Полный текст (240 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وحدانية الله تَعَالَى وتفرُّده بالألوهية وتنزهه عَن الشَّرِيك وسمات الحادثات كالألوان، وتفرده بِاسْتِحْقَاق الْعُبُودِيَّة على الْعَالمين وبإيجاد الْخلق وحياته وعِلْمه وَقدرته وإرادته وإنزاله الْكتب وإرساله للرسل، وأنَّ لَهُ عباداً مكرَّمين وهم الْمَلَائِكَة، وَأَنه يحيي الْمَوْتَى ويحشرهم إِلَى دَار الثَّوَاب وَالْعِقَاب، وَأَن الْمُؤمنِينَ مُخلَّدون فِي الْجنَّة والكافرين مُخلَّدون فِي النَّار، وَأَن العالَم حَادث وَأَنه تَعَالَى مُحِيط بالجزئيات كالكليات، وَغير ذَلِك من كل خبر نَص عَلَيْهِ الْقُرْآن وَالسّنة المتواترة نصَّاً لَا يحْتَمل التَّأْوِيل، أَو اجتمعتْ الْأمة على أَن ذَلِك هُوَ مَعْنَاهُ وعُلِم من الدّين بِالضَّرُورَةِ. وَمِنْهَا: فِي العملي وجوب الْوضُوء وَالْغسْل من الْجَنَابَة وَالتَّيَمُّم وانتقاض الطَّهَارَة بِنَحْوِ الْبَوْل وَحُصُول الْجِنَايَة بِنَحْوِ الْجِمَاع وَالْحيض، وَوُجُوب الصَّلَوَات الْخمس وَعدد ركعاتها، وَوُجُوب نَحْو الرُّكُوع وَالسُّجُود فِيهَا وبطلانُها بتعمدُّ نَحْو الْحَدث، وَوُجُوب الْجُمُعَة بشروطها، وَوُجُوب الزَّكَاة فِي الْأَنْعَام وَالزَّرْع والنقود دون التِّجَارَة وَكَذَا الْفطْرَة إِن راعينا خلاف ابْن اللبان، ثمَّ رَأَيْت ابْن سمح قَالَ: لَا يكفر جاحدها وقدْر نُصْبها الْمجمع عَلَيْهَا، وَوُجُوب صَوْم رَمَضَان وَالْحج وَالْعمْرَة على من استطاعهما، وَحل البيع والمؤاخذة بِالْإِقْرَارِ وَحل الأخْذِ بِالشُّفْعَة، وَحل الْإِجَارَة والاعتداد بِالْوَقْفِ وَالْهِبَة وَالصَّدَََقَة والهدية وَحُصُول التَّوَارُث بَين الْأَقَارِب وأقدار الْأَنْصِبَاء الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن لِذَوي الْفُرُوض، وَحل النِّكَاح وَوُقُوع الطَّلَاق وجريان الْقود أَو الدِّيَة، وَحل قتل الْمُرْتَد، ورجم الزَّانِي الْمُحصن وَجلد غَيره وَقطع السَّارِق، وَحل الْجِهَاد وَأخذ الْجِزْيَة وَالْحلف بِاللَّه ، وَتَوَلَّى الْإِمَامَة الْعُظْمَى وَالْعتاق ونفوذه، وَتَحْرِيم تعمد الْوَطْء فِي الْحيض وَالنّفاس وَالصَّلَاة بِنَحْوِ غير وضوء وَالْجِمَاع فِي نَهَار رَمَضَان بِخِلَافِهِ فِي الْحَج، وَتَحْرِيم الرِّبَا وَالْغَصْب والمُكْس وَنِكَاح الْمَحَارِم بِالنّسَبِ أَو الرَّضَاع أَو الْمُصَاهَرَة وَالْجمع بَين نَحْو الْأُم وابنتها والأختين فِي النِّكَاح، وَتَحْرِيم الْمُطلقَة ثَلَاثًا وَقتل النَّفس بِغَيْر الْحق وَالزِّنَا واللواط وَلَو فِي مَمْلُوكه وَإِن قيل لَا حدَّ بِهِ لِأَن مَأْخَذ الْحُرْمَة وَالسَّرِقَة وَشرب الْخمر والقمار وَأكل الْميتَة فِي حَال الِاخْتِيَار وَشَهَادَة الزُّور والغيبة والنميمة وإيذاء الْمُسلمين وَنَحْو ذَلِك، فالاعتقادي بأقسامه السَّابِقَة والعملي بأقسامه الثَّلَاثَة؛ يَعْنِي مَا قُلْنَا إِنَّه وَاجِب أَو حَلَال أَو حرَام مَعْلُوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ من حيثُ أصل كل مِنْهَا، وَإِن وَقع خلاف فِي بعض تفاصيل صور من العملي، فمنْ أنكر وَاحِدًا مِنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ أَو اعْتقد وجوب مَا لَيْسَ بِوَاجِب بِالْإِجْمَاع كَصَلَاة سادسة، اعْتقد أنَّ وجوبَها كوجوب الْخمس فَخرج نَحْو الْوتر أَو أنكر مَشْرُوعِيَّة السّنَن الرَّاتِبَة أَو صَلَاة الْعِيدَيْنِ أَو أنكر بَقِيَّة الصَّلَاة، زاعماً أَنَّهَا لم ترد إِلَّا مُجْملة كَفَر. وَضَابِط الاعتقادي أَن من نفى أَو أثبت لَهُ تَعَالَى مَا هُوَ صَرِيح فِي النَّقْص كُفْر، أَو مَا هُوَ ملزوم للنقص لم يكفر لِأَن الْأَصَح أَن لَازم الْمَذْهَب لَيْسَ بِمذهب. فَإِن قلت: يشكل على بعض تِلْكَ الْمثل الَّتِي ذكرتها أخذا من تعريفهم لما علم ضَرُورَة بِمَا مر إِنْكَار نِكَاح الْمُعْتَدَّة فَإِنَّهُ لَا يكون كفرا. قلت: قد بيّنت فِي (شرح الْإِرْشَاد) مَا فِي ذَلِك مَعَ ردّ قَول البُلْقِينِيّ إِنَّه كفر، لِأَنَّهُ مَعْلُوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ فَعَلَيهِ لَا إِشْكَال. هَذَا، وَمن أَرَادَ تَحْقِيق هَذَا المبحث وَغَيره من المكفرات فَعَلَيهِ بِكِتَاب (الْإِعْلَام فِي قواطع الْإِسْلَام) فَإِنِّي ذكرت فِيهِ أَكثر المكفرات على الْمذَاهب الْأَرْبَعَة مَعَ بَيَان مَا يُوَافق قَوَاعِد مَذْهَبنَا مِمَّا نَص عَلَيْهِ غير أَئِمَّتنَا فَحسب كالحنفية فَإِنَّهُم أوسع النَّاس فِي هَذَا الْبَاب وَكَذَا القَاضِي فِي (الشِّفَاء) وَغَيره. وَاعْلَم أَن التردّد فِي الْمَعْلُوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ كالإنكار، وَأَن الْكَلَام فِي مُخالِطْ للْمُسلمين بِخِلَاف غير المُخَالط لَهُم، فَإِنَّهُ لَا يكفر بإنكاره ذَلِك، وَلَا بالترَّدُد فِيهِ مَا دَامَ لم يتواتر عِنْده كَمَا صرح بِهِ بعض أَئِمَّتنَا، وَبِه يعلم أَنه لَا يَكْفِي فِي الْكفْر بالإنكار أَن يَقُول لَهُ شخص أَو أشخاص لم يبلغُوا عدد التَّوَاتُر هَذَا وَاجِب أَو حَلَال أَو حرَام بل لَا بُد أَن يتواتر عِنْده ذَلِك فَإِذا تَوَاتر عِنْده كفر بِالشَّكِّ أَو الْإِنْكَار، لِأَنَّهُ مكذِّب للنَّبِي ﷺ وَهَذَا أدلّ دَلِيل على أَن تفاصيل الْمَعْلُوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ غير شَرط فِي صِحَة الْإِيمَان ابْتِدَاء كَمَا قَدمته، وَخرج بقَوْلهمْ الْمَعْلُوم من الدّين إِنْكَار الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ لكنه من غير الدّين، بِأَن لم يرجع إِنْكَاره إِلَى إِنْكَار شَرِيعَة كإنكار غَزْوَة تَبُوك أَو وجود عمر وَقتل عُثْمَان ﵄ وَغير ذَلِك إِذْ لَيْسَ فِيهِ أَكثر من الْكَذِب والعناد كإنكار هِشَام وعبَّاد وقْعَة الْجمل، ومحاربة عليِّ مَنْ خَالفه، نعم إِن اقْترن بذلك اتهامه
стр. 142
للناقلين وهم الْمُسلمُونَ أجمع كفر لسريانه إِلَى إبِْطَال الشَّرِيعَة، وَمثله إِنْكَار مَكَّة والكعبة لاستلزامه ترك الْحَج وَوُجُوب الِاسْتِقْبَال وَغَيرهمَا من الشَّرَائِع الْمُتَعَلّقَة بذلك. وَقَول السَّائِل: فَإِن صَحَّ أَن هَذَا حَقِيقَة الْإِيمَان إِلَخ؟ جَوَابه: مَا عُلِم مِمَّا مر أَن التَّصْدِيق بالمعلوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ لَا يشْتَرط التَّصْدِيق بِهِ أَو بِبَعْضِه تَفْصِيلًا، إِلَّا مِمَّن عَلِمَه تَفْصِيلًا بِأَن تَوَاتر عِنْده فَلَا بدَّ من التَّصْدِيق بِهِ وَإِلَّا كَانَ كَافِرًا، وَأما من لم يتواتر شَيْء مِنْهُ فيكفيه التَّصْدِيق الإجمالي لما عَلِمْتَ من أنَّ إِنْكَاره قبل التَّوَاتُر غير كفر، وَبِهَذَا علم الْجَواب عَن بَقِيَّة السُّؤَال. ثمَّ رَأَيْت السُّبْكِيّ فِي (فَتَاوِيهِ) ذكر فِي هَذِه الْمَسْأَلَة كلَاما حسنا مؤيداً لما قَدمته فَأَحْبَبْت ذكر حَاصله وَإِن كَانَ فِيهِ بعض طول، فَإِنَّهُ لما نقل الْإِجْمَاع على أَنه ﷺ مُرْسَل إِلَى الْجِنّ وَأَن ذَلِك أَمر مَقْطُوع بِهِ قَالَ: وَأما وجوب الْإِيمَان بذلك فَصَحِيح بِمَعْنى تَصْدِيق مَا دلّ عَلَيْهِ من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع بعد الْإِحَاطَة بهَا وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه يجب، وَيشْتَرط فِي الْإِيمَان اعْتِقَاد ذَلِك وَلَا يكون مُؤمنا إِلَّا بِهِ حَتَّى يلْزم تَحْصِيل سَببه، فإنَّ الْعَاميّ لَو أَقَامَ دَهْرَه لَا يعْتَقد ذَلِك وَلم يخْطر بِبَالِهِ وَلَا عرف شَيْئا من الْأَدِلَّة الدَّالَّة عَلَيْهِ غير أَنه يعلم أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله كَانَ مُؤمنا وَلَيْسَ بعاص بِتَأْخِيرِهِ تعلمه لذَلِك أَو تَرْكه إِذا قَامَ غَيره بِهِ، وَقَول من قَالَ من الْمُحَقِّقين بِوُجُوب الْإِيمَان بذلك مَحْمُول على مَا قُلْنَاهُ، فَإِن الشَّرِيعَة كلهَا وَجَمِيع مَا ورد فِيهَا يجب الْإِيمَان بِهِ إِجْمَالا، وَأما تَفْصِيلًا فَمِنْهُ مَا يجب على كل أحد وَهُوَ مَا يعم جَمِيع الْمُكَلّفين كَالصَّلَاةِ وَنَحْوهَا، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ كَذَلِك فَلَا يجب إِلَّا على من احْتَاجَ إِلَيْهِ أَو من عُلِم بدليله، وَمَا نَحن فِيهِ من هَذَا الْقسم، ثمَّ قَالَ بعد كَلَام طَوِيل: النَّاس على أَقسَام: مِنْهُم عَامي لم تخطر بِبَالِهِ هَذِه الْمَسْأَلَة أَو خطرت بِبَالِهِ وَمَا اعْتقد فِيهَا شَيْئا لجهله فَهَذَا لَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يُكَلف بذلك لَكِن يشْتَرط أَن يُطلق شَهَادَته بِأَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَلَا يخصصها، فَمَتَى خصصها فَقَالَ إِلَى الْإِنْس خَاصَّة فيتكلم عَلَيْهِ. وَمِنْهُم عاميّ اعْتقد خلاف الْحق لشُبْهَة أَو تَقْلِيد جَاهِل، فَهَذَا اعْتِقَاده هَذَا خطأ، يلْزمه النُّزُوع عَنهُ وَأَن يَسأل أَو يَبْحثْ ليظْهر لَهُ الصَّوَاب، وَهُوَ بإصراراه على هَذَا الإعتقاد الْخَطَأ عَاص لِأَنَّهُ مِنْ أصُول الدّين الَّذِي لَا يُعْذر بالْخَطَأ فِيهِ، والفقيه إِذا اعْتقد فِي هَذِه الْمَسْأَلَة خلاف الْحق لشُبْهَة أَو تَقْلِيد جَاهِل عَاص أَيْضا كالعاميّ بل هُوَ عاميّ فِيهَا، وَمحل الحكم فيهمَا بالعصيان فَقَط وَصِحَّة الْإِيمَان إِذا أطلقا شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله فَإِن خصاها فَقَالَا إِلَى الْإِنْس فَقَط فأخشى عَلَيْهِمَا الْكفْر لِأَن الْإِسْلَام الَّذِي بَينه الشَّارِع بِالشَّهَادَةِ الْمُطلقَة.
وَمِنْهُم من اعْتقد التَّعْمِيم فِي ذَلِك من عَامي أَو فَقِيه لَا عَن دَلِيل بل تَقْلِيد مَحْض، فيكفيه ذَلِك وَلَيْسَ بعاص لِأَنَّهُ لم يقم دَلِيل على إِيجَاب الْيَقِين فِي أَمْثَال هَذِه الْمَسْأَلَة وَلَا هُوَ شَرط فِي الْإِيمَان، فَإِذا لم يكن للشَّخْص عِلْم بأدلة هَذِه الْمَسْأَلَة وَاقْتصر على التَّقْلِيد فِيهَا كَفاهُ، وَلَا فرق بَين أَن يكون اعْتِقَاده على جِهَة التَّقْلِيد جَازِمًا أَو غير جازم، فَإِن التَّقْلِيد لفظ مُشْتَرك بَين الإعتقاد الْجَازِم المطابق لَا لموجب، وَبَين قبُول الْغَيْر بِغَيْر حجَّة سَوَاء كَانَ الْجَزْم بِهِ أم لَا، فَهَذَا الثَّانِي كَاف هُنَا وَلَا يَكْفِي فِيمَا يجب الْإِيمَان بِهِ من الوحدانية وَنَحْوهَا، وَالْأول يَكْفِي لِأَن إِيمَان الْمُقَلّد صَحِيح عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء خلافًا لأبي هَاشم من الْمُعْتَزلَة، وَكثير من النَّاس يَغْلَطون ويعتقدون أَن إِيمَان الْمُقَلّد لَا يَصح، وَقد بيّنت هَذَا فِي فَتْوَى وَقلت: إِن النَّاس ثَلَاث طَبَقَات: (عُلْيا وهم أهل الْمعرفَة وَالِاسْتِدْلَال التفصيلي وهم الْعلمَاء. وَأهل الِاسْتِدْلَال الإجمالي وهم كَثِيرُونَ من الْعَوام فَلَا خلاف فِي صِحَة إِيمَانهم. ووسطي وهم أهل العقيدة المُصَمِّمون على غير ذَلِك، وَلم يقل بتكفيرهم إِلَّا أَبُو هَاشم. ودُنياوهم المقلدون من غير تَصْمِيم، وَلم يقل بِصِحَّة إِيمَانهم إِلَّا شذوذ مِنْهُم من كَانَ غَائِبا وَقد وصلت إِلَيْهِ هَذِه الْأَدِلَّة، وَله تمكَّن من النّظر فِيهَا، فَهَذَا الْمَطْلُوب مِنْهُ الْعلم بهَا وبأدلتها وَيلْزمهُ الْإِيمَان بِهِ قطعا لِعلْمه فَصَارَ بِمَنْزِلَة من سمع من النَّبِي ﷺ فَيلْزمهُ تَصْدِيقه فِيهِ قطعا. وَأما الْإِيمَان الإجمالي فَوَاجِب على كل أحد بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِي ﷺ فَلَا بُدَّ مِنْهُ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَغَيرهَا، ويكتفي بِهِ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى غير الْعَالم وَلَا يُكتفى بِهِ فِي حق الْعَالم فَلَا بُدَّ وفَرْضُ ذَلِك عسر، لِأَن الْعَالم مَتى أحَاط علمه بِهَذِهِ الْأَدِلَّة ووجْهَ دلالتها حصل لَهُ الْعلم، وَلَا يُمكن تخلف الْعلم عَنهُ بعد ذَلِك، نعم لَو كَانَ الشَّخْص لَهُ قوّة على النّظر وَتمكن من الْأَدِلَّة وَالْوُقُوف عَلَيْهَا وَالنَّظَر وَلم يفعل بل اقْتصر على مَحْض التَّقْلِيد، فَالَّذِي يظْهر أَنه لَا يَعْصِي بذلك ويكفيه
стр. 143
التَّقْلِيد. وَأما إِذا لم يُقَلّد وَلَكِن توقف وَلم يعْتَقد مِنْهَا شَيْئا مَعَ تمكنه من إِدْرَاك ذَلِك فَهُوَ مَحل نظر، ويترجح أَيْضا أَنه غير مأثوم لعدم قيام الدَّلِيل على وجوب ذَلِك، بِخِلَاف مَا إِذا اعْتقد غير الْحق فَإِن ذَلِك يكون كتقصيره والإقدام بِغَيْر دَلِيل خطأ بِخِلَاف التَّوَقُّف فِيمَا لَا يجب كَمَا يَأْتِي فِي الْفُرُوع. أَقُول: مَنْ أقدَّم على فعل بغيرِ عِلْم بِحكمِهِ يكون مأثوماً، ومَنْ توقَّف عَنهُ لَا يكون مأثوماً، ثمَّ قَالَ بعد كَلَام طَوِيل أَيْضا: كَلَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ يَقْتَضِي أَن إرْسَاله ﷺ إِلَى الْجِنّ مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ، وَمَا قَالَه الإِمَام صَحِيح إذْ هُوَ الْقدْوَة فِي ذَلِك لأَنا نفهم قطعا بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر الْمُفِيد بِالضَّرُورَةِ أَن النَّبِي ﷺ ادّعى الرسَالَة مُطلقًا وَلم يقيدها بقبيلة وَلَا طَائِفَة وَلَا إنس وَلَا جن فَهِيَ عامَّة. ثمَّ الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ من الشَّرْع قِسْمَانِ: أَحدهمَا: مَا يعرفهُ الْخَاصَّة والعامة. وَالثَّانِي: مَا قد يخفى على بعض الْعَوام، وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلنَا إِنَّه مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ لِأَن المُرَاد مَنْ مارس الشَّرِيعَة عَلِم مِنْهَا مَا يحصل بِهِ الْعلم الضروريّ بذلك، وَهَذَا يحصل لبَعض النَّاس دون بعض بِحَسب الممارسة وَكَثْرَتهَا أَو قلتهَا أَو عدمهَا. فالقسم الأول من أنكرهُ من الْعَوام والخواص فقد كفر، لِأَنَّهُ كالمكذِّب للنَّبِي ﷺ فِي خَبره، ومِنْ هَذَا الْقسم إِنْكَار وجوب الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَالْحج وَنَحْوهَا وَتَخْصِيص رسَالَته ﷺ بِبَعْض الْإِنْس فَمن قَالَ ذَلِك فَلَا شكّ فِي كُفْره، وَإِن اعْترف بِأَنَّهُ رَسُول الله لِأَن عُمُوم رسَالَته إِلَى جَمِيع الْإِنْس مِمَّا يُعلمهُ الْخَواص والعوام بِالضَّرُورَةِ من الدّين. وَالْقسم الثَّانِي من أنكرهُ من الْعَوام الَّذين لم يحصل عِنْدهم من ممارسة الشَّرْع مَا يحصل بِهِ الْعلم الضَّرُورِيّ لم يكفر وَإِن كَانَت كَثْرَة الممارسة توجب للْعُلَمَاء الْعلم الضَّرُورِيّ بِهِ، وَمن هَذَا الْقسم عُمُوم رسَالَته ﷺ إِلَى الْجِنّ فَإنَّا نعلم بِالضَّرُورَةِ ذَلِك لِكَثْرَة ممارستنا لأدلة الْكتاب وَالسّنة وأخبار الْأُمَم، وَأما الْعَاميّ الَّذِي لم يحصل لَهُ ذَلِك الْعلم إِذا أنكر ذَلِك فَإِن قيد الشَّهَادَة بالرسالة إِلَى الْإِنْس خَاصَّة خشيت عَلَيْهِ الْكفْر كَمَا قَدمته، وَإِن أطلق الشَّهَادَة بِأَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَلم يتَنَبَّه إِلَى أَن إِنْكَاره لعُمُوم الرسَالَة للجن يُخَالف ذَلِك فَلَا أرى الحكم بِكُفْرِهِ، ولكنْ يُؤدَّب على كَلَامه فِي الدّين وَالْجهل وَيُؤمر بِأَن يتَعَلَّم الْحق فِي ذَلِك لتزول عَنهُ الشُّبْهَة الَّتِي أوجبتْ لَهُ الْإِنْكَار؛ وَإِذا لم يحصل مِنْهُ إِنْكَار وَلَا تكلم فِي ذَلِك وَلَا خطر بِبَالِهِ شَيْء مِنْهُ فَلَا لوم عَلَيْهِ وَلَا يُؤمر بتَعَلُّم ذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْض عين، وإنْ خَطَر بِبَالِهِ ذَلِك لزمَه السُّؤَال واعتقاد الْحق أَو صَرَف نَفْسَه عَن اعْتِقَاد الْبَاطِل وَيشْهد للنَّبِي ﷺ بالرسالة؛ فَعلم أَن العاميّ لَا يُكَلف بِالْعلمِ بذلك قطعا وَلَا ظنا، وَأَن الْعَالم الْمَطْلُوب مِنْهُ الْعلم، وَأَن هَذِه الْمَسْأَلَة وَإِن كَانَت قَطْعِيَّة لَكِن فِي نَفسهَا إذْ الْقطع فِيهَا غير لَازم للعامي فَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَسَائِر الْفُرُوع فيكتفي بهَا بِالْإِجْمَاع عِنْده على أَنه ﷺ مُرْسل للثقلين متواتر مَقْطُوع بِهِ كَسَائِر الْفُرُوع الثَّابِتَة بالتواتر كَمَا تضمنه كَلَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ انْتهى كَلَام السُّبْكِيّ ﵀ وشكر سَعْيه، وَهُوَ مُوَافق لكثير مِمَّا قَدمته ومشتمل على فَوَائِد يَنْبَغِي إمعان النّظر فِيهَا ومزيد تأملها لخفائها على أَكثر المحصِّلين واعتقادهم فِيهَا خلاف الصَّوَاب.
٢١١ - وَسُئِلَ ﵁ ونفعنا بِهِ: فِي عقائد الْحَنَابِلَة مَا لَا يخفى على شرِيف علمكُم، فَهَل عقيدة الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ كعقائدهم؟ فَأجَاب بقوله: عقيدة إِمَام السّنة أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ وأرضاه وَجعل جنان المعارف متقلَّبه ومأواه وأفاض علينا وَعَلِيهِ من سوابغ إمتنانه وبوأه الفردوس الْأَعْلَى من جنانه، مُوَافقَة لعقيدة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة من الْمُبَالغَة التَّامَّة فِي تَنْزِيه الله تَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ والجاحدون علوا كَبِيرا من الْجِهَة والجسمية وَغَيرهمَا من سَائِر سمات النَّقْص، بل وَعَن كل وَصْف لَيْسَ فِيهِ كَمَال مُطلق، وَمَا اشْتهر بَين جهلة المنسوبين إِلَى هَذَا الإِمَام الْأَعْظَم الْمُجْتَهد من أَنه قَائِل بِشَيْء من الْجِهَة أَو نَحْوهَا فكذب وبُهتان وافتراء عَلَيْهِ، فلعن الله من نسب ذَلِك إِلَيْهِ، أَو رَمَاه بِشَيْء من هَذِه المثالب الَّتِي برَّأه الله مِنْهَا، وَقد بَين الْحَافِظ الْحجَّة الْقدْوَة الإِمَام أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ من أَئِمَّة مذْهبه المبرئِّين من هَذِه الوصمة القبيحة الشنيعة، أنَّ كل مَا نسب إِلَيْهِ من ذَلِك كذب عَلَيْهِ وافتراء وبهتان وَأَن نصوصه صَرِيحَة فِي بطلَان ذَلِك وتنزيه الله تَعَالَى عَنهُ فَاعْلَم ذَلِك فَإِنَّهُ مُهِمّ. وَإِيَّاك أنْ تصغى إِلَى مَا فِي كتب ابْن تَيْمِية وتلميذه ابْن قيم الجوزية وَغَيرهمَا مِمَّن اتخذ إلهه هَوَاهُ وأضله الله على علم وَختم على سَمعه وَقَلبه وَجعل على بَصَره غشاوة فَمن
стр. 144
يهديه من بعد الله، وَكَيف تجَاوز هَؤُلَاءِ الْمُلْحِدُونَ الْحُدُود، وتعدوا الرسوم وخرقوا سياج الشَّرِيعَة والحقيقة، فظنوا بذلك أَنهم على هدى من رَبهم وَلَيْسوا كَذَلِك، بل هم على أَسْوَأ الضلال وأقبح الْخِصَال وأبلغ المَقَّتْ والخسران وأنهى الْكَذِب والبهتان فخذل الله متَّبِعهم وطهر الأَرْض من أمثالهم.
وَإِيَّاك أَن تغتر أَيْضا بِمَا وَقع فِي [الغُنْية] لإِمَام العارفين وقطب الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين الْأُسْتَاذ عبد الْقَادِر الجيلاني، فَإِنَّهُ دسَّه عَلَيْهِ فِيهَا مَنْ سينتقم اللَّهُ مِنْهُ وَإِلَّا فَهُوَ برىء من ذَلِك وَكَيف تُروَّج عَلَيْهِ هَذِه الْمَسْأَلَة الْوَاهِيَة مَعَ تضَّلُعه من الْكتاب وَالسّنة وَفقه الشَّافِعِيَّة والحنابلة حَتَّى كَانَ يُفْتِي على المذهبين، هَذَا مَعَ مَا انضْم لذَلِك من أَن الله منّ عَلَيْهِ من المعارف والخوارق الظَّاهِرَة والباطنة وَمَا أنبأ عَنهُ مَا ظهر عَلَيْهِ وتواتر من أَحْوَاله، وَمِنْه مَا حَكَاهُ اليافعي ﵀ وَقَالَ: مِمَّا علمناه بالسند الصَّحِيح الْمُتَّصِل أَن الشَّيْخ عبد الْقَادِر الجيلاني أكل دجَاجَة ثمَّ لما لم يبْق غير الْعظم توجه إِلَى الله فِي إحيائها فأحياها الله إِلَيْهِ وَقَامَت تجْرِي بَين يَدَيْهِ كَمَا كَانَت قبل ذَبحهَا وطبخها، فَمن امتَّن الله عَلَيْهِ بِمثل هَذِه الكرامات الباهرة يتَصَوَّر أَو يتَوَهَّم أَنه قَائِل بِتِلْكَ القبائح الَّتِي لَا يصدر مثلهَا إِلَّا عَن الْيَهُود وأمثالهم مِمَّن استحكم فِيهِ الْجَهْل بِاللَّه وَصِفَاته وَمَا يجب لَهُ وَمَا يجوز وَمَا يَسْتَحِيل: ﴿سُبْحَانَكَ هَاذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النُّور: ١٧، ١٨] . وَمِمَّا يقطع بِهِ كل عَاقل أَن الشَّيْخ عبد الْقَادِر لم يكن غافلاً عَمَّا فِي (رِسَالَة الْقشيرِي) الَّتِي سَارَتْ بهَا الركْبَان واشتهرت بَين سَائِر الْمُسلمين سِيمَا أهل التَّحْقِيق والعِرْفان، وَإِذا لم يجهل ذَلِك فَكيف يتوَّهم فِيهِ هَذِه القبيحة الشنيعة، وفيهَا عَن بعض رجالها أَئِمَّة الْقَوْم السالمين عَن كل مَحْذُور ولوم أَنه قَالَ: كَانَ فِي نَفسِي شَيْء من حَدِيث الْجِهَة فَلَمَّا زَالَ ذَلِك عني كتبتُ إِلَى أَصْحَابنَا إِنِّي قد أسلمت الْآن، فَتَأمل ذَلِك واعتن بِهِ لَعَلَّك توفق للحق إِن شَاءَ الله تَعَالَى وتجري على سنَن الاسْتقَامَة، وَلم نعلم أحدا من فُقَهَاء الشَّافِعِيَّة ابتلى بِهَذَا الإعتقاد الْفَاسِد الْقَبِيح الَّذِي رُبمَا أدّى إِلَى الْكفْر وَالْعِيَاذ بِاللَّه إِلَّا مَا نقل على العمراني صَاحب الْبَيَان وَلَعَلَّه كُذِب عَلَيْهِ، أَو أَنه تَابَ مِنْهُ قبل مَوته بِدَلِيل أَن الله تَعَالَى نفع بكتبه شرقاً وغرباً، ومَنْ على ذَلِك الإعتقاد لَا ينفع الله بِشَيْء من آثاره غَالِبا.
٢١٢ - وسئلت: عَن مطالعة كتب العقائد؟ فأجبت بِقَوْلِي: لَا يَنْبَغِي للْإنْسَان الَّذِي لم يحط بمقدمات الْعُلُوم الإلهية والبراهين القطعية أَن يشْتَغل بمطالعة شَيْء من كتب العقائد المشكلة، فَإِنَّهَا مزلة الْأَقْدَام للعوام جالبة لوقوعهم فِي ورطة الْحيرَة والأوهام، بل رُبمَا أدّى بهم ذَلِك إِلَى الْكفْر الصَّرِيح والابتداع الْقَبِيح، فليترك الْعَاقِل ذَلِك إِذا أَرَادَ سَلامَة دينه، فَإِن كَانَ فَاعِلا وَلَا بُد فَيلْزم شَيخا عَالما بفن الْكَلَام وَغَيره نَصوحاً سليم العقيدة فليقرأ عَلَيْهِ فِي ذَلِك مبتدئاً فِيهِ إِلَى أَن يُحِيط بِشَيْء مِنْهُ بِقدر مَا يصحح بِهِ عقيدته ثمَّ يتْرك التوغل فِي ذَلِك فَإِنَّهُ الضلال الْأَكْبَر كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ إمامنا الشَّافِعِي ﵁ وأرضاه وَجعل الفردوس متقلبة ومثواه آمين.
٢١٣ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ، بِمَا لَفظه: طعن بعض النَّاس فِي أبي الْحسن وَأبي إِسْحَق الْأَشْعَرِيين والباقلاني وَابْن فورك وَأبي الْمَعَالِي إِمَام الْحَرَمَيْنِ والباجي وَغَيرهم مِمَّن تكلم فِي الْأُصُول ورد على أهل الْأَهْوَاء بل رُبمَا بَالغ بعض الملحدة فَادّعى كفرهم فَهَل هَؤُلَاءِ كَمَا قَالَ ذَلِك الطاعن أَو لَا؟ فَأجَاب بقوله: لَيْسُوا كَمَا قَالَ ذَلِك الخارق المارق المجازف الضَّالّ الغال الْجَاهِل المائل، بل هم أَئِمَّة الدّين وفحول عُلَمَاء الْمُسلمين فَيجب الِاقْتِدَاء بهم لقيامهم بنصرة الشَّرِيعَة وإيضاح المشكلات ورَّدِ شُبَه أهل الزيغ وَمَا يجب من الاعتقادات والديانات لعلمهم بِاللَّه وَمَا يجب لَهُ، وَمَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ، وَمَا يجوز فِي حَقه، وَلَا يعرف الْوُصُول إِلَّا بعد معرفَة الْأُصُول، ومِنْ ثُمَّ فضَّل أَقوام عُلُوم الْقُرْآن والْحَدِيث وقدموها على حفظ الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة حَتَّى أدّى ذَلِك بعض مُلُوكهمْ إِلَى أَن توعَّد الْفُقَهَاء وأخافهم، وَبَعْضهمْ حبس النَّاس على اشتغالهم بالمدونة وأحرقها حَتَّى اجْتمع القَاضِي ابْن زرقون فِي حَضْرَة بعض أمرائهم فَقَالَ: هَل بَقِي أحد مِمَّن ينتحل هَذَا الْمَذْهَب فَقَالَ بعض الظَّاهِرِيَّة: لم يبْق مِنْهُم إِلَّا الْقَلِيل، فَقَالَ: إِنَّهُم يحكمون فِي دين الله بِغَيْر دَلِيل يَقُولُونَ فِي الْمصلى بِنَجَاسَة يُعِيد فِي الْوَقْت لِأَن النَّجَاسَة إِن كَانَ غسلهَا وَاجِبا أعَاد أبدا وَإِلَّا فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ فالإعادة فِي الْوَقْت مَا قَامَ عَلَيْهَا دَلِيل. فَأَجَابَهُ ابْن زرقون فَقَالَ لَهُ: الأَصْل فِي ذَلِك حَدِيث الْأَعرَابِي الْمَشْهُور وَقَوله: (ارْجع فصل فَإنَّك لم تصل) وَلم يَأْتِ فِي طرف الحَدِيث أَنه أمره
стр. 145
بِإِعَادَة مَا مضى فاستكان عِنْد ذَلِك الْأَمِير وَقَالَ: دعوا النَّاس على مذاهبهم، وَالْوَاجِب الِاعْتِرَاف بِفضل أُولَئِكَ الْأَئِمَّة الْمَذْكُورين فِي السُّؤَال وسابقيهم، وَأَنَّهُمْ من جملَة المرادين بقوله ﷺ : (يحمل هَذَا الْعلم من كُلِّ خَلَفٍ عَدو لَهُ، يَنْفُون عَنهُ تَحْرِيف الغالين وانتحال المُبْطِلين وتأويلَ الْجَاهِلين) فَلَا يعْتَقد ضلالتهم إِلَّا أَحمَق جَاهِل أَو مُبْتَدع زائغ عَن الْحق وَلَا يسبهم إِلَّا فَاسق، فَيَنْبَغِي تبصير الْجَاهِل وتأديب الْفَاسِق واستتابة المبتدع، وَإِلَّا فَقَالَ بعض أَئِمَّة الْمَالِكِيَّة: يضْرب إِلَى أَن يَمُوت كَمَا فعل سيدنَا عمر ﵁ بضُبَيْع الْمَشْهُور الْمُتَّهم، وَورد أَنه لما أَكثر ضربه قَالَ لَهُ: إِن كنت تُرِيدُ دوائي فقد بلغ مَوضِع الدَّاء، وَإِن كنت تُرِيدُ قَتْلِي فعجِّل عليّ فخلى سَبيله.
٢١٤ - وَسُئِلَ ﵁، عَمَّا يَقُول بعض الْأُصُولِيِّينَ: إِنَّه لَا يكمل الدّين إِلَّا بِمَعْرِِفَة أصُول الدّين وتحقيقه وَيتَعَيَّن على كل أحد الِاشْتِغَال بِهِ وتقديمه على تعلم سَائِر الْفُرُوع، وَمن خَالف فِي ذَلِك رُبمَا ضلَّلوه وكفَّروه هَل هُوَ صَحِيح أَو لَا؟ فَأجَاب بقوله: لَيْسَ مَا قَالُوهُ صَحِيحا بِإِطْلَاقِهِ كَمَا شنَّع الشَّافِعِي ﵁ وَغَيره من الْأَئِمَّة على أهل الْكَلَام وبدَّعوهم وضَلَّلوهم بِمَا هُوَ مَبْسُوط فِي غير هَذَا الْمحل، وَمن ثمَّ لم يقل من الْأَئِمَّة الأشعرية بِتِلْكَ الْمقَالة المحكية فِي السُّؤَال وَلَا يتأولها عَلَيْهِم إِلَّا غبيّ جَاهِل، إِذْ لَو كَانَ الْإِسْلَام لَا يتم إِلَّا على القوانين الْعَقْلِيَّة الَّتِي رتبَّها الأصوليون لبينها ﷺ للنَّاس وَبَلغهَا إِلَيْهِم كَمَا أَمر فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىاأَنفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ﴾ [الْمَائِدَة: ٧٠] الْآيَة، فَلَمَّا تَيَقنا أَنه لم يدع النَّاس لذَلِك وَلَا تكلم بِهِ أحد من الصَّحَابَة بِكَلِمَة وَاحِدَة فَمَا فَوْقهَا من هَذَا النمط من طَرِيق تَوَاتر وَلَا آحَاد من طَرِيق صَحِيح وَلَا سقيم عُلِم أَنه ﷺ وَأَصْحَابه عدلوا إِلَى مَا هُوَ أبين للفهم ليستْبقُوا إِلَيْهِ بأوائل الْعقل وَهُوَ مَا أَمر الله بِهِ من الِاعْتِبَار بمخلوقاته فِي غير مَا آيَة، وَلم يمت ﷺ حَتَّى بلغ النَّاس، وَبَين مَا أُنزل إِلَيْهِم وأُمِرَ بتبليغه فِي خطبَته فِي حجَّة الْوَدَاع وَغَيرهَا من مقاماته بِحَضْرَة الْعَامَّة وَقَوله: (هَل بلَّغتْ) وَمَا أَمر بِهِ هُوَ كَمَال الدّين وَتَمَامه بقوله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِ الأٌّزْلَامِ ذَالِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الْمَائِدَة: ٣] فَلَا حجَّة فِي إِثْبَات التَّوْحِيد وَمَا يجب لَهُ تَعَالَى أَو يجوز أَو يَسْتَحِيل بِمَا سوى مَا أنزلهُ فِي كِتَابه وَبَينه على لِسَان نبيه ﷺ وَمَا نبَّه عَلَيْهِ من الِاعْتِبَار فَقَالَ: ﴿وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] أَشَارَ إِلَى أَن فِيهَا من آثَار الصَّنْعَة ولطيف الْحِكْمَة مَا يدل على وجود الصَّانِع الْحَكِيم وَأَنه قَادر عَلَيْهِم وَاجِد موجد: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] كَمَا ذكر فِي كِتَابه الْعَزِيز، فَإِذا نظر فِي نَفسه وَمَا ركَّب فِيهَا من الْجَوَاهِر المدركة والجوارح المباشِرة للقبض والبسط والأعضاء المعدّة للأفعال كالأضراس المعدَّة للطحن عِنْد فرَاغ الرَّضَاع وَالْحَاجة للطعام والمعدة لنضج الطَّعَام وإنعامه لمجاري الْأَعْضَاء وَالْعُرُوق، وَغير ذَلِك مِمَّا فِي الْبدن من الْبَدَائِع الَّتِي لَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ، وَلَا يفهم حقائق مَا وضعت لَهُ إِلَّا العارفون، وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأٌّرْضِ﴾ ﴾ [الْبَقَرَة: ١٦٤] ﴿أَفَرَءَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ﴾ [الْوَاقِعَة: ٥٨] الْآيَات. وَشبه ذَلِك من المجادلة الْوَاضِحَة الَّتِي يُدْرِكهَا كَافَّة الْعُقَلَاء وَعَامة المخاطبين وَهِي أَكثر من أَن تحصى فيتيقن بهَا وجوده ثمَّ يتَيَقَّن وحدانيته وَعلمه وقدرتُهُ بِمَا يُشَاهد من كَثْرَة أَفعاله على الْحِكْمَة وإيرادها وجريها على طرقها، فَمن أتقن هَذَا علم سَائِر صِفَاته تَوْفِيقًا على كِتَابه الْمنزل، وَعلم صِدْق نبيه الْمُرْسل، وَمَا ظهر عَلَيْهِ من المعجزات فالاستدلال بِهَذَا أصح وأوضح فِي التَّوَصُّل إِلَى الْمَقْصُود، وَعَلِيهِ عوَّل سلف الْأمة لِأَنَّهُ نظر عقليِّ بديهي مركَّب على مُقَدمَات من الْعقل وَالْعلم والتوصل إِلَيْهِ بطرِيق الأشاعرة فَهُوَ وَإِن صحَّ إِلَّا أَنه لَا يُؤمن على صَاحبه الْفِتْنَة، وَلِهَذَا تَركهَا السّلف لَا لعجزهم عَنْهَا فهم أعْقل وأفْهم مِمَّن بعدهمْ، وَلم يَأْتِ آخر هَذِه الْأمة بأهدى مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ أوائلها.
فَيتَعَيَّن على الْوُلَاة منع من يشهر علم الْكَلَام بَين الْعَامَّة لقُصُور أفهامهم عَنهُ وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي بهم إِلَى الزيغ والضلال، وَأمر النَّاس بفهم الْأَدِلَّة على مَا نطق بِهِ الْقُرْآن وَنبهَ عَلَيْهِ إذّ هُوَ بَين وَاضح يدْرك ببداهة الْعقل كَمَا مر، ثمَّ يتَعَلَّم أَحْكَام الْعِبَادَات والعقود الَّتِي كلفوها على مَا هُوَ مُبين فِي الْفُرُوع. وَأما من جدَّ فِي الطّلب وَله حَظّ وافر من الْفَهم فَعَلَيهِ أَن يقْرَأ علم الْكَلَام إِذا وجد إِمَامًا يفتح لهُ مُقْفِله ويوضح لَهُ مشْكِله فَيَزْدَاد بقرَاءَته وَالْوُقُوف على حقائقه بَصِيرَة فِي دينه، ويَعْرِف فَسَاد مَذَاهِب الْمُخَالفين والمبتدعة والغالين وردَّ شُبَههم وَيجوز الْكَمَال فِي الْعلم حَتَّى يدْخل تَحت عُمُوم حَدِيث (يحمل هَذَا
стр. 146
الْعلم من كل خلف عدوله) وتكفير من فعل مَا ذَكرْنَاهُ هُوَ الْكفْر أَو يجر إِلَيْهِ، لِأَن من اشْتغل بِعلم الْكَلَام ومقدماته قبل اشْتِغَاله بِمَعْرِِفَة مَا كلف بِهِ من الْعِبَادَات وَغَيرهَا يجلس مُدَّة ذَلِك وَهُوَ لم يصلِّ وَلم يصم وَلَا حج، وَقد لَا يتم لَهُ تعلم الْكَلَام ومقدماته إِلَّا بعد الزَّمن الطَّوِيل فيَمْرُق من الدّين وَيخرج من جملَة الْمُسلمين، أعاذنا الله من الشَّيْطَان الرَّجِيم وَلَا نَكَبَ بِنَا عَن الْمنْهَج الْمُسْتَقيم برحمته إِنَّه مُنْعم كريم، وأدام علينا الاستمساك بِمَا جرى عَلَيْهِ السّلف وانتهجه صالحو الْخلف آمين. [فَائِدَة] : زعم بَعضهم أَنه يقرب مِمَّا حكى عَن الْبَعْض الْمَذْكُور فِي السُّؤَال قَول الإِمَام فِي (الْإِرْشَاد) : أول مَا يجب على الْبَالِغ الْعَاقِل باستكماله سنّ الْبلُوغ أَو الْحلم شرعا الْقَصْد إِلَى النّظر الصَّحِيح المُفْضي إِلَى الْعلم بحدوث الْعَالم انْتهى وَلَيْسَ ذَلِك الزَّعْم فِي مَحَله، إذْ مَا قَالَه لَا خلاف فِيهِ فَلم يحصره فِي تعلم القوانين الكلامية الَّتِي الْكَلَام فِيهَا. نعم الَّذِي يقرب من ذَلِك إِنَّمَا هُوَ قَول الباقلاني يلْزم ذكر حُدُوث الْعَالم وأدلة إِثْبَات الْأَعْرَاض وَامْتِنَاع خلوِّ الْجَوَاهِر عَنْهَا وَإِبْطَال حوادث لَا أول لَهَا، وأدلة الْعلم بالصانع وَمَا يجب لَهُ تَعَالَى وَمَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ وَمَا يجوز لَهُ، وأدلة المعجزة وَصِحَّة الرسَالَة، ثمَّ الطّرق الَّتِي وصلنا بهَا إِلَى التَّكْلِيف انْتهى. ولقربه من ذَلِك قيل عَلَيْهِ إِنَّه هفوة من القَاضِي. قَالَ الْمَازرِيّ: أردتْ اتِّباعه فَرَأَيْت فِي نومي كَأَنِّي أخوض بحراً من ظلام، فَقلت هَذِه مزلة الباقلاني. قَالَ الْبُرْزُليّ: سَأَلت شَيخنَا عَن قَول الْمَازرِيّ هَل أَرَادَ الانتقاد عَلَيْهِ أَو الْأَخْذ بِهِ؟ فَقَالَ الأول وَهُوَ يسْتَلْزم الثَّانِي لِأَنَّهُ خَوْضٌ فِيمَا لَا يَعْنِي، وَيحْتَمل أَن تكون هَذِه وَاجِبَة مَعَ الْإِمْكَان فَلَيْسَتْ بِشَرْط فِي وجوب الْأَحْكَام فَلَا يمْنَع وُجُوبهَا مَعَ فقدها مَا ذكر انْتهى. وَالَّذِي صرح بِهِ أَئِمَّتنَا أَنه يجب على كل أحد وجوبا عَيْنياً أَن يعرف صَحِيح الإعتقاد من فاسده، وَلَا يشْتَرط فِيهِ علمه بقوانين أهل الْكَلَام لِأَن الْمدَار على الإعتقاد الْجَازِم وَلَو بالتقليد على الْأَصَح. وَأما تَعْلِيم الْحجَج الكلامية وَالْقِيَام بهَا للرَّدّ على الْمُخَالفين فَهُوَ فرض كِفَايَة، اللَّهُمَّ إِلَّا إِن وَقعت حَادِثَة وَتوقف دفع الْمُخَالف فِيهَا على تعلُّم مَا يتَعَلَّق بهَا من علم الْكَلَام أَو آلاته فَيجب عينا على من تأهل لذَلِك تعلُّمه للرَّدّ على الْمُخَالفين. فَإِن قلت: كَيفَ هَذَا مَعَ قَول ابْن خويز منداد كُتُب الْكَلَام لَا يجوز تَملكهَا وَالْإِجَارَة فِيهَا بَاطِلَة، وَمَتى وجدت وَجب إتلافها بِالْغسْلِ والحرق، وَمثله كتب الأغاني وَاللَّهْو وَشعر السخفاء من الْمُتَأَخِّرين وَكتب الفلاسفة والعزائم ثمَّ عَدَّى ذَلِك إِلَى كتب اللُّغَة والنحو، وَبَين مَا فيهمَا من خوض أهلهما فيهمَا فِي أُمُور لَا يعلمُونَ صِحَّتهَا. ثمَّ قَالَ: وَكتب الْكَلَام فِيهَا الضَّلَالَة والبدع والإلحاد فِي أَسمَاء الله وَصِفَاته، وَالْكفْر بِتَأْوِيل الْقُرْآن وتحريفه عَن مَوْضِعه فَلَا يجوز بَقَاؤُهَا فِي ديار الْمُسلمين لِئَلَّا تُضِلَّ الْجَاهِل. فَإِن قيل: بعضُها حق لأنكم لَا بدّ لاحقون بِبَعْض أَقسَام أهل الْكَلَام؟ فَجَوَابه: إِن هَذَا خطأ علينا لأَنا لَا ننسب إِلَى الْكَلَام وَلَا إِلَى أَهله وَنحن مِنْهُم برَاء، وَلَو تشاغل سني بالْكلَام لَكَانَ مبتدعاً، والسُنيِّ هُوَ المنتسب للسلف الصَّالح، وَكلهمْ زَجروا عَن الْخَوْض فِي مثل هَذَا، والخائضون فِي هَذَا من سَائِر أهل الْبدع، وَيَكْفِي فِي الْخُرُوج إِلَى الْبِدْعَة مَسْأَلَة وَاحِدَة فَكيف وَقد أوقروا ظُهُورهمْ وَأَجْمعُوا نُفُوسهم انْتهى كَلَام ابْن خويز منداد. قلت: قَالَ ابْن بَرزَة شَارِح إرشاد إِمَام الْحَرَمَيْنِ: هَذَا النَّقْل عَنهُ بَاطِل، فَإِن صَحَّ عَنهُ فَالْحق حجَّة عَلَيْهِ، وَإِذا تصفحت قَوَاعِد الأشعرية ومذاهبهم (ومباني) أدِلَّتهم وَجدتهَا رَاجِعَة لعلم الْكَلَام بل من أنكر علم التَّوْحِيد أنكر الْقُرْآن وَذَلِكَ عين الكفران والخسران، وَكَيف يرجع لِابْنِ خويز منداد وَيتْرك أقاويل أفاضل الْأمة وعلماء الْملَّة من الصَّحَابَة ومَنْ بعدهمْ كالأشعري والباهلي والقلانسي والمحاسبي وَابْن فورك والإسفرايني والباقلاني وَغَيرهم من أهل السّنة، وأنشدوا فِي تفضيله: أَيهَا الْمُقْتَدِي ليطلب علما كلُّ عِلْم عَبْد لعلم الْكَلَام وَقيل للْقَاضِي أبي الطّيب: إِن قوما يذمون علم الْكَلَام، فَأَنْشد: عابَ الْكَلَام أناسٌ لَا خلاق لَهُم وَمَا عَلَيْهِ إِذا عابوه مِنْ ضَرَر مَا عَابَ شمس الضُّحَى فِي الْأُفق طالعةً أنْ لَا يرى ضَوْءَها مَنْ لَيْسَ ذَا بصر وَمَا قيل إِنَّه بِدعَة لِأَنَّهُ لم ينظر فِيهِ السّلف مَعَ أَنه يُورث المراء والجدال والشبهات رُدَّ بِأَنَّهُ نظر فِيهِ السّلف قطعا مِنْهُم عمر وَابْنه وَعلي وَابْن عَبَّاس ﵃، وَمن التَّابِعين عمر بن عبد الْعَزِيز وَرَبِيعَة وَابْن هُرْمُز وَمَالك
стр. 147
وَالشَّافِعِيّ ﵃، وَألف مَالك ﵁ فِيهِ رِسَالَة قبل أَن يُولد الشَّافِعِي ﵁، وَإِنَّمَا نسب للأشعري لِأَنَّهُ بَين مناهج الْأَوَّلين ولخصَّ موارد الْبَرَاهِين، وَلم يُحْدِث فِيهِ بعد السّلف إِلَّا مُجَرّد الألقاب والاصطلاحات، وَقد حَدَثَ مثلُ ذَلِك فِي كل فن من فنون الْعلم، وَالْقَوْل بِأَن السّلف نهوا عَن النّظر فِيهِ بَاطِل، وَإِنَّمَا الَّذِي نهوا عَنهُ علم الْجَهْمِية والقدرية وَغَيرهم من أهل الْبدع وهم الَّذين ذمهم الشَّافِعِي وَغَيره من السّلف. وَاعْلَم أَن الْمَذْهَب الكلامي أَن يُورد مَعَ الحكم ردَّاً لمنكره حجَّة مسلمة الاستلزام. وينقسم إِلَى منطقي وجدلي؛ فَالْأول مَا كَانَ برهاناً يقيني التَّأْلِيف قَطْعِيّ الاستلزام، وَالثَّانِي مَا كَانَت حجَّته أَمارَة ظنية لَا يُفِيد إِلَّا الرجحان. وَزعم الجاحظ أَنه لَيْسَ فِي الْقُرْآن من ذَلِك شَيْء يَعْنِي من المنطقي، وَأما الجدلي فَهُوَ كثير فِيهِ كَقَوْلِه: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرّوم: ٢٧] أَي والأهون أَدخل فِي الْإِمْكَان من بَدْء الْخلق، وَمِنْه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩١] الْآيَة، وَقَول إِبْرَاهِيم: ﴿أَتُحَاجُّونِّى فِى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِى﴾ [الْأَنْعَام: ٨٠] وَمِنْه أَيْضا عِنْد بعض الْمُحَقِّقين: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٢٢] وَالْقَوْل بِأَن هَذَا كفر مَرْدُود كَمَا هُوَ مَبْسُوط فِي مَحَله من مبادىء كتب الْكَلَام قَالَ بعض الْمُحَقِّقين: وَكذب الجاحظ فِيمَا ادّعى بل أَكثر حجج أهل الْكَلَام مستنبطة من الْقُرْآن الْعَظِيم، وفقنا الله لفهم ذَلِك آمين.
٢١٥ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ، بِمَا لَفظه: مَا وَجه تعلق الْمُعْتَزلَة فِي خلق الْأَعْمَال بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [الْقَمَر: ٤٩] وَمَا وَجه الرَّد عَلَيْهِم؟ فَأجَاب بقوله: الَّذِي تمسكوا بِهِ على ذَلِك رفع كل وَهُوَ قِرَاءَة شَاذَّة وأنّ (خلقنَا) فِي مَوضِع جر صفة لشَيْء وَلَا تعلق لَهُم فِيهَا بِوَجْه، بل هِيَ بِنصب كل الَّذِي هُوَ الْقِرَاءَة المتواترة دَلِيل أهل السّنة على خلق الله لأعمال الْعباد، وعَلى قِرَاءَة الرّفْع لَا دَلِيل فِيهَا لأحد المذهبين إِن سلم أَن جملَة خلقناه صفة لشَيْء وبقدر هُوَ الْخَبَر؛ أما إِذا جعل خَبرا وبقدر حَال فَهُوَ يُفِيد مَا أَفَادَهُ النصب من عُمُوم الْخلق لكلّ شَيْء مَخْلُوق من الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال والجواهر والأعراض، وَتَقْدِير النصب إِنَّا كل شَيْء خلقناه، وَالرَّفْع إِنَّا كل شَيْء مَخْلُوق لنا حَال كَونه متلبساً بقدرتنا عَلَيْهِ، أَو مَخْلُوق بقدرتنا بِنَاء على أَن بِقدر صفة للمخلوق أَو خبر بعد خبر فَحكم على كل مَا صَحَّ أَن يُطلق عَلَيْهِ لفظ الشَّيْء بِأَنَّهُ مَخْلُوق لله تَعَالَى، إذْ خلقناه خبر وَأي دَلِيل على تعين وصفيتها، وَإِنَّمَا قُلْنَا مَخْلُوق لِئَلَّا تدخل صِفَات الْبَارِي فَهِيَ خَارِجَة من الْعُمُوم بِالدَّلِيلِ الْعقلِيّ فَيبقى مَا عَداهَا على حَاله من أَنه مَحْكُوم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مَخْلُوق لله تَعَالَى. فَإِن قلت: احْتِمَال وَصفِيَّة خلقنَا يمْنَع استدلالكم بِالْآيَةِ. قلت: لما كَانَت الْقِرَاءَة المتواترة الَّتِي هِيَ قِرَاءَة النصب نصا فِي مدعانا أَخذنَا بهَا، وَأما قِرَاءَة الرّفْع فَهِيَ مُحْتَملَة فَلَا دَلِيل فِيهَا لَهُم كَمَا لَا دَلِيل لنا فَبَطل استدلالهم بهَا وَبَقِي استدلالنا بِقِرَاءَة النصب، فَتَأمل.
٢١٦ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن معنى كَلَام الله تَعَالَى لمُوسَى ﷺ وَغَيره، وَهل يُمكن سَماع غير مُوسَى لَهُ؟ فَأجَاب بقوله: كَلَام الله وَإِن لم يكن من جنس كَلَام المخلوقين يسمعهُ من أكْرمه الله من رسله وَمَلَائِكَته بِوَاسِطَة أَو غَيرهَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً﴾ [الشورى: ٥١] الْآيَة، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىانُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىاإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأٌّسْبَاطِ وَعِيسَىاوَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً﴾ [النِّسَاء: ١٦٣] قَالَ بعض أَئِمَّة الْمَالِكِيَّة: من أنكر أنّ الله تَعَالَى كلم مُوسَى استُتِيب، فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل. قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين: وَالْكَلَام على الْحَقِيقَة كُله لله وإضافته إِلَى غَيره مجَاز، لِأَنَّهُ إِن كَانَ قَدِيما فَهُوَ صفته، وَإِن كَانَ حَادِثا فَهُوَ فعله لِأَنَّهُ بخلقه وإرادته، وَمن ثمَّة اتفقتْ الْأمة على أَنه تَعَالَى متكلِّم؛ فَعِنْدَ الأشعرية الْكَلَام قَائِم بِذَاتِهِ الْعلية ويعبر عَنهُ بالْكلَام النَّفْسِيّ. وَأنكر الْمُعْتَزلَة ذَلِك وَقَالُوا: معنى كَونه متكلماً أَنه خَالق للْكَلَام. وَالْإِجْمَاع على أَنه تَعَالَى كلم مُوسَى للآيات المصرحة بذلك يرد عَلَيْهِم إِذْ الأَصْل عدم الْمجَاز. وَاخْتلفُوا فِي صفة سَمَاعه للْكَلَام النَّفْسِيّ. فَأهل الظَّاهِر قَالُوا: نؤمن بِهِ وَلَا نتكلم قصدا مِنْهُم إِلَى أَنه متشابه، وَقَالَت الباطنية: خلق الله لمُوسَى فهما فِي قلبه وَلم يخلق لَهُ سمعا. وَمذهب أهل السّنة أَن الله خلق لَهُ فهما فِي قلبه وسمعاً فِي أُذُنَيْهِ وسائربدنه سمع بِهِ كَلَام الله من غير صَوت وَلَا حرف بِغَيْر وَاسِطَة. وَزعم الْمُعْتَزلَة جَريا على مَذْهَبهم الْفَاسِد فِي إنكارهم الْكَلَام النَّفْسِيّ أَن الله تَعَالَى خلق لَهُ فهما فِي قلبه وصوتاً فِي الشَّجَرَة سَمعه.
٢١٧ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن لَا إِلَه إِلَّا الله لَو يقدر الْخَبَر مُمكن لَا يلْزم وجود الْبَارِي لِأَنَّهُ لَا يلْزم من إِثْبَات الْإِمْكَان إِثْبَات وجود الله فالإمكان لَا يسْتَلْزم الْوُجُود، وبتقديره موجد لَا يلْزم نفي الْإِمْكَان عَن غير الله لِأَنَّهُ لَا يلْزم من نفي الْوُجُود نفي الْإِمْكَان فَلَا يلْزم التَّوْحِيد الْكَامِل. فَأجَاب بقوله: لَا شكّ أَن المُرَاد تَقْدِير
стр. 148
مَوْجُود لَا مُطلقًا بل مَعَ مُلَاحظَة وجوب اتصاف وجوده بِأَنَّهُ وَاجِب لذاته أَي لَا مَوْجُود وجودُه واجبٌ لذاته إِلَّا الله وَهَذَا لَا يرد عَلَيْهِ شَيْء، وبفرض الْغَفْلَة عَن هَذَا والاقتصار على تَقْدِير مَوْجُود فَقَط يُمكن تَوْجِيهه بِأَن يُقَال: إِن الْمُمكن يُسمى مَوْجُودا بِالْقُوَّةِ فَإِذا قُدِّر مَوْجُودا انْتَفَى وجود الألوهية بِسَائِر اعتباراته عَن غير الله تَعَالَى وإثباته بِسَائِر اعتباراته لله تَعَالَى، وحينئذٍ فتقديره لَا يُنَافِي التَّوْحِيد الْكَامِل بل يُثبتهُ كَمَا هُوَ جليّ وَالله أعلم. فَإِن قلت: يلْزم على ذَلِك الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز للوجود؟ قلت: لَا مَحْذُور فِيهِ. فَإِن قلت: هَذَا السُّؤَال وَالْجَوَاب إِنَّمَا يَأْتِي على من يَقُول بِوُجُوب التَّوْحِيد بِالْعقلِ وَأكْثر الْعلمَاء على خِلَافه. قلت: هُوَ مَمْنُوع بل يَأْتِي على مَنْ يُوجبه بِالشَّرْعِ أَيْضا فَتَأَمّله، وَالله أعلم.
٢١٨ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن شخص قَالَ: لَيْسَ الْقُرْآن الْمَوْجُود فِي مصاحف الْمُسلمين كَلَام الله، وَلَيْسَت الْأَلْفَاظ الْمَوْجُودَة فِيهَا هِيَ الَّتِي جَاءَ بهَا جِبْرِيل ﵇ عَن الله، وَإِنَّمَا هَذِه الْأَلْفَاظ أَلْفَاظ النَّبِي ﷺ ، وَإِنَّمَا كَلَام الله تَعَالَى الْأَحَادِيث القدسية فَقَط، فَمَا حكم الله فِي هَذَا الْقَائِل؟ أفتونا مَأْجُورِينَ وبينوا الحكم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بَيَانا شافياً مَعَ مَا تيَسّر من أدلتها وأقوال الْعلمَاء فِيهَا، أثابكم الله الْجنَّة؟ فَأجَاب بقوله: قد اشْتَمَل هَذَا الْكَلَام على أَمريْن فاسدين: أَولهمَا: نَفْيه كَلَام الله عَن أَلْفَاظ الْقُرْآن وَلَيْسَ كَمَا زعم، إذْ التَّحْقِيق عِنْد أَئِمَّة الْأُصُول أَن كَلَام الله تَعَالَى اسْم مُشْتَرك بَين الْكَلَام النَّفْسِيّ الْقَدِيم، وَمعنى إِضَافَة الْكَلَام لَهُ تَعَالَى على هَذَا كَونه صفة لَهُ وَبَين اللَّفْظ المؤلَّف الْحَادِث من السُّور والآيات أَي سَوَاء قُلْنَا إِن ذَلِك اللَّفْظ الْمُؤلف هُوَ لفظ جِبْرِيل أَو لفظ النَّبِي ﷺ كَمَا صرح بِهِ فِي (شرح الْمَقَاصِد) ؛ وَمعنى إِضَافَة الْكَلَام إِلَى الله على هَذَا أَنه مَخْلُوق لَهُ لَيْسَ من تأليف المخلوقين، وَقد أجمع أهل السّنة وَغَيرهم على أَنه لَا يَصح نفي كَلَام الله تَعَالَى عَن ذَلِك اللَّفْظ الْمُؤلف كَيفَ والإعجاز والتحدي الْمُشْتَمل هُوَ عَلَيْهِمَا إِنَّمَا يكونَانِ فِي كَلَام الله دون كَلَام غَيره، فنفى ذَلِك الْقَائِل عَنهُ كَلَام الله جهل قَبِيح، وَخطأ صَرِيح، فليؤدَّب على ذَلِك إنْ لم يرجع، وَمَا وَقع فِي كَلَام بَعضهم: أَن تَسْمِيَة هَذَا النّظم كَلَام الله مجَاز مؤول، فَإِنَّهُ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه غير مَوْضُوع للنظم الْمُؤلف بل إنَّ الْكَلَام فِي التَّحْقِيق وبالذات اسْم للمعنى الْقَدِيم الْقَائِم بِالنَّفسِ، وَتَسْمِيَة اللَّفْظ بِهِ وَوَضعه لذَلِك اللَّفْظ وضعا اشتراكياً إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَار دلَالَته على الْمَعْنى الْقَدِيم فَلَا نزاع لَهُم فِي الْوَضع وَالتَّسْمِيَة. ثَانِيهمَا: فرقه بَين أَلْفَاظ الْقُرْآن وألفاظ الْأَحَادِيث القدسية وَهُوَ تحكم صرف يَنْبَنِي على عدم تَحْصِيله وَفَسَاد تصَوره إِذْ لَا فرق بَينهمَا كَمَا سيتضح من بسط مَا للْعُلَمَاء فِي ذَلِك.
وَحَاصِله: أَن بعض آي الْقُرْآن وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢] ظَاهر فِي أَن أَلْفَاظ الْقُرْآن مرقومة فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، وَبَعضهَا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأٌّمِينُ﴾ [الشُّعَرَاء: ١٩٣، ١٩٤] ظَاهر فِي أَن اللَّفْظ مِنْهُ ﷺ إذْ المُنزل على الْقلب هُوَ الْمَعْنى دون اللَّفْظ، وَبَعضهَا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] ظَاهر فِي أَنه لفظ الْملك، فلأجل ذَلِك اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذِه الْمَسْأَلَة على ثَلَاثَة أَقْوَال متكافئة ببادىء الرَّأْي. ومِنْ ثُمَّ حَكَاهَا الْمُحَقق السعد فِي شرح مقاصده وَلم يرجح مِنْهَا شَيْئا حَيْثُ قَالَ: المرضي عندنَا أَن لَهُ أَي ذَلِك اللَّفْظ الْمُؤلف اختصاصاً آخر بِاللَّه تَعَالَى، وَهُوَ أَنه اخترعه بأنْ أوْجد أوّلاً الْإِشْكَال فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ لقَوْله تَعَالَى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَّجِيدٌ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١ ٢٢] والأصوات فِي لِسَان الْملك لقَوْله تَعَالَى:﴾ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] أَو لِسَان النَّبِي ﷺ لقَوْله تَعَالَى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأٌّمِينُ﴾ [الشُّعَرَاء: ١٩٣] ﴿نزل بِهِ الرّوح الْأمين على قَلْبك﴾ والمنزل على الْقلب هُوَ الْمَعْنى دون اللَّفْظ انْتهى. وَكَذَلِكَ تردّد الْأَصْفَهَانِي فَقَالَ: اتّفق أهل السّنة وَالْجَمَاعَة على أَن كَلَام الله منزل، وَاخْتلفُوا فِي معنى الْإِنْزَال؟ فَمنهمْ من قَالَ: إِظْهَار الْقُرْآن، وَمِنْهُم من قَالَ: ألهمه جِبْرِيل ثمَّ أَدَّاهُ لرَسُول الله ﷺ . وَفِي التَّنْزِيل طَرِيقَانِ: أَحدهمَا أَنه ﷺ انخلع عَن صُورَة البشرية إِلَى صُورَة الملكية وَأَخذه عَن جِبْرِيل. وَالثَّانِي: أَن الْملك انخلع إِلَى صُورَة البشرية حَتَّى يَأْخُذ عَنهُ الرَّسُول؛ وَالْأول أصعب الْحَالين انْتهى.
وَالَّذِي يتَعَيَّن تَرْجِيحه بِحَسب الْأَدِلَّة أَن الْمنزل عَلَيْهِ ﷺ اللَّفْظ وَالْمعْنَى، وَأَن ذَلِك اللَّفْظ لَيْسَ من اختراع جِبْرِيل وَإِنَّمَا أَخذه بالتلقي الروحاني أَو من اللَّوْح الْمَحْفُوظ، وَمِمَّنْ جرى على ذَلِك الإِمَام الْبَيْهَقِيّ فَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [الْقدر: ١] يُرِيد وَالله أعلم إِنَّا أسمعناه الْملك وأفهمناه إِيَّاه وأنزلناه كَمَا سمع فَيكون الْملك مُسْتقِلّا بِهِ من علو إِلَى سفل. وَالْإِمَام أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ
стр. 149
فَقَالَ: كَلَام الله الْمنزل قِسْمَانِ: قسم قَالَ الله لجبريل: قل للرسول الَّذِي أَنْت مُرْسل إِلَيْهِ إنَّ الله تَعَالَى يَقُول: افْعَل كَذَا وَكَذَا أَو أَمر بِكَذَا وَكَذَا ففهم جِبْرِيل مَا قَالَه ربه ثمَّ نزل بذلك على النَّبِي ﷺ وَقَالَ لَهُ مَا قَالَه ربه، وَلم تكن الْعبارَة تِلْكَ الْعبارَة كَمَا يَقُول الْملك لمن يَثِق بِهِ قل لفُلَان يَقُول لَك الْملك اجْتهد فِي الْخدمَة واجمع جندك لِلْقِتَالِ، فَإِن قَالَ لَهُ الرَّسُول يَقُول لَك الْملك لَا تتهاون فِي خدمتي وَلَا تتْرك الْجند يتفرق وحُثهم على مقاتلة الْعَدو لَا ينْسب إِلَى كذب وَلَا تَقْصِير فِي أَدَاء الرسَالَة. وَقسم آخر قَالَ الله لجبريل: اقْرَأ على النَّبِي هَذَا الْكتاب فَنزل جِبْرِيل بِكَلِمَة الله من غير تَغْيِير كَمَا يكْتب الْملك كتابا ويسلمه إِلَى أَمِير وَيَقُول اقرأه على فلَان فَهُوَ لَا يُغير مِنْهُ كلمة وَلَا حرفا. قَالَ غَيره الْقُرْآن هُوَ الْقسم الثَّانِي وَالْقسم الأول هُوَ السّنة كَمَا ورد أَن جِبْرِيل كَانَ ينزل بِالسنةِ كَمَا ينزل بِالْقُرْآنِ؛ وَمن هُنَا جَازَ رِوَايَة السّنة بِالْمَعْنَى أَي حَتَّى فِي الْأَحَادِيث القدسية لِأَن جِبْرِيل أدَّاه بِالْمَعْنَى وَلم تجز الْقِرَاءَة بِالْمَعْنَى لِأَن جِبْرِيل أَدَّاهُ بِاللَّفْظِ، وَلم يبح لَهُ أَدَاؤُهُ بِالْمَعْنَى. والسر فِي ذَلِك أَن الْمَقْصُود من الْقُرْآن التَّعَبُّد بِلَفْظِهِ والإعجاز بِهِ فَلَا يقدر أحد أَن يَأْتِي بِلَفْظ يقوم مقَامه، وأنَّ تحتَ كل حرف مِنْهُ مَعَاني لَا يحاط بهَا كَثْرَة، فَلَا يقدر أحد أَن يَأْتِي بدله بِمَا يشْتَمل عَلَيْهِ وَالتَّخْفِيف على الْأمة حَيْثُ جعل الْمنزل إِلَيْهِم على قسمَيْنِ: قسم يرويهِ بِلَفْظِهِ الموحى بِهِ، وَقسم يرويهِ بِالْمَعْنَى، وَلَو جعل كُله مِمَّا يرْوى بِاللَّفْظِ لشَّق أَو بِالْمَعْنَى لم يُؤمن التبديل والتحريف.
وَقد رَأَيْت عَن الزُّهْرِيّ مَا يعضد كَلَام الْجُوَيْنِيّ. وَفِي هَذَا لمن تَأمله أبلغ ردِّ على ذَلِك المتحكم الْمَذْكُور عَنهُ مَا فِي السُّؤَال من أَن الْقُرْآن لفظ النَّبِي ﷺ بِخِلَاف الْأَحَادِيث القدسية فَتَأَمّله. وَالطِّيبِي فَقَالَ: لعلَّ نُزُوله أَي الْقُرْآن عَلَيْهِ ﷺ أَن يتلقفه الْملك عَن الله تلقفاً روحانياً، أَو يحفظه عَن اللَّوْح الْمَحْفُوظ فَينزل بِهِ إِلَيْهِ وَيُلْقِيه عَلَيْهِ. والقطب الرَّازِيّ فِي (حَاشِيَة الْكَشَّاف) فَقَالَ: الْإِنْزَال لُغَة الْأَدَاء بِمَعْنى تَحْرِيك الشَّيْء من علو إِلَى سفل وَكِلَاهُمَا لَا يتحققان فِي الْكَلَام فَهُوَ مُسْتَعْمل فِيهِ فِي معنى مجازي؛ فَمن قَالَ الْقُرْآن معنى قَائِم بِذَات الله تَعَالَى فإنزاله أَن يُوجد الْكَلِمَات والحروف الدَّالَّة على ذَلِك الْمَعْنى ويثبتها فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، وَهَذَا الْمَعْنى مُنَاسِب لكَونه مَنْقُولًا عَن الأول من الْمَعْنيين اللغويين. وَيُمكن أَن يكون المُرَاد بإنزاله إثْبَاته فِي السَّمَاء الدُّنْيَا بعد الْإِثْبَات فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، وَهَذَا مُنَاسِب للمعنى الثَّانِي، وَالْمرَاد بإنزال الكُتب على الرُّسُل أَن يتلقَّفها الْملك من الله تَعَالَى تلقفاً روحانياً أَو يحفظها من اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَينزل بهَا فيلقيها عَلَيْهِم انْتهى. وَالدَّلِيل على أَن جِبْرِيل تلقفه سَمَاعا من الله تَعَالَى حَدِيث الطَّبَرَانِيّ (إِذا تكلم الله بِالْوَحْي أخذت السَّمَاء رَجْفَة شَدِيدَة من خوف الله تَعَالَى فَإِذا سمع بذلك أهل السَّمَاء صعقوا وخروا سجدا، فَيكون أَوَّلهمْ يرفع رَأسه جِبْرِيل فيكلمه الله من وحيه بِمَا أَرَادَ فينتهي بِهِ على الْمَلَائِكَة كلما مرَّ بسماء سَأَلَهُ أَهلهَا مَاذَا قَالَ رَبنَا، قَالَ الْحق فينتهي بِهِ إِلَى حَيْثُ أَمر) . وَيُوَافِقهُ حَدِيث ابْن مرْدَوَيْه (إِذا تكلم الله بِالْوَحْي سمع أهل السَّمَوَات صَلْصَلة كصَلْصلة السلسلة على الصوَّان فيفزعون ويرون أَنه من أَمر السَّاعَة) وأصل الحَدِيث فِي الصَّحِيح. وَصَحَّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ من طرق: (أنزل الْقُرْآن لَيْلَة الْقدر جملَة وَاحِدَة إِلَى بَيت الْعِزَّة فِي سَمَاء الدُّنْيَا ثمَّ نزل بعد ذَلِك بِعشْرين سنة) . وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة عَنهُ (فصل الْقُرْآن من الذّكر فَوضع فِي بَيت الْعِزَّة من السَّمَاء الدُّنْيَا فَجعل جِبْرِيل ينزل بِهِ على النَّبِي ﷺ . وَفِي رِوَايَة للطبراني وَالْبَزَّار عَنهُ (أنزل الْقُرْآن جملَة وَاحِدَة حَتَّى وضع فِي بَيت الْعِزَّة فِي السَّمَاء الدُّنْيَا وَينزل بِهِ جِبْرِيل على مُحَمَّد ﷺ بِجَوَاب كَلَام الْعباد وأعمالهم) . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ أبي شيبَة عَنهُ (دُفع الْقُرْآن إِلَى جِبْرِيل فِي لَيْلَة الْقدر جملَة فَوَضعه فِي بَيت الْعِزَّة ثمَّ جعل ينزله تَنْزِيلا) وَهَذِه كلهَا ظَاهِرَة أَو صَرِيحَة فِيمَا مرَّ أَن اللَّفْظ لَيْسَ لجبريل وَلَا لنبينا مُحَمَّد ﷺ ، وَلِهَذَا كَانَ الْأَصَح من الْخلاف فِي كَيْفيَّة إنزاله من اللَّوْح الْمَحْفُوظ أَنه نزل مِنْهُ إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فِي رَمَضَان لَيْلَة الْقدر جملَة وَاحِدَة ثمَّ بعد ذَلِك نزل مفرَّقاً عشْرين سنة أَو ثَلَاثًا وَعشْرين سنة أَو خمْسا وَعشْرين على حسب الْخلاف فِي مُدَّة إِقَامَته ﷺ بِمَكَّة بعد الْبعْثَة. وَحكى الْقُرْطُبِيّ الْإِجْمَاع على هَذَا القَوْل.
وَمِمَّا يُؤَيّدهُ أَيْضا خبر الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ (أنزل الْقُرْآن بالتنجيم) وَبَينه أحد رُوَاته بقوله: كَهَيئَةِ عذرا نذرا أَي فِي زِيّ الصديقين ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأٌّمْرُ﴾ [الْأَعْرَاف: ٥٤] وَأَشْبَاه هَذَا. وَقَول سُفْيَان الثَّوْريّ
стр. 150
رَضِي الله عَنهُ كَمَا أخرجه عَنهُ ابْن أبي حَاتِم: (لم ينزل وَحي إِلَّا بِالْعَرَبِيَّةِ ثمَّ ترْجم كل نَبِي لِقَوْمِهِ) لَكِن فِيهِ نظر لخَبر. (أول من فتق لِسَانه بِالْعَرَبِيَّةِ إِسْمَاعِيل) . وَأخرج أَحْمد فِي (تَارِيخه) عَن الشّعبِيّ قَالَ: نزل على النَّبِي ﷺ النبوّة وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ سنة فقرن بنبوّته إسْرَافيل ثَلَاث سِنِين فَكَانَ يُعلمهُ الْكَلِمَة وَالشَّيْء وَلم ينزل عَلَيْهِ الْقُرْآن على لِسَانه، فَلَمَّا مَضَت ثَلَاث سِنِين قرن بنبوّته جِبْرِيل فَنزل عَلَيْهِ الْقُرْآن على لِسَانه عشْرين سنة، وَالله الْمُوفق للصَّوَاب.
٢١٩ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن قَول أهل السّنة للْعَبد فِي فعله نوع اخْتِيَار هَل يُعَارض قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ﴾ [الْقَصَص: ٦٨] ؟ فَأجَاب بقوله: لَا يُعَارضهُ؛ فَإِن الِاخْتِيَار إِمَّا بِمَعْنى الْقُدْرَة والإرادة وَهُوَ مَا فِي الْآيَة، وَإِمَّا بِمَعْنى قصد الْفِعْل والميل إِلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي فِي كَلَام أهل السّنة. وَالْحَاصِل أَن الله تَعَالَى خلق للْعَبد قدرَة بهَا يمِيل وَيفْعل فالخلق من الله والميل وَالْفِعْل من العَبْد صادران عَن تَقْدِير الله لَهُ ذَلِك فهما أثر الْخلق وَالْقُدْرَة، فالاختيار الْمَنْسُوب للْعَبد المفسَّر بِمَا ذكر هُوَ أثر الِاخْتِيَار الْمَنْسُوب إِلَى الله تَعَالَى فَافْتَرقَا وَلَا إِنْكَار فِي ذَلِك وَلَا مُعَارضَة لِلْآيَةِ، وَبِهَذَا يتَمَيَّز أهل السّنة عَن فرقتي الْقَدَرِيَّة والجبرية. وَقَالَ الْأَصْفَهَانِي فِي (تَفْسِيره) عِنْد قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الْأَنْعَام: ١١٠] : اعْلَم أَن كل فعل صدر من العَبْد بِالِاخْتِيَارِ فَلهُ اعتباران إنْ نظرت إِلَى وجوده وحدوثه وَمَا هُوَ عَلَيْهِ من وُجُوه التَّخْصِيص فانسب ذَلِك إِلَى قدرَة الله تَعَالَى وإرادته لَا شريك لَهُ، وَإِن نظرت إِلَى تَمْيِيزه عَن القَسْري الضَّرُورِيّ فانسبه من هَذِه الْجِهَة إِلَى العَبْد وَهِي النِّسْبَة الْمعبر عَنْهَا شرعا بِالْكَسْبِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم وَلَا تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ١٣٤] وَقَوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] وَهِي المحققة أَيْضا، إِذا فرضت فِي ذهنك الحركتين الاضطرارية كالرعشة والاختيارية فَإنَّك تميز بَينهمَا لَا محَالة بِتِلْكَ النِّسْبَة. فَإِذا تقرر تعداد الِاعْتِبَار فمذهبهم فِي الطغيان مَخْلُوق لله تَعَالَى فإضافته إِلَيْهِم من حَيْثُ كَونه وَاقعا مِنْهُم على وَجه الِاخْتِيَار الْمعبر عَنهُ بِالْكَسْبِ إِضَافَة إِلَيْهِم انْتهى.
٢٢٠ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: مَا مُحَصل الْكَلَام فِي بَعثه ﷺ إِلَى الْمَلَائِكَة وَدَلِيل كل من الْجَواب عَنهُ أَو لَا؟ فَأجَاب بقوله: للْعُلَمَاء فِي ذَلِك قَولَانِ. أَحدهمَا: أَنه لم يبْعَث إِلَيْهِم، وَبِه جزم الْحَلِيمِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من إئمتنا ومحمود بن حَمْزَة الْكرْمَانِي من الْحَنَفِيَّة. وَنقل الرَّازِيّ والنسفي فِي تفسيريهما الْإِجْمَاع عَلَيْهِ لَكِن بِصِيغَة مُحْتَملَة لِأَن يكون المُرَاد بِهِ إِجْمَاع الْخَصْمَيْنِ على أَنَّهُمَا ليسَا مِمَّن يعْتَمد عَلَيْهِمَا فِي نقل الْإِجْمَاع كَمَا بَينه بعض الْمُحَقِّقين، وَجزم بِهِ من الْمُتَأَخِّرين الْحَافِظ الزين الْعِرَاقِيّ والجلال الْمحلى. وَالثَّانِي: أَنه مَبْعُوث إِلَيْهِم وَرجحه التقي السُّبْكِيّ وَزَاد: أَنه ﷺ مُرْسل إِلَى جَمِيع الْأَنْبِيَاء والأمم السَّابِقَة، وَأَن قَوْله: (بعثت إِلَى النَّاس كَافَّة) شَامِل لَهُم من لدن آدم إِلَى قيام السَّاعَة وَرجحه أَيْضا الْبَارِزِيّ وَزَاد أَنه مُرْسل إِلَى جَمِيع الْحَيَوَانَات والجمادات، وَاسْتدلَّ بِشَهَادَة الضبّ لَهُ بالرسالة وَشَهَادَة الشّجر وَالْحجر لَهُ. قَالَ الْجلَال السُّيُوطِيّ: وَأَنا أَزِيد على ذَلِك أَنه مُرْسل إِلَى نَفسه، وَاسْتدلَّ الْجلَال لِلْقَوْلِ الثَّانِي مَعَ أَنه تنَاقض كَلَامه فِي كتبه فتبع فِي بَعْضهَا الْقَائِل بالأوّل وَفِي بَعْضهَا الْقَائِلين بِالثَّانِي بِأُمُور لَا يَخْلُو أَكْثَرهَا عَن نظر وَاضح. مِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الْفرْقَان: ١] وَالْعَالمِينَ شَامِل للْمَلَائكَة، فإخراجهم مِنْهُ يحْتَاج إِلَى دَلِيل وَلم يُوجد وَدَعوى الْإِجْمَاع مَرْدُودَة. وَمِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّى إِلَاهٌ مِّن دُونِهِ فَذالِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٢٩] المُرَاد الْمَلَائِكَة كَمَا قَالَه أَئِمَّة التَّفْسِير، وحينئذٍ فَهَذِهِ الْآيَة إنذار لَهُم على لِسَانه ﷺ فِي الْقُرْآن الَّذِي أنزل عَلَيْهِ، وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَاذَا الْقُرْءَانُ لاٌّنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الْأَنْعَام: ١٩] وَقد بلغ الْمَلَائِكَة فَثَبت بذلك إرْسَاله إِلَيْهِم، وَحِكْمَة إرْسَاله إِلَيْهِم وَاضِحَة لِأَن غَالب الْمعاصِي رَاجِعَة للبطن والفرج وَذَلِكَ مُمْتَنع عَلَيْهِم من حَيْثُ الْخلقَة فاستغنى عَن إِنْذَارهم فِيهِ، وَلما وَقع من إِبْلِيس لَعنه الله وَكَانَ مِنْهُم أَو فيهم نَظِير هَذِه الْمعْصِيَة أنذروا فِيهَا.
وَمِنْهَا: أَن كثيرا من الْآثَار وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَغَيرهَا تدل على أَن الْمَلَائِكَة مِنْهُم من تصلي فِي السَّمَاء بصلاتنا وَيُؤذن بأذاننا، وَمِنْهُم من ينزل ويحضر صَلَاة الْفجْر وَالْعصر ويصليهما مَعنا فِي مَسَاجِدنَا.
وَمِنْهَا: مَا أخرجه سعيد بن مَنْصُور وَابْن أبي شيبَة وَالْبَيْهَقِيّ عَن سلمَان الْفَارِسِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَوْقُوفا، وَالْبَيْهَقِيّ من وَجه آخر عَن سلمَان مَرْفُوعا قَالَ: (إِذا كَانَ الرجل فِي أَرض فَأَقَامَ الصَّلَاة صلى خَلفه ملكان فَإِذا أذن وَأقَام صلى خَلفه من الْمَلَائِكَة مَا لَا يرى طرفاه يَرْكَعُونَ بركوعه ويسجدون بسجوده ويؤمنون على دُعَائِهِ) وَفِي رِوَايَة عَن ابْن الْمسيب
стр. 151
(صلى خَلفه من الْمَلَائِكَة أَمْثَال الْجبَال) فكونهم يصلونَ خلف صَلَاتنَا دَلِيل على أَنهم مكلفون بشرعنا كَذَا قَالَ الْجلَال، ثمَّ قَالَ: ويرشحه مَا ذكره السُّبْكِيّ فِي (الحلبيات) : أَن الْجَمَاعَة تحصل بِالْمَلَائِكَةِ كَمَا تحصل بالآدميين، ثمَّ اسْتدلَّ بإفتاء الحناطي فِيمَن صلى فِي فضاء من الأَرْض بِأَذَان وَإِقَامَة وَكَانَ مُنْفَردا ثمَّ حلف أَنه صلى جمَاعَة لم يَحْنَث للْحَدِيث الْمَذْكُور، وَمَا ذكره الْأَصْحَاب أَنه يسْتَحبّ للْمُصَلِّي إِذا سلم أَن يَنْوِي السَّلَام على مَنْ على يَمِينه من الْمَلَائِكَة ومؤمني الْإِنْس وَالْجِنّ. قلت: فِي دلَالَة ذَلِك كُله على الْمُدَّعِي نظر وَاضح. إِذْ هَذِه الْمُوَافقَة من الْمَلَائِكَة لَا تَقْتَضِي إرْسَالًا وَلَا عَدمه كَمَا هُوَ وَاضح. وَمِنْهَا: مَا أخرجه الْبَزَّار عَن عَليّ كرم الله وَجهه قَالَ: (لما أَرَادَ الله أَن يعلم رَسُوله ﷺ الْأَذَان أَتَاهُ جِبْرِيل بداية يُقَال لَهَا الْبراق) فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ: خرج ملك من الْحجاب فَقَالَ: الله أكبر الله أكبر إِلَى أَن قَالَ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله إِلَى أَن قَالَ الخ (فَأخذ بيد مُحَمَّد ﷺ فقدمه وَأمر أهل السَّمَوَات أَن يأتموا بِهِ فحينئذٍ أكمل الله لمُحَمد الشّرف على أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض) وَأخرج أَبُو نعيم عَن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة ﵁ مثله، وَفِيه (فَقَالَ الْملك حيَّ على الصَّلَاة، فَيَقُول الله: صدق عَبدِي دَعَا إِلَى فريضتي) فَفِي شَهَادَة الْملك لَهُ بالرسالة مُطلقًا، وَقَوله: (دَعَا إِلَى فريضتي) الدَّال على أَنَّهَا فُرضت على أهل السَّمَاء كَمَا فُرضت على أهل الأَرْض، وإقامته لأهل السَّمَاء وَصَلَاة الْمَلَائِكَة بأسرهم خَلفه، وَكَمَال الشّرف لَهُ على أهل السَّمَاء دَلِيل بعثته لَهُم، وَأَن الصَّلَاة فُرِضَتْ عَلَيْهِم كَمَا فُرضت على أهل الأَرْض، وعَلى أَن الْمَلَائِكَة من جملَة أَتْبَاعه إذْ من جُملة كَمَال الشّرف لَهُ بعثته إِلَيْهِم، كَمَا أَن جملَة شرفه على أهل الأَرْض إرْسَاله إِلَيْهِم أَجْمَعِينَ. وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه قَوْله ﷺ : (لما أسرى بِي إِلَى السَّمَاء أذنَّ جِبْرِيل فظنَّتْ الْمَلَائِكَة أَنه يُصَلِّي بهم فَقَدَّمَنِي فصليتُ بِالْمَلَائِكَةِ) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي نعيم (نزل آدم بِأَرْض الْهِنْد فاستوحش فَنزل جِبْرِيل فَنَادَى بِالْأَذَانِ وَمن جملَته أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله مرَّتَيْنِ) فَهَذِهِ شَهَادَة من جِبْرِيل برسالة مُحَمَّد ﷺ مرَّتَيْنِ وَعلمهَا لآدَم ﵊ فَدلَّ على إرْسَاله للأنبياء وَالْمَلَائِكَة مَعًا. وَجَاء عَن سَبْعَة صحابة (أَنه ﷺ أخبر أَنه مَكْتُوب على الْعَرْش وعَلى كل سَمَاء وعَلى بَاب الْجنَّة وأوراقها: لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله) فكتابة اسْمه فِي الملكوت الْأَعْلَى دون أَسمَاء سَائِر الْأَنْبِيَاء إِنَّمَا هُوَ لتشهد بِهِ الْمَلَائِكَة وَيكون مُرْسلا إِلَيْهِم. وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن كَعْب (أَن آدم أوصى ابْنه شَيْئا عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام فَقَالَ: كلما ذَكَرْتَ الله فاذكر إِلَى جنبه اسْم مُحَمَّد فَإِنِّي رَأَيْت اسْمه مَكْتُوبًا على سَاق الْعَرْش وَأَنا بَين الرّوح والطين ثمَّ إِنِّي طُوِّفت فَلم أر فِي السَّمَاء موضعا إِلَّا رَأَيْت اسْم مُحَمَّدًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ، وَلم أر فِي الْجنَّة قصراً وَلَا غرفَة إِلَّا وَرَأَيْت اسْم مُحَمَّد ﷺ مَكْتُوبًا عَلَيْهِ، وَلَقَد رَأَيْت اسْم مُحَمَّد ﷺ مَكْتُوبًا على نحور الْعين، وعَلى قضبان اجام الْجنَّة، وعَلى ورق شَجَرَة طُوبَى، وعَلى ورق سِدْرَة الْمُنْتَهى، وعَلى أَطْرَاف الْحجب، وَبَين أعين الْمَلَائِكَة، فَأكْثر ذكره فَإِن الْمَلَائِكَة تذكره فِي كل ساعاتها) فَهَذَا يدل على أَنه نَبِي للْمَلَائكَة حَيْثُ لم تغفل ذكره. وَفِي هَذَا الْأَثر فَائِدَة لَطِيفَة هِيَ أَنه ﷺ أرسل إِلَى الْحور الْعين وَإِلَى الْولدَان. وَصَحَّ كَذَلِك أَنه لم يدْخل أحد الْجنَّة وَلم يسْتَقرّ بهَا مِمَّن خلق فِيهَا إِلَّا من آمن بِهِ ﷺ ، وَلَعَلَّ من فَوَائِد الْإِسْرَار ودخوله الْجنَّة تَبْلِيغ جَمِيع من فِي السَّمَوَات من الْمَلَائِكَة وَمن فِي الْجنان من الْحور الْعين والولدان، وَمن فِي البرزخ من الْأَنْبِيَاء رسَالَته ليؤمنوا بِهِ ويصدقوه فِي زَمَنه مشافهة بعد أَن كَانُوا مُؤمنين بِهِ قبل وجوده. وَمِنْهَا: أَن السُّبْكِيّ رَحْمَة الله قد بَين فِي تأليف لَهُ أَنه ﷺ أرسل إِلَى جَمِيع الْأَنْبِيَاء آدم فَمن بعده، وَاسْتدلَّ بِخَبَر (كنت نَبيا وآدَم بَين الرّوح والجسد) وبخبر (بعثت إِلَى النَّاس كَافَّة) وَلِهَذَا أَخذ الله المواثيق على الْأَنْبِيَاء، ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَآءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [آل عمرَان: ٨١] وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ فِي الْآيَة قَالَ: (لم يبْعَث الله نَبيا قطّ من لدن نوح إِلَّا أَخذ الله ميثاقه ليُؤْمِنن بِمُحَمد) . قَالَ السُّبْكِيّ: عرفنَا بالْخبر الصَّحِيح حُصُول الْكَمَال من قبل خلق آدم لنبينا ﷺ من ربه سُبْحَانَهُ، وَأَنه أعطَاهُ النبوّة من ذَلِك الْوَقْت ثمَّ أَخذ لَهُ المواثيق على الْأَنْبِيَاء ليعلموا أَنه الْمُقدم عَلَيْهِم، وَأَنه نَبِيّهم ورسولهم فَهُوَ ﷺ نَبِي الْأَنْبِيَاء، وَلِهَذَا كَانُوا فِي الْآخِرَة تَحت لوائه وَفِي الدُّنْيَا كَذَلِك لَيْلَة الْإِسْرَاء وَلَو اتّفق مَجِيئه
стр. 152
فِي زمنهم لَزِمَهُم وأممهم الْإِيمَان ونصرته كَمَا أَخذ الله عَلَيْهِم الْمِيثَاق بذلك مَعَ بقائهم على نبوتهم ورسالتهم إِلَى أممهم فنبوّته إِلَيْهِم ورسالته إِلَيْهِم معنى حَاصِل لَهُ، وَإِنَّمَا أمره يتَوَقَّف على اجْتِمَاعهم مَعَه فَتَأَخر ذَلِك الْأَمر رَاجع إِلَى وجودهم لَا لعدم اتصافه بِمَا يَقْتَضِيهِ فنبوّته ورسالته أَعم وَأعظم وشريعته مُوَافقَة لشريعتهم فِي الْأُصُول لِأَنَّهَا لَا تخْتَلف، وَتقدم شَرِيعَته فِيمَا عساه يَقع الِاخْتِلَاف فِيهِ من الْفُرُوع أما على سَبِيل التَّخْصِيص أَو النّسخ أَو أَولا وَلَا بل تكون شَرِيعَته فِي تِلْكَ الْأَوْقَات بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُولَئِكَ الْأُمَم مَا جَاءَت بِهِ أنبياءهم. وَفِي هَذَا الْوَقْت بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِه الْأمة هَذِه الشَّرِيعَة وَالْأَحْكَام تخْتَلف باخْتلَاف الْأَشْخَاص والأوقات انْتهى حَاصِل كَلَام السُّبْكِيّ، وَإِذا تقرر أَنه نَبِي الْأَنْبِيَاء وَرَسُول إِلَيْهِم، وَقد قَامَت الْأَدِلَّة على أَن الْأَنْبِيَاء أفضل من الْمَلَائِكَة لزم أَن يكون مُرْسلا للْمَلَائكَة وَأَن يَكُونُوا من جملَة أَتْبَاعه بطرِيق الأولى وَمِنْهَا اخْتِصَاصه على سَائِر الْأَنْبِيَاء بِأُمُور من الْمَلَائِكَة كقتالهم مَعَه ومشيهم خلف ظَهره إِذا مَشى الدَّال على أَنهم من جملَة أَتْبَاعه وداخلون فِي شَرعه وتأييده كَمَا فِي الحَدِيث بأَرْبعَة زراء اثْنَيْنِ من أهل السَّمَاء واثنين من أهل الأَرْض، فاللذان من أهل السَّمَاء جِبْرِيل وَمِيكَائِيل واللذان من أهل الأَرْض أَبُو بكر وَعمر ﵄، والوزير من أَتبَاع الْملك ضَرُورَة فجبريل وَمِيكَائِيل رُؤَسَاء أهل مِلَّته من الْمَلَائِكَة كَمَا أَن أَبَا بكر وَعمر ﵄ رُؤَسَاء مِلَّته من بني آدم، وصلاتهم عَلَيْهِ بعد مَوته بأسرهم لم يتَخَلَّف مِنْهُم أحد وحضورهم لأمته إِذْ قَاتلُوا فِي سَبِيل الله لنصرة دينه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَحُضُور جِبْرِيل موت أمته ليطرد عَنْهُم الشَّيْطَان حينئذٍ، ونزولهم كل لَيْلَة قدر عَلَيْهِم وسلامهم عَلَيْهِم وأعطاؤهم قِرَاءَة سُورَة الْفَاتِحَة من كِتَابه مَعَ حرصهم على سَماع بَقِيَّة الْقُرْآن من الْإِنْس وَلم يرد ذَلِك لشَيْء من الْكتب، ونزول إسْرَافيل ﵊، وَلم ينزل إِلَى الأَرْض قبل ذَلِك وَلَا بعده واستئذان ملك الْمَوْت عَلَيْهِ دون غَيره، وَقيام ملك على قَبره المكرم ليبلغه صَلَاة الْمُصَلِّين عَلَيْهِ، وَأَنه ينزل على قَبره الشريف كل يَوْم سَبْعُونَ ألف ملك يحفونَ بِهِ ويضربونه بأجنحتهم وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ وَيصلونَ عَلَيْهِ إِلَى أَن يمسوا، فَإِذا أَمْسوا عرجوا وَهَبَطَ سَبْعُونَ ألف ملك كَذَلِك حَتَّى يصبحوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة خرج ﷺ فِي سبعين ألف ملك أخرجه ابْن المبابك عَن كَعْب.
٢٢١ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ عَن النِّسَاء يرين الله فِي الْموقف كالرجال؟ فَأجَاب بقوله: نعم، بل قَالَ جمع من أهل السّنة أَنَّهَا تحصل لِلْمُنَافِقين فِي الْموقف، وَجمع أَنَّهَا تحصل للْكَافِرِينَ، ثمَّ يحجبون عَنهُ، وَأما الرُّؤْيَة فِي الْجنَّة، فأجمع أهل السّنة أَنَّهَا حَاصِلَة للأنبياء وَالرسل وَالصديقين من كل أمة وَرِجَال الْمُؤمنِينَ من الْبشر من هَذِه الْأمة، وَاخْتلف فِي نسَاء هَذِه الْأمة، فَقيل لَا يرين لِأَنَّهُنَّ مقصورات فِي الْخيام، وَلم يرد تَصْرِيح برؤيتهن، وَقيل: يرين لعُمُوم النُّصُوص، وَقيل: يرين فِي مثل أَيَّام الأعياء الَّتِي كَانَت فِي الدُّنْيَا كَيَوْم الْجُمُعَة، فَإِن التجلي فِيهَا عَام، وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ حَدِيث إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة رأى الْمُؤْمِنُونَ رَبهم وَفِيه، وَيَرَاهُ الْمُؤْمِنَات يَوْم الْفطر والأضحى.
٢٢٢ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: هَل الْمَلَائِكَة يرَوْنَ الله تَعَالَى؟ فَأجَاب بقوله: ذكر الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام أَنهم لَا يرونه، وَأطَال فِي ذَلِك الِاسْتِدْلَال لَهُ، وَتَبعهُ جمَاعَة ورد بِنَصّ أَمَام أهل السّنة الشَّيْخ أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ ﵁ على أَنهم يرونه ذكره فِي كِتَابه الْإِبَانَة فِي أصُول الدّيانَة، وَتَبعهُ الْبَيْهَقِيّ وَأخرجه بِسَنَدِهِ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَعَن صَحَابِيّ غَيره، وَجرى عَلَيْهِ ابْن الْقيم، والجلال البُلْقِينِيّ، وَفِي حَدِيث صَححهُ الْحَاكِم أَن جِبْرِيل مَا رأى ربه قطّ قبل سُجُود النَّبِي ﷺ بَين يَدي رَبًّا فِي الْموقف، وَلَا يلْزم مِنْهُ عدم رُؤْيَته بعد ذَلِك، وَلَا عدم رُؤْيَة غَيره من بَقِيَّة الْمَلَائِكَة وَالْقَوْل بتخصيص رُؤْيَة جِبْرِيل سَاقِط. قَالَ الْجلَال البُلْقِينِيّ: وَإِذا قَالَ ابْن عبد السَّلَام أَن الْمَلَائِكَة لَا يرَوْنَ، فالجن أولى، وَقد يتَوَقَّف فِي الْأَوْلَوِيَّة لِأَن الْإِيمَان فِي عرف الشَّرْع يَشْمَل مؤمني الثقلَيْن، ثمَّ قرر ثُبُوت الرُّؤْيَة للْمَلَائكَة، ثمَّ قَالَ: وعَلى مُقْتَضى اسْتِدْلَال الْأَئِمَّة ثُبُوت الرُّؤْيَة لمؤمني الْجِنّ.
٢٢٣ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن مؤمني الْأُمَم السَّابِقَة هَل يرَوْنَ الله كهذه الْأمة أَو لَا؟ فَأجَاب: بقوله فيهم احْتِمَالَانِ: لِابْنِ أبي جَمْرَة الْمَالِكِي وَقَالَ الْأَظْهر مساواتهم لهَذِهِ الْأمة فِي الرُّؤْيَة، وَمِمَّا يُؤَيّد ذَلِك الحَدِيث الصَّحِيح خلافًا لمن وهم فِيهِ أَن الله يتجلى لِلْخَلَائِقِ عَامَّة، وَفِي رِوَايَة للنَّاس، ويتجلى لأبي بكر ﵁ خَاصَّة) ، وَفِي رِوَايَة الْخَلَائق تأييد للراجح أَن الْمَلَائِكَة يرَوْنَ، وَكَذَا الْجِنّ وَالنِّسَاء إِلَّا أَن تكون الرُّؤْيَة فِي الْموقف، فَإِنَّهَا شَامِلَة
стр. 153
لكل أحد، وَلَا كَلَام فِيهَا فحينئذٍ لَا دلَالَة فِيهِ على رُؤْيَة ذكر فِي الْجنَّة.
٢٢٤ - وَسُئِلَ ﵁: هَل تجوز رُؤْيَة الْمَلَائِكَة؟ فَأجَاب بقوله: نعم كَمَا جَاءَ فِي أَحَادِيث. مِنْهَا: حَدِيث أَحْمد وَغَيره عَن أَنْصَارِي (أَنه رأى النَّبِي ﷺ وَمَعَهُ رجل يكلمهُ فَأطَال، فَلَمَّا انْصَرف سَأَلَ النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك الرجل؟ فَقَالَ أَو قد رَأَيْته؟ قَالَ: نعم، قَالَ: أَتَدْرِي من هُوَ؟ قلت: لَا، قَالَ: ذَاك جِبْرِيل مَا زَالَ يوصيني بالجار حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيورثه، ثمَّ قَالَ: أما إِنَّك لَو سلمت عَلَيْهِ لرد عَلَيْك السَّلَام) . وَحَدِيث أبي مُوسَى الْمَدِينِيّ عَن تَمِيم بن سَلمَة (أَنه رأى رجلا منصرفاً من عِنْد رَسُول الله ﷺ مُعتماً بعمامة أرسلها مِنْ وَرَائه فَقَالَ: يَا رَسُول الله مَن هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيل) . وَحَدِيث أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن حَارِثَة بن النُّعْمَان (أَنه مرَّ وَمَعَ النَّبِي ﷺ جِبْرِيل فَسلم ثمَّ قَالَ لَهُ ﷺ : هَل رَأَيْت من كَانَ معي؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيل وَقد رد عَلَيْك السَّلَام) . وَحَدِيث أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ أَن ابْن عَبَّاس ﵄ رَآهُ كَذَلِك. وَفِي رِوَايَة عَنهُ (رَأَيْت جِبْرِيل مرَّتَيْنِ) . وَحَدِيث أبي بكر بن أبي دَاوُد (كَانَ أَبُو بكر يسمع مُنَاجَاة جِبْرِيل للنَّبِي ﷺ . وَحَدِيث الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن مُحَمَّد بن مسلمة ﵁ (أَنه مر بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ وَاضع خَدّه على خد رجل فَلم يسلم، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : مَا مَنعك أَن تسلم؟ قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله رَأَيْتُك فعلت بِهَذَا الرجل شَيْئا لم تَفْعَلهُ بِأحد من النَّاس فكرهتُ أَن أقطع عَلَيْك حَدِيثك، فَمن كَانَ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: جِبْرِيل) . وَحَدِيث الْحَاكِم عَن عَائِشَة ﵂ (أَنَّهَا رَأَتْ جِبْرِيل وَاقِفًا بحجرتها وَرَسُول الله ﷺ يناجيه) . وَفِي حَدِيث الشَّيْخَيْنِ فِي قَضِيَّة أسيد بن حضير ﵁ (لما قَرَأَ الْقُرْآن فخالجتْ فرسه فَسكت فسكتَتْ فَعَاد فَعَادَت فَرفع رَأسه فَرَأى مثل الظلَّة فِيهَا مثل المصابيح عرجت إِلَى السَّمَاء، فَلَمَّا أصبح حدّث النَّبِي ﷺ بذلك؟ فَقَالَ: تِلْكَ الْمَلَائِكَة وثَبتْ لصوتك وَلَو رَأَتْ النَّاس تنظر إِلَيْهَا لَا تتوارى عَنْهُم) وَجَاء فِي عدَّة طرق: (أَن كثيرا من الصَّحَابَة ﵃ رَأَوْا الْمَلَائِكَة الَّذين قَاتلُوا يَوْم بدر) . وَأخرج ابْن سعد وَالْبَيْهَقِيّ (أَن حَمْزَة قَالَ: يَا رَسُول الله أَرِنِي جِبْرِيل فِي صورته؟ قَالَ: اقعد، فَنزل جِبْرِيل على خَشَبَة كَانَت فِي الْكَعْبَة فَقَالَ النَّبِي ﷺ : ارْفَعْ طرفك وَانْظُر فَرفع طرفه فَرَأى قَدَمَيْهِ مثل الزبرجد الْأَخْضَر) .
٢٢٥ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: لم وَقعت رُؤْيَة الله فِي الْآخِرَة لَا فِي الدُّنْيَا؟ فَأجَاب بقوله: سَبَب ذَلِك كَمَا أَفَادَهُ الإِمَام مَالك ﵁ ضعف قوى أهل الدُّنْيَا عَن ذَلِك بخلافهم فِي الْآخِرَة فَإِنَّهُم خلقُوا للبقاء، وخُصَّ نَبينَا ﷺ بِالرُّؤْيَةِ لَيْلَة الْإِسْرَاء بِعَين بَصَره على الْأَصَح كَرَامَة لَهُ.
٢٢٦ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن النِّسَاء أَيْضا هَل يرين ربهن؟ فَأجَاب بقوله: لَا يرين لعدم دَلِيل خَاص فِيهِنَّ، وَقيل يرين لدخولهم فِي الْعُمُوم، وَقيل: يرين فِي الأعياد خَاصَّة وَلَا يرين مَعَ الرِّجَال فِي أعياد الْجمع، وَرجح لحَدِيث فِيهِ وَبِه جزم ابْن رَجَب، وَاسْتثنى الْجلَال السُّيُوطِيّ سَائِر الصدّيقات فَقَالَ: إنَّهُنَّ يرين مَعَ الرِّجَال كَرَامَة لَهُنَّ.
٢٢٧ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة وَالْعشرَة المبشرين بِالْجنَّةِ هَل يخَافُونَ وَلَا يأمنون المَكْر أَو لَا يخَافُونَ ويأمنون الْمَكْر؟ فَإِن قُلْتُمْ يخَافُونَ وَلَا يأمنون فَمَاذَا يلْزم من قَالَ إِنَّهُم لَا يخَافُونَ ويأمنون، وَأَن النَّبِي ﷺ آمن غير خَائِف، وَكَذَلِكَ الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ بعد إخْبَاره بِأَن ذَلِك لَا يجوز أَن ينْسب إِلَيْهِم؟ فَأجَاب بقوله: زعم نفي الْخَوْف وَإِثْبَات الْأَمْن بإطلاقهما عَمَّن ذكر بَاطِل مصادم للنصوص، وَرُبمَا أفْضى بِصَاحِبِهِ سِيمَا إنْ قُلْنَا لَازم الْمَذْهَب لَازم إِلَى كَبِير مَحْذُور وأحظر غرور فَلَا يلْتَفت لزاعم ذَلِك وَلَا يُعوَّل عَلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ لم يذكر قطّ دُعَاء التَّشَهُّد الْآتِي وَلم يفهم حَقِيقَة الْخَوْف وَلَا أحَاط علما بِكَلَام الْأَئِمَّة عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا اغترَّ بِمُجَرَّد مخيلة زَينتْ لَهُ سوء عمله فَرَآهُ حسنا، وَبَيَان بطلَان مقَالَته من وُجُوه: الأول: أَن حَقِيقَة الْخَوْف كَمَا فِي الْإِحْيَاء تألُّم الْقلب واحتراقُهُ بِحَسب توقع مَكْرُوه فِي الْمُسْتَقْبل، ثمَّ قسم ذَلِك الْمَكْرُوه إِلَى أَقسَام. مِنْهَا: خوف ضعف الْقُوَّة عَن الْوَفَاء بِتمَام حُقُوق الله أَي على مَا يَنْبَغِي لَهُ ويليق بمقام ذَلِك الْخَائِف وَالْخَوْف بِهَذَا الْمَعْنى يتَحَقَّق قطعا فِي الْأَنْبِيَاء بل كَمَاله لنبينا ﷺ لَا يُنكر ذَلِك إِلَّا مَنْ لم يشمُّ لِلْإِسْلَامِ رَائِحَة، وَيلْزم من تحقق الْأَنْبِيَاء بِهَذِهِ الْمرتبَة تحققهم بِعَدَمِ الْأَمْن من الْمَكْر إذْ من جملَة أقسامه كَمَا هُوَ وَاضح أَضْعَاف الْقُوَّة عَن ذَلِك.
وَلَا شكّ عِنْد من لَهُ أدنى مسكة من فهم أنَّ كلَّ
стр. 154
كَامِل نَبِي أَو غَيره غيرُ آمن من مكر الله تَعَالَى أَن يُضعفهُ وينزله عَن كَمَال مرتبته إذْ لَا قَاطع بل وَلَا ظَنِّي يسْتَند إِلَيْهِ فِي الْأَمْن من ذَلِك، وَإِنَّمَا الْمَأْمُون الانسلاخ عَن النبوّة أَو الملكية أَو الْإِيمَان فِي الْعشْرَة الْمَذْكُورين على أَن الْأَمْن من الانسلاخ عَن الملكية غير وَاقع لِأَنَّهُ عهد انسلاخ الْمَلَائِكَة عَنْهَا بل عَن الْإِيمَان كَمَا وَقع لإبليس اللعين بِنَاء على الْأَصَح كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ أَنه من الْمَلَائِكَة كَمَا هُوَ ظَاهر الْقُرْآن، وَأول كَونه من الْجِنّ بتأويلات: مِنْهَا: أَن نوعا من الْمَلَائِكَة يسمون بذلك. الثَّانِي: أَنه فِي الْإِحْيَاء لَازم بَين الْعلم وَالْخَوْف وَالتَّقوى حَيْثُ جعل الْخَوْف ثَمَرَة الْعلم وَالتَّقوى ثَمَرَة الْخَوْف وَلَا شكّ أَن كَمَال الْعلم وَالتَّقوى للأنبياء فَمن دونهم فَكَذَا كَمَال الْخَوْف. وَأَيْضًا الرَّجَاء وَالْخَوْف متلازمان، فإنَّ كلَّ من رجا محبوباً فَلَا بُد وأنْ يخَاف فَوته وَإِلَّا فَهُوَ لَا يُحِبهُ، فاستحال انفكاك أَحدهمَا عَن الآخر وَإِن أمكن غَفلَة الْقلب عَن استشعار أَحدهمَا. فَإِن قلت: ذكر فِيهِ أَيْضا أَن من شَرط الرَّجَاء وَالْخَوْف تعلقهما بِمَا هُوَ مَشْكُوك فِيهِ إذْ الْمَعْلُوم لَا يُرجى وَلَا يُخاف وَهَذَا فِيهِ تأييد لذَلِك الزَّعْم، لِأَن أُولَئِكَ الكُمَّل على بَيِّنَة مِنْ رَبهم ويقين من أَمرهم؟ قلت: لَا تأييد فِيهِ لذَلِك الزَّعْم بِوَجْه بل هُوَ حجَّة عَلَيْهِ، لِأَن الْمَعْنى السَّابِق الَّذِي مرَّ أنَّ حَقِيقَة الْخَوْف أَمر مشكُوك فِيهِ لم يقم قَاطع على ثُبُوت غَايَته وَلَا حدَّ بِخُصُوصِهِ وَلَا على انتفائهما عَنهُ، وَإِنَّمَا وَظِيفَة الكمل وَإِن بلغ كمالهم الْغَايَة أَنهم يرجون ذَلِك وَيَخَافُونَ من عَدمه، وَالَّذِي هم فِيهِ على يَقِين هُوَ أصل الْكَمَال على أَنه قد يعتري قلوبَهم من استشعار قُدْرته واستغنائه عَن خلقه، وَأَنه لَا يُسْئل عَمَّا يفعل وَلَا يجب عَلَيْهِ لأحد شَيْء، وَأما مَا وعدهم أَو أخْبرهُم بِهِ فمشروط بِمَا انطوى علمه عَنْهُم، وَهَذَا يُوجب لَهُم الْخَوْف حَتَّى مِنْ سَلْب أصل كمالهم وَكَلَام الْغَزالِيّ الْآتِي صَرِيح فِي هَذَا. الثَّالِث: أَن زيد بن أسلم قَالَ: الشَّافِعِي ﵁ وَكَانَ من الْعَالمين بِالْقُرْآنِ جعل الْمَلَائِكَة داخلين فِي قَوْله: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الْأَعْرَاف: ٩٩] الْآيَة. أخرج ابْن أبي حَاتِم عَنهُ (إِن الله ﵎ قَالَ للْمَلَائكَة مَا هَذَا الْخَوْف الَّذِي بلغ بكم وَقد أنزلتكم الْمنزلَة الَّتِي لم أنزلهَا غَيْركُمْ؟ قَالُوا رَبنَا لم يَأْمَن مكرك إِلَّا الْقَوْم الخاسرون) . الرَّابِع: أَنه صرح فِي (الْإِحْيَاء) تَصْرِيحًا لَا يقبل تَأْوِيلا بِأَن الْأَنْبِيَاء يخَافُونَ وَلَا يأمنون الْمَكْر حَيْثُ قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ خوف الْأَنْبِيَاء مَعَ مَا فاض عَلَيْهِم من النعم لأَنهم لم يأمنوا مكر الله وَلَا يَأْمَن مكر الله إِلَّا الْقَوْم الخاسرون حَتَّى رُوِيَ (أَن النَّبِي ﷺ وَجِبْرِيل ﵇ بكيا خوفًا من الله ، فَأوحى الله إِلَيْهِمَا لم تبكيان وَقد أمَّنتكما؟ فَقَالَا: وَمن يَأْمَن مكرك) وكأنهما إذْ علما أَن الله علام الغيوب وأنهما لَا وقُوف لَهما على غَايَة الْأُمُور لم يأمنا أَن يكون قَوْله: قد أمنتكما ابتلاء وامتحاناً ومكرا بهما، حَتَّى إنْ سكن خوفهما بَان أَنَّهُمَا قد أمِنا من المكْر وَمَا وَفيَا بقولهمَا، ثمَّ قَالَ: وَهَذَا كَمَا أخبر عَن مُوسَى ﷺ حَيْثُ قَالَ: ﴿قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَى﴾ [طه: ٤٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَخَافَآ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] وَمَعَ هَذَا لما ألْقى السَّحَرَة سحرهم ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأٌّعْلَى﴾ [طه: ٦٨] إذْ لم يَأْمَن من مكر الله وَالْتِبَاس الْأَمر عَلَيْهِ حَتَّى جدد عَلَيْهِ الْأَمْن، وَقيل لَهُ: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأٌّعْلَى﴾ [طه: ٦٨] وَلما ضعفتْ شَوْكة الْمُسلمين يَوْم بدر قَالَ النَّبِي ﷺ : (اللَّهُمَّ إِن تهْلك هَذِه الْعِصَابَة لم يبْق على وَجه الأَرْض أحد يعبدك فَقَالَ أَبُو بكر ﵁ دع مُنَاشَدَتك رَبك فَإِنَّهُ واف لَك بِمَا وَعدك) فَكَانَ مقَام الصّديق مقَام الثِّقَة بوعد الله وَكَانَ مقَام رَسُول الله ﷺ مقَام الْخَوْف من مكر الله وَهُوَ لَا يصدر إِلَّا عَن كَمَال الْمعرفَة بأسرار الله وخفايا أَفعاله ومعاني صِفَاته الَّتِي يعبر عَن بعض مَا يصدر عَنْهَا بالمكر، وَمَا لأحد من الْبشر الْوُقُوف على كنه صِفَات الله تَعَالَى، وَمن عرف حَقِيقَة الْمعرفَة قصر مَعْرفَته عَن الْإِحَاطَة بكُنه الْأُمُور وَعظم خَوفه لَا محَالة وَلذَا قَالَ عِيسَى ﵊: ﴿قَالَ اللَّهُ هَاذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأٌّنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذالِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الْمَائِدَة: ١١٩] إِلَخ ففوض الْأَمر إِلَى الْمَشِيئَة وَأخرج نَفسه بِالْكُلِّيَّةِ من الْبَين لعلمه بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ من الْأَمر شَيْء، وَأَن الْأُمُور مرتبطة بِالْمَشِيئَةِ ارتباطاً يخرج عَن حد المعقولات والمألوفات فَلَا يُمكن الحكم عَلَيْهَا بِقِيَاس وَلَا حدس وحسبان فضلا عَن التَّحْقِيق والاستيقان، وَهَذَا هُوَ الَّذِي قطع قُلُوب العارفين انْتهى كَلَام (الْإِحْيَاء) فَتَأَمّله لَا سِيمَا مَا حَكَاهُ عَن نَبينَا ﷺ وَجِبْرِيل ﵇ فَإِنَّهُ وإنْ لم يثبت من جِهَة السّنة إذْ هُوَ حَدِيث ضَعِيف فَهُوَ مُقَرر لِمَعْنى الصَّحِيح فَمَا قدمْنَاهُ وَكَذَا مَا حَكَاهُ عَن مُوسَى فَإِنَّهُ خَافَ مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تَخَافَآ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] وَتَقْرِيره لذَلِك. وَالْحَاصِل أَنه لَا شُبْهَة بل وَلَا تمسك لذَلِك الزَّعْم الْمَذْكُور أول الْجَواب أعاذنا الله مِنْهُ بمنّه وَكَرمه،
стр. 155
وَإِنَّمَا لم نستدل لمدَّعانا بقوله تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىاإِلَىَّ وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الْأَحْقَاف: ٩] وَقَوله ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح (وَالله مَا أَدْرِي وَأَنا رَسُول الله مَا يفعل بِي وَلَا بكم) لذهاب جمَاعَة كَابْن عَبَّاس ﵄ كَمَا أخرجه عَنهُ أَئِمَّة حفاظ كَأبي دَاوُد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه إِلَى أَن ذَلِك قبل علمه مَا يفعل بِهِ من نَصره على جَمِيع من ناوأه بقوله عز قَائِلا: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ [الْفَتْح: ١] الْآيَة، وَمَا يفعل بهم بقوله: ﴿لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الْفَتْح: ٥] الْآيَة، وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً﴾ [الْأَحْزَاب: ٤٧] . فَإِن قلت: يُؤَيّد ذَلِك الزَّعْم مَا أخرجه عبد بن حميد عَن الْحسن قَالَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة: ﴿وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ﴾ [الْأَحْقَاف: ٩] عمل رَسُول الله ﷺ فِي الْخَوْف زَمَانا فَلَمَّا نزلت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ [الْفَتْح: ١] الْآيَة اجْتهد فَقيل تجهد نَفسك وَقد غفر الله لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر؟ قَالَ: (أَفلا أكون عبدا شكُورًا) وَمَا أخرجه ابْن جرير عَن الْحسن أَيْضا فِي قَوْله: ﴿وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ﴾ [الْأَحْقَاف: ٩] قَالَ: أما فِي الْآخِرَة فمعاذ الله قد درى أَنه فِي الْجنَّة حِين أَخذ ميثاقه فِي الرُّسُل وَلَكِن (مَا أَدْرِي مَا يفعل بِي وَلَا بكم فِي الدُّنْيَا) ثمَّ أخبرهُ الله بِمَا يصنع بِهِ أَنه ينصره وَيظْهر دينه على الْأَدْيَان كلهَا، ويؤمنه أَنه لَا يستأصل أمته بِعَذَاب وَهُوَ فيهم؟ قلتُ: لَا تأييد فِيهِ لذَلِك بِوَجْه؛ أما كَلَامه الأول فَلِأَن معنى قَوْله عمل فِي الْخَوْف زَمَانا أَي فِي خَوفه على نَفسه فِي الدُّنْيَا أيُخرج كَمَا أُخرجت الْأَنْبِيَاء قبله أَو يُقتل كَمَا قتلت الْأَنْبِيَاء قبله؟ وعَلى أمته أَنهم يكذبونه أَو يرْمونَ بحجارة من السَّمَاء أَو يُخسف بهم كالأمم قبلهم؟ وَبِهَذَا صرح الْحسن نَفسه فِي الرِّوَايَة الثَّابِتَة عَنهُ تَفْسِيرا لقَوْله فِي الدُّنْيَا ثمَّ لما آمنهُ الله من ذَلِك غلب عَلَيْهِ شُهُود الشُّكْر لرَبه، وَهَذَا كُله لَا يُنَافِي الْخَوْف بِالْمَعْنَى السَّابِق الَّذِي ذَكرْنَاهُ أوّل الْجَواب؛ وَأما كَلَامه الثَّانِي فَلِأَن علمه أَنه فِي الْجنَّة لاينافي الْخَوْف بِالْمَعْنَى الَّذِي قدمْنَاهُ وحررناه كَمَا لَا يذهب على ذِي مسكة. الْخَامِس: أخرج الشَّيْخَانِ (وَالله إِنِّي لأعلمهم بِاللَّه وأشدهم لَهُ خشيَة) . وَفِي حَدِيث البُخَارِيّ: (وَالله إِنِّي لأخشاكم لله وأتقاكم لَهُ) . وَأخرج الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ غَرِيب أَنه ﷺ قَالَ: (لَو يؤاخذني الله بِمَا فعلته هَؤُلَاءِ لأوثقني) يُشِير إِلَى يَدَيْهِ الشريفتين. وَأخرج أَيْضا أَنه ﷺ قَالَ: (قلت لجبريل يَا جِبْرِيل مَالِي أرى إسْرَافيل لَا يضْحك وَلَا يأتيني أحد من الْمَلَائِكَة إِلَّا رَأَيْته يضْحك؟ فَقَالَ جِبْرِيل: مَا رَأينَا ذَلِك الْملك ضَاحِكا مُنْذُ خلقت النَّار) . وَأخرج أَحْمد عَنهُ بِسَنَد جيد بِلَفْظ أَنه ﷺ قَالَ لجبريل (مَالِي أرى مِيكَائِيل لَا يضْحك، فَقَالَ مَا ضحك مِيكَائِيل مُنْذُ خلقت النَّار) . وَأخرج أَيْضا أَنه ﷺ قَالَ: (جَاءَنِي جِبْرِيل وَهُوَ يبكي فَقلت مَا يبكيك؟ قَالَ: مَا جفتْ لي عين مُنْذُ خلق الله جَهَنَّم مَخَافَة أَن أعصيه فيلقيني فِيهَا) . وَأخرج أَبُو الشَّيْخ فِي كتاب [العظمة] عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: (إِن جِبْرِيل ﵇ يَوْم الْقِيَامَة لقائم بَين يَدي الْجَبَّار ﵎ ترْعد فرائصه خوفًا من عَذَاب الله) الحَدِيث. وَأخرج الديلمي أَنه ﷺ قَالَ: (لما كَانَ لَيْلَة أسرى بِي مَرَرْت بالملإ الْأَعْلَى وَجِبْرِيل كالحلس الْبَالِي من خشيَة الله تَعَالَى) . وَأخرج أَبُو نعيم فِي (الْحِلْية) أَنه ﷺ قَالَ: (لَو يؤاخذنا رَبنَا أَنا وَعِيسَى بن مَرْيَم بِمَا جنت هَاتَانِ يَعْنِي أصبعيه لعذبنا وَلَا يظلمنا شَيْئا) . وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الْإِفْرَاد) بِلَفْظ (لَو أَن الله يؤاخذنا أَنا وَعِيسَى بن مَرْيَم بذنوبنا لعذبنا وَلَا يظلمنا شَيْئا) . وَمن الْمَعْلُوم الْمُقَرّر أَن الذُّنُوب الْوَارِدَة فِي الْقُرْآن وَالسّنة فِي حق الْأَنْبِيَاء صلى الله على نَبينَا وَعَلَيْهِم وَسلم المُرَاد بهَا خلاف الأولى اللَّائِق بعليِّ كمالهم لَا حَقِيقَة الذَّنب، وحينئذٍ فَهَذِهِ الْأَحَادِيث صَرِيحَة فِي الْمُدَّعِي أَن الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة يخَافُونَ رَبهم وَلَا يأمنون، وَمِمَّا يُصَرح بذلك أَيْضا قَوْله تَعَالَى فِي حق الْمَلَائِكَة ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النَّحْل: ٥٠] . السَّادِس: قَالَ الدَّمِيرِيّ فِي (حَيَاة الْحَيَوَان) تبعا للغزالي فِي (الْإِحْيَاء) : وَفِي الْخَبَر (أوحى الله تَعَالَى إِلَى دَاوُد ﵊: يَا دَاوُد خفني كَمَا تخَاف السَّبع الضاري) . قَالَ مخرّج أَحَادِيث (الْإِحْيَاء) الزين الْعِرَاقِيّ: لم أجد لَهُ أصلا وَلَعَلَّ المُصَنّف قصد بإيراده أَنه من الْإسْرَائِيلِيات، وَبِهَذَا يعلم أَنه مُقَرر لمعناه. قَالَ الدَّمِيرِيّ: وَمَعْنَاهُ خفني لأوصافي المخوفة من الْعِزَّة وَالْعَظَمَة والكبرياء والجبروت والقهر وَشدَّة الْبَطْش ونفوذ الْأَمر كَمَا تخَاف السَّبع الضاري لشدَّة يَدَيْهِ وعبوس وَجهه وجراءة قلبه وَسُرْعَة غَضَبه انْتهى. وَفِيه تَصْرِيح بِإِثْبَات الْخَوْف الْحَقِيقِيّ للأنبياء صلى الله على نَبينَا وَعَلَيْهِم وَسلم.
السَّابِع: الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة فِي أدعيته صلى
стр. 156
الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سُجُوده وتشهده وَغَيرهمَا صَرِيحَة فِي الْمُدَّعِي لَا تقبل تَأْوِيلا مِنْهَا. قَوْله ﷺ : (اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ برضاك من سَخطك وبمعافاتك من عُقُوبَتك وَبِك مِنْك لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك) الحَدِيث. وَقَوله ﷺ : (اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من جَهْد البَلاء ودَرْك الشَّقَاء وشماتة الْأَعْدَاء) وَمِنْهَا قَوْله ﷺ (اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من عَذَاب الْقَبْر وَمن عَذَاب النَّار وَمن فتْنَة الْمحيا وَالْمَمَات) . وَصَحَّ عِنْد الْحَاكِم أَنه ﷺ كَانَ يَقُول فِي سُجُوده: (هَذِه يَدي وَمَا جنيت بهَا على نَفسِي) وَفِي رِوَايَة للبزار: (هَذِه يداي وَمَا جنيت على نَفسِي) . فَإِن قلت: لَا حجَّة فِي هَذَا كُله لِأَنَّهُ تشريع مِنْهُ ﷺ لأمته أَن يَقُوله. قلت: مَمْنُوع، لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُجَرّد تشريع فَقَط لقَالَ قُولُوا كَذَا، فَأَما إذْ أسْندهُ إِلَى نَفسه متكرراً فَلَا يحمل على التشريع فَقَط بل الْوَاجِب حمله عَلَيْهِ وعَلى التَّعَبُّد بِهِ مِنْهُ لرَبه كَمَا هُوَ مُحَقّق فِي مبحثه، وَإِذا كَانَ من جملَة الْمَقْصُود بِهِ التعبُّد بِهِ لله تَعَالَى لزِم من ذَلِك وجود الْخَوْف وَعدم أَمن الْمَكْر، وَإِلَّا لَكَانَ طلب محَال وَهُوَ لَا يجوز كَمَا صرَّحوا بِهِ، فَثَبت أَن هَذِه الْأَحَادِيث صَرِيحَة فِي المدَّعى لَا تقبل تَأْوِيلا كَمَا تقرر. وَفِي حَدِيث الطَّبَرَانِيّ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بِنور وَجهك الْكَرِيم أَن يحلِّ عليّ غضبك أَو ينزل عليّ سخطك) . وَفِي أُخْرَى عِنْده أَيْضا (اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بِوَجْهِك الْكَرِيم واسمك الْعَظِيم من الْكفْر والفقر) . وَفِي أُخْرَى عِنْد الْبَيْهَقِيّ (اللَّهُمَّ عَافنِي فِي قدرتك، وأدخلني فِي رحمتك، واقض أَجلي فِي طَاعَتك، وَاخْتِمْ لي بِخَير عَمَلي، وَاجعَل لي ثَوَابه الْجنَّة) . وَصَحَّ حَدِيث رَوَاهُ جمَاعَة (وَأَسْأَلك خشيتك فِي الْغَيْب) . وروى أَبُو دَاوُد (اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من فتْنَة النَّار وَمن عَذَاب النَّار) وَصَحَّ عِنْد الْحَاكِم (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك عيشة نقيِّة وميتة سَوِيَّة ومَرَدَّاً غير مُخْزٍ وَلَا فاضِح) وَنَحْو ذَلِك فِي السّنة كثير وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة لمن وفْق لقبُول الْحق، حقق لله لنا ذَلِك بمنه وَكَرمه. ٢٢٨ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: فِيمَن قَالَ فِي عقيدة وَفِي بَقَاء الله نظر، فَمَاذَا يلْزمه؟ فَأجَاب بقوله: إِن أَرَادَ التَشْكيك أَو الشَّك فِي دوَام بَقَاء الله إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ فَهُوَ كَافِر، مراق الدَّم، فَإِن تَابَ وَإِلَّا ضُربتْ عنفه، وَلَعَلَّ هَذَا الرجل هُوَ الجبرتي الَّذِي فِي السّلف من الْخلف فَإِنَّهُ أرسل إليّ فِي هَذِه السنَّة مؤلَّفاً ذكر فِيهِ تَضْلِيل الأشعرية بِكَلَام سَفْساف، يدل على جَهْله وانحلال عقيدته جدا، وَأَنه لَا مَسْكَة لَهُ وَلَا دين، وَأَنه اغترَّ بِكَلَام لبَعض الملحدة والزنادقة، فَذكره فِي مُؤَلفه مُعْتَقدًا لَهُ، فَضَلَّ أَو كُفُرْ، وأضلَّ كثيرين لكَونه يرى التنسُّك والتقشُّف، فاعتقده الْعَامَّة وَمَا دروا أَنه زنديق مُلْحِد ضَّال مضِّل يجب على قَاضِي السّلف وَبَقِيَّة قُضَاة الْخلف أَن يعزِّروه التَّعْزِير البليغ، ويُشَدِّدوا عَلَيْهِ الْعقُوبَة بِالضَّرْبِ وَالْحَبْس إِلَى أَن يغسل ذَلِك المؤلِّف جميعَه أَو يَحرِقه، فَإِن النُّسْخَة الْوَاصِلَة إليّ مِنْهُ كَتبْتُ لَهُ عَلَيْهَا فِي كل ورقة مِنْهَا مَا أعْدَّمها، وعطَّل النَفْع بهَا، كَمَا هُوَ الْوَاجِب عليّ وعَلى كل من اطَّلع على ذَلِك الْكتاب من أهل الْعلم، لكنْ أخْشَى أَن هَذَا المُلحِد المارق الزنديق الْمُنَافِق يكون عِنْده مِنْهُ نُسْخَة أُخْرَى فيخرجَها للعوام المعتقدين لَهُ فيضلَّهم بهَا من غير أَن يشعروا فَأَهْلَكَهُ الله وأباده حَتَّى تنْدَفع ضَرُورَته عَن الْمُسلمين وَأَيْقَظَ لَهُ من يُقيم عَلَيْهِ نواميس الشَّرِيعَة لينزجر هُوَ وَأَمْثَاله عَن الْخَوْض فِيمَا لَا يتأهلون للخوض فِيهِ.
٢٢٩ - وَسُئِلَ شَيخنَا أمدنا الله بمدده ونفعنا بِعُلُومِهِ وبركته: هَل فرق بَين الْفَرْض وَالْوَاجِب، وَبَين الْحَرَام والمحظور، وَبَين يُسَّن ويُشْرع ويُستحب ويُنْدب ومحبوب؟ فَأجَاب ﵁ بقوله: الْفَرْض وَالْوَاجِب مُتَرَادِفَانِ عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة ﵁ حَيْثُ فرق بَينهمَا بِأَن الْفِعْل الْمَطْلُوب طلبا جَازِمًا إنْ ثَبت بِدَلِيل قَطْعِيّ كالقرآن فَهُوَ الْفَرْض، كَقِرَاءَة الْقُرْآن فِي الصَّلَاة الثَّابِتَة بقوله تَعَالَى: ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ عَلِمَ﴾ [المزمل: ٢٠] أَو بِدَلِيل ظَنِّي كَخَبَر الْوَاحِد فَهُوَ الْوَاجِب كَقِرَاءَة الْفَاتِحَة فِي الصَّلَاة الثَّابِتَة بِحَدِيث (الصَّحِيحَيْنِ) بقوله: (لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب) فيأثم بِتَرْكِهَا وَلَا تفْسد بِهِ الصَّلَاة بِخِلَاف ترك الْقِرَاءَة هَذَا تَفْصِيل مذْهبه، وَأما عندنَا فكلٌ من الْقسمَيْنِ يُسمى فرضا وواجباً وَتبطل الصَّلَاة مثلا بِتَرْكِهِ، أخذا من فَرَض الشَّيْء قدَّره، وَوَجَب الشيءُ وجوبا ثَبت، وكلٌ من المقدَّر وَالثَّابِت أَعم من أنْ يثبت بقطْعِي أَو ظنيِّ، ومأخذنا هَذَا أَكثر اسْتِعْمَالا من مأخذهم الْمُقَرّر فِي مَحَله، على أَن الْخلاف لَفْظِي كَمَا قرر فِي مَحَله أَيْضا مَعَ مَا فِيهِ من إِشْكَال وَجَوَاب. وَالْحرَام
стр. 157
والمحظور مُتَرَادِفَانِ أَيْضا، وَكَذَلِكَ الْمسنون والمشروع والمحبوب والمرغَّب فِيهِ، وَالْمَنْدُوب، وَالْحسن، والمستحبَّ، والتطوّع، كلُّها مَعْنَاهَا وَاحِد، وَهُوَ الْمَطْلُوب طلبا غير حَازِم، وَخَالف فِي ذَلِك القَاضِي حُسَيْن وَغَيره فنفوا ترادُفها وَقَالُوا: هَذَا الْفِعْل إنْ واظب عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ فَهُوَ السّنة، وَإِن لم يواظب عَلَيْهِ كَأَن فَعَله مرّة أَو مرَّتَيْنِ فَهُوَ المستحَّب، أَو لم يَفْعَله وَهُوَ مَا يُنْشئه الْإِنْسَان بِاخْتِيَارِهِ من الأوراد فَهُوَ التطوّع، وَلم يتَعَرَّض للمندوب لعمومه الْأَقْسَام الثَّلَاثَة بِلَا شكّ وَيُقَاس بِهِ الْبَقِيَّة، وَالْخلاف هُنَا لَفْظِي أَيْضا كَمَا قرر فِي مَحَله، وَالله أعلم.
٢٣٠ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ سؤالاً صورته: مَا معنى قَوْلهم شكر الْمُنعم وَاجِب، وَمَا الَّذِي يُؤَدِّي وَمَا حَده وَمَا ضابطه؟ فَأجَاب بقوله: قَالَ بَعضهم: تَحْرِير الْجَواب عَن ذَلِك مُتَوَقف على معنى الشُّكْر الَّذِي هُوَ مَوْضُوع الْمَسْأَلَة الخلافية بَيْننَا وَبَين الْمُعْتَزلَة وَهِي أَن شُكْر الْمُنعم وَاجِب شرعا عندنَا وعقلاً عِنْدهم، فالشكر الَّذِي هُوَ مَوْضُوع هَذِه الْمَسْأَلَة فسره الصفيّ الْهِنْدِيّ وَغَيره بِالْمَعْنَى اللّغَوِيّ للشكر فَقَالَ: هُوَ اعْتِقَاد الْقلب أنَّ مَا بِالْعَبدِ من نعْمَة فَمن الله سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُنعم بذلك فضلا مِنْ غير وجوب، والتحدث بِاللِّسَانِ بالمُنعم والخضوع بالجوارح وَالْأول وَاجِب وجوب الاعتقاديات، بِمَعْنى وجوب جزم العقيدة بِهِ واستصحاب هَذَا الْجَزْم حكما بِحَيْثُ لَا يطْرَأ مَا يُنَافِيهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي الثَّانِي وَالثَّالِث، وَالْمَشْهُور تَفْسِيره بِالْمَعْنَى العُرفي، وعَلى مُقْتَضَاهُ جرى الْغَزالِيّ فِي (الْإِحْيَاء) وَغَيره مِمَّن تكلم باصطلاح أَرْبَاب الْقُلُوب، وَهُوَ أَن الشُّكْر صَرْفُ العَبْد جَمِيع مَا أنعم الله بِهِ عَلَيْهِ إِلَى مَا خُلِق لأَجله؛ فالسمع خُلِقَ ليُصْرَفَ إِلَى تلقي مَا يردُ عَلَيْهِ من الْأَوَامِر والنواهي الإلهية، والمواعظ وَمَا يَنْتَظِم فِي سلكها، وَإِلَى مَا يدل بهَا على متعلقها ليُرتكب ويُجْتنب وَنَحْو ذَلِك. وَالْبَصَر ليصرف إِلَى رُؤْيَة المصنوعات فيستدل بهَا على وجوب وجود الصَّانِع وإتصافه بِصِفَات الْكَمَال وتعاليه عنْ أضَّدادها وَنَحْو ذَلِك وَاللِّسَان ليُصْرف إِلَى الذّكر والتذكير والدراسة والتعليم وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَمَا أشبه ذَلِك، وعَلى هَذَا المنوال جَمِيع القوى والمدارك والجوارح، وَفِي (الْإِحْيَاء) للْإِمَام الْغَزالِيّ تَفْصِيل لذَلِك حسن، وَالشُّكْر بِهَذَا الْمَعْنى أَعم مِنْهُ بِالْمَعْنَى الأول كَمَا لَا يخفى على من تَأمل، وعَلى كل من التفسيرين فَهُوَ يَنْقَسِم إِلَى وَاجِب ومندوب لِأَن جَمِيع الطَّاعَات مندرجة فِيهِ على التَّفْسِير الثَّانِي وَهِي منقسمة إِلَى وَاجِب ومندوب. وعَلى التَّفْسِير الأول مندرِج فِيهِ سُجُود الشُّكْر لِأَنَّهُ خضوع فِي مُقَابلَة النِّعْمَة وَهُوَ مَنْدُوب، ومِنْ هَذَا يتحرر أَن المُرَاد فِي الْمَسْأَلَة الخلافية أنْ وجوب شكر الْمُنعم حيثْ وَجب فَهُوَ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعقلِ خلافًا للمعتزلة، فالاعتقاد مِنْهُ وَاجِب وجوب الاعتقاديات غير مُؤَقّت بِيَوْم وَلَا شهر وَلَا سنة، وَلَا مَوْصُوف بِمرَّة وَلَا تكْرَار إذْ الْمَقْصُود دَوَامه وَعدم اختلاله. وَأما أَعمال الْجَوَارِح فَمِنْهَا مَا يجب فِي الْيَوْم مَرَّات وَهِي المكتوبات، وَمِنْهَا مَا يجب فِي الْأُسْبُوع مرّة بِشَرْط وَهُوَ الْجُمُعَة، وَمِنْهَا مَا يجب فِي الْعَام مرّة وَهُوَ الصَّوْم، وَمِنْهَا مَا لَا يجب إِلَّا على بعض النَّاس كَالزَّكَاةِ وَالْحج. وَأما الثَّنَاء بِاللِّسَانِ فَهُوَ يتَكَرَّر فِي الْيَوْم مَرَّات كَقِرَاءَة الْمُصَلِّي ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين الرَّحِمان الرَّحِيم﴾ فَإِنَّهُ ثَنَاء على الله بربوبيته دون مَوْجُود سواهُ الْمُشْتَمل مَعْنَاهَا على الإنعام بإيجاد النَّوْع الإنساني، وتربيته بالتنقل فِي الأطوار من طور النُّطْفَة إِلَى طور الْعلقَة فالمُضْغة فالعظام المكُسوَّة لَحْمًا، فالحيوانية ثمَّ كَمَال الْخلقَة ثمَّ الْإِخْرَاج مِنْ ضيق الرَّحِم وظلمته إِلَى نور الفضاء وسعته، وتسخير الْأَبَوَيْنِ وتقوية الْحَواس وَالْقَوِي وحِفْظُها، وَكَذَلِكَ الْعقلِيّ إِلَى غير ذَلِك من صنوف النعم، وثناء عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِصفة الرَّحْمَة وَهِي شَامِلَة بِاعْتِبَار متعلقها لأنواع الْإِحْسَان فِي الدَّاريْنِ انْتهى.
٢٣١ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن إِطْلَاق الْعَام وَإِرَادَة الْخَاص أحقيقة أم مجَاز؟ إنْ قيل بِالْأولِ لزم أَنه اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي غير مَا وضع لَهُ فَكيف يكون حَقِيقَة، أَو بِالثَّانِي ورد مَا ذكره بعض الْمُحَقِّقين أَنه قد يكون فِي هَذِه الْحَالة حَقِيقَة؟ فَأجَاب بقوله: هُوَ مجَاز قطعا كَمَا ذكره جَمِيع الْأُصُولِيِّينَ، وَالْمرَاد بِبَعْض الْمُحَقِّقين فِي السُّؤَال التقى السُّبْكِيّ ﵀ فَإِنَّهُ بحث كَونه قد يكون حَقِيقَة من عِنْده بعد حكايته الْإِجْمَاع على خِلَافه، وفرَّعه على القَوْل بِأَن دِلالة الْعَام على كل فَرد من أَفْرَاده دِلالة مُطَابقَة، لِأَنَّهُ حينئذٍ لَيْسَ اسْتِعْمَالا للفظ فِي غير مَوْضُوعه، وَلَا فِي بعض مَوْضُوعه بل هُوَ كاستعمال الْمُشْتَرك فِي أحد معنييه وَهُوَ اسْتِعْمَال حَقِيقِيّ انْتهى. ويردُّ قِيَاسه بِأَن اسْتِعْمَاله فِي الْبَعْض مَقْصُورا عَلَيْهِ، صيره مجَازًا إذْ لَيْسَ هَذَا الِاسْتِعْمَال يُقيد
стр. 158
هَذَا الْقصر عَن مَوْضُوعه الْحَقِيقِيّ فَتَأَمّله. ٢٣٢ وسنئل نفع الله بِهِ: عَن الْإِنْسَان بِالنِّسْبَةِ للْأَب وَالِابْن مُشَكِّك أَو متواطىء؟ فَأجَاب بقوله: هُوَ متواطىء لتساويهما فِيهِ، وَالِاخْتِلَاف بَينهمَا لَا يرجع للمسمى كالبياض بِالنِّسْبَةِ لأفراده بل لخارج عَنهُ كالذكورة وَالْأُنُوثَة. ٢٣٣ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: هَل ينطبق على مجَاز الزِّيَادَة وَالنَّقْص تَعْرِيف الْمجَاز. فَأجَاب بقوله: ذهب جمع إِلَى أَنَّهُمَا ليسَا من قبيل الْمجَاز حينئذٍ فَلَا إِشْكَال. وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُمَا مِنْهُ. واعترضوا بِأَنَّهُ لَا يصدق عَلَيْهِمَا حدُّه، وَقيل إِن غيَّر الْإِعْرَاب فمجاز وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ الْقَرَافِيّ: الْحَذف أَقسَام لَا مجَاز إِلَّا فِي وَاحِد مِنْهَا، وَهُوَ مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ صِحَة اللَّفْظ وَمَعْنَاهُ من حَيْثُ الْإِسْنَاد نَحْو ﴿وَاسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يُوسُف: ٨٢] وَقيل إِنَّمَا يكون الْحَذف مجَاز إِذا تغيَّر حُكم، وَإِلَّا كحذف خبر المبتدإ الْمَعْطُوف على جملَة فَلَا. ٢٣٤ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن المُشاكلة هَل هِيَ من أَنْوَاع الْمجَاز وَمَا العلاقة فِيهَا نَحْو: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ؟ فَأجَاب بقوله: زعم بعض أَرْبَاب اليان أَنَّهَا وَاسِطَة لَيست بِحَقِيقَة لعدم اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِيمَا وضع لَهُ وَلَا مجَاز لعدم العلاقة. وردّ بِأَنَّهُ مجَاز قطعا، والعلاقة فِيهِ الشكل والشبه الصوريُّ كَمَا يُطْلق الْإِنْسَان وَالْفرس على الصُّورَة المصوَّرة وَكَذَلِكَ الْجَزَاء أطلق عَلَيْهِ سَيِّئَة لكَونه مثل السَّيئَة الْمُبْتَدَأ بهَا فِي الصُّورَة، وَالله أعلم. ٢٣٥ وَسُئِلَ نفع الله بِعُلُومِهِ وأمدنا بمدده: هَل ورد حَدِيث صَحِيح فِي مَشْرُوعِيَّة التَّكْبِير أَو آخر قصار الْمفصل؟ فَإِن قُلْتُمْ نعم فَهَل هُوَ خَاص فِي حق غير الْمُصَلِّي، فَإِن قُلْتُمْ نعم فَهَل نُقِلَ نَدْبه فِي حق الْمُصَلِّي عَن أحد من الْأَئِمَّة، فَإِن قُلْتُمْ بسنيته فَمَا ابتداؤه وانتهاؤه؟ وَهل ينْدب مَعَه زِيَادَة لَا إِلَه إِلَّا الله كَمَا هُوَ الْمَعْمُول؟ فَأجَاب نفع الله بِهِ وَأعَاد علينا وعَلى الْمُسلمين من بركاته بقوله: حَدِيث التَّكْبِير ورد من طُرُق كَثِيرَة عَن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أبي بزَّة البزي قَالَ: سَمِعت عِكْرِمَة بن سُلَيْمَان يَقُول: قَرَأت على إِسْمَاعِيل بن عبد الله بن قسطنطين فَلَمَّا بلغتُ وَالضُّحَى قَالَ لي: كبِّر عِنْد خَاتِمَة كل سُورَة حَتَّى تختم، وَأخْبرهُ أَنه قَرَأَ على مُجَاهِد فَأمره بذلك، وَأخْبرهُ مُجَاهِد أَن ابْن عَبَّاس ﵄ أمره بذلك، وَأخْبرهُ ابْن عَبَّاس بِأَن أبي بن كَعْب أمره بذلك وَأخْبرهُ أبي بن كَعْب أَن النَّبِي ﷺ أمره بذلك. وَقد أخرجه الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي (صَحِيحه الْمُسْتَدْرك) عَن البزي وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرّجه البُخَارِيّ وَلَا مُسلم انْتهى. وَقد يُعَارضهُ تَضْعِيف أبي حَاتِم الْعقيلِيّ للبزي. وَيُجَاب بِأَن هَذَا التَّضْعِيف غير مَقْبُول، فقد رَوَاهُ عَن البزي الْأَئِمَّة الثِّقَات، وَكَفاهُ فخراً وتوثيقاً قَول إمامنا الشَّافِعِي ﵁: إنْ تركت التَّكْبِير تركت سنة، وَفِي رِوَايَة: يَا أَبَا الْحسن وَالله لَئِن تركت التَّكْبِير فقد تركت سنة من سنَن نبيك. وَقَالَ الْحَافِظ الْعِمَاد بن كثير: وَهَذَا من الشَّافِعِي يَقْتَضِي تَصْحِيحه لهَذَا الحَدِيث. وَمِمَّا يَقْتَضِي صِحَّته أَيْضا أَن أَحْمد بن حَنْبَل رَوَاهُ عَن أبي بكر الْأَعْين عَن البزي. وَكَانَ أَحْمد يجْتَنب الْمُنْكَرَات فَلَو كَانَ مُنْكرا مَا رَوَاهُ. وَقد صَحَّ عِنْد أهل مَكَّة فقهائهم وعلمائهم وَمن روى عَنْهُم، وَصِحَّته استفاضت وانتشرت حَتَّى بلغت حد التَّوَاتُر. وَصحت أَيْضا عَن أبي عَمْرو من رِوَايَة السُّوسِي، ووردت أَيْضا عَن سَائِر الْقُرَّاء، وَصَارَ عَلَيْهِ الْعَمَل عِنْد أهل الْأَمْصَار فِي سَائِر الْأَعْصَار. وَاخْتلفُوا فِي ابْتِدَائه، فَقيل من أول سُورَة الضُّحَى، وَالْجُمْهُور على أَنه من أول سُورَة ألم نشرح، وَفِي انتهائه؛ فجمهور المغاربة والمشارقة وَغَيرهم على أَنه إِلَى آخر النَّاس، وَجُمْهُور المشارقة على أَنه أَولهَا وَلَا يكبر آخرهَا، والوجهان مبنيان على أَنه هَل هُوَ لأوّل السُّورَة أَو لآخرها؟ وَفِي ذَلِك خلاف طَوِيل بَين الْقُرَّاء، وَالرَّاجِح مِنْهُ الظَّاهِر من النُّصُوص أَنه من آخر الضُّحَى إِلَى آخر النَّاس: وَلَا فرق فِي ندْب التَّكْبِير بَين الْمُصَلِّي وَغَيره، فقد نقل أَبُو الْحسن السخاوي بِسَنَدِهِ عَن أبي يزِيد الْقرشِي قَالَ: صليت بِالنَّاسِ خلف الْمقَام بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام فِي التَّرَاوِيح فِي شهر رَمَضَان، فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة الْجُمُعَة كبَّرتُ، من خَاتِمَة الضُّحَى إِلَى آخر الْقُرْآن فِي الصَّلَاة فَلَمَّا سلمتُ التفتُ فَإِذا بِأبي عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي ﵁ فَقَالَ. أَحْسَنت أصبت السّنة. وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو عَمْرو الداني عَن ابْن جريج عَن مُجَاهِد. قَالَ ابْن جريج: فَأولى أَن يَفْعَله الرجل إِمَامًا كَانَ أَو غير إِمَام، وَأمر ابْن جريج غير وَاحِد من الْأَئِمَّة بِفِعْلِهِ. وَنقل سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن صَدَقَة بن عبد الله بن كثير أَنه كَانَ يؤم النَّاس مُنْذُ أَكثر من سبعين سنة. وَكَانَ إِذا ختم الْقُرْآن كبر، فَثَبت بِمَا ذَكرْنَاهُ عَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ
стр. 159
وَبَعض مشايخه وَغَيرهم أَنه سنة فِي الصَّلَاة، وَمن ثمَّ جرى عَلَيْهِ من أَئِمَّتنَا الْمُتَأَخِّرين الإِمَام الْمُجْتَهد أَبُو شامة ﵀، وَلَقَد بَالغ التَّاج الْفَزارِيّ فِي الثَّنَاء عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ: عجبت لَهُ كَيفَ قلد الشَّافِعِي ﵀ والإمامان أَبُو الْحسن السخاوي وَأَبُو إِسْحَاق الجعبري، وَمِمَّنْ أفتى بِهِ وَعمل فِي التَّرَاوِيح شيخ الشَّافِعِيَّة فِي عصره أَبُو الثَّنَاء مَحْمُود بن مُحَمَّد بن جملَة، الإِمَام والخطيب بالجامع الْأمَوِي بِدِمَشْق. قَالَ الإِمَام الْحَافِظ المتقن شيخ الْقِرَاءَة فِي عصره أَبُو الْخَيْر مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْجَزرِي الشَّافِعِي: وَرَأَيْت أَنا غير وَاحِد من شُيُوخنَا يعْمل بِهِ وَيَأْمُر من يعْمل بِهِ فِي صَلَاة التَّرَاوِيح، وَفِي الْإِحْيَاء فِي ليَالِي رَمَضَان حَتَّى كَانَ بَعضهم إِذا وصل فِي الْإِحْيَاء إِلَى الضُّحَى قَامَ بِمَا بَقِي من الْقُرْآن فِي رَكْعَة وَاحِد يكبر فِي كل سُورَة، فَإِذا انْتهى إِلَى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [النَّاس: ١١٤] كبر فِي آخرهَا ثمَّ يكبر للرُّكُوع، وَإِذا قَامَ فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة قَرَأَ الْفَاتِحَة وَمَا تيَسّر من سُورَة الْبَقَرَة، وَفعلت أَنا ذَلِك مَرَّات لما كنت أقوم بِالْإِحْيَاءِ إِمَامًا بِدِمَشْق ومصر انْتهى. ثمَّ إنْ قُلْنَا التَّكْبِير لآخر السُّورَة كَانَ بَين آخرهَا وَبَين الرُّكُوع، وَإِن قُلْنَا لأولها كَانَ بَين تَكْبِير الْقيام والبسملة أول السُّورَة، وَوَقع لبَعض الشَّافِعِيَّة من الْمُتَأَخِّرين الْإِنْكَار على من كبر فِي الصَّلَاة فردَّ ذَلِك عَلَيْهِ غير وَاحِد وشنَّعوا عَلَيْهِ فِي هَذَا الْإِنْكَار. قَالَ ابْن الْجَزرِي: وَلم أر للحنفية وَلَا للمالكية، نقلا بعد التتبع، وَأما الْحَنَابِلَة فَفِي فروعهم لِابْنِ مُفْلِح وَهل يكبر لختمه من الضُّحَى أَو ألم نشرح آخر كل سُورَة فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَلم يستحبه الْحَنَابِلَة القُرَّاء غيرَ ابْن كثير، وَقيل ويهلل انْتهى. وَأما صيغته فَلم يخْتَلف مُثْبِتُوه أَنَّهَا: الله أكبر، وَهِي الَّتِي رَوَاهَا الْجُمْهُور عَن البزي، وروى عَنهُ آخَرُونَ التهليل قبلهَا فَتَصِير لَا إِلَيْهِ إِلَّا الله وَالله أكبر وَهَذِه ثَابِتَة عَن البزي فلتعمل. ومِنْ ثمْة قَالَ شيخ الْإِسْلَام عبد الرَّحِمان الرَّازِيّ الشَّافِعِي ﵀ فِي (وسيطه) فِي الْعشْر: وَقد رَأَيْت الْمَشَايِخ يُؤْثِرون ذَلِك فِي الصَّلَاة فرقا بَينهَا وَبَين تَكْبِير الرُّكُوع، ونُقِل عَن البزي أَيْضا زِيَادَة: وَللَّه الْحَمد بعد أكبر. وروى جمع عَن قُنْبل وروى عَنهُ آخَرُونَ التهليل أَيْضا، وَقطع بِهِ غير وَاحِد. قَالَ الداني: والوجهان يَعْنِي التهليل مَعَ التَّكْبِير وَالتَّكْبِير وَحده عَن البزي وقنبل صَحِيحَانِ مشهوران مستعملان جيدان، وَالله أعلم.
٢٣٦ - وَسُئِلَ ﵁: التَّكْبِير عِنْد ختم الْقُرْآن أَوَاخِر السُّور فِي الصَّلَاة هَل هُوَ سنة؟ فَأجَاب بقوله: نعم هُوَ سنة فِي الصَّلَاة كَمَا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَشَيْخه سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَابْن جريج وَغَيرهم، وَنَقله جمَاعَة من أَئِمَّتنَا الْمُتَأَخِّرين كَأبي شامة، والسخاوي، وَابْن جملَة خطيب دمشق وَغَيرهم، وَعمل بِهِ جمَاعَة مِنْهُم وأفتوا بِهِ من يعْمل بِهِ فِي صَلَاة التَّرَاوِيح وردّوا على من أنكر ذَلِك، وَمن ثمَّة قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي أَوَاخِر النشر لمَّا أَن بسط الْكَلَام فِي ذَلِك: وَالْعجب مِمَّن يُنْكِر التَّكْبِير بعد ثُبُوته عَن النَّبِي ﷺ وَعَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَغَيرهم ويجيز فِي صلوَات غير ثَابِتَة، وَالله أعلم.
٢٣٧ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: فِي الصَّبِي الْجنب هَل قِرَاءَته الْقُرْآن بِقصد كَونه قُرْآنًا جَائِزَة، وَكَذَلِكَ مُكْثه فِي الْمَسْجِد فَلَا يُمْنع مِنْهُمَا، وَلَا حرج على وليه وتمكينه حينئذٍ؟ فَإِن قُلْتُمْ بِعَدَمِ الْجَوَاز فَهَل نِسْبَة بَعضهم الْجَوَاز لخادم الزَّرْكَشِيّ صَحِيحَة، وَإِذا كَانَت صَحِيحَة فَهَل وَافقه أحد أم خَالفه، وعَلى تَقْدِير عدم صِحَّتهَا فَهَل قَالَ أحد بِالْجَوَازِ من أَئِمَّة الْمذَاهب أم لَا؟ فَأجَاب بقوله: هُوَ أَن الَّذِي أفتى بِهِ النَّوَوِيّ وَجزم بِهِ ابْن السُّبْكِيّ فِي مُعِيد النعم، أَنه يجوز تَمْكِين الصَّبِي الْمُمَيز الجُنْب من مَسِّ الْمُصحف لحَاجَة تعلمه مِنْهُ، فَقَوْل الْإِسْنَوِيّ فِي (الْمُهِمَّات) لم أجد تَصْرِيحًا بتمكين الْمُمَيز فِي حَالَة الْجَنَابَة، وَالْقِيَاس الْمَنْع، لِأَنَّهَا نادرة وَحكمهَا أغْلظ انْتهى. يُردَّ وَإِن تبعه شَيخنَا زَكَرِيَّا وَأفْتى بِهِ فُقَهَاء الْيمن بِأَنَّهُ يَكْفِي تَصْرِيح النَّوَوِيّ وَغَيره بذلك، لَكِن الظَّاهِر أنْ الْإِسْنَوِيّ ومنْ تَبعه لم يطَّلع على ذَلِك، وَأما قَول الْخَادِم بعد أَن ذكر إِفْتَاء النَّوَوِيّ: وَفِيه نظر لِأَن الْجَنَابَة لَا تتكر فَلَا يُشَّق، وعَلى قِيَاسه يجوز تَمْكِينه من الْمكْث
стр. 160
فِي الْمَسْجِد وَهُوَ بعيد، إذْ لَا ضَرُورَة فيردُّ بِأَن تنظيره إِنَّمَا يَأْتِي إِذا قُلْنَا إنَّ الْعلَّة عظم الْمَشَقَّة فِي تَكْلِيف الصّبيان اسْتِصْحَاب الطَّهَارَة، وَهُوَ مَا صرح بِهِ الشَّيْخَانِ. أما إِذا قُلْنَا بِمَا فِي (التَّهْذِيب) مِنْ أنَّ الْعلَّة أنَّ طَهَارَة الصَّبِي نَاقِصَة فَلَا معنى لاشتراطها فَكَلَام النَّوَوِيّ حينئذٍ وَاضح لَا غُبَار عَلَيْهِ، على أنَّ الَّذِي يَنْبَغِي أَن الْعلَّة مركبة وَعَلِيهِ فَكَلَام النَّوَوِيّ وَاضح أَيْضا، وَيرد قِيَاسه بِإِمْكَان الْفرق بَينهمَا بِأَن احْتِيَاجه إِلَى الْقُرْآن ومسّ الْمُصحف لأجل تعلمه مِنْهُ أَكثر من احْتِيَاجه إِلَى الْمَسْجِد فَلم تكن ضَرُورَة إِلَى إِبَاحَة دُخُوله، على أَن قَضِيَّة عِلّة (التَّهْذِيب) السَّابِقَة أَنه يجوز لَهُ الْمكْث فِي الْمَسْجِد جُنُباً أَيْضا وَجزم بِهِ بعض الْمُتَأَخِّرين. وَالله أعلم.
٢٣٨ - وَسُئِلَ ﵁: عَن رجل فسر آيَة من آيَات الْقُرْآن الْمُبين بتفسير أبي الْحسن الواحدي وَابْن عَبَّاس والزجاج وَعَطَاء وَغَيرهم من الْعلمَاء الْمُجْتَهدين المعتبرين كَمَا فُسِّر فِي تفسيرهم، هَل يجوز لَهُ ذَلِك أم لَا؟ فَأجَاب بقوله: إِنَّه لَا حرج على من ذكر تفاسير الْأَئِمَّة على وَجههَا من غير أَن يتصرَّف فِيهَا بِزِيَادَة أَو نقص، بل هُوَ مأجور مثاب على ذَلِك، لكنْ يَنْبَغِي لَهُ إِن كَانَ يذكر ذَلِك التَّفْسِير للعامة أَن يتحَرَّى لَهُم الْأَلْيَق بحالهم مِمَّا تحتمله عُقُولهمْ، فَلَا يذكر لَهُم شَيْئا من غرائب التَّفْسِير ومُشْكلاته الَّتِي لَا تحتملها عُقُولهمْ، لِأَن ذَلِك يكون فتْنَة لَهُم وضلالاً بَينا، ومِنْ ثمَّة يجب على الْحَاكِم أصلحه الله مَنْعَ من يفعل ذَلِك من جهلة الوعاظ لأَنهم يضِّلون ويُضلَّون، وَكَذَلِكَ يجب عَلَيْهِ أَيْضا أَن يمْنَع من ينْقل التفاسير الْبَاطِلَة كتفسير من يتَكَلَّم فِي التَّفْسِير بِرَأْيهِ مَعَ عدم أَهْلِيَّته لذَلِك، وَمن يتَكَلَّم فِي التَّفْسِير بِمَا قَالَه الْأَئِمَّة لَكِن لَا يفهمهُ على وَجهه لعدم الْآلَات عِنْده فَإِن التَّفْسِير علم نَفِيس خطير، لَا يَلِيق بِكُل أحد أَن يتَكَلَّم فِيهِ، وَلَا أَن يَخُوض فِيهِ، إِلَّا إِذا أتقن آلاته الَّتِي يحْتَاج إِلَيْهَا كعلم السّنة وَالْفِقْه واللغة والنحو والمعاني وَالْبَيَان وَغَيرهَا من الْعُلُوم الْمُتَعَلّقَة بِلِسَان الْعَرَب، فَمن أتقن ذَلِك يساغ لَهُ الْكَلَام فِيهِ وَمن لم يتقن ذَلِك اقْتصر على مُجَرّد نقل مَا قَالَه أَئِمَّة التَّفْسِير بِمَا ذكره الْأَئِمَّة الْمُتَأَخّرُونَ عَنْهُم كالواحدي وَالْبَغوِيّ والقرطبي وَالْإِمَام الْفَخر الرَّازِيّ والبيضاوي وَغَيرهم، وَلَا يذكر من كَلَام هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة إِلَّا مَا يَلِيق بِمن يذكرهُ لَهُم من غير أَن يتَصَرَّف فِيهِ بِشَيْء. وَالْحَاصِل أَن هَذَا مَسْلَك خطِر وَطَرِيق وعِر فَيَنْبَغِي التحرِّي فِي سلوكه حَذَراً من الضلال والإضلال، وَالله أعلم.
٢٣٩ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَن قَول الله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهُ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٤، ٣٧] هَل هَذِه الْآيَة خَاصَّة أَو عَامَّة، وَمَا معنى لفظ الْمَرْء فِي هَذِه الْآيَة هَل يَشْمَل الْكَافِر وَالْمُسلم، والفرار يَوْم الْقِيَامَة هَل يكون من الْمُسلم وَالْكَافِر أَو من الْكَافِر خَاصَّة؟ فَأجَاب بقوله: إِن الْآيَة عَامَّة كَمَا يدل عَلَيْهِ سياقها ونظمها. وَيدل لذَلِك حَدِيث التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَاد حسن صَحِيح عَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (تحشرون حُفَاة عُرَاة غُرْلاً (غير مختونين) فَقَالَت امْرَأَة أَو يُبْصر أَو يُرى بعضُهم عَورَة بعض؟ قَالَ يَا فُلَانَة ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ وَيدل لذَلِك أَيْضا مَا رَوَاهُ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْآيَة: أَن معنى الْفِرَار من هَؤُلَاءِ التباعد عَنْهُم وَعدم الِالْتِفَات إِلَى وَاحِد مِنْهُم اشتغالاً عَنْهُم بِمَا هُوَ فِيهِ مِمَّا لَا يُطيق حمله وخوفاً أَنهم يطالبونه بحقوقهم، كمواساة الْأَخ وبرّ الْوَالِدين وتوفية الصاحبة مَا وَجب لَهَا، وَالتَّقْصِير فِي حق الْبَنِينَ بِعَدَمِ التَّعْلِيم والإرشاد، وَلذَلِك قيل أول من يفِرُّ من أَخِيه هابيل، وَمن أَبِيه إِبْرَاهِيم على نَبينَا وَعَلِيهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَمن صاحبته لوط ﵊، وَمن وَلَده نوح ﵊، وَقيل إِن الْمَرْء يفِّر من مُوالَاة هَؤُلَاءِ ونصرتهم، لأَنهم الَّذين كَانَ يفر إِلَيْهِم فِي الدُّنْيَا ويعتزَّ ويتقوّى بهم فَلم ينفعوه فِي الْآخِرَة بل يتباعد عَنْهُم ثمَّ، وَلم يَرْج فيهم نفعا بِقُرْبِهِ إِلَيْهِم بل خشِي مِنْهُم ضَرَرا عَظِيما حمله على التباعد الشَّديد الْمعبر عَنهُ بالفرار عَنْهُم، وَلِهَذَا يظْهر للعاقل أَن ذَلِك الْيَوْم لَا ينفع فِيهِ شَيْء من الصُّور المحبوبة فِي الدُّنْيَا وَإِنَّمَا تَنْفَع فِيهِ الْأَعْمَال الصَّالِحَة، بل تنْقَلب تِلْكَ الصُّور المحبوبة أَعدَاء يَنْفُر عَنْهَا وَلَا يتَقرَّب إِلَيْهَا، وَمن ثمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الْكَهْف: ٤٦] وَقَالَ: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَ احْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤] فحذَّر الله مِنْهُم فِي الدُّنْيَا قبل أَن يفِّر مِنْهُم فِي الْآخِرَة، وَهَذَا الْفِرَار قبيل دُخُول الْجنَّة أما فِيهَا فَلَا يكون فِيهَا إِلَّا الِاجْتِمَاع والمشاهدة.
﴿وَالَّذِينَءَامَنُواْ وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ والذريّة هُنَا تَشْمَل الْآبَاء كالأبناء، وَنَظِيره ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أَي آبَاءَهُم فاستفيد مِنْهُ إِطْلَاق الذريّة على الْآبَاء وحدهم وعَلى مَا يشملهم مَعَ الْأَبْنَاء، ثمَّ مَا ذكر فِي الْآيَة من بَاب الترقي لِأَن الْأَبَوَيْنِ أقرب من الْإِخْوَة وَتعلق الْقلب والالتصاق بالصاحبة أشدّ مِنْهُ بهما وَذَلِكَ بالابن أشدّ مِنْهُ بهَا، فَكَأَنَّهُ قيل من أَخِيه بل من أَبَوَيْهِ مَعَ مزِيد قربهما بل من صاحبته مَعَ مزِيد تعلقه بهَا بل من الابْن الَّذِي هُوَ الْغَايَة فِي التَّعَلُّق بِهِ وَعدم مُسَاوَاة أحد لَهُ فِي هَذِه الْمرتبَة، وَذَلِكَ يُنْبئُك عَن عَظِيم شدّة الهول الَّذِي تعين فِي ذَلِك الْيَوْم حَتَّى يَحْمِل على الْفِرَار من
стр. 161
مثل هَؤُلَاءِ نسْأَل الله اللطف فِي ذَلِك والمسامحة إِنَّه أقرب وَأكْرم مُجيب، وَالله تَعَالَى أعلم. ٢٤٠ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَمَّا لَو شكَّ فِي شَيْء من الْقُرْآن حَال التِّلَاوَة أهوَ بِالْيَاءِ أَو هُوَ بِالتَّاءِ أَو هُوَ وَقَالَ أَو فَقَالَ هَل لَهُ أَن يقرأه من غير تَيَقّن حَقِيقَة ذَلِك أم لَا؟ فَأجَاب بقوله: إِنَّه لَا يجوز لَهُ الْقِرَاءَة مَعَ الشَّك الْمَذْكُور حَتَّى يغلب على ظَنّه الصَّوَاب، وَالله أعلم. ٢٤١ وَسُئِلَ نفعنا الله بِهِ: عَن شخص يعظ الْمُسلمين بتفسير الْقُرْآن والْحَدِيث وَهُوَ لَا يعرف علم الصّرْف وَوجه الْإِعْرَاب من علم النَّحْو وَلَا وَجه اللُّغَة وَلَا علم الْمعَانِي وَالْبَيَان، هَل يجوز لَهُ الْوَعْظ بهما أَو لَا؟ وَإِن وعظ بذلك بِرَأْيهِ فَهَل عَلَيْهِ حد مضبوط أَو تَعْزِير أَو لَا شَيْء عَلَيْهِ؟ وَهل يجوز لَهُ الْوَعْظ بِغَيْر إِذن الْحَاكِم أَو يعلق إِذْنه عَلَيْهِ وَإِذا مَنعه عَنهُ فوعظ، فَهَل عَلَيْهِ التَّعْزِير وَإِن قُلْتُمْ يَنْبَغِي التَّعْزِير فَمَا حَده؟ فَأجَاب ﵁ بقوله: بِأَنَّهُ إِن كَانَ وعظه بآيَات التَّرْغِيب والترهيب وَنَحْوهمَا وبالأحاديث الْمُتَعَلّقَة بذلك وفسَّر ذَلِك بِمَا قَالَه الْأَئِمَّة جَازَ لَهُ ذَلِك، وإنْ لم يعلم من علم النَّحْو وَغَيره، لِأَنَّهُ ناقل لكَلَام الْعلمَاء والناقل كلامَهم إِلَى النَّاس لَا يشْتَرط فِيهِ إِلَّا الْعَدَالَة، وَأَن لَا يتَصَرَّف فِيهِ بِشَيْء من رَأْيه وفهمه، وَأما إِذا كَانَ يتَصَرَّف فِيهِ بِرَأْيهِ أَو فهمه وَلَا أَهْلِيَّة فِيهِ لذَلِك بِأَن لم يُتْقن الْعُلُوم الْمُتَعَلّقَة بذلك فَإِنَّهُ يجب على أَئِمَّة الْمُسلمين وولاتهم وكلُّ من لَهُ قدرَة منعَه من ذَلِك وزجرَه عَن الْخَوْض فِيهِ، فإنْ لم يمْتَنع رفع إِلَى بعض قُضَاة الْمُسلمين ليعزِّره التَّعْزِير الشَّديد الْبَالِغ الزاجر لَهُ ولأمثاله من الجهَّال عَن الْخَوْض فِي مثل هَذِه الْأُمُور الصعبة لما يَتَرَتَّب على ذَلِك من الْمَفَاسِد والقبائح الْكَثِيرَة والشنيعة، وَمن أتقن طَرِيق الْوَعْظ وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْعُلُوم فَإِنَّهَا دَرَجَة سنية، ومنصب شرِيف لَا يَستهزىء بِهِ ويتجاسر عَلَيْهِ إِلَّا كلُّ جَاهِل مجازف فِي الدّين لَا يخَاف الله وَلَا يخْشَى سطوة عَذَابه الْأَقْرَب إِلَيْهِ من حَبل الوريد، فَمن أتقنه كَمَا ذكرنَا جَازَ لَهُ فعله من غير إِذن الإِمَام، لَكِن قِيَاس مَا قَالَه أَئِمَّتنَا فِي التدريس أَنه لَا يجوز فعله فِي الْمَسَاجِد الْعِظَام إِلَّا بِإِذن الإِمَام إِن اُعْتِيدَ اسْتِئْذَانه فِي مثل ذَلِك، وَحَيْثُ منع الإِمَام مِنْهُ شخصا فخالفه وَفعل، عُزِّر التَّعْزِير الشَّديد لِأَن مُخَالفَة أَمر الإِمَام الَّذِي لَيْسَ بِمَعْصِيَة حرَام مُوجب للتعزير الشَّديد، وَكَيْفِيَّة التَّعْزِير لَا ضَابِط لَهَا لِأَنَّهُ يخْتَلف باخْتلَاف المعزَّرين وَالْمَعْصِيَة الَّتِي وَجب التَّعْزِير لَهَا وبسببها، وَمن ثمَّ قَالُوا إِن الْأَمر فِيهَا مَنُوط بِرَأْي الإِمَام فَمَتَى رأى مرتبَة كَافِيَة فِي الزَجْر لم يجز لَهُ الارتقاء إِلَى مَا فَوْقهَا، وَالله أعلم.
٢٤٢ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: إِذا اسْتعْمل من ورق الْكتب أغشية لَهَا وَفِي تجليدها هَل يجب نقضه وبله؟ فَأجَاب بقوله: يحرم جعل الأوراق الَّتِي فِيهَا شَيْء من الْقُرْآن أَو من الْأَسْمَاء المعظمة غشاء مثلا أخذا مِمَّا أفتى بِهِ الحناطي من حُرْمَة جعل النَقْد فِي كاغد فِيهِ بِسم الله الرَّحِمان الرَّحِيم، وفرَّق ابْن الْعِمَاد بَينه وَبَين كَرَاهِيَة لبس الثَّوْب المطرَّز بِالْقُرْآنِ، بِأَن الْمَكْتُوب هُنَا قُصِد بِهِ الدراسة وَمُقْتَضَاهُ أَنه لَا يحرم جعل ذَلِك فِيمَا كتب لَا للدراسة، وَفِيه وقْفَة، وَالَّذِي يَنْبَغِي فِي الْفرق أَن يُقَال لَيْسَ من شَأْن الثَّوْب أَن يكْتب عَلَيْهِ قُرْآن بِخِلَاف الكاغد فَلم يحرم لبس ذَلِك، وَحرم جعل شَيْء فِي هَذَا، لِأَن لبس ذَلِك لَا يعدُّ امتهاناً لما كتب عَلَيْهِ بِخِلَاف جعله نَحْو نَقْد فِي هَذَا فَإِنَّهُ يُعدَّ انتهاكاً أيَّ انتهاك لما كتب فِيهِ، لِأَن الْكِتَابَة فِيهِ تقطع عَنهُ كَونه يَجعله ظرفا لغيره لكَونه مَوْضُوعا لَهَا، وَالْكِتَابَة على الثَّوْب لَا تقطع كَونه ملبوساً لكَونه لَيْسَ مَوْضُوعا لَهُ. وَإِذا تقرر ذَلِك اتجه حُرْمَة جعل النَّقْد أَو غَيره فِي كاغد كتب فِيهِ من الْقُرْآن سَوَاء أقصد بهَا الدراسة أم غَيرهَا. وَيعلم من هَذَا مَا قدَّمتُه من أَنه يلْحق بِالْقُرْآنِ كل اسْم مُعظم كاسم الله وَاسم نبيه مُحَمَّد ﷺ ، وَأما الأوراق الَّتِي فِيهَا عِلْم محرم وَلَيْسَ فِيهَا اسْم مُعظم فَظَاهر كَلَامهم أَنه لَا يحرم جعلهَا غشاء، وحينئذٍ فَلَا يجب نقض الأغشية المعمولة مِنْهَا. فَإِن قلت: بل يَنْبَغِي حُرْمَة ذَلِك قِيَاسا على حُرْمَة توسد كتب الْعلم الْمُحْتَرَم. قلت: الْقيَاس لَهُ نوع اتجاه إِلَّا أَنه يُمكن الْفرق بِأَن التوسد فِيهِ من الْمُبَاشرَة بالامتهان والاستعمال مَا لَيْسَ فِي جعلهَا أغشية: وواضح أَن الْكَلَام فِي كتب علم بالية تعطَّل النَّفْع بهَا وَلم يكن فِي جعلهَا أغشية إِضَاعَة مَال وَلَا تَعْطِيل لذَلِك الْعلم الْمُحْتَرَم، فَإِن وجد شَيْء من ذَلِك اتجه القَوْل بِالْحُرْمَةِ حينئذٍ كَمَا لَا يخفى على من لَهُ أدنى بَصِيرَة، وَإِذا حرم وَجب نقضهَا وإعادتها على حَالهَا إِن أمكن ذَلِك بعد النَّقْض، وَالله أعلم.
٢٤٣ - وسئلت: عَمَّن وجد مصحف غَلطا هَل لَهُ أَن يصلحه بِغَيْر إِذن مَالِكه؟ وَكَذَلِكَ فِي الْكتب. وَهل للقارىء بالمصحف الْكَرِيم إِذا انْتهى إِلَى آخر حِزْبه أَن يضع فِيهِ ورقة أَو نَحْوهَا ليعرف حزبه
стр. 162
فِيهَا؟ وَهل يجوز وَضْع مصحف على مصحف آخر؟ وَهل يجوز أَن يكْتب فِي الْمُصحف الْوَقْف أَنه وقف على كَذَا وَأَن فلَانا وقف؟ وَهل يجوز أَن يكْتب فِي الْمُصحف الْوَقْف أَنه وقف على كَذَا وَأَن فلَانا وقف؟ وَهل يجوز أَن يُحشيِّ الْمُصحف الْكَرِيم من التَّفْسِير كَمَا يُحشِّي الْكتب من الشُّرُوح؟ وَمَا حكم كِتَابَة الْأَحَادِيث فِي فضل السُّور قبل الْبَسْمَلَة؟ وَهل يجوز وضع الْمُصحف فِي كوَّة ظَاهِرَة من غير فرش؟ وَهل يحرم مَدُّ الرِجْل إِلَيْهِ وَإِن بعد عَنهُ؟ وَهل يجوز وَضعه على ثوب فِيهِ كثير ونيم نَحْو ذُبَاب؟ وَمَا الَّذِي يلْزم مُعلمِّي الصّبيان أَن يعلموهم من احترام الْمُصحف؟ وَهل فِي التَّكْبِير عِنْد آخر كل سُورَة من الضُّحَى إِلَى آخر الْقُرْآن أثر؟ وَمَا حكم قِرَاءَة الْقُرْآن الْعَظِيم فِي الطّرق الْمُتَيَقن نجاستها وَفِي الْحمام، وَقَول (الْعباب) : وَيحرم جعل دَرَاهِم مثلا فِي ورقة كتب فِيهَا قُرْآن، هَل الورقة الَّتِي فِيهَا عِلْم، وورق المكاتبات لَهَا هَذَا الحكم؟ وَهل ثَبت أَن مؤمني الْجِنّ يقرءُون الْقُرْآن ويعلمون ويتعلمون أَحْكَام الشَّرْع، ويكتبون كَمَا نكتب، وَيصلونَ الصَّلَوَات الْخمس ويتطهَّرون لَهَا، وَمَا يجب على الْآدَمِيّ المتزوج مِنْهُم لزوجته من الْمُؤَن عِنْد من يصحح نكاحهم؟ . فأجبت بِقَوْلِي: نقل الزَّرْكَشِيّ وَغَيره عَن الْعَبَّادِيّ أَن من اسْتعَار كتابا فَوجدَ فِيهِ غَلطا لم يجز إِصْلَاحه وَإِن كَانَ مُصحفا وَجب، وقيَّده الْبَدْر بن جمَاعَة والسراج البُلْقِينِيّ بالمملوك قَالَا: أما الْمَوْقُوف فَيجوز إِصْلَاحه وَظَاهر أَن محلَّه إِذا كَانَ خطُّه مُستصلحاً أَي بِحَيْثُ لَا يتعيب بِهِ الْمُصحف، وَالْكتاب المصَّلح. هَذَا وَاعْلَم أَن شيخ الْإِسْلَام الْبَدْر بن جمَاعَة عقد بَابا للآداب مَعَ الْكتب، وَمَا يتَعَلَّق بتصحيحها وضبطها وَحملهَا ووضعها وشرائها وعاريتها ونُسْخها وَغير ذَلِك، وَقد قصدت تلخيصه هُنَا لتعلم مِنْهُ أجوبة بعض الأسئلة قَالَ مَا حَاصله مَعَ الزِّيَادَة فِيهِ: يَنْبَغِي لطَالب الْعلم أَن يعتني بتحصيل الْكتب الْمُحْتَاج إِلَيْهَا مَا أمكنه، بشرَاء وَإِلَّا فبإجارة أَو عَارِية، وَلَا يشْتَغل بنسخ شَيْء مِنْهَا إِلَّا مَا يتَعَذَّر تَحْصِيله بِغَيْر النّسخ، ولتكن همَّته بالتصحيح أَكثر من التحسين وَتسن إعارتها حيثُ لَا ضَرر، وَقيل تُكْره، وَلَا وَجه لَهُ، كَيفَ وفيهَا من الْإِعَانَة على الْعلم وَالْخَيْر مَا لَا يخفى وللوسائل حكم الْمَقَاصِد، وَقد كتب الشَّافِعِي ﵀ لمُحَمد بن الْحسن ﵁: إِن الْعلم ينهَى أَهله، أَو يَأْبَى أهْلُه أَن يمنعوه أَهله.
وَيَنْبَغِي للْمُسْتَعِير أَن يشْكر للْمُعِير ذَلِك ويجزيه خيرا وَلَو بِالدُّعَاءِ، ولْيَردَّ الْكتاب بعد فرَاغ حَاجته أَو عِنْد طلب مَالِكه، وَلَا يجوز أنْ يُصْلِحه بِغَيْر إِذن صَاحبه أَي بقيده السَّابِق، وَلَا يُحشِّيه شَيْئا فِي مغاضن فواتحه وخواتمه إِلَّا إِذا علم رضَا صَاحبه، وَلَا يُسوِّده وَلَا يُعِير غيرَه وَلَا يودعه لغير ضَرُورَة، حَيْثُ يجوز شرعا، وَلَا ينْسَخ مِنْهُ بِغَيْر إِذن صَاحبه إذْ مُطلق الِاسْتِعَارَة لَا تتَنَاوَل النّسخ إِلَّا إِذا قَالَ لَهُ الْمَالِك لتَنْتفع بِهِ كَيف شِئْت، وَلَا بَأْس بالنسخ من مَوْقُوف على من ينْتَفع بِهِ غير معِين، وَلَا بإصلاحه مِمَّن هُوَ أهل لذَلِك، وحَسُنَ أَن يسْتَأْذن ناظره، وَلَا ينْسَخ مِنْهُ والقرطاس بباطنه وعَلى كِتَابَته وَلَا يضع المحبرة عَلَيْهِ، وَلَا يمر بالقلم الْمَمْدُود من الحبر فَوق كِتَابَته، وَإِذا نسخ مِنْهُ أَو طالع فِيهِ فَلَا يَضَعهُ فِي الأَرْض مفروشاً منشوراً بل يَجعله بَين شَيْئَيْنِ أَو على كرْسِي لِئَلَّا يَنْقَطِع حَبَكُه.
وَإِذا وَضعهَا بمَكَان فليجعل بَينهَا وَبَين الأَرْض حَائِلا ويراعى الْأَدَب فِي وَضعهَا بِاعْتِبَار شرفها وجلالة مصنفها فَيَضَع الاشرف أَعْلَاهَا والمصحف أعل الْكل وَجعله بمسمار مُعَلّق بِنَحْوِ وتدفى حَائِط طَاهِر نظيف فِي صدر الْمجْلس اولى ثمَّ الْكتب الحَدِيث الصَّحِيح الصّرْف كصحيح مُسلم أى لَكِن يَنْبَغِي تَقْدِيم البُخَارِيّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَعَ كَونه أصح أَكثر قُرْآنًا وَسَيَأْتِي أَن الآكثر قُرْآنًا من المستويين فِي علم يقدم ثمَّ تَفْسِير الْقُرْآن ثمَّ شرح الحَدِيث فأصول الدّين فأصول الْفِقْه فالفقه فالنحو فالصرف وعلوم الْمعَانِي وَالْبَيَان والبديع وَنَحْوهَا أشعار الْعَرَب فارعوض وَعند اسْتِوَاء كتابين فِي فن يعلى إِلَّا كثر قُرْآنًا فحديثا فجلاله المُصَنّف فتقدمه فأكثرهما وقوعا فِي أيدى الْعلمَاء الصَّالِحين فأصحهما وَالْأولَى فِي وضع الْكتب أَن يكون أَوله المفتتح بِنَحْوِ اليسملة إِلَى فَوق وَأَن لَا يَجعله خزانَة لنَحْو كراريس وَيحرم جعله مخدة الا عِنْد الْخَوْف عَلَيْهِ وَظَاهر أَن مثله جعله متكأ أَو مُسْند الْأَمر وحة لقلَّة الامتهان فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لما قبله وَيحرم توسد الْمُصحف وَلَو خَافَ سَرقته بِخِلَاف مالوخاف عَلَيْهِ نجسا أَو كَافِرًا فَيجوز توسده بل يجب وليعلم بِنَحْوِ ورقة لَا عود وطى حَاشِيَة وورقة يتفقد مَا اسْتعَار عِنْد الاخذ وَالرَّدّ ويتحرى فِي نظر عَلامَة الصِّحَّة فِيمَا يُرِيد أَن يَشْتَرِيهِ وَمِنْهَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِي ﵁ بقوله لَهُ إِذا رَأَيْت الْكتاب فِيهِ الحاق أَو صَلَاح فاشهد لَهُ بِالصِّحَّةِ وَقَالَ غَيره لَا يضئ الْكتاب حَتَّى يظلم يُرِيد اصلاحه وَيَنْبَغِي لكاتب الْعلم الطَّهَارَة
стр. 163
والاستقبال وَابْتِدَاء الْكتاب بالبسملة وَالْحَمْد لَهُ وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على نبيه مُحَمَّد ﷺ ويختمه بذلك وَيكْتب عِنْد تَمَامه تمّ كتاب كَذَا فَفِيهِ فَوَائِد وليعظم اسْم الله إِذا كتبه بِأَن يكْتب عقبه تَعَالَى أَو تقدس أَو أَو نَحْو ذَلِك وَكَذَا اسْم رَسُوله بِأَن يكْتب عقبه ﷺ فقد جرت بِهِ عَادَة الْخلف كالسلف وَلَا يختصر كتَابَتهَا بِنَحْوِ صلعم فَإِنَّهُ عَادَة المحرومين ويترضى عَن الأكابر كالمجتهدين ويترحم عَمَّن دونهم ويتجنب دَقِيق الْخط فَإِنَّهُ لَا يتنفع بِهِ عِنْد الْكبر ورعاية الِانْتِفَاع بِهِ حِينَئِذٍ أولى من رِعَايَة خفَّة الْحمل أَو توفر مُؤنَة الْكِتَابَة أَو الْوَرق وآداب براية الْقَلَم مبسوطة عِنْد الْكتاب فَإِذا صَحَّ الْكتاب بمقابلته بِأَصْل صَحِيح أَو بقرَاءَته على شيخ فلينقط الْمُشكل وَيذكر ضَبطه فِي الْحَاشِيَة وَيكْتب على مَا صَححهُ أَو ضَبطه صَحَّ صَغِيرَة وَمَا يرَاهُ خطأ يكْتب فَوْقه كَذَا صَغِيرَة وَفِي الْحَاشِيَة صَوَابه كَذَا أَن تحَققه وَالضَّرْب على الزِّيَادَة أولى من نَحْو الحك نعم الحك أولى فِي إِزَالَة نَحْو نقطة أَو شكْلَة وَالْأولَى نَحْو الضَّرْب على الثَّانِي من المكرر إِلَّا أَن كَانَ الأول آخر سطر وَلم يكن مُضَافا لما بعده فالضرب عَلَيْهِ أولى صِيَانة لَا وَله وَيخرج لما فِي الْحَاشِيَة بمنعطف إِلَى جِهَته الْيَمين سَوَاء كَانَ لجِهَة الْكِتَابَة أم يسارها ويدع مِقْدَار حبك آخر الورقة مرَارًا فَلَا يُوصل الكئابة بِهِ لزوالها عِنْد حبك المجلد لَهُ وَيكْتب آخر التَّخْرِيج صَحَّ وَلَا بَأْس بِكِتَابَة الْحَوَاشِي والفوائد والتنبيهات المهمة على حَوَاشِي الْكتب الَّتِي يملكهَا ولتكن مُتَعَلقَة بِمَا فِيهِ من غير إكثار لِئَلَّا يَظْلمه وَترك الْكِتَابَة بَين الأسطر أولى مُطلقًا وَلَا يكْتب آخِره صَحَّ فرقا بَينه وَبَين التَّخْرِيج بل نَحْو حَاشِيَة أَو فَائِدَة أَوله أَو آخِره وَلَا بَأْس بِكِتَابَة نَحْو التَّرْجَمَة أَو الْمَتْن بالحمرة أَو بالرمز بهَا على نَحْو أَسمَاء أَو مَذَاهِب مَعَ بَيَان اصْطِلَاحه أول الْكتاب ويفصل بَين كل كلامين بدارة مثلا لما فِي تَركه من عسر اسْتِخْرَاج الْمَقْصُود انْتهى قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَيحرم مد الرجل إِلَى شَيْء من الْقُرْآن أَو كتب الْعلم انْتهى وَفِي إِطْلَاق الْحُرْمَة وَقْفَة بل الْأَوْجه عدمهَا إِذا لم يقْصد بذلك مَا يُنَافِي تَعْظِيمه وَبحث أَيْضا حُرْمَة كِتَابَته بقلم غير الْعَرَبِيّ وَفِيه نظر أَيْضا وَيفرق بَينه وَبَين حُرْمَة قِرَاءَته بِغَيْر الْعَرَبيَّة بِأَن هَذَا يذهب إعجازه بِخِلَاف الثَّانِي قَالَ الْبَيْهَقِيّ كالحليمي وَالْأولَى أَن لَا يَجْعَل فَوق الْمُصحف غير مثله من نَحْو كتاب أَو ثوب وَألْحق بِهِ الْحَلِيمِيّ جَوَامِع السّنَن أَيْضا وَبحث ابْن الْعِمَاد أَنه يحرم أَن يضع عَلَيْهِ نعلا جَدِيدا أَو يَضَعهُ فِيهِ لِأَن فِيهِ نوع امتهان وَقلة احترام وَالْأولَى أَن لَا يستدبره وَلَا يتخطاه وَلَا يرميه بِالْأَرْضِ بِالْوَضْعِ وَلَا حَاجَة تَدْعُو لذَلِك بل لَو قيل بِكَرَاهَة الْأَخير لم يبعدو ورد النَّهْي عَن تَصْغِير لَفظه كالمسجد فَيَنْبَغِي اجتنابه قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَيسن تطييبه وَجعله على كرْسِي وَتَقْبِيله انْتهى وَيكرهُ أَخذ الفأل مِنْهُ وَقَالَ جمع من الْمَالِكِيَّة بِتَحْرِيمِهِ إِذا تقرر ذَلِك علم الْجَواب عَمَّا ذكره السَّائِل وَهُوَ أَنه يجوز لَهُ إصْلَاح الْغَلَط فِي ملكه وَمَا علم رضَا مَالِكه أَو الْمَوْقُوف عَلَيْهِ الْمعِين بذلك بل يجب فِي الْمُصحف وَيجوز فِي غَيره إِذا لم يعِيبهُ خطه وَيجوز وضع ورقة ليعرف حزبه بهَا وَهُوَ أولى من وضع عود وَنَحْوه وَيجوز وضع مصحف على مصحف وَظَاهر أَنه يجوز أَن يكْتب على الْمَوْقُوف أَنه وقف على كَذَا وَأَن فلَانا وَقفه لما فِيهِ من الْمصلحَة الْعَامَّة وَعَلِيهِ الْإِجْمَاع الْفعْلِيّ وَأَنه يجوز أَن يحشى الْمُصحف من التَّفْسِير والقراآت كَمَا تحشى الْكتب لَكِن يَنْبَغِي أخذا مِمَّا مر فِي تحشية الْكتب أَن لَا يكْتب إِلَّا المهم الْمُتَعَلّق بِلَفْظ الْقُرْآن دون نَحْو الْقَصَص والأعاريب الغربية قَالَ الْحَلِيمِيّ وَمن الْآدَاب أَن لَا يخلط بِهِ مَا لَيْسَ بقرآن كعدد الْآي الْوُقُوف وَاخْتِلَاف القراآت ومعاني الْآيَات وَأَسْمَاء السُّور والأعشار قَالَ الْبَيْهَقِيّ لِأَنَّهُ ﷺ وَأَبا بكر وَعمر وَعُثْمَان لم يَفْعَلُوا شيأ من ذَلِك وَكتب الاحاديث الْمُتَعَلّقَة بفضائل السُّور لَا بَأْس بِهِ لمن علم أَن لتِلْك الْأَحَادِيث أصلا ككون الْفَاتِحَة تعدل ثُلثي الْقُرْآن وَالْإِخْلَاص ثلث الْقُرْآن والكافرون وَمَا بعْدهَا ربعه وَإِذا زلزلت وَالْعَادِيات نصفه وَكَون آيَة الْكُرْسِيّ أعظم آيَة فِي الْقُرْآن وَكَون يس قلب الْقُرْآن أَو تعدله عشر مَرَّات وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَهُ أصل وَأما الْأَحَادِيث الَّتِي لَا أصل لَهَا كالمذكورة فِي تَفْسِير الواحدي والزمخشري والبيضاوي وَغَيرهم فَلَا يجوز رِوَايَتهَا وَلَا كتَابَتهَا لِأَنَّهَا كذب مَوْضُوعَة مُخْتَلفَة بل الْأَحَادِيث الَّتِي لَا يعلم أَن مخرجها مِمَّن يعْتَمد عَلَيْهِ فِي أَن الحَدِيث لَهُ أصل لَا يجوز رِوَايَتهَا وَلَا كتَابَتهَا وَيجوز وضع الْمُصحف فِي كوَّة
стр. 164
طَاهِرَة من غير فرش لَكِن الأولى بفرش وَأولى مِنْهُ وَأفضل كَمَا مر تَعْلِيقه وَمر أَيْضا تَفْصِيل فِي مد الرجل إِلَيْهِ فَاسْتَحْضرهُ وَإِذا قُلْنَا بِحرْمَة الْمَدّ فمحله كَمَا هُوَ ظَاهر حَيْثُ قرب مِنْهُ بِأَن كَانَ ينْسب الْمَدّ إِلَيْهِ ويعد مخلا بتعظيمه وَيجوز وَضعه على مُتَنَجّس مَعْفُو عَنهُ أخذا من قَول النَّوَوِيّ فِي مَجْمُوعه وتبيانه يحرم كتب الْقُرْآن أَو اسْم الله تَعَالَى أَي أَو اسْم رَسُوله ﷺ أَو كل اسْم مُعظم كَمَا هُوَ ظَاهر بِنَجس أَو مُتَنَجّس لم يعف عَنهُ أَو وَضعه على نجس أَو مُتَنَجّس كَذَلِك ومسه بِلَا حَائِل وَإِن كتب بِنَحْوِ جِدَار وَمن ذَلِك مَا أفتى بِهِ ابْن الصّلاح من حُرْمَة كِتَابَة بعض الْقُرْآن وَأَسْمَاء الله على بعض الأكفان لتنجسها بالصديد ومسه بطاهر من بدن تنجس بَاقِيه خلاف الأولى وَقيل يحرم ورد بِأَنَّهُ خرق للْإِجْمَاع وَيحرم بلع قرطاس كتب فِيهِ نَحْو قُرْآن مِمَّا مر لَا شرب غسالته وَيجب على معلم الصّبيان أَن يمْنَع غير الْمُمَيز من مس الْمُصحف وَحمله لِئَلَّا ينتهك حرمته وَله أَن يُمكن الْمُمَيز من حمله لحَاجَة تعلمه مِنْهُ أَو مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ التَّعْلِيم كذهابه بِهِ إِلَى الْمكتب أَو الْبَيْت وَإِن كَانَ محد ثابل أَو جنبا على الْمُعْتَمد وَلَا يجوز لَهُ تَمْكِين الْمُحدث من حمله أَو مَسّه بِغَيْر ذَلِك وَمَا عدا ذَلِك من الْآدَاب إِن اُسْتُؤْجِرَ الْمعلم لشَيْء مِنْهُ معِين لزمَه فعله وَإِلَّا فَلَا وَيسن التَّكْبِير من الضُّحَى إِلَى آخر الْقُرْآن وَهِي قِرَاءَة المكيين أخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب وَابْن خُزَيْمَة من طَرِيق ابْن أبي بزَّة سَمِعت عِكْرِمَة بن سُلَيْمَان قَالَ قَرَأت على إِسْمَاعِيل بن عبد الله الْمَكِّيّ فَلَمَّا بلغت الضُّحَى قَالَ لي كبر حَتَّى تختم فَإِنِّي قَرَأت على عبد الله بن كثير فَأمرنِي بذلك وَقَالَ قَرَأت على مُجَاهِد فَأمرنِي بذلك وَأخْبر مُجَاهِد أَنه قَرَأَ على ابْن عَبَّاس ﵄ فَأمره بذلك أَخْرجَاهُ مَوْقُوفا ثمَّ أخرجه الْبَيْهَقِيّ من وَجه آخر عَن أبي بزَّة مَرْفُوعا وَأخرجه من هَذَا الْوَجْه أَعنِي الْمَرْفُوع الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَصَححهُ وَله طرق كَثِيرَة عَن البزي قَالَ قَالَ لي مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي ﵁ إِن تركت التَّكْبِير فقد تركت سنة من سنَن نبيك قَالَ الْحَافِظ الْعِمَاد بن كثير وَهَذَا يَقْتَضِي تَصْحِيحه للْحَدِيث وروى أَبُو الْعَلَاء الْهَمدَانِي عَن البزي أَن الأَصْل فِي ذَلِك أَن النَّبِي ﷺ انْقَطع عَنهُ الْوَحْي فَقَالَ الْمُشْركُونَ قلى مُحَمَّد اربه فَنزلت سُورَة الضُّحَى فَكبر النَّبِي ﷺ قَالَ ابْن كثير وَلم يرو ذَلِك بِإِسْنَاد يحكم عَلَيْهِ بِصِحَّة وَلَا ضعف وَقَالَ الْحَلِيمِيّ نُكْتَة التَّكْبِير تَشْبِيه الْقُرْآن بِصَوْم رَمَضَان إِذا تمت عدته يكبر فَكَذَا هُنَا يكبر إِذا أكمل عدَّة السُّور قَالَ وَصفته أَن يقف بعد كل سُورَة وَقْفَة وَيَقُول الله أكبر وَكَذَا قَالَ سُلَيْمَان الرَّازِيّ عَن أَصْحَابنَا فِي تَفْسِيره يكبر بَين كل سورتين تَكْبِيرَة وَلَا يصل آخر السُّورَة بِالتَّكْبِيرِ بل يفصل بَينهمَا بسكتة قَالَ وَمن لَا يكبر من الْقُرَّاء فحجتهم فِي ذَلِك سد الذريعة عَن الزِّيَادَة فِي الْقُرْآن بِأَن يداوم عَلَيْهَا فيتوهم أَنه مِنْهُ وَفِي النشر اخْتلف الْقُرَّاء فِي ابْتِدَائه هَل هُوَ من أول الضُّحَى أَو من آخرهَا وَفِي انتهائه هَل هُوَ أول سُورَة النَّاس أَو آخرهَا وَفِي وَصله بأوها وَآخِرهَا وَالْخلاف فِي الْكل مَبْنِيّ على أصل وَهُوَ أَنه هَل هُوَ لأوّل السُّورَة أَو لآخرها وَفِي لَفظه فَقيل الله أكبر وَقيل لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر وَسَوَاء فِي التَّكْبِير الصَّلَاة وخارجها صرح بِهِ السخاوي وَأَبُو شامة (فَائِدَة) منع الإِمَام أَحْمد من تَكْرِير سُورَة الْإِخْلَاص عِنْد الْخَتْم وَلَكِن عمل النَّاس على خِلَافه وحكمته أَن فِيهِ جبرا لما لَعَلَّه حصل فِي الْقِرَاءَة من خلل قَالَ بعض الْمُحَقِّقين وكما قَاس الْحَلِيمِيّ التَّكْبِير عِنْد الْخَتْم على التَّكْبِير عِنْد إِكْمَال رَمَضَان فَيَنْبَغِي أَن يُقَاس تَكْرِير سُورَة الْإِخْلَاص على اتِّبَاع رَمَضَان بست من شَوَّال انْتهى وَقيل حِكْمَة التكرير مَا ورد أَنَّهَا تعدل ثلث الْقُرْآن فَتحصل ختمة وَاعْترض بِأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَن تقْرَأ أَرْبعا ليحصل ختمتان أَي الختمة المقروءة تَحْقِيقا والمقروءة تَقْديرا بِالثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَة ورد بِمَا تقرر أَولا من أَنه لَيْسَ الْقَصْد ذَلِك بل جبر الْخلَل كَمَا مر وَهُوَ يحصل بتكريرها ثَلَاثًا وَإِن كَانَت وَاحِدَة مِنْهُمَا تَكْمِلَة للختمة المقروءة وَتكره الْقِرَاءَة فِي مَحل النَّجَاسَة حَتَّى فِي الْخَلَاء وَقيل تحرم وَاخْتَارَهُ الْأَذْرَعِيّ وَفِي الطَّرِيق للنَّهْي عَنْهَا وَإِن لم تكن فِيهِ نَجَاسَة وَفِي بَيت الرَّحَى وَهِي تَدور وَلَا تكره بحمام أَي بِمحل نظيف مِنْهُ عَن النَّجَاسَة لَكِنَّهَا فِيهِ خلاف الأولى قَالَه النَّوَوِيّ وَهُوَ ظَاهر وَأَن اعْترض بِأَن الْجُمْهُور على الْكَرَاهَة كَمَا بَينته فِي شرح الْعباب وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين السِّرّ والجهر وَلَا بَين من لَهُ ورد وَغَيره وَفَارَقت كَرَاهَة الصَّلَاة فِيهِ بِأَن الصَّلَاة يحْتَاط لَهَا أَكثر لِأَنَّهَا لعظم فضيلتها يتسلط الشَّيْطَان
стр. 165
فِيهَا وَالْحمام مأوى الشَّيَاطِين وَأما الْقِرَاءَة فَلَيْسَتْ كَذَلِك على أَنَّهَا قد تكون سَببا لطرده وإيذائه كَمَا صَحَّ ذَلِك فِي آيَة الْكُرْسِيّ وَقَول السَّائِل وَقَول الْعباب وَيحرم الخ يعلم جَوَابه من قولي فِي شَرحه وَيحرم جعل دَرَاهِم مثلا فِي ورقة كتب فِيهَا قُرْآن وَمِنْه الْبَسْمَلَة كَمَا أفتى بِهِ الحناطي وَنَقله السُّبْكِيّ عَن الْفُقَهَاء وَفرق ابْن الْعِمَاد فِي حل لبس الثَّوْب الْمُطَرز بِالْقُرْآنِ بِأَن الْمَكْتُوب هُنَا قصد بِهِ الدراسة وَمُقْتَضَاهُ أَنه لَا يحرم جعل ذَلِك فِيمَا كتب لَا للدارسة وَفِيه نظر وَالَّذِي يتَّجه الْفرق بِأَن لبس الثَّوْب الْمَذْكُور لَيْسَ فِيهِ امتهان بطرِيق الذَّات بل بطرِيق التبع بِخِلَاف وضع النَّقْد فِي تِلْكَ الورقة فَإِنَّهُ مُتَضَمّن للامتهان بطرِيق الذَّات وَيظْهر أَنه يلْحق بِالْقُرْآنِ كل اسْم مُعظم وكالنقد فِيمَا ذكر نَحْو الأكحال والأدوية بل أولى خلافًا لما يُوهِمهُ كَلَام البازري وَيَنْبَغِي أَن يلْحق بذلك مَا يبطن بِهِ جُلُود الْمَصَاحِف وَغَيرهَا من الأوراق الَّتِي فِيهَا اسْم مُعظم فَيحرم كجعل نَحْو النَّقْد فِيهَا بِجَامِع مَا فِي كل من الامتهان بِخِلَاف مَا لَيْسَ فِيهِ اسْم مُعظم وَإِن كَانَ من الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة ثمَّ رَأَيْت ابْن الْحَاج الْمَالِكِي فِي مدخله صرح بذلك فحرمه بِمَا فِيهِ قُرْآن أَو حَدِيث أَو اسْم من أَسمَاء الْمَلَائِكَة والأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ حُرْمَة لَهُ وتعظيما لقدره بِخِلَاف مَا فِيهِ أَسمَاء الْعلمَاء وَالسَّلَف الصَّالح أَو شَيْء من الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة فَإِنَّهُ يكره وَلَا يحرم انْتهى وَهُوَ ظَاهر مُوَافق لقواعدنا انْتَهَت عبارَة شرح الْعباب وَمِنْهَا يعلم أَن الورقة الَّتِي فِيهَا علم شَرْعِي لَيست كَالَّتِي فِيهَا قُرْآن أَو اسْم مُعظم وَأَن وضع نَحْو النَّقْد فِي تِلْكَ مَكْرُوه وَفِي هَذِه حرَام وَسُئِلَ ابْن الصّلاح عَمَّن يَقُول الشَّيْطَان يقدر أَن يقْرَأ الْقُرْآن وَيُصلي هُوَ وَجُنُوده فَأجَاب بقوله ظَاهر النقول يَنْفِي قراءتهم الْقُرْآن وقوعا وَيلْزم من ذَلِك انْتِفَاء الصَّلَاة مِنْهُم إِذْ مِنْهَا قِرَاءَة الْقُرْآن وَقد ورد أَن الْمَلَائِكَة لم يُعْطوا فَضِيلَة حفظه فهم حريصون على استماعه من الْإِنْس فَإِن قِرَاءَة الْقُرْآن كَرَامَة أكْرم الله بهَا الْإِنْس غير أَن الْمُؤمنِينَ من الْجِنّ بلغنَا أَنهم يقرؤنه وَمَا ذكره فِي الْمَلَائِكَة قَالَ الْكَمَال الدَّمِيرِيّ قد يتَوَقَّف فِيهِ من جِهَة أَن جِبْرِيل هُوَ النَّازِل بِالْقُرْآنِ على النَّبِي ﷺ وَقَالَ تَعَالَى فِي وصف الْمَلَائِكَة ﴿والتاليات ذكرا﴾ أَي تتلو الْقُرْآن انْتهى وَقد يُجَاب بِأَن ذَلِك خُصُوصِيَّة لجبريل وَتَفْسِير الْآيَة بِخُصُوص كَونهَا تتلو الْقُرْآن هُوَ مَحل النزاع فَلَا دَلِيل فِيهِ وَمَا ذكره فِي مؤمني الْجِنّ يُؤَيّدهُ مَا أخرجه الْخَطِيب فِي رِوَايَة مَالك عَن جَابر ﵁ قَالَ بَيْنَمَا نَحن نسير مَعَ النَّبِي ﷺ إِذْ أَقبلت حَيَّة سَوْدَاء ثعبان ذكر فَوضعت رَأسهَا فِي أذن النَّبِي ﷺ وَوضع النَّبِي ﷺ فَمه على أذنها فناجاها ثمَّ ذهبت وكأنما الأَرْض قد ابتلعتها فَقُلْنَا يَا رَسُول الله لقد أشفقنا عَلَيْك فَقَالَ النَّبِي ﷺ هَذَا وَفد الْجِنّ نسوا سُورَة فَأَرْسلُوهُ إِلَيّ ففتحت عَلَيْهِم الْقُرْآن وَفِي هَذَا تَصْرِيح بِأَنَّهُم يقرؤن الْقُرْآن وَفِي حَدِيث ورد من طرق كَثِيرَة يبلغ بهَا دَرَجَة الْحسن كَمَا قَالَ بعض الْمُحَقِّقين ٢ أَن هَامة ابْن إِبْلِيس جَاءَ للنَّبِي ﷺ وَذكر أَنه حضر قتل هابيل بن آدم وَأَنه اجْتمع بِنوح فَمن بعدهمْ وآمن بهم ثمَّ طلب من النَّبِي ﷺ بعد أَن آمن بِهِ وبلغه السَّلَام من عِيسَى ﵊ فَرد ﵇ أَن يُعلمهُ شيأ من الْقُرْآن فَعلمه الْوَاقِعَة والمرسلات وَعم يتساءلون وَإِذا الشَّمْس كورت وَقل هُوَ الله أحد والمعوذتين ثمَّ مَا أفهمهُ التلازم بَين الْقِرَاءَة وَالصَّلَاة الَّذِي مر عَن ابْن الصّلاح من أَن مؤمني الْجِنّ يصلونَ يدل لَهُ مَا رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ فِي تَفْسِيره عَن إِسْمَاعِيل البَجلِيّ عَن سعيد بن جُبَير قَالَ قَالَت الْجِنّ للنَّبِي ﷺ كَيفَ لنا بمسجدك أَن نشْهد الصَّلَاة مَعَك وَنحن ناؤن عَنْك فَنزلت وَأَن الْمَسَاجِد لله فَلَا تدعوا مَعَ الله أحدا وَفِي نِهَايَة ابْن الْأَثِير فِي الحَدِيث لَا تحدثُوا فِي القزع فَإِنَّهُ مصلى الْخَائِفِينَ والقزع بِالتَّحْرِيكِ أَن يكون فِي الأَرْض ذَات الكلا مَوَاضِع لَا نَبَات بهَا والخائفون الْجِنّ وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن مَسْعُود فِي قصَّته لَيْلَة جن نَصِيبين لما خرج إِلَيْهِم النَّبِي ﷺ بِأَعْلَى مَكَّة وَرجع النَّبِي ﷺ من عِنْدهم أدْركهُ شخصان مِنْهُم فَقَالَا لَهُ يَا رَسُول الله إِنَّا نحب أَن تؤمنا فِي صَلَاتنَا قَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ فَصَليَا خَلفه ثمَّ صلى بِنَا ثمَّ انصرفا فَقلت لَهُ من هَؤُلَاءِ يَا رَسُول الله فَقَالَ هَؤُلَاءِ جن نَصِيبين الحَدِيث وَأفْتى أَبُو الْبَقَاء العكبري الْحَنْبَلِيّ بِصِحَّة الصَّلَاة خلف الْجِنّ لأَنهم مكلفون وَالنَّبِيّ ﷺ مُرْسل إِلَيْهِم أَي
стр. 166
إِجْمَاعًا وَذكر ابْن الصَّيْرَفِي الْحَنْبَلِيّ أَيْضا أَن الْجُمُعَة تَنْعَقِد بهم وَقَضِيَّة مَذْهَبنَا ذَلِك أَن تحقق وجود شُرُوط الْإِمَامَة وَالْجُمُعَة فِي الْعين مِنْهُم الَّذِي يُرَاد الائتمام بِهِ أَو حسبانه من الْأَرْبَعين وَيُؤَيّد ذَلِك إِفْتَاء السُّبْكِيّ بِأَنَّهُم مكلفون بِشَرِيعَتِهِ ﷺ فِي كل شَيْء لِأَنَّهُ إِذا ثَبت إرْسَاله إِلَيْهِم كإرساله لنا وَالدَّعْوَى عَامَّة والشريعة عَامَّة لَزِمَهُم كل تَكْلِيف وجد سَببه فيهم إِلَّا أَن يدل دَلِيل على التَّخْصِيص قَالَ فَنَقُول تلزمهم الصَّلَاة وَالزَّكَاة بشرطها وَالصَّوْم وَالْحج وَغَيرهَا من الْوَاجِبَات وَيحرم عَلَيْهِم كل حرَام وَلَا نلتزم ذَلِك فِي الْمَلَائِكَة وَإِن قُلْنَا بِعُمُوم الرسَالَة لَهُم أى وَهُوَ الْأَصَح عِنْد جمع الْمُحَقِّقين وَيدل لَهُ حَدِيث مُسلم وَأرْسلت إِلَى الْخلق كَافَّة وَقد ورد فِي آثَار كَثِيرَة عَن السّلف أَن جمعا من الْجِنّ كَانُوا يقرؤون الْقُرْآن عَلَيْهِم ويتعلمون الْعلم وَبِالْجُمْلَةِ التَّكْلِيف شَرطه الْعلم فَمَا علموه لَزِمَهُم وَمَا لَا فَلَا انْتهى كَلَام السُّبْكِيّ وَفِي فروع الْحَنَابِلَة أَنهم مكلفون فِي الْجُمْلَة وَإِن كافرهم فِي النَّار ومؤمنهم فِي الْجنَّة أَي وَهُوَ مَا ذهب إِلَيْهِ جُمْهُور الْعلمَاء حَتَّى أَبُو حنيفَة ﵁ خلافًا لما نقل عَنهُ أَنه لَا ثَوَاب لَهُم إِلَّا النجَاة من النَّار ثمَّ يكونُونَ تُرَابا انْتهى وَأَن ثَوَاب مؤمنهم فِي الْجنَّة كثوابنا ثمَّ أَطَالَ الْكَلَام فِي كثير من فروع فقهية وَغَيرهَا تتَعَلَّق بهم وَبِه كَالَّذي مر عَن السُّبْكِيّ يعلم الْجَواب عَن قَول السَّائِل يعلمُونَ ويتعلمون أَحْكَام الشَّرْع ويكتبون وَيصلونَ ويتطهرون وَقَوله وَمَا الَّذِي يجب على الْآدَمِيّ المتزوج مِنْهُم الخ وَجَوَابه إِذا ثَبت أَنهم مكلفون كتكليفنا جرت عَلَيْهِم الْأَحْكَام الْجَارِيَة علينا فِي الْعِبَادَات والمعاملات وَالنَّفقَة على الزَّوْجَات وعلينا لَهُم إِذا صححنا النِّكَاح مِنْهُم على القَوْل الضَّعِيف إِذْ لأصح أَنه لَا يَصح نِكَاح آدَمِيّ جنية كَعَكْسِهِ لأَنهم غير جنسنا فهم بِمَثَابَة بَقِيَّة الْحَيَوَانَات وَقد وَقع لنا فِي ابْتِدَاء الطّلب أَن بعض مَشَايِخنَا مِمَّن جمع بَين الْعلم وَالصَّلَاح قرر صِحَة أنكحتهم فتوقفنا فِيهِ وبحثنا مَعَه فِي ذَلِك ثمَّ جَاءَنَا فِي يَوْم فَقَالَ رَأَيْت النَّبِي ﷺ البارحة فِي النّوم فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ لي أَيحلُّ نِكَاح الْبَقَرَة أَي فَلَا يحل نكاحهم لأَنهم من غير الْجِنْس وَيُؤَيّد ذَلِك قَوْله تَعَالَى ممتنا علينا وَالله جعل لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا فَلَو جَازَ التَّزَوُّج مِنْهُم لفات ذَلِك الامتنان فَعلم أَن الْآيَة دَالَّة أَيْضا على عدم صِحَة نكاحنا مِنْهُم وَهُوَ الْمُعْتَمد (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْقَمَر إِذا اتسق﴾ مَا هُوَ اتساقه فَإنَّا أَحْيَانًا مَا نرى الْهلَال حَتَّى يمْضِي من الشَّهْر ثَلَاث لَيَال وَنَحْوهَا وَفِي أوساط الشَّهْر يحصل الصحو أَحْيَانًا فَإِذا عرفنَا اتساقه مَتى يكون عرفنَا دُخُوله إِذا حصل الْغَيْم فِي زمن الرّبيع فبينوا لنا بَيَانا وَاضحا (فَأجَاب) بقوله معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْقَمَر إِذا اتسق﴾ اسْتَوَى وَاجْتمعَ وتكامل وَمن ثمَّ قَالَ الْفراء اتساقه امتلاؤه واجتماعه واتساقه لَيْلَة ثَلَاث عشرَة وَأَرْبع عشرَة إِلَى سِتّ عشرَة وَإِذا كَانَ هَذَا معنى الاتساق لم يتَوَجَّه قَول السَّائِل فَإنَّا أَحْيَانًا الخ (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ بِمَا لَفظه فِي التَّفْسِير فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إنْشَاء فجعلناهن أَبْكَارًا عربا أَتْرَابًا لأَصْحَاب الْيَمين﴾ حِكَايَة عَن الحَدِيث أَنَّهُنَّ اللَّاتِي قبض عَجَائِز خَلقهنَّ الله بعد الْكبر عذارى فَجَعلهَا عذارى مُتَعَشقَات على مِيلَاد وَاحِد أفضل من الْحور الْعين كفضل الظهارة على البطانة وأنهن لأَصْحَاب الْيَمين مُوَافقا لظَاهِر الْآيَة هَل هن مختصات بأصحاب الْيَمين والحور الْعين بالمقربين أَو الِاعْتِبَار بالأكثرية (فَأجَاب) بقوله لفظ هَذَا الحَدِيث لم أره وَإِنَّمَا الَّذِي رَأَيْته مَا أخرجه كَثِيرُونَ مِنْهُم عبد بن حميد وَالتِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إنْشَاء﴾ قَالَ أَن هَذِه الْمُنْشَآت الَّتِى كن فِي الدُّنْيَا عَجَائِز عمشًا عمصا وَمَا أخرجه آخَرُونَ مِنْهُم الطَّيَالِسِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن مرْثَد الْجعْفِيّ ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله
يَقُول فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إنْشَاء﴾ قَالَ الثّيّب وَالْإِبْكَار اللَّاتِي كن فِي الدُّنْيَا وَمَا أخرجه آخَرُونَ مِنْهُم عبد بن حميد وَالتِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل وَالْبَيْهَقِيّ عَن الْحسن قَالَ أَتَت عَجُوز للنَّبِي ﷺ فَقَالَت يَا رَسُول الله أدع الله لى أَن يدخلني الْجنَّة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يَا أم فلَان إِن الْجنَّة لَا تدْخلهَا عَجُوز فَوَلَّتْ تبْكي فَقَالَ أَخْبرُوهَا أَنَّهَا لَا تدْخلهَا وَهِي عَجُوز أَن الله يَقُول ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إنْشَاء فجعلناهن أبكار﴾ أَو فِي رِوَايَة عِنْد الْبَيْهَقِيّ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت دخل عليّ النَّبِي ﷺ وَعِنْدِي عَجُوز فَقَالَ من هَذِه فَقلت إِحْدَى خَالَاتِي فَقَالَ أما إِنَّه لَا تدخل الْجنَّة الْعَجُوز فداخل الْعَجُوز من تِلْكَ مَا شَاءَ الله فَقَالَ
стр. 167
النَّبِي ﷺ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ خلقا آخر وَفِي رِوَايَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ عَنْهَا أَنه ﷺ أَتَتْهُ عَجُوز من الْأَنْصَار فَقَالَت يَا رَسُول الله ادْع الله أَن يدخلني الْجنَّة فَقَالَ أَن الْجنَّة لَا تدْخلهَا عَجُوز فَذهب يُصَلِّي ثمَّ رَجَعَ فَقَالَت عَائِشَة ﵂ لقد لقِيت من كلمتك مشقة فَقَالَ إِن ذَلِك كَذَلِك أَن الله إِذا أدْخلهُنَّ الْجنَّة حَوْلهنَّ أَبْكَارًا وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ خَلقهنَّ غير خَلقهنَّ الأول وَقَالَ قَتَادَة الضَّمِير لِأَزْوَاج الْقَوْم وَالْحسن الضَّمِير للنِّسَاء وَسَعِيد بن جُبَير مَعْنَاهُ خلقناهن خلقا جَدِيدا وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه أَنه ﷺ قَالَ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ أَنْشَأَهُنَّ وَأخرج الطَّبَرَانِيّ أَنه ﷺ قَالَ أَن أهل الْجنَّة إِذا جامعوا نِسَاءَهُمْ عدن أَبْكَارًا وَجَاء عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره رِوَايَات حاصلها أَن الْعَرَب العواشق المتعشقات لِأَزْوَاجِهِنَّ المتحببات المقودات إِلَيْهِم الغنجات المتغنجات الْحَسَنَات الْكَلَام الغلمات أَي القويات الشَّهْوَة وأصل العربة النَّاقة الَّتِي تشْتَهي الْفَحْل وَالْمَرْأَة الْحَسَنَة للبعل وَورد بِسَنَد ضَعِيف أَنه ﷺ قَالَ خير نِسَائِكُم العفيفة الغلمة وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه ﵁ قَالَ قَالَ ﷺ عربا كلامهن عَرَبِيّ وَأَن الأتراب المستويات فِي السن وَهُوَ ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة إِذا تقرر ذَلِك فأنشأناهن إِن كَانَ مَعْنَاهُ بدأنا خَلقهنَّ فَالضَّمِير فِيهِ رَاجع للحور الْعين وَهُوَ بعيد خلافًا لمن قَالَ بِهِ وَكفى بِهَذَا الْأَحَادِيث السَّابِقَة فِي رده وَعَلِيهِ فَلَا إِشْكَال لإفادته أَن الْحور الْعين للسابقين ولأصحاب الْيَمين وَإِن كَانَ مَعْنَاهُ أعدنا خَلقهنَّ فَالضَّمِير رَاجع لِنسَاء الدُّنْيَا كَمَا دلّ عَلَيْهِ بعض تِلْكَ الْأَحَادِيث أما ارجاعا لَهُ على مَعْلُوم لم يذكر على حد حَتَّى تَوَارَتْ بالحجاب أَو على مَذْكُور بِالْقُوَّةِ لِأَن الْفرش المرفوعة تستلزمهن نظر اللكمال أَو بِالْفِعْلِ لِأَن الْفرش يعبر بهَا عَن النِّسَاء كاللباس وعَلى كل فَظَاهر الْآيَة أَفَادَ أَن الْحور الْعين للسابقين وَنسَاء الدُّنْيَا لأَصْحَاب الْيَمين وَهُوَ مُشكل لتصريح حَدِيث الطَّبَرَانِيّ بِأَن فضل نسَاء الدُّنْيَا على الْحور الْمُنْشَآت كفضل الظهارة على البطانة بصلاتهن وصومهن وعبادتهن لله تَعَالَى فَيكون الْأَعْلَى للمفضول والأدون للفاضل وَيُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ ورد أَن أَسْفَل أهل الْجنَّة يُفْضِي فِي الْغَدَاة الْوَاحِدَة إِلَى مائَة عذراء وَيقوم على رَأسه عشرَة آلَاف خَادِم وَأَن للرجل زَوْجَتَيْنِ من نسَاء الدُّنْيَا وَبِذَلِك يعلم اشْتِرَاك أهل الْجنَّة جَمِيعهم فِي الْحور وَنسَاء الدُّنْيَا وَالَّذِي فِي آيَة الْوَاقِعَة إِنَّمَا هُوَ تمايز السَّابِقين وَأهل الْيَمين بِمَجْمُوع الْمَذْكُورَات لَا بِكُل وَلَا شكّ أَن من تَأمل مَا أعْطِيه السَّابِقُونَ من مَجْمُوع تِلْكَ الْمَذْكُورَات لَهُم وجدهَا أفضل مِمَّا أعْطِيه أَصْحَاب الْيَمين وَأما كَون بعض مَا ذكر لأَصْحَاب الْيَمين أفضل من بعض مَا ذكر للسابقين فَلَا يضر لِأَنَّهُ علم من السّنة اشتراكهما فِي الْحور الْعين وَنسَاء الدُّنْيَا وَيصِح أَن يُرَاد بأصحاب الْيَمين الْمَذْكُور بعد أَتْرَابًا أَصْحَاب مَجْمُوع الْفَرِيقَيْنِ السَّابِقين وَأَصْحَاب الْيَمين وَحِينَئِذٍ فَيُفِيد النَّص على اشْتِرَاك الْفَرِيقَيْنِ فِي ذَلِك وحكمته أَنه لما ذكر مَا يخص كل ختم بِمَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ كَمَا دلّت عَلَيْهِ السّنة وَحِينَئِذٍ فَلَا إِشْكَال وَيكون الضَّمِير رَاجعا إِلَى مُطلق نسَاء الْجنَّة الَّتِي من جملتهن نسَاء الدُّنْيَا كَمَا دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث الأول أَن من الْمُنْشَآت الخ وَيدل لَهُ التَّصْرِيح فِي حَدِيث آخر بِأَن الْحور منشآت أَيْضا هَذَا مَا ظهر فِي الْآيَة وَإِن لم أر من ذكره وَالله تَعَالَى أعلم بأسرار كِتَابه أذاقنا لله حلاوة فهمه بمنه وَكَرمه (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَن جعل جَوَاب الشَّرْط خرقها فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِذا ركبا فِي السَّفِينَة خرقها﴾ دون قَالَ الْمُسَبّب عَنهُ وَفِي الْآخِرَة ﴿استطعما أَهلهَا﴾ دون قَالَ الْمُسَبّب عَنهُ أَيْضا وَفِي المتوسطة بَينهمَا جعل جَوَاب الشَّرْط قَالَ دون سَببه الَّذِي هُوَ قتل الْغُلَام مَا حِكْمَة ذَلِك (فَأجَاب) بقوله جعل السَّبَب هُوَ الْجَواب فِي الأولى وَالْآخِرَة هُوَ الأَصْل لِأَنَّهُ محط الْفَائِدَة فَلَا يسئل عَن حكمته والمسئول عَنهُ إِنَّمَا الْآيَة الْوُسْطَى تغير الأسلوب فِيهَا وحكمته وَالله أعلم أَن القَوْل فِيهَا وَقع على شدَّة من الغلظة وَالْإِنْكَار وَالْمُبَالغَة فِي التوبيخ وَلم يُوجد نَظِير ذَلِك فِي الأولى وَالْآخِرَة وَلأَجل هَذَا زَاد الْخضر فِي الْجَواب لَك فِي ألم أقل لَك إشعارا لمُوسَى ﷺ بِأَنَّهُ فِي هَذَا الحَدِيث خَالف الْعَهْد الَّذِي الْتَزمهُ مَعَه فِي عدم الْإِنْكَار عَلَيْهِ مُخَالفَة ظَاهِرَة وَالْقَوْل بِأَن الْأَمر أبلغ من النكر والإغلاظ فِي الأولى أبلغ مِنْهُ فِي الثَّانِيَة لِأَن خشيَة قتل كثيرين لَيست كَقَتل وَاحِد ضَعِيف جدا بل الصَّوَاب مَا قَرّرته من أَن مَا فِي الثَّانِيَة أبلغ وَأَشد فِي الْإِنْكَار وَتحقّق قتل نفس زكية أقبح من
стр. 168
خشيَة قتل جمع لم يَقع وَإِذا تقرر أَن مَا فِي الثَّانِيَة أبلغ وأكد فِي الْإِنْكَار مِمَّا فِي الأولى وَالْآخِرَة اتَّضَح أَنه لَا بُد فِيهَا من الْإِشَارَة لذَلِك فَغير الأسلوب فِيهَا وَجعل الْجَواب القَوْل لِأَن الأغرب الَّذِي يكون الْجَواب لَهُ أوقع فِي النَّفس من السَّبَب الَّذِي علم مِنْهُ سبق نَظِيره وَهُوَ الْخرق وَفِيه حِكْمَة أُخْرَى وَهِي زِيَادَة الاستغراب فِي السَّبَب بقرنه بِالْفَاءِ لما قطعه عَن الْجَواب الدَّال على وُقُوع الْقَتْل عقب اللقى مَعَ زكاء تِلْكَ النَّفس ظَاهر أَو جعله جَوَابا يفوت هَذِه الْإِشَارَة وَالْحَاصِل أَن المتوسطة غير فِيهَا أسلوب الْأَوَّلين لداع اقْتَضَاهُ وَهُوَ مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ الَّذِي لَوْلَا ذَلِك التَّغْيِير لما تنبه لَهُ وَسُئِلَ عَن حكمته وَنَظِير ذَلِك قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْأَنْعَام قل لَا أَقُول لكم عِنْدِي خَزَائِن الله وَلَا أعلم الْغَيْب وَلَا أَقُول لكم إِنِّي ملك فكرر أَقُول فِي الأولى وَالْآخِرَة دون المتوسطة لحكمة ظَاهِرَة فِي أَن انْتِفَاء الخزائن وَالْمَلَائِكَة عَنهُ مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ فَسلط النَّفْي على قَوْلهمَا الَّذِي يتقوله بعض الْكَذَّابين لَا عَلَيْهِمَا لما تقرر من الْعلم بانتفائهما وَأما انْتِفَاء علم الْغَيْب عَنهُ فَغير ضَرُورِيّ بل ثُبُوته لَهُ من جملَة المعجزات الَّتِي يجوز وُقُوعهَا للأنبياء فَيحْتَاج إِلَى تسليط النَّفْي عَلَيْهِ لَا على قَوْله مُبَالغَة فِي التبري من ادعائه وإفادة الِاخْتِصَاص بِاللَّه من حَيْثُ الْعُمُوم للجزئيات والكليات والممنوح لبَعض الْخَواص إِنَّمَا هُوَ جزئيات مِنْهُ لَا غير فَتَأَمّله وَالله أعلم (وَسُئِلَ) نفع الله بِعُلُومِهِ عَن نزُول الْقُرْآن فِي أَي لَيْلَة من رَمَضَان (فَأجَاب) بقوله أنزل لَيْلَة أَرْبَعَة وعشرن مِنْهُ وَكَانَ تِلْكَ اللَّيْلَة هِيَ لَيْلَة الْقدر فِي تِلْكَ السّنة فَمن ثمَّ حكم تَعَالَى بِأَنَّهُ نزل فِي رَمَضَان وَفِي لَيْلَة الْقدر وأصل هَذَا مَا رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ عَن وائلة بن الْأَسْقَع ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أنزلت التَّوْرَاة لست مضين من رَمَضَان وَالْإِنْجِيل لثلاث عشرَة خلت مِنْهُ وَالزَّبُور لثمان عشرَة خلت مِنْهُ وَالْقُرْآن لأَرْبَع وَعشْرين خلت مِنْهُ وَفِي رِوَايَة وصحف إِبْرَاهِيم لأوّل لَيْلَة قَالَ فِي فتح الْبَارِي وَهَذَا الحَدِيث مُطَابق لقَوْله تَعَالَى ﴿شهر رَمَضَان الَّذِي أنزل فِيهِ الْقُرْآن﴾ وَلقَوْله ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة الْقدر﴾ فَيحْتَمل أَن تكون لَيْلَة الْقُدْرَة فِي تِلْكَ السّنة كَانَت تِلْكَ اللَّيْلَة فَأنْزل فِيهَا جملَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا ثمَّ أنزل فِي الْيَوْم الرَّابِع وَالْعِشْرين إِلَى الأَرْض أول ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق﴾ انْتهى وَقَوله فَيحْتَمل الخ إِنَّمَا يَأْتِي على انتقالها الَّذِي اخْتَارَهُ النَّوَوِيّ وَغَيره لَا على الْمَذْهَب أَنَّهَا تلْزم لَيْلَة بِعَينهَا فَعَلَيهِ يُجَاب بِأَن هَذَا الحَدِيث مَعَ انضمام الْآيَة إِلَيْهِ يدل على أَنَّهَا لَيْلَة أَربع وَعشْرين وَعَلِيهِ كَثِيرُونَ وَأطَال بَعضهم النَّفس فِي الِاسْتِدْلَال لَهُ وَقَوله أَن أول اقْرَأ نزل يَوْم الرَّابِع وَالْعِشْرين مُشكل بِمَا اشْتهر من أَنه ﷺ بعث فِي شهر ربيع الأول وَأجِيب عَن هَذَا بِمَا ذَكرُوهُ أَنه نَبِي أَولا بالرؤيا فِي شهر مولده ثمَّ كَانَت مدَّتهَا سِتَّة أشهر ثمَّ أوحى الله إِلَيْهِ فِي الْيَقَظَة ذكره الْبَيْهَقِيّ وَغَيره وَجَاء عَن أبي قلَابَة أَن الْكتب أنزلت لَيْلَة أَربع وَعشْرين من رَمَضَان وَقدمُوا الأول عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أثبت مِنْهُ وَاسْتشْكل إنزاله جملَة لَيْلَة الْقدر إِلَى بَيت الْعِزَّة بِأَن من جملَته إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة الْقدر فَإِن لم تكن مِنْهُ فَمَا نزل جملَة وَإِن كَانَت مِنْهُ فَمَا وَجه صِحَة هَذِه الْعبارَة وَأجِيب بِأَن مَعْنَاهُ أَنا حكمنَا بإنزاله فِي لَيْلَة الْقدر وقضينا وقدرناه فِي الْأَزَل وَأنزل بِمَعْنى ننزله فِي لَيْلَة الْقدر كأتى أَمر الله (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ هَل ورد أَن اللاحن فِي الْقُرْآن لَهُ ثَوَاب (فَأجَاب) بقوله أخرج الْبَيْهَقِيّ أَنه ﷺ قَالَ من قَرَأَ الْقُرْآن فأعربه كُله فَلهُ بِكُل حرف أَرْبَعُونَ حَسَنَة فَإِن أعرب بعضه ولحن فِي بعضه فَلهُ بِكُل حرف عشرُون حَسَنَة وَإِن لم يعرب شيأ لَهُ بِكُل حرف عشر حَسَنَات وَإسْنَاد ضَعِيف مُنْقَطع بل فِيهِ كَذَّاب وَضاع قَالَ الْحَافِظ السُّيُوطِيّ وَالظَّاهِر أَن الحَدِيث مِمَّا صنعت يَدَاهُ وَقد عده الذَّهَبِيّ من مَنَاكِيره وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ على كَيْفيَّة أُخْرَى وَقَالَ تفرد بِهِ فلَان وَهُوَ مَتْرُوك وَالْبَيْهَقِيّ بِلَفْظ من قَرَأَ القرىن فاعرب فِي قِرَاءَته كَانَ لَهُ بِكُل حُرُوف عشرُون حَسَنَة وَمن قَرَأَهُ بعير إِعْرَاب كَانَ لَهُ بِكُل حرف عشر حَسَنَات وَإِسْنَاده لَا يَصح أَيْضا فَإِن رَاوِيه بَقِيَّة وَقد عنعنه وَهُوَ مُدَلّس وبفرض صِحَّته فَيحمل على لاحن لم يتَعَمَّد اللّحن وَلم يقصر فِي التَّعَلُّم (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ من النَّازِل فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنْهُم من عَاهَدَ الله﴾ الْآيَة (فَأجَاب) بقوله ذكر جمع أَنه ثَعْلَبَة بن حَاطِب البدوي قَالَ فِي الْإِصَابَة وَلَا أَظن الْخَبَر يَصح وَإِن صَحَّ فَفِي كَونه هُوَ البدري نظر وَقد ذكر ابْن الْكَلْبِيّ أَن البدري قتل بِأحد فَبَان أَنه غير هَذَا لِأَن هَذَا عَاشَ إِلَى خلَافَة عُثْمَان ﵁ وَيُؤَيّد ذَلِك تَسْمِيَته فِي تَفْسِير ابْن مرْدَوَيْه
стр. 169
ثَعْلَبَة بن حَاطِب والبدري اسْمه ثَعْلَبَة بن حَاطِب اتِّفَاقًا وَكَيف يتَوَهَّم أَنه البدري مَعَ مَا صَحَّ لَا يدْخل النَّار أحد شهد بدر أَو نَظِير هَذَا الِاشْتِبَاه مَا وَقع فِي سَبَب نزُول ﴿وَمَا كَانَ لكم أَن تُؤْذُوا رَسُول الله وَلَا أَن تنْكِحُوا أَزوَاجه من بعده أبدا﴾ من أَنه قَول طَلْحَة يتَزَوَّج مُحَمَّد بَنَات عمنَا ويحجبهن عَنَّا لَئِن مَاتَ لأَتَزَوَّجَن عَائِشَة من بعده فَقيل أَنه طَلْحَة أحد الْعشْرَة وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ طَلْحَة آخر شَاركهُ فِي اسْمه وَاسم أَبِيه وَنسبه (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ مَا قدر الذّرة (فَأجَاب) بقوله قَالَ النَّيْسَابُورِي سَبْعُونَ ذرة تزن جنَاح بعوضة وَسَبْعُونَ جنَاح بعوضة تزن حَبَّة (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ مَا معنى الاشتراء فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم﴾ الْآيَة وَمَعَ من كَانَ الاشتراء وَمَتى وَقع (فَأجَاب) بقوله وَقع ذَلِك فِي الْأَزَل بِالْعلمِ وَعند نزُول الْآيَة بِالْفِعْلِ وَهَذَا شَأْن صِفَات الْأَفْعَال (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ مَا المُرَاد ب ﴿الأَرْض الَّتِي باركنا فِيهَا﴾ ﴿فَأجَاب﴾ بقوله قَالَ أبي بن كَعْب وَقَتَادَة هِيَ الشَّام لِأَنَّهَا أَرض الْمَحْشَر وَبهَا ينزل عِيسَى ﵊ وَيهْلك الدَّجَّال وَأَبُو الْعَالِيَة هِيَ الأَرْض المقدسمة لِأَن كل مَاء عذب فِي الأَرْض هُوَ مِنْهَا يخرج من أصل صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس يهْبط من السَّمَاء إِلَى الصَّخْرَة ثمَّ يتفرق فِي الأَرْض وَابْن عَبَّاس هِيَ مَكَّة لِأَن بهَا الْبَيْت الَّذِي هُوَ مبارك وَهدى للْعَالمين (وَسُئِلَ) ﵁ عَن قَول الْبَيْضَاوِيّ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا أَن يعفون أَو يعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح﴾ أَن أَن يجوز أَن تكون مُهْملَة وَالضَّمِير للذكور النُّون نون الرّفْع فَهَل هُوَ صَحِيح (فَأجَاب) بقوله هُوَ صَحِيح من حَيْثُ الصِّنَاعَة على قلَّة أَو شذوذ فِيهِ وَأما كَونه يَصح أَن يكون مرَادا فِي الْآيَة فَهُوَ مُتَوَقف على أَنه هَل قرئَ يعْفُو فِي أَو يعْفُو وَبِغير فتح الْوَاو فَإِن كَانَ قرئَ بِهِ صَحَّ مَا قَالَه الْبَيْضَاوِيّ فِي الْآيَة لِأَن رفع يعْفُو الْمَعْطُوف يدل على إهمال أَن وَإِن لم تقْرَأ بِهِ لم يَصح مَا قَالَه بِوَجْه لِأَن أَن لَا يُمكن أَن تكون مُهْملَة بِالنِّسْبَةِ ليعفون وَغير مُهْملَة بِالنِّسْبَةِ ليعفو الْمَعْطُوف وعَلى تَسْلِيم مَا ذكره فِي الْآيَة ينْتج من ذَلِك إِشْكَال على مَذْهَبنَا لِأَن الْوَاو حِينَئِذٍ فِي يعفون إِن عَادَتْ على الْأزْوَاج وَإِن كَانَ السِّيَاق يردهُ لزم أَن الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح هُوَ الْوَلِيّ وَإِن عَادَتْ على الْأَوْلِيَاء وَإِن الَّذِي بِيَدِهِ عقد النِّكَاح هُوَ الزَّوْج لزم أَن للأولياء الْعَفو وَالشَّافِعِيّ ﵁ لَا يَقُول بِهِ مَعَ أَنه لَا محيص عَنهُ فِي الْآيَة كَمَا تقرر وَأولى مَا يُجَاب بِهِ منع أَن مَا ذكره الْبَيْضَاوِيّ مُرَاد فِي الْآيَة بِدَلِيل نصب يعْفُو الْمَعْطُوف فَإِن رفع فِي قِرَاءَة وَلَو شَاذَّة اتجه الْإِشْكَال كَمَا قَدمته لَكِن فحصت عَن ذَلِك فَلم أجد أحدا حَكَاهُ قِرَاءَة (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تسبوا اللَّذين يدعونَ من دون الله فيسبوا الله عدوا بِغَيْر علم﴾ هَل يدل على تَحْرِيم ذكر آلِهَة الْكفَّار بِسوء إِذا علم أَنه يَتَرَتَّب على ذَلِك ذكر الله بِسوء أَو لَا وَهل فِي كَلَام الْفُقَهَاء مَا يدل على ذَلِك (فَأجَاب) بقوله قَضِيَّة الْآيَة التَّحْرِيم إِذْ الأَصْل فِي النَّهْي ذَلِك فَيحْتَمل أَن يُقَال بِهِ كَذَلِك وَيحْتَمل أَن يُقَال بِخِلَافِهِ أخذا من قَوْلهم يسن لمن أحدث فِي صلَاته أَن يَجْعَل يَده على أَنفه خشيَة من وُقُوع النَّاس فِيهِ فَجعلُوا خشيَة الوقيعة الْمُحرمَة مقتضية لندب مَا يكون سَببا لتركها لَا لوُجُوبه وَقِيَاس الْآيَة الْوُجُوب وَلم يَقُولُوا بِهِ فَيكون النَّهْي فِيهَا للتنزيه أخذا من كَلَامهم الْمَذْكُور بِجَامِع أَن عيب الْآلهَة فِيمَا ذكر يَتَرَتَّب عَلَيْهِ أَمر محرم من الْغَيْر وَترك جعل الْيَد على الْأنف يَتَرَتَّب عَلَيْهِ ذَلِك أَيْضا فَكَمَا لَا يجب السَّعْي فِي إِزَالَة فعل الْغَيْر الْمحرم الْمُتَرَتب على فعله كَذَلِك لَا يجب عدم ذكر الْآلهَة بِسوء وَإِن علم أَنه يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَا مر وَيحْتَمل أَن يُقَال بِالْفرقِ وَهُوَ أَن مَا يَتَرَتَّب هُنَا من سبّ الله سُبْحَانَهُ أفحش فاختص بِتَحْرِيم مَا هُوَ سَبَب أَو وَسِيلَة إِلَيْهِ بِخِلَاف غَيره وَعَلِيهِ فَلَو ترَتّب على مدحه لإِنْسَان وقيعة سامعه فِيهِ لم يحرم عَلَيْهِ مدحه وَإِن علم ترَتّب ذَلِك فَإِن قلت يشكل على ذَلِك الْقَاعِدَة الْمَشْهُور وَهِي أَن للوسائل حكم الْمَقَاصِد قلت يُجَاب عَن ذَلِك بِأَن يُقَال الْقَاعِدَة أكثرية أَوَان محلهَا فِي وَسِيلَة ومقصد كِلَاهُمَا من فعل شخص وَاحِد فَحِينَئِذٍ يكون للوسيلة حكم الْمَقْصد لِاتِّحَاد الْفَاعِل على أَنه قد يمْنَع هُنَا كَون ذَلِك وَسِيلَة لِأَن السب إِنَّمَا ينشأ عَن البغض الكامن عِنْد السَّامع لَا عَن الْمَدْح فالمدح لَيْسَ وَسِيلَة مُحَققَة للسب فَلم يُعْط حكمه (وَسُئِلَ) أَيْضا ﵁ عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْقَوَاعِد من النِّسَاء الَّتِي لَا يرجون نِكَاحا﴾ هَل التَّقْيِيد بالقواعد شَرط فِيمَا بعده وَكَيف هَذَا مَعَ قَوْله تَعَالَى قبل ذَلِك ﴿وَليَضْرِبن بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبهنَّ﴾ وَهل الْآيَة الأولى أَو الثَّانِيَة مُوَافقَة للْمَذْهَب أَولا
стр. 170
أوضحُوا الْجَواب (فَأجَاب) بقوله قَضِيَّة الْآيَة الأولى وجوب الضَّرْب بِالْخمرِ على الْجُيُوب بِأَن يسترن الرؤس والأعناق والصدور بالمقانع وَنَحْوهَا وَهُوَ كَذَلِك لِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِنَّ ستر مَا عدا الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ لَكِن قَضِيَّة الْآيَة الثَّانِيَة أَن الْمَرْأَة الْكَبِيرَة الَّتِي قعدت عَن الْحيض وَالنّفاس وَالْولد بكبرها مُسْتَثْنَاة من الحكم السَّابِق فَلَا يجب عَلَيْهَا ستر مَا ذكر وَكَلَام أَصْحَابنَا لَا يُوَافق ذَلِك لشمُول وجوب السّتْر الْمَذْكُور فِي كَلَامهم للْمَرْأَة مُطلقًا وَإِن كَبرت وَلم تشته وَحِينَئِذٍ فالآية الثَّانِيَة يشكل ظَاهرهَا على ذَلِك وَقد يُقَال لَا اسْتثِْنَاء أصلا لِأَن مَا دلّت عَلَيْهِ الْآيَة الأولى غير مَا دلّت عَلَيْهِ الثَّانِيَة إِذْ الْمَأْمُور بِهِ فِي الأولى الضَّرْب بِالْخمرِ فَوق الْجُيُوب وَهَذَا يَشْمَل الْمَرْأَة بِسَائِر أَنْوَاعهَا وَالَّذِي جوز لَهُنَّ فِي الْآيَة الثَّانِيَة هُوَ طرح الثِّيَاب الَّتِي فَوق الْخمر أخذا من قَول بعض الْمُفَسّرين الَّتِي لَا تشْتَهي بِخِلَاف غَيرهَا إِلَّا أَن يُقَال ألحق غَيرهَا بهَا فِي ذَلِك لِأَن الْمدَار على ستر مَا عدا الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ وَهُوَ حَاصِل سَوَاء وضعن الثِّيَاب الْمَذْكُورَة أم لَا فَإِن قلت فَمَا الْحِكْمَة حيثئذ فِي التَّقْيِيد بِالْكبرِ قلت للإشعار بِأَن الْمَرْأَة مأمورة بالمبالغة فِي السّتْر مَا أمكنها فَلم يحسن التَّصْرِيح بِالْجَوَازِ إِلَّا للكبيرة الَّتِي لَا تشْتَهي وطوى ذكر غَيرهَا قصدا لهَذِهِ النُّكْتَة (وَسُئِلَ) أَيْضا ﵁ قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ رب السجْن أحب إِلَيّ مَا يدعونني إِلَيْهِ﴾ يَقْتَضِي ثُبُوت محبته الزِّنَا وَهُوَ غير جَائِز على الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم (فَأجَاب) بقوله أَشَارَ الْبَيْضَاوِيّ إِلَى جَوَاب ذَلِك بِأَن الزِّنَا مِمَّا تشتهيه النَّفس طبعا وَلَا مُؤَاخذَة فِيهِ والسجن مِمَّا تكرههُ كَذَلِك وَمَعَ ذَلِك فآثره عَلَيْهِ وَقيل لما سبق مِنْهَا الْوَعيد إِن لم يفعل كَانَ إِكْرَاها وَقد يكون فِي شرعهم يُبِيح الزِّنَا فَأصل الْحبّ إِنَّمَا ثَبت لمباح أَو أَن ذَلِك قبل النُّبُوَّة أخذا من رِسَالَة الزَّرْكَشِيّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما﴾ وَعِنْدِي فِي جَمِيع ذَلِك وَقْفَة أما فِي الأول فَلِأَن نفوس الْأَنْبِيَاء مطهرة عَن جَمِيع الْخَبَائِث الطبيعية والعارضة وَلَو قَالَ الْبَيْضَاوِيّ إِن حب الْوَطْء مَعَ قطع النّظر عَن كَونه زنا طبيعي لَكَانَ أولى وَإِلَّا فالإشكال بَاقٍ وَأما فِي الثَّانِي فَلِأَن التَّحْقِيق أَن الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام معصومون من جَمِيع الْكَبَائِر والصغائر قبل النُّبُوَّة وَبعدهَا وَالَّذِي يتَّجه لي أَنه إِنَّمَا أَتَى بِصِيغَة أفعل على مَا ذكر تواضعا وإظهارا فِي مقَام الذلة والخضوع لعيوبه حذرا من تَزْكِيَة نَفسه فِي مقَام الْخطاب (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ هَل على من فضل بَين القراآت ملام (فَأجَاب) بقوله إِن كَانَ من حَيْثُ أَن إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْن أَو القراآت أبين أَو أوضح أَو أوفق لعلم النَّحْو أَو الْبَيَان أَو نَحْو ذَلِك فَلَا ملام فِيهِ وَكتب التَّفْسِير مشحونة من ذَلِك وَإِن كَانَ لَا من تِلْكَ الْحَيْثِيَّة بل بِمَا ينجر ذَلِك من قَائِله إِلَى مَا فِيهِ ملام فملام وَأي ملام (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ هَل الْقِرَاءَة ذَات السَّبع متواترة مُطلقًا أَو عِنْد الْقُرَّاء فَقَط وَهل إِنْكَار تواترها كفر أم لَا (فَأجَاب) بقوله هِيَ متواترة عِنْد الْقُرَّاء وَغَيرهم وَاخْتَارَ بعض أَئِمَّة متأخري الْمَالِكِيَّة أَنَّهَا متواترة عِنْد الْقُرَّاء لَا عُمُوما وإنكار تواترها صرح بَعضهم بِأَنَّهُ كفر وَاعْتَرضهُ بعض أئمتهم فَقَالَ لَا يخفى على من اتَّقى الله وَفهم مَا نَقَلْنَاهُ عَن الْأَئِمَّة الثِّقَات من اخْتلَافهمْ فِي تواترها وطالع كَلَام القَاضِي عِيَاض من أَئِمَّة الدّين أَنه قَول غير صَحِيح هَذِه مسئلة الْبَسْمَلَة اتَّفقُوا على عدم التَّكْفِير بِالْخِلَافِ فِي إِثْبَاتهَا ونفيها وَالْخلاف فِي تَوَاتر وُجُوه الْقِرَاءَة مثله أَو أيسر مِنْهُ فَكيف يُصَرح فِيهِ بالتكفير وبتسليم تواترها عُمُوما وخصوصا لَيْسَ ذَلِك مَعْلُوما من الدّين بِالضَّرُورَةِ والاستحلال والتكفير إِنَّمَا يكون بإنكار الْمجمع عَلَيْهِ الْمَعْلُوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ وَالِاسْتِدْلَال على الْكفْر بِأَن إِنْكَار تواترها يُؤَدِّي إِلَى عدم تَوَاتر الْقُرْآن جملَة مَرْدُود من ثَلَاثَة أوجه الأول منع كَونه يُؤَدِّي إِلَى ذَلِك وَالْمَنْع كَاف لِأَنَّهُ لم يَأْتِ على كَونه يدل على ذَلِك بِدَلِيل وَلَيْسَ علم ذَلِك وَاضحا بِحَيْثُ لَا يفْتَقر إِلَى دَلِيل الثَّانِي لَو سلمنَا عدم التَّمَسُّك بِمُجَرَّد الْمَنْع لنا الدَّلِيل قَائِم على عدم تأديته لذَلِك وَهُوَ أَن يُقَال كلما حكم بِثُبُوت الْمَنْقُول بِنَقْل عدد مُخْتَلف لفظ ناقليه مَعَ اتفاقه فِي الْمَعْنى لحكم ذَلِك الْعدَد الْمُتَّفق لفظ ناقليه لم يكن عدم تَوَاتر وُجُوه القراآت السَّبْعَة مُؤديا لعدم تواترها فالملزوم حق وَاللَّازِم بَاطِل بَيَان حَقِيقَته أَن ثُبُوت شَهَادَة أَرْبَعَة فِي الزِّنَا أَو اثْنَيْنِ فِي غَيره مَعَ اخْتِلَاف كلاماتهم أَو بَعْضهَا مَعَ اتِّفَاقهم فِي الْمَعْنى الْمَشْهُود بِهِ كثبوتها مُتَّفقا ألفاظها وَلَا أعلم فِي ذَلِك خلافًا
стр. 171
وَبَيَان الْمُلَازمَة أَن الْمَطْلُوب فِي القراآت السَّبع مصحف عُثْمَان ﵁ تواترا وَاخْتِلَاف أَلْفَاظ السَّبْعَة فِي تعبيرهم عَن تِلْكَ الْكَلِمَات بالروم والترقيق والتسهيل وأضداد ذَلِك وَالْإِعْرَاب الْمُوَافق للمعنى كاختلاف أَلْفَاظ الشُّهُود فِي إِثْبَات الزنابل اخْتِلَاف أَلْفَاظ الْقُرَّاء بذلك أخف لِأَن اخْتلَافهمْ رَاجع للِاخْتِلَاف فِي صفة الْحُرُوف أَو فِي بعض حُرُوف الْكَلِمَة الْوَاحِدَة وَاخْتِلَاف الشُّهُود رَاجع للِاخْتِلَاف فِي الْكَلَام على الْكَلِمَة بكمالها فَكَمَا أجمعنا على أَن اخْتِلَاف تِلْكَ الْأَلْفَاظ غير مَانع من ثُبُوت الحكم اتِّفَاقًا وَهُوَ الظَّن بِثُبُوت الْأَمر الْمُوجب للحد فَكَذَا اخْتِلَاف أَلْفَاظ السَّبْعَة فِيمَا ذكر غير مَانع من ثُبُوت الحكم اتِّفَاقًا وَهُوَ ثُبُوت الْعلم بهَا كثبوت الْمَحْكُوم لَهُ بالتواتر الْوَجْه الثَّالِث أَنا لَو سلمنَا عدم نهوض هذَيْن الْوَجْهَيْنِ فِيمَا ذَكرْنَاهُ كَانَ أقل حَالهمَا أَنَّهُمَا شبهتان يمنعان من الْعلم بِأَن عدم تَوَاتر وُجُوه القراآت يُوجب كَون عدم تَوَاتر الْقُرْآن جملَة ضَرُورِيًّا من الدّين وجهلي مَا لَيْسَ ضَرُورِيًّا من الدّين لَيْسَ كفرا بِحَال (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ هَل فِي تَفْسِير ابْن عَطِيَّة اعتزال (فَأجَاب) بقوله نعم فِيهِ شَيْء كثير حَتَّى قَالَ الإِمَام الْمُحَقق ابْن عَرَفَة الْمَالِكِي يخثى على الْمُبْتَدِئ مِنْهُ أَكثر مَا يخَاف عَلَيْهِ من كشاف الزَّمَخْشَرِيّ لِأَن الزَّمَخْشَرِيّ لما علمت النَّاس مِنْهُ أَنه مُبْتَدع تخوفوا مِنْهُ واشتهر أمره بَين النَّاس بِمَا فِيهِ من الاعتزال وَمُخَالفَة الصَّوَاب وَأَكْثرُوا من تبديعه وتضليله وتقبيحه وتجهيله وَابْن عَطِيَّة سني لَكِن لَا يزَال يدْخل من كَلَام بعض الْمُعْتَزلَة مَا هُوَ من اعتزاله فِي التَّفْسِير ثمَّ يقره وَلَا يُنَبه عَلَيْهِ ويعتقد أَنه من أهل السّنة وَأَن مَا ذكره من مَذْهَبهم الْجَارِي على أصولهم وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك فَكَانَ ضَرَر تَفْسِير ابْن عَطِيَّة أَشد وَأعظم على النَّاس من ضَرَر الْكَشَّاف (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ بِمَا لَفظه مَا معنى مَا جَاءَ من حفظ ثلث الْقُرْآن أعْطى ثلث النُّبُوَّة (فَأجَاب) رَضِي عَنهُ بقوله حمل على أَن مَعْنَاهُ أعْطى علم ثلث النُّبُوَّة على حد ﴿واسئل الْقرْيَة﴾ أَي أَهلهَا وَقَوله ﷺ عَن أحد هَذَا جبل يحبنا ونحبه أَي يحبنا أَهله وَنحن نحب أَهله وَقد أنزل الْقُرْآن تبيانا لكل شَيْء فَمن حفظه وَعلم أَحْكَامه من خاصه وعامه ومجمله وناسخه ومنسوخه ولحنه وفحواه وَمَعْنَاهُ والاستنباط مِنْهُ فقد أُوتِيَ علم النُّبُوَّة وَقَلِيل مَا هم وَهَذَا هُوَ المُرَاد بِخَبَر من حفظ الْقُرْآن فقد أدرجت النُّبُوَّة بَين جَنْبَيْهِ إِلَّا أَنه لَا يُوحى إِلَيْهِ وَمن حفظ بعضه أُوتى بِقَدرِهِ حقق الله لنا حفظ كُله بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور بمنه وكرمة آمين (وَسُئِلَ) نفعنا الله بِهِ عَمَّن يجمع آيَات من الْقُرْآن ثمَّ يَقْرَأها كَمَا نَقْرَأ السُّورَة هَل يكره (فَأجَاب) بقوله أفتى الْعِزّ بن عبد السَّلَام فِي جَمِيع آيَات التهليل كَذَلِك بِأَنَّهُ إِن قصد بهَا الْقُرْآن ورتبها على السُّور لم يكره وَإِن نكسها كره بل إِن كَانَ التنكيس فِي آيَات سُورَة وَاحِدَة حرم وَإِن وَقع التنكيس فِي سُورَة فِي الصَّلَاة أَو غَيرهَا كره مَا لم يقْصد الذّكر الْمُجَرّد عَن الْقِرَاءَة لكنه من أَحْدَاث الْعَوام وَإِنَّمَا حرم تنكيس آيَات السُّورَة الْوَاحِدَة وَحكى بَعضهم الْإِجْمَاع عَلَيْهِ لإجماعهم على أَن تَرْتِيب آيَات كل سُورَة معْجزَة وَأَن النَّبِي ﷺ هُوَ الْفَاعِل لَهُ بِخِلَاف تَرْتِيب السُّور فَإِنَّهُ مُخْتَلف فِيهِ أهوَ فعله ﷺ أَو فعل الصَّحَابَة بعد باجتهادهم وَالأَصَح الأول لَكِن لشُبْهَة الْخلاف لم نقل بحرمته وَحكى القَاضِي عِيَاض أَنه لَا خلاف فِي جَوَازه قَالَ بَعضهم وَظَاهر هَذَا أَنه لَو قَرَأَ الْقُرْآن على ترتيبه الأول فَالْأول لم يكره وَإِن لم يوال بَين السُّور كَمَا فِي الْمُصحف وَقد ذكر ذَلِك أَبُو طَالب الْمَكِّيّ فِي قوت الْقُلُوب وَالْغَزالِيّ فِي الْإِحْيَاء وَهُوَ أَن يقْرَأ حزبا من الْقُرْآن فِي كل يَوْم عِنْد السحر ثمَّ يقْرَأ سُورَة يس ثمَّ الدُّخان ثمَّ الْوَاقِعَة ثمَّ الْحَشْر ثمَّ تبَارك الْملك ثمَّ المسبعات وَذكر فِيهَا فضلا كثيرا وَمِنْهَا الْفَاتِحَة والمعوذتان وَالْإِخْلَاص والكافرون سبع مَرَّات وَكَذَلِكَ أذكار وأدعية تطلب من الْكِتَابَيْنِ أهـ (وَسُئِلَ) ﵁ عَن قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن مُوسَى ﷺ ﴿وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لن نصبر على طَعَام وَاحِد فَادع لنا رَبك﴾ إِلَى قَوْله ﴿أتستبدلون﴾ قد يُقَال أَن الْجَواب غير مُطَابق للسؤال لأَنهم طلبُوا من مُوسَى ﷺ أَن يسْأَل لَهُم الله أَن يخرج لَهُم مَا هُوَ مَذْكُور فِي الْآيَة مَعَ احْتِمَال بَقَاء مَا كَانُوا يتناولونه أَولا من الْمَنّ والسلوى وَالتَّعْبِير بالاستبدال مُقْتَض لأَنهم سَأَلُوا رفع ذَلِك بِالْكُلِّيَّةِ وَذَلِكَ خلاف مَا حكى عَنْهُم من ذَلِك الِاحْتِمَال وَعَن قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْجُمُعَة ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة﴾ مَا الْحِكْمَة
стр. 172
فِي الْإِتْيَان بهَا بِهَذَا الْبَيَان مَعَ الِاكْتِفَاء عَنهُ بإذا نُودي لصَلَاة الْجُمُعَة فالقصد بَيَان ذَلِك بَيَانا شافيا (فَأجَاب) نفعتا الله بِعُلُومِهِ بقوله أما الْجَواب عَن الأول فَهُوَ أَن الْجَواب مُطَابق للسؤال وَلَو مَعَ ذَلِك الِاحْتِمَال كَمَا هُوَ ظَاهر بِأَدْنَى دَلِيل بَيَانه أَنه لما كَانَ ينزل عَلَيْهِم الْمَنّ والسلوى وَحدهمَا لم يَكُونُوا يتناولون شيأ غَيرهمَا فملوا من ذَلِك بِحَسب الطَّبْع الْبُشْرَى وتفننوا على اخْتِلَاف مَرَاتِبهمْ فسألوا أَن يستبدلوا عَنْهُمَا البقل وَمَا بعده وَهَذَا السُّؤَال صَادِق بِأَن يَكُونُوا قد سَأَلُوا رفع ذَيْنك بِالْكُلِّيَّةِ وَبِأَن يَكُونُوا قد سَأَلُوا إبقائهما وَضم نَحْو البقل إِلَيْهِمَا وَفِي كل من هذَيْن الِاحْتِمَالَيْنِ استبدال أما الأول فَوَاضِح وَأما الثَّانِي فلأنهم قبل السُّؤَال كَانُوا مضطرين إِلَى تنَاول الْمَنّ والسلوى فَلَمَّا سَأَلُوا وأجيبوا لم يضطروا إِلَيْهِمَا وَحِينَئِذٍ فهما كَانَا ينزلان وَلَا يتناولونهما أَو يتناولون مَعَهُمَا تِلْكَ الْأُمُور الْأُخْرَى وعَلى كل تَقْدِير استبدلوا الَّذِي هُوَ أدنى بِالَّذِي هُوَ خير لأَنهم كَانُوا يتناولون الَّذِي هُوَ خير وَحده وصاروا يتناولون غَيره مَعَه أَو يعرضون عَنهُ أَو يشركُونَ وَبِهَذَا الَّذِي ذكرته انْدفع قَول السَّائِل وَالتَّعْبِير بالاستبدال مُقْتَض الخ وَوجه اندفاعه ظَاهر لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي إِلَّا الْإِعْرَاض عَن أكله مَعَ نُزُوله أَو إشراك غَيره مَعَه وَأما زعم اقتضائه أَنهم سَأَلُوا رَفعه بِالْكُلِّيَّةِ المبنى عَلَيْهِ توهم عدم الْمُطَابقَة فَلَا وَجه لَهُ على أَن فِيهِ سوء تَعْبِير يجانب مثله فِي الْقُرْآن مَا أمكن وَقد وَقع نَظِيره للكشاف فِي مَوَاضِع وَهُوَ مَعْدُود من هفواته وَكَانَ الصَّوَاب للسَّائِل أَن يَقُول لم تفهم الْمُطَابقَة بَين السُّؤَال وَالْجَوَاب فَمَا وَجههَا مَعَ احْتِمَال كَذَا ثمَّ رَأَيْت عَن بعض الْمُحَقِّقين التَّصْرِيح بِمَا ذكرته وَعبارَته فَإِن قلت الِاسْتِبْدَال يَقْتَضِي ترك الْمُبدل مِنْهُ وهم لم يطلبوا ذَلِك وَإِنَّمَا طلبُوا الزِّيَادَة عَلَيْهِ فَكيف يُنَاسب الْجَواب قلت الْعَادة تَقْتَضِي أَن من كَانَ بَين يَدَيْهِ طَعَام وَاحِد أكل مِنْهُ حَتَّى يشْبع فَإِذا كَانَ بَين يَدَيْهِ طعامان ترك موضعا للطعام الثَّانِي انْتهى فَجعل الْمُشَاركَة مقتضية للاستبدال وَهُوَ عين مَا قَدمته بِزِيَادَة وَأما الْجَواب عَن الثَّانِي فَهُوَ أَن لذَلِك الْبَيَان غير مَا أَفَادَهُ موقعه من نُكْتَة الْإِجْمَاع الَّذِي فِي إِذا وَالْبَيَان الَّذِي فِي من يَوْم الْجُمُعَة فَوَائِد أخر يَتَرَتَّب عَلَيْهَا أَحْكَام شَرْعِيَّة جعلهَا أَصْحَابنَا مستنبطة من الْآيَة ومدلولا عَلَيْهَا بهَا وَذَلِكَ أَن لفظ الْيَوْم أضيف فِي ذَلِك الْبَيَان للْجُمُعَة فَاقْتضى أَنَّهَا مُضَافَة إِلَيْهِ فَهِيَ الْمَقْصُودَة مِنْهُ وَأَنه من أَوله مَنْسُوب إِلَيْهَا فَلذَلِك حرمُوا السّفر المقوت لَهَا من الْفجْر وأوجبوا السَّعْي إِلَيْهَا مِنْهُ أَيْضا على بعيد الدَّار وحكموا بِدُخُول الْغسْل لَهَا وَالتَّكْبِير إِلَيْهَا بِالْفَجْرِ فَهَذِهِ الْأَحْكَام الْكَثِيرَة الَّتِي هِيَ مَحل خلاف منتشر بَيْننَا وَبَين الْأَئِمَّة استفيدت من هَذَا الْبَيَان وَلَو حذف وَقيل لصَلَاة الْجُمُعَة لم يستفد مِنْهَا شَيْء من ذَلِك فَوَقع الْبَيَان بذلك على أبلغ وَجه وأجمله وأفوده كَمَا هُوَ شَأْن الْقُرْآن الْعَظِيم (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ عَن قَوْله تَعَالَى فِي قصَّة ذِي القرنين ﴿وَوجد عِنْدهَا قوما﴾ الْآيَة هَل أسلم هَؤُلَاءِ الْقَوْم أَو لَا وماذا فعل بعد تخبيره بَين الْأَمريْنِ (فَأجَاب) بقوله آمن بَعضهم وَكفر بَعضهم فَعَذَّبَهُ حَتَّى يرجع إِلَيْهِ كَمَا ذكر ذَلِك الْبَغَوِيّ عَن وهب بن مُنَبّه حَيْثُ قَالَ عَنهُ إِن ذَا القرنين كَانَ رجلا من الرّوم ابْن عَجُوز فَلَمَّا بلغ كَانَ عبدا صَالحا فَقَالَ لَهُ الله إِنِّي باعثك إِلَى أُمَم مُخْتَلفَة ألسنتهم مِنْهُم اثْنَتَانِ بَينهمَا طول الأَرْض إِحْدَاهمَا عِنْد مغرب الشَّمْس يُقَال لَهَا ناسكة وَالْأُخْرَى عِنْد مطْلعهَا يُقَال لَهَا منسك فَقَالَ ذُو القرنين بِأَيّ قوم أكابرهم وَبِأَيِّ جمع أكاثرهم أَو بِأَيّ لِسَان أناطقهم قَالَ الله تَعَالَى أَنِّي سأطوقك وألبسك الهيبة فَلَا يردعك شَيْء وأسخر لَك النُّور والظلمة وأجعلهما من جنودك يهديك النُّور من أمامك وتحفظك الظلمَة من ورائك فَانْطَلق حَتَّى أَتَى مغرب الشَّمْس فَوجدَ جمعا وعددا لَا يحصيهم إِلَّا الله تَعَالَى وكاثرهم بالظلمة حَتَّى جمعهم فِي مَكَان وَاحِد فَدَعَاهُمْ إِلَى الله فَمنهمْ من آمن بِهِ وَمِنْهُم من صد عَنهُ فَعمد إِلَى الَّذين توَلّوا عَنهُ فَأدْخل عَلَيْهِم الظلمَة فَدخلت فِي أَجْوَافهم وَبُيُوتهمْ فَدَخَلُوا فِي دَعوته فجند من أهل الْمغرب جندا عَظِيما فَانْطَلق يقودهم والظلمة تسوقهم حَتَّى أَتَى مطلع الشَّمْس فَعمل فِيهَا مثل مَا عمل فِي الْمغرب انْتهى مُلَخصا فَقَوله فَمنهمْ من آمن بِهِ الخ فِيهِ جَوَاب السُّؤَال وَالله سُبْحَانَهُ يجزينا على مَا عهدنا من غَايَة الإفضال وَنِهَايَة النوال أَنه أكْرم كريم وأرحم رَحِيم (وَسُئِلَ) نفع الله بِعُلُومِهِ عَن معنى قَول الْعَلامَة الْحَافِظ عُمْدَة الْمُحدثين والقراء الشَّمْس ابْن الْجَزرِي ﵀ فِي مقدمته وطيبته ونشره يتحتم أَن يُرَاعى فِي الْقُرْآن الْعَظِيم قَوَاعِد لُغَة الْعَرَب
стр. 173
من ترقيق المرقق وتفخيم المخفم وإدغام المدغم وَإِظْهَار الْمظهر وإخفاء المخفي وقلب المقلوب وَمد الْمَمْدُود وَقصر الْمَقْصُور حَتَّى لَا يُكَرر الْقَارئ رَاء وَلَا يظنّ نونا وَلَا يشدد ملينا وَلَا يلين مشددا وَلَا يتْرك بَيَان غنة وَلَا يشوه الْحُرُوف فيفسدها بذهاب حسنها ورونقها وطلاوتها من حَيْثُ أَنه يجْرِي مجْرى الْإِرْث والألثغ بل يَأْتِي بمخارج الْحُرُوف بصفاتها وكيفياتها فَإِن حسن الْأَدَاء وَاجِب على الصَّحِيح بل الصَّوَاب ٢ وَإِن كَانَ مَا فِي حيّز حَتَّى يُسمى لحنا خفِيا لِأَنَّهُ لَا يُدْرِكهُ إِلَّا مَشَايِخ الْأَدَاء فَهُوَ لَازم فتاركه مضلا عَمَّا قبله فضلا عَن تَحْرِيف الْإِعْرَاب وَالْبناء المفضي إِلَى تَغْيِير الْمَعْنى فَإِنَّهُمَا من اللّحن الْجَلِيّ آثم فَاسق مرتكب لحرام معاقب على فعله عَادل بِالْقُرْآنِ عَن نهجه القويم وَقد قَالَ تَعَالَى قُرْآنًا عَرَبيا غير ذِي عوج فَلَا يعْذر إِلَّا لتعذر الْإِتْيَان بِهِ على الْوَجْه الْمَذْكُور مِنْهُ فَحِينَئِذٍ لَا بُد من التجويد الْمشَار إِلَيْهِ بقوله تَعَالَى ورتل الْقُرْآن ترتيلا وَهُوَ يعم التَّحْقِيق والتدوير والحدر وَلَا يخْتَص بِالْأولِ الْأَفْضَل كَمَا يتوهمه من لَا طبع لَهُ سليم وَلَا ذوق عِنْده مُسْتَقِيم هَذَا وَيَنْبَغِي تَحْسِين الصَّوْت بِالْقُرْآنِ كَمَا قَالَ:
(وَيقْرَأ الْقُرْآن بالتحقيق مَعَ … حدر وتدوير كل مُتبع)
(مَعَ حسن صَوت بِلُحُونِ الْعَرَب … مرتلا مجودا بالعرب)
(وَالْأَخْذ بالتجويد حتم لَازم … من لم يجود الْقُرْآن آثم)
(لِأَنَّهُ بِهِ الْإِلَه أنزلا … وَهَكَذَا مِنْهُ إِلَيْنَا وصلا)
قَالَ فَمن لَا يلْزم ذَلِك الَّذِي هُوَ سليقة الْعَرَب لَا يحسنون غَيره بِغَيْر لغته فَلَا يكون قَارِئًا بل هازئا وَهُوَ عَاشَ لكتابه تَعَالَى من الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا دَاخل فِي خبر رب قَارِئ وَالْقُرْآن يلعنه فَهَل الحكم كَمَا ذكر أَو هُنَا تَفْصِيل بَين الْجَلِيّ والخفي إِذْ الْخَفي الَّذِي لَا يُغير الْمَعْنى والجلي المغير للمعنى والجلي والخفي ضدان كَمَا سبق إِلَى بعض الأذهان أخذا من كَلَام بَعضهم على الْمُقدمَة بينوا لنا ذَلِك فالبلوى قد عَمت بالتسامح فِي ذَلِك (فَأجَاب) ﵁ بقوله قد اخْتلف المتكلمون على كَلَام هَذَا الحبر فَقَالَ بَعضهم حمل الْوُجُوب وَنَحْوه من الْأَلْفَاظ الْوَاقِعَة فِي كَلَامه الْمَذْكُور عَنهُ فِي السُّؤَال على الْوُجُوب الصناعي لَا الشَّرْعِيّ وَبَعْضهمْ أجْرى كَلَامه على ظَاهره وَلم يؤوله بِمَا ذكر وَالْحق فِي ذَلِك تَفْصِيل وَإِن كَانَ مِمَّن جرى على الْإِطْلَاق الأول شَيخنَا خَاتِمَة الْمُتَأَخِّرين أَبُو يحيى زَكَرِيَّا الْأنْصَارِيّ سقى الله ثراه صيب الرَّحْمَة والرضوان وَأَعْلَى دَرَجَته فِي الْجنان آمين فقد دلّ كَلَام الْأَصْحَاب ﵃ وشكر سَعْيهمْ على ذَلِك التَّفْصِيل فَلم يسع الْعُدُول عَنهُ وَبَيَان ذَلِك أَن النَّوَوِيّ ﵀ قَالَ فِي شرح الْمُهَذّب نقلا عَن الشَّيْخ الإِمَام الْمجمع على جلالته وصلاحه وإمامته أبي مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ الَّذِي قيل فِي تَرْجَمته لَو جَازَ أَن يبْعَث الله فِي هَذِه الْأمة نَبيا لَكَانَ أَبَا مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ أعلم أَن من النَّاس من بَالغ فِي الترتيل فَجعل الْكَلِمَة كَلِمَتَيْنِ قَاصِدا بذلك إِظْهَار الْحُرُوف كَقَوْلِه نستعين ويقفون بَين السِّين وَالتَّاء وَقْفَة لَطِيفَة فَيقطع الْحَرْف عَن الْحَرْف والكلمة عَن الْكَلِمَة وَهَذَا لَا يجوز لِأَن الْكَلِمَة الْوَاحِدَة لَا تحْتَمل الْقطع والفصل وَالْوَقْف على أَثْنَائِهَا وَإِنَّمَا الْقدر الْجَائِز من التَّنْزِيل أَن يخرج الْحَرْف من مخرجه ثمَّ ينْتَقل إِلَى الَّذِي بعده مُتَّصِلا بِلَا وَقْفَة من الترتيل وصل الْحُرُوف والكلمات على ضرب من التأني وَلَيْسَ مِنْهَا فصلها وَلَا الْوُقُوف فِي غير مَحَله وَمن تَمام التِّلَاوَة إشمام الْحَرَكَة الْوَاقِعَة على الْمَوْقُوف عَلَيْهِ اختلاسا لَا إشباعا انْتهى وَأقرهُ النَّوَوِيّ ﵀ على ذَلِك وَبِه إِن تأملته تعلم أَنه لَا بُد من ذَلِك التَّفْصِيل وَهُوَ أَنه يجب وجوبا شَرْعِيًّا على الْقَارئ أَن يُرَاعى فِي قِرَاءَته الْفَاتِحَة وَغَيرهَا مَا أجمع الْقُرَّاء على وُجُوبه دون مَا اخْتلفُوا فِيهِ وَذَلِكَ لِأَن مَا وَقع الِاتِّفَاق عَلَيْهِ يعلم أَنه ﷺ لم يقْرَأ بِغَيْرِهِ ومدار الْقِرَاءَة إِنَّمَا هُوَ على الِاتِّبَاع إِذْ لَا مجَال للرأي فِيهَا بِوَجْه فَمن قَرَأَ بِخِلَاف مَا وَقع الْإِجْمَاع عَلَيْهِ يكون مبتدعا شيأ فِي كَلَام الله تَعَالَى وابتداع مَا لم يرد فِي الْقُرْآن لَا يشك من لَهُ أدنى مسكة أَنه محرم شَدِيد التَّحْرِيم بِخِلَاف مَا وَقع الِاخْتِلَاف فِيهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِك فَمن ثمَّ لم يكن على الْقَارئ بِهِ حرج أَلا ترى أَن الْبَسْمَلَة لما وَقع الِاخْتِلَاف فِي إِثْبَاتهَا وَلَفْظَة من فِي ﴿تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار﴾ فِي سُورَة بَرَاءَة ونظائر ذَلِك لم يكن على مثبتها وعَلى مسقطها حرج لِأَن كلا من الْإِثْبَات
стр. 174
وَالنَّفْي وَأَرَادَ لَيْسَ بممتنع فَكَذَا مَا وَقع الِاخْتِلَاف فِيهِ من وُجُوه الْأَدَاء إِذْنا فِيهِ يَقُول أَنه أَمر لغَوِيّ لم يرد عَنهُ اتِّبَاع حتم يُخَالِفهُ فَلِذَا لم يُثبتهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا مُقْتَضى لإِيجَاب مراعاته شرعا فَبَان واتضح مَا ذكرته من التَّفْصِيل وَظهر مَا لكل من شقيه من التَّعْلِيل فاشدد باعتماده يَديك لتعود فَائِدَة ذَلِك عَلَيْك وَمِمَّا يُؤَيّد ذَلِك قَول شَارِح الْمُهَذّب من أخرج بعض الْحُرُوف من غير مخرجه إِن أمكنه التَّعَلُّم بطلت صلَاته وَإِلَّا فَلَا انْتهى وَمن لَازم بطلَان الصَّلَاة حُرْمَة الْقِرَاءَة فَكَمَا حرمت مَعَ تَبْدِيل الْمخْرج كَذَلِك تحرم مَعَ تَبْدِيل وُجُوه الْأَدَاء الْمجمع عَلَيْهَا يُؤَيّد ذَلِك أَيْضا إِجْمَاعهم كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ ﵀ خلافًا لمن وهم فِيهِ على حُرْمَة الْقِرَاءَة بِالْقِرَاءَةِ الشاذة وَإِن لم يكن فِيهَا تَغْيِير معنى وَلَا زِيَادَة وَلَا نقص فِي الصَّلَاة وخارجها وَلَيْسَ ملحظ ذَلِك إِلَّا أَنه لم يتواتر قِرَاءَة مثبتها لِأَن الْقِرَاءَة سنة متبعة فَلَا يجوز مخالفتها وَهَذَا كُله مَوْجُود بِتَمَامِهِ فِي ترك مَا أجمع عَلَيْهِ من وُجُوه الْأَدَاء كَمَا لَا يخفى وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا قَول شرح الْمُهَذّب عَن التَّبْصِرَة فِي تَكْبِير التَّحْرِيم لَا يجوز الْمَدّ إِلَّا على الَّتِي بَين اللَّام وَالْهَاء وَلَا يُخرجهَا بِهِ عَن حد الِاقْتِصَار إِلَى الإفراط انْتهى إِذْ ظَاهره أَن إفراط الْمَدّ هُنَا حرَام فَإِذا حرم هُنَا فَفِي الْقُرْآن أولى فَإِنَّهُ لَا يَقُول بِهِ أحد من الْقُرَّاء وَمن ثمَّ ضبطت فِي شرح الْعباب وَغَيره الإفراط هُنَا بِأَن يطيله إِلَى حد لَا يرَاهُ أحد من الْقُرَّاء وَبِهَذَا الَّذِي قَرّرته وأوضحته وحررته تعلم ضعف مَا فِي الْخَادِم كالتوسط عَن بعض الْمُتَأَخِّرين مِمَّا يَقْتَضِي أَن الْوَاجِب مَا تعلق بالمخارج الظَّاهِرَة دون نَحْو الْإخْفَاء والإقلاب والهمز والاسترخاء والاستعلاء انْتهى وَوجه ضعفه مَا قَدمته من أَن الْمدَار فِي الْقُرْآن ووجوه أَدَائِهِ إِنَّمَا هُوَ الِاتِّبَاع فَهُوَ سنة متبعة وَحَيْثُ لم يرد فِي السّنة فِي نَحْو الْإخْفَاء مِمَّا ذكر إهماله تعين الْإِتْيَان بِهِ وَلم يجز تَركه سَوَاء كَانَ من الْأُمُور الظَّاهِرَة أم من الْخفية وَبِهَذَا يتَعَيَّن أَيْضا اعْتِمَاد مَا ذكرَاهُ أَعنِي الزَّرْكَشِيّ والأذرعي فَعبر عَن ذَلِك الإِمَام بِأَنَّهُ لَو قيل أَن الْقِرَاءَة من غير تَصْحِيح الْأَدَاء والمخارج لَا تجوز لم يكن بَعيدا انْتهى وَأما زَعمه أَن فِي ذَلِك حرجا على النَّاس فَمَمْنُوع وَأي حرج فِي تعلم الْمجمع عَلَيْهِ إِذْ هُوَ الَّذِي يجب تعلمه كَمَا مر وبفرض أَن فِيهِ حرجا لَا ينظر إِلَيْهِ لِأَن الْأُمُور الْمجمع عَلَيْهَا لَا يُرَاعِي فِيهَا حرج وَلَا غَيره فَإِن قلت ينافى مَا تقدم عَن الْمَجْمُوع عَن الْجُوَيْنِيّ مَا فِيهِ عَنهُ أَيْضا أَن الْمُبَالغَة فِي التَّشْدِيد لَا تضر قلت لَا مُنَافَاة إِن أَرَادَ بِلَا تضر لَا تبطل بِهِ الصَّلَاة لِأَنَّهُ قد يسئ فِي الْأَدَاء وَتَصِح صلَاته وَكَذَا إِن أَرَادَ لَا تحرم لِأَن الْقَصْد بِهِ الْمُحَافظَة على الْإِتْيَان بالمتفق عَلَيْهِ لَا الزِّيَادَة على الْوَارِد فَهُوَ كتكرير الرَّاء الْآتِي فَإِن قلت يُنَافِيهِ قَول الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره لَو شدد مخففا جَازَ وَإِن أَسَاءَ وَلَا شكّ أَن تَشْدِيد المخفف مُخَالف لما أَجمعُوا عَلَيْهِ وَقد صرح هَؤُلَاءِ بِالْجَوَازِ قلت أجبْت عَن ذَلِك فِي شرح الْعباب بِقَوْلِي وواضح مِمَّا يَأْتِي فِي اللّحن الَّذِي لَا يُغير الْمَعْنى أَنه مَعَ التعمد حرَام فليحمل الْجَوَاز على الصِّحَّة لَا الْحل وَلَا يُنَافِيهِ مَا مر فِي الْمُبَالغَة أَي فِي التَّشْدِيد لِأَنَّهَا زِيَادَة وصف وَمَا هُنَا زِيَادَة حرف وَبِه ينْدَفع تنظير الْقَمُولِيّ انْتهى فَإِن قلت قد صرح جمع من الْأَصْحَاب وتبعهم ابْن الرّفْعَة بِأَنَّهُ لَو نطق بِحرف بَين حرفين كقاب الْعَرَب أَجزَأَهُ وَكره وَهَذَا منَاف لما قَدمته لِأَن هَذَا النُّطْق بِخِلَاف الْمجمع عَلَيْهِ وَقد صَرَّحُوا فِيهِ بِالْكَرَاهَةِ الْمُتَبَادر إِطْلَاقهَا إِلَى الْجَوَاز قلت أجبْت عَنهُ أَيْضا بِقَوْلِي بعد نقل مَا ذكره من الْأَجْزَاء وَالْكَرَاهَة لَكِن نظر فِيهِ الْمَجْمُوع وَجرى على مُقْتَضَاهُ الْمُحب الطَّبَرِيّ فَمَال إِلَى الْبطلَان قَالَ الْأَذْرَعِيّ وَهُوَ الظَّاهِر الْمَنْقُول وَقَالَ ابْن الْعِمَاد لَا يتَّجه غَيره لِأَن فِي الْإِتْيَان بهَا كَذَلِك إِسْقَاط حرف من لُغَة الْعَرَب اذهى لَيست من الثَّمَانِية وَالْعِشْرين حرفا الَّتِى تركب مِنْهَا كَلَام الْعَرَب وَمن لَازم إِسْقَاط حرف من الْفَاتِحَة بطلَان الصَّلَاة انْتهى فَعلم أَن القَوْل بِالْكَرَاهَةِ ضَعِيف إِن أَرَادَ قَائِله القَوْل بهَا وَلَو مَعَ قدرته على إخْرَاجهَا من مخرجها الْحَقِيقِيّ وَقد مر عَن شرح الْمُهَذّب أَن تعمد إِخْرَاج الْحَرْف من غير مخرجه حرَام فَإِن قلت يُنَافِي ذَلِك أَيْضا إِطْلَاق بعض أَصْحَابنَا أَن تعمد اللّحن الْغَيْر المغير للمعنى مَكْرُوه قلت هَذَا إِطْلَاق ضَعِيف أَيْضا وَالصَّوَاب مَا فِي شرح الْمُهَذّب وَالتَّحْقِيق من حُرْمَة تعمد ذَلِك حِينَئِذٍ فَفِيهِ تأييد لما قَدمته من التَّفْصِيل إِذْ الْجَامِع أَنه فِي كل من المسئلتين نطق بِمَا لَيْسَ بقرآن فَكَمَا حرم تعمد هَذَا كَذَلِك يحرم تعمد ذَاك وَلَا يُقَال إِن هَذَا أقبح لِأَنَّهُ بِفَرْض تَسْلِيمه لَا يُنَافِي الْقيَاس إِذْ قِيَاس الدون الَّذِي هُوَ حجَّة يَكْتَفِي فِيهِ بِوُجُود أصل الْعلَّة فَإِن قلت يُنَافِي ذَلِك أَيْضا قَوْلك فِي شرح الْعباب مَا حَاصله جزم فِي الْجَوَاهِر
стр. 175
كَابْن رزين بِأَن تَشْدِيد الرَّاء من أكبر فِي تَحْرِيم الصَّلَاة مُبْطل لَهَا ورده ابْن الْعِمَاد وَغَيره بِأَن الَّذِي تَقْتَضِيه اللُّغَة خِلَافه لِأَن الرَّاء حرف تَكْرِير فزيادته لَا تغير الْمَعْنى وَهُوَ مُتَّجه انْتهى فقولك وَهُوَ مُتَّجه منَاف لما فِي السُّؤَال عَن ابْن الْجَزرِي فِي تَكْرِير الرَّاء من أَنه حرَام قلت هَذَا لَا يُنَافِي مَا قَدمته لِأَن الْكَلَام هُنَا بَين الْأَئِمَّة لَيْسَ فِي الْحُرْمَة وَعدمهَا إِذْ لَا قُرْآن وَإِنَّمَا الْخلاف بَينهم إِن هَذَا مغير للمعنى أَو لَا وَالْمُعْتَمد أَنه غير مغير للمعنى وَمَعَ ذَلِك نقُول فِي نَظِيره من الْقُرْآن بِالْحُرْمَةِ وَلَا نَنْظُر فِي حُرْمَة مُخَالفَة مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ من وُجُوه الْأَدَاء إِلَى تَغْيِير معنى وَلَا إِلَى عَدمه إِلَّا إِلَى كَونه مُخَالفا للْقِرَاءَة الْوَارِدَة عَنهُ ﷺ يَقِينا وَالْقِرَاءَة سنة متبعة فَإِن قلت مَا مرادك بِالْإِجْمَاع الَّذِي ذكرته هَل هُوَ إِجْمَاع الْقُرَّاء السَّبْعَة فَقَط أَو مَعَ بَقِيَّة الْعشْرَة أَو مَعَ بَقِيَّة الْأَرْبَعَة عشر قلت هَذَا يَنْبَنِي على المُرَاد بالشاذ الَّذِي يحرم قِرَاءَته فَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ أَنه مَا وَرَاء السَّبْعَة فَعَلَيهِ المُرَاد إِجْمَاع السَّبْعَة فَمن قَرَأَ بِوَجْه مُخَالف لإجماعهم وَحرم وَإِلَّا فَلَا فَإِن قلت كَيفَ سَاغَ لمثل شيخ الْإِسْلَام والقراء الزين الْأنْصَارِيّ حمل الْوُجُوب فِي كَلَام ابْن الْجَزرِي فِي الْمُقدمَة على الصناعي كَمَا مر مَعَ تصريحه فِي غَيرهَا بالشرعي كَمَا فِي السُّؤَال بل ورد أَن تَركه مفسق وَأَيْضًا كَيفَ سَاغَ ذَلِك التَّفْصِيل الَّذِي قَدمته مَعَ أَن ظَاهر عِبَارَته المنقولة فِي السُّؤَال أَنه لَا فرق فِي وجوب ذَلِك شرعا بَين الْخَفي وَالظَّاهِر الْمجمع عَلَيْهِ والمختلف فِيهِ قلت ابْن الْجَزرِي وَإِن كَانَ إِمَّا مَاذَا فنون عديدة إِلَّا أَن الَّذِي غلب عَلَيْهِ فن القراآت وَمن غلب عَلَيْهِ فن يرجع إِلَيْهِ فِيهِ دون غَيره فَهُوَ ﵀ وَإِن صرح بِأَن الْوُجُوب شَرْعِي وَأَن تَركه مفسق لَا يرجع إِلَيْهِ فِي ذَلِك لِأَن هَذَا من مَبْحَث الْفُقَهَاء وَهُوَ لم يشْتَهر بالفقه اشتهاره بذلك فَذَلِك مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ بِحَسب مَا ظهر لَهُ وَوقر عِنْده من رِعَايَة تِلْكَ الرسوم لعلمه الَّذِي غلب عَلَيْهِ وَكَانَ ذَلِك مِنْهُ بِمَنْزِلَة الاختيارات الَّتِي لَا يعْمل بهَا فِي الْمَذْهَب فَوَجَبَ الرُّجُوع لما دلّ عَلَيْهِ كَلَام أهل الْمَذْهَب وَهُوَ إِطْلَاق عدم الْوُجُوب الشَّرْعِيّ كَمَا دلّ عَلَيْهِ كَلَامهم فِي مَوَاضِع قدمتها وَإِن قدمت الْجَواب عَنْهَا أَيْضا وَتلك لَعَلَّهَا مُسْتَند إِطْلَاق شَيخنَا وَغَيره أَن الْوُجُوب صناعي وَأما التَّفْصِيل الَّذِي قَدمته فاستنبطته من كَلَامهم الظَّاهِر أَو الصَّرِيح فِيهِ كَمَا مر وَاضحا مَبْسُوطا وَأما إِطْلَاق ابْن الْجَزرِي السَّابِق فَلم نر فِي كَلَامهم مَا يدل لَهُ فَمن ثمَّ سَاغَ لشَيْخِنَا مُخَالفَته مُطلقًا كَمَا يعرف بتأمله فَإِن قلت كَيفَ سَاغَ لَهُ أَن يَجْعَل مُخَالفَة الْوَاجِب فسقا وَهَذَا لَيْسَ إِطْلَاقه من اصْطِلَاح الْفُقَهَاء وَلَا الْأُصُولِيِّينَ إِذْ الْفسق إِنَّمَا يتَحَقَّق بارتكاب الْكَبِيرَة لَا بِمُطلق مُخَالفَة الْوَاجِب لِأَن مُخَالفَته تَنْقَسِم إِلَى صَغِيرَة وكبيرة قلت أما قصد بذلك التَّغْلِيظ فَحسب تحريضا للنَّاس على التجويد والاعتناء بِهِ لفرط تساهلهم فِيهِ أَو الْحَقِيقَة وَيكون أَخذ كَون ذَلِك كَبِيرَة لَهُ فِيهِ ملحظ مَا وَإِن كَانَ بصدد الْمَنْع وَقد أَشَارَ ابْن الْجَزرِي إِلَى نَحْو مَا ذكرته آخر كَلَامه الَّذِي فِي السُّؤَال ثمَّ رَأَيْت الْحَافِظ الْجلَال السُّيُوطِيّ نقل عَن ابْن الْجَزرِي نَفسه مَا يُؤَيّد ذَلِك أَي مَا قَالَه شَيخنَا حَيْثُ قَالَ فِي إتقانه قَوْلهم لَا يجوز الْوَقْف على الْمُضَاف دون الْمُضَاف إِلَيْهِ وَلَا كَذَلِك قَالَ ابْن الْجَزرِي إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الْجَوَاز الأدائي وَهُوَ الَّذِي يحسن فِي الْقِرَاءَة ويرق فِي التِّلَاوَة وَلَا يُرِيدُونَ بذلك أَنه حرَام وَلَا مَكْرُوه إِلَّا أَن يُرِيد بذلك تَحْرِيف الْقُرْآن وَخلاف الَّذِي أَرَادَ الله فَإِنَّهُ يكفر فضلا عَن أَن يَأْثَم فَإِن قلت كَيفَ سَاغَ لِابْنِ الْجَزرِي حمل الْجَوَاز وقصره على الصناعي مَعَ مَا ذكر عَنهُ فِي السُّؤَال قلت لَهُ أَن يفرق بِأَن الْوَقْف لم يرد لَهُ ضَابِط عَنهُ ﷺ وَلَا نقل فِيهِ شَيْء توقيفي فأدير الْأَمر فِيهِ على مَا لَا يخل بِالْمَعْنَى فَأَما وُجُوه الْأَدَاء فوردت بل تَوَاتَرَتْ على مَا فِيهَا من كَلَام الْأُصُولِيِّينَ عَنهُ ﷺ فساغ لَهُ أَن يَجْعَل الْوُجُوب فِيهَا شَرْعِيًّا وَلم يكن بَين كلاميه تنَاقض فَإِن قلت قد مر عَن شرح الْمُهَذّب الْحُرْمَة فِي الْوَقْف فِي نستعين وَلَيْسَ المُرَاد بهَا إِلَّا الْحُرْمَة الشَّرْعِيَّة فَكيف سَاغَ لِابْنِ الْجَزرِي حمل كَلَامهم فِي الْوَقْف على الْأَمر الصناعي دون الشَّرْعِيّ قلت كَلَامه فِي غير مَا فِيهِ كَلَام شرح الْمُهَذّب لِأَنَّهُ فِي الْوَقْف على إِحْدَى جزأي كلمة وَكَلَام ابْن الْجَزرِي فِي الْوَقْف على كلمة لَكِن لَا يتم مَعْنَاهَا إِلَّا بِمَا بعْدهَا وَيفرق بَينهمَا بِأَن الأول فِيهِ تَغْيِير للمعنى أَو النّظم الْمَعْرُوف بِخِلَاف الثَّانِي فَتَأَمّله وَالله سُبْحَانَهُ الْمُوفق للصَّوَاب (وَسُئِلَ) نفع الله بِعُلُومِهِ عَمَّا صورته سَأَلَ الْعِزّ بن عبد السَّلَام رَحمَه الله تَعَالَى فِي أَمَالِيهِ عَن نُكْتَة قَوْله تَعَالَى (وَإِذا قيل لَهُم لَا تفسدوا فِي الأَرْض
стр. 176
فَقيل مَا نُكْتَة قَوْله تَعَالَى فِي الأَرْض قَالَ وَلَيْسَ هَذَا مِثَال قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا لَهُم فِي الأَرْض من ولي وَلَا نصير﴾ لِأَن مَعْنَاهُ فِي الأَرْض كلهَا فَلَو لم يَأْتِ بِهِ لاحتمل أَن يكون خَاصّا بِبَعْض الأَرْض انْتهى فَمَا الْجَواب (فَأجَاب) ﵁ بقوله إِنَّمَا يتَوَجَّه سُؤَاله لَو صَحَّ مَا فرق بِهِ بَين الْآيَتَيْنِ وَالظَّاهِر أَنه غير صَحِيح وَبَيَانه أَن فِي الأَرْض فِي كل مِنْهُمَا وَقعت فِي حيّز مَا يُفِيد الْعُمُوم وَهُوَ النَّهْي فِي الأول وَالنَّفْي فِي الثَّانِي وَحِينَئِذٍ فمفاد الأولى النَّهْي عَن جَمِيع أَنْوَاع الْفساد ومفاد الثَّانِيَة انْتِفَاء وجود ولي ونصير لَهُم بِسَائِر أنواعهما فاستويا فِي أَن ذكر فِي الأَرْض فِي كل مِنْهُمَا يسئل عَن حكمته لِأَنَّهُ لَو حذف لصَحَّ الْكَلَام بِدُونِهِ وَقَوله لَو لم يَأْتِ بِهِ لاحتمل الخ قد علمت أَنه غير مُتَوَجّه لما تقرر أَن النَّفْي أَفَادَ أَنه لَا يُوجد لَهُم ولي وَلَا نصير أصلا لَا سِيمَا أَن قُلْنَا أَن عُمُوم الْأَشْخَاص يسْتَلْزم عُمُوم الْأَزْمِنَة والأمكنة فَإِن قَالَ إِن الْعُمُوم عندنَا بِسَائِر أقسامه ظَنِّي لَا قَطْعِيّ فَلَا يَنْفِي الِاحْتِمَال الْمَذْكُور قُلْنَا وَكَذَا هُوَ فِي لَا تفسدوا فَكَمَا احْتِيجَ ذكر فِي الأَرْض فِي الْآيَة الثَّانِيَة لمنع ذَلِك الِاحْتِمَال كَذَلِك يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الأولى لمنع نَظِيره إِذْ لَو حذف لاحتمل أَن النَّهْي عَن الْفساد خَاص بِبَعْض الأَرْض وَهُوَ الْمَدِينَة الَّتِي هِيَ مَحل المخاطبين وَهُوَ المُنَافِقُونَ فاحتيج لذكر فِي الأَرْض حَتَّى يكون فِيهِ التَّنْصِيص على النَّهْي عَن وُقُوع نوع من أَنْوَاع الْفساد فِي نوع من أَنْوَاع الأَرْض وَالْحَاصِل أَن الْحق فِي الْآيَتَيْنِ أَن ذكر الأَرْض لَهُ فَائِدَة أَي فَائِدَة فَأَما فِي الثَّانِيَة فَوَاضِح مِمَّا قَرَّرَهُ وَأما فِي الأولى فَهُوَ مَا تقرر أَنه لَو حذف ذَلِك أوهم أَن النَّهْي عَن الْفساد خَاص بمحلهم وَهُوَ أَرض الْمَدِينَة فَذكر ليُفِيد أَنه عَام فِي كل جُزْء من جزئيات الأَرْض لِأَن الأَرْض مُفْرد محلى بَال وَهُوَ للْعُمُوم عِنْد الْأُصُولِيِّينَ وَلِأَن جُمْهُور المعانيين أَن الأَصْل فِي أل الْجِنْس والاستغراق لَا الْعَهْد وَمَا نقل عَن الْمُحَقِّقين من أَن الأَصْل فِيهَا الْعَهْد فَفِيهِ نظر أَي نظر على أَنه يُؤَيّد مَا قيل المُرَاد بِالْأَرْضِ فِي الْآيَة الْمَدِينَة وَعَلِيهِ فَذكر الأَرْض لَهُ فَائِدَة ظَاهِرَة وَهِي التَّنْصِيص على مَا وَقع مِنْهُم الْإِفْسَاد فِيهِ بِالْفِعْلِ ليَكُون أدعى إِلَى امتثالهم لِأَن إِفْسَاد الْإِنْسَان فِي بَلَده وَمحل إِقَامَته أقبح مِنْهَا فِي غير ذَلِك وَالتَّقْدِير لَو فرض إفسادكم فَلَا تجعلوه فِي أَرْضكُم وَمحل إقامتكم كَمَا يُقَال لنَحْو قَاطع الطَّرِيق إِن كَانَ وَلَا بُد فَلَا تجْعَل على ذَلِك فِي بلدك وَمَعَ من يعرفك وَبِمَا قَرّرته ظَهرت نُكْتَة ذكر فِي الأَرْض سَوَاء كَانَت أل فِيهَا للْعُمُوم أَو للْعهد وَيُمكن اسْتِخْرَاج نُكْتَة أُخْرَى لَهُ وَهِي التَّذْكِير بالمبدأ والمعاد وَذَلِكَ أردع عَن الْفساد وَالتَّقْدِير لَا تفسدوا فِي عنصركم الْغَالِب عَلَيْكُم الَّذِي خلقْتُمْ مِنْهُ ومرجعكم إِلَيْهِ وَهُوَ الطين وَالْأَرْض أصلكم مِنْهَا خلقْتُمْ وإليها تعودُونَ فَكيف تفسدون فِيهَا وَكلما ذكر الْإِنْسَان بحقارة أَصله ومبدئه وبهلاكه واضمحلاله وَعوده إِلَى ذَلِك المبدأ ومصيره تُرَابا ثمَّ بَعثه وحسابه كَانَ ذَلِك أدعى لقبوله الموعظة وانفكاكه عَمَّا نهى عَنهُ وامتثاله لما أَمر بِهِ وَكَأن هَذَا وَالله أعلم هُوَ السِّرّ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تمش فِي الأَرْض مرحا إِنَّك لن تخرق الأَرْض﴾ وَلَو سَأَلَ الْعِزّ عَن نُكْتَة هَذِه لَكَانَ أولى لِأَن حكمته فِي ذكر الأَرْض هُنَا أدق مِنْهَا فِي تِلْكَ بِكَثِير كَمَا لَا يخفى وَلَا يَصح أَن يُقَال احْتَرز بِهِ عَن الْمَشْي فِي الْهَوَاء أَو على المَاء لِأَن هَذَا خارق وَهُوَ لَا يحْتَرز عَنهُ وَكَأن مَا ذكرته أَيْضا هُوَ حِكْمَة تكريرها والعدول عَن الأَصْل لن تخرقها لَكِن لما كَانَت الْإِعَادَة بِالظَّاهِرِ تَقْتَضِي مزِيد التيقظ والتقريع أَو ثرت على الضَّمِير ونكتة أُخْرَى هِيَ الْإِشَارَة إِلَى عجزهم وَإِن آثَار فسادهم قَاصِرَة عَلَيْهِم لَا تتعداهم إِلَى الْمَلَائِكَة الَّذين يكون هلاكهم وعذابهم على أَيْديهم ونكتة أُخْرَى هِيَ غَايَة التقريع والتخويف وَلَهُم وَهِي أَن إفسادهم يُؤَدِّي إِلَى استئصالهم لِأَن الْفساد فِي الأَرْض يُؤَدِّي إِلَى خرابها واستئصال أَهلهَا فَكَأَنَّهُ قيل لَهُم لَا تَكُونُوا سَببا لهلاك أَنفسكُم بِوَاسِطَة وُقُوع الْفساد مِنْكُم وَمِمَّا يُوضح ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿ظهر الْفساد فِي الْبر وَالْبَحْر بِمَا كسبت أَيدي النَّاس﴾ وَقد سُئِلَ مُجَاهِد ﵁ عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا تولى سعى فِي الأَرْض ليفسد فِيهَا وَيهْلك الْحَرْث والنسل﴾ قَالَ بلَى فِي الأَرْض فَيعْمل فِيهَا بالعدوان وَالظُّلم فَيحْبس الله بذلك الْقطر من السَّمَاء فَيهْلك بِحَبْس الْقطر الْحَرْث أَي الزَّرْع والنسل أَي سَائِر الْحَيَوَانَات ثمَّ قَرَأَ مُجَاهِد ﴿ظهر الْفساد فِي الْبر وَالْبَحْر﴾ الْآيَة وَتَخْصِيص الْعِزّ هَذِه الْآيَة بالسؤال مَعَ أَن لَهَا نَظَائِر كَثِيرَة فِي الْقُرْآن نَحْو ﴿وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين﴾ ﴿وَلَا تفسدوا فِي الأَرْض بعد إصلاحها﴾ كَأَنَّهُ للاستغناء بهَا عَن نظائرها وَمَا ذكرته من
стр. 177
النكت فِي تِلْكَ الْآيَة يَأْتِي فِي نظائرها الَّتِي أَشرت إِلَيْهَا فتفطن لذَلِك فَإِنَّهُ أهم وَهَذَا كُله لم أر من نبه على شَيْء مِنْهُ ثمَّ رَأَيْت الْبَيْضَاوِيّ أَشَارَ إِلَى بعض هَذِه النُّكْتَة الْأَخِيرَة بقوله وَكَانَ من فسادهم فِي الأَرْض تهييج الحروب والفتن بمخادعة الْمُسلمين وممالآة الْكفَّار عَلَيْهِم وإفشاء الْأَسْرَار إِلَيْهِم فَإِن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى فَسَاد من فِي الأرئض من النَّاس وَالدَّوَاب والحرث وَمِنْه إِظْهَار الْمعاصِي والإهانة بِالدّينِ فَإِن الْإِخْلَال بالشرائع والإعراض عَنْهَا مِمَّا يُوجب الْهَرج والمرج ويخل انتظام الْعَالم انْتهى وَرَأَيْت أَبَا حَيَّان أَشَارَ إِلَى ذَلِك وَإِلَى مَا ذكرته أَو لَا من أَنه ذكر فِيهَا أَيْضا لإِفَادَة الْعُمُوم أَي التَّنْصِيص عَلَيْهِ لما قَدمته وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا تولى سعى فِي الأَرْض ليفسد فِيهَا﴾ مَعْلُوم أَن السَّعْي لَا يكون إِلَّا فِي الأَرْض لَكِن أَفَادَ بِهِ الْعُمُوم بِمَعْنى فِي أَي مَكَان حل مِنْهَا مَعَ الْفساد وَيدل لفظ فِي الأَرْض على كَثْرَة سَعْيه وتقلبه فِي نواحي الأَرْض لِأَنَّهُ يلْزم من عُمُوم الأَرْض تكْرَار السَّعْي وَتقدم مَا يُشبههُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تفسدوا فِي الأَرْض﴾ وَيُمكن اسْتِخْرَاج نُكْتَة أُخْرَى وَهِي التَّعْرِيض بصلاح الأَرْض وَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بإفسادهم رفع ذَلِك الصّلاح الَّذِي امتن الله بِهِ على أَهلهَا إِمَّا بِكَوْنِهِ تَعَالَى أصلح خلقهَا على الْوَجْه المطابق لمنافع الْخلق وَإِمَّا بِكَوْنِهِ بعث فِيهَا الرُّسُل وَأنزل الْكتب وَفصل الشَّرَائِع وفسادها حِينَئِذٍ إِمَّا بإفساد النُّفُوس بِالْقَتْلِ وَقطع الأعصاب وَإِمَّا بإفساد الْأَمْوَال بِنَحْوِ النهب ووجوه الْحِيَل وَإِمَّا بإفساد الْأَدْيَان بالْكفْر والبدع وَإِمَّا بإفساد الْأَنْسَاب بِالزِّنَا واللواط وَالْقَذْف وَإِمَّا بإفساد الْعُقُول بِشرب المسكرات فَاقْتضى النَّهْي عَن الْفساد فِي الأَرْض منع إِدْخَال مَاهِيَّة الْفساد فِي الْوُجُود بِجَمِيعِ أَنْوَاعه وأصنافه ونكتة أُخْرَى وَهِي تذكيرهم بِنِعْمَة الله الْعُظْمَى عَلَيْهِم الْمشَار إِلَيْهَا بقوله هُوَ أنشأكم من الأَرْض واستعمركم فِيهَا أَي جعلكُمْ عمارها وسكانها أَو أَطَالَ أعماركم فِيهَا أَو جعلهَا لكم مَا عشتم أَو أسكنكم فِيهَا وخلقكم لعمارتها أَو استدعى مِنْكُم عمارتها وَكَانَ التَّقْدِير لَا تفسدوا فِيمَا جعلتم عماره وخلقتم لعمارته وسكناه مَعَ جعله لكم فِيهَا مَا عشتم وَطَلَبه مِنْكُم أَن تعمروه بصلاح الْأَعْمَال وَالْأَمْوَال وَالْأَحْوَال وَفِي هَذَا من حملهمْ على الصّلاح وإرشادهم إِلَى النجاح مَا لَيْسَ فِيهِ مِمَّا لم يذكر فِي الأَرْض فَكَانَ فِي ذكره الْمُفِيد لذَلِك فَائِدَة أَي فَائِدَة (وَسُئِلَ) نفع الله بِهِ أَيْضا عَمَّا سَأَلَهُ الْعِزّ بن عبد السَّلَام فِي أَمَالِيهِ بقوله ذكر الْأَزْمِنَة فِي مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ نجيناكم﴾ ﴿وَإِذ واعدنا مُوسَى﴾ وَغير ذَلِك من الْمَوَاضِع الَّتِي حصل فِيهَا الامتنان بِالنعَم بِجعْل الممتن بِهِ نفس الزَّمَان وَمثله قَول من قَالَ من الْعَرَب
(أنسيت يَوْم عكاظ إِذْ لاقيتني … تَحت العجاج وَلم يشق غباري)
وَالْمرَاد مَا وَقع فِي الْيَوْم لَا نفس الْيَوْم مَا فَائِدَة ذَلِك وَلَو ذكر النعم فَقَط اسْتَقل الْمَعْنى اه فَمَا جَوَاب ذَلِك (فَأجَاب) نفع الله بِهِ بقوله لذَلِك حِكْمَة ظَاهِرَة جلية وبيانها إِجْمَالا أَن إِذْ فِي نَحْو ذَلِك معمولة لمَحْذُوف تَقْدِيره واذْكُرُوا وَقت كَذَا هَذَا هُوَ الْأَصَح وَأَن التَّذْكِير بِمُجَرَّد النعم لَيْسَ فِيهِ التَّنْبِيه على أضدادها بِوَجْه أظهر بِخِلَاف التَّذْكِير بهَا بِالَّتِي وَقعت فِيهِ وتفصيلا أَن الشَّيْء كلما لوحظ خطره ثمَّ النجَاة مِنْهُ ثمَّ تبديله بِالنعَم الْمَحْضَة يكون ذَلِك أدعى إِلَى مزِيد الشُّكْر عَلَيْهِ والخضوع لموليه ومسديه وَإِلَى الِاعْتِرَاف بِهِ وَإِلَى عدم مُخَالفَة الْمُنعم فِي شَيْء من أوامره أَو نواهيه فَلهَذَا ذكر تَعَالَى زمن النعم الَّتِي امتن بهَا على عباده وَذكرهمْ بذلك الزَّمن ليذكرهم مَا كَانُوا فِيهِ من المحن فِي ذَلِك الزَّمن قبل وُصُول تِلْكَ النعم إِلَيْهِم فَإِذا ذكرُوا ذَلِك عظمت النعم عِنْدهم عَظمَة لَا نِهَايَة لَهَا وَوَقعت تِلْكَ الْمِنَّة مِنْهُم الْموقع الْعَظِيم الاعظم ولاجل هَذَا ذكرنَا فِي آيَات كَثِيرَة أحوالنا السَّابِقَة لنشكره عَلَيْهَا وعَلى أحوالنا اللاحقة بِكَوْنِهِ خلقنَا من تُرَاب ثمَّ من نُطْفَة ثمَّ من علقَة ثمَّ من مُضْغَة ثمَّ أخرجنَا من بطُون أمهاتنا لَا نعلم شيأ وَلَا نقدر على شَيْء فيسر لنا من قَامَ بمصالحنا إِلَى أَن من علينا بِنِعْمَة الْهِدَايَة والوقاية وبكونه جعل لنا عينين وَلِسَانًا وشفتين وهدانا النجدين وَنَحْو ذَلِك من النعم الَّتِي لَا تحصى والمنن الَّتِي لَا تستقصى كَمَا يظْهر لَك بتدبر الْآي القرآنية وَبِمَا تقرر علم أَن قَول الْعِزّ لَو ذكرت النعم فَقَط اسْتَقل الْمَعْنى فِيهِ نظر لِأَن الْمَعْنى الْمَقْصُود الَّذِي قَرَّرْنَاهُ لَا يحصل كَمَاله بِمُجَرَّد ذكر النعم فَقَط بل بِذكر زَمَنهَا وَلَعَلَّه أَرَادَ بِالْمَعْنَى أَصله لكنه غير مجد لِأَن جزالة مَعَاني الْقُرْآن وبداعة أساليبه تَقْتَضِي رِعَايَة أبلغ الْمَرَاتِب وأسنى
стр. 178
المطالب وَهَذَا من أَسبَاب إعجازه الَّتِي لم يصل إِلَى أدنى مراتبها غَيره وَقد لحظ الشَّاعِر فِي الْبَيْت الَّذِي ذكره الْعِزّ نَحْو مَا قَرّرته لِأَنَّهُ لَو ذكره بِمُجَرَّد التلاقي لم يتَنَبَّه لهول ذَلِك الْيَوْم وَلَا استحضر جَمِيع مَا فِيهِ فَلم يحصل الْمَقْصُود من تخويفه وتقريعه وَأما إِذا ذكره بذلك الْيَوْم الْمَشْهُور الَّذِي صَار يضْرب بِهِ الْمثل فِي هزيمته وجبنه وعجزه عَن شقّ غباره فِيهِ وَبِنَحْوِ ذَلِك مِمَّا وَقع فِيهِ فقد حصل الْمَقْصُود من تخويفه وتقريعه وزجره وترويعه والتسجيل عَلَيْهِ بِأَن من وَقع لَهُ مثل ذَلِك الْيَوْم لَا يَنْبَغِي أَن يعود إِلَى طعان بل وَلَا إِلَى حمل سِنَان فاتضح أَن مَا فِي الْبَيْت من منوال مَا فِي الْآيَة وَإِن النُّكْتَة فِي ذَلِك أشهر من نَار على علم وَهَذَا الْجَواب لم أر من نبه على شَيْء مِنْهُ رَحمَه الله تَعَالَى اه (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا سَأَلَ الْعِزّ فِي أَمَالِيهِ أَيْضا بقوله تَعَالَى ﴿أَو لم تؤمن قَالَ بلَى وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي﴾ وَالله تَعَالَى عَالم بإيمانه فَمَا الْحِكْمَة فِي ذَلِك وَمَا فَائِدَة الِاسْتِفْهَام وَالْجَوَاب عَنهُ (فَأجَاب) طمن الله قلبه بِالْإِيمَان ووالى عَلَيْهِ مزِيد الْعَفو والغفران وَأَسْكَنَهُ أَعلَى فراديس الْجنان آمين بقوله الْجَواب عَن ذَلِك مَذْكُور فِي كتب التَّفْسِير وَحَاصِله مَعَ الزِّيَادَة عَلَيْهِ أَن الله تفضل على أنبيائه وَرُسُله بِمَا لم يتفضل على غَيرهم وَمِنْه حماية ساحتهم المطهرة أَن تدنس بريبة أَو ترمى برذيلة حاشاهم الله من ذَلِك وَإِذا كَانَ هَذِه عَادَة الله مَعَهم فإبراهيم أكملهم بعد نَبينَا ﷺ وَعَلَيْهِم فَلهُ من تِلْكَ الحماية الْحَظ الأوفى وَحِينَئِذٍ فإبراهيم سَأَلَ ربه بغاية من الْأَدَب وَنِهَايَة من الخضوع أَن يرِيه كَيْفيَّة إحيائه الْمَوْتَى فَإِذا سمع هَذَا من لم يبلغ حَقِيقَة الْعلم بأحوال الْأَنْبِيَاء دَاخله شكّ فِي هَذَا السُّؤَال وتوهم مِنْهُ غير المُرَاد مِمَّا لَا يَلِيق بمقام الْخَلِيل بل رُبمَا أَدَّاهُ إِلَى الْكفْر فَأَرَادَ الله تَعَالَى أَن ينزه مرتبَة خَلِيله وَأَن يحفظ غَيره من الْهَلَاك بِسَبَبِهِ فَسَأَلَهُ وَهُوَ أعلم بِمَا انطوى عَلَيْهِ ضَمِيره من الْبلُوغ إِلَى غايات الْإِيمَان والوصول إِلَى نهايات الإيقان فَقَالَ لَهُ بأداة التَّقْرِير الدَّال على كَمَال نزاهته ﴿أَو لم تؤمن قَالَ بلَى وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي﴾ بانضمام عين الْيَقِين إِلَى علم الْيَقِين بِأَنَّهُ فان أَن إِيمَان إِبْرَاهِيم على أكمل وُجُوه الْإِيمَان وَأَنه لم يخالطه أدنى وهم وَأَنه لَيْسَ غَرَضه من سُؤَاله عَن ذَلِك إِلَّا ذَلِك العيان الَّذِي هُوَ أَعلَى مقامات الْعرْفَان وَلَا جلّ ذَلِك جَاءَ عَن جمَاعَة أَنه قَالَ بلَى يَا رب وَلَكِن لَيْسَ الْخَيْر كالعيان على أَنه من تَأمل سُؤال إِبْرَاهِيم فهم مِنْهُ مُرَاده وَهُوَ أَنه ﷺ لم يسْأَل عَن أصل الْإِحْيَاء وَإِنَّمَا سَأَلَ عَن كيفيته وَهَذَا صَرِيح فِي أَنه مُؤمن بِأَصْل الْإِحْيَاء ومتيقن لَهُ وَأَنه مِمَّن انطوى ضَمِيره على اعْتِقَاده فَإِن قلت إِذا دلّ سُؤَاله على ذَلِك فَلم قيل أَو لم تؤمن قلت هَذِه الدّلَالَة لَا يفهمها أَكثر النَّاس فَلَو وكل الْأَمر إِلَيْهَا لوقع أَكْثَرهم فِي الْمَحْذُور على أَن بعض الْمُفَسّرين مِمَّن لَا يعول عَلَيْهِ مَعَ ذَلِك كُله تكلم هُنَا بِكَلِمَات لَا تسْتَحقّ أَن تذكر كَيفَ وألفاظ الْآيَة كَمَا تقرر لَا تدل على شَيْء يُنَافِي كَمَال الْإِيمَان فضلا عَن أَصله وإيضاحه أَنه إِنَّمَا سَأَلَ أَن يرِيه عيَانًا كَيْفيَّة إحْيَاء الْمَوْتَى لِأَنَّهُ لما علم ذَلِك بِقَلْبِه وتيقنه وَاسْتدلَّ بِهِ على نمروذ فِي قَوْله ﴿رَبِّي الَّذِي يحي وَيُمِيت﴾ طلب مِمَّن رباه فِي الكمالات العلمية والمواهب الأحدية أَن يرِيه كَيْفيَّة ذَلِك لما فِي معاينته من رُؤْيَة اجْتِمَاع الْأَجْزَاء المتلاشية والأعضاء المتبددة والصور المضمحلة واستعظام باهر قدرته تَعَالَى فَإِن قلت كَيفَ هَذَا مَعَ قَوْله ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح نَحن أَحَق بِالشَّكِّ من إِبْرَاهِيم قلت هَذَا فِيهِ أَيْضا غَايَة النزاهة لإِبْرَاهِيم ﷺ بِنَفْي وُقُوع شكّ مِنْهُ على أبلغ وَجه وأوضحه أَي لَو شكّ إِبْرَاهِيم كَمَا يتوهمه من سُؤَاله هَذَا من لَا علم لَهُ لَكنا أَحَق بِالشَّكِّ مِنْهُ لِأَنَّهُ الْخَلِيل وَالْإِمَام الْجَلِيل وَلم لَا وَقد أَمر ﷺ بِاتِّبَاع سنته وتعظيم مرتبته وَقد علم ﷺ أَنه أفضل من إِبْرَاهِيم بِنَصّ قَوْله إِنَّا سيد ولد آدم وَلَا فَخر وَمَعَ ذَلِك تواضع وَنفى الشَّك عَن إِبْرَاهِيم بِأَنَّهُ لَو ثَبت لَهُ لثبت لَهُ وَهَذَا غَايَة فِي الشَّهَادَة بِبَرَاءَة إِبْرَاهِيم ونزاهته فَإِن قلت سُؤال إِبْرَاهِيم وَجَوَابه قبل نزُول الْقُرْآن فَلَا توهم فِي ذَلِك الزَّمن حَتَّى ينفى قلت هُوَ تَعَالَى علم بِأَن الْقُرْآن سينزل على هَذَا النمط فَلَو حذف هَذَا السُّؤَال لوقع من أحد من هَذِه الْأمة توهم مَا فصانهم الله تَعَالَى عَن ذَلِك من أَصله جَريا على سَابق رأفته وَرَحمته بهم وَأَيْضًا فالتوراة وَالْإِنْجِيل مشتملان على حِكَايَة أَحْوَال إِبْرَاهِيم صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم فَلَو حكى سُؤَاله لَهُم لتوهموا مِنْهُ خلاف المُرَاد فَكَانَ السُّؤَال وَالْجَوَاب صونا لما عساه أَن يَقع (وَسُئِلَ) الله بِعُلُومِهِ عَمَّا سَأَلَ الْعِزّ بن عبد السَّلَام
стр. 179
فِي أماله أَيْضا عَن قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ لَا أحب الآفلين﴾ فَقَالَ هَذَا مُشكل غَايَة الْإِشْكَال لِأَن الدَّال على عدم الآلهية الْكَوَاكِب إِن كَانَ التَّغَيُّر وَقد وجد الْأَقْوَال فَلَا معنى لاختصاصه بِهِ وَإِن كَانَ الْغَيْبَة عَن الْبَصَر فَيلْزم فِي حق الله تَعَالَى وَإِن كَانَ كَونه انْتقل من كَمَال وَهُوَ الْعُلُوّ إِلَى النُّقْصَان فقد كَانَ نَاقِصا عِنْد الْإِشْرَاق وَأَيْضًا فَذَلِك معلومه لَهُ قبل الأفول أَنه يأفل وَأَنه فِي الْمشرق مسَاوٍ لحالته فِي الْمغرب اه فَمَا الْجَواب (فَأجَاب) أتم الله عَلَيْهِ نوره ووالى عَلَيْهِ نعمه وسروره بقوله ذكر غير وَاحِد من الْمُفَسّرين هَذَا الْإِشْكَال وَجَوَابه لكنه يحْتَاج إِلَى مُقَدمَات توضحه فَمَعْنَى ﴿جن عَلَيْهِ اللَّيْل﴾ أظلم والكوكب النَّجْم قَالَ الرَّاغِب لَا يُقَال فِي النَّجْم كَوْكَب إِلَّا عِنْد ظُهُوره قيل كافه الأولى زَائِدَة على خلاف الأَصْل إِذْ هِيَ لَيست من حُرُوف الزِّيَادَة والأفول الْغَيْبَة والذهاب والبزوغ الِابْتِدَاء فِي الطُّلُوع كَأَنَّهُ مَأْخُوذ من البزغ وَهُوَ الشق لِأَنَّهُ بنوره يشق الظلمَة شقا وَالْقَمَر مَعْرُوف سمى بِهِ لبياضه وانتشار ضوئه وَقيل لِأَنَّهُ يقمر ضوء الْكَوَاكِب وينور بِهِ وَذكر الشَّمْس فِي ﴿هَذَا رَبِّي﴾ وأنثها فِي ﴿بازغة﴾ لِأَن فِيهَا لغتين التَّذْكِير والتأنيث فالتذكير بِتَأْوِيل الْكَوْكَب أَو الضَّوْء أَو النُّور أَو الطالع أَو الشَّخْص أَو الشَّيْء أَو لكَونه أخبر عَنْهَا بمذكر والمبتدأ وَالْخَبَر كالشيء الْوَاحِد وَقَول أبي حَيَّان على لُغَة أَكثر الْأَعَاجِم لأَنهم لَا يفرقون فِي الضمائر وَأَسْمَاء الْإِشَارَة بَين الْمُذكر والمؤنث مَرْدُود بِأَن هَذَا إِنَّمَا يُقَال لَو عبر بلغَة إِبْرَاهِيم وَهِي العبرانية وَنقل الطَّبَرِيّ أَن سَبَب نطقه بهَا لما عبر النَّهر فَارًّا من النمروذ وَكَانَ وصّى من أرسلهم لإحضاره أَن يأتوه بِمن يسمعونه يتَكَلَّم بالسُّرْيَانيَّة فَلَمَّا أدركوه استنطقوه فحول الله لِسَانه عبرانيا فسميت العبرانية لِأَنَّهَا كَانَت عِنْد عبوره النَّهر وَذكر ابْن سَلام أَن سَبَب تَسْمِيَة السريانية بذلك أَن الله حِين علم آدم الْأَسْمَاء علمه إِيَّاهَا سرا عَن الْمَلَائِكَة وأنطقه بِمَا ذكرُوا أَكثر الْمُفَسّرين أَن إِبْرَاهِيم ﷺ ولد زمن ملك رأى رُؤْيا عبرها المعبرون بِأَنَّهُ يُولد غُلَام يكون هَلَاك ملكه على يَدَيْهِ فَأمر بِذبح كل غُلَام يُولد فَلم تظهر أم إِبْرَاهِيم حملهَا فَلَمَّا أحست بالطلق ذهبت إِلَى كَهْف جبل فَوَضَعته فِيهِ وسدت بَابه بِحجر فجَاء جِبْرِيل ﵊ وَوضع إصبعه فِي فَمه وَكَانَت تَأتيه وتتعهده أمه أَحْيَانًا قيل ولد فِي بَرزَة بغوطة دمشق وَالصَّحِيح بكوثة بإقليم بابل من الْعرَاق وَبَقِي إِلَى أَن عرف لَهُ رَبًّا فَسَأَلَ أمه من رَبِّي قَالَت أَنا قَالَ وَمن رَبك قَالَت أَبوك قَالَ وَمن ربه قَالَت ملك الْبَلَد فَعرف أَنَّهَا جاهلة بِاللَّه تَعَالَى فَنظر فِي بَاب ذَلِك الْغَار ليرى شَيْء يسْتَدلّ بِهِ على وجود الرب تَعَالَى فَرَأى نجما قيل المُشْتَرِي وَقيل الزهرة فَقَالَ ﴿هَذَا رَبِّي﴾ الْآيَة ثمَّ قيل كَانَ هَذَا قبل الْبلُوغ وَقيل بعده وَبَالغ الْمُحَقِّقُونَ فِي رد هَذَا القَوْل وبطلانه وَقَالُوا لَا يجوز أَن يَأْتِي على نَبِي زمن إِلَّا وَهُوَ على غَايَة من الْمعرفَة بِاللَّه والتبري مِمَّا سواهُ وَكَيف يتَوَهَّم هَذَا على من عصمه الله وطهره وَأخْبر عَنهُ أَنه آتَاهُ رشده من قبل وَأَنه جَاءَ ربه بقلب سليم وَأَنه أرَاهُ ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وليكون من الموقنين يَقُول هَذَا رَبِّي على حَقِيقَته لَا يُمكن ذَلِك أبدا وَمِمَّا احْتَجُّوا بِهِ أَن القَوْل بربوبية الجماد كفر إِجْمَاعًا وَهُوَ لَا يجوز على نَبِي إِجْمَاعًا وَبِأَنَّهُ عرف ربه قبل هَذِه الْقَضِيَّة حَيْثُ قَالَ لِأَبِيهِ آزر ﴿أتتخذ أصناما آلِهَة إِنِّي أَرَاك وقومك فِي ضلال مُبين﴾ وَدعَاهُ إِلَى التَّوْحِيد وَأطَال مَعَه الْكَلَام فِي تسفيه مَا هُوَ فِيهِ كَمَا ذكر فِي سُورَة مَرْيَم وَمِمَّا يدل على تقدم ذَلِك على مَا هُنَا أَن مَا هُنَا فِي التَّغْلِيظ فِي الْحجَّاج لسَائِر قومه وَمن الْمَعْلُوم تقدم الترفق على التعنيف فِي الدعْوَة إِلَى الله وابتدائه بالأهل ثمَّ بالأجانب وَإِذا ثَبت لإِبْرَاهِيم هَذَا الْكَمَال الباهر فِي التَّوْحِيد فَكيف يسوغ لعاقل فضلا عَن فَاضل أَن يتَوَهَّم فِي إِبْرَاهِيم أَنه اعْتقد ألوهية كَوْكَب معَاذ الله وحاشاه الله وَكَيف وَدَلَائِل الْحُدُوث فِي الأفلاك ظَاهِرَة لَا تخفى على أقل الْعُقَلَاء فَكيف بأكملهم وَقَوله ﴿يَا قوم إِنِّي بَرِيء مِمَّا تشركون﴾ وَقَوله ﴿وحاجه قومه قَالَ أتحاجوني فِي الله وَقد هدان﴾ أدل دَلِيل على بطلَان مَا مر أَنه قَالَ ذَلِك فِي الْغَار وعَلى أَنه أَنما قَالَ ذَلِك إرشادا لَهُم إِلَى الْإِيمَان وإبطالا لما كَانُوا عَلَيْهِ من عبَادَة غير الله تَعَالَى وَمن ثمَّ قَالَ ﴿وَكَيف أَخَاف مَا أشركتم وَلَا تخافون أَنكُمْ أشركتم بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ عَلَيْكُم سُلْطَانا﴾ قيل وَلَو كَانَ مَقْصُوده تَحْصِيل الْمعرفَة لنَفسِهِ لاستدل بغروب الشَّمْس فِي الْيَوْم السَّابِق لتِلْك اللَّيْلَة على أَنَّهَا لَا تصلح للألوهية وَإِذا بطلت صلاحيتها لذَلِك فغيرها أولى وَلَا يَتَأَتَّى مثل ذَلِك فِيمَا إِذا قُلْنَا أَن مَقْصُوده إلزاما لقوم وإلجاؤهم إِلَى
стр. 180
الِاعْتِرَاف بِالْحَقِّ لاحْتِمَال أَنه إِنَّمَا اتّفقت مكالمته مَعَهم حَال طُلُوع ذَلِك النَّجْم ثمَّ اشتدت تِلْكَ المناظرة إِلَى أَن طلع الْقَمَر وطلعت الشَّمْس بعده فَثَبت بِهَذِهِ الْأَدِلَّة الظَّاهِرَة أَنه لَا يجوز أَن إِبْرَاهِيم ﷺ قَالَ على سَبِيل الْجَزْم هَذَا رَبِّي وَإِذا بَطل هَذَا فَتلك المناظرة إِمَّا أَن تكون بعد الْبلُوغ وَحِينَئِذٍ فَقَوله هَذَا رَبِّي لَيْسَ إِخْبَارًا بل حِكَايَة لمعتقدهم حَتَّى يرجِعوا إِلَيْهِ فيبطله بقوله لَا أحب الآفلين كَمَا تَقول فِي الْبَحْث مَعَ الفلاسفة الْقَائِلين بقدم الْأَجْسَام الْجِسْم قديم فَلم نشاهده مركبا متغيرا وَيُؤَيّد ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَتلك حجتنا آتيناها إِبْرَاهِيم على قومه﴾ أَو هَذَا رَبِّي فِي زعمكم فَلَمَّا غَابَ قَالَ لَو كَانَ إِلَهًا لما غَابَ أَو هَذَا يرجع لما قبله خلافًا لمن غاير بَينهمَا أَو أَنه اسْتِفْهَام إنكاري بِحَذْف أداته لدلَالَة السِّيَاق عَلَيْهِ على حد ﴿أفائن مت فهم الخالدون﴾ أَي فهم الخالدون على أحد الْأَقْوَال أَو بِتَقْدِير القَوْل أَي يَقُولُونَ هَذَا رَبِّي أَي الَّذِي يربيني وإضماره كثير وَمِنْه ﴿وَإِذا يرفع إِبْرَاهِيم الْقَوَاعِد من الْبَيْت واسمعيل رَبنَا﴾ الْآيَة أَو ذكره استهزاء كَمَا يُقَال لذليل سَاد قوما هَذَا سيدكم أَو قَالَه خداعا لَهُم ليوهمهم أَنه مُعظم لما عظموه حَتَّى يلْقوا إِلَيْهِ مقاليد عُقُولهمْ ويقبلوا مَا صدر عَنهُ فَلَمَّا أفل أَرَاهُم نقص النُّجُوم وَأَنَّهَا لَا تصلح للألوهية وَلَا مَحْذُور فِي إِيهَام ذَلِك التَّعْظِيم لِأَنَّهَا مصلحَة عَامَّة من غير حُصُول مَحْذُور لما تقرر من أَن قَوْله هَذَا رَبِّي مُحْتَمل لعدة أُمُور على أَن التَّلَفُّظ بِكَلِمَة الْكفْر إِذا جَازَ للإكراه فَلِأَن يجوز إِذا استعقب فِي ظن الْقَائِل هِدَايَة أَقوام إِلَى الله بطرِيق الأولى وَقد وَقع لإِبْرَاهِيم نَظِير ذَلِك فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَنهُ ﴿فَنظر نظرة فِي النُّجُوم فَقَالَ إِنِّي سقيم﴾ وَذَلِكَ لأَنهم كَانُوا يستدلون بِعلم النَّجْم على حُصُول الْحَوَادِث الْمُسْتَقْبلَة فوافقهم على هَذَا الطَّرِيق فِي الظَّاهِر مَعَ بَرَاءَته عَنهُ فِي الْبَاطِن وقصده أَن يتَوَصَّل بِهِ إِلَى كسر الْأَصْنَام وَنَظِيره ٧ أَن جَوَاب لما ورد لدَعْوَة قومه فَرَآهُمْ عاكفين على عبَادَة جسم فأوهمهم أَنه يعظمه حَتَّى رجعُوا إِلَيْهِ فِي أَكثر أُمُورهم فدهمهم عَدو فشاوروه فِي أمره فَقَالَ ادعوا الصَّنَم فَدَعوهُ فَلم يفد فَلَمَّا بَين لَهُم أَنه لَا ينفع وَلَا يدْفع دعاهم إِلَى أَن يدعوا الله فَدَعوهُ فصرف عَنْهُم فأسلموا وَأما أَن يكون قبل الْبلُوغ وَتَقْرِيره أَنه كَانَ كَامِل الْعقل فِي صغره أَيْضا فخطر لَهُ إِثْبَات الصَّانِع بالأدلة القطعية فَلَمَّا رأى الْكَوْكَب أبطل ألوهيته بأفوله وَكَذَا الْقَمَر وَالشَّمْس إِذا تمهدت هَذِه الْمُقدمَة فإشكال الْعِزّ بن عبد السَّلَام قد ذكره غَيره كَمَا تقرر وَتَقْرِير الْمَقْصُود مِنْهُ أَن إِبْرَاهِيم ﷺ اسْتدلَّ بأفول الْكَوَاكِب على امْتنَاع ربوبيتها والأفول عبارَة عَن غيبوبة الشَّيْء بعد ظُهُوره فَيدل على الْحُدُوث من حَيْثُ أَنه حَرَكَة وعَلى هَذَا التَّقْدِير فالطلوع أَيْضا حَرَكَة فَلم ترك الِاسْتِدْلَال على حدوثها بالطلوع وعول فِي إِثْبَات هَذَا الْمَطْلُوب على الأفول وَجَوَابه أَن الطُّلُوع والغروب يَشْتَرِكَانِ فِي الدّلَالَة على الْحُدُوث إِلَّا أَن الدَّلِيل الَّذِي يحْتَج بِهِ الْأَنْبِيَاء فِي معرض دَعْوَة الْخلق كلهم إِلَى الله تَعَالَى لَا بُد وَأَن يكون ظَاهرا بِحَيْثُ يشْتَرك فِي فهمه الذكي والغبي كدلالة الْحَرَكَة على الْحُدُوث وَإِن كَانَت يقينة إِلَّا أَنَّهَا دقيقة إِلَّا على الأفاضل من الْخلق أما دلَالَة الأفول على هَذَا الْمَقْصُود فَإِنَّهَا ظَاهِرَة يعرفهَا كل أحد فَإِن الأفل يَزُول سُلْطَانه وَقت الأفول من حَيْثُ أَن الأفول غيبوبة والإله المعبود الْقَادِر الْعَالم لَا يغيب وَلِهَذَا اسْتدلَّ بِظُهُور الْكَوْكَب وببزوغ الشَّمْس على الإلهية وَاسْتدلَّ بأفولها على عدم الألوهية وَلم يتَعَرَّض للاستدلال بالحركة أَهِي تدل على الْحُدُوث أَو لَا قَالَ الْفَخر الرَّازِيّ وَفِيه دقيقه وَهُوَ أَنه ﵊ إِنَّمَا كَانَ يناظرهم وهم كَانُوا منجمين ومذهبهم أَن الْكَوْكَب إِذا كَانَ فِي الرّبع الشَّرْقِي وَيكون صاعدا إِلَى وسط السَّمَاء كَانَ قَوِيا عَظِيم التَّأْثِير أما إِذا كَانَ غَرِيبا أَو قريب الأفول فَإِنَّهُ يكون ضَعِيف الْأَثر قَلِيل الْقُوَّة فَدلَّ بِهَذِهِ الدقيقة على أَن إلهه الَّذِي لَا تَتَغَيَّر قدرته إِلَى الْعَجز وكماله إِلَى النَّقْص وَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُم مذهبكم أَن الْكَوْكَب حَال كَونه فِي الرّبع الغربي يكون ضَعِيف الْقُوَّة نَاقص التَّأْثِير عَاجِزا عَن التَّدْبِير وَذَلِكَ يدل على الْقدح فِي ألوهيته لَا يُقَال تِلْكَ اللَّيْلَة كَانَت مسبوقة بنهار وليل فأفول تينك النيرين كَانَ حَاصِلا فِيمَا قبل فَلَا فَائِدَة لتخصيص الأفول الْحَاصِل فِي هَذِه اللَّيْلَة لأَنا نقُول قد بَان مِمَّا سبق أَنه ﷺ إِنَّمَا أورد هَذَا الدَّلِيل على الْقَوْم الَّذين كَانَ يَدعُوهُم من عبَادَة النُّجُوم إِلَى التَّوْحِيد أَنه كَانَ جَالِسا مَعَهم لَيْلَة من اللَّيَالِي فزجرهم عَن عبَادَة الْكَوَاكِب فَبَيْنَمَا هم فِي تَقْرِير الْكَلَام
следующие страницы →