمَّ خص وصف الرَّحْمَن بِالذكر فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة وَيُؤَيّد ذَلِك تخلقوا بأخلاق الله وَقَول عَائِشَة ﵂ فِي حق النَّبِي ﷺ وَكَانَ خلقه الْقُرْآن (وَسُئِلَ) رَحمَه الله تَعَالَى عَن حَدِيث الْحق ينْطق على لِسَان عمر من رَوَاهُ (فَأجَاب) بقوله رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد بِلَفْظ أَن الله تَعَالَى جعل الْحق على لِسَان عمر وَقَلبه وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه بِلَفْظ أَن الله تَعَالَى وضع الْحق على لِسَان عمر يَقُول بِهِ (وَسُئِلَ) ﵁ عَن حَدِيث مَا وسعني سمائي وَلَا أرضي ووسعني قلب عَبدِي الْمُؤمن من رَوَاهُ (فَأجَاب) بقوله لَا أصل لَهُ عَن النَّبِي ﷺ وَإِنَّمَا هُوَ مَذْكُور فِي الْإسْرَائِيلِيات وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ هُوَ حَدِيث بَاطِل من وضع الْمَلَاحِدَة انْتهى وَذكر جمَاعَة لَهُ من الصُّوفِيَّة لَا يُرِيدُونَ بِهِ حَقِيقَة ظَاهِرَة من الِاتِّحَاد أَو الْحُلُول لِأَن كلا مِنْهُمَا كفر وصالحو الصُّوفِيَّة أعرف النَّاس بِاللَّه وَمَا يجب لَهُ وَمَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بذلك أَن قلب الْمُؤمن يسع الْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى ومحبته ومعرفته (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَن حَدِيث أَن الله خلق خلقه فِي ظلمَة فَألْقى عَلَيْهِم من نوره فَمن أَصَابَهُ من ذَلِك النُّور شَيْء اهْتَدَى وَمن أخطأه ضل فَلذَلِك أَقُول جف الْقَلَم على علم الله من رَوَاهُ (فَأجَاب) بقوله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَحسنه وَابْن جرير وَالطَّبَرَانِيّ

стр. 206

وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ وَبسطت الْكَلَام على مَعْنَاهُ فِي شرح الْمشكاة (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ مَا معنى حَدِيث أخرجه الديلمي عَن ابْن عَبَّاس ﵄ وَلَفظه من اسْتكْمل ورعه حرم رؤيتي فِي الْمَنَام (فَأجَاب) بقوله منشؤ الْإِشْكَال فِيهِ جعل ورعه فَاعل اسْتكْمل بِمَعْنى كمل وَالظَّاهِر أَن هَذَا لَيْسَ هُوَ المُرَاد وَإِنَّمَا الَّذِي يَتَّضِح بِهِ الْمَعْنى أَن ورعه مفعول وَالْفَاعِل ضمير من وَالْمعْنَى من عد ورعه كلَاما حرم رؤيتي فِي الْمَنَام أَي الرُّؤْيَة الَّتِي تدل على شرف رائيها بِأَن يرَاهُ ﷺ على أَوْصَافه الْمَعْرُوفَة وَوجه حرمانه أَن ذَلِك الاستكمال يُنبئ عَن الْعجب بِالْعَمَلِ وَعَن غَلَبَة أَخْلَاق نَفسه الرَّديئَة عَلَيْهِ وَعَن عدم صدقه وإخلاصه فِي عِبَادَته وَإِلَّا لرَأى أَن لَا ورع لَهُ أصلا بل وَلَا عمل فضلا عَن الْوَرع فِيهِ فضلا عَن استكماله وَإِنَّمَا عُوقِبَ بذلك بِخُصُوصِهِ لِأَن صدق الرُّؤْيَا ينبي عَن صدق الْعَمَل وكذبها يُنبئ عَن كذب الْعَمَل فَجعلت رُؤْيَته لَهُ ﷺ غير وَاقعَة ليستدل بذلك على كذبه فِي ذَلِك الاستكمال وَأَنه لم يحصل لَهُ من الْوَرع شَيْء فَإِن قلت هَل يُمكن حمل الحَدِيث على الْمَعْنى الأول ويلتمس لَهُ وَجه قلت نعم لَكِن بتكلف بِأَن يُقَال كنى بحرمان مَا هُوَ من لَازم النّوم عَن حرمَان النّوم لِأَن كَمَال الْوَرع الَّذِي هُوَ الزّهْد يستدعى تجنب الشِّبَع وَنَحْوه من قبائح الْأَوْصَاف والأخلاق وَيلْزم من تجنب ذَلِك قلَّة النّوم حَتَّى يصير كَأَنَّهُ غير مَوْجُود أَو يُقَال حرم رؤيتي فِي النّوم لاستغنائه عَنْهَا فِيهِ بِمَا هُوَ أَعلَى وَأفضل وَهُوَ رؤيتي فِي الْيَقَظَة لِأَن التَّحْقِيق أَنَّهَا مُمكنَة بل وَاقعَة كَمَا ذكره وَشَاهده غير وَاحِد من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى بِأَن ترفع الْحجب فيرونه ﷺ يقظة فِي قَبره الشريف إِذْ الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَحيَاء فِي قُبُورهم يصلونَ وَقد يَقع لَهُ ﷺ تشكل فَيرى ذَلِك التشكل مُنْفَصِلا عَن الْقَبْر الشريف كَمَا وَقع ذَلِك للعارف سَيِّدي على وفابترتهم بالقرافة أَو يُقَال وَجه حرمانه إِيَّاهَا أَنَّهَا إِنَّمَا تقع غَالِبا لتأنيس الضُّعَفَاء وتبشيرهم بِأَنَّهُم على حق وَمن كمل ورعه صَار من المتمكنين الَّذِي لَا يَحْتَاجُونَ لتأنيس الضُّعَفَاء وتبشيرهم بِمَا ذكر وَنَظِير هَذَا أَن المريد الصَّادِق فِي ابْتِدَائه تكْثر لَهُ الكرامات لتؤنسه وتثبته فَإِذا كمل خفت أَو انعدمت عَنهُ لعدم احْتِيَاجه إِلَيْهَا وَمن ثمَّ قَالَ الْجُنَيْد سيد الطَّائِفَة ﵁ وعنهم مَشى قوم على المَاء وَمَات بالعطش من هُوَ أفضل مِنْهُم وَقَالَ ذرة استقامة خير من ألف كَرَامَة وَقَالَ بعض الأساتذة لتلميذ لَهُ شكا إِلَيْهِ أَنه كَانَ يجد كَرَامَة ثمَّ عدمهَا يَا بني إِن الصَّبِي إِذا دخل الْمكتب أعْطى خشخاشة يعلب بهَا فَإِذا تمرن عَلَيْهَا رَمَاهَا وَتركهَا فَكَذَلِك رُؤْيَته ﷺ تكون تأنيسا للمريدين فِي ابْتِدَاء إرادتهم فَإِذا كملوا بِكَمَال تورعهم استغنوا عَن ذَلِك التأنيس فَعبر بحرمان الرُّؤْيَة عَن هَذَا الِاسْتِغْنَاء وَاعْلَم أَن هَذِه كلهَا احتمالات وَالله تَعَالَى أعلم بِمُرَاد نبيه ﷺ بِتَقْدِير صِحَة الحَدِيث لِأَن أَحَادِيث الديلمي فِيهَا مَا فِيهَا كَمَا تقرر فِي مَحَله وَالله أعلم (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ هَل ورد عَن النَّبِي ﷺ التَّصْرِيح بِكفْر فِرْعَوْن (فَأجَاب) بقوله نعم ورد ذَلِك فِي عدَّة أَحَادِيث مِنْهَا حَدِيث ابْن عدي وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَضَعفه خلق الله يحيى بن زَكَرِيَّا فِي بطن أمه مُؤمنا وَخلق فِرْعَوْن فِي بطن أمه كَافِر أَو مِنْهَا حَدِيث الدَّارَقُطْنِيّ وَابْن عَسَاكِر خلق الله النَّاس على طَبَقَات ثمَّ قَالَ وَمِنْهُم من يُولد كَافِرًا ويحيا كَافِرًا وَيَمُوت كَافِرًا مِنْهُم فِرْعَوْن ذُو الْأَوْتَاد وَمِنْهَا حَدِيث الْبَيْهَقِيّ يُولد العَبْد مُؤمنا ويحيا مُؤمنا وَيَمُوت مُؤمنا مِنْهُم يحيى بن زَكَرِيَّا ويولد كَافِرًا ويحيا كَافِرًا وَيَمُوت كَافِرًا مِنْهُم فِرْعَوْن (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَمَّن روى حَدِيث ثَلَاثَة يدعونَ الله فَلَا يُسْتَجَاب لَهُم رجل أعْطى مَاله سَفِيها وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم﴾ وَرجل لَهُ امْرَأَة سَيِّئَة الْخلق وَلم يطلقهَا وَرجل بَائِع وَلم يشْهد (فَأجَاب) بقوله رَوَاهُ ابْن عَسَاكِر (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ بِمَا لَفظه من روى حَدِيث يخرج الْخمار من قَبره مَكْتُوبًا بَين عَيْنَيْهِ آيس من رَحْمَة الله تَعَالَى وَيقوم آكل الرِّبَا مَكْتُوبًا بَين عَيْنَيْهِ لَا حجَّة عِنْد الله وَيقوم المحتكر من قَبره مَكْتُوبًا بَين عَيْنَيْهِ كَافِر تبوأ مَقْعَدك من النَّار (فَأجَاب) قَوْله رَوَاهُ الديلمي (وَسُئِلَ) نفع الله بِمَا لَفظه حَدِيث خَيركُمْ بعد الْمِائَتَيْنِ الْخَفِيف الحاذ من رَوَاهُ وَمَا ضَبطه (فَأجَاب) بقوله أخرج أَبُو يعلى الْموصِلِي فِي مُسْنده خَيركُمْ فِي الْمِائَتَيْنِ كل خَفِيف الحاذ قيل يَا رَسُول الله وَمن خَفِيف الخاذ قَالَ من لَا مَال لَهُ وَلَا أهل وَفِي إِسْنَاده رَوَاهُ ابْن الْجراح وَقد كثر اخْتِلَاف الْأَئِمَّة فِيهِ وَمن ثمَّ قَالَ الذَّهَبِيّ هَذَا الحَدِيث مِمَّا

стр. 207

غلط فِيهِ فَإِن أَبَا حَاتِم قَالَ فِيهِ أَنه مُنكر لَا يشبه حَدِيث الثِّقَات وَأما الحاذ فَهُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة الْخَفِيفَة وَمن قَالَ أَنه بِاللَّامِ أَو بِالْجِيم وَالدَّال الْمُهْملَة فَهُوَ لحن وَالْمرَاد هُنَا الظّهْر ضرب مثلا لقلَّة المَال والعيال وأصل حَقِيقَة الْمَتْن وَهُوَ مَا يَقع عَلَيْهِ اللبد من ظهر الْفرس وَهُوَ مَحْمُول بِالنِّسْبَةِ لترك التَّزَوُّج وَالْولد على زمن الْفِتْنَة أَو على من فقد فِيهِ بعض شُرُوط ندب النِّكَاح أَو على من خشِي من النِّكَاح التوريط فِي أَمر يخْشَى مِنْهُ على نَفسه أَو دينه بِسَبَب طلب الْمَعيشَة لَا مَنْسُوخ خلافًا لمن وهم فِيهِ لِأَنَّهُ خبر وَهُوَ لَا يقبل النّسخ (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَن خبر من بلغ الْأَرْبَعين وَلم يغلب خَيره على شَره فليتجهز إِلَى النَّار من رَوَاهُ (فَأجَاب) بقوله لفظ الحَدِيث من أَتَت عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ سنة وَلم يغلب خَيره شَره فليتجهز إِلَى النَّار رَوَاهُ الْأَزْدِيّ عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِي ﷺ وَأَشَارَ إِلَيْهِ الْخَطِيب (وَسُئِلَ) رَحمَه الله تَعَالَى عَن معنى حَدِيث أَن الله خلق آدم على صورته هَل هُوَ صَحِيح أَو لَا (فَأجَاب) بقوله الحَدِيث صَحِيح وَالْجَوَاب عَنهُ أَنه وَارِد على سَبَب هُوَ أَن النَّبِي ﷺ رأى رجلا يضْرب عَبده على وَجهه فَقَالَ لَهُ ﷺ ذَلِك أَي لَا تضربه على وَجهه فَإِن الله خلق وَجه آدم على صُورَة هَذَا الْوَجْه وآدَم أَبوك فَكيف تضرب وَجها بشبه وَجه أَبِيك فَالضَّمِير لغير مَذْكُور دلّ عَلَيْهِ قرينَة الْحَال الْخَارِجَة وَهُوَ جَائِز وَيصِح أَن يكون الضَّمِير لله تَعَالَى كَمَا هُوَ ظَاهر السِّيَاق وَحِينَئِذٍ يتَعَيَّن أَن المُرَاد بالصورة الصّفة أَي أَن الله تَعَالَى خلق آدم على أَوْصَافه من الْعلم وَالْقُدْرَة وَغَيرهمَا وَيُؤَيّد هَذَا الحَدِيث الصَّحِيح عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا كَانَ ﷺ خلقه الْقُرْآن وَحَدِيث تخلقوا بأخلاق الله تَعَالَى فالمطلوب من الْكَامِل أَن يطهر أخلاقه وأوصافه من كل نقص ليحصل لَهُ نوع تأس بأخلاق ربه أَي صِفَاته وَإِلَّا فشتان مَا بَين أَوْصَاف الْقَدِيم والحادث وَبِهَذَا التَّقْرِير يعلم أَن فِي هَذَا الحَدِيث غَايَة المدحة لآدَم صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وعَلى جَمِيع الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وَسلم حَيْثُ أوجد الله فِيهِ صِفَات كصفاته تَعَالَى بِالْمَعْنَى الَّذِي قَرّرته وَيصِح أَن يُرَاد بالصورة الْمَعْنى المُرَاد من الرّوح وبالإضافة غَايَة التشريف لآدَم صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ ولبنيه وَالْحَاصِل أَن الحَدِيث أَن أُعِيد الضَّمِير فِيهِ لله وَجب تَأْوِيله على مَا هُوَ الْمَعْرُوف من مَذْهَب الْخلف الَّذِي هُوَ أحكم وَأعلم خلافًا لفرقة ضلوا عَن الْحق وارتكبوا عظائم من الْجِهَة والتجسيم اللَّذين هم كفر عِنْد كثير من الْعلمَاء أعاذنا الله من ذَلِك بمنه وَكَرمه (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَن ابْن صياد هُوَ الدَّجَّال بَعضهم يحلف على ذَلِك وَقَالَ آخَرُونَ أَنه غَيره وَهُوَ الْأَشْهر وَعَلِيهِ يدل صَرِيحًا مَا فِي حَدِيث مُسلم الطَّوِيل المنعوت فِيهِ الدَّجَّال بأوصاف لَا تنطبق على ابْن صياد مِنْهَا أَنه مسلسل فِي جَزِيرَة من جزائر الْبَحْرين وَابْن صياد إِذا كَانَ بِالْمَدِينَةِ على أَنه ورد أَنه أسلم بعد رَسُول الله ﷺ وَتزَوج وَولد لَهُ وَمَا ورد أَيْضا أَنه فقد وَلم يدر أَيْن ذهب فَهَذَا لَا يدل على أَنه الدَّجَّال كَمَا هُوَ ظَاهر وَالله أعلم. (وَسُئِلَ) ﵁ عَن جمَاعَة من الْفُقَرَاء فُقَرَاء الْمُسلمين دخلُوا مَسْجِدا وَدخل وَقت الظّهْر فصلوا الظّهْر جمَاعَة وصلوا راتبته ثمَّ تحلقوا يدرسون كتاب الله تَعَالَى فختموا وخلوا الْأَجْزَاء فِي الْمُقدمَة وخلوها مَفْتُوحَة مستشفعين بالأجزاء الْعَظِيمَة وأشاروا إِلَى وَاحِد مِنْهُم يَدْعُو وَالْبَاقُونَ يُؤمنُونَ فختم ثمَّ ذكرُوا الله وَلَا يزالون كَذَلِك مَعَ عدم الأغيار والخلو عَن اللَّغط واتحاد الْمَقَاصِد وَسُكُون الْحَواس الظَّاهِرَة وَلَا يزَال يصفو الْوَقْت والحاضرون وَظهر سر قَوْله ﷺ مَا اجْتمع قوم فِي بَيت من بيُوت الله تَعَالَى يَتلون كتاب الله تَعَالَى وَيَتَدَارَسُونَهُ بَينهم ويذكرون الله تَعَالَى إِلَّا نزلت عَلَيْهِم السكينَة وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَة وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَة وَذكرهمْ الله فِيمَن عِنْده فصفت بواطنهم واحترقت وفنيت بدوام الذّكر الْأَجْزَاء الخبيثة وَبقيت الْأَجْزَاء الطّيبَة مَعَ طيب الْمَكَان وَطيب الْوَقْت فَمنهمْ خاضع وخاشع وَبَاكٍ وساقط مغشى عَلَيْهِ قد علم كل أنَاس مشربهم فبغض الْفُقَرَاء المتوسمين مَعَهم بأصواتهم الْحَسَنَة يسمع بذوق فَيحصل على هَذَا الْمَذْكُور

стр. 208

فِي بعض الْأَوْقَات حَال يشبه أَحْوَالهم مَعَ تَقْصِيره فِي سَائِر أَحْوَاله لعلمه ببركة من حضر من الروحانيين وَمِمَّنْ تروحن من الْآدَمِيّين مَعَ السكينَة وَالرَّحْمَة الْعَامَّة عَلَيْهِم فيقهره حَتَّى يظْهر من بَاطِنه خفقان واضطراب فتحركت بِسَبَبِهِ الْأَعْضَاء الظَّاهِرَة بكيفيات لَا يَفْعَلهَا وَلَا يرضى بهَا بِاخْتِيَارِهِ بل وَلَا يقدر على فعلهَا فَهَذَا الْإِنْسَان هَل الْأَحْسَن فِي أمره أَنه مَتى استشعر هَذَا الْأَمر يخرج من ذَاك الْمَكَان أم التصبر فِيهِ كَيْفَمَا أظهره حكم الْوَقْت أم يفرق بَين أَن يكون مِمَّن تخنل الْحلقَة بِخُرُوجِهِ وَبَين غَيره فَإِن قُلْتُمْ إِن الْأَحْسَن التصبر والتلذذ بِمَا يحد من اللَّذَّة الَّتِي يحقر فِيهَا نعيم الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَهُوَ مَعَ ذَلِك بِحَيْثُ لَا يشْعر من نَفسه وَلَا من جِسْمه وَلَا من لِبَاسه شيأ إِلَّا أَنه يسمع الذّكر الَّذِي بِسَبَبِهِ حصل مَا حصل ويجد لَهُ لَذَّة إِذْ ذَاك فِي ذكر وَقد يشْعر بِالذكر وَالْقَوْل وَقد يغيب عَن الذّكر وَالْقَوْل وَقد يغيب عَن الْجَمِيع فَهَل تَعدونَ هَذِه الْحَالة من أَسبَاب الْحَدث قِيَاسا على الْإِغْمَاء أم لَا قِيَاسا على النعاس أم تَقولُونَ إِن ذهب الشُّعُور بِالْكُلِّيَّةِ فَهُوَ مُحدث كالمغمى عَلَيْهِ وَإِن كَانَ شُعُور مَا فَهُوَ متطهر كالناعس وَلِأَن الأَصْل الطَّهَارَة أم كَيفَ الحكم فَإِن هَذِه الْحَالة كَمَا لَا يخفى على بصائركم الناقدة وأذواقكم السليمة لَا تشبه هَذِه وَلَا تِلْكَ أجِيبُوا جَوَابا شافيا كَافِيا كاشفا نقلا وعقلا وذوقا لَا عدمناكم بصدور الْمجَالِس ظَاهِرين وبحل المشكلات قَائِمين وعَلى سَبِيل أَلْسِنَة الْبَيْضَاء سالكين وَإِلَى المطالب الْمَقْصُودَة واصلين آمين يَا رب الْعَالمين (فَأجَاب) بقوله ﵀ ونفعنا ووالدينا ومشايخنا بأسراره وكملنا بباهر أنواره وطيبنا بعاطر أزهاره وأورثنا مَا أورثه من المعارف الإلهية وَالْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة والأنفاس المحمدية الأحمدية الْأَحْسَن لمن أَمن على نَفسه الرِّيَاء لما أَنَّهَا اتصفت وصفت عَن كدوراتها وعرت عَن شهواتها ومألوفاتها وتجلى عَلَيْهَا وَارِد الْحق وتحلت بِمَعْنى الصدْق فانقشع عَن سَمَاء سرها سحب الأكدار وتمزقت عَن عين بصرتها حجب الأغيار فأخلصت الوجهة إِلَيْهِ وَقَامَت بباهر الْأَدَب بَين يَدَيْهِ وَلم تشهد سواهُ وَلَا خطر بسرها إِلَّا إِيَّاه لوصولها إِلَى غَايَة مقَام الْإِحْسَان الْمُوجب لانضمام العيان إِلَى الْبُرْهَان أَن لَا يخرج نَفسه عَن هَذِه الحضرة الْعلية والمواهب الاختصاصية الزكية بل يستديم استجلاء تِلْكَ الْأَنْوَار واستكشاف هَذِه الْأَسْرَار حَتَّى يمتلئ الإهاب وَيسمع لذيذ الْخطاب وَيصير عينا من معينات الْحق الَّتِي أظهرها هِدَايَة للعباد وَأَيْضًا حالسبل الرشاد وَكَيف يسوغ لمن تأهل للموصول إِلَى هَذَا الطود الشامخ وَالْمقَام الباذخ وحقائق الإنافة ومعالي الْخلَافَة وشهود العيان والتبختر فِي سوابغ الامتنان أَن ينزل عَن معالي تِلْكَ الكمالات وعوارف هَذِه المنازلات إِلَى حضيض الْأَعْرَاض وَالْوُقُوف مَعَ دني الْأَغْرَاض بل عَلَيْهِ أَن يستسلم لما أَقَامَهُ فِيهِ الْحق من على عِبَادَته بَين أهل محبته وإرادته مستمطر إِمَّا يفتح بِهِ عَلَيْهِ من ينابيع الحكم والمعارف ومتهبا ومتأهلا لنفحات الْحق الَّتِي أمرنَا بالتعرض لَهَا لَيْلًا ونهار أَو سرا أَو إِظْهَارًا ومعرضا عَن قَول الوشاة القاصرين والطغاة المحجوبين سَوَاء اختلت تِلْكَ الحضرة بذهابه أَولا لما بَان وَظهر أَن الْمقَام أَحْرَى وَأولى وليحذر كل الحذر من النّظر إِلَى الْخلق فَإِن من نظر إِلَيْهِم بِعَين بصرء أَو بصيرته سَاءَ فعله وَحقّ طرده وكسف حجابه ودام عَذَابه وَلم يظفر من أَعماله إِلَّا بتمويه بَاطِل وَحَال حَائِل وَوصف مضمحل زائل وَحِينَئِذٍ تستولى عَلَيْهِ نَفسه وشيطانه فيلبسان عَلَيْهِ أَحْوَاله ويزينان عِنْده كَمَاله فتزل قدمه ويحق ندمه وَإِذا ثَبت هَذَا المريد أَو المُرَاد كَمَا أَشَرنَا متحليا بصدقه وتقواه إِلَى أَن استحكم فِيهِ ذَلِك الْوَارِد وَأخرجه عَن حيّز الصحو إِلَى غمرة تِلْكَ الْمَوَارِد فَتَارَة يضعف عَن قبُول أعباء مَا فاجأه من باهر الْأَنْوَار الْمُوجبَة لاستتار الْعقل بهَا أتم الاستتار فَيكون كالنائم بل هُوَ أَشد مِنْهُ استغراقا وَلَا شكّ حِينَئِذٍ فِي انْتِقَاض وضوئِهِ وَإِن لم يكن وفَاقا لزوَال الشُّعُور من أَصله بِوَاسِطَة مَا استولى على عقله لَكنا لَا نجعله كالإغماء لِأَنَّهُ مرض يستولى على الْعقل فيذهله ويعطل إِدْرَاكه ويخبله وَمن ثمَّ احْتَاجَ للعلاج غَالِبا وَلم يكن سهم من قَامَ بِهِ لغرضه صائبا وَأما الْغَيْبَة الَّتِي كلامنا فِيهَا فالعقل مَعهَا بَاقٍ على كَمَاله وَإِنَّمَا عرض لَهُ مَا يَقْهَرهُ فَأخْرجهُ عَن حيّز الِاعْتِدَال لاستغراقه فِي أنوار الشُّهُود وذهوله عَن الْوُجُود وَتارَة لَا يضعف عَن قبُول ذَلِك لإلفه تِلْكَ الْمَوَارِد وغوصه غمرة هَذِه المسالك فَحِينَئِذٍ لَا يغيب عَن إِدْرَاك عقله

стр. 209

وَلَا يذهل عَن مَحَله وَإِنَّمَا غَايَة مَا يحصل لَهُ نوع ذُهُول فَهُوَ كالناعس إِذْ هُوَ عَن سَماع مُجَرّد الصَّوْت غير مخمور مخبول وكل من كَانَ على هَذَا القانون فوضوءه بَاقٍ وَإِن لم يفهم مَا سَمعه وَلَا يشْعر بِمَا صنعه هَذَا كُله حَيْثُ تَيَقّن مَا يرد عَلَيْهِ وَعرف وَصفه وَمَا يحصل مَعَه فإمَّا إِذا عرض لَهُ مَا لم يعرف وَصفه مِمَّا ذَكرْنَاهُ وَإِنَّمَا شكّ هَل ثمَّ اسْتِيلَاء عَلَيْهِ وَكَانَ كالنائم أَولا فَكَانَ كالناعس فَلَا ينْتَقض وضوءه كَمَا شرطناه من أَن الأَصْل بَقَاء طهره ودوام أصل تَمْيِيزه وفهمه سِيمَا وَالْغَالِب على أَرْبَاب الْأَحْوَال بَقَاء شُعُورهمْ مَعهَا وَعدم انحرافهم عَن سنَن الْكَمَال قدس الله أَرْوَاحهم وَنور معالمهم وضرائحهم وَأعَاد علينا من بركاتهم وأذاقنا الله حلاوة شرابهم وألحقنا بهم فِي التحلي بأشرف المعارف وأكمل المتالد والمطالف أَنه أكْرم كريم وأرحم رَحِيم (وَسُئِلَ) أَفَاضَ الله علينا من بركاته مَا حكم مطالعه كتب الشَّيْخ محيي الدّين بن عَرَبِيّ (فَأجَاب) بقوله الَّذِي أثرناه عَن أكَابِر مَشَايِخنَا الْعلمَاء الْحُكَمَاء الَّذِي يستسقى بهم الْغَيْث وَعَلَيْهِم الْمعول وإليهم الْمرجع فِي تَحْرِير الْأَحْكَام وَبَيَان الْأَحْوَال والمعارف والمقامات والإشارات أَن الشَّيْخ محيي الدّين بن عَرَبِيّ من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى العارفين وَمن الْعلمَاء العاملين وَقد اتَّفقُوا على أَنه كَانَ أعلم أهل زَمَانه بِحَيْثُ أَنه كَانَ فِي كل فن متبوعا لَا تَابعا وَأَنه فِي التَّحْقِيق والكشف وَالْكَلَام على الْفرق وَالْجمع بَحر لَا يجارى وَإِمَام لَا يغالط وَلَا يمارى وَأَنه أورع أهل زَمَانه وألزمهم للسّنة وأعظمهم مجاهدة حَتَّى أَنه مكث على ثَلَاثَة أشهر على وضوء وَاحِد وَقس على ذَلِك مَا هُوَ من سوابقه ولواحقه وَوَقع لَهُ مَا هُوَ أعظم من ذَلِك وَمِنْه أَنه لما صنف كِتَابه الفتوحات المكية وَضعه على ظهر الْكَعْبَة وَرقا من غير وقاية عَلَيْهِ فَمَكثَ على ظهرهَا سنة لم يمسهُ مطر وَلَا أَخذ مِنْهُ الرّيح ورقة وَاحِدَة مَعَ كَثْرَة الرِّيَاح والأمطار بِمَكَّة فحفظ الله كِتَابه هَذَا من هذَيْن الضدين دَلِيل أَي دَلِيل وعلامة أَي عَلامَة على أَنه تَعَالَى قبل مِنْهُ ذَلِك الْكتاب وأثابه عَلَيْهِ وَحمد تصنيفه لَهُ فَلَا يَنْبَغِي التَّعَرُّض للإنكار عَلَيْهِ فَإِنَّهُ السم الْقَاتِل لوقته كَمَا شَاهَدْنَاهُ وجربناه فِي أنَاس حق عَلَيْهِم من المقت وَسُوء الْعقَاب مَا أوجب لَهُم التَّعَرُّض لهَذَا الإِمَام الْعَارِف بالإنكار حَتَّى استأصل شأفتهم وَقطع دابرهم فَأَصْبحُوا لَا ترى إِلَّا مساكنهم فمعاذا بِاللَّه من أَحْوَالهم وتضرعا إِلَيْهِ بالسلامة من أَقْوَالهم وَأما مطالعة كتبه ﵁ فَيَنْبَغِي للْإنْسَان أَن يعرض عَنْهَا بِكُل وَجه أمكنه فَإِنَّهَا مُشْتَمِلَة على حقائق يعسر فهمها إِلَّا على العارفين المتضلعين من الْكتاب وَالسّنة المطلعين على حقائق المعارف وعوارف الْحَقَائِق فَمن لم يصل لهَذِهِ الْمرتبَة يخْشَى عَلَيْهِ مِنْهَا مزلة الْقدَم والوقوع فِي مهامه الْحيرَة والندم كَمَا شَاهَدْنَاهُ فِي أنَاس جهال أدمنوا مطالعتها فخلعوا ربقة الْإِسْلَام والتكليفات الشَّرْعِيَّة من أَعْنَاقهم وأفضى بهم الْحَال إِلَى الْوُقُوع فِي شرك الشّرك الْأَكْبَر فخسروا الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ذَلِك هُوَ الخسران الْمُبين وَأَيْضًا فَفِي تِلْكَ الْكتب مَوَاضِع عبر عَنْهَا بِمَا لَا يطابقه ظواهر عباراتها اتكالا على اصْطِلَاح مُقَرر عِنْد واضعها فيفهم مطالعها ظواهرها الْغَيْر المرادة فيضل ضلالا مُبينًا وَأَيْضًا فَفِيهَا أُمُور كشفية وَقعت حَال غيبَة واصطلام وَهَذَا يحْتَاج إِلَى التَّأْوِيل وَهُوَ يتَوَقَّف على إتقان الْعُلُوم الظَّاهِرَة بل والباطنة فَمن نظر فِيهَا وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِك فهم مِنْهَا خلاف المُرَاد فضل وأضل فَعلم أَن مجانبة مطالعتها رَأْسا أولى فَإِن الْعَارِف لَا يحْتَاج إِلَيْهَا إِلَّا ليطابق بِمَا فِيهَا مَا عِنْده وَغَيره إِن لم تضره مَا نفعته نعم لَهُ كتب فِي التربية الصرفة وَالْحمل على الْأَخْلَاق وَالْأَحْوَال وَغَيرهمَا مِمَّا يُنَاسب السلوك فَهَذِهِ لَا بَأْس بمطالعتها فَإِنَّهَا ككتب الْغَزالِيّ وَأبي طَالب الْمَكِّيّ وَنَحْوهَا من الْكتب النافعة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فجزى الله مصنفها خير الْجَزَاء وأكمله (وَسُئِلَ) ﵁ وأدام النَّفْع بِهِ آمين مَا حكم مطالعة كتب ابْن عَرَبِيّ وَابْن الفارض (فَأجَاب) بقوله حكمهمَا أَنَّهَا جَائِزَة مطالعة كتبهما بل مُسْتَحبَّة فكم اشْتَمَلت تِلْكَ الْكتب على فَائِدَة لَا تُوجد فِي غَيرهَا وعائدة لَا تَنْقَطِع هواطل خَيرهَا وعجيبة من عجائب الْأَسْرَار الإلهية الَّتِي لَا يَنْتَهِي مدد خَيرهَا وَكم ترجمت عَن مقَام عجز عَن التَّرْجَمَة عَنهُ من سواهَا وأظهرت من الْعبارَة الوافية عَن حَال أعجز حَال من عَداهَا ورمزت من رموز لَا يفهمها إِلَّا العارفون وَلَا يحوم حول حومة حماها إِلَّا الربانيون الَّذين هم

стр. 210

بَين بواطن الشَّرِيعَة الغراء وَأَحْكَام ظواهرها على أكمل مَا يَنْبَغِي جامعون فَلذَلِك كَانُوا بِفضل مؤلفيها معترفين وعَلى مَا فِيهَا من الْأَخْلَاق وَالْأَحْوَال والمعارف والمقامات والكمالات هم المعولون وَلم لَا وَهَذَانِ الإمامان الْمَذْكُورَان فِي السُّؤَال من أَئِمَّة السلوك والمعارف وَمن الأخيار الَّذين منحهم الله غايات اللطائف ولطائف العوارف وزوى عَن قُلُوبهم محبَّة مَا سواهُ تَعَالَى وعمرها بِذكرِهِ وشهوده وأسبغ عَلَيْهَا رِضَاهُ وفرغهم لَهُ فَقَامُوا بِوَاجِب خدمته حسب الطَّاقَة البشرية وأجرى عَلَيْهِم من سوابغ قربه وحقائق الوحدانية الفردانية فتوسلا إِلَيْك اللَّهُمَّ أَن تهل على جدثيهما هواطل الرَّحْمَة والرضوان وَأَن تسكنهما من قربك الْأَكْبَر أَعلَى فراديس الْجنان إِنَّك أَنْت الحنان المنان هَذَا وَأَنه قد طالع هَذِه الْكتب أَقوام عوام جهلة طغام فأدمنوا مطالعتها مَعَ دقة مَعَانِيهَا ورقة إشاراتها وغموض مبانيها وبنائها على اصْطِلَاح الْقَوْم السالمين عَن الْمَحْذُور واللوم وَتوقف فهمها بكمالها على إتقان الْعُلُوم الظَّاهِرَة والتحلي بحقائق الْأَحْوَال والأخلاق الباهرة فَلذَلِك ضعفت أفهامهم وزلت أَقْدَامهم وفهموا مِنْهَا خلاف المُرَاد واعتقدوه صَوَابا فباؤا بخسار يَوْم التناد وألحدوا فِي الإعتقاد وهوت بهم أفهامهم القاصرة إِلَى هوة الْحُلُول والاتحاد حَتَّى لقد سَمِعت شيأ من هَذِه الْمَفَاسِد القبيحة والمكفرات الصَّرِيحَة من بعض من أدمن مطالعة تِلْكَ الْكتب مَعَ جَهله بأساليبها وَعظم مَا لَهَا من الْخطب وَهَذَا هُوَ الَّذِي أوجب لكثير من الْأَئِمَّة الْخط عَلَيْهَا والمبادرة بالإنكار إِلَيْهَا وَلَهُم فِي ذَلِك نوع عذر لِأَن قصدهم فطم أُولَئِكَ الجهلة عَن تِلْكَ السمُوم القاتلة لَهُم لَا الْإِنْكَار عَن مؤلفيها من حَيْثُ ذاتهم وحالهم وَبَعض المنكرين يغترون بظواهر ألفاظها وإيهامها خلاف مَقْصُود حفاظها غَفلَة عَن اصطلاحاتهم المقررة وتحقيقاتهم المقررة على الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة المحررة وَالْحق عدم الْإِنْكَار وَالتَّسْلِيم فِيمَا برز عَن أُولَئِكَ الْأَئِمَّة الْإِظْهَار مَعَ التَّشْدِيد على الجهلة بالقواعد والاصطلاحات فِي مطالعة تِلْكَ الْكتب فقد صرح الإِمَام ابْن الْعَرَبِيّ بِحرْمَة مطالعة كتبهمْ إِلَّا لمن تحلى بأخلاقهم وَعلم مَعَاني كلماتهم الْمُوَافقَة لاصطلاحاتهم وَلَا تَجِد ذَلِك إِلَّا فِيمَن جد وشمر وجانب السوء وَشد المئزر وتضلع من الْعُلُوم الظَّاهِرَة وتطهر من كل خلق دنيء مِمَّا تعلق بالدنيا وَالْآخِرَة فَهَذَا هُوَ الَّذِي يفهم الْخطاب وَيُؤذن لَهُ فِي الدُّخُول إِذا وقف على الْبَاب وَالله أعلم بِالصَّوَابِ (وَسُئِلَ) نفع الله تَعَالَى بِهِ هَل لقَوْل التَّاج ابْن عَطاء الله فِي حكمه رب مَعْصِيّة أورثت ذلا واستصغارا خير من طَاعَة أورثت عزا واستكبارا أصل من السّنة وَكَيف يُطلق خير على مَعْصِيّة (فَأجَاب) بقوله نعم لَهُ أصل من السّنة وَهُوَ مَا أخرجه أَبُو الشَّيْخ ابْن حبَان فِي كتاب الثَّوَاب بِسَنَدِهِ إِلَى النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ قَالَ الله لَوْلَا أَن الذُّنُوب خير لعبدي الْمُؤمن من الْعجب مَا خليت بَين عَبدِي الْمُؤمن وَبَين الذُّنُوب وَرَوَاهُ الديلمي فِي مُسْند الفردوس بِلَفْظ لَوْلَا أَن الْمُؤمن يعجب بِعِلْمِهِ لعصم من الذَّنب حَتَّى لَا يهم بِهِ وَلَكِن الذَّنب خير لَهُ من الْعجب وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا وَقَالَ غَرِيب تفرد بِهِ من اخْتلف فِي توثيقه الحَدِيث الْقُدسِي الْمَشْهُور الْمَذْكُور فِي تَفْسِير سُورَة الشورى من تَفْسِير الْبَغَوِيّ وَفِيه وَأَن من عبَادي الْمُؤمنِينَ لمن يسألني الْبَاب من الْعِبَادَة فاكفه عَنهُ أَن لَا يدْخلهُ عجب فَيفْسد ذَلِك وَإِذا تَأَمَّلت أَن الْخَيْرِيَّة فِي ذَلِك نسبية من حَيْثُ الثمرات والغايات المترتبة على ذَلِك لم يبْق عنْدك إِشْكَال فِي إِطْلَاقهَا على الْمعْصِيَة من رِعَايَة ذَلِك الْأَمر النسبي فَتَأَمّله (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ هَل ورد أَن الخمول نعْمَة وكل يأباه والشهرة آفَة وكل يتمناه (فَأجَاب) بقوله لم يرد وَإِنَّمَا هُوَ من كَلَام أبي المحاسن الرَّوْيَانِيّ من أَئِمَّتنَا (وَسُئِلَ) هَل ورد اتَّخذُوا مَعَ الْفُقَرَاء أيادي قبل أَن تحجز دولتهم وَأَنه ﷺ أنْشد بَين يَدَيْهِ لسعت حَيَّة الْهوى كبدى الْبَيْتَيْنِ الْمَشْهُورين فتواجد حَتَّى سَقَطت الْبردَة عَن كَتفيهِ (فَأجَاب) بقوله لم يرد ذَلِك كُله بل هُوَ كذب بَاطِل بِاتِّفَاق أهل الحَدِيث (وَسُئِلَ) نفع الله بِعُلُومِهِ ورضى عَنهُ هَل يُمكن الْآن الِاجْتِمَاع بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي الْيَقَظَة والتلقي مِنْهُ (فَأجَاب) بقوله نعم يُمكن ذَلِك فقد صرح بِأَن ذَلِك من كرامات الْأَوْلِيَاء الْغَزالِيّ والبارزي والتاج السُّبْكِيّ والعفيف اليافعي من الشَّافِعِيَّة والقرطبي وَابْن أبي جَمْرَة من الْمَالِكِيَّة وَقد حكى عَن بعض الْأَوْلِيَاء أَنه حضر مجْلِس فَقِيه فروى ذَلِك الْفَقِيه حَدِيثا

стр. 211

فَقَالَ لَهُ الْوَلِيّ هَذَا الحَدِيث بَاطِل قَالَ وَمن أَيْن لَك هَذَا قَالَ هَذَا النَّبِي ﷺ وَاقِف على راسك يَقُول إِنِّي لم أقل هَذَا الحَدِيث وكشف للفقيه فَرَآهُ (وَسُئِلَ) رَحمَه الله تَعَالَى وَبرد ثراه مَا معنى قَول صوفي من اكْتفى بالفقه عَن الزّهْد فسق (فَأجَاب) بقوله مَعْنَاهُ من تساهل فِي الزّهْد والورع أدّى ذَلِك إِلَى ارْتِكَاب الشُّبُهَات وَمن تساهل فِي ارْتِكَاب الشُّبُهَات أَدَّاهُ ذَلِك إِلَى ارْتِكَاب الْحَرَام وَمن تساهل فِي الْحَرَام أَدَّاهُ ذَلِك إِلَى ارْتِكَاب الْكَبَائِر على أَن الصُّوفِيَّة ﵃ قد يطلقون لفظ السَّيئَة وَالْفِسْق وَالْكفْر على غير مَعْنَاهُ الشَّرْعِيّ مُبَالغَة فِي التنفير كَقَوْلِهِم حَسَنَات الْأَبْرَار سيآت المقربين وَقَول سَيِّدي عمر بن الفارض ﵁ (وَإِن خطرت لي فِي سواك إِرَادَة … على خاطري سَهْو أقضيت بردتي) فَهَذَا لَيْسَ بردة حَقِيقَة (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَن رقص الصُّوفِيَّة عِنْد تواجدهم هَل لَهُ أصل (فَأجَاب) بقوله نعم لَهُ أصل فقد روى فِي الحَدِيث أَن جَعْفَر بن أبي طَالب ﵁ رقص بَين يَدي النَّبِي ﷺ لما قَالَ لَهُ أشبهت خَلقي وخُلقي وَذَلِكَ من لَذَّة هَذَا الْخطاب وَلم يُنكر عَلَيْهِ ﷺ وَقد صَحَّ الْقيام والرقص فِي مجَالِس الذّكر وَالسَّمَاع عَن جمَاعَة من كبار الْأَئِمَّة مِنْهُم عز الدّين شيخ الْإِسْلَام ابْن عبد السَّلَام (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ هَل تمكن رُؤْيَة النَّبِي ﷺ فِي الْيَقَظَة (فَأجَاب) بقوله أنكر ذَلِك جمَاعَة وَجوزهُ آخَرُونَ وَهُوَ الْحق فقد أخبر بذلك من لايتهم من الصَّالِحين بل اسْتدلَّ بِحَدِيث البُخَارِيّ من رَآنِي فِي الْمَنَام فسيراني فِي الْيَقَظَة أَي بعيني رَأسه وَقيل بِعَين قلبه وَاحْتِمَال إِرَادَة الْقِيَامَة بعيد من لفظ الْيَقَظَة على أَنه لَا فَائِدَة فِي التَّقْيِيد حِينَئِذٍ لِأَن أمته كلهم يرونه يَوْم الْقِيَامَة من رَآهُ فِي الْمَنَام وَمن لم يره فِي الْمَنَام وَفِي شرح ابْن أبي جَمْرَة للأحاديث الَّتِي انتقاها من البُخَارِيّ تَرْجِيح بَقَاء الحَدِيث على عُمُومه فِي حَيَاته ومماته لمن لَهُ أَهْلِيَّة الِاتِّبَاع للسّنة وَلغيره قَالَ وَمن يدعى الْخُصُوص بِغَيْر تَخْصِيص مِنْهُ ﷺ فقد تعسف ثمَّ ألزم مُنكر ذَلِك بِأَنَّهُ غير مُصدق بقول الصَّادِق وَبِأَنَّهُ جَاهِل بقدرة الْقَادِر وَبِأَنَّهُ مُنكر لكرامات الْأَوْلِيَاء مَعَ ثُبُوتهَا بدلائل السّنة الْوَاضِحَة وَمرَاده بِعُمُوم ذَلِك وُقُوع رُؤْيَة الْيَقَظَة الْمَوْعُود بهَا لمن رَآهُ فِي النّوم وَلَو مرّة وَاحِدَة تَحْقِيقا لوعده الشريف الَّذِي لَا يخلف وَأكْثر مَا يَقع ذَلِك للعامة قبل الْمَوْت عِنْد الاحتضار فَلَا تخرج روحه من جسده حَتَّى يرَاهُ وَفَاء بوعده وَأما غَيرهم فَيحصل لَهُم ذَلِك قبل ذَلِك بقلة أَو بِكَثْرَة بِحَسب تأهلهم وتعلقهم واتباعهم للسّنة إِذْ الْإِخْلَال بهَا مَانع كَبِير وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عمرَان بن حُصَيْن ﵁ أَن الْمَلَائِكَة كَانَت تسلم عَلَيْهِ إِكْرَاما لَهُ لِصَبْرِهِ على ألم البواسير فَلَمَّا كواها انْقَطع سَلام الْمَلَائِكَة عَنهُ فَلَمَّا ترك الكي أَي برِئ كَمَا فِي رِوَايَة صَحِيحَة عَاد سلامهم عَلَيْهِ لكَون الكي خلاف السّنة منع تسليمهم عَلَيْهِ مَعَ شدَّة الضَّرُورَة إِلَيْهِ لِأَنَّهُ يقْدَح فِي التَّوَكُّل وَالتَّسْلِيم وَالصَّبْر وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ كَانَت الْمَلَائِكَة تصافحه فَلَمَّا كوى تنحت عَنهُ وَفِي كتاب المنقذ من الضَّلَالَة لحجة الْإِسْلَام بعد مدح الصُّوفِيَّة وَبَيَان أَنهم خير الْخلق حَتَّى أَنهم وهم فِي يقظتهم يشاهدون الْمَلَائِكَة وأرواح الْأَنْبِيَاء ويسمعون مِنْهُم أصواتا ويقتبسون مِنْهُم فَوَائِد ثمَّ يترقى الْحَال من مُشَاهدَة الصُّور والأمثال إِلَى دَرَجَات يضيق عَنْهَا نطاق النَّاطِق وَقَالَ تِلْمِيذه أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ الْمَالِكِي ورؤية الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة وَسَمَاع كَلَامهم مُمكن لِلْمُؤمنِ كَرَامَة وللكافر عُقُوبَة وَفِي الْمدْخل لِابْنِ الْحَاج الْمَالِكِي رُؤْيَته ﷺ فِي الْيَقَظَة بَاب ضيق وَقل من يَقع لَهُ ذَلِك إِلَّا من كَانَ على صفة عَزِيز وجودهَا فِي هَذَا الزَّمَان بل عدمت غَالِبا مَعَ أننا لَا ننكر من يَقع لَهُ هَذَا من الأكابر الَّذين حفظهم الله تَعَالَى فِي ظواهرهم وبواطنهم قَالَ وَقد أنكر بعض عُلَمَاء الظَّاهِر ذَلِك محتجا بِأَن الْعين الفانية لَا ترى الْعين الْبَاقِيَة وَهُوَ ﷺ فِي دَار الْبَقَاء والرائي فِي دَار الفناء ورد بِأَن الْمُؤمن إِذا مَاتَ يرى الله وَهُوَ لَا يَمُوت وَالْوَاحد مِنْهُم يَمُوت فِي كل يَوْم سبعين مرّة وَأَشَارَ الْبَيْهَقِيّ إِلَى رده بِأَن نَبينَا ﷺ رآى جمَاعَة من الْأَنْبِيَاء لَيْلَة الْمِعْرَاج وَقَالَ الْبَارِزِيّ وَقد سمع من جمَاعَة من الْأَوْلِيَاء فِي زَمَاننَا وَقَبله أَنهم رَأَوْا النَّبِي ﷺ يقظة حَيا بعد وفاقه وَنقل اليافعي وَغَيره عَن الشَّيْخ

стр. 212

الْكَبِير أبي عبد الله الْقرشِي أَنه وَقع بِمصْر غلاء كَبِير فَتوجه للدُّعَاء بِرَفْعِهِ فَقيل لَا تدع فَلَا يسمع لأحد مِنْكُم فِي هَذَا الْأَمر دُعَاء فسافرت إِلَى الشَّام فَلَمَّا وصلت إِلَى قريب ضريح الْخَلِيل عَلَيْهِ وعَلى نَبينَا أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام تَلقانِي فَقلت يَا رَسُول الله اجْعَل ضيافتي عنْدك الدُّعَاء لأهل مصر فَدَعَا لَهُم فَفرج الله عَنْهُم فَقَالَ اليافعي فَقَوله تَلقانِي الْخَلِيل قَول حق لَا يُنكره إِلَّا جَاهِل بِمَعْرِِفَة مَا يرد عَلَيْهِم من الْأَحْوَال الَّتِي يشاهدون فِيهَا ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَيَنْظُرُونَ الْأَنْبِيَاء أَحيَاء غير أموات كَمَا نظر النَّبِي ﷺ إِلَى جمَاعَة من الْأَنْبِيَاء فِي السَّمَاء وَسمع خطابهم وَقد تقرر أَن مَا جَازَ للأنبياء معْجزَة جَازَ للأولياء كَرَامَة بِشَرْط عدم التحدي وَحكى ابْن الملقن فِي طَبَقَات الْأَوْلِيَاء أَن الشَّيْخ عبد الْقَادِر الجيلي قَالَ رَأَيْت النَّبِي ﷺ قبل الظّهْر فَقَالَ لي يَا بني لم لَا تَتَكَلَّم قلت يَا أبتاه أَنا رجل أعجمي كَيفَ أَتكَلّم على فصحاء بَغْدَاد فَقَالَ لي افْتَحْ فَاك ففتحته فتفل فِيهِ سبعا وَقَالَ تكلم على النَّاس وادع إِلَى سَبِيل رَبك بالحكمة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة فَصليت الظّهْر وَجَلَست وحضرني خلق كثير فارتج على فَرَأَيْت عليا قَائِما بإزائي فِي الْمجْلس فَقَالَ يَا بني لم لَا تَتَكَلَّم فَقلت يَا أبتاه قد ارتج على فَقَالَ افْتَحْ فَاك ففتحته فتفل فِيهِ سِتا قلت لم لَا تكملها سبعا قَالَ أدبا مَعَ رَسُول الله ﷺ ثمَّ توارى عني فتكلمت وَقَالَ فِي تَرْجَمَة غَيره كَانَ كثير الرُّؤْيَة للنَّبِي ﷺ يقظة وَمنا مَا وَذكر الْكَمَال الأدفوي عَمَّن أَخذ عَنهُ ابْن دَقِيق الْعِيد وَغَيره عَن غَيره وَقَالَ التَّاج ابْن عَطاء الله عَن شَيْخه الْكَامِل الْعَارِف أبي الْعَبَّاس المرسي صافحت بكفي هَذِه رَسُول الله ﷺ وَحكى ابْن فَارس عَن سَيِّدي عَليّ وفا قَالَ كنت وَأَنا ابْن خمس سِنِين اقْرَأ الْقُرْآن على رجل فَأَتَيْته مرّة فَرَأَيْت النَّبِي ﷺ يقظة لَا مناما وَعَلِيهِ قَمِيص أَبيض قطن ثمَّ رَأَيْت الْقَمِيص على فَقَالَ لي اقْرَأ فَقَرَأت عَلَيْهِ سُورَة وَالضُّحَى وألم نشرح ثمَّ غَابَ عني فَلَمَّا أَن بلغت إِحْدَى وَعشْرين سنة أَحرمت بِصَلَاة الصُّبْح بالقرافة فَرَأَيْت النَّبِي قبالة وَجْهي فعانقني فَقَالَ وَأما بِنِعْمَة رَبك فَحدث فأتبت لِسَانه من ذَلِك الْوَقْت والحكايات فِي ذَلِك عَن أَوْلِيَاء الله كَثِيرَة جدا وَلَا يُنكر ذَلِك إِلَّا معاندا أَو محروم وَعلم مِمَّا مر عَن ابْن الْعَرَبِيّ أَن أَكثر مَا تقع رُؤْيَته ﷺ بِالْقَلْبِ ثمَّ بالبصر لَكِنَّهَا بِهِ لَيست كالرؤية المتعارفة وَإِنَّمَا هِيَ جمعية حَالية وَحَالَة برزخية وَأمر وجداني فَلَا يدْرك حَقِيقَته إِلَّا من بَاشرهُ كَذَا قيل وَيحْتَمل أَن المُرَاد الرُّؤْيَة المتعارفة بِأَن يرى ذَاته طَائِفَة فِي الْعَالم أَو تنكشف الْحجب لَهُ بَينه وَبَين النَّبِي ﷺ وَهُوَ فِي قَبره فينظره حَيا فِيهِ رُؤْيَة حَقِيقَة إِذْ لَا اسْتِحَالَة لَكِن الْغَالِب أَن الرُّؤْيَة إِنَّمَا هِيَ لمثاله لَا لذاته وَعَلِيهِ يحمل قَول الْغَزالِيّ لَيْسَ المُرَاد أَنه يرى جِسْمه وبدنه بل مِثَالا لَهُ صَار ذَلِك الْمِثَال آيَة يتَأَدَّى بِهِ الْمَعْنى الَّذِي فِي نَفسه والآلة إِمَّا حَقِيقِيَّة وَإِمَّا خيالية وَالنَّفس غير الخيال المتخيل فَمَا رَآهُ من الشكل لَيْسَ هُوَ روح الْمُصْطَفى ﷺ وَلَا هُوَ شخصه بل هُوَ مِثَال على التَّحْقِيق قَالَ وَمثل ذَلِك من يرى الله تَعَالَى فِي الْمَنَام فَإِن ذَاته منزهة عَن الشكل وَالصُّورَة وَلَكِن تَنْتَهِي تعريفاته إِلَى العَبْد بِوَاسِطَة مِثَال محسوس من نور أَو غَيره وَيكون ذَلِك الْمِثَال حَقًا فِي كَونه وَاسِطَة فِي التَّعْرِيف فَيَقُول الرَّائِي رَأَيْت الله فِي الْمَنَام لَا يَعْنِي أَنى رَأَيْت ذَات الله كَمَا يَقُول فِي حق غَيره انْتهى ثمَّ رَأَيْت ابْن الْعَرَبِيّ صرح بِمَا ذَكرْنَاهُ من أَنه لَا يمْتَنع رُؤْيَة ذَات النَّبِي ﷺ بِرُوحِهِ وَجَسَده لِأَنَّهُ وَسَائِر الْأَنْبِيَاء أَحيَاء ردَّتْ إِلَيْهِم أَرْوَاحهم بَعْدَمَا قبضوا وَأذن لَهُم فِي الْخُرُوج من قُبُورهم وبالتصرف فِي الملكوت الْعلوِي والسفلي وَلَا مَانع من أَن يرَاهُ كَثِيرُونَ فِي وَقت وَاحِد لِأَنَّهُ كَالشَّمْسِ وَإِذا كَانَ القطب يمْلَأ الْكَوْن كَمَا قَالَه التَّاج ابْن عَطاء الله فَمَا بالك بِالنَّبِيِّ ﷺ وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن الرَّائِي صَحَابِيّ لِأَن شَرط الصُّحْبَة الرُّؤْيَة فِي عَالم الْملك وَهَذِه رُؤْيَة وَهُوَ فِي عَالم الملكوت وَهِي لَا تفِيد صُحْبَة وَإِلَّا لثبتت لجَمِيع أمته لأَنهم عرضوا عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْعَالم فَرَآهُمْ ورأوه كَمَا جَاءَت بِهِ الْأَحَادِيث (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ مَا معنى قَول الحلاج أَنا الْحق وَقَول أبي يزِيد سبحاني سبحاني (فَأجَاب) بقوله للعارفين ﵃ ونفعنا بعلومهم وأسرارهم ولحظاتهم أَوْقَات يغلب عَلَيْهِم فِيهَا شُهُود الْحق تَعَالَى بِعَين الْعلم والبصيرة فَإِذا تمّ لَهُم ذَلِك الشُّهُود ذهلوا حَتَّى عَن نُفُوسهم وَلم يبْق لَهُم شُعُور بِغَيْر الْحق تَعَالَى فَحِينَئِذٍ يَتَكَلَّمُونَ على لِسَان ذَلِك الْقرب

стр. 213

الأقدس الَّذِي منحوه الْمشَار إِلَيْهِ بقوله تَعَالَى فَإِذا أحببته صرت سَمعه وعينه وَيَده وَرجله الحَدِيث ويثبتون لأَنْفُسِهِمْ بطرِيق الْإِيهَام لَا بطرِيق الْحَقِيقَة مَا أثْبته الْحق لنَفسِهِ لَا بِمَعْنى الِاتِّحَاد الَّذِي هُوَ عين الْكفْر والإلحاد وحاشاهم الله عَنهُ بل بِمَعْنى اتِّحَاد الشُّهُود الَّذِي صير الحكم لَيْسَ إِلَّا لذات الْحق تَعَالَى وتقدس فَقَوله أَنا الْحق أَو سبحاني مَعْنَاهُ قد تجلى على الْحق بشهوده حَتَّى صرت كَأَنِّي هُوَ هَذَا كُله إِن صدر عَنْهُم ذَلِك فِي حَال الصحو وَأما إِذا صدر عَنْهُم ذَلِك فِي حَال الْغَيْبَة فَهُوَ من الشطحات الَّتِي لَا حكم لَهَا إِذْ لَا يحكم إِلَّا على مَا تلفظ بِهِ صَاحبه فِي حَال الصحو وَالِاخْتِيَار وَأما مَا تلفظ بِهِ فِي حيّز الصحو والغيبة فَلَا يدار عَلَيْهِ حكم الْبَتَّةَ وَمن ذَلِك أَيْضا قَول أبي يزِيد مَا فِي الْجُبَّة غير الله فَإِن كَانَ فِي حَال الصحو وَكَانَ مَعْنَاهُ مثل مَا مر أَو لَا وَإِلَّا فَلَا معنى لَهُ فَلَا يدار عَلَيْهِ حكم وَالله أعلم (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ هَل كرامات الْأَوْلِيَاء حق وَهل يجوز أَن تبلغ مبلغ المعجزة وَمَا الْفرق بَينهمَا وَبَين السحر وَلم كثرت بعد زمن الصَّحَابَة وهم أفضل الْأمة (فَأجَاب) بقوله ﵀ الْحق الَّذِي عَلَيْهِ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة من الْفُقَهَاء والأصوليين والمحدثين وكثيرون من غَيرهم خلافًا للمعتزلة وَمن قلدهم فِي بهتانهم وضلالهم من غير روية وَلَا تَأمل وَكَانَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق يمِيل إِلَى قريب من مَذْهَبهم أَو يؤول كَلَامه إِلَيْهِ كَمَا هُوَ الظَّاهِر أَن ظُهُور الْكَرَامَة على الْأَوْلِيَاء وهم القائمون بِحُقُوق الله وَحُقُوق عباده بِجَمْعِهِمْ بَين الْعلم وَالْعَمَل وسلامتهم من الهفوات والزلل جَائِزَة عقلا كَمَا هُوَ وَاضح لِأَنَّهَا من جملَة الممكنات وَلَا يمْتَنع وُقُوع شَيْء لقبح عَقْلِي لِأَنَّهُ لَا حكم لِلْعَقْلِ وَلَيْسَ فِي وُقُوع الْكَرَامَة مَا يقْدَح فِي المعجزة بِوَجْه فَإِنَّهَا لَا تدل لعينها بل لتعلقها بِدَعْوَى الرسَالَة فَكَمَا جَازَ تَصْدِيق مدعيها بِمَا يُطَابق دَعْوَاهُ جَازَ أَن يصدر عَنهُ مثله إِكْرَاما لبَعض أوليائه وَسَيَأْتِي لذَلِك مزِيد فِي تَحْقِيق الْفرق بَينهمَا وواقعة نقلا مفيدة لليقين من جِهَة مَجِيء الْقُرْآن بِهِ وَوُقُوع التَّوَاتُر عَلَيْهِ قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل وَكتب الْعلم شرقا وغربا وعجما وعربا ناطقة بوقوعها متواترة تواترا معنويا لَا يُنكره إِلَّا غبي أَو معاند فمما فِي الْقُرْآن مَجِيء رزق مَرْيَم إِلَيْهَا من الْجنَّة وهزها جذع النَّخْلَة حَتَّى تساقط عَلَيْهَا مِنْهُ الرطب الجني من غير أَو أَن الرطب وعجائب الْخضر بِنَاء على الْمَرْجُوح أَنه ولي نَبِي وقصة ذِي القرنين وَأَصْحَاب الْكَهْف وَكَلَام كلبهم لَهُم وقصة الَّذِي عِنْده علم الْكتاب وَهُوَ آصف بن برخيا فِي إِحْضَاره لعرش بلقيس قبل رمش الْعين من مسيرَة أَكثر من شهر وَمِمَّا فِي السّنة من تكليم الطِّفْل لجريج وانفراج الصَّخْرَة عَن الثَّلَاثَة الَّذين فِي الْغَار بدعائهم وتكثير طَعَام أبي بكر ﵁ فِي قَصْعَة مَعَ ضَيفه حَتَّى صَار بعدا لَا كل أَكثر مِمَّا كَانَ قبله بِثَلَاث مَرَّات روى هَذِه الثَّلَاثَة البُخَارِيّ وَمُسلم ورويا أَيْضا أَنه ﷺ قَالَ فِي حق عمر ﵁ أَنه من الْمُحدثين بِفَتْح الدَّال أَي الملهمين وَصَحَّ أَيْضا عَنهُ ﵁ أَنه بَيْنَمَا هُوَ يخْطب على مِنْبَر الْمَدِينَة يَوْم الْجُمُعَة وَإِذا هُوَ يُنَادي فِي حَال خطبَته يَا سَارِيَة الْجَبَل فَعجب النَّاس لذَلِك وأنكروا عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁ بعد ذَلِك وشدد عَلَيْهِ وَأخْبر بِمَا قَالَ النَّاس فِيهِ ثمَّ ظهر لَهُم قَرِيبا الْوَاقِعَة وصدقها وَمَا فِيهَا من الكرامات وَمِنْهَا الْكَشْف لَهُ عَن حَال سَارِيَة وَالْمُسْلِمين وعدوهم وَمِنْهَا بُلُوغ صَوته لسارية حَتَّى سمع واهتدى سَارِيَة إِلَى أَن هَذَا صَوت عمر مَعَ بعد الشقة فَإِنَّهُ بنها وندمن أَرض الْعَجم وَمَعَهُ سَرِيَّة من الْمُسلمين فكمن لَهُم عدوهم فِي الْجَبَل ليستأصلوهم فكشف لعمر ﵁ عَن حَالهم فناداه يحذرهُ الكمين الَّذِي بِجنب الْجَبَل فَبَلغهُ صَوته فَسَمعهُ فاستيقظوا للكمين وظفروا بهم وروى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه مَجِيء العنقود من الْعِنَب فِي غير أَوَانه لخبيب لما أُرِيد قَتله بِمَكَّة وَفِيه أَيْضا أَن أسيد بن حضير وَعباد بن بشر ﵄ خرجا من عِنْد النَّبِي ﷺ فِي لَيْلَة مظْلمَة ومعهما مثل المصباحين بَين أَيْدِيهِمَا وروى البُخَارِيّ وَمُسلم أَن كلا من سعد وَسَعِيد من الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ دَعَا على من كذب عَلَيْهِ فاستجيب لَهُ بِعَين مَا سَأَلَهُ وَصَحَّ فِي مُسلم رب أَشْعَث أغبر مَدْفُوع بالأبواب لَو أقسم على الله لَأَبَره قيل لَو لم يكن إِلَّا هَذَا الحَدِيث لكفى فِي الدّلَالَة لهَذَا المبحث وَإِذا تقرر جَوَازهَا ووقوعها من غير إحصاء وَلَا حصر فَالَّذِي عَلَيْهِ مُعظم الْأَئِمَّة أَنه يجوز بُلُوغهَا مبلغ المعجزة فِي جِنْسهَا وعظمها وَإِنَّمَا يفترقان فِي أَن المعجزة تقترن بِدَعْوَى النُّبُوَّة أَي بِاعْتِبَار الْجِنْس أَو مَا من شَأْنه وَإِلَّا فَأكْثر معجزات الْأَنْبِيَاء لَا سِيمَا نَبينَا مُحَمَّد ﷺ -

стр. 214

وَقعت من غير ادِّعَاء نبوة والكرامة تقترن بِدَعْوَى الْولَايَة أَو تظهر على يَد الْوَلِيّ من غير دَعْوَى شَيْء وَهُوَ الْأَكْثَر فَمن أُولَئِكَ الْأَئِمَّة الإِمَام أَبُو بكر بن فورك وَعبارَته المعجزات دلالات الصدْق ثمَّ أَن ادّعى صَاحبهَا النُّبُوَّة فالمعجزة تدل على صدقه فِي مقَالَته فَإِن أَشَارَ صَاحبهَا إِلَى الْولَايَة دلّت المعجزة على صدقه فِي مقَالَته فتسمى كَرَامَة وَلَا تسمى معْجزَة وَإِن كَانَت من جنس المعجزات وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَمُلَخَّص عبارَة أرشاده الَّذِي صَار إِلَيْهِ أهل الْحق انخراق الْعَادَات فِي حق الْأَوْلِيَاء ثمَّ مجوزوا الكرامات تحزبوا أحزابا فَمنهمْ من شَرط أَن لَا يختارها الْوَلِيّ وَبِهَذَا فرقوا بَينهَا وَبَين المعجزة وَهَذَا غير صَحِيح وَمِنْهُم من منع وُقُوعهَا على قَضِيَّة دَعْوَى الْولَايَة لِئَلَّا تشابه المعجزة وَهَذَا غير مرضِي عندنَا بل قد تقع مَعَ دَعْوَى ذَلِك وَمن بعض أَصْحَابنَا من شَرط أَن لَا تكون معْجزَة لنَبِيّ كانفلاق الْبَحْر وإحياء الْمَوْتَى وَهَذَا غير سديد والمرضي عندنَا تَجْوِيز جملَة خوارق الْعَادَات فِي معَارض الكرامات ثمَّ ذكر بعد أَن الْكَرَامَة والمعجزة لَيْسَ بَينهمَا فرق إِلَّا وُقُوع المعجزة على حسب دَعْوَى النُّبُوَّة والكرامة دون ادعائه النُّبُوَّة وَالْإِمَام أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ فَإِنَّهُ شَرط فِي تَسْمِيَة الخارق معْجزَة اقترانه بِدَعْوَى النُّبُوَّة فَاقْتضى أَنه لَا فرق بَينهَا وَبَين الْكَرَامَة إِلَّا ذَلِك وَمن ثمَّ قَالَ فِي كِتَابه الاقتصاد فِي الإعتقاد لما ذكر خوارق الْعَادَات فِي الكرامات وَذَلِكَ أَي خرق الْعَادة مِمَّا لَا يَسْتَحِيل فِي نَفسه لِأَنَّهُ مُمكن لَا يُؤَدِّي إِلَى بطلَان المعجزة لِأَن الْكَرَامَة عبارَة عَمَّا يظْهر من غير اقتران التحدي فَإِن كَانَ مَعَ التحدي فَإنَّا نُسَمِّيه معْجزَة وَالْفَخْر الرَّازِيّ الْبَيْضَاوِيّ فَإِنَّهُمَا لم يفرقا بَينهمَا إِلَّا بتحدي النُّبُوَّة وَكَذَلِكَ حَافظ الدّين النَّسَفِيّ فَإِنَّهُ قَالَ لَا يُقَال لَو جَازَت الْكَرَامَة ولانسد طَرِيق الْوُصُول إِلَى معرفَة النَّبِي ﷺ لِأَن المعجزة تقارن دَعْوَى النُّبُوَّة وَلَو ادَّعَاهَا الْوَلِيّ كفر من سَاعَته وسبقهم لذَلِك الإِمَام أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي حَيْثُ قَالَ شَرَائِط المعجزات كلهَا أَو أَكْثَرهَا تُوجد فِي الْكَرَامَة إِلَّا دَعْوَى النُّبُوَّة قَالَ الإِمَام اليافعي بعد نَحْو ذَلِك عَن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة وَغَيرهم فَهَؤُلَاءِ اتَّفقُوا على أَن الْفَارِق بَينهمَا هُوَ تحدي النُّبُوَّة فَقَط وَلم يشْتَرط أحد مِنْهُم كَون الْكَرَامَة دون المعجزة فِي جِنْسهَا وعظمها فَدلَّ ذَلِك على جَوَاز استوائهما فِيمَا عد التحدي كَمَا صرح بِهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فَيجوز اجْتِمَاعهمَا فِيمَا عدا التحدي من سَائِر الخوارق حَتَّى إحْيَاء الْمَوْتَى فَفِي رِسَالَة الْقشيرِي بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي عبد الله التسترِي أحد كبار مَشَايِخ الرسَالَة أَنه خرج غازيا فِي سَرِيَّة فَمَاتَ الْمهْر الَّذِي تَحْتَهُ وَهُوَ فِي الْبَريَّة فَقَالَ يَا رب أعرناه حَتَّى نرْجِع إِلَى تستر يَعْنِي قريته فَإِذا الْمهْر قَائِم فَلَمَّا غزا وَرجع إِلَى تستر قَالَ لِابْنِهِ يَا بني خُذ السرج عَن الْمهْر فَقَالَ إِنَّه عرق فيضره الْهَوَاء فَقَالَ يَا بني إِنَّه عَارِية فَأخذ السرج فَوَقع الْمهْر مَيتا وفيهَا أَنه انْطلق للغزو على حِمَاره فَمَاتَ فَتَوَضَّأ وَصلى ودعا الله أَن يبْعَث لَهُ حِمَاره وَلَا يَجْعَل عَلَيْهِ منَّة لأحد فَقَامَ الْحمار ينفض أُذُنَيْهِ وفيهَا أَيْضا عَن أَعْرَابِي أَنه سقط جمله مَيتا وَوَقع رَحْله وقتبه فَدَعَا ربه فَقَامَ الْجمل وفوقه رَحْله وقتبه وفيهَا أَيْضا عَن سهل التسترِي أَنه قَالَ الذاكر لله على الْحَقِيقَة لَو هم أَن يحيى الْمَوْتَى لفعل يَعْنِي بِإِذن الله تَعَالَى وَمسح بِيَدِهِ على عليل بَين يَدَيْهِ فبرئ وَقَامَ قَالَ اليافعي وَأَخْبرنِي بعض صالحي أهل الْيمن أَن الشَّيْخ الأهدل بِالْمُهْمَلَةِ شيخ أبي الْغَيْث ﵏ كَانَت عِنْده هرة يطْعمهَا فضربها الْخَادِم فَقَتلهَا ورماها فِي خربة فَسَأَلَهُ الشَّيْخ عَنْهَا بعد لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاث فَقَالَ لَا أَدْرِي فناداها الشَّيْخ فَأَتَت إِلَيْهِ وأطعمها على عَادَته قَالَ وَأَخْبرنِي مغربي صَالح عَالم أعتقده بِإِسْنَادِهِ أَن بعض أَصْحَاب الشَّيْخ أبي يُوسُف الدهماني مَاتَ فَحزن عَلَيْهِ أَهله فَأتى إِلَيْهِ وَقَالَ قُم بِإِذن الله تَعَالَى فَقَامَ وعاش بعد ذَلِك مَا شَاءَ الله تَعَالَى من الزَّمَان وَقَالَ وَمن الْمَشْهُور مَا روى مُسْندًا من خمس طرق عَن جمَاعَة من الشُّيُوخ الأجلاء أَن القطب الشَّيْخ عبد الْقَادِر نفع الله بِهِ جَاءَت إِلَيْهِ امْرَأَة بِوَلَدِهَا وَخرجت عَنهُ لله وَله فَقبله ثمَّ أمره بالمجاهدة فَدخلت أمه عَلَيْهِ يَوْمًا فَوَجَدته نحيلا مصفرا يَأْكُل قرص شعير فَدخلت على الشَّيْخ فَوجدت بَين يَدَيْهِ إِنَاء فِيهِ عظم دجَاجَة قد أكلهَا فَقَالَت يَا سَيِّدي تَأْكُل لحم الدَّجَاج وَيَأْكُل ابْني خبز الشّعير فَوضع يَده على ذَلِك الطَّعَام وَقَالَ قومِي بِاللَّه محيي الْعِظَام فَقَامَتْ الدَّجَاجَة سوية وصاحت فَقَالَ الشَّيْخ إِذا صَار ابْنك هَكَذَا فَليَأْكُل الدَّجَاج وَمَا شَاءَ وَقَالُوا مرت بمجلسه حدأة فِي يَوْم شَدِيد الْحر وَهُوَ يعظ النَّاس فشوشت على الْحَاضِرين فَقَالَ يَا ريح خذي رَأس هَذِه الحدأة فَوَقَعت لثاني وَقتهَا بِنَاحِيَة ورأسها فِي نَاحيَة فَنزل الشَّيْخ وَأَخذهَا فِي يَده وَأمر يَده

стр. 215

الْأُخْرَى عَلَيْهَا وَقَالَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم قومِي بِإِذن الله فحييت وطارت وَالنَّاس يشاهدون وَقد تكلمهم الْمَوْتَى فَفِي رِسَالَة الْقشيرِي عَن أبي سعيد الخراز ﵁ أَنه كَانَ مجاورا بِمَكَّة فَمر بِبَاب بني شيبَة فَرَأى شَابًّا حسن الْوَجْه مَيتا فَنظر فِي وَجهه فَتَبَسَّمَ وَقَالَ يَا أَبَا سعيد أما علمت أَن الأحباء أَحيَاء وَإِن مَاتُوا وَإِنَّمَا ينقلون من دَار إِلَى دَار وَجَاء مُسْندًا من ثَلَاث طرق أَن الشَّيْخ عبد الْقَادِر ﵁ زار وَمَعَهُ نَاس كَثِيرُونَ قبر الشَّيْخ حَمَّاد الدباس فَأطَال الْوُقُوف عِنْده ثمَّ انْصَرف مَسْرُورا فَسئلَ فَأخْبر أَنه مر مَعَ الشَّيْخ حَمَّاد وَأَصْحَابه على قنطرة بِبَغْدَاد لصَلَاة الْجُمُعَة فَدفعهُ فِي النَّهر امتحانا لَهُ بِشدَّة الْبرد فَلم يتأثر فَأخْبر أَصْحَابه بِأَنَّهُ جبل لَا يَتَحَرَّك وَأَنه رأى الشَّيْخ حمادا فِي قَبره على أحسن هَيْئَة إِلَّا أَن يَده الْيُمْنَى لَا تُطِيعهُ قَالَ فَقلت لَهُ مَا هَذَا قَالَ هَذِه الْيَد الَّتِي رميتك بهَا فَهَل أَنْت غَافِر لي ذَلِك فَقلت نعم قَالَ فاسأل الله تَعَالَى أَن يردهَا عَليّ فوقفت أسأَل الله تَعَالَى فِي ذَلِك وَقَامَ معي خَمْسَة آلَاف ولي فِي قُبُورهم يسْأَلُون الله تَعَالَى أَن يقبل مسئلتي فِيهِ ويتشفعون عِنْدِي فِي تَمام المسئلة فَمَا زلت أسأَل الله تَعَالَى فِي ذَلِك حَتَّى رد الله تَعَالَى يَده وصافحني بهَا ثمَّ اجْتمع الْمَشَايِخ وطلبوا برهانا على هَذِه الْقِصَّة فَقَالَ لَهُم اخْتَارُوا لكم رجلَيْنِ نبين لكم ذَلِك على اسانهما فَاخْتَارُوا شَخْصَيْنِ غائبين وَقَالُوا نمهلك فَقَالَ لَا تقوموا حَتَّى تسمعوا مِنْهُمَا فَلم يَلْبَثُوا حَتَّى جَاءَ أَحدهمَا يشْتَد عدوا فَقَالَ أشهدني الله السَّاعَة الشَّيْخ حَمَّاد وَقَالَ لي يَا يُوسُف أسْرع إِلَى مدرسة الشَّيْخ عبد الْقَادِر وَقل للمشايخ الَّذين فِيهَا صدق الشَّيْخ عبد الْقَادِر فِيمَا أخبر بِهِ عني فَلم يتم كَلَامه حَتَّى جَاءَ الآخر وَأخْبر بِمثل مَا أخبر بِهِ فَقَامُوا وَاسْتَغْفرُوا وكانفلاق الْبَحْر وجفافه فِي الرسَالَة عَن بَعضهم كُنَّا فِي مركب فَمَاتَ رجل منا فأخذنا فِي جهازه فَمَا أردنَا أَن نلقيه فِي الْبَحْر جف فَحَفَرْنَا لَهُ قبرا ودفناه فارتفع المَاء والمركب وسرنا وكانقلاب الْأَعْيَان وَهُوَ كثير لَا يُحْصى مِنْهُ انقلاب الْخمر سمنا كَمَا وَقع للشَّيْخ عِيسَى الهتار اليمني فَإِنَّهُ مر على بغي فواعدها ليأتيها بعد الْعشَاء فَفَرِحت وتزينت وَجَاء وَدخل بَيتهَا وَصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ خرج وَقَالَ حصل الْمَقْصُود فتابت وَزوجهَا لبَعض الْفُقَرَاء وَأمر بِعَمَل عصيدة وَلِيمَة وَأَن لَا يشترى لَهَا اداما ثمَّ حضر هُوَ والفقراء كالمنتظرين الإدام وَكَانَ وصل الْخَبَر لأمير خدن لَهَا فَأرْسل بقارورتي خمر يمْتَحن الشَّيْخ بهما ليأتدموا بهما فَأَخذهُمَا الشَّيْخ فصبهما سمنا أطيب مَا يُوجد فَأكل مِنْهُ الرَّسُول وَبلغ الْخَبَر الْأَمِير فَحَضَرُوا كل مَا أدهشه فَتَابَ لوقته وكطي الأَرْض لَهُم وتعدد صور جسدهم فِي أمكنة مُخْتَلفَة وتفجير المَاء وَكَلَام الجمادات والحيوانات لَهُم وَطَاعَة الْأَشْيَاء لَهُم حَتَّى الْجِنّ وَغير ذَلِك مِمَّا اشْتهر وتواتر تواترا أدحض حجَّة الْمُخَالفين وأباد شبه الْجَاهِلين قَالَ اليافعي وَمِمَّا تفارق الْكَرَامَة فِيهِ المعجزة أَن المعجزة يجب على النَّبِي ﷺ إظهارها والكرامة يجب على الْوَلِيّ إِخْفَاؤُهَا إِلَّا عِنْد ضَرُورَة أَن إِذن أَو حَال غَالب لَا يكون لَهُ فِيهِ اخْتِيَار أَو تَقْوِيَة يَقِين مُرِيد قَالَ وَإِطْلَاق الْمُحَقِّقين أَنه يجوز لَهُ إظهارها يحمل على بعض هَذِه الصُّور للْعلم بِأَن إظهارها لغير غَرَض صَحِيح لَا يجوز بِخِلَافِهِ لغَرَض صَحِيح وضابطه أَن يكون فِي إظهارها مصلحه كَمَا وَقع لكَافِر ملك أَنه قَالَ لشيخ إِن لم تظهر لي كَرَامَة وَإِلَّا قتلت الْفُقَرَاء فأظهر لَهُ قلب بعير ذَهَبا وَرمي بكوز فارغ فِي الْهَوَاء فَامْتَلَأَ مَاء فَنَكس رَأسه فَلم يخرج مِنْهُ قَطْرَة فَقيل للْملك هَذَا سحر فَأمر الشَّيْخ بإيقاد نَار عَظِيمَة وبالسماع ثمَّ دخل هُوَ والفقراء فِيهَا وخطف ولد الْملك مَعَهم فَغَاب سَاعَة وَخرج وبإحدى يَدَيْهِ رمانة وَالْأُخْرَى تفاحة فَقيل وَهَذَا سحر أَيْضا فَأخْرج لَهُ الْملك قدحا ملآنا سما وَقَالَ لَا أصدق إِلَّا إِن شربته جَمِيعه فَأمر بِالسَّمَاعِ ثمَّ شربه فتمزقت ثِيَابه فأبدلت فتمزقت فأبدلت فتمزقت وَهَكَذَا حَتَّى بقيت وَلم يصبهُ شَيْء غير أَنه كَانَ يرشح عرقا وكما وَقع للعارف أبي الْعَبَّاس المرسي أَن رجلا أَضَافَهُ وَقدم لَهُ طَعَاما خبيثا امتحانا لَهُ فَقَالَ إِن كَانَ على يَد الْحَرْث بن أَسد المجلسي عرق يضْرب إِذا قدم لَهُ الْحَرَام فعلى يَدي سِتُّونَ عرقا كَذَلِك فَاسْتَغْفر الرجل وَتَابَ وَأما الْفرق بَين الْكَرَامَة وَالسحر فَهُوَ أَن الخارق الْغَيْر المقترن بتحدي النُّبُوَّة فَإِن ظهر على يَد صَالح وَهُوَ الْقَائِم بِحُقُوق الله وَحُقُوق خلقه فَهُوَ الْكَرَامَة أَو على يَد من لَيْسَ كَذَلِك فَهُوَ السحر أَو الاستدراج قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَلَيْسَ ذَلِك مُقْتَضى الْعقل وَلكنه متلقى من إِجْمَاع الْعلمَاء انْتهى وتمييز الصَّالح الْمَذْكُور عَن غَيره بَين لإخفاء فِيهِ إِذْ لَيست السيما كالسيما وَلَا الْآدَاب كالآداب
следующие страницы →