Полный текст (240 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمد لله وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد الْمَوْصُوف بِأَنَّهُ لَا نبيّ بعده، وعَلى آله وَصَحبه ومحبيه وَحزبه. [وَبعد] فَهَذِهِ (الْفَتَاوَى الحديثية) الَّتِي هِيَ ذيل للفتاوى الْفِقْهِيَّة للْإِمَام الأعلم والمقتدى الأفخم إِمَام الْوَقْت فِي الحَدِيث، وحائز قصب الْفضل فِي الْقَدِيم والْحَدِيث، شيخ الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين وبركة الْعلمَاء العاملين (الشَّيْخ أَحْمد شهَاب الدّين بن حجر الهيتمي الْمَكِّيّ) والى الله عَلَيْهِ رَحمته وغفرانه وأجزل عَلَيْهِ إحسانه آمين. أما بعد: فَهَذِهِ خَاتِمَة فِي الْمسَائِل المنثورة الَّتِي لَيْسَ لَهَا تعلق بِبَاب من الْأَبْوَاب السَّابِقَة.
١ - مَسْأَلَة: سُئِلَ نفع الله بِعُلُومِهِ الْمُسلمين، عَن قِرَاءَة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مائَة مرّة فَهَل ورد لقِرَاءَة ذَلِك الْقدر ثَوَاب بِخُصُوصِهِ أم لَا؟ فقد علمنَا كَمَا أحَاط بِهِ علم سَيِّدي أَن فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لَا يخفى على أحد، وَلَكِن مَقْصُود السَّائِل هَل ورد فِي ذَلِك الْقدر حَدِيث بِخُصُوصِهِ؟ فَأجَاب فسح الله فِي مدَّته بقوله: نعم، ورد فِي ذَلِك ثَوَاب بِخُصُوصِهِ مِنْهُ مَا أخرجه ابْن عدي وَالْبَيْهَقِيّ عَن أنس بن مَالك ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ: (من قَرَأَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مائَة مرّة غفر الله لَهُ خَطِيئَة خمسين عَاما مَا اجْتنب خِصَالًا أَرْبعا: الدِّمَاء، وَالْأَمْوَال، والفروج، والأشربة) . وَمِنْهَا مَا أخرجه الطَّبَرَانِيّ عَن فَيْرُوز عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (من قَرَأَ ﴿إِلَه النَّاسِ﴾ مائَة مرّة فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا كتب الله لَهُ بَرَاءَة من النَّار) . وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن أنس مَرْفُوعا: (من قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فِي يَوْم مائَة مرّة غفر الله لَهُ ذنُوب مِائَتي سنة) . وَابْن عدي وَالْبَيْهَقِيّ عَن أنس مَرْفُوعا أَيْضا (من قَرَأَ فِي يَوْم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مِائَتي مرّة كتب الله لَهُ ألفا وَخَمْسمِائة حَسَنَة إِلَّا أَن يكون عَلَيْهِ دين) . وَابْن نصر عَن أنس مَرْفُوعا أَيْضا: (من قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ خمسين مرّة غفر الله لَهُ ذنُوب خمسين سنة) . والخرائطي فِي (فَوَائده) عَن حُذَيْفَة مَرْفُوعا: (من قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ألف مرّة فقد اشْترى نَفسه من الله) . وَالله سُبْحَانَهُ أعلم بِالصَّوَابِ.
٢ - وسُئل فسح الله فِي مدَّته: مَا حكم علم الأوفاق؟ فَأجَاب نفع الله بِعُلُومِهِ: بِأَن علم الأوفاق يرجع إِلَى مناسبات الْأَعْدَاد وَجعلهَا على شكل مَخْصُوص، وَهَذَا كَأَن يكون بشكل من تسع بيُوت مبلغ الْعدَد من كل جِهَة خَمْسَة عشر، وَهُوَ ينفع للحوائج وَإِخْرَاج المسجون وَوضع الْجَنِين وكل مَا هُوَ من هَذَا الْمَعْنى وضابطه بطد زهج واح، وَكَانَ الْغَزالِيّ ﵀ يعتني بِهِ كثيرا حَتَّى نسب إِلَيْهِ وَلَا مَحْذُور فِيهِ إِن اسْتعْمل لمباح بِخِلَاف مَا إِذا استعين بِهِ على حرَام، وَعَلِيهِ يحمل جعل الْقَرَافِيّ الأوفاق من السحر.
стр. 2
٣ - وسُئل ﵁: مَا حَقِيقَة الرُّؤْيَا؟ فَأجَاب نفع الله بِعُلُومِهِ: بِأَن حَقِيقَة الرُّؤْيَا عِنْد جُمْهُور أهل السّنة خلق الله تَعَالَى فِي قلب النَّائِم أَو حواسه الْأَشْيَاء كَمَا يخلقها فِي الْيَقظَان، وَهُوَ تَعَالَى يفعل مَا يَشَاء لَا يمنعهُ عَنهُ نوم وَلَا غَيره، وَعَلِيهِ رُبمَا يَقع ذَلِك فِي الْيَقَظَة كَمَا رَآهُ فِي الْمَنَام وَرُبمَا جعل مَا رَآهُ علما على أُمُور أخر يخلقها تَعَالَى فِي الْحَال أَو كَانَ قد خلقهَا فَتَقَع تِلْكَ كَمَا جعل الله الْغَيْم عَلامَة على الْمَطَر. وَأما قَول من قَالَ: إِن الرُّؤْيَا خيال بَاطِل وَأَن النّوم يضاد الْإِدْرَاك فَهُوَ بَاطِل لَا يعوّل عَلَيْهِ وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ، كَيفَ وَقد صرحت عَائِشَة ﵂ بِأَن رُؤْيا النبيّ ﷺ وَحي. وَقَالَ ﷺ : (رُؤْيا الْمُؤمن جُزْء من أَرْبَعِينَ جُزْءا من النُّبُوَّة) ، وَفِي التَّنْزِيل رُؤْيا يُوسُف وَغَيره، وَلَا يمْنَع من ذَلِك قَول من قَالَ: الْإِدْرَاك حَالَة النّوم خلاف الْعَادة لِأَن الْعَادة لَيست مطردَة فِي ذَلِك، وَلَو سلم لم يلْتَفت إِلَيْهَا مَعَ أَخْبَار الصَّادِق بِخِلَافِهَا.
٤ - وَسُئِلَ أدام الله النَّفْع بِهِ: كم كَانَ طول عِمَامَة النَّبِي ﷺ وعرضها؟ فَأجَاب أعَاد الله علينا من بركاته: أما طول عِمَامَة النَّبِي ﷺ وعرضها فَلم يثبت فيهمَا شَيْء، وَمن ثمَّ قَالَ جمَاعَة من الْحفاظ الجامعين بَين فني الحَدِيث وَغَيره: لم يتحرر لنا فِي ذَلِك شَيْء، وَمن ثمَّ لما سُئِلَ عَنهُ الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ لم يبد فِيهِ شَيْئا. قَالَ بعض الْحفاظ الْمُتَأَخِّرين: وَرَأَيْت من نسب لعَائِشَة ﵂ أَن عمَامَته ﷺ كَانَت فِي السّفر بَيْضَاء وَفِي الْحَضَر سَوْدَاء من صوف، وَكَانَت سَبْعَة أَذْرع فِي عرض ذِرَاع، وَكَانَت العذبة فِي السّفر من غَيرهَا وَفِي الْحَضَر مِنْهَا، وَهَذَا شَيْء مَا علمناه انْتهى. فَتبين أَن هَذَا الْمَنْقُول عَن عَائِشَة لَا أصل لَهُ فَلَا يعوّل عَلَيْهِ وَكَأن ابْن الْحَاج الْمَالِكِي فِي كِتَابه فِي (الْمدْخل) عوّل على ذَلِك حَيْثُ قَالَ فِيهِ: إِن الْعِمَامَة سَبْعَة أَذْرع وَنَحْوهَا مِنْهَا التلخية والعذبة وَالْبَاقِي عِمَامَة على مَا نَقله الإِمَام الطَّبَرِيّ فِي كِتَابه، وَالله أعلم.
٥ - وسُئل ﵁: هَل ملك الْمَوْت يقبض أَرْوَاح الْحَيَوَانَات كلهَا؟ أَو مَا يقبض إِلَّا أَرْوَاح بني آدم فَقَط، وَأَيْنَ مستقرّ الرّوح بعد قبضهَا؟ فَأجَاب أعَاد الله علينا من بَرَكَات علومه: الَّذِي دلّت عَلَيْهِ الْأَحَادِيث أَن ملك الْمَوْت يقبض أَرْوَاح جَمِيع الْحَيَوَانَات من بني آدم وَغَيرهم، من ذَلِك قَوْله مُخَاطبا لنبينا ﷺ : (وَالله يَا مُحَمَّد لَو أَنِّي أردْت أَقبض روح بعوضة مَا قدرت على ذَلِك حَتَّى يكون الله هُوَ الْآمِر بقبضها) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَفِي هَذَا الْخَبَر مَا يدل على أَن ملك الْمَوْت هُوَ الْمُوكل بِقَبض كل ذِي روح وَأَن تصرفه كُله بِأَمْر الله وبخلقه واختراعه، وَمن ذَلِك مَا فِي خبر الْإِسْرَاء عَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ عَن نَفسه: (فَقلت: يَا ملك الْمَوْت كَيفَ تقدر على قبض أَرْوَاح جَمِيع من فِي الأَرْض برّها وبحرها) الحَدِيث. وَذكر أَبُو نعيم عَن ثَابت الْبنانِيّ قَالَ: (اللَّيْل وَالنَّهَار أَربع وَعِشْرُونَ سَاعَة لَيْسَ مِنْهَا سَاعَة تَأتي على ذِي روح إِلَّا وَملك الْمَوْت قَائِم عَلَيْهَا فَإِن أَمر بقبضها قبضهَا وَإِلَّا ذهب) . قَالَ الْقُرْطُبِيّ أَيْضا: وَهَذَا عَام فِي كل ذِي روح وَمن ثمَّ لما سُئل مَالك ﵁ عَن البراغيث أَن ملك الْمَوْت هَل يقبض أرواحها؟ أطرق مَلِيًّا ثمَّ قَالَ: ألها نفس؟ قيل: نعم. قَالَ: ملك الْمَوْت يقبض أرواحها: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأٌّنفُسَ حِينَ مِوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] وَأَشَارَ مَالك ﵁ بِذكر الْآيَة إِلَى أَن المُرَاد بقوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأٌّنفُسَ﴾ أَنه تَعَالَى: يَأْمر ملك الْمَوْت يتوفاها كَمَا يُصَرح بِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ . وَلَا يُنَافِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَواةَ﴾ [الْأَنْعَام: ٦١] وَقَوله: ﴿يُحْيىِ وَيُمِيتُ﴾ [آل عمرَان: ١٥٦] لِأَن ملك الْمَوْت يقبض الْأَرْوَاح وأعوانه يعالجون وَالله تَعَالَى يزهق الرّوح وَبِهَذَا تَجْتَمِع الْآيَات وَالْأَحَادِيث. وَإِنَّمَا أضيف التوفي لملك الْمَوْت لِأَنَّهُ يَتَوَلَّاهُ بالوسائط والمباشرة فأضيف إِلَيْهِ كَمَا أضيف الْخلق للْملك فِي خبر مُسلم عَن حُذَيْفَة سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (إِذا مرّ بالنطفة ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَة بعث الله ملكا فصورّها فخلق سَمعهَا وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها) الحَدِيث. وَأما قَول ابْن عَطِيَّة: روى فِي الحَدِيث أَن الْبَهَائِم كلهَا يتوفى الله أرواحها دون ملك الْمَوْت كَأَنَّهُ يعْدم حَيَاتهَا. قَالَ: وَكَذَلِكَ الْأَمر فِي بني آدم إِلَّا أَنه شرف بِتَصَرُّف ملك الْمَوْت وَمَلَائِكَته فِي قبض أَرْوَاحهم فخلق الله ملك الْمَوْت وَخلق على يَده قبض الْأَرْوَاح وإسلالها من الْأَجْسَام وإخراجها مِنْهَا، وَخلق حفدة يكونُونَ مَعَه يعْملُونَ عمله بأَمْره انْتهى. فيجاب عَنهُ: بِأَن الحَدِيث الَّذِي ذكره يتَوَقَّف الِاسْتِدْلَال بِهِ على ثُبُوته وعَلى تَسْلِيمه فَيمكن الْجمع بَينه وَبَين مَا مرّ من الْأَحَادِيث بِأَن معنى قَوْله فِي هَذَا الحَدِيث دون ملك الْمَوْت أَنه لَا يعاني فِي قبض أَرْوَاح
стр. 3
غير بني آدم بل غير الْمُؤمنِينَ مِنْهُم من الرِّعَايَة مَا يعانيه فِي قبض أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ، أَو أَن المُرَاد بقوله دون ملك الْمَوْت نفي التوفي عَنهُ حَقِيقَة لما تقرر أَن الموجد حَقِيقَة هُوَ الله تَعَالَى وَأَن ملك الْمَوْت وَاسِطَة فَقَط، فَحَيْثُ أثبت التوفي إِلَيْهِ فِي حَدِيث أَو آيَة كَانَ المُرَاد إِثْبَات تصرفه الْمَأْمُور بِهِ، وَحَيْثُ نفى عَنهُ فِي حَدِيث أَو آيَة كَانَ المُرَاد سلب الْحَقِيقَة لِأَنَّهَا لله وَحده. وَذكر الْغَزالِيّ فِي (الْإِحْيَاء) حَدِيث: (أَن ملك الْمَوْت وَملك الْحَيَاة تناظرا فَقَالَ ملك الْمَوْت: أَنا أميت الْأَحْيَاء وَقَالَ ملك الْحَيَاة: أَنا أحيي الْمَوْتَى، فَأوحى الله إِلَيْهِمَا كونا فِي عملكما وَمَا سخرتما لَهُ من الصنع وَأَنا المميت والمحيي لَا يُمِيت وَلَا يحيي سواي) . وَالْحَاصِل أَن الله هُوَ الْقَابِض لأرواح جَمِيع الْخلق بِالْحَقِيقَةِ وَأَن ملك الْمَوْت وأعوانه إِنَّمَا هم وسائط وَكَذَا القَوْل فِي سَائِر الْأَسْبَاب العادية فَإِنَّهَا بإحداث الله وخلقه لَا بِغَيْرِهِ تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ والجاحدون علوّاً كَبِيرا.
وَذكر ابْن رَجَب أَن الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم تكون أَرْوَاحهم فِي أَعلَى عليين، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله ﷺ : (اللهمّ الرفيق الْأَعْلَى) ، وَأكْثر الْعلمَاء أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي أَجْوَاف طيور خضر لَهَا قناديل معلقَة بالعرش تسرح فِي الْجنَّة حَيْثُ تشَاء كَمَا فِي مُسلم وَغَيره، وَأما بَقِيَّة الْمُؤمنِينَ فنص الشَّافِعِي ﵁ ورحمه على أَن من لم يبلغ التَّكْلِيف مِنْهُم فِي الْجنَّة حَيْثُ شاؤوا فتأوي إِلَى قناديل معلقَة بالعرش، وَأخرجه ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن مَسْعُود، وَأما أهل التَّكْلِيف ففيهم خلاف كثير: عَن أَحْمد أَنَّهَا فِي الْجنَّة، وَعَن وهب أَنَّهَا فِي دَار يُقَال لَهَا: الْبَيْضَاء فِي السَّمَاء السَّابِعَة، وَعَن مُجَاهِد أَنَّهَا تكون على الْقُبُور سَبْعَة أَيَّام من يَوْم دفن لَا تُفَارِقهُ أَي ثمَّ تُفَارِقهُ بعد ذَلِك، وَلَا يُنَافِيهِ سنية السَّلَام على الْقُبُور لِأَنَّهُ لَا يدلّ على اسْتِقْرَار الْأَرْوَاح على أفنيتها دَائِما لِأَنَّهُ يسلم على قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالشُّهَدَاء وأرواحهم فِي أَعلَى عليين وَلَكِن لَهَا مَعَ ذَلِك اتِّصَال سريع بِالْبدنِ لَا يعلم كنهه إِلَّا الله تَعَالَى. وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا عَن مَالك: (بَلغنِي أَن الْأَرْوَاح مُرْسلَة تذْهب حَيْثُ شَاءَت) . وَعَن ابْن عمر ﵄ نَحوه. وَحَدِيث: (مَا من أحد يمر بِقَبْر أَخِيه الْمُؤمن كَانَ يعرفهُ فِي الدُّنْيَا فَيسلم عَلَيْهِ إِلَّا عرفه وردّ ﵇ وَحَدِيث: (الجريدتين) لَا يدلان على أَن الرّوح على الْقَبْر نَظِير مَا مر لِأَن الَّذِي دلّ عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ حَقِيقَته النفسانية الْمُتَّصِلَة بِالروحِ، وَقيل: إِنَّهَا تزور قبورها يَعْنِي على الدَّوَام وَلذَا سنّ زِيَارَة الْقُبُور لَيْلَة الْجُمُعَة ويومها وبكرة السبت انْتهى. وَرجح ابْن عبد البرّ: أَن أَرْوَاح غير الشُّهَدَاء فِي أفنية الْقُبُور تسرح حَيْثُ شَاءَت. وَقَالَت فرقة: تَجْتَمِع الْأَرْوَاح بِموضع من الأَرْض. كَمَا رُوِيَ عَن ابْن عمر قَالَ: أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ تَجْتَمِع بالجابية وَأما أَرْوَاح الْكفَّار فتجتمع بسبْخة حَضرمَوْت يُقَال لَهَا برهوت وَلذَا ورد: (أبْغض بقْعَة فِي الأَرْض وَاد بحضرموت يُقَال لَهُ برهوت فِيهِ أَرْوَاح الْكفَّار) وَفِيه بِئْر مَاء يرى بِالنَّهَارِ أسود كَأَنَّهُ قيح يأوي إِلَيْهَا بِالنَّهَارِ الْهَوَام. قَالَ سُفْيَان: وَسَأَلنَا الحضرميين فَقَالُوا: لَا يَسْتَطِيع أحد أَن يثبت فِيهِ بِاللَّيْلِ، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم.
٦ - وَسُئِلَ: متع الله بحياته، مَاتَ شخص ثمَّ أَحْيَاهُ الله تَعَالَى مَا الحكم فِي تركته وزوجاته؟ . فَأجَاب نفع الله بِعُلُومِهِ وبركته: إِذا مَاتَ ثمَّ أحيى فَإِن تَيَقّن مَوته بِنَحْوِ خبر مَعْصُوم لم يكن لِحَيَاتِهِ أثر لِأَنَّهَا وَقعت خارقة للْعَادَة، وَمَا وَقع كَذَلِك لَا يُدار عَلَيْهِ حكم على أنّ من هُوَ كَذَلِك لَا يعِيش غَالِبا كَمَا وَقع لمن أحيى على يَد عِيسَى، على نَبينَا وَعَلِيهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَإِذا تقرر أَنه لَا أثر لِحَيَاتِهِ، فتُنكح زَوْجَاته وتَقْسم ورثتُهُ مَاله، وَإِن ثَبت فِيهِ الْحَيَاة، لِأَن الْمَوْت سَبَب وضَعَه الشارعُ لحلِّ الْأَمْوَال، والزوجات، فَحَيْثُ وجد ذَلِك السَّبَب وُجِد الْمُسَبّب، وَأما الْحَيَاة بعده فَلم يَجْعَلهَا الشَّارِع سَببا لعود ذَلِك الحِّل، فَلَا يجوز لنا أَن ندير عَلَيْهَا حينئذٍ حُكماً، لِأَن ذَلِك تشريع لما لم يرد هُوَ وَلَا نَظِيره، بل وَلَا مَا يُقاربه وتشريع مَا هُوَ كَذَلِك مُمْتَنع بِلَا شكّ. فَإِن قلت: يُنَافِي بعض مَا تقرر مَا ذكره الْمُفَسِّرُونَ فِي قصَّة قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٤٣] . قلتُ: لَا مُنَافَاة لِأَن أَكثر مَا ذكره الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِه الْقِصَّة ونظيرها لم يَصح فِيهِ عَن النَّبِي ﷺ شَيْء، وَإِنَّمَا يعتمدون فِي ذَلِك على نَحْو أَخْبَار إسرائيلية لَا تقوم بهَا حُجَّة عِنْد النزاع، وعَلى تَسْلِيم مَا ذَكرُوهُ فَأُولَئِك كَانُوا فِي زمنِ شَرْع قَبْل شَرْعِنَا فَلَا يُعوَّل على مَا وَقع لَهُم، لِأَن الصَّحِيح أَن شَرْعَ مَنْ قبلنَا لَيْسَ شرعا لنا، وَإِن ورد فِي شرعنا مَا يُوافقه فَكيف بِمَا ذكر، وَقد علم من قَوَاعِد شرعنا كَمَا قَرّرته أَنه لَا عِبْرة بِالْحَيَاةِ بعد الْمَوْت الْمُتَيَقن،
стр. 4
وَإِن لم يتَيَقَّن مَوته حَكمنَا بِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ بِهِ غَشِي أَو نَحوه، وَبَان لنا بَقَاء زَوْجَاته فِي عصمته وأمواله فِي ملكه، وَهَذَا التَّفْصِيل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة ظَاهر جلي وَإِن لم أر من صرح بِهِ، وَالله أعلم.
٧ - وسُئل ﵁: هَل خُلُود الْمُؤمنِينَ فِي الْجنَّة على هَذَا التَّرْكِيب أَعنِي من الْعظم وَاللَّحم وَغَيرهمَا وخلود الْكَافرين فِي النَّار على صورهم فِي الدُّنْيَا أَو لَا؟ وَهل يجب الغُسل فِي الْجنَّة كَمَا يجب فِي الدُّنْيَا بِوَطْء الزَّوْجَات؟ وَهل الْمَلَائِكَة يتمتعون فِي الْجنَّة وَبِمَ يتمتعون؟ وَهل مُنْكر وَنَكِير يسألان كلَّ ميت صَغِيرا وكبيراً وَمُسلمًا وكافراً ومقبُوراً وَغير مقبور؟ وَهل يسألان كل أحد بِلِسَانِهِ مَا كَانَت عَرَبِيَّة أَو غَيرهَا؟ وَهل مُنكر بِفَتْح الْكَاف أَو كسرهَا؟ وَهل هما اللَّذَان يسألان الْمُؤمن أَو غَيرهمَا؟ فَأجَاب فسح الله فِي مدَّته ونفعنا بِعُلُومِهِ وبركته: الَّذِي دلّت عليهِ الْأَحَادِيث أَن خُلُود الْمُؤمنِينَ فِي الْجنَّة والكافرين فِي النَّار على نَحْو صورهم فِي الدُّنْيَا الْمُشْتَملَة على نَحْو الْعظم وَاللَّحم، وَصَحَّ أَنه ﷺ قَالَ: (أَيهَا النَّاس إِنَّكُم تحشرون إِلَى الله حُفَاة عُراة غرلًا) قَالَ الْأَئِمَّة: قَوْله (غُرلاً) أَي غير مختونين ترد إِلَيْهِ الْجلْدَة الَّتِي قطعت بالختان، وَكَذَلِكَ يُرد إِلَيْهِ كلُّ مَا فَارقه فِي الْحَيَاة كالشعر وَالظفر ليذوق نعيم الثَّوَاب وأليم الْعقَاب وَالْعَذَاب، فأفْهَم ذَلِك أنَّ تِلْكَ الْأَجْزَاء جَمِيعهَا تكون مَعَ الْإِنْسَان الْمُؤمن فِي الْجنَّة، وَغَيره فِي النَّار حَتَّى تذوق النَّعيم وَالْعَذَاب، وَمِمَّا يدل لذَلِك مَا أخرجه ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق جرير عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ فِي حق الْكَافِر: (السلسلة تدخل من استه ثمَّ تخرج من فِيهِ ينظمون فِيهَا كَمَا ينظم الْجَرَاد فِي الْعود ثمَّ يشوى) وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِ النَّوَاصِى وَالأٌّقْدَامِ﴾ [الرَّحِمان: ٤١] قَالَ: (يجمع بَين رَأسه وَرجلَيْهِ ثمَّ يقصف كَمَا يقصف الْعود الْحَطب) وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ عَن أبي صَالح قَالَ: (إِذا ألقِي الرجل فِي النَّار لم يكن لَهُ مُنْتَهى حَتَّى يبلغ قعرها ثمَّ تجيش بِهِ جَهَنَّم فترفعه إِلَى أَعلَى جَهَنَّم وَمَا على عِظَامه مَزْعة لحم فتضربه الْمَلَائِكَة بالمقامع، فَيهْوِي فِي قعرها فَلَا يزَال كَذَلِك) . وَأخرج الشَّيْخَانِ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ رَفعه (مَا بَين مِنْكبي الْكَافِر مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام للراكب المسرع) وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ بِلَفْظ (خَمْسَة) . وَأخرج مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ : (ضِرْس الْكَافِر مثل أحد وغِلظ جلْده مسيرَة ثَلَاث) . وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ (أَن مَقْعَده من جَهَنَّم مَا بَين مَكَّة وَالْمَدينَة) . وَأخرج أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عمر ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (يعظم أهل النَّار فِي النَّار حَتَّى أَن بَين شحمة أذن أحدهم إِلَى عَاتِقه مسيرَة سَبْعمِائة عَام، وَإِن غلظ جلده سَبْعُونَ ذِرَاعا، وَإِن ضرسه مثل أحد) . وَفِي رِوَايَة عِنْد التِّرْمِذِيّ وَغَيره (أَنه ليجر لِسَانه الفرسخ والفرسخين يَوْم الْقِيَامَة فيطؤه النَّاس) . وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو نعيم مَرْفُوعا (إِن جَهَنَّم لما سيق إِلَيْهَا أَهلهَا تلقتهم بعُنْف فلفحتهمْ لفحة فَمَا أَلْقَت لَحْمًا على عظم إِلَّا ألقته على العُرقوب) .
وَأخرج الشَّيْخَانِ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ رَسُول الله ﷺ : (كل من يدْخل الْجنَّة على صُورَة آدم وَطوله سِتُّونَ ذِرَاعا) . وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَابْن أبي الدُّنْيَا بِسَنَد حسن عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (يدْخل أهل الْجنَّة الْجنَّة جُرْداً مُرْداً بيضًا مُكَحَّلِينَ أَبنَاء ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وهم على خلق آدم طوله سِتُّونَ ذِرَاعا فِي عرض سَبْعَة أَذْرع) . وَفِي رِوَايَة لِلتِّرْمِذِي وَغَيره (من مَاتَ من أهل الدُّنْيَا من صَغِير أَو كَبِير يردون أَبنَاء ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة فِي الْجنَّة لَا يزِيدُونَ عَلَيْهَا أبدا وَكَذَلِكَ أهل النَّار) ، وَفِي رِوَايَة عِنْد ابْن أبي الدُّنْيَا، (على طول آدم سِتُّونَ ذِرَاعا بِذِرَاع الْملك، وعَلى حُسن يُوسُف، وعَلى مِيلَاد عِيسَى ثَلَاث وَثَلَاثِينَ، وعَلى لِسَان مُحَمَّد جردا مردا مُكَحَّلِينَ) . وَاعْلَم أَن أهل السّنة أَجمعُوا على أَن الأجساد تُعَاد كَمَا كَانَت فِي الدُّنْيَا بِأَعْيَانِهَا وألوانها وأعراضها وأوصافها، وَلَا يُنَافِي ذَلِك مَا فِي بعض طرق حَدِيث الصُّور الطَّوِيل: (يخرجُون مِنْهَا شبَابًا أَبنَاء ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة) لِأَن هَذَا من حَيْثُ السن فهم مستوون فِيهِ نعم روى ابْن أبي حَاتِم مَا يُؤَيّدهُ عَن خَالِد بن معدان قَالَ: (إِن سقط الْمَرْأَة يكون فِي نهر من أَنهَار الْجنَّة يتقلب فِيهِ حَتَّى تقوم السَّاعَة فيبعث ابْن أَرْبَعِينَ سنة) ، وَالَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْقُرْآن أَن الطِّفْل والسقط يحشران على قدر عمرهما وحينئذٍ فهما مستثنيان من الحَدِيث الأول أَعنِي قَوْله: (كلهم أَبنَاء ثَلَاث وَثَلَاثِينَ) هَذَا كُله إِن صَحَّ الحَدِيث وَإِلَّا فقضية كَلَامهم أَن النَّاس فِي الْمَحْشَر على تفَاوت صفاتهم فِي الدُّنْيَا حَتَّى فِي الْأَسْنَان، وَإِنَّمَا يَقع
стр. 5
التبديل عِنْد دُخُول الْجنَّة، وَقد قَالَ بعض الْمُحَقِّقين والحفاظ: وَالصَّحِيح بل الصَّوَاب أَن الَّذِي يُعِيدهُ الله هُوَ الأجساد الأولى لَا غَيرهَا، وَمن قَالَ غير ذَلِك فقد أَخطَأ عِنْدِي لمُخَالفَته ظَاهر الْقُرْآن والْحَدِيث، والعينان فِي الْوَجْه كَمَا كَانَتَا فِي الدُّنْيَا، وَورد أَنَّهُمَا فِي الرَّأْس وَلَكِن ظَاهر جَوَابه ﷺ لأم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة ﵂ حَيْثُ استعظمت كشف العورات (بِأَن لكل امرىء مِنْهُم يومئذٍ شَأْنًا يُغْنِيه عَن النّظر إِلَى غَيره) فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن الْعَينَيْنِ فِي الْوَجْه وَالنَّاس فِي الْموقف يكون كل مِنْهُم على طوله الَّذِي مَاتَ عَلَيْهِ ثمَّ عِنْد دُخُول الْجنَّة يصيرون طولا وَاحِدًا. فَفِي الصَّحِيح (يبْعَث كل عبد على مَا كَانَ عَلَيْهِ) وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح فِي صِفَات الْجنَّة مَا ذكرته ويبعثون بشعورهم ثمَّ يدْخلُونَ الْجنَّة جردا مردا كَمَا ثَبت فِي الحَدِيث الصَّحِيح انْتهى. قَالَ الْقُرْطُبِيّ ﵀: يكون الآدميون فِي الْجنَّة على سنّ وَاحِد وَأما الْحور فأصناف مصنفة صغَار وكبار على مَا اشتهت أنفس أهل الْجنَّة. وَأخرج أَبُو الشَّيْخ فِي (العظمة) وَابْن عَسَاكِر عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (لَيْسَ أحد يدْخل الْجنَّة إِلَّا أجرد أَمْرَد إِلَّا مُوسَى بن عمرَان ﵊ فَإِن لحيته تبلغ سرته فِي الْجنَّة غير آدم يكنى فِيهَا بِأبي مُحَمَّد) وَفِي رِوَايَة: (لَيْسَ أحد فِي الْجنَّة لَهُ لحية إِلَّا آدم ﵇ لَهُ لحية سَوْدَاء إِلَى سُرَّته) وَذَلِكَ أَنه لم يكن لَهُ لحية فِي الدُّنْيَا وَإِنَّمَا كَانَت اللحا بعد آدم ﵊ . وَلَيْسَت الْجنَّة دَار تَكْلِيف فَلَا يجب فِيهَا غُسل وَلَا غَيره، بِخِلَاف الدُّنْيَا فَلَا تقاس تِلْكَ الدَّار بِهَذِهِ الدَّار، وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن زيد بن أَرقم ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَي فِي أهل الْجنَّة: (إِن الْبَوْل والجنابة عرق يسيل من تَحت جوانبهم إِلَى أَقْدَامهم مسك) . وَأخرج أَيْضا الْأَصْفَهَانِي عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ: (لَيْسَ فِي الْجنَّة لَا مني وَلَا منية) أَي وَلَا موت. وَأخرج أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لَهُ: (أنطأ فِي الْجنَّة؟ قَالَ: نعم، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ دحماً دحماً فَإِذا قَامَ عَنْهَا رجعت مطهرة بكرا) . وَفِي رِوَايَة عِنْد أبي يعلى وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي ﷺ هَل يتناكح أهل الْجنَّة؟ فَقَالَ: (دحاماً دحاماً لَا منيّ وَلَا منية) . وَفِي رِوَايَة لِلتِّرْمِذِي وَغَيره: (يعْطى الْمُؤمن فِي الْجنَّة قوّة مائَة) يَعْنِي فِي الْجِمَاع وَفِي رِوَايَة: (أَن الرجل ليصل فِي الْغَدَاة الْوَاحِدَة إِلَى مائَة عذراء) . وَفِي رِوَايَة عِنْد عبد الله بن أَحْمد رحمهمَا الله: (أَن الْمُؤمن كلما أَرَادَ زَوجته وجدهَا عذراء) .
وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَحسنه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَنه ﷺ قَالَ: (الْمُؤمن إِذا اشْتهى الْوَلَد فِي الْجنَّة كَانَ حملُه وَوَضعه فِي سَاعَة كَمَا يَشْتَهِي) وَحكى التِّرْمِذِيّ اخْتِلَاف أهل الْعلم فِي هَذَا، وَحكي عَن طَاوس وَمُجاهد وَالنَّخَعِيّ (أَن فِي الْجنَّة جماعاً وَلَا ولد) قَالَ: وَقَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم فِي هَذَا الحَدِيث إِذا اشْتهى وَلَكِن لَا يَشْتَهِي، وَكَذَا رُوِيَ فِي حَدِيث لَقِيط إِن أهل الْجنَّة لَا يكون لَهُم ولد انْتهى، وَقَالَ جمع: بل فِيهَا الْوَلَد إِذا اشتهاه الْإِنْسَان، ورجَّحه الْأُسْتَاذ أَبُو سهل الصُعلوكي، وَيُؤَيِّدهُ أَن أول حَدِيث أبي سعيد عِنْد هناد فِي الزّهْد (قُلْنَا: يَا رَسُول الله إِن الْوَلَد من قرَّة الْعين وَتَمام السرُور، فَهَل يُولد لأهل الْجنَّة؟ قَالَ: قَالَ إِذا اشْتهى إِلَخ) . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ مَرْفُوعا بِلَفْظ (إِن الرجل يَشْتَهِي الْوَلَد فِي الْجنَّة فَيكون حمله ورضاعه وشبابه فِي سَاعَة وَاحِدَة) وَلَا يُنَافِيهِ لَفظه السَّابِق فِيهِ (غير أَن لَا توالد) لِأَن الْمَنْفِيّ ترَتّب الْولادَة على الْجِمَاع غَالِبا كَمَا هُوَ فِي الدُّنْيَا، والمُثْبت هُنَا حُصُول الْوَلَد عِنْد اشتهائه كَمَا يحصل الزَّرْع عِنْد اشتهائه، وَلَا زرع فِي الْجنَّة فِي سَائِر الْأَوْقَات وَقد ثَبت أَن الله يُنشىء خلقا للجنة يُسكِنهم فضاءها، وَلَا مَانع حينئذٍ من إنْشَاء ولد من أَهلهَا. وَالَّذِي دلّت عَلَيْهِ الْآيَات القرآنية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة أَن بعض الْمَلَائِكَة فِي الْجنَّة وَبَعْضهمْ فِي النَّار وَمن فِي النَّار لَا يحسُّ بألمها وَكلهمْ يتنعمون بِمَا يفاض عَلَيْهِم من قبل الْحق جلّ وَعلا.
وَمن ذَلِك رُؤْيَتهمْ لَهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا نعيم فَوق ذَلِك، وَأما مَا وَقع فِي كَلَام بعض الْأَئِمَّة من أَن رُؤْيَة الله خَاصَّة بِمُؤْمِن الْبشر، وَأَن الْمَلَائِكَة لَا يرونه وَاحْتج لَهُ بقوله تَعَالَى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأٌّبْصَارُ﴾ [الْأَنْعَام: ١٠٣] فَإِنَّهُ عَام خص بِالْآيَةِ وَالْأَحَادِيث فِي الْمُؤمنِينَ فَبَقيَ على عُمُومه فِي الْمَلَائِكَة فَهُوَ مَرْدُود. وَمِمَّنْ نصَّ على خِلَافه الإِمَام الْبَيْهَقِيّ فَقَالَ فِي كتاب الرُّؤْيَة: بَاب مَا جَاءَ فِي رُؤْيَة الْمَلَائِكَة رَبهم. ثمَّ أخرج عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ قَالَ: (خلق الله الْمَلَائِكَة لعبادته أصنافاً وَإِن مِنْهُم مَلَائِكَة قيَاما صافين من يَوْم خلقهمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وملائكة رُكُوعًا خشوعاً من يَوْم خلقهمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وملائكة سجوداً من يَوْم خلقهمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة تجلَّى لَهُم ﵎ ونظروا
стр. 6
إِلَى وَجهه الْكَرِيم، قَالُوا: سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْناك حقَّ عبادتك) . ثمَّ أخرج الْبَيْهَقِيّ من وَجه آخر عَن عدي بن أَرْطَاة عَن رجل من الصَّحَابَة ﵃ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (إِن لله مَلَائِكَة تُرْعد فرائصهُم من مخافته مَا مِنْهُم ملك تقطر دمعة من عينه إِلَّا وَقعت ملكا يسبّح الله، وملائكة سجوداً لله مُنْذُ خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض لم يرفعوا رؤوسهم وَلَا يرفعونها إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وصفوفاً لَا يَنْصَرِفُونَ عَن مَصَافهمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة تجلى لَهُم رَبهم فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ قَالُوا: سُبْحانك مَا عَبَدناك كَمَا يَنْبَغِي لَك) .
وسؤال الْملكَيْنِ يعم كل ميت وَلَو جَنِينا وَغير مقبور كحريق وغريق وأكيل سبع كَمَا جزم بِهِ جمَاعَة من الْأَئِمَّة، وَقَول بَعضهم يسألان المقبور إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ التبرُّك بِلَفْظ الْخَبَر، نعم، قَالَ بعض الْحفاظ والمحققين: الَّذِي يظْهر اخْتِصَاص السُّؤَال بِمن يكون لَهُ تَكْلِيف وَبِه جزم غير وَاحِد من أَئِمَّتنَا الشَّافِعِيَّة وَمن ثمَّ لم يستحبوا تلقينه، وَمن ثمَّ خَالف فِي ذَلِك الْقُرْطُبِيّ وَغَيره فجزموا بِأَن الطِفْل يسْأَل وَلَا يُسْأل الشَّهِيد كَمَا صحت بِهِ الْأَحَادِيث وَألْحق بِهِ من مَاتَ مرابطاً لظَاهِر حَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَهُوَ: (كل ميت يُخْتَّمُ على عَمَله إِلَّا الَّذِي مَاتَ مرابطاً فِي سَبِيل الله، فَإِنَّهُ يَنْمُو لَهُ عمله إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَيؤمَّن من فتَّاني الْقَبْر) وَألْحق الْقُرْطُبِيّ بالشهيد شَهِيد الْآخِرَة فَقَط وَالصديق لِأَنَّهُ أَعلَى مرتبَة من الشَّهِيد، وَمِنْه يُؤْخَذ انْتِفَاء السُّؤَال فِي حَقه ﷺ وَفِي حق سَائِر الْأَنْبِيَاء، وَبحث بعض الْمُحَقِّقين والحفاظ أَن الْملك لَا يسْأَل لِأَن السُّؤَال يخْتَص بِمن شَأْنه أَن يفتن، وَفِي حَدِيث حسنه التِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَضَعفه الطَّحَاوِيّ (من مَاتَ لليلة الْجُمُعَة أَو يَوْمهَا لم يُسْأل) ووردت أَخْبَار بِنَحْوِهِ فِيمَن يقْرَأ كل لَيْلَة سُورَة تبَارك وَفِي بَعْضهَا ضم سُورَة السَّجْدَة إِلَيْهَا، وَجزم التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم بِأَن الْمُعْلن بِكُفْرِهِ لَا يسْأَل وَوَافَقَهُ ابْن عبد الْبر وَرَوَاهُ بعض كبار التَّابِعين لَكِن خَالفه الْقُرْطُبِيّ وَابْن الْقيم، واستدلاله بِآيَة: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُواْ بِ الْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٧] وَبِحَدِيث البُخَارِيّ (وَأما الْكَافِر وَالْمُنَافِق) بِالْوَاو وَرجحه شيخ الْإِسْلَام ابْن حجر بِأَن الْأَحَادِيث متفقة على ذَلِك وَهِي مَرْفُوعَة مَعَ كَثْرَة طرقها الصَّحِيحَة.
وَجزم التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم وَابْن عبد الْبر أَيْضا بِأَن السُّؤَال من خَواص هَذِه الْأمة لحَدِيث مُسلم: (إِن هَذِه الْأمة تُبْتلى فِي قبُورها) وَخَالَفَهُمَا جمَاعَة مِنْهُم ابْن الْقيم وَقَالَ: لَيْسَ فِي الْأَحَادِيث مَا يَنْفِي السُّؤَال عَمَّن تقدم من الْأُمَم، وَإِنَّمَا أخبر النَّبِي ﷺ أمته بكيفية امتحانهم فِي الْقُبُور، لَا أَنه نفى ذَلِك عَن ذَلِك وَتوقف آخَرُونَ وللتوقف وَجه لِأَن قَوْله: (إنَّ هَذِه الْأمة) فِيهِ تَخْصِيص، فتعدية السُّؤَال لغَيرهم تحْتَاج إِلَى دَلِيل، وعَلى تَسْلِيم اخْتِصَاصه بهم، فَهُوَ لزِيَادَة درجاتهم ولخفَّة أهوال الْمَحْشَر عَلَيْهِم فَفِيهِ رفق بهم، وَأكْثر من غَيرهم، لِأَن المِحَنَ إِذا فُرِّقَت هان أمرهَا، بِخِلَاف مَا إِذا توالت فتفريقها لهَذِهِ الْأمة عِنْد الْمَوْت، وَفِي الْقُبُور، والمحشر، دَلِيل ظَاهر على تَمام عناية ربِّهم بهم أَكثر من غَيرهم، وَكَانَ اختصاصهم بالسؤال فِي الْقَبْر من التخفيفات الَّتِي اختصوا بهَا عَن غَيرهم لما تقرَّر فَتَأمل ذَلِك، وَمُقْتَضى أَحَادِيث سُؤال الْملكَيْنِ أَن الْمُؤمن وَلَو فَاسِقًا يجيبهما كالعدل وَلَكِن بشارته تحْتَمل أَن تكون بِحَسب حَاله وَيُوَافِقهُ قَول ابْن يُونُس اسمهما على المذنب مُنكر: أَي بِفَتْح الْكَاف. وَأما على الْمُطِيع: مُبشر وَبشير.
قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين: وَلم نقف لَهُ على أصل، وَمُقْتَضى الْأَحَادِيث اسْتِوَاء سَائِر النَّاس فِي اسمهما وَهُوَ مُنكر وَنَكِير كَمَا فِي حَدِيث عِنْد التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن غَرِيب مُنكر بِفَتْح الْكَاف اتِّفَاقًا. وَفِي مُرْسل ضَعِيف زِيَادَة اثْنَيْنِ آخَرين وهما (ناكور ورومان، فَعَلَيهِ تكون الْمَلَائِكَة الَّذين يسْأَلُون أَرْبَعَة وَفِي صفتهما الْآتِيَة إِذْ فِي حَدِيث ابْن حبَان وَالتِّرْمِذِيّ يَأْتِيهِ (ملكان أسْوَدان أزْرقان) . زَاد الطَّبَرَانِيّ (أعينهما مِثْلُ قدور النُحاس، وأنيابهُما مثل صَياصِّي الْبَقر وأصواتِهِمَا مثل الرَعْد) . وَنَحْوه لعبد الرَّزَّاق من مُسْند عَمْرو بن دِينَار وَزَاد (يحفران بأنيابهما ويطآن فِي أشعارهما مَعَهُمَا مُزربَّة لَو اجْتمع عَلَيْهَا أهلِ منى لم يَحْمِلوها) .
وَبِمَا تقرر علم أَن مُنْكرا أَو نكيراً هما اللَّذَان يسألان الْمُؤمن وَغَيره، وَظَاهر أَحَادِيث سؤالهما أَنَّهُمَا يسألان كل أحد بِالْعَرَبِيَّةِ. وَفِي بعض طرق حَدِيث الصُّور الطَّوِيل عِنْد عَليّ بن معبد: تخرجُونَ مِنْهَا شُبَّاناً كلكُمْ أَبنَاء ثَلَاث وَثَلَاثِينَ، وَاللِّسَان يومئذٍ بالسُّرْيَانيَّة سرَاعًا إِلَى رَبهم يَنْسلونَ، فَإِن أُرِيد بيومئذٍ اخْتِصَاص تكلمهم بالسُّرْيَانيَّة بِيَوْم النفخ لم يناف مَا مر وَإِن أُرِيد بيومئذٍ وَقت كَونهم فِي الصُّور نافاه. وَالْحَاصِل الْأَخْذ بِظَاهِر الْأَحَادِيث هُوَ أَن
стр. 7
السؤل لسَائِر النَّاس بِالْعَرَبِيَّةِ نَظِير مَا مر أَنه لِسَان أهل الْجنَّة إِلَّا إِن ثَبت خلاف ذَلِك وَلَا يستبعد تكلم غير الْعَرَبِيّ بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَن ذَلِك الْوَقْت وَقت تخرق فِيهِ الْعَادَات وَمن ثمَّ ذكر الْقُرْطُبِيّ وَالْغَزالِيّ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه قَالَ: (يَا رَسُول الله مَا أوّل مَا يلقى الْمَيِّت إِذا دخل قَبره قَالَ يَا ابْن مَسْعُود مَا سَأَلَني عَنهُ إِلَّا أَنْت فَأول مَا يَأْتِيهِ ملك اسْمه رُومَان يجوس خلال الْمَقَابِر فَيَقُول يَا عبد الله اكْتُبْ عَمَلك فَيَقُول مَا معي دَوَاة وَلَا قرطاس فَيَقُول هَيْهَات كفنك قرطاسك ومدادك ريقك وقلمك أصبعك فَيقطع لَهُ قِطْعَة من كَفنه ثمَّ يَجْعَل العَبْد يكْتب وَإِن كَانَ غير كَاتب فِي الدُّنْيَا فيذكر حَسَنَاته وسيئاته كَيَوْم وَاحِد) الحَدِيث بِطُولِهِ، ثمَّ رَأَيْت شيخ الْإِسْلَام صَالحا البُلْقِينِيّ أفتى بِأَن السُّؤَال فِي الْقَبْر بالسرياني لكل ميت، وَلَعَلَّه أَخذه من الحَدِيث الَّذِي ذكرته لكنك قد علمت مِمَّا قَرّرته فِيهِ أَنه لَا دلَالَة فِي الحَدِيث، وَمن ثمَّ قَالَ تِلْمِيذه الْجلَال السُّيُوطِيّ لم أر ذَلِك لغيره، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. ٨ وسُئل ﵁: مَا حكم علم الأوْفاق؟ فَأجَاب فسح الله فِي مدَّته: علم الأوفاق لَا مَحْذُور فِيهِ إِن اسْتعْمل لمباح، فقد نقل عَن الْغَزالِيّ وَغَيره الاعتناء بِهِ، وَكَذَلِكَ حكى لي عَن شَيخنَا شيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّا الْأنْصَارِيّ سقى الله عَهده أَنه كَانَ يُحسنه وَأَن لَهُ فِيهِ مؤلفاً نفيساً أما إِذا استعين بِهِ على حرَام فَإِنَّهُ يكون حَرَامًا إِذْ للوسائل حكم الْمَقَاصِد؛ وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
٩ - وسُئل نفع الله بِعُلُومِهِ وبركته: فِي رجل قَالَ الْفَاتِحَة زِيَادَة فِي شرف النبيّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ رجل من أهل الْعلم: لَا تعد إِلَى هَذَا الَّذِي صدر مِنْك تكفر فَهَل الْأَمر كَذَلِك؟ وَهل يجوز هَذَا الْإِنْكَار وَالْحكم على الْقَائِل بالْكفْر وَمَا يلْزم الْمُنكر؟ فَأجَاب متع الله بحياته بقوله: لم يُصب هَذَا الْمُنكر فِي إِنْكَاره ذَلِك، وَهُوَ دَال على قِلَة عِلْمه وَسُوء فَهمه بل وعَلى قَبِيح مجازفته فِي دين الله تَعَالَى وتهورُّه بِمَا قد يَئُول بِهِ إِلَى الْكفْر وَالْعِيَاذ بِاللَّه إذْ من كفرَّ مُسلما بِغَيْر مُوجب لذَلِك كفر، على تَفْصِيل ذكره الْأَئِمَّة ﵃، فإنكاره هَذَا إِمَّا حرَام أَو كفر فالتحريم مُحَقّق وَالْكفْر مَشْكُوك فِيهِ إِذْ لم يتَحَقَّق شَرطه فعلى حَاكم الشَّرِيعَة المطهرة أَن يُبَالغ فِي زجر هَذَا الْمُنكر بتعزيره بِمَا يَلِيق بِهِ فِي عظم جراءته على الشَّرِيعَة المطهرة وَكذبه عَلَيْهَا بِمَا لم يقلهُ أحد من أَهلهَا بل صرّح بعض أَئِمَّتنَا بِخِلَافِهِ بل الْكتاب وَالسّنة دالان على أَن طلب الزِّيَادَة لَهُ ﷺ أَمر مَطْلُوب مَحْمُود قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً﴾ [طه: ١١٤] . وروى مُسلم أَنه ﷺ كَانَ يَقُول فِي دُعَائِهِ: (وَاجعَل الْحَيَاة زِيَادَة لي فِي كل خير) وَطلب كَون الْفَاتِحَة أَو غَيرهَا زِيَادَة فِي شرفه طلب لزِيَادَة علمه، وترَّقيه فِي مدارج كمالاته العليّة، وَإِن كَانَ كَمَاله من أَصله قد وصل الْغَايَة الَّتِي لم يصل إِلَيْهَا كَمَال مَخْلُوق، فعُلِم أَن كلا من الْآيَة الشَّرِيفَة والْحَدِيث الصَّحِيح دَال على أَن مقَامه ﷺ وكماله يقبل الزِّيَادَة فِي الْعلم وَالثَّوَاب وَسَائِر الْمَرَاتِب والدرجات، وعَلى أَن غايات كَمَاله لَا حدَّ لَهَا وَلَا انْتِهَاء بل هُوَ دَائِم الترقي فِي تِلْكَ المقامات الْعلية والدرجات السنيّة بِمَا لَا يطلع عَلَيْهِ وَيعلم كنهه إِلَّا الله تَعَالَى؛ وعَلى أَن كَمَاله ﷺ مَعَ جلالته لاحتياجه إِلَى مزِيد ترق واستمداد من فيض فضل الله وجوده وَكَرمه الذاتي الَّذِي لَا غَايَة لَهُ وَلَا انْتِهَاء، وعَلى أَن طلب الزِّيَادَة لَا يشْعر بِأَن ثمَّ نقصا إِذْ لَا شكّ أَن علمه ﷺ أكمل الْعُلُوم وَمَعَ ذَلِك فقد أمره الله بِطَلَب زِيَادَته فلنكن نَحن مأمورين بِطَلَب زِيَادَة ذَلِك لَهُ ﷺ ، وَقد ورد أَيْضا أمْرُنا بذلك فِيمَا ينْدب من الدُّعَاء عِنْد رُؤْيَة الْكَعْبَة المعظمة إِذْ فِيهِ: (وزد من شرفه وعظمه وحجه واعتمره تَشْرِيفًا) إِلَى آخِره. وَهُوَ ﷺ كَسَائِر الْأَنْبِيَاء الَّذين حجُّوا الْبَيْت وهم كل الْأَنْبِيَاء إِلَّا فرقة قَليلَة مِنْهُم على الْخلاف فِي ذَلِك دَاخل فِيمَن شرفه وعظمه وحجه واعتمره وَإِذا علم دُخُولهمْ فِي ذَلِك الْعُمُوم من دلَالَة الْعَام ظنية أَو قَطْعِيَّة على الْخلاف فِيهِ علم أَنا مأمورون بِطَلَب الدُّعَاء لَهُ ﷺ وَلغيره من الْأَنْبِيَاء الْمَذْكُورين بِزِيَادَة التشريف والتكريم؛ وَأَن الدُّعَاء بِزِيَادَة ذَلِك لَهُ ﷺ أَمر مَنْدُوب مستحسن. وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن عليّ ﵁ لَكِن نظر فِي سَنَده ابْن كثير أَنه كَانَ يعلم النَّاس كَيْفيَّة الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ ، وفيهَا مَا يصرّح بِطَلَب الزِّيَادَة لَهُ ﷺ فِي مضاعفات الْخَيْر وجزيل الْعَطاء وَبِهَذَا الَّذِي ذكرته وَإِن لم أر من سبقني بالاستدلال فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِشَيْء مِنْهُ يظْهر الرَّد على شيخ الْإِسْلَام صَالح
стр. 8
البُلْقِينِيّ فِي قَوْله: لَا يَنْبَغِي أَن يقدم على ذَلِك إِلَّا بِدَلِيل فَيُقَال لَهُ: وَأي دَلِيل أَعلَى من الْكتاب وَالسّنة، وَقد بَان بِمَا ذكرته دلالتهما على طلب الدُّعَاء لَهُ ﷺ بِالزِّيَادَةِ فِي شرفه إِذْ الشّرف العلوّ كَمَا قَالَ أهل اللُّغَة، وَالْمرَاد بِهِ هُنَا علوّ الْمرتبَة والمكانة وعلوّها بِالزِّيَادَةِ فِي الْعلم وَالْخَيْر وَسَائِر الدَّرَجَات والمراتب، وكل من الْعلم وَالْخَيْر قد أمرنَا بِطَلَب الزِّيَادَة لَهُ ﷺ فِيهِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قدمْنَاهُ فلنكن مأمورين بِطَلَب زِيَادَة الشّرف لَهُ وعَلى شيخ الْإِسْلَام الْحَافِظ ابْن حجر فِي قَوْله هَذَا الدُّعَاء مخترع من أهل الْعَصْر، وَلَو استحضر مَا قَالَه النَّوَوِيّ لم يقل ذَلِك بل سبق النَّوَوِيّ إِلَى نَحْو ذَلِك الإِمَام الْمُجْتَهد أَبُو عبد الله الْحَلِيمِيّ من أكَابِر أَصْحَابنَا وقدمائهم وَصَاحبه الإِمَام الْبَيْهَقِيّ وَقَوله: وَلَا أصل لَهُ فِي السّنة فَيُقَال لَهُ: بل لَهُ أصل فِي الْكتاب وَالسّنة مَعًا كَمَا تقرر على أَن الظَّاهِر أَنه إِنَّمَا قَالَ هَذَا قبل اطِّلَاعه على مَا يَأْتِي عَنهُ، ثمَّ اعْلَم أَن هذَيْن الْإِمَامَيْنِ لم ينازعا فِي جَوَاز ذَلِك وَإِنَّمَا نزاعهما فِي هَل ورد دَلِيل يدل على طلبه فيفعل أَو لَا فَلَا يَنْبَغِي فعله، وَقد علمت أَنه ورد مَا يدل على طلبه، وَمن ثمَّ لما كَانَ النَّوَوِيّ ﵀ وشكر سَعْيه متحلياً من السّنة بِمَا لم يلْحقهُ فِيهِ أحد مِمَّن جَاءَ بعده كَمَا صرّح بِهِ بعض الْحفاظ دَعَا بِطَلَب الزِّيَادَة لَهُ ﷺ فِي شرفه فِي خطبتي كِتَابيه اللَّذين عَلَيْهِمَا معول الْمَذْهَب وهما (الرَّوْضَة والمنهاج) فَقَالَ فِي خطْبَة كل مِنْهَا ﷺ وزاده فضلا وشرفاً لَدَيْهِ، وَهَذِه الْعبارَة متداولة فِي أَيدي الْعلمَاء مُنْذُ نَحْو ثَلَاثمِائَة سنة لَا نعلم أحدا مِمَّن تكلم على الرَّوْضَة أَو الْمِنْهَاج إعترضها بِوَجْه من الْوُجُوه، وَلَعَلَّ هذَيْن غفلا عَنْهَا بِدَلِيل قَول الثَّانِي هَذَا الدُّعَاء مخترع من أهل الْعَصْر إِذْ لَو استحضر مَا قَالَه النَّوَوِيّ لم يقل ذَلِك بل سبق النَّوَوِيّ إِلَى نَحْو ذَلِك الإِمَام الْمُجْتَهد أَبُو عبد الله الْحَلِيمِيّ، من أكَابِر أَصْحَابنَا وقدمائهم وَصَاحبه الإِمَام الْبَيْهَقِيّ وَقد ذكرت عبارتهما فِي إِفْتَاء أبسط من هَذَا، وَمِمَّا صرح بِهِ الأول أَن إجزال أجره ﷺ ومثوبته وإبداء فَضله للأولين والآخرين بالْمقَام الْمَحْمُود وتفضيله على كَافَّة المقربين، وَإِن كَانَ تَعَالَى قد أوجب هَذِه الْأُمُور لَهُ ﷺ فَإِن كل شَيْء مِنْهَا ذُو دَرَجَات ومراتب فقد يجوز إِذا صلى عَلَيْهِ وَاحِد من أمته فاستجيب دعاؤه أَن يُزَاد النَّبِي ﷺ بذلك الدُّعَاء فِي كل شَيْء مِمَّا سميناه رُتْبَة ودرجة انْتهى الْمَقْصُود مِنْهُ، وَهَذَا تَصْرِيح مِنْهُ بِأَن طلب الزِّيَادَة فِي شرفه ﷺ دَاخل فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ وَقد أمرنَا بهَا فلنكن مأمورين بِمَا تضمنته كَمَا صرح بِهِ هَذَا الإِمَام وناهيك بِهِ وَمِمَّا صرح بِهِ الثَّانِي فِي معنى: السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته سلمك الله من المذام والنقائص. فَإِذا قلت: اللَّهمّ سلم على مُحَمَّد، إِنَّمَا تُرِيدُ اللَّهُمَّ اكْتُبْ لَهُ فِي دَعوته وَأمته السَّلامَة من كل نقص، وزد دَعْوَتَه على ممرّ الْأَيَّام علوا وأمتَّه تكاثراً وذِكْره ارتفاعاً انْتهى الْمَقْصُود مِنْهُ، فَتَأمل قَوْله: من المذام والنقائص، وَقَوله: من كل نقص وَإِن ذَلِك هُوَ مَفْهُوم السَّلَام الَّذِي أمرنَا بِهِ تَجدهُ صَرِيحًا فِي أمرنَا بِطَلَب زِيَادَة الشّرف لَهُ، وَإِن فرض على أَنه يدل على مَا توهمه هَذَا الْمُنكر الْجَاهِل إِذْ غَايَة طلب الزِّيَادَة أَنه يدل على عدم الْكَمَال الْمُطلق وَنحن نلتزمه إِذْ الْكَمَال الْمُطلق لَيْسَ إِلَّا لله وَحده وَنَبِينَا ﷺ وَإِن كَانَ أكمل الْمَخْلُوقَات إِلَّا أَن كَمَاله لَيْسَ مُطلقًا فَقبل الزِّيَادَة ومراتب تِلْكَ الزِّيَادَة قد يُسمى كلّ مِنْهَا عدم كَمَال بِالنِّسْبَةِ لما فَوْقه من كَمَال آخر أَعلَى مِنْهُ وَهَكَذَا. وَنقل الْحَافِظ السخاوي عَن شَيْخه ابْن حجر أَنه جعل الحَدِيث عَن أبي ﵁ وَفِي آخِره: (قلتُ أجعَل لَك صَلَاتي كلهَا) أَي دعائي كُله كَمَا فِي رِوَايَة (قَالَ إِذا تكفى همك وَيغْفر ذَنْبك) أصلا عَظِيما لمن يَدْعُو عقب قِرَاءَته فَيَقُول: اجْعَل ثَوَاب ذَلِك لسيدنا رَسُول الله ﷺ ، وَكَأَنَّهُ قصد بِهَذَا الرَّد على شَيْخه شيخ الْإِسْلَام السراج البُلْقِينِيّ فِي قَوْله: لَا يَنْبَغِي ذَلِك إِلَّا بِدَلِيل وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَخذ مِنْهُ وَلَده علم الدّين مَا مر عَنهُ وَقد علمت ردهما ثمَّ ذكر السخاوي عَن شَيْخه ابْن حجر أَيْضا مَا حَاصله أَن من يَقُول مثل ثَوَاب ذَلِك زِيَادَة فِي شرفه مَعَ الْعلم بِكَمَالِهِ فِي الشّرف لَعَلَّه لحظ أَن معنى طلب الزِّيَادَة أَن يتَقَبَّل الله قِرَاءَته فيثيبه عَلَيْهَا، وَإِذا أثيب أحد من الْأمة على طَاعَة كَانَ لمعلمه أجر وللمعلم الأول وَهُوَ الشَّارِع ﷺ نَظِير جَمِيع ذَلِك فَهَذَا معنى الزِّيَادَة فِي شرفه وَإِن كَانَ شرفه مُسْتَقرًّا حَاصِلا وحينئذٍ اجْعَل مثل ثَوَاب ذَلِك تقبله ليحصل مثل ثَوَابه للنَّبِي ﷺ . وَحَاصِله: أَن طلب الزِّيَادَة لَهُ ﷺ يكون بِنَحْوِ طلب تَكْثِير أَتْبَاعه سِيمَا الْعلمَاء: أَي وبرفع درجاته ومراتبه الْعلية كَمَا مر عَن الْحَلِيمِيّ: وَقد رد شيخ الْإِسْلَام أَبُو عبد الله القاياتي مَا مر عَن الْعلم وَأَبِيهِ فَقَالَ فِي (الرَّوْضَة) :
стр. 9
إِن القارىء إِذا قَرَأَ وَجعل مَا حصل من الْأجر للْمَيت كَانَ دُعَاء بِحُصُول ذَلِك الْأجر للْمَيت فينفعه، وَفِي الْأَذْكَار أَن يَدْعُو بالجعل فَيَقُول: اللَّهُمَّ اجْعَل ثَوَابهَا وأصلاً لفُلَان.
وَاعْلَم أَن الْقُدْرَة الإلهية مهما تتَعَلَّق بِشَيْء يكون لَا محَالة، وَقد قرر فِي علم الْكَلَام أنَّ قدرته لَا تتناهى وَأَيْضًا فَخير الله لَا ينْفد، والكامل المترقي فِي دَرَجَات الْكَمَال هُوَ أبدا كَامِل انْتهى. وَوَافَقَهُ صَاحبه شيخ الْإِسْلَام الشّرف الْمَنَاوِيّ فَأفْتى باستحسان هَذَا الدُّعَاء، وَوَافَقَهُمَا أَيْضا صَاحبهمَا إِمَام الْحَنَفِيَّة الْكَمَال بن الْهمام بل زَاد عَلَيْهِمَا بالمبالغة فِي رفْعَة شَأْن هَذَا الدُّعَاء حَيْثُ جعل كل مَا صَحَّ من الكيفيات الْوَارِدَة فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ مَوْجُودا فِي كَيْفيَّة وَاحِدَة وَمن جُمْلَتهَا الدُّعَاء بِزِيَادَة الشّرف وَهِي: اللَّهُمَّ صل أبدا أفضل صلواتك على سيدنَا مُحَمَّد عَبدك وَنَبِيك وَرَسُولك مُحَمَّد وَآله وَسلم عَلَيْهِ تَسْلِيمًا وزده تَشْرِيفًا وتكريماً وأنزله الْمنزل المقرب عنْدك يَوْم الْقِيَامَة انْتهى. فَجعل طلب زِيَادَة الشّرف لَهُ ﷺ من جملَة الْأَسْبَاب الْمُقْتَضِيَة لفضل هَذِه الْكَيْفِيَّة ولاشتمالها على معنى مَا فِي الكيفيات الْوَارِدَة عَنهُ ﷺ ، وَوَافَقَهُمْ صَاحبهمْ شَيخنَا شيخ الْإِسْلَام خَاتِمَة الْمُحَقِّقين أَبُو يحيى زَكَرِيَّا الْأنْصَارِيّ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَن واعظ قَالَ: لَا يجوز إِجْمَاعًا لقارىء الْقُرْآن والْحَدِيث أَن يهدي مثل ثَوَاب ذَلِك فِي صَحَائِف سيدنَا رَسُول الله ﷺ وَبِه أفتى المتقدمون والمتأخرون. فَأجَاب: بِأَن مَا ادَّعَاهُ هَذَا الْوَاعِظ الْقَلِيل الْمعرفَة يسْتَحق بكذبه على الْإِجْمَاع التعزيز الْبَالِغ وزعمه أَن ذَلِك لَا يجوز الْحق خِلَافه بل يجوز، وَالْعجب لَهُ كَيفَ سَاغَ لَهُ دَعْوَى إِجْمَاع الْمُسلمين وإفتاء الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين على عدم الْجَوَاز وَهل هَذَا إِلَّا مجازفة فِي دين الله فَإِن جَوَازه كَمَا ترى شَائِع ذائع فِي الْأَعْصَار والأمصار.
فَإِن قلت: الدُّعَاء بِالزِّيَادَةِ فِي شرفه ﷺ مُمْتَنع لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنه متصف بضدها حَتَّى تطلب لَهُ الزِّيَادَة وَهُوَ محَال فِي حَقه. قلت: اعْلَم أَن نَبينَا ﷺ وَهُوَ أشرف الْمَخْلُوقَات وأكملهم فَهُوَ فِي كَمَال وَزِيَادَة أبدا يترقى من كَمَال إِلَى كَمَال إِلَى مَا لَا يعلم كنهه إِلَّا الله تَعَالَى فَلَا محَال فِي تزايد كَمَاله وترقيه بِالنِّسْبَةِ إِلَى نَفسه بعد كَونه أكمل الْمَخْلُوقَات، وَنحن نطالب لَهُ الزِّيَادَة فِي الْكَمَال إِلَى تِلْكَ الدرجَة الَّتِي لَا يعلم كنهها إِلَّا الله تَعَالَى، وَفَائِدَة طلبنا لَهُ ذَلِك مَعَ أَنه حَاصِل لَهُ لَا محَالة بوعد الله تَعَالَى أُمُور. مِنْهَا: إِظْهَار شرفه ﷺ وَكَمَال مَنْزِلَته وَعظم قدره وَرفع ذكره وتوقيره. وَمِنْهَا: مجازاته ﷺ على إحسانه إِلَيْنَا. وَمِنْهَا: حُصُول الثَّوَاب لنا وَيزِيد اطلاعاً على مَا ذَكرْنَاهُ مَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح (كَانَ ﷺ أَجود النَّاس) الحَدِيث فَانْظُر ذَلِك وتأمله فَإِنَّهُ تَخْصِيص بعد تَخْصِيص على سَبِيل الترقي، فضل أَولا: جوده على النَّاس كلهم، وَثَانِيا: جوده فِي رَمَضَان على جوده فِي سَائِر أوقاته، وثالثاً: جوده عِنْد لِقَاء جِبْرِيل على جوده فِي رَمَضَان مُطلقًا فَفِيهِ تزايد وتفاضل بِاعْتِبَار نَفسه على سَبِيل الترقي فَاعْتبر مَا نَحن فِيهِ بِهَذَا، وَنَظِير مَا نَحن فِيهِ من طلب الزِّيَادَة اللَّهُمَّ زد هَذَا الْبَيْت تَشْرِيفًا فِي حق بَيت الله تَعَالَى الْحَرَام فَإِن الدُّعَاء بِزِيَادَة الشّرف مَأْمُور بِهِ وَلم يقل أحد إِن ذَلِك مُمْتَنع انْتهى. فَتَأمل ذَلِك وَمَا قبله تَجِد هَذَا الْمُنكر قد ارْتكب فِي إِنْكَاره هُنَا متن عمياء وخبط عشواء وليت دينه سلم لَهُ كلا إِن إِنْكَاره الْمُبَاح بل الْحسن والترقي عَن ذَلِك إِلَى جعله كفرا خطأ عَظِيم إثمه كَبِير جرمه فَعَلَيهِ عُقُوبَة ذَلِك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة على أَن قَول الْقَائِل الْفَاتِحَة زِيَادَة فِي شرفه ﷺ هَل هُوَ مُبْتَدأ وَخبر أَو مفعول بِتَقْدِير اقْرَءُوا وَالثَّانِي بِتَقْدِير اجعلوا وَلكُل وَاحِد من هَذِه التقديرات معنى مُغَاير للْآخر، وَكَانَ يَنْبَغِي للْمُنكر لَو سلم مَا زَعمه أَن يستفصل الْقَائِل عَن أحد هَذِه الْمعَانِي ويرتب على كل حكمه لَكِن الظَّاهِر أَن هَذَا الْمُنكر لَا يفهم تغايراً بَين هده الْمعَانِي وأنى لَهُ بذلك، وَالله أعلم بالصوات. ١٠ وسُئل: فِي رجل قَالَ الْفَاتِحَة زِيَادَة فِي شرف النَّبِي ﷺ فَقَامَ رجل من أهل الْعلم وَقَالَ للقائل كفرت وَلَا تعد إِلَى قَوْلك هَذَا الَّذِي صدر مِنْك تكفر أَيْضا فَهَل الْأَمر كَذَلِك وَهل يجوز أَن يُقَال لهَذَا الْقَائِل كفرت أَو تكفر وماذا يلْزم من قَالَ لَهُ ذَلِك مَعَ زَعمه أَنه من أهل الْعلم؟ فَأجَاب فسح الله فِي مدَّته ونفع بِعُلُومِهِ وبركته: لَيْسَ هَذَا الرجل الْقَائِل ذَلِك للقائل الْفَاتِحَة إِلَخ من أهل الْعلم بل كَلَامه وإنكاره يدل على جَهله ومجازفته وَأَنه لَا يفهم مَا يَقُول وَلَا يدْرِي مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فِي ذَلِك من تجهيل الْعلمَاء لَهُ وتفسيقهم إِيَّاه وحكمهم عَلَيْهِ بالتهور كَيفَ وَقد كفَّر
стр. 10
مُسلما لم يقل بتكفيره أحد؟ بل قَالَ جمَاعَة من الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين باستحسانه كَمَا سأبينه لَك من كَلَامهم فَإِن قَصَد بتكفيره لقَائِل ذَلِك تَسْمِيَة دينه كفرا فقد كفر وَيضْرب عُنُقه إِن لم يتب لِأَنَّهُ سمى الْإِسْلَام كفرا، وَإِن لم يقْصد ذَلِك حرم عَلَيْهِ هَذَا الْإِنْكَار وَاسْتحق عَلَيْهِ الزّجر والتأديب البليغ وَوَجَب على حَاكم الشَّرِيعَة المطهرة وفقَّه الله وسَدَّده أَن يُبَالغ فِي زَجره وتعزيره بِمَا يرَاهُ زاجراً لَهُ عَن هَذِه المجازفات القبيحة والتهورات الشنيعة، وَقد بَلغنِي أَنه حكم على قَائِل ذَلِك بالْكفْر واستسلمه وَأمره بِالشَّهَادَتَيْنِ وَهَذَا مِنْهُ مُبَالغَة فِي الْإِثْم والفسوق وجراءة على الله وَنبيه ﷺ وعَلى الشَّرِيعَة الغراء حَيْثُ أحدث فِيهَا مَا لم يسْبق إِلَيْهِ على أَنه لَو سلم ذَلِك لَكَانَ من الْوَاجِب عَلَيْهِ أَن يعرف هَذَا الْعَاميّ الحكم فَإِن أطاعه فَظَاهر وَإِن خَالفه نَهَاهُ، وَأما مبادرته لعامي صدرت مِنْهُ كلمة لَا يفهم مِنْهَا إِلَّا غَايَة الإجلال والتعظيم لجنابه ﷺ الرفيع، وَقَوله لذَلِك الْعَاميّ بِمُجَرَّد أَن صدرت مِنْهُ تِلْكَ الْكَلِمَة كفرت أَو نَحْو ذَلِك فَهِيَ دليلة على جَهله وغباوته، وَأَنه لَا يدْرِي شَرط الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَمَا يكفر بِهِ الْإِنْسَان وَمَا لَا يكفر بِهِ، وَكَفاك شَاهدا على ذَلِك مَا وَقع لَهُ فِي هَذِه الْقَضِيَّة الَّتِي كثر كَلَام الْعلمَاء فِيهَا بِمَا لم يحط بِهِ علم هَذَا الرجل وَلَا أَنْتَهِي إِلَيْهِ فهمه فَكَانَ عَلَيْهِ الرُّجُوع فِيمَا لَا يعرفهُ إِلَى أَهله العارفين ليبينوا لَهُ حكمه وَكَلَام الْعلمَاء فِيهِ، وَلَيْسَت هَذِه الْمَسْأَلَة من مخترعات الْمُتَأَخِّرين بل أَشَارَ إِلَيْهَا أكَابِر الْمُتَقَدِّمين كَالْإِمَامِ الْحَلِيمِيّ وَصَاحبه الْبَيْهَقِيّ، وناهيك بهما إِمَامَة وجلالة، وتبعهما إِمَام الْمُتَأَخِّرين مُحَرر الْمَذْهَب أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فَقَالَ فِي روضته ومنهاجه فَقَالَ فيهمَا ﷺ وزاده فضلا وشرفاً لَدَيْهِ وناهيك بِهَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ، وَكَأن هَذَا الْمُنكر لم يقْرَأ فِي الْفِقْه وَلَا الْمِنْهَاج وَمن هَذَا شَأْنه كَيفَ يُبَادر بِهَذَا الْإِنْكَار وَهَذَا التهور؟ وَإِذا علمت تَصْرِيح النَّوَوِيّ بِهِ فِي هذَيْن الْكِتَابَيْنِ اللَّذين هما عُمْدَة الْمَذْهَب علمت فَسَاد إِنْكَار هَذَا الْجَاهِل وَأَن مَا توهمه من أَن سُؤال الزِّيَادَة يَقْتَضِي أَن فِي مقَامه ﷺ نقصا توهم بَاطِل لَا دَلِيل عَلَيْهِ، كَيفَ وَقد صرح الإمامان الجليلان الْحَلِيمِيّ وَالْبَيْهَقِيّ بِمَا يزيفه ويبطله، وَعبارَة الأول فِي (شعب الْإِيمَان) : فَإِذا قُلْنَا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد فَإِنَّمَا نُرِيد اللَّهُمَّ عظم مُحَمَّدًا فِي الدُّنْيَا بإعلاء ذكره وَإِظْهَار دينه وإبقاء شَرِيعَته، وَفِي الْآخِرَة بتشفيعه فِي أمته وإجزال أجره ومثوبته وإبداء فَضله للأولين والآخرين بالْمقَام الْمَحْمُود وتقديمه على كَافَّة المقربين بالشهود. قَالَ: وَهَذِه الْأُمُور وَإِن كَانَ الله تَعَالَى قد أوجبهَا للنَّبِي ﷺ وَأَن كل شَيْء مِنْهَا دَرَجَات ومراتب فقد يجوز إِذا صلى عَلَيْهِ وَاحِد من أمته فاستجيب دعاؤه فِيهِ أَن يُزَاد النَّبِي ﷺ بذلك الدُّعَاء فِي كل شَيْء مِمَّا سميناه رُتْبَة ودرجة، وَلِهَذَا كَانَت الصَّلَاة مِمَّا يقْصد بهَا قَضَاء حَقه ويتقرب بأدائها إِلَى الله تَعَالَى، وَيدل على أَن قَوْلنَا اللَّهم صل على مُحَمَّد صَلَاة منا عَلَيْهِ أَنا لَا نملك إِيصَال مَا يعظم بِهِ أمره ويعلو بِهِ قدره إِلَيْهِ إِنَّمَا ذَلِك بيد الله تَعَالَى فصح أَن صَلَاتنَا عَلَيْهِ الدُّعَاء لَهُ بذلك وابتغاؤه من الله جلّ ثَنَاؤُهُ انْتهى كَلَام الْحَلِيمِيّ فِي شعبه، فَتَأمل قَوْله: وإجزال أجره ومثوبته، وَقَوله: أَن يُزَاد النَّبِي ﷺ إِلَى آخِره تَجدهُ مُصَرحًا بِأَن مقَامه ﷺ يقبل الزِّيَادَة فِي الثَّوَاب وَغَيره من سَائِر الْمَرَاتِب والدرجات وَيُؤَيِّدهُ أَنه ﷺ وَإِن كَانَ أكمل الْخلق وأفضلهم لَكِن لَا تحصر وَلَا تحصى غايات كمالاته الْعلية بل هُوَ دَائِم الترقي فِي تِلْكَ الغايات وَلَا حد لَهَا انْتِهَاء والمقامات السّنيَّة مِمَّا لَا يطلع عَلَيْهِ وَيعلم كنهه إِلَّا الله تَعَالَى، وكماله ﷺ مَعَ جلالته لَا يمْنَع احْتِيَاجه إِلَى زِيَادَة مزِيد وترقّ واستمداد من فَضله تَعَالَى وجوذه وَكَرمه، فَإِنَّهُ لَا انْتِهَاء لفضله الْوَاسِع وَلَا انْتِهَاء لكماله ﷺ المستمد من ذَلِك. وَعبارَة الْبَيْهَقِيّ فِي (تَفْسِيره) : السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَيحْتَمل أَن يكون بِمَعْنى السَّلامَة: أَي ليكن قضى الله عَلَيْك السَّلَام، وَالسَّلَام كالمقام والمقامة: أَي سلمك الله من المذام والنقائص. فَإِذا قلت: اللَّهم سلم على مُحَمَّد إِنَّمَا تُرِيدُ اللَّهُمَّ اكْتُبْ لمُحَمد فِي دَعوته وَأمته وَذكره السَّلامَة من كل نقص فتزداد دَعوته على ممر الْأَيَّام علوا وَأمته تكاثراً وَذكره ارتفاعاً انْتهى. فَتَأَمّله تَجدهُ صَرِيحًا فِيمَا أَفَادَ كَلَام شَيْخه الْحَلِيمِيّ مِمَّا مرت الْإِشَارَة إِلَيْهِ، وَإِذا صرح هَذَانِ الأمثلان بذلك وتبعهما النَّوَوِيّ فَأَي شُبْهَة بقيت فِي هَذَا الْمحل يتشبث بهَا هَذَا الْمُنكر الْجَاهِل وَكَأَنَّهُ لم يستحضر مَا يَقُوله عِنْد كل سنة عِنْد رُؤْيَة
стр. 11
الْكَعْبَة المعظمة من الدُّعَاء الْوَارِد حينئذٍ وَهُوَ: اللَّهُمَّ زد هَذَا الْبَيْت تَشْرِيفًا وتكريماً وزد من شرفه فَإِنَّهُ صَرِيح فِي ذَلِك بِالدُّعَاءِ للنَّبِي ﷺ وَأَن الدُّعَاء بِالزِّيَادَةِ لَا يَقْتَضِي ثُبُوت نقص وَبَيَانه أَن فِيهِ الدُّعَاء للكعبة المعظمة بِزِيَادَة التشريف وَهِي قبل هَذَا الدُّعَاء لَا نقص فِيهَا حَتَّى يطْلب بِهَذَا الدُّعَاء جبره، وكأنّ المُرَاد بِالزِّيَادَةِ فِيهِ الزِّيَادَة فِي الْكَمَال الَّذِي لَا غَايَة لَهُ وَكَذَلِكَ الدُّعَاء بِالزِّيَادَةِ فِي شرف النَّبِي ﷺ على أَن هَذَا الْوَارِد يَشْمَلهُ ﷺ ، فَإِن قَوْله فِيهِ وزِدْ مَنْ شرفَّه وعظمَّه وحجَّه واعتمره إِلَخ يَشْمَل النَّبِي ﷺ بل سَائِر الْأَنْبِيَاء الَّذين حجُّوا هَذَا الْبَيْت هم الْأَنْبِيَاء كلهم أَو إِلَّا جمَاعَة مِنْهُم على الْخلاف فِي ذَلِك، فَعلمنَا أَنه ورد الدُّعَاء بِالزِّيَادَةِ فِي شرفه ﷺ وَفِي شرف سَائِر الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَيدل لذَلِك أَيْضا الحَدِيث الْمَشْهُور عَن أُبي بن كَعْب ﵁ قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا ذهب ثلث اللَّيْل قَامَ فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس اذْكروا الله جَاءَت الراجفة تتبعها الرادفة قد جَاءَ الْمَوْت بِمَا فِيهِ، قَالَ أبيّ فقلتُ: يَا رَسُول الله إِنِّي أَكثر الصَّلَاة عَلَيْك فكم أجعَل لَك من صَلَاتي؟ فَقَالَ: مَا شِئْت، قلتُ: الرّبع، قَالَ: مَا شِئْت، وَإِن زِدْت فَهُوَ خير لَك، قلتُ: أجعَل لَك صَلَاتي كلهَا، قالَ: إِذا تكفى همك وَيغْفر ذَنْبك) . حسنه التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ الْحَاكِم فِي موضِعين من (مُسْتَدْركه) ، وَفِي رِوَايَة (إِذا ذهب ربع اللَّيْل) ، وَفِي أُخْرَى: (قَالَ: يَا رَسُول الله أَرَأَيْت صَلَاتي كلهَا لَك قَالَ: إِذن يَكْفِيك همك من أَمر دنياك وآخرتك) . وَفِي أُخْرَى للبزار: (قَالَ رجل يَا رَسُول الله أجعَل شطر صَلَاتي دُعَاء لَك؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فأجعل صَلَاتي كلهَا دُعَاء لَك قَالَ: إِذا يَكْفِيك الله همّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة) وَفِي أُخْرَى: (أجعَل لَك نصف دعائي؟ قَالَ: مَا شِئْت؟ قَالَ: الثُّلثَيْنِ، قَالَ: مَا شِئْت، قَالَ: أجعَل دعائي كُله لَك قَالَ: إِذا يَكْفِيك الله همّ الدُّنْيَا وهم الْآخِرَة) وبهذه الرِّوَايَة يعلم أَن المُرَاد بِالصَّلَاةِ فِي الرِّوَايَة الأولى وَمَا بعْدهَا الدُّعَاء وَأَن من فَسرهَا بِالصَّلَاةِ الْحَقِيقِيَّة وَالْمرَاد نفس ثَوَابهَا فقد أبعد بل الْمَعْنى: أَن لي زَمَانا أَدْعُو فِيهِ لنَفْسي فكم أصرف من ذَلِك الزَّمَان للدُّعَاء لَك. فَإِذا تقرّر هَذَا فقد قَالَ شيخ الْإِسْلَام الْحَافِظ ابْن حجر كَمَا نَقله عَنهُ تِلْمِيذه الْحَافِظ السخاوي وَاسْتَحْسنهُ، وَهَذَا الحَدِيث أصل عَظِيم لمن يَدْعُو عقب قِرَاءَته فَيَقُول: اجْعَل ثَوَاب ذَلِك لسيدنا رَسُول الله ﷺ . وَأما من يَقُول مثل ثَوَاب ذَلِك زِيَادَة فِي شرفه ﷺ مَعَ الْعلم بِكَمَالِهِ فِي الشّرف فَلَعَلَّهُ لحظ أَن معنى طلب الزِّيَادَة فِي شرفه أَن يتَقَبَّل قِرَاءَته فيثيبه عَلَيْهَا. وَإِذا أثيب أحد من الْأمة على فعل طَاعَة من الطَّاعَات كَانَ للَّذي علمه مثل أجره وللمعلم الأول وَهُوَ الشَّارِع ﷺ نَظِير جَمِيع ذَلِك فَهَذَا معنى الزِّيَادَة فِي شرفه ﷺ وَإِن كَانَ شرفه مُسْتَقرًّا حَاصِلا، وَقد ورد فِي القَوْل عِنْد رُؤْيَة الْكَعْبَة اللَّهُمَّ زد هَذَا الْبَيْت تَشْرِيفًا وتكريماً وتعظيماً فَإِذا عرف هَذَا عرف أَن معنى قَول الدَّاعِي اجْعَل مثل ثَوَاب ذَلِك أَي تقبل هَذِه الْقِرَاءَة ليحصل مثل ثَوَاب ذَلِك للنَّبِي ﷺ انْتهى. وَحَاصِله أَن طلب الزِّيَادَة لَهُ ﷺ يكون بِنَحْوِ طلب تَكْثِير أَتْبَاعه سِيمَا الْعلمَاء وَرفع درجاته ومراتبه الْعلية كَمَا مر عَن الْحَلِيمِيّ ﵀ وَبِه يرد مَا وَقع فِي فتاوي شيخ الْإِسْلَام البُلْقِينِيّ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّن يَقُول فِي دُعَائِهِ اجْعَل ثَوَاب هَذِه الختمة هَدِيَّة لسيدنا مُحَمَّد ﷺ فَأجَاب بِمَا حَاصله: ثَوَاب الْقِرَاءَة وَاصل لَهُ ﷺ لِأَنَّهُ هُوَ الْمبلغ والمبين لَهُ فَلَا حَاجَة لذكر القارىء ذَلِك وَإِن ذكره على نَظِير: اللَّهُمَّ آتٍ سيدنَا مُحَمَّدًا الْوَسِيلَة والفضيلة إِلَخ لم يمْتَنع بل اللَّائِق أَن لَا يقدم على شَيْء من ذَلِك إِلَّا بِإِذن، وَلَئِن جَاءَ أَنه ﷺ قَالَ لعمر شَيْئا يتَعَلَّق بِنَحْوِ ذَلِك فلعلمه ﷺ أَن عمر ﵁ يُرَاعِي الْأَدَب فِي الَّذِي يتَعَلَّق بالنبيّ ﷺ وَإِذا لم يكن الدَّاعِي يُرَاعِي الْأَدَب فَإِنَّهُ لَا يَلِيق أَن يقدم على شَيْء من ذَلِك حَتَّى يعلم طَرِيق الْأَدَب فِيهِ انْتهى. وَأخذ من ذَلِك وَلَده شيخ الْإِسْلَام عَلَم الدّين قَوْله لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يقدم فِي دُعَائِهِ على قَوْله اللهمّ اجْعَل ثَوَاب مَا قرأناه زِيَادَة فِي شرف سيدنَا مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ إِلَّا بِدَلِيل انْتهى. وَأَنت خَبِير بِأَنَّهُ كأبيه ليسَا قائلين بامتناع ذَلِك، وَإِنَّمَا هما يحاولان أَنه لَا يَنْبَغِي قَول ذَلِك إِلَّا بِدَلِيل أَي لَا ينْدب قَوْله إِلَّا بِدَلِيل يدل على اسْتِحْبَابه، وَلَيْسَ فِي كَلَامهمَا مَا يدل على أَن ذَلِك لَا يجوز، على أَن الظَّاهِر أَنَّهُمَا غفلا عَمَّا قدمْنَاهُ عَن النووري وَغَيره، وَمن ثمَّ خالفهما شيخ الْإِسْلَام القاياتي فَقَالَ فِي (الرَّوْضَة) : إِن القارىء إِذا قَرَأَ ثمَّ جعل مَا حصل من الْأجر لَهُ
стр. 12
لمَيت فَهَذَا دُعَاء بِحُصُول ذَلِك الْأجر للْمَيت فنفع الْمَيِّت. وَقَالَ فِي (الْأَذْكَار) الْمُخْتَار أَن يَدْعُو بالجعل فَيَقُول اللهمّ اجْعَل ثَوَابهَا واصلاً لفُلَان. وَاعْلَم أَن الْقُدْرَة الإلهية مهما تتَعَلَّق بِشَيْء يكون لَا محَالة، وَقد قرر فِي علم الْكَلَام أَن قدرته لَا تتناهى وَأَيْضًا فَخير الله لَا ينْفد، والكامل المترقي فِي دَرَجَات الْكَمَال هُوَ أبدا كَامِل انْتهى، وَهُوَ غَايَة فِي التَّحْرِير والتنقيح وَوَافَقَهُ صَاحبه شيخ الْإِسْلَام الشّرف الْمَنَاوِيّ فَأفْتى باستحسان هَذَا الدُّعَاء واستند إِلَى قَول الْمِنْهَاج وزاده فضلا وشرفاً لَدَيْهِ، وَوَافَقَهُمَا أَيْضا صَاحبهمَا إِمَام الْحَنَفِيَّة الْكَمَال ابْن الْهمام بل زَاد عَلَيْهِمَا بالمبالغة فِي رفْعَة شَأْنه أَي شَأْن هَذَا الدُّعَاء حَيْثُ جعل كل مَا صَحَّ فِي الكيفيات الْوَارِدَة فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ مَوْجُودا فِي كَيْفيَّة الدُّعَاء بِزِيَادَة الشّرف، وَمن جُمْلَتهَا وَهِي: اللَّهُمَّ صل أبدا أفضل صلواتك على سيدنَا مُحَمَّد عَبدك وَنَبِيك وَرَسُولك مُحَمَّد وَآله وَسلم عَلَيْهِ تَسْلِيمًا كثيرا، وزده شرفاً وتكريماً، وأنزله الْمنزل المقرب عنْدك يَوْم الْقِيَامَة انْتهى. فَانْظُر كَيفَ جعل الكيفيات الفاضلة للصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ كَصَلَاة التَّشَهُّد وَمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من كَثْرَة طرقها وكصلاة أُخْرَى مَوْجُودَة فِي تِلْكَ الْكَيْفِيَّة الْمُشْتَملَة على وزِدّه تَشْرِيفًا وتكريماً وَجعل طلب هَذِه الزِّيَادَة من الْأَسْبَاب الْمُقْتَضِيَة لفضل هَذِه الْكَيْفِيَّة واشتمالها على مَا فِي الكيفيات الْوَارِدَة عَنهُ ﷺ ، وَهَذَا تَصْرِيح من هَذَا الإِمَام الْمُحَقق بِفضل طلب الزِّيَادَة لَهُ ﷺ فَكيف مَعَ هَذَا يتَوَهَّم أَن فِي ذَلِك محذوراً، وَوَافَقَهُمْ أَيْضا صَاحبهمْ شَيخنَا شيخ الْإِسْلَام أَبُو يحيى زَكَرِيَّا الْأنْصَارِيّ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَن واعظ قَالَ: لَا يجوز بِالْإِجْمَاع لقارىء الْقُرْآن والْحَدِيث أَن يهدي مثل ثَوَاب ذَلِك فِي صَحَائِف سيدنَا مُحَمَّد ﷺ وَبِه أفتى المتقدمون والمتأخرون، فَأجَاب: بِأَن مَا ادَّعَاهُ هَذَا الْوَاعِظ الْقَلِيل الْمعرفَة يسْتَحق بِسَبَبِهِ التَّعْزِير الْبَالِغ بِحَسب مَا يرَاهُ الْحَاكِم من نَحْو حبس أَو ضرب ويثاب زاجره وَيَأْثَم مساعده على ذَلِك. وَهَا أَنا أذكر ذَلِك مفصلا، فَأَما مَا ادَّعَاهُ من أَنه لَا يجوز إهداء الْقُرْآن للنَّبِي ﷺ فَالْحق خِلَافه بل يجوز ذَلِك وَالْعجب مِنْهُ كَيفَ سَاغَ لَهُ دَعْوَى إِجْمَاع الْمُسلمين وإفتاء الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين على عدم الْجَوَاز وَهل هَذَا إِلَّا مجازفة فِي دين الله تَعَالَى فَإِن جَوَازه كَمَا ترى شَائِع ذائع فِي الْأَعْصَار والأمصار. فَإِن قلت: الدُّعَاء بِالزِّيَادَةِ فِي شرفه ﷺ مُمْتَنع لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنه متصف بضدها حَتَّى يطْلب لَهُ الزِّيَادَة وَهُوَ محَال فِي حَقه. قلتُ: إعلم يَا أخي وفقني الله وَإِيَّاك، أَن نَبينَا ﷺ هُوَ أشرف الْمَخْلُوقَات وأكملهم فَهُوَ فِي كَمَاله وزيادته أبدا مترق من كَمَال إِلَى كَمَال إِلَى مَا لَا يعلم كنهه إِلَّا الله تَعَالَى، وَلَا محَال فِي تزايد كَمَاله وترقيه بِالنِّسْبَةِ إِلَى نَفسه بعد كَونه أكمل الْمَخْلُوقَات، وَنحن نطلب لَهُ الزِّيَادَة فِي الْكَمَال إِلَى تِلْكَ الدرجَة الَّتِي لَا يعلم كنهها إِلَّا الله، وَفَائِدَة طلبنا لَهُ ذَلِك مَعَ أَنه حَاصِل لَهُ لَا محَالة بوعد الله تَعَالَى أُمُور: مِنْهَا: إِظْهَار شرفه ﷺ وَكَمَال مَنْزِلَته وعظيم حَقه وَرفع ذكره وتوقيره. وَمِنْهَا: مجازاته ﷺ فقد أحسن إِلَى جَمِيع النَّاس بهدايتهم إِلَى الدّين القويم. وَمِنْهَا: حُصُول الثَّوَاب لنا كَسَائِر الْعِبَادَات وَيزِيد اطلاعاً على مَا ذَكرْنَاهُ مَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن ابْن عَبَّاس ﵄: (كَانَ رَسُول الله ﷺ أَجود النَّاس وَكَانَ أَجود مَا يكون فِي رَمَضَان حِين يلقاه جِبْرِيل ﵇ فَانْظُر إِلَى ذَلِك وَتَأمل فَإِنَّهُ تَخْصِيص بعد تَخْصِيص على سَبِيل الترقي ففضل أَولا جوده على النَّاس كلهم، وَثَانِيا جوده فِي رَمَضَان على جوده فِي سَائِر أوقاته، وثالثاً جوده عِنْد لِقَاء جِبْرِيل على جوده فِي رَمَضَان مُطلقًا، فَفِيهِ تزايد وتفاضل بِاعْتِبَار نَفسه على سَبِيل الترقي، فَاعْتبر مَا نَحن فِيهِ بِهَذَا؛ وَنَظِير مَا نَحن فِيهِ فِي طلب الزِّيَادَة اللهمّ زد هَذَا الْبَيْت تَشْرِيفًا فِي حق بَيت الله الْحَرَام فَإِن الدُّعَاء بِزِيَادَة التشريف مَأْمُور بِهِ وَلم يقل أحد إِن ذَلِك مُمْتَنع انْتهى كَلَامه ﵀، وَهُوَ غَايَة فِي التَّحْقِيق والإتقان شكر الله سَعْيه فَتَأَمّله، واقض بِهِ وَبِمَا قبله على هَذَا الْمُعْتَرض بِالْجَهْلِ والمجازفة والتهور والمبادرة بِمَا لَا يسوغ إِنْكَاره وبالخروج عَن سنَن المهتدين إِلَى وصمات الْمُعْتَدِينَ، حَيْثُ ارْتقى عَن إِنْكَار الْمُبَاح بل الْحسن كَمَا مرّ عَن غير وَاحِد إِلَى جعله كفرا فَهَل هَذَا إِلَّا مجازفة فِي دين الله وافتراء عَلَيْهِ فَعَلَيهِ عُقُوبَة ذَلِك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وروى الطَّبَرَانِيّ بِسَنَد مَوْقُوف نظر فِيهِ ابْن كثير عَن عَليّ ﵁: أَنه كَانَ يعلم النَّاس الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ فَيَقُول
стр. 13
دُعَاء طَويلا من جملَته: اللَّهُمَّ افسح لَهُ فِي عدنك وأجزه مضاعفات الْخَيْر من فضلك، مُهنِّئات لَهُ غير مكدِّرات، وَمن نول ثوابك المحلول، وجزيل عطائك الْمَعْلُول، اللَّهم أعْلِ على بِنَاء النَّاس بناءَه وَأكْرم مثواه لديك ونزله، وتمم لَهُ نوره واجزه من انبعاثك لَهُ مَقْبُول الشَّهَادَة مرضِي الْمقَالة ذَا منطق عدل وخطة فصل وبرهان عَظِيم انْتهى. وَهُوَ صَرِيح فِي طلب الزِّيَادَة لَهُ ﷺ . وعدنك جنَّة عدن وعطائك الْمَعْلُول من العل وَهُوَ الشّرْب بعد الشّرْب، يُرِيد أَن عطاءه مضاعف كَأَنَّهُ يعل بِهِ أَي يُعْطِيهِ عَطاء بعد عَطاء وأعل على بِنَاء النَّاس أَي البانين كَمَا فِي رِوَايَة بناه أَي ارْفَعْ فَوق أَعمال العاملين عمله ومثواه منزله ونزله رزقه وخطة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة الْقِصَّة والفصل الْقطع.
وَإِذا جوز جُمْهُور الْعلمَاء كَمَا قَالَه القَاضِي عِيَاض وَغَيره أَن يُقَال رحم الله مُحَمَّدًا وَلم يبالوا بقول جمع لَا يجوز لِأَن الرَّحْمَة غَالِبا إِنَّمَا تكون لفعل مَا يلام لِأَنَّهُ مُخَالف لما صَحَّ أَنه ﷺ فِي عدَّة أَحَادِيث أصَحهمَا فِي التَّشَهُّد السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي ورحمه الله وَبَرَكَاته. وَمِنْهَا إِقْرَاره ﷺ للأعرابي الْقَائِل: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَارْحَمْ مُحَمَّدًا، وَإِنَّمَا أنكر قَوْله وَلَا ترحم مَعنا أحدا بقوله: (لقد تحجرت وَاسِعًا) . وَفِي حَدِيث فِي سَنَده مَجْهُول وَبَقِيَّة رِجَاله رجال الصَّحِيح (وترحم على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا ترحمت على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم) فَلِأَن يجوز الدُّعَاء بِالزِّيَادَةِ من بَاب أولى لِأَن طلبَهَا لَا يشْعر بِمَا يشْعر بِهِ طلب الرَّحْمَة. وَفِي (فتح الْبَارِي) قَالَ أَبُو الْعَالِيَة: معنى صَلَاة الله على نبيه ﷺ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْد الْمَلَائِكَة وَمعنى صَلَاة الْمَلَائِكَة عَلَيْهِ الدُّعَاء وَهَذَا أولى الْأَقْوَال فَيكون معنى سَلام الله تَعَالَى عَلَيْهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ وتعظيمه وَمعنى صَلَاة الْمَلَائِكَة وَغَيرهم طلب ذَلِك لَهُ من الله تَعَالَى وَالْمرَاد طلب الزِّيَادَة لَا أصل الصَّلَاة انْتهى. وَهُوَ صَرِيح فِي أَن صَلَاتنَا عَلَيْهِ طلب الزِّيَادَة لَهُ من الله تَعَالَى وَأَن ذَلِك لَا مَحْذُور فِيهِ وَكَيف لَا وَقد طلب ﷺ الزِّيَادَة فِي دُعَائِهِ إِذْ فِي بعض حَدِيث مُسلم فِي دُعَائِهِ (وَاجعَل الْحَيَاة لي زِيَادَة فِي كل خير) وَقد أمره الله تَعَالَى بِطَلَب الزِّيَادَة فِي الْعلم بقوله عز قَائِلا: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً﴾ [طه: ١١٤] لَو كَانَ طلب الزِّيَادَة يشْعر بِمَا توهمه هَذَا الْمُنكر الغبي الْجَاهِل لما دَعَا بهَا ﷺ وَلما أمره الله بطلبها فَدلَّ ذَلِك على جَوَاز الدُّعَاء لَهُ ﷺ بِالزِّيَادَةِ فِي شرفه بل على ندب ذَلِك واستحسانه فَهُوَ الْحق فاعتمده وَلَا تغتر بِخِلَافِهِ. وَأما قَول شيخ الْإِسْلَام ابْن حجر فِي بعض الْمَوَاضِع هَذَا الدُّعَاء مخترع من بعض أهل الْعَصْر وَلَا أصل لَهُ فِي السّنة فَالظَّاهِر أَنه قَالَه قبل اطِّلَاعه على مَا مر عَنهُ مِمَّا هود صَرِيح فِي أَن لَهُ من السّنة أصلا أصيلاً، ثمَّ رَأَيْت ابْن تَيْمِية سبق البُلْقِينِيّ إِلَى مَا مر عَنهُ وَبَالغ السُّبْكِيّ فِي رده عَلَيْهِ فِي ذَلِك فجزاه الله خيرا وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
١١ - وَسُئِلَ ﵁، فِي حَيَّة الدَّار نقتلها أَو نتحول عَنْهَا: فَإِن قُلْتُمْ ثَلَاثًا فَهَل هِيَ أَيَّام أَو سَاعَات؟ وَهل الْحَيَّات فِي ذَلِك سَوَاء كالأفعاء والروَّاز والثُعبان أم يخْتَص التحوّل بِنَوْع مِنْهَا؟ وَهل حَيَّة الْعمرَان كالبستان والبئر الَّتِي يسقى مِنْهَا الزَّرْع وَالْأَشْجَار حكمهَا حكم حَيَّة الدَّار أم لَا؟ وَهل يكره قتل شَيْء مِنْهَا فِي الْموَات أَو فِي الْعمرَان؟ وَكَيف الَّذِي يَقُولُونَهُ إِذا بَدَت لَهُم؟ وَمَا الْعَهْد الَّذِي أَخذه عَلَيْهَا نوح وَسليمَان صلى الله على نَبينَا وَعَلَيْهِمَا وَسلم؟ فَأجَاب نفع الله بِعُلُومِهِ: اعْلَم أَنه ﷺ أَمر بقتل الْحَيَّات أَمر ندب. روى البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي غَار بمنى وَقد نزلت عَلَيْهِ سُورَة ﴿والمرسلات عرفا﴾ فَنحْن نأخذها من فِيهِ رطبَة إِذْ خرجتْ علينا حَيَّة فَقَالَ: اقتلوها فابتدرنا لنقتلها فسبقتنا، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : وقاكم الله شَرها كَمَا وقاها شركم) وعداوة الْحَيَّة للْإنْسَان مَعْرُوفَة إِذْ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَن الْخطاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [الْبَقَرَة: ٣٨، ٣٦] لآدَم وحواء وإبليس والحية: وَفِي حَيَاة الْحَيَوَان روى قَتَادَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (مَا سالمناهن مُنْذُ عاديناهن) . وَقَالَ ابْن عمر ﵄: من تركهن فَلَيْسَ منا. وَقَالَت عَائِشَة ﵂: من ترك حَيَّة خشيَة من ثارها فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ. وَفِي (مُسْند أَحْمد) عَن النَّبي ﷺ : (من قتل حَيَّة فَكَأَنَّمَا قتل مُشْركًا، وَمن ترك حَيَّة خوف عَاقبَتهَا فَلَيْسَ منا) . وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄: إِن الْحَيَاة مسخ الْجِنّ كَمَا مسخت القردة من بني إِسْرَائِيل، وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْن حبَان هَذَا كُله
стр. 14
فِي غير حيات الْبيُوت، وَأما الْحَيَّات الَّتِي مأواها الْبيُوت فَلَا تقتل حَتَّى تنذر ثَلَاثًا. وَاخْتلف الْعلمَاء هَل المُرَاد ثَلَاثَة أَيَّام أَو ثَلَاث مَرَّات، وَالْأول عَلَيْهِ الْجُمْهُور: أَي فَهُوَ الأولى، وَقد ورد فِي كل مِنْهُمَا حَدِيث. أخرج مَالك وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ: (أَن أَبَا السَّائِب أَرَادَ أَن يقتل حَيَّة بدار أبي سعيد وَهُوَ يُصَلِّي فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَن لَا تفعل، ثمَّ لما قضى صلَاته حَدثهُ وَقد أَشَارَ لَهُ فِي بَيت فِي الدَّار فَقَالَ: كَانَ فِيهِ فَتى حَدِيث عهد بعرس فخرجنا مَعَ رَسُول الله ﷺ إِلَى الخَنْدَق، فَكَانَ ذَلِك الْفَتى يسْتَأْذن رَسُول الله ﷺ بأنصاف النَّهَار يرجع إِلَى أَهله، فاستأذنه يَوْمًا فَقَالَ لَهُ ﷺ : خُذ عَلَيْك سِلَاحك فَإِنِّي أخْشَى عَلَيْك قُرَيْظَة، فَأخذ الرجل سلاحه فَإِذا امْرَأَته بَين الْبَابَيْنِ قَائِمَة فَأَهوى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ ليطعنها بِهِ وأصابته غيرَة فَقَالَت: اكفف رمحك وادخل الْبَيْت حَتَّى تنظر مَا الَّذِي أخرجني، فَدخل فَإِذا بحية عَظِيمَة منطوية على الْفراش فَأَهوى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ فانتظمها بِهِ، ثمَّ خرج بِهِ فركزه فِي الدَّار فاضطربت عَلَيْهِ وخرّ الْفَتى مَيتا، فَمَا يدْرِي أَيهمَا كَانَ أسْرع موتا الْفَتى أم الْحَيَّة؟ قَالَ: فَجِئْنَا النبيّ ﷺ وأخبرناه بذلك وَقُلْنَا: ادْع الله تَعَالَى لَهُ أَن يحييه، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : اسْتَغْفرُوا لصاحبكم، ثمَّ قَالَ ﷺ : إِن بِالْمَدِينَةِ جنا قد أَسْلمُوا فَإِذا رَأَيْتُمْ مِنْهُم شَيْئا فآذنوه ثَلَاثَة أَيَّام فَإِن بدا لكم بعد ذَلِك فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان) وَفِي لفظ: (إِن لهَذِهِ الْبيُوت عوامر فَإِذا رَأَيْتُمْ شَيْئا مِنْهَا فحرِّجوا عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَإِن ذهب وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ كَافِر) . وَأخرج أَبُو دَاوُد عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن الْهَوَام من الْجِنّ من رأى فِي بَيته شَيْئا فليحرج عَلَيْهِ ثَلَاث مَرَّات فَإِن عَاد فليقتله فَإِنَّهُ شَيْطَان) وَأخذ بعض الْعلمَاء من حَدِيث أبي سعيد الأول وَهُوَ قَوْله: (إِن بِالْمَدِينَةِ جناً) إِلَى آخِره أَن الْإِنْذَار ثَلَاثًا خَاص بِالْمَدِينَةِ، وَصحح بعض أَنه عَام فِي كل بَلْدَة لَا تقتل حَتَّى تنذر.
ثمَّ الظَّاهِر أَن الْإِنْذَار مَنْدُوب وَإِن اقْتضى كَلَام بعض الْحَنَابِلَة وُجُوبه حَيْثُ قَالَ: قتل الْحَيَّة بِغَيْر حق لَا يجوز كالإنس وَلَو كَانَ كَافِرًا وَالْجِنّ يتصورون بصور شَتَّى، وحيات الْبيُوت قد تكون جناً فتؤذن ثَلَاثًا فَإِن ذهبت وَإِلَّا قتلت، فَإِنَّهَا إِن كَانَت حَيَّة أَصْلِيَّة قتلت، وَإِن كَانَت حَيَّة جنية فقد أصرت على الْعدوان بظهورها للإنس فِي صُورَة حَيَّة تفزعهم بذلك انْتهى. نعم أفْهَم قَوْله: فقد أصرت على الْعدوان أَن خُرُوجهَا فِي صُورَة الْحَيَّة عدوان وحينئذٍ فَلَا يجب الْإِنْذَار، وَيُؤَيِّدهُ مَا ذكره شيخ الْإِسْلَام ابْن حجر فِي أَبنَاء الْعمرَان عَن الثَّوْريّ الْأنْصَارِيّ الهويّ الْمُتَوفَّى سنة إِحْدَى وَثَمَانمِائَة أَنه خرج عَلَيْهِ ثعبان مهول فَقتله فَاحْتمل فَوْرًا من مَكَانَهُ فَأَقَامَ عِنْد الْجِنّ إِلَى أَن رَفَعُوهُ لقاضيهم فَادّعى عَلَيْهِ وليّ الْمَقْتُول فَأنْكر، فَقَالَ القَاضِي: على أيّ صُورَة كَانَ الْمَقْتُول؟ فَقيل على صُورَة ثعبان فَالْتَفت القَاضِي إِلَى من بجانبه فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (من تزيالكم فَاقْتُلُوهُ) فَأمر القَاضِي بِإِطْلَاقِهِ فَرَجَعُوا بِهِ إِلَى منزله.
وَنَظِير ذَلِك مَا أخرجه ابْن عَسَاكِر فِي (تَارِيخه) : أَن رجلا دخل بعض الخراب ليبول فِيهِ فَإِذا حَيَّة فَقَتلهَا فَمَا هُوَ إِلَّا أَن نزل بِهِ تَحت الأَرْض فاحتوش بِهِ جمَاعَة فَقَالُوا هَذَا قتل فلَانا، فَقَالُوا نَقْتُلهُ، فَقَالَ بَعضهم امضوا بِهِ إِلَى الشَّيْخ، فَمَضَوْا بِهِ إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ شيخ حسن الْوَجْه كَبِير اللِّحْيَة أبيضها فَقَالَ: مَا قصتكم؟ فأخبروه، فَقَالَ فِي أَي صُورَة ظهر؟ فَقَالُوا فِي حَيَّة، فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لنا لَيْلَة الْجِنّ: (وَمن تصور مِنْكُم فِي صُورَة غير صورته فَقتل فَلَا شَيْء على قَاتله) خلوه فخلوني.
وَاعْلَم أَن الِاسْتِدْلَال بِهَذَيْنِ يَنْبَنِي على جَوَاز الرِّوَايَة عَن الْجِنّ وَقد روى عَنْهُم الطَّبَرَانِيّ وَابْن عدي وَغَيرهمَا لَكِن توقف فِي ذَلِك بعض الْحفاظ بِأَن شَرْط الرَّاوِي الْعَدَالَة والضبط، وَكَذَا مدعي الصُّحْبَة شَرطه الْعَدَالَة وَالْجِنّ لَا نعلم عدالتهم مَعَ أَنه ورد الْإِنْذَار بِخُرُوج شياطين يحدثُونَ النَّاس انْتهى. والتوقف مُتَّجه. وعَلى كل حَال فَالَّذِي يَنْبَغِي أَن الْإِنْذَار لَيْسَ بِوَاجِب لِأَن الأَصْل فِي الصُّورَة أَنَّهَا بَاقِيَة على خلقتها الْأَصْلِيَّة، وَقد أهْدر الشَّارِح هَذِه الصُّورَة أَعنِي صُورَة الْحَيَّة بِسَائِر أَنْوَاعهَا وَجعلهَا من الفواسق، وَقد مرّ أول هَذَا الْجَواب التحريض على قَتلهَا، وَهَذَا كُله يَقْتَضِي أَن الْإِنْذَار غير وَاجِب لِأَن كَونهَا صُورَة جنيّ أَمر مُحْتَمل وَلَيْسَ بمحقق، وَالِاحْتِمَال الْمُخَالف للْأَصْل لَا يَقْتَضِي الْوُجُوب لَكِن حَدِيث البُخَارِيّ وَمُسلم يَقْتَضِيهِ، وَلَفظ الأول عَن ابْن أبي ملكية: (أَن ابْن عمر كَانَ يقتل الْحَيَّات ثمَّ نهى قَالَ: إِن النَّبِي ﷺ هدم حَائِطا لَهُ فَوجدَ فِيهِ سلخ حَيَّة،
стр. 15
فَقَالَ: انْظُرُوا أَيْن هُوَ؟ فنظروه فَقَالَ: اقْتُلُوهُ فَكنت أقتلها لذَلِك فَلَقِيت أَبَا لُبابة فَأَخْبرنِي أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: لَا تقتلُوا الْحَيَّات إِلَّا كل أَبتر ذِي طفيتين فَإِنَّهُ يسْقط الْوَلَد وَيذْهب الْبَصَر فَاقْتُلُوهُ) . وَلَفظه عَن نَافِع عَن ابْن عمر: (أَنه كَانَ يقتل الْحَيَّات فحدثه أَبُو لبَابَة أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن قتل حيات الْبيُوت فَأمْسك عَنْهَا) . وَلَفظه عَن سَالم عَن ابْن عمر أَنه سمع النَّبِي ﷺ يخْطب على الْمِنْبَر: (اقْتُلُوا الْحَيَّات واقتلوا ذَا الطفيتين والأبتر فَإِنَّهُمَا يطمسان الْبَصَر ويسقطان الْحمل) . قَالَ عبد الله: فَبَيْنَمَا أطارد حَيَّة لأقتلها فناداني أَبُو لبَابَة لَا تقتلها فَقلت إِن رَسُول الله ﷺ قد أَمر بقتل الْحَيَّات قَالَ إِنَّه نهى بعد ذَلِك عَن ذَوَات الْبيُوت وَهن العوامر) . وَلَفظ الثَّانِي عَن نَافِع قَالَ: (كَانَ عبد الله ﷺ بن عمر ﵄ يَوْمًا عِنْد هدم لَهُ فرأي أَبيض جَان فَقَالَ اتبعُوا هَذَا الجان فَاقْتُلُوهُ، فَقَالَ أَبُو لبَابَة الْأنْصَارِيّ: إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ نهى عَن قتل الجان الَّذِي يكون فِي الْبيُوت إِلَّا الأبتر وَذَا الطفيتين فَإِنَّهُمَا اللَّذَان يخطفان الْبَصَر ويتبعان مَا فِي بطُون النِّسَاء) فَظَاهر قَوْله فِي الأول: (لَا تقتلُوا الْحَيَّات) وَقَوله فِي الثَّانِي: (نهى) حُرْمَة قتل الجان الْمَذْكُور إِلَّا أَن يُقَال غير مَعْمُول بِظَاهِرِهِ من حُرْمَة الْقَتْل وَلَو بعد الْإِنْذَار، وَفِيه مَا فِيهِ إِذْ الْمُطلق فِي هَذِه الرِّوَايَة مَحْمُول على الْمُقَيد فِي غَيرهَا من قَتلهَا بعد الْإِنْذَار مُطلقًا وَبِهَذَا يُقيد أَيْضا. مَا أخرجه أَبُو دَاوُد عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ: (اقْتُلُوا الْحَيَّات إِلَّا الجان الْأَبْيَض الَّذِي كَأَنَّهُ قضيب فضَّة) . وَاعْلَم أَن حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ يَقْتَضِي طلب تقدم الْإِنْذَار فِي سَائِر أَنْوَاع الْحَيَّات، وحينئذٍ يُعَارض مَا مر أول الْجَواب من إِطْلَاق الْأَمر بقتلها. وَقد يُجَاب بِأَن إِطْلَاق الْأَمر بِالْقَتْلِ مَنْسُوخ كَمَا عرف من رِوَايَة البُخَارِيّ السَّابِقَة أَيْضا، وَيحمل هَذَا على مَا إِذا لم يذهب بالإنذار وَإِلَّا قتل جاناً كَانَ أَو غَيره، ويعارض اسْتثِْنَاء الأبتر وَذي الطفيتين إِلَّا أَن يُجَاب بِأَن اسْتثِْنَاء هذَيْن يَقْتَضِي أَن الجني لَا يتصوّر بصورتهما فيسنّ قَتلهمَا مُطلقًا. ثمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيّ نقل ذَلِك عَن الْمَاوَرْدِيّ فَقَالَ: إِنَّمَا أَمر بِقَتْلِهِمَا لِأَن الْجِنّ لَا تتمثل بهما، وَإِنَّمَا نهى عَن ذَوَات الْبيُوت لِأَن الجني يتَمَثَّل بهَا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه ﷺ قَالَ: (اقتلوهما فَإِنَّهُمَا يطمسان الْبَصَر ويسقطان الحبالى) قَالَ الزُّهْرِيّ: ونرى ذَلِك من سمهما، وَظَاهر الْأَحَادِيث السَّابِقَة اخْتِصَاص طلب الْإِنْذَار بعامر الْبيُوت وَهُوَ مُحْتَمل، وَيحْتَمل أَنه إِنَّمَا خص بذلك لِأَنَّهُ يتَأَكَّد فِيهِ أَكثر وَإِلَّا فالعلة الْمَعْلُومَة مِمَّا مر تَقْتَضِي طلب الْإِنْذَار فِيمَا عدا الأبتر وَذَا الطفيتين سَوَاء كَانَت عَامر بَيت أَو بُسْتَان أَو بِئْر أَو غَيرهَا وَالتَّعْبِير بذوات الْبيُوت وَهن العوامر فِي رِوَايَة البُخَارِيّ السَّابِقَة كَأَنَّهُ للْغَالِب. وَلَا يُنَافِي مَا مر من عدم وجوب الْإِنْذَار مَا أخرجه أَبُو الشَّيْخ وَابْن أبي الدُّنْيَا أَن عَائِشَة ﵂ أمرت بقتل جَان أَو حَيَّة فَقيل لَهَا إِنَّه مِمَّن اسْتمع الْوَحْي مَعَ النَّبِي ﷺ فتصدقت بِاثْنَيْ عشر ألف دِرْهَم وَفِي رِوَايَة: أعتقت أَرْبَعِينَ رَأْسا وَذَلِكَ لِأَنَّهَا إِنَّمَا فعلت ذَلِك تورعاً كَمَا هُوَ ظَاهر. وَبِمَا تقرر علم أَنه لَا يطْلب التَّحَوُّل من الدَّار لأجل مَا ظهر من الْحَيَّات فِيهَا بل تنذر ثَلَاثًا فَإِن ذهبت وَإِلَّا قتلت، وَإِن الثَّلَاث ثَلَاثَة أَيَّام عِنْد الْجُمْهُور وَثَلَاث سَاعَات عِنْد غَيرهم، وَأَن سَائِر الْحَيَّات العوامر فِي ذَلِك سَوَاء إِلَّا الأبتر وَذَا الطفيتين، وَلما مر فيهمَا وحيات الْبيُوت كَذَلِك لما مر فيهمَا، وَأَن حيات غير الْبيُوت لَا يبعد إلحاقها بحيات الْبيُوت، وَأَن كَيْفيَّة الْكَلَام الَّذِي يُقَال عِنْد الْإِنْذَار. مَا أخرج أَبُو دَاوُد عَن أبي ليلى: (أَن رَسُول الله ﷺ سُئِلَ عَن حيات الْبيُوت فَقَالَ: إِذا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئا فِي مَسَاكِنكُمْ فَقولُوا: أنشدكن الْعَهْد الَّذِي أَخذ عليكن نوح، أنشدكن الْعَهْد الَّذِي أَخذ عليكن سُلَيْمَان أَن لَا تؤذونا فَإِن عدن فاقتلوهن) وَذكر الحَدِيث فِي (أُسد الغابة) عَن أبي ليلى بِلَفْظ: (إِذا ظَهرت الْحَيَّة فِي الْمسكن فَقولُوا لَهَا: إِنَّا نَسْأَلك بِعَهْد نوح ﵇ وبعهد سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ لَا تؤذينا فَإِن عَادَتْ فاقتلوها) ثمَّ رَأَيْت الطَّحَاوِيّ من أَئِمَّة الحَدِيث وَالْفِقْه على مَذْهَب أبي حنيفَة رحمهمَا الله صرح بِمَا قَدمته من أَن الْإِنْذَار غير وَاجِب. وَعبارَته لَا بَأْس بقتل الْجَمِيع وَالْأولَى بعد الْإِنْذَار انْتَهَت، وَهِي غير صَرِيحَة فِيمَا قَدمته أَيْضا من أَن الْإِنْذَار مَنْدُوب فِي الْجَمِيع وَإِنَّمَا استثنيت مِنْهُ النَّوْعَيْنِ السَّابِقين أخذا بِالْحَدِيثِ وَالْعلَّة كَمَا مر، وَيُؤْخَذ من عِبَارَته أَيْضا أَن مَا نقل عَن الْحَنَفِيَّة من أَنه لَا يَنْبَغِي أَن تقتل الْحَيَّة الْبَيْضَاء لِأَنَّهَا من الجان مَحْمُول على أَن سَبَب
стр. 16
تخصيصها بذلك أَن ظن كَونهَا من الْجِنّ أقوى من ظن كَونهَا من بَقِيَّة الْحَيَّات فخصت ليَكُون الْإِنْذَار، وتجنب الْقَتْل مِنْهُم فِي حَقّهَا آكِد مِنْهُ فِي حق غَيرهَا. وَأما تَفْصِيل الْعَهْد الَّذِي أَخذه نوح وَالَّذِي أَخذه سُلَيْمَان فَلم أرَ أحدا صرح بِهِ على أَنه لَا حَاجَة للتصريح بِهِ إِذْ لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ كَبِير فَائِدَة وَلم أرَ أحدا بسط الْكَلَام على هَذِه الْمَسْأَلَة كَمَا ذكرته وَلَا قَرِيبا مِنْهُ، وَإِنَّمَا غايتهم أَن يذكرُوا بعض مَا مر من الْأَحَادِيث وَأَن الْإِنْذَار ثَلَاثَة أَيَّام أَو سَاعَات وَهل يخْتَص بِالْمَدِينَةِ أَو لَا. وَأما الْكَلَام على الْأَحَادِيث وَبَيَان تعارضها وَمَا تدل عَلَيْهِ من وجوب الْإِنْذَار أَو نَدبه فأغفلوه على أَنه من الْمُهِمَّات الَّتِي يتَأَكَّد الاعتناء بهَا وبذل الْجهد فِيهَا، وَلَعَلَّ أَن نظفر بِكَلَام أحد من الْأَئِمَّة المعتبرين يُوَافق مَا ذكرته أَو يُخَالِفهُ وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. ثمَّ أجبْت عَن هَذَا السُّؤَال بِجَوَاب آخر وَهُوَ لَا يَنْبَغِي أَن تقتل حَيَّة الدَّار ابْتِدَاء، بل إِنَّمَا تقتل بعد الْإِنْذَار فِي الْمَدِينَة الشَّرِيفَة على مشرفها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَغَيرهَا على الْأَصَح وَخبر مُسلم الْمُقْتَضِي للتخصيص بهَا غير مُرَاد بِهِ ظَاهره لأحاديث أخر مقتضية للتعميم. وَاخْتلف الْعلمَاء هَل ينذرها ثَلَاثَة أَيَّام أَو ثَلَاث مَرَّات وَلَو فِي سَاعَة وَاحِدَة؟ وجمهورهم على الأول وَلَعَلَّه لبَيَان الْأَفْضَل والأكمل، وَإِلَّا فَأصل طلب الْإِنْذَار يحصل بِثَلَاث مَرَّات، كَمَا ورد فِي حَدِيث وَإِن كَانَ حَدِيث الأول أصح، وَلم أرَ فِي الْأَحَادِيث مَا يدل على طلب التَّحَوُّل من الدَّار لأَجلهَا، وَإِنَّمَا الَّذِي فِي الْأَحَادِيث مَا تقرر من أَنَّهَا تنذر فَإِن ذهبت وَإِلَّا قتلت لِأَنَّهَا شَيْطَان كَمَا فِي رِوَايَة (أَو كَافِر) كَمَا فِي أُخْرَى، وَورد فِي أَحَادِيث مَا يَقْتَضِي أَن جَمِيع أَنْوَاع الْحَيَّة كَذَلِك لَكِن فِي بَعْضهَا اسْتثِْنَاء الأبتر وَذي الطفيتين، وَعلله ﷺ فِي حَدِيثهمَا فِي (الصَّحِيحَيْنِ) بِأَنَّهُمَا يطمسان الْبَصَر ويسقطان الْجَنِين. قَالَ الزُّهْرِيّ: نرى ذَلِك من سمهما، وَورد فِي أَحَادِيث أخر مَا يَقْتَضِي اخْتِصَاص طلب الْإِنْذَار بحيات الْبيُوت، وَظَاهر كَلَام بعض الْأَئِمَّة الْأَخْذ بِهَذَا الْمُقْتَضى وَأَن حيات غير الْبيُوت تقتل مُطلقًا، وَالَّذِي يتَّجه أَن التَّقْيِيد بعوامر الْبيُوت فِي حَدِيث، وَبِقَوْلِهِ ﷺ (من رأى فِي بَيته) فِي حَدِيث آخر إِنَّمَا هُوَ للْغَالِب أَو لمزيد التَّأْكِيد وَإِلَّا فعلة طلب الْإِنْذَار من احْتِمَال أَنَّهَا صُورَة جني كَمَا دلّت عَلَيْهِ الْأَحَادِيث قاضية بِأَنَّهُ لَا فرق فيطلب الْإِنْذَار فِي الْبَيْت والبستان وَغَيرهمَا وَبعد الْإِنْذَار يقتل حَتَّى الْأَبْيَض الَّذِي كالفضة، وَمَا ورد عَن ابْن مَسْعُود ﵁ مِمَّا يَقْتَضِي عدم قَتله مُطلقًا يحمل على مَا إِذا لم ينذر وَأَن الْإِنْذَار يتَأَكَّد فِيهِ لِأَنَّهُ أقرب إِلَى صُورَة الْجِنّ من غَيره وَكَذَلِكَ يحمل على هَذَا حَدِيث مُسلم (أَنه ﷺ نهى عَن قتل الجان إِلَّا الأبتر وَذَا الطفيتين) . وَفِي حَدِيث مُرْسل عِنْد أبي دَاوُد وَغَيره أَن كَيْفيَّة الْإِنْذَار (أنشدكن الْعَهْد الَّذِي أَخذ عليكن نوح، أنشدكن الْعَهْد الَّذِي أَخذ عليكن سُلَيْمَان أَن لَا تؤذونا) ، وَلم أرَ من بَين هَذَا الْعَهْد مَعَ أَنه لَا حَاجَة لبيانه لِأَن المُرَاد أَن كلا من النَّبِيين صلى الله على نَبينَا وَعَلَيْهِمَا وَسلم ألزموا الْجِنّ بِأَنَّهُم لَا يُؤْذونَ الْإِنْس فمؤمنهم يُرَاعِي ذَلِك الْإِلْزَام إِذا ذكرتهم وكافرهم لَا يعبأ بِهِ فَيقْتل بعده لِأَنَّهُ إِن كَانَ جنياً فَهُوَ كَافِر وَإِن كَانَ حَيَّة أَصْلِيَّة فَهُوَ مهدر وكل مِنْهُم يقتل شرعا، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
١٢ - وَسُئِلَ فسح الله فِي مدَّته فِي خطيب يَقُول فِي خطبَته: إِن الْأَوْلِيَاء يردون الْحَوْض مَعَ النَّبِي ﷺ قبل الْأَنْبِيَاء، وَضرب لذَلِك مثلا من أَحْوَال الدُّنْيَا وَهُوَ أَن الرجل الْعَظِيم قد يصل أَتْبَاعه إِلَى منزله قبل من هُوَ أشرف مِنْهُم لقربهم إِلَيْهِ فَهَل مَا قَالَه صَحِيح؟ فَأجَاب متع الله بحياته: مَا ذكره هَذَا الْخَطِيب إِنَّمَا يتم إِن ثَبت أَن الْأَنْبِيَاء يردون حَوْض النَّبي ﷺ ، وَلم أر مَا يدل لذَلِك بعد الفحص والاطلاع على الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْحَوْض عَن بضع وَخمسين صحابياً لَيْسَ هَذَا مَحل بسطها بل الَّذِي رَأَيْته يدل لخلافه. فقد صرح التِّرْمِذِيّ عَن سَمُرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن لكل نَبِي حوضاً وَإِنَّهُم يتباهون أَيهمْ أَكثر وَارِدَة، وَإِنِّي أَرْجُو أَن أكون أَكْثَرهم وَارِدَة) . وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن سَمُرَة بن جُنْدُب ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (إِن الْأَنْبِيَاء يتباهون أَيهمْ أَكثر أصحاباً من أمته فأرجو أَن أكون يومئذٍ أَكْثَرهم كلهم وَارِدَة، وَإِن كل نَبِي مِنْهُم يومئذٍ قَائِم على حَوْض ملآن مَعَه عَصا يَدْعُو من عرف من أمته، وَلكُل أمة نَبِي سِيمَا يعرفهُمْ بهَا نَبِيّهم) فهذان الحديثان صريحان فِي أَن لكل نَبِي حوضاً مُسْتقِلّا ترده أمته، وحينئذٍ فَلَا يتم لهَذَا الْخَطِيب مَا ذكره فَيُطَالب بمستنده فِي هَذِه الْمقَالة فَإِن بَين مَا يصلح مُسْتَندا
стр. 17
لذَلِك فَلَا ملام عَلَيْهِ، بل هُوَ محسن مطلع، وَإِن لم يبين ذَلِك أدب لمجازفته فِي الدّين التَّأْدِيب الشَّديد، لينزجر عَن الْخَوْض فِي الْحَوْض وَعَن هَذَا الْأَمر الصعب فَإِن أُمُور الْآخِرَة من المغيبات عَنَّا فَلَا يجوز لنا أَن نقدم على الْإِخْبَار بِشَيْء مِنْهَا إِلَّا إنْ صَحَّ سَنَده عَن النَّبِي ﷺ ، وَأَن مَا لَا يَصح سَنَده لَا يجوز ذكره إِلَّا مَعَ بَيَان ضعفه أَو مخرجه، وَأما الْجَزْم كَمَا وَقع لهَذَا الْخَطِيب فَلَا يجوز إِلَّا بِمَا علمت صِحَّته عَن النَّبِي ﷺ ، ثمَّ ظَاهر قَوْله: إِن الْوَلِيّ قد يبلغ دَرَجَة النَّبِي ﷺ مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى الْكفْر، فَإِن من اعْتقد أَن الْوَلِيّ يبلغ مرتبَة النَّبِي ﷺ فقد كفر فليحذر هَذَا الْخَطِيب الْخَوْض فِي نَحْو ذَلِك من الْمسَائِل المشكلة فَإِن منْ لم يتضلع من الْعُلُوم السمعية والنظرية يكون خَطؤُهُ أَكثر من صَوَابه، نسْأَل الله التَّوْفِيق.
وَأخرج ابْن أبي عَاصِم فِي (الْمسند) عَن عَليّ كرم الله وَجهه سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (أول من يرد عليّ الْحَوْض أهل بَيْتِي وَمن أَحبَّنِي من أمتِي) . وَفِي حَدِيث مُسلم: (ترد عليّ أمتِي الْحَوْض يَوْم الْقِيَامَة آنيته عدد الْكَوَاكِب يختلج العَبْد مِنْهُم، فَأَقُول يَا رب إِنَّه من أمتِي، فَيَقُول: إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أحدث بعْدك) وَفِي رِوَايَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ: (لَا يشرب مِنْهُ من أَخْفَر ذِمَّتِي وَلَا من قتل أحدا من أهل بَيْتِي) . وروى مُسلم وَأحمد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه عَن ثَوْبَان ﵁ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (حَوْضِي من عدن إِلَى عمان مَاؤُهُ أَشد بَيَاضًا من اللَّبن وَأحلى من الْعَسَل، وأكؤسه عدد نُجُوم السَّمَاء من شرب مِنْهُ شربة لَا يظمأ بعْدهَا أبدا أول النَّاس على وروداً فُقَرَاء الْمُهَاجِرين، فَقَالَ عمر: من هم يَا رَسُول الله؟ قَالَ: الشعث رؤوساً الدُنُس ثيابًا لَا ينْكحُونَ المنعمَّات وَلَا تفتح لَهُم السدد) أَي أَبْوَاب السلاطين. وَفِي رِوَايَة لمُسلم وَابْن مَاجَه: (إِنِّي لأذود عَنهُ الرِّجَال كَمَا يذود الرجل الْإِبِل الغريبة عَن حَوْضه قيل: يَا رَسُول الله أَو تعرفنا؟ قَالَ: نعم، تردون عَليّ غُرَّا محجلين من أثر الْوضُوء لَيست لأحد غَيْركُمْ) . وَأخرج أَحْمد وَالْحَاكِم: (مَا أَنْتُم بِجُزْء من مائَة ألف جُزْء مِمَّن يرد عليّ الْحَوْض يَوْم الْقِيَامَة) . وَفِي هَذِه إِشَارَة إِلَى كَثْرَة أمته ﷺ . وَأخرج الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره: (حَوْضِي أشْرب مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة) وَأخرج ابْن حبَان وَالطَّبَرَانِيّ: (لتزدحم هَذِه الْأمة على الْحَوْض ازدحام الْإِبِل إِذا وَردت لخمس) . وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم عَن كَعْب بن عجْرَة أَن النَّبِي ﷺ خرج عَلَيْهِم فَقَالَ: (إِنَّه سَيكون أُمَرَاء بعدِي فَمن دخل عَلَيْهِم فَصَدَّقَهُمْ بكذبهم وَأَعَانَهُمْ على ظلمهم فَلَيْسَ مني وَلست مِنْهُ، وَلَيْسَ بوارد على الْحَوْض وَمن لم يدْخل عَلَيْهِم وَلَا يعينهم على ظلمهم وَلم يُصدقهُمْ بكذبهم فَهُوَ مني وَأَنا مِنْهُ وَهُوَ وَارِد على الْحَوْض) . [فَائِدَة] نقل الْقُرْطُبِيّ عَن الْعلمَاء أَنه يطرد عَن الْحَوْض من ارْتَدَّ أَو أحدث بِدعَة كالروافض والظلمة المسرفين فِي الْجور والمعلن بِالْمَعَاصِي، ثمَّ الطَّرْد للْمُسلمِ قد يكون فِي حَال، وَقد يشرب مِنْهُ ذُو الْكَبِيرَة، ثمَّ إِذا دخل النَّار لَا يعذب بالعطش اه مُلَخصا، وَهَذَا بِنَاء على أَن الْحَوْض قبل الصِّرَاط. وَالَّذِي رَجحه القَاضِي عِيَاض أَنه بعده وَأَن الشّرْب مِنْهُ بعد الْحساب والنجاة من النَّار، وأيده الْحَافِظ ابْن حجر بِأَن ظَاهر الْأَحَادِيث أَن الْحَوْض بِجَانِب الْجنَّة لينصبّ فِيهِ المَاء من النَّهر الَّذِي داخلها فَلَو كَانَ قبل الصِّرَاط لحالت النَّار بَينه وَبَين المَاء الَّذِي ينصب من الْكَوْثَر، وَلَا يُنَافِيهِ أَن جمعا يدْفَعُونَ عَنهُ بعد رُؤْيَته إِلَى النَّار لأَنهم يقربون مِنْهُ بِحَيْثُ يرونه فيدفعون فِي النَّار قبل أَن يخلصوا من بَقِيَّة الصِّرَاط وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
١٣ - وَسُئِلَ أمدنا الله من مدده: فِي قَول الإِمَام النَّوَوِيّ فِي الْأَذْكَار: بَاب مَا يَقُول إِذا رأى قَرْيَة يُرِيد دُخُولهَا أَو لَا يُريدهُ، وَذكر فِي ذَلِك حديثين مقيدين بِالدُّخُولِ، وَلم يذكر لعدم إِرَادَة الدُّخُول حَدِيثا، وَقد ذكره فِي تَرْجَمَة الْبَاب فَهَل الذّكر يفهم يَا سَيِّدي من سِيَاق الْحَدِيثين الْمَذْكُورين أَو من أَحدهمَا، عدم التَّقْيِيد بِإِرَادَة الدُّخُول أم لَا؟ وَيكون عدم تَقْيِيد الذّكر بِالدُّخُولِ فهمه النَّوَوِيّ من غير هذَيْن الْحَدِيثين اللَّذين أوردهما، وَرُبمَا يرى الْإِنْسَان فِي تراجم أَبْوَاب الرياض والأذكار شَيْئا زَائِدا على الْأَحَادِيث الَّتِي يَسُوقهَا فِي ذَلِك الْبَاب فَهَل ذَلِك لدقة فهمه من الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة على من لَيْسَ لَهُ خبْرَة بِالْحَدِيثِ أَو إِنَّمَا زَاده الإِمَام النَّوَوِيّ لما قَامَ عِنْده من غير الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة؟ أفتونا مَأْجُورِينَ أثابكم الله النَّعيم الأبدي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بمنه وَكَرمه آمين؟ فَأجَاب ﵁: إِنَّمَا ذكر النَّوَوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي التَّرْجَمَة عدم إِرَادَة الدُّخُول مَعَ التَّقْيِيد بإرادته فِي الحَدِيث للْإِشَارَة إِلَى أَن التَّقْيِيد بِإِرَادَة الدُّخُول فِي الحَدِيث
стр. 18
لَيْسَ لَهُ مَفْهُوم نظرا للمعنى الَّذِي ندب لأَجله أَن يُقَال ذَلِك، وَذَلِكَ الْمَعْنى هُوَ خيفة الْإِيذَاء من سَاكِني ذَلِك الْمحل وَغَيرهم مِمَّا فِيهِ من الأفاعي وَالْجِنّ والجمادات، وَإِذا تقرر أَن هَذَا هُوَ السَّبَب الْحَامِل على الْإِتْيَان بِهَذَا الذّكر اتَّضَح أَن ذكر إِرَادَة الدُّخُول فِي الحَدِيث لَا مَفْهُوم لَهُ لِأَنَّهُ خرج مخرج الْغَالِب على أَنه فِي (شرح الْمُهَذّب) جرى على ظَاهر الحَدِيث فَقَالَ: يسْتَحبّ إِذا أشرف على قَرْيَة يُرِيد دُخُولهَا أَو منزل أَن يَقُول: اللَّهم إِنِّي أَسأَلك خَيرهَا إِلَخ لكنه فِي هَذَا التَّعْبِير أَشَارَ إِلَى استنباط آخر، وَهُوَ أَن التَّعْبِير بالقرية فِي الحَدِيث لَيْسَ للاشتراط بل للْغَالِب فَلِذَا ألحق سَائِر الْمنَازل بهَا فِي ندب الدُّعَاء الْمَذْكُور عِنْد الإشراف عَلَيْهِ، وَإِن لم تكن قَرْيَة. فاستفيد من مَجْمُوع كَلَامه فِي الْكِتَابَيْنِ أَن التَّقْيِيد بِإِرَادَة الدُّخُول وبالقرية فِي الحَدِيث لَا مَفْهُوم لَهُ وَأَن الْمنزل كالقرية وَعدم إِرَادَة الدُّخُول كإرادته، وَالْحَامِل لَهُ على ذَلِك وَالله أعلم مَا ذكرته من أَن الْمَعْنى الَّذِي طلب لأَجله هَذَا الدُّعَاء مَوْجُود عِنْد رُؤْيَة الْقرْيَة والمنزل وَعند إِرَادَة الدُّخُول وَعدمهَا إِذْ النَّفس تخشى من مَحل اجْتِمَاع النَّاس ومنازلهم وَمَا يتبعهُم أَن يلْحقهَا من ذَلِك نوع ضَرَر فشرع لَهَا هَذَا الدُّعَاء تطميناً لَهَا وإرشاداً إِلَى مزِيد شُهُود الافتقار والضعف والذلة ليَكُون ذَلِك متكفلاً لَهَا بالسلامة من كل مؤذ. وَبِمَا تقرر علم حسن صَنِيع النَّوَوِيّ ودقة فهمه فِي الحَدِيث وَبَالغ إشاراته إِلَى حقائقه، وَهَكَذَا يُقَاس بِمَا قُلْنَاهُ مَا يَقع لَهُ من نَظِير ذَلِك أَفَاضَ الله علينا من بَرَكَات أنفاسه الطاهرة وحشرنا فِي زمرته وعَلى قدمه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ومنّ علينا بِرِضَاهُ فِي هَذِه الدَّار إِلَى أَن نَلْقَاهُ إِنَّه هُوَ الْجواد الرَّحِيم، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم بِالصَّوَابِ.
١٤ - وَسُئِلَ ﵁: هَل خلقت الأَرْض قبل السَّمَاء؟ فَأجَاب نفع الله بِعُلُومِهِ وبركته: نعم كَمَا صَحَّ فِي البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ وَالْقُرْآن نَاطِق بِهِ. وَأجَاب عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿أَءَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَآءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧] الْآيَة؛ بِأَن الأَرْض خلقت أَولا كالخبزة وخلقت السَّمَاء بعْدهَا ثمَّ هيأ الأَرْض ودحاها، وَالله أعلم.
١٥ - وَسُئِلَ ﵁: هَل اللَّيْل أفضل من النَّهَار؟ فَأجَاب فسح الله فِي مدَّته: قَالَ جمَاعَة: النَّهَار أفضل من اللَّيْل لما فِيهِ من فضل الِاجْتِمَاع على الْقُرْآن وَالذكر. وَقَالَ آخَرُونَ: بل اللَّيْل أفضل إِذْ لَيْلَة الْقدر خير من ألف شهر، وَلَيْسَ لنا يَوْم خيرا من ألف شهر، وَيدل لَهُ قَوْلهم: لَو قَالَ أَنْت طَالِق فِي أفضل الْأَوْقَات طلقت لَيْلَة الْقدر، واختصاصه بالتجلي الْأَكْبَر وبالمعراج، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم.
١٦ - وَسُئِلَ ﵁: هَل الْعَرْش أفضل من الْكُرْسِيّ؟ فَأجَاب ﵀ بقوله: نعم كَمَا صرح بِهِ ابْن قُتَيْبَة، وَصرح أَيْضا بِأَن الْكُرْسِيّ أفضل من السَّمَاء، وَأَن الشَّام أفضل من الْعرَاق، وَبِأَن الْحجر أفضل من الرُّكْن الْيَمَانِيّ، وَهُوَ أفضل الْقَوَاعِد، وَالله أعلم.
١٧ - وَسُئِلَ نفع الله تَعَالَى بِعُلُومِهِ: هَل اللَّيْل فِي السَّمَاء كالأرض؟ فَأجَاب ﵁ بقوله: الَّذِي دلّت عَلَيْهِ الْآيَات القرآنية أَنه من خَواص أهل الأَرْض، لِأَن الله تَعَالَى امتن بِهِ علينا رَاحَة لنا لأَنا نتعب ونمل بِخِلَاف أهل السَّمَاء؛ وَمعنى ﴿يُسَبِّحُونَ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٢٠] أَنهم دائمون على ذَلِك فكنى بذلك عَن الدَّوَام وَوُقُوع الْمِعْرَاج لَيْلًا إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لأهل الأَرْض وَالله سُبْحَانَهُ أعلم.
١٨ - وَسُئِلَ ﵁: فِي رجل لَيست لَهُ معرفَة تَامَّة بالطب وَيَجِيء إِلَيْهِ أَصْحَاب الْعِلَل فَينْظر فِي كتب الطِّبّ فَمَا وجده مُوَافقا طِبًّا لطبعه داوى بِهِ وَلم يدر تشخيص الْعلَّة لصَاحب الْعلَّة بل قَالَ لَهُ: افْعَل فَمنهمْ من يبرأ وَمِنْهُم من لَا، فَمَا الحكم فِي ذَلِك وَمَا حكم الْمَأْخُوذ مِنْهُم بِالرِّضَا؟ فَأجَاب نفع الله بِعُلُومِهِ وبركته: من يطالع كتب الطِّبّ وَيذكر للنَّاس مَا فِيهَا من غير أَن يتشخص الْعلَّة فقد جازف وتجرأ على إِفْسَاد أبدان النَّاس وإلحاق الضَّرَر بهم، لِأَن من لَا يتشخص الْعلَّة وَلَا يتَيَقَّن كليات علم الطّلب لَا يجوز لَهُ أَن يُفْتِي بِشَيْء من جزئياته لِأَن الجزئيات لَا يضبطها إِلَّا الكليات، ومِنْ ثمَّ قَالَ بعض حذاق الْأَطِبَّاء: كتبنَا قاتلة للفقهاء أَي إِنَّهُم يرَوْنَ فِيهَا أَن الشَّيْء الْفُلَانِيّ دَوَاء لِلْعِلَّةِ الْفُلَانِيَّة فيستعملونه لتِلْك الْعلَّة غافلين عَن أَن فِي الْبدن عِلّة خُفْيَة تضَاد ذَلِك الدَّوَاء فَيكون الْقَتْل حينئذٍ من حَيْثُ ظنوه نَافِعًا، وحينئذٍ فَلَا يصلح ذَلِك الدَّوَاء إِلَّا لمن علم أَنه لَيْسَ فِي الْبدن مضاد لَهُ، وَلَا يُحِيط بذلك إِلَّا الطَّبِيب الماهر الَّذِي أَخذ الْعلم عَن الصُّدُور لَا عَن السطور، وَلَا خُصُوصِيَّة لعلم الطِّبّ بذلك بل كل من أَخذ الْعلم عَن السطور كَانَ ضَالًّا مضلاً وَلذَا قَالَ النَّوَوِيّ ﵀: من رأى الْمَسْأَلَة فِي عشرَة كتب مثلا لَا يجوز لَهُ الْإِفْتَاء بهَا لاحْتِمَال أَن تِلْكَ الْكتب كلهَا مَاشِيَة على قَول أَو طَرِيق ضَعِيف، ثمَّ هَذَا الطَّبِيب إِذا
стр. 19
داوى ظنا مِنْهُ أَنه ينفع فَكَانَ مضراً فَلَا شَيْء عَلَيْهِ غير الْإِثْم الشَّديد وَالْعَذَاب الْعَظِيم فِي دَار الْوَعيد فليتق الله وَيرجع عَن ذَلِك وَإِلَّا فَهُوَ من أهل المهالك، وَأما مَا يَأْخُذهُ مِنْهُم فَهُوَ محرم عَلَيْهِ أكله لأَنهم لم يسمحوا لَهُ بِهِ إِلَّا ظنا مِنْهُم أَنه يعرف مَا يصفه من الْأَدْوِيَة وَغَيرهَا، وَلَو علمُوا أَنه معاقب آثم بِمَا يَفْعَله لم يُعْطه أحد شَيْئا فَهُوَ آخذ لَهُ بالغش والبهتان والجور والعدوان، وَالله أعلم.
١٩ - وَسُئِلَ ﵁، مَا حكم كتب العزائم وتعليقها على الصّبيان وَالدَّوَاب؟ فَأجَاب ﵁: وفسح فِي مدَّته: يجوز كتب العزائم الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَيْء من الْأَسْمَاء الَّتِي لَا يعرف مَعْنَاهَا، وَكَذَلِكَ يجوز تَعْلِيقهَا على الْآدَمِيّين وَالدَّوَاب، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم بِالصَّوَابِ.
٢٠ - وَسُئِلَ نفع الله بِعُلُومِهِ: السُّؤَال عَن النحس والسعد وَعَن الْأَيَّام والليالي الَّتِي تصلح لنَحْو السّفر والانتقال مَا يكون جَوَابه؟ فَأجَاب ﵁: من يسْأَل عَن النحس وَمَا بعده لَا يُجَاب إِلَّا بِالْإِعْرَاضِ عَنهُ وتسفيه مَا فعله وَيبين لَهُ قبحه، وَأَن ذَلِك من سنة الْيَهُود لَا من هدي الْمُسلمين المتوكلين على خالقهم وبارئهم الَّذين لَا يحسبون وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ، وَمَا ينْقل من الْأَيَّام المنقوطة وَنَحْوهَا عَن عَليّ كرم الله وَجهه بَاطِل كذب لَا أصل لَهُ فليحذر من ذَلِك وَالله أعلم.
٢١ - وسئلت: هَل كل محتضر يرى ملك الْمَوْت ﵇ صَغِير وكبير وأعمى وبصير آدَمِيّ وَغَيره؟ فَأُجِيب بِقَوْلِي: ورد مَا يدل على مُعَاينَة المحتضر الَّذِي لم يمت فَجْأَة لملك الْمَوْت أَو بعض أعوانه؛ فَمن ذَلِك حَدِيث أبي نعيم أَنه ﷺ قَالَ: (احضروا مَوْتَاكُم ولقنوهم لَا إِلَه إِلَّا الله وبشروهم بِالْجنَّةِ فَإِن الْحَلِيم من الرِّجَال وَالنِّسَاء يتحير عِنْد ذَلِك المصرع، وَإِن الشَّيْطَان أقرب مَا يكون من ابْن آدم عِنْد ذَلِك المصرع، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لمعاينة ملك الْمَوْت أشدّ من ألف ضَرْبَة بِالسَّيْفِ) . فَقَوله: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لمعاينة ملك الْمَوْت إِلَخ) الَّذِي وَقع كالتعليل لما قبله من طلب التَّلْقِين وَمَا مَعَه لكل من حَضَره الْمَوْت يومىء إِلَى أَن كل محتضر يطْلب تلقينه يعاين ملك الْمَوْت وَإِلَّا لم يكن للحلف على ذَلِك بل وَلَا لذكره مُنَاسبَة لهَذَا الْمقَام أَلْبَتَّة، وَفِي حَدِيث (إِن ملك الْمَوْت إِذا سمع الصُّرَاخ يَقُول: يَا وَيْلكُمْ مِم الْجزع وفيم الْجزع؟ مَا أذهبت لوَاحِد مِنْكُم رزقا وَلَا قربت لَهُ أَََجَلًا وَلَا أَتَيْته حَتَّى أُمرت، وَلَا قبضت روحه حَتَّى استأمرت، وَإِن لي فِيكُم عودة ثمَّ عودة ثمَّ عودة حَتَّى لَا أبقى مِنْكُم أحدا. قَالَ ﷺ : وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو يرَوْنَ مَكَانَهُ أَو يسمعُونَ كَلَامه لذهلوا عَن ميتهم ولبكوا على أنفسهم) الحَدِيث. وَفِي حَدِيث آخر: (أَنه ﷺ نظر لملك الْمَوْت عِنْد رجل من الْأَنْصَار فَقَالَ: ارْفُقْ بصاحبنا فَإِنَّهُ مُؤمن، فَقَالَ ملك الْمَوْت ﵇: يَا مُحَمَّد طب نفسا وقر عينا فَإِنِّي بِكُل مُؤمن رَفِيق. وَاعْلَم أَن مَا من أهل بَيت مدر وَلَا شعر فِي بر وَلَا بَحر إِلَّا وَأَنا أتصفحهم فِي كل يَوْم خمس مَرَّات حَتَّى لأَنا أعرف بصغيرهم وَكَبِيرهمْ مِنْهُم بِأَنْفسِهِم، وَالله يَا مُحَمَّد لَو أَنِّي أردْت أَن أَقبض روح بعوضة مَا قدرت على ذَلِك حَتَّى يكون الله هُوَ الْآمِر بقبضها) . قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَفِي هَذَا الْخَبَر مَا يدل على أَن ملك الْمَوْت هُوَ الْمُوكل بِقَبض كل ذِي روح وَأَن تصرفه كُله بِأَمْر الله وبخلقه وإرادته وَلَا يُنَافِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأٌّنفُسَ حِينَ مِوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] وَقَوله: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الْأَنْعَام: ٦١] وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَائِكَةُ﴾ [الْأَنْفَال: ٥٠] . وَمَا فِي حَدِيث: (إِن الْبَهَائِم كلهَا يتَوَلَّى الله أرواحها دون ملك الْمَوْت) وَذَلِكَ لِأَن ملك الْمَوْت يقبض الْأَرْوَاح والأعوان يعالجون وَالله هُوَ الَّذِي يزهق الرّوح وَبِهَذَا يجمع بَين الْآيَات وَالْأَخْبَار لَكِن لما كَانَ ملك الْمَوْت يتَوَلَّى ذَلِك بالوساطة والمباشرة أضيف التوفي إِلَيْهِ كَمَا أضيفت الْخلق للْملك فِي خبر مُسلم: (إِذا مر بالنطفة ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَة بعث الله إِلَيْهَا ملكا فصوّرها وَخلق سَمعهَا وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها) . وَفِي حَدِيث آخر: (إِن ملك الْمَوْت قَالَ للنَّبي ﷺ لَيْلَة الْإِسْرَاء بعد كَلَام طَوِيل: فَإِذا نفذ أجل عبد نظرت إِلَيْهِ زِيَادَة فَإِذا نظرت إِلَيْهِ عرفُوا أعواني من الْمَلَائِكَة أَنه من مَقْبُوض غدٍ، وانبطشوا بِهِ يعالجون نزع روحه فَإِذا بلغُوا بِالروحِ الْحُلْقُوم عرفت ذَلِك فَلم يخف عليّ شَيْء من أمره مددت يَدي فأنزعه من جسده وألي قَبضه) . وَفِي خبر آخر: (إِنَّه ينزل عَلَيْهِ أَرْبَعَة من الْمَلَائِكَة ملك يجذب النَّفس من قدمه الْيُمْنَى، وَملك يجذبها من قدمه الْيُسْرَى، وَملك يجذبها من يَده الْيُمْنَى، وَملك يجذبها من يَده الْيُسْرَى) ذكره الْغَزالِيّ قَالَ: وَرُبمَا كشف للْمَيت عَن الْأَمر الملكوتي قبل أَن يُغَرْغر فعاين الْمَلَائِكَة على حسب حَقِيقَة عمله فَإِن كَانَ لِسَانه
стр. 20
مُنْطَلقًا حدث بوجودهم، وَالله أعلم.
٢٢ - وسئلت عَمَّن رأى فِي نَومه أَنه ألبس لقميص النَّبِي إِبْرَاهِيم صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وعَلى سَائِر الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وَهُوَ مسرور بذلك مَا تَعْبِير هَذِه الرُّؤْيَا؟ فَأُجِيب بِقَوْلِي: من رأى إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وعَلى نَبينَا وَسلم فَإِنَّهُ يرْزق الْحَج وينصر على أعدائه ويناله هول وَشدَّة من ملك جَائِر ثمَّ ينصر، وينال نعْمَة وَزَوْجَة مُؤمنَة وَيكون خَائفًا، وينال أَيْضا سُلْطَانا ورياسة، وَإِن قَصده رَئِيس لسوء صرفه الله عَنهُ، ويستغنى إِن كَانَ فَقِيرا وَإِن كَانَ غَنِيا ازْدَادَ غنى، ويولد لَهُ غُلَام مبارك بعد الشيخوخة واليأس من الْوَلَد مَعَ خصب يَنَالهُ فِي ذَلِك الْبَلَد وسعة وَيذْهب عَنهُ هم، فرؤيته ﷺ تؤذن بذلك كُله أَو بِبَعْضِه، وَرُبمَا أَذِنت أَيْضا بِأَن الرَّائِي يعق أَبَاهُ وَنَحْوه من أَقَاربه: أَي يُخَالِفهُ مُخَالفَة خير وَرُجُوع إِلَى الله تَعَالَى وانتصار لدينِهِ، وَأما الْقَمِيص فَإِنَّهُ يؤول بِالدّينِ وَالتَّقوى وَالْعَمَل والبشارة، وَهُوَ إِذا ألبسهُ الرجل امْرَأَة يَتَزَوَّجهَا، وَإِذا ألبسته الْمَرْأَة رجلا تتزوجه، ويؤول أَيْضا بشأن الرجل فِي دينه ودنياه فَإِن كَانَ تَاما بأكمامه سابغاً دلّ على كَمَال الرَّائِي فِي الدّين وَالدُّنْيَا، وَإِن كَانَ نَاقِصا أَو قَصِيرا أَو ضيقا دلّ على ضد ذَلِك كَمَا دلّ عَلَيْهِ حَدِيث البُخَارِيّ بَيْنَمَا أَنا نَائِم رَأَيْت النَّاس يعرضون عليّ وَعَلَيْهِم قمص مِنْهَا مَا يبلغ الثدي وَمِنْهَا مَا يبلغ دون ذَلِك وَمر على عمر بن الْخطاب وَعَلِيهِ قَمِيص يجره، قَالُوا: مَا أولته يَا رَسُول الله؟ قَالَ: الدّين) . وَقد قيل فِي وَجه تَعْبِير الْقَمِيص بِالدّينِ أَن الْقَمِيص يستر الْعَوْرَة فِي الدُّنْيَا وَالدّين يَسْتُرهَا فِي الْآخِرَة ويحجبها من كل مَكْرُوه، وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِى الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىاكُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْأَعْرَاف: ٢٦] وَمن ثمَّ اتّفق أهل التَّعْبِير على أَن الْقَمِيص يعبر بِالدّينِ، وَأَن طوله يدل على بَقَاء آثَار صَاحبه من بعده. إِذا تقرر ذَلِك علم أَن رُؤْيَة لبس قَمِيص إِبْرَاهِيم صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم تدل على حسن دين الرَّائِي وكماله بِحَسب ذَلِك الْقَمِيص الَّذِي رأى أَنه لابسه هَذَا بِالنِّسْبَةِ للقميص، فَإِذا رأى مَعَ ذَلِك إِبْرَاهِيم أَيْضا دلّ على مَا قَدمته فِي رُؤْيَته صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وعَلى سَائِر الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ، وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا دَائِما أبدا. ٢٣ وسئلت: عَن حَقِيقَة السقمونيا مَا هِيَ؟ فأجبت بِقَوْلِي: السقمونيا صمغ شجر يُؤْتى بِهِ من أنطاكية الْبَلَد الْمَشْهُورَة، وَهَذَا هُوَ الدَّوَاء الْمَشْهُور بالمحمودة بَين النَّاس، وَهُوَ من مسهلات الصَّفْرَاء خَاصَّة والشربة مِنْهُ مِقْدَار قيراطين، وَلَا يَنْبَغِي لأحد أَن يَسْتَعْمِلهُ إِلَّا بعد مُشَاورَة طَبِيب حاذق وَكَذَا سَائِر مَا يرى فِي كتب الطِّبّ يَنْبَغِي لمن يرَاهُ أَن لَا يقدم على اسْتِعْمَاله إِلَّا بعد مُشَاورَة الطَّبِيب وَإِلَّا فَتَركه مُتَعَيّن، وَمن ثمَّ قَالَ بعض حذاق الْأَطِبَّاء: كتبنَا قاتلة للفقهاء أَي فَإِنَّهُم يرَوْنَ مُفردا أَو مركبا فِي بَاب وَأَنه يسْتَعْمل لكذا فيأخذونه ويستعملونه لما وصف لَهُ فِي ذَلِك الْبَاب مَعَ غفلتهم عَن كَون اسْتِعْمَاله مَشْرُوطًا بِشُرُوط أخر لم يذكروها فِي ذَلِك الْبَاب بل فِي غَيره من الكليات أَو بَاب آخر، والدواء إِذا اسْتعْمل مَعَ عدم اسْتِيفَاء شُرُوط اسْتِعْمَاله يكون مضراً ضَرَرا عَظِيما حَتَّى رُبمَا جرّ إِلَى الْقَتْل، وَلَا يغرنّ الْإِنْسَان أَنه رُبمَا هجم على اسْتِعْمَال شَيْء وَلم يضرّهُ، لِأَن ذَلِك كمن رأى مسبعَة فخاطر وَمر فِيهَا مرّة فَلم يتعرّض لَهُ شَيْء من سباعها لأمر عرض لَهُم فاغترّ ومرّ فِيهَا مرّة ثَانِيَة فرأوه فافترسوه لعدم عرُوض تِلْكَ الْعَوَارِض الَّتِي عرضت لَهَا أَولا. وَالْحَاصِل أَن المغترّ لَيْسَ بمحمود وَإِن سلم. ٢٤ وسئلت: مَا الْفرق بَين الْعَهْد والميثاق وَالْيَمِين؟ فَأُجِيب بِقَوْلِي: الْعَهْد الموثق يُقَال عهد إِلَيْهِ فِي كَذَا أوصاه بِهِ وَوَثَّقَهُ عَلَيْهِ والعهد فِي (لِسَان الْعَرَب) لَهُ معَان مِنْهَا: الْوَصِيَّة، وَالضَّمان، وَالْأَمر، والرؤية، والمنزل؛ وَأما الْمِيثَاق فَهُوَ الْعَهْد الْمُؤَكّد بِالْيَمِينِ، وَأما الْيَمين فَهُوَ الْحلف بِاللَّه تَعَالَى أَو بِصفة من صِفَاته على مَا قرر فِي مَحَله. وَقد اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي المُرَاد بالعهد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٧] على أَقْوَال، أَحدهَا: أَنه وَصِيَّة الله إِلَى خلقه وَأمره لَهُم بِطَاعَتِهِ وَنَهْيه لَهُم عَن مَعْصِيَته فِي كتبه الْمنزلَة على أَلْسِنَة أنبيائه الْمُرْسلَة. الثَّانِي: أَنه الْعَهْد الَّذِي أَخذه الله على بني آدم حِين استخرجهم من ظَهره فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِىءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الْأَعْرَاف: ١٧٢] الْآيَة. قَالَ المتكلمون: وَهَذَا سَاقِط لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يحْتَج على الْعباد بِعَهْد وميثاق لَا يَشْعُرُونَ بِهِ كَمَا لَا يؤاخذهم السَّهْو وَالنِّسْيَان. الثَّالِث: مَا أَخذه عَلَيْهِم فِي الْكتب الْمنزلَة من الْإِقْرَار بتوحيده وَالِاعْتِرَاف بنعمه والتصديق بأنبيائه وَرُسُله فِيمَا جَاءُوا بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمرَان: ١٨٧] الْآيَة. الرَّابِع: مَا أَخذه الله تَعَالَى
стр. 21
على الْأَنْبِيَاء ومتبعيهم أَن لَا يكفروا بِاللَّه وَلَا بِنَبِيِّهِ مُحَمَّد ﷺ وَأَن ينصروه ويعظموه كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ﴾ [آل عمرَان: ٨٠] الْآيَة. الْخَامِس: إِيمَانهم بِهِ ﷺ وبرسالته قبل بَعثه، وَهَذَا قريب مِمَّا قبله إِن لم يكن عينه. السَّادِس: مَا جعله فِي عُقُولهمْ من الْحجَّة على توحيده وَصدق رَسُوله مُحَمَّد ﷺ بِالنّظرِ فِي المعجزات الدَّالَّة على إعجاز الْقُرْآن وَصدقه ونبوّة مُحَمَّد ﷺ . السَّابِع: الْأَمَانَة المعروضة على السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال الَّتِي حملهَا الْإِنْسَان. الثَّامِن: مَا أَخذه الله عَلَيْهِم من أَن لَا يسفكوا دِمَاءَهُمْ وَلَا يخرجُوا أنفسهم من دِيَارهمْ. التَّاسِع: الْإِيمَان والتزام الشَّرَائِع. الْعَاشِر: نصب الْأَدِلَّة على وحدانيته فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَسَائِر الْمَخْلُوقَات فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْعَهْد. الْحَادِي عشر: مَا عَهده إِلَى من أُوتِيَ الْكتاب أَن يبينوا نبوّة مُحَمَّد ﷺ وَلَا يكتموا أمره. وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ أَيْضا فِي العهدين الْمَذْكُورين فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [الْبَقَرَة: ٤٠] على أَقْوَال: أَحدهَا: عَهده وميثاقه الَّذِي أَخذه عَلَيْهِم من الْإِيمَان بِهِ والتصديق برسله وَعَهْدهمْ مَا وعدهم بِهِ من الْجنَّة. ثَانِيهَا: عَهده مَا أَمرهم بِهِ وَعَهْدهمْ مَا وعدهم بِهِ. ثَالِثهَا: عَهده مَا ذكره لَهُم فِي التَّوْرَاة من صفة مُحَمَّد ﷺ وَعَهْدهمْ مَا وعدهم بِهِ من الْجنَّة. رَابِعهَا: عَهده أَدَاء الْفَرَائِض وَعَهْدهمْ قبُولهَا والمجازاة عَلَيْهَا. خَامِسهَا: عَهده ترك الْكَبَائِر وَعَهْدهمْ غفران الصَّغَائِر. سادسها: عَهده إصْلَاح الدّين وَعَهْدهمْ إصْلَاح آخرتهم. سابعها: عَهده مجاهدة النُّفُوس وَعَهْدهمْ الْإِعَانَة على ذَلِك. ثامنها: عَهده إصْلَاح السرائر وَعَهْدهمْ إصْلَاح الظَّوَاهِر. تاسعها: ﴿خُذُواْ مَآءَاتَيْنَاكُم﴾ [الْبَقَرَة: ٦٣] . عَاشرهَا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمرَان: ١٨٧] . حادي عشرهَا: عَهده الْإِخْلَاص فِي الْعِبَادَات وَعَهْدهمْ إيصالهم إِلَى منَازِل الرغبات. ثَانِي عشرهَا: عَهده الْإِيمَان بِهِ وطاعته وَعَهْدهمْ مَا وعدهم عَلَيْهِ من حسن الثَّوَاب على الْحَسَنَات. ثَالِث عشرهَا: عَهده حفظ آدَاب الظَّوَاهِر وَعَهْدهمْ حفظ السرائر. رَابِع عشرهَا: عهد الله على لِسَان مُوسَى لبني إِسْرَائِيل إِنِّي باعث من بني إِسْمَاعِيل نَبيا فَمن تبعه وَصدق بِالنورِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ غفرت لَهُ وأدخلته الْجنَّة وَجعلت لَهُ أَجْرَيْنِ اثْنَيْنِ. خَامِس عشرهَا: عَهده بِشُرُوط الْعُبُودِيَّة وَعَهْدهمْ بِشَرْط الربوبية. سادس عشرهَا: أَوْفوا بعدِي فِي دَار محنتي على بِسَاط خدمتي بِحِفْظ حرمتي أوف بعهدكم فِي دَار نعمتي على بِسَاط كَرَامَتِي بِقَوْلِي ورؤيتي. سَابِع عشرهَا: لَا تفرّوا من الزَّحْف أدخلكم الْجنَّة. ثامن عشرهَا: عَهده ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ [الْمَائِدَة: ١٢] الْآيَة، وَعَهْدهمْ إدخالهم الْجنَّة. تَاسِع عشرهَا: أوامره ونواهيه ووصاياه فَيدْخل فِي ذَلِك ذكر مُحَمَّد ﷺ الَّذِي فِي التَّوْرَاة. عشروها: أَوْفوا بعهدي فِي التَّوَكُّل أوف بعهدكم فِي كِفَايَة الْمُهِمَّات. حادي عشريها: أَوْفوا بعهدي فِي حفظ حدودي ظَاهرا وَبَاطنا أوف بعهدكم بِحِفْظ أسراركم عَن مُشَاهدَة غَيْرِي. ثَانِي عشريها: عَهده حفظ الْمعرفَة وعهدنا إِيصَال الْمعرفَة. ثَالِث عشريها: أَوْفوا بعهدي الَّذِي قبلتم يَوْم الْمِيثَاق أوف بعهدكم الَّذِي ضمنت لكم يَوْم التلاق. رَابِع عشريها: اكتفوا مني بِي أوف بعهدكم أَرض عَنْكُم بكم. فَهَذِهِ أقاويل السّلف فِي تَفْسِير هذَيْن العهدين. قَالَ فِي (الْبَحْر) بعد ذكره ذَلِك: وَالَّذِي يظْهر وَالله أعلم أنَّ الْمَعْنى طلب الْإِيفَاء بِمَا التزموه لله تَعَالَى وترتب إنجاز مَا وعدهم على ذَلِك الْإِيفَاء وَلَيْسَ ذَلِك على سَبِيل الْعلية، وسمى مَا وعدهم بِهِ عهدا على سَبِيل الْمُقَابلَة بل إبراز لما تفضل بِهِ تَعَالَى عَلَيْهِم فِي صُورَة الْمَشْرُوط الملزم بِهِ. وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ أَيْضا فِي الْمِيثَاق فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [الْبَقَرَة: ٦٣] الْآيَة، على سِتَّة أَقْوَال: مَا أودعهُ الله تَعَالَى الْعُقُول من الدَّلَائِل على وجوده وَقدرته وحكمته وَصدق أنبيائه وَرُسُله أَو الْمَأْخُوذ على ذُرِّيَّة آدم فِي قَوْله: ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الْأَعْرَاف: ١٧٢] أَو إِلْزَام النَّاس مُتَابعَة الْأَنْبِيَاء وَالْإِيمَان بِمُحَمد ﷺ ، أَو الْعَهْد مِنْهُم ليعملن بِمَا فِي التَّوْرَاة فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى رَأَوْا مَا فِيهَا من التثقيل فامتنعوا من أَخذهَا، أَو قَوْله لَا تَعْبدُونَ إِلَّا الله، فَعلم بِمَا تقرر أَن كلا من الْمِيثَاق والعهد قد يُطلق على الآخر، وَأَن كلا مِنْهُمَا لَهُ معَان يسْتَعْمل فِيهَا بِحَسب مَا يَلِيق بِهِ من ذَلِك السِّيَاق وَأَنه لَا يتَقَيَّد بِمَعْنى مَخْصُوص مطرد بل كل مَا لَاق من مَعَانِيه مِمَّا سبق لَهُ جَازَ عَلَيْهِ. ٢٥ وسئلت: مَا حَقِيقَة التملق وَمَا حكمه؟
стр. 22
فأجبت: التملق والمداراة يُرَاد بهما التَّوَاضُع للْغَيْر وَعدم الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ فِيمَا يَفْعَله أَو يصدر عَنهُ، وَقد يَنْضَم إِلَى ذَلِك مدح أَفعاله والانتصار لصِحَّة أَحْوَاله وأقواله مَعَ البشاشة لَهُ والإجلال والتعظيم، وَحكم ذَلِك كُله أَنه إِن ترَتّب عَلَيْهِ إِعَانَة على بَاطِل أَو تَحْسِين مَا قبحه الشَّرْع أَو تقبيح مَا حسنه الشَّرْع أَو غير ذَلِك من الْمَفَاسِد الَّتِي لَا يُدْرِكهَا إِلَّا الْعلمَاء الْحُكَمَاء الْعَالمُونَ بِالْكتاب وَالسّنة الآخذون أنفسهم بِالْحَقِّ فِي كل نفس ولحظة، كَانَ كل مِنْهُمَا حَرَامًا شَدِيد التَّحْرِيم إِن تحققت الْمفْسدَة، أَو غلب على الظَّن وُقُوعهَا وَإِلَّا كَانَ مَكْرُوها، وَإِن لم يَتَرَتَّب عَلَيْهِ شَيْء من ذَلِك أُبِيح، وَإِن ترَتّب عَلَيْهِ إِعَانَة على الْحق أَو تألف لقبوله أَو نَحْوهمَا من الْمصَالح الْخَاصَّة والعامة كَانَ مَنْدُوبًا متأكد النّدب بل قد يرتقي الْحَال إِلَى الْوُجُوب كَمَا قَالَ بعض أَئِمَّتنَا فِي الْقيام قَالَ: فَإِن تَركه الْآن صَار علما على القطيعة وَوُقُوع الْفِتْنَة فَيجب دفعا لذَلِك، وَلَا شكّ أَن الْقيام إِذا خشى من تَركه ضَرَر أَو فتْنَة أَو تنافر الْقُلُوب أَو نَحْو ذَلِك يكون من المداراة وَهِي فِي نَحْو ذَلِك إِمَّا متأكدة النّدب أَو الْوُجُوب، وَالْكَلَام فِيمَن لم تُوجد فِيهِ الصِّفَات الْمُقْتَضِيَة لندب الْقيام من نَحْو علم أَو صَلَاح أَو قرَابَة أَو شرف نسب أَو صداقة، فَافْهَم هَذَا التَّفْصِيل الْمَأْخُوذ من أَفعاله ﷺ وأقواله فَإِنَّهُ ملتبس على كثير مِمَّن لم يُحِطْ بِالسنةِ وَكَلَام الْأَئِمَّة فَرُبمَا أفرط فَمنع المداراة مُطلقًا وَرُبمَا فرط فمدحها مُطلقًا وكل من هذَيْن خطأ وَالصَّوَاب مَا فصلته وقررته. ٢٦ وسئلت: هَل الْحفظَة يتأذون من أكل الْأَشْيَاء الكريهة الرّيح وَمن كَثْرَة التَّرَدُّد إِلَى الْخَلَاء والأماكن النَّجِسَة والمغصوبة وَمَا فِيهَا شُبْهَة وَمن الجشاء الْمُتَغَيّر وَمن نَحْو الصنان؟ وَإِذا تأذوا فَهَل يدعونَ بِمَوْت المؤذي أَو بإصلاح حَاله ليستريحوا؟ وَكم هم على كل إِنْسَان؟ وَهل يحفظون الْجَنِين فِي بطن أمه؟ وَهل على الْكَافِر حفظَة وَمَا حَقِيقَة حفظهم إِذْ مَا قدره الله لَا بُد مِنْهُ؟ وَهل على غير الْإِنْسَان حفظَة؟ وَإِذا مَاتَ الْإِنْسَان إِلَى أَيْن يُصَار بهم؟ وَهل هم غير الْكَاتِبين الكريمين وَمَا حَقِيقَة كتبهما؟ فَأُجِيب: الَّذِي فِي الحَدِيث الصَّحِيح أَن الْمَلَائِكَة تتأذى مِمَّا يتَأَذَّى مِنْهُ بَنو آدم ذكر ﷺ ذَلِك تعليلاً لنَهْيه عَمَّن أكل منتناً كثوم أَو بصل أَو كراث أَو فجل أَن لَا يدْخل الْمَسْجِد فَقَالَ: (من أكل ثوماً أَو بصلاً أَو كراثاً أَو فجلاً فَلَا يقربنّ مَسْجِدنَا أَو الْمَسَاجِد فَإِن الْمَلَائِكَة تتأذى مِمَّا يتَأَذَّى مِنْهُ بَنو آدم) . وَهَذَا ظَاهر فِي شُمُوله للحفظة وَفِي عُمُوم تأذيهم مِمَّا يتَأَذَّى مِنْهُ الْآدَمِيّ فَيشْمَل ذَلِك تأذيهم بِكُل ذِي ريح كريه سَوَاء ريح الْخَلَاء أَو غَيره إِلَّا أَنه سَيَأْتِي أَن الْحفظَة يفارقونه حَالَة دُخُول الْخَلَاء، وعَلى فرض تأذيهم فَظَاهر النُّصُوص أَنهم لَا يدعونَ على الْآدَمِيّ وَإِنَّمَا يدعونَ لَهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَ اغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَاتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غَافِر: ٧] إِلَى قَوْله: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وَالْمرَاد بِمن حوله الْمَلَائِكَة كَمَا قَالَ قَتَادَة. وَأخرج عبد الرَّزَّاق: وَعبد اللَّه بن حميد عَن قَتَادَة فِي قَوْله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَءَامَنُواْ﴾ [غَافِر: ٧] قَالَ مطرف: وجدنَا أَن أنصح عباد الله لعباد الله الْمَلَائِكَة وَوجدنَا أغش عباد الله لعباد الله الشَّيَاطِين، وَأَخْرَجَا عَن قَتَادَة أَيْضا فِي قَوْله: ﴿﴾ [غَافِر: ٧] قَالَ: تَابُوا عَن الشّرك وَاتبعُوا سَبِيلك: أَي طَاعَتك، وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ [غَافِر: ٩] قَالَ: الْعَذَاب، وَقَالَ تَعَالَى فِي الْمَلَائِكَة أَيْضا: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى الأٌّرْضِ﴾ [الشورى: ٥] فهاتان الْآيَتَانِ ظاهرتان فِي أَن الْمَلَائِكَة لَا يدعونَ على أحد بِمَوْت، وَإِن تأذوا مِنْهُ وَإِنَّمَا يدعونَ لَهُ بِمَا ذكر فِي الْآيَتَيْنِ من الْمَغْفِرَة والوقاية من الْعَذَاب نعم يَأْتِي قَرِيبا أَنهم يَقُولُونَ لمن يصرّ على السَّيئَة أراحنا الله مِنْهُ، وَلَكِن هَذَا دُعَاء لأَنْفُسِهِمْ لَا دُعَاء عَلَيْهِ. وَقَول السَّائِل: وَكم هم على كل إِنْسَان؟ جَوَابه: أَنه ورد فِي ذَلِك أُمُور مُخْتَلفَة. أخرج ابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن جريج قَالَ: (لكل إِنْسَان ملكان أَحدهمَا عَن يَمِينه يكْتب الْحَسَنَات وَملك عَن يسَاره يكْتب السَّيِّئَات، وَالَّذِي عَن يَمِينه يكْتب بِغَيْر شَهَادَة من صَاحبه وَالَّذِي عَن يسَاره لَا يكْتب إِلَّا عَن شَهَادَة من صَاحبه، إِن قعد فأحدهما عَن يَمِينه وَالْآخر عَن يسَاره، وَإِن مَشى فأحدهما أَمَامه وَالْآخر خَلفه، وَإِن رقد فأحدهما عِنْد رَأسه وَالْآخر عِنْد رجلَيْهِ) . وَقَالَ ابْن الْمُبَارك: وكل بِهِ خَمْسَة أَمْلَاك: ملكان بِاللَّيْلِ، وملكان بِالنَّهَارِ يجيئان ويذهبان وَملك خَامِس لَا يُفَارِقهُ لَيْلًا وَلَا نَهَارا وَأخرج ابْن جرير عَن كنَانَة الْعَدوي قَالَ: دخل عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ على رَسُول الله ﷺ قَالَ: (يَا رَسُول الله
стр. 23
أَخْبرنِي عَن العَبْد كم مَعَه من ملك؟ فَقَالَ: ملك عَن يَمِينك على حَسَنَاتك وَهُوَ أَمِير على الشمَال إِذا عملتَ حَسَنَة كتبتْ عشرا، وَإِذا عملت سَيِّئَة قَالَ الَّذِي على الشمَال للَّذي على الْيَمين أأكتب؟ قَالَ: لَا لَعَلَّه يسْتَغْفر الله وَيَتُوب فَإِذا قَالَ ثَلَاثًا، قَالَ: نعم أكتبه أراحنا الله مِنْهُ فبئس القرين مَا أقلّ مراقبته لله وَأَقل استحياءه مِنْهُ يَقُول الله: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وملكان من بَين يَديك وَمن خَلفك يَقُول الله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرَّعْد: ١١] وَملك قَابض غلى ناصيتك فَإِذا تواضعت لله رفعك وَإِذا تجبرت على الله قصمك، وملكان على شفتيك لَيْسَ يحفظان عَلَيْك إِلَّا الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ ، وَملك قَائِم على فِيك لَا يدع أَن تدخل الْحَيَّة فِي فِيك وملكان على عَيْنَيْك، فَهَؤُلَاءِ عشر أَمْلَاك على كل بني آدم ينزلون مَلَائِكَة اللَّيْل على مَلَائِكَة النَّهَار لِأَن مَلَائِكَة اللَّيْل سوى مَلَائِكَة النَّهَار فَهَؤُلَاءِ عشرُون ملكا على كل آدَمِيّ وإبليس بِالنَّهَارِ وَولده بِاللَّيْلِ. وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا والصابوني عَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (وكل بِالْمُؤمنِ سِتُّونَ وثلثمائة ملك يدْفَعُونَ عَنهُ مَا لم يقدر عَلَيْهِ من ذَلِك لِلْبَصَرِ سَبْعَة أَمْلَاك يَذبُّونَ عَنهُ كَمَا يذب عَن قَصْعَة الْعَسَل من الذُّبَاب فِي الْيَوْم الصَّائِف، أما لَو بدا لكم لرأيتموه على كل سهل وجبل وَكلهمْ باسط يَدَيْهِ فاغرفاه ومالو وكل العَبْد فِيهِ إِلَى نَفسه طرفَة عين لَاخْتَطَفَتْهُ الشَّيَاطِين) . وَسَيَأْتِي مَا يُخَالف ذَلِك فِي الْعدَد أَيْضا وَيُمكن الْجَواب عَن تخَالف هَذِه الْمَذْكُورَات على تَقْدِير صِحَّتهَا كلهَا بِأَنَّهُ ﷺ حَيْثُ ذكر الْقَلِيل يحْتَمل أَنه أَرَادَ حفظا خَاصّا وَحَيْثُ ذكر الْكثير يحْتَمل أَنه أَرَادَ حفظا عَاما، وَيحْتَمل أَنه أعلم بِالْقَلِيلِ ثمَّ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، وَيحْتَمل أَن ذَلِك يخْتَلف باخْتلَاف الْأَشْخَاص؛ فَمن النَّاس من يُوكل بِهِ قَلِيل وَمِنْهُم من يُوكل بِهِ كثير. وَقَول السَّائِل: وَهل يحفظون الْجَنِين؟ جَوَابه: نعم. وَقد أخرج ابْن أبي الدُّنْيَا وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو نعيم عَن جَابر بن عبد الله ﵄ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (إِن ابْن آدم لفي غَفلَة عَمَّا خلق لَهُ، إِن الله إِذا أَرَادَ خلقه قَالَ لملك اكْتُبْ رزقه اكْتُبْ أَثَره اكْتُبْ أَجله اكْتُبْ شقياً أَو سعيداً، ثمَّ يرفع ذَلِك الْملك وَيبْعَث الله ملكا فيحفظه حَتَّى يدْرك، ثمَّ يرفع ذَلِك الْملك ثمَّ يُوكل بِهِ ملكَيْنِ يكتبان حَسَنَاته وسيئاته فَإِذا حَضَره الْمَوْت ارْتَفع ذَانك الْملكَانِ وجاءه ملك الْمَوْت ليقْبض روحه، فَإِذا دخل قَبره ردّ الرّوح إِلَيْهِ فِي جسده وجاءه ملكا الْقَبْر فامتحناه ثمَّ يرتفعان، ثمَّ إِذا كَانَت السَّاعَة انحط عَلَيْهِ ملك الْحَسَنَات وَملك السَّيِّئَات وانتشطا كتابا معقوداً فِي عُنُقه ثمَّ حضر مَعَه وَاحِد سائق وَآخر شَهِيد ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن قدامكم لأمراً عَظِيما لَا تقدرونه فاستعينوا بِاللَّه الْعَظِيم) . وَقَوله: وَهل على الْكَافِر حفظَة؟ جَوَابه: نعم، كَمَا شَمله بل صرح بِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِ الدِّينِ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ إِنَّ الأٌّبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٤] . وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: (جعل الله على ابْن آدم حافظين فِي اللَّيْل وحافظين فِي انهار يحفظان عمله ويكتبان أَثَره) . وَأخرج ابْن جرير عَن مُجَاهِد قَالَ: (مَعَ كل إِنْسَان ملكان ملك عَن يَمِينه وَآخر عَن شِمَاله فَأَما الَّذِي عَن يَمِينه فَيكْتب الْخَيْر وَأما الَّذِي عَن شِمَاله فَيكْتب الشَّرّ) . وَقَوله: وَمَا حَقِيقَة حفظهم إِلَى آخِره؟ جَوَابه: حَقِيقَة ذَلِك تعلم مِمَّا سَنذكرُهُ. أخرج أَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرَّعْد: ١١] قَالَ: لَيْسَ من عبد إِلَّا لَهُ مُعَقِّبَات من الْمَلَائِكَة من بَين يَدَيْهِ ملكان يكونَانِ مَعَه فِي النَّهَار فَإِذا جَاءَ اللَّيْل أصعدا وأعقبهما ملكان فَكَانَا مَعَه ليلته حَتَّى يصبح يَحْفَظُونَهُ من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه وَلَا يُصِيبهُ شَيْء لم يكْتب إِذا غشيه شَيْء من ذَلِك دفعاه عَنهُ ألم تره يمرّ بِالْحَائِطِ فَإِذا جَازَ سقط فَإِذا جَاءَ الْكتاب خلوا بَينه وَبَين مَا كتب لَهُ وهم من أَمر الله أَمرهم أَن يحفظوه. وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه كَانَ يقْرَأ لَهُ مُعَقِّبَات من بَين يَدَيْهِ ورقباء من خَلفه من أَمر الله يَحْفَظُونَهُ. وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن عَليّ كرم الله وَجهه ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرَّعْد: ١١] قَالَ: لَيْسَ من عبد إِلَّا وَمَعَهُ مَلَائِكَة يَحْفَظُونَهُ من أَن يَقع عَلَيْهِ حَائِط أَو يتردى فِي بِئْر أَو يَأْكُلهُ سبع أَو غرق أَو حرق فَإِذا جَاءَ الْقدر خلوا بَينه وَبَين الْقدر. وَأخرج أَبُو دَاوُد فِي الْقدر وَابْن أبي الدُّنْيَا وَابْن عَسَاكِر عَن عَليّ أَيْضا قَالَ: (لكل عبد حفظَة يَحْفَظُونَهُ
стр. 24
لَا يخر عَلَيْهِ حَائِط أَو يتردى فِي بِئْر أَو تصيبه دَابَّة حَتَّى إِذا جَاءَهُ الْقدر الَّذِي قدّر لَهُ خلت عَنهُ الْحفظَة فَأَصَابَهُ مَا شَاءَ الله أَن يُصِيبهُ) وَفِي لفظ لأبي دَاوُد (لَيْسَ من النَّاس أحد إِلَّا وَقد وكل بِهِ ملك فَلَا تريده دَابَّة وَلَا شَيْء إِلَّا قَالَ اقفه فَإِذا جَاءَ الْقدر خلى عَنهُ) . وَأخرج ابْن جرير عَن أبي مجلز قَالَ: (جَاءَ رجل من مُرَادة إِلَى عليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ: احترس فَإِن نَاسا من مُرَادة يُرِيدُونَ قَتلك فَقَالَ إِن مَعَ كل رجل ملكَيْنِ يحفظانه مِمَّا لم يقدر فَإِذا جَاءَ الْقدر خلياً بَينه وَبَينه وَإِن الْأَجَل جنَّة حصينه) . وَأخرج ابْن جرير عَن أبي أُمَامَة قَالَ: (مَا من آدَمِيّ إِلَّا وَمَعَهُ ملك يذود عَنهُ حَتَّى يُسلمهُ للَّذي قدر عَلَيْهِ) . وَأخرج ابْن جرير عَن كَعْب الْأَخْبَار قَالَ: (لَو تجلى لِابْنِ آدم كل سهل وحزن لرَأى كل شَيْء من ذَلِك شياطين لَوْلَا أَن الله وكل بكم مَلَائِكَة يَذبُّونَ عَنْكُم فِي مطعمكم ومشربكم وعوراتكم إِذا لتخطفنكم) . وَأخرج ابْن جرير عَن مُجَاهِد قَالَ: مَا من عبد إِلَّا بِهِ ملك مُوكل يحفظه فِي نَومه ويقظته من الْجِنّ وَالْإِنْس والهوام فَمَا مِنْهَا شَيْء يَأْتِيهِ يُريدهُ إِلَّا قَالَ: وَرَاءَك إِلَّا شَيْئا يَأْذَن الله فِيهِ فَيُصِيبهُ) . وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَالْفِرْيَابِي وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ [الرَّعْد: ١١] . قَالَ: مَلَائِكَة من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه يَحْفَظُونَهُ فَإِذا جَاءَ الْقدر خلوا عَنهُ) . وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن عَطاء قَالَ: ( ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ [الرَّعْد: ١١] قَالَ: هم الْكِرَام الكاتبون حفظَة من الله على بني آدم أمروا بِهِ) . وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد فِي: ( ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ [الرَّعْد: ١١] قَالَ: الْحفظَة) . وَأخرج ابْن الْمُنْذر من وَجه آخر عَن مُجَاهِد فِي ( ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ [الرَّعْد: ١١] قَالَ: الْمَلَائِكَة تعاقب اللَّيْل وَالنَّهَار) ، وَبَلغنِي أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (يَجْتَمعُونَ فِيكُم عِنْد صَلَاة الْعَصْر وَعند صَلَاة الصُّبْح) من بَين يَدَيْهِ، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ﴾ [ق: ١٧] الْحَسَنَات من بَين يَدَيْهِ والسيئات من خَلفه الَّذِي على يَمِينه يكْتب الْحَسَنَات، وَالَّذِي على يسَاره يكْتب السَّيِّئَات، وَالَّذِي على يَمِينه يكْتب بِغَيْر شَهَادَة، وَالَّذِي على يسَاره لَا يكْتب إِلَّا بِشَهَادَة الَّذِي على يَمِينه، فَإِن مَشى كَانَ أَحدهمَا أَمَامه وَالْآخر وَرَاءه، وَإِن قعد كَانَ أَحدهمَا على يَمِينه وَالْآخر على يسَاره، وَإِن رقد كَانَ أَحدهمَا عِنْد رَأسه وَالْآخر عِنْد رجلَيْهِ يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله) قَالَ: يحفظون عَلَيْهِ. وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى: ( ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ [الرَّعْد: ١١] الْآيَة، قَالَ: هم الْمَلَائِكَة تعقبه بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وتكتب على ابْن آدم) وَأخرج ابْن جرير عَن سعيد بن جُبَير فِي: ( ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ [الرَّعْد: ١١] قَالَ: الْمَلَائِكَة يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله) قَالَ: حفظهم إِيَّاه من أَمر الله. وَأخرج ابْن جرير عَن مُجَاهِد فِي: ( ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ [الرَّعْد: ١١] الْآيَة، قَالَ: الْمَلَائِكَة من أَمر الله) . وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي: ( ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ [الرَّعْد: ١١] الْآيَة، قَالَ: الْمَلَائِكَة يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله. قَالَ: بِإِذن الله) أَي فَمن فِي الْآيَة بِمَعْنى الْبَاء. وَأخرج ابْن أبي حَاتِم فِي: ( ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرَّعْد: ١١] قَالَ: عَن أَمر الله يَحْفَظُونَهُ من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه) . وَقَوله: وَهل على غير الْإِنْسَان حفظَة؟ جَوَابه: لَيْسَ عَلَيْهِ حفظَة كِتَابَة وإحصاء وضبطاً كَمَا صرحت بِهِ الْآيَة السَّابِقَة أَعنِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] . وَقَوله: وَإِذا مَاتَ الْإِنْسَان إِلَى أَيْن يُصَار بهم؟ جَوَابه: أخرج أَبُو الشَّيْخ وَالْبَيْهَقِيّ عَن أنس أَن النَّبي ﷺ قَالَ: (إِن الله وكل بعيده الْمُؤمن ملكَيْنِ يكتبان عمله فَإِذا مَاتَ قَالَ الْملكَانِ اللَّذَان وكلا بِهِ قد مَاتَ فَأذن لنا أَن نصعد إِلَى السَّمَاء، فَيَقُول الله سُبْحَانَهُ: سمائي مَمْلُوءَة من ملائكتي يُسَّجونني، فَيَقُولَانِ فَأَيْنَ؟ فَيَقُول: قوما على قبر عَبدِي فسبحاني واحمداني وكبِّراني واكتبا ذَلِك لعبدي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) . وَقَوله: وَهل هم غير الْكِتَابَيْنِ الكريمين؟ جَوَابه: أَنه قد علم مِمَّا قدمْنَاهُ أَن مَلَائِكَة الْحِفْظ الموكلين بالإنسان ينقسمون إِلَى أَن مِنْهُم من هُوَ مُوكل بِالْحِفْظِ لَا غير، وَمِنْهُم وهما الكاتبان الكريمان من هُوَ مُوكل بِالْحِفْظِ وَالْكِتَابَة، وَورد فِي هذَيْن أَنهم يفارقون الْإِنْسَان. فقد أخرج الْبَزَّار عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن الله يَنْهَاكُم عَن التعري فاستحيوا من مَلَائكَته الَّذين مَعكُمْ الْكِرَام الْكَاتِبين الَّذين لَا يفارقونكم إِلَّا عِنْد أحد ثَلَاث الْجَنَابَة وَالْغَائِط وَالْغسْل) . وَظَاهر أَنه لَيْسَ المُرَاد هُنَا الْمُفَارقَة بِالْكُلِّيَّةِ بل يبعدون عَنهُ حينئذٍ نوع بعد. وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: (خرج رَسُول الله ﷺ عِنْد الظهيرة فَرَأى رجلا يغْتَسل بفلاة من الأَرْض فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: أما بعد، فَاتَّقُوا الله وأكرموا الْكِرَام الْكَاتِبين الَّذِي
стр. 25
مَعكُمْ لَيْسَ يفارقونكم إِلَّا عِنْد إِحْدَى منزلتين حَيْثُ يكون الرجل على خلائه أَو يكون مَعَ أَهله لأَنهم كرام كَمَا سماهم الله فليستتر أحدكُم عِنْد ذَلِك بجرم حَائِط أَو ببعيره فَإِنَّهُم لَا ينظرُونَ) . وَقَوله: وَمَا حَقِيقَة كتبهما؟ جَوَابه: حَقِيقَته تعلم مِمَّا سَنذكرُهُ: أخرج أَبُو نعيم والديلمي عَن معَاذ ابْن جبل: (إِن الله لطف الْملكَيْنِ الحافظين حَتَّى أجلسهما على الناجذين وَجعل لِسَانه قَلَمهمَا وريقه مِدَادهمَا) وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ( ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] قَالَ: يكْتب كل مَا تكلم بِهِ من خير أَو شَرّ حَتَّى إِنَّه ليكتب قَوْله: أكلت وشربت ذهبت جِئْت رَأَيْت حَتَّى إِذا كَانَ يَوْم الْخَمِيس عرض قَوْله وَعَمله فأقرّ مِنْهُ مَا كَانَ من خير أَو شَرّ وألق سائره فَذَلِك قَوْله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرَّعْد: ٣٩] ) . وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى: ( ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] قَالَ: إِنَّمَا يكْتب الْخَيْر وَالشَّر لَا يكْتب يَا غُلَام أَسْرج الْفرس وَيَا غُلَام اسْقِنِي المَاء) . وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي شيبَة ذَلِك عَن عِكْرِمَة نَفسه أَيْضا، وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كَاتب الْحَسَنَات عَن يَمِينه يكْتب حَسَنَاته وَكَاتب السَّيِّئَات عَن يسَاره، فَإِذا عمل حَسَنَة كتب صَاحب الْيَمين عشرا وَإِذا عمل سَيِّئَة قَالَ صَاحب الْيَمين لصَاحب الشمَال دَعه حَتَّى يسبح أَو يسْتَغْفر، فَإِذا كَانَ يَوْم الْخَمِيس كتب مَا يجْرِي بِهِ الْخَيْر وَالشَّر ويلقى مَا سوى ذَلِك ثمَّ يعرض على أم الْكتاب فيجده بجملته فِيهِ. وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا عَن عليّ كرّم الله وَجهه قَالَ: لِسَان الْإِنْسَان قلم الْملك وريقه مداده. وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا وَابْن الْمُنْذر عَن الْأَحْنَف بن قيس فِي قَوْله تَعَالَى: ( ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] قَالَ: صَاحب الْيَمين يكْتب الْخَيْر وَهُوَ أَمِين على صَاحب الشمَال فَإِن أصَاب العَبْد خَطِيئَة قَالَ: أمسك وَإِن اسْتغْفر الله نَهَاهُ أَن يَكْتُبهَا وَإِن أَبى إِلَّا أَن يصرّ كتبهَا) . وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن حجاج بن دِينَار قَالَ: قلت لأبي معشر: الرجل يذكر الله فِي نَفسه كَيفَ تكتبه الْمَلَائِكَة؟ قَالَ: يَجدونَ الرّيح. وَأخرج عبد الله بن أَحْمد فِي (زَوَائِد الزّهْد) عَن ابْن عمرَان الْجُوَيْنِيّ قَالَ: بلغنَا أَن الْمَلَائِكَة تصعد بكتبها إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا كل عَشِيَّة بعد الْعَصْر، فينادي الْملك ألْقى تِلْكَ الصَّحِيفَة وينادي الْملك الآخر ألق الصَّحِيفَة فَيَقُولُونَ رَبنَا قَالُوا خيرا وحفظنا عَلَيْهِم، فَيَقُول لَهُم: لم يُرِيدُوا بِهِ وَجْهي وَإِنِّي لَا أقبل إِلَّا مَا أُرِيد بِهِ وَجْهي، وينادي الْملك الآخر اكْتُبْ لفُلَان كَذَا وَكَذَا فَيَقُول: يَا رب إِنَّه لم يعمله فَيَقُول إِنَّه نَوَاه. وَأخرج ابْن الْمُبَارك وَابْن أبي الدُّنْيَا وَأَبُو الشَّيْخ عَن ضَمرَة بن حبيب قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن الْمَلَائِكَة يصعدون بِعَمَل العَبْد من عباد الله تَعَالَى فيكثرونه ويشكرونه حَتَّى ينْتَهوا بِهِ حَيْثُ شَاءَ الله من سُلْطَانه فَيُوحِي إِلَيْهِم إِنَّكُم حفظَة على عمل عَبدِي وَأَنا رَقِيب على مَا فِي نَفسه إِن عَبدِي هَذَا لم يخلص فِي عمله فَاجْعَلُوهُ فِي سِجِّين. قَالَ: ويصعدون بِعَمَل العَبْد من عباد الله تَعَالَى فيستقلونه وَيَحْتَقِرُونَهُ حَتَّى ينْتَهوا بِهِ حَيْثُ شَاءَ الله من سُلْطَانه فَيُوحِي الله إِلَيْهِم إِنَّكُم حفظَة على عمل عَبدِي وَأَنا رَقِيب على مَا فِي نَفسه فضاعفوه لَهُ واجعلوه فِي عليين) . وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ عَن أبي أُمَامَة عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (صَاحب الْيَمين أَمِين على صَاحب الشمَال وَإِذا عمل العَبْد حَسَنَة كتب عشر أَمْثَالهَا، وَإِذا عمل سَيِّئَة وَأَرَادَ صَاحب الشمَال أَن يَكْتُبهَا قَالَ صَاحب الْيَمين أمسك فَيمسك سِتّ سَاعَات أَو سبع سَاعَات فَإِن اسْتغْفر الله لم يكْتب عَلَيْهِ شَيْئا وَإِن لم يسْتَغْفر الله كتب عَلَيْهِ سَيِّئَة وَاحِدَة) . وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن حسان بن عَطِيَّة قَالَ: تَذَاكَرُوا مَجْلِسا فِيهِ مَكْحُول وَابْن أبي زَكَرِيَّا: (أَن العَبْد إِذا عمل خَطِيئَة لم تكْتب عَلَيْهِ ثَلَاث سَاعَات فَإِن اسْتغْفر وَإِلَّا كتبت عَلَيْهِ) . وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالْبَيْهَقِيّ عَنهُ أَيْضا قَالَ: (بَيْنَمَا رجل رَاكب على حمَار إِذْ عثر بِهِ فَقَالَ: تعست فَقَالَ صَاحب الْيَمين مَا هِيَ بحسنة فاكتبها وَقَالَ صَاحب الشمَال مَا هِيَ سَيِّئَة فاكتبها فَنُوديَ صَاحب الشمَال مَا ترك صَاحب الْيَمين فاكتبه) وَجَاء من طَرِيق عَن مَالك وَمُجاهد: (أَنه يكْتب كل شَيْء يتَكَلَّم بِهِ ابْن آدم حَتَّى أنينه فِي مَرضه) وَالله أعلم. ٢٧ وسئلت عَن طَائِفَة يَعْتَقِدُونَ فِي رجل مَاتَ من مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة أَنه الْمهْدي الْمَوْعُود بظهوره آخر الزَّمَان وَأَن من أنكر كَونه الْمهْدي الْمَذْكُور فقد كفر فَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِم؟ فأجبت: بِأَن هَذَا اعْتِقَاد بَاطِل وضلالة قبيحة وجهالة شنيعة: أما الأول فلمخالفته لصريح الْأَحَادِيث الَّتِي
стр. 26
كَادَت تتواتر بِخِلَافِهِ كَمَا ستملى عَلَيْك. وَأما الثَّانِي فَلِأَنَّهُ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ تَكْفِير الْأَئِمَّة المصرحين فِي كتبهمْ بِمَا يكذب هَؤُلَاءِ فِي زعمهم وَأَن هَذَا الْمَيِّت لَيْسَ الْمهْدي الْمَذْكُور، وَمن كفر مُسلما لدينِهِ فَهُوَ كَافِر مُرْتَد يضْرب عُنُقه إِن لم يتب، وَأَيْضًا فَهَؤُلَاءِ منكرون للمهدي الْمَوْعُود بِهِ آخر الزَّمَان. وَقد ورد فِي حَدِيث عِنْد أبي بكر الإسكافي أَنه ﷺ قَالَ: (من كذب بالدجال فقد كفر وَمن كذب بالمهدي فقد كفر) وَهَؤُلَاء مكذبون بِهِ صَرِيحًا فيخشى عَلَيْهِم الْكفْر، فعلى الإِمَام أيد الله بِهِ الدّين وقصم بِسيف عدله رِقَاب الطغاة والمبتدعة والمفسدين، كهؤلاء الْفرْقَة الضَّالّين الباغين الزَّنَادِقَة المارقين أَن يطهر الأَرْض من أمثالهم ويريح النَّاس من قبائح أَقْوَالهم وأفعالهم، وَأَن يُبَالغ فِي نصْرَة هَذِه الشَّرِيعَة الغراء الَّتِي لَيْلهَا كنهارها ونهارها كليلها فَلَا يضل عَنْهَا إِلَّا هَالك، بِأَن يشدد على هَؤُلَاءِ الْعقُوبَة إِلَى أَن يرجِعوا إِلَى الْهدى وينكفوا عَن سلوك سَبِيل الردى ويتخلصوا من شرك الشّرك الْأَكْبَر، وينادي على قطع دابرهم إِن لم يتوبوا بِاللَّه الْأَكْبَر، فَإِن ذَلِك من أعظم مهمات الدّين وَمن أفضل مَا اعتنى بِهِ فضلاء الْأَئِمَّة وَعُظَمَاء السلاطين، وَقد قَالَ الْغَزالِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي نَحْو هَؤُلَاءِ الْفرْقَة: إِن قتل الْوَاحِد مِنْهُم أفضل من قتل مائَة كَافِر: أَي لِأَن ضررهم بِالدّينِ أعظم وأشدّ إِذْ الْكَافِر تجتنبه الْعَامَّة لعلمهم بقبح حَاله فَلَا يقدر على غواية أحد مِنْهُم، وَأما هَؤُلَاءِ فيظهرون للنَّاس بزِي الْفُقَرَاء وَالصَّالِحِينَ مَعَ انطوائهم على العقائد الْفَاسِدَة والبدع القبيحة فَلَيْسَ للعامة إِلَّا ظَاهِرهمْ الَّذِي بالغوا فِي تحسينه، وَأما باطنهم المملوء من تِلْكَ القبائح والخبائث فَلَا يحيطون بِهِ وَلَا يطلعون عَلَيْهِ لقصورهم عَن إِدْرَاك المخايل الدَّالَّة عَلَيْهِ فيغترون بظواهرهم، ويعتقدون بِسَبَبِهَا فيهم الْخَيْر فيقبلون مَا يسمعُونَ مِنْهُم من الْبدع وَالْكفْر الْخَفي وَنَحْوهمَا، ويعتقدون ظانِّين أَنه الْحق فَيكون ذَلِك سَببا لإضلالهم وغوايتهم، فلهذه الْمفْسدَة الْعَظِيمَة قَالَ الْغَزالِيّ مَا قَالَ من أَن قتل الْوَاحِد من أَمْثَال هَؤُلَاءِ أفضل من قتل مائَة كَافِر، لِأَن الْمَفَاسِد والمصالح تَتَفَاوَت الْأَعْمَال بتفاوتهما، وتتزايد الأجور بحسبهما. إِذا تقرر ذَلِك فلنمل عَلَيْك من الْأَحَادِيث المصرحة بتكذيب هَؤُلَاءِ وتضليلهم وتفسيقهم مَا فِيهِ مقنع وكفاية لمن تدبره. وَأخرج أَبُو نعيم أَنه ﷺ قَالَ: (يخرج الْمهْدي وعَلى رَأسه عِمَامَة وَمَعَهُ مُنَاد يُنَادي هَذَا الْمهْدي خَليفَة الله فاتبعون) . وَأخرج هُوَ والخطيب رِوَايَة أُخْرَى (يخرج الْمهْدي وعَلى رَأسه ملك يُنَادي إِن هَذَا الْمهْدي فَاتَّبعُوهُ) . وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) : (أَنه ﷺ أَخذ بيد عليّ فَقَالَ: يخرج من صلب هَذَا فَتى يمْلَأ الأَرْض قسطاً وعدلاً، فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فَعَلَيْكُم بالفتى التَّمِيمِي فَإِنَّهُ يقبل من قبل الْمشرق وَهُوَ صَاحب راية الْمهْدي) . وَأخرج أَحْمد ونعيم بن دَاوُد وَالْحَاكِم وَأَبُو نعيم أَنه ﷺ قَالَ (إِذا رَأَيْتُمْ الرَّايَات السود قد أَقبلت من خُرَاسَان فأتوها وَلَو حبواً على الثَّلج فَإِن فِيهَا خَليفَة الله الْمهْدي. وَأخرج الداني عَن حُذَيْفَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (تكون وقْعَة بالزوراء، قيل يَا رَسُول الله وَمَا الزَّوْرَاء؟ قَالَ: مَدِينَة بالمشرق بَين أَنهَار يسكنهَا شرار خلق الله وجبابرة من أمتِي تقذف بأَرْبعَة أَصْنَاف من الْعَذَاب بِالسَّيْفِ وَخسف وَقذف ومسخ) . وَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِذا خرجت السودَان طلبت الْعَرَب فيكشفون حَتَّى يلْحقُوا بِبَطن الأَرْض أَو قَالَ بِبَطن الْأُرْدُن، فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ خرج السفياني فِي سِتِّينَ وثلثمائة رَاكب حَتَّى يَأْتِي دمشق، فَلَا يَأْتِي عَلَيْهِم شهر حَتَّى يُتَابِعه من كلب ثَلَاثُونَ ألفا فيبعث جَيْشه إِلَى الْعرَاق فَيقْتل بالزوراء مائَة ألف وَيخرجُونَ إِلَى الْكُوفَة فينتهبونها، فَعِنْدَ ذَلِك تخرج راية من الْمشرق ويقودها رجل من تَمِيم يُقَال لَهُ شُعَيْب بن صَالح فيستنقذ مَا فِي أَيْديهم من سبي أهل الْكُوفَة ويقتلهم، وَيخرج جَيش آخر من جيوش السفياني إِلَى الْمَدِينَة فينتهبونها ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ يَسِيرُونَ إِلَى مَكَّة حَتَّى إِذا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ بعث الله جِبْرِيل فَيَقُول يَا جِبْرِيل عذبهم فيضربهم بِرجلِهِ ضَرْبَة يخسف الله بهم فَلَا يبْقى مِنْهُم إِلَّا رجلَانِ فيقدمان على السفياني ويخبرانه بخسف الْجَيْش فَلَا يهوله، ثمَّ إِن رجَالًا من قُرَيْش يهربون إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة، فيبعث السفياني إِلَى عَظِيم الرّوم أَن يبْعَث بهم فِي المجامع فيبعث بهم إِلَيْهِ فَيضْرب أَعْنَاقهم على بَاب الْمَدِينَة بِدِمَشْق) قَالَ حُذَيْفَة: حَتَّى إِنَّه يُطَاف بِالْمَرْأَةِ فِي مَسْجِد دمشق فِي الْيَوْم على مجْلِس حَتَّى تَأتي فَخذ السفياني فتجلس عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمِحْرَاب قَاعد، فَيقوم مُسلم من الْمُسلمين
стр. 27
فَيَقُول وَيحكم أكفرتم بعد إيمَانكُمْ إِن هَذَا لَا يحل فَيقوم فَيضْرب عُنُقه فِي مَسْجِد دمشق وَيقتل كل من تَابعه فَعِنْدَ ذَلِك يُنَادي مُنَاد من السَّمَاء أَيهَا النَّاس إِن الله قد قطع عَنْكُم الجبارين وَالْمُنَافِقِينَ وأشياعهم وولاكم خير أمة مُحَمَّد ﷺ فالحقوا بِهِ بِمَكَّة فَإِنَّهُ الْمهْدي واسْمه أَحْمد بن عبد الله. قَالَ حُذَيْفَة: فَقَامَ عمرَان بن الْحصين، فَقَالَ: يَا رَسُول الله كَيفَ بِنَا حَتَّى نَعْرفه؟ قَالَ: (هُوَ رجل من وَلَدي كَأَنَّهُ من رجال بني إِسْرَائِيل عَلَيْهِ عباءتان قطوانيتان كأنَّ وَجهه الْكَوْكَب الدرِّي فِي اللَّوْن فِي خَدّه الْأَيْمن خَال أسود، ابْن أَرْبَعِينَ سنة فَيخرج الأبدال من الشَّام وأشباههم وَيخرج إِلَيْهِ النجباء من مصر وعصائب أهل الْمشرق وأشباههم حَتَّى يَأْتُوا مَكَّة فيبايع لَهُ بَين الرُّكْن وَالْمقَام ثمَّ يخرج مُتَوَجها إِلَى الشَّام وَجِبْرِيل على مقدمته وَمِيكَائِيل على سَاقيه فيفرح بِهِ أهل السَّمَاء وَأهل الأَرْض وَالطير والوحش وَالْحِيتَان فِي الْبَحْر، وتزيد الْمِيَاه فِي دولته وتمد الْأَنْهَار وتستخرج الْكُنُوز، فَيقدم الشَّام فَيذْبَح السفياني تَحت الشَّجَرَة الَّتِي أَغْصَانهَا إِلَى بحيرة طبرية وَيقتل كَلْبا. قَالَ رَسُول الله ﷺ : فالخائب من خَابَ يَوْم كلب وَلَو بعقال. قَالَ حُذَيْفَة: يَا رَسُول الله كَيفَ يحل قِتَالهمْ وهم موحدون؟ فَيَقُول رَسُول الله ﷺ : يَا حُذَيْفَة هم يومئذٍ على ردة يَزْعمُونَ أَن الْخمر حَلَال وَلَا يصلونَ) . وَأخرج
стр. 28
أَبُو نعيم بن حَمَّاد أَنه ﷺ قَالَ: (يخرج الْمهْدي من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة فيستخرجه النَّاس من بَينهم فيبايعونه بَين الرُّكْن وَالْمقَام وَهُوَ كَارِه) . وَأخرج أَبُو نعيم أَنه ﷺ قَالَ: (ينزل عِيسَى بن مَرْيَم ﵇ فَيَقُول أَمِيرهمْ الْمهْدي: تعال صل بِنَا، فَيَقُول أَلا وَإِن بَعْضكُم على بعض أُمَرَاء لكرامة هَذِه الْأمة) وَأخرج أَبُو عمر والداراني فِي (سنَنه) أَنه ﷺ قَالَ: (لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي تقَاتل على الْحق حَتَّى ينزل عِيسَى ابْن مَرْيَم ﵇ عِنْد طُلُوع الْفجْر بِبَيْت الْمُقَدّس ينزل على الْمهْدي فَيُقَال: تقدم يَا نَبِي الله فصلّ بِنَا، فَيَقُول: هَذِه الْأمة أُمَرَاء بَعضهم على بعض) . وَورد أَنه ﷺ قَالَ: (فِي المُحَرَّم يُنَادي مُنَاد من السَّمَاء أَلا إِن صفوة الله فلَان فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطيعُوا) . وَفِي حَدِيث: (يكون فِي أمتِي الْمهْدي إِن طَال عمره أَو قصر، وَيملك سبع سِنِين أَو ثَمَان سِنِين أَو تسع سِنِين فيملؤها قسطاً وعدلاً كَمَا ملئت ظلما وجوراً، وتمطر السَّمَاء مطرها وَتخرج الأَرْض بركتها وتعيش أمتِي فِي زَمَانه عَيْشًا لم تعشه قبل ذَلِك) . وَفِي حَدِيث آخر: (سَيكون فِي رَمَضَان صَوت، وَفِي شوّال معمعة، وَفِي ذِي الْقعدَة تحارب الْقَبَائِل، وعلامته نهب الْحَاج وَتَكون ملحمة بمنى يكثر فِيهَا الْقَتْل وتسيل فِيهَا الدِّمَاء حَتَّى تسيل دِمَاؤُهُمْ على الْجَمْرَة حَتَّى يهرب صَاحبهمْ فَيُؤتى بَين الرُّكْن وَالْمقَام فيبايع وَهُوَ كَارِه، وَيُقَال لَهُ إِن أَبيت ضربنا عُنُقك يرضى بِهِ سَاكن السَّمَاء وَسَاكن الأَرْض) . وَفِي حَدِيث آخر: (الْمهْدي طَاوس أهل الْجنَّة) . وَأخرج أَبُو نعيم قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (منا الْمهْدي يُصَلِّي عِيسَى ابْن مَرْيَم خَلفه) . وَأخرج ابْن مَاجَه وَالرُّويَانِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَأَبُو عوَانَة وَالْحَاكِم وَأَبُو نعيم وَاللَّفْظ لَهُ عَن أبي أُمَامَة قَالَ: (خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ وَذكر الدَّجَّال فَقَالَ فينفي من الْمَدِينَة الْخبث كَمَا يَنْفِي الْكِير خبث الْحَدِيد، وَيَدعِي ذَلِك يَوْم الْخَلَاص. قَالَت أم شريك: يَا رَسُول الله فَأَيْنَ الْعَرَب يومئذٍ؟ قَالَ: هم يومئذٍ قَلِيل وجلهم بِبَيْت الْمُقَدّس وإمامهم الْمهْدي رجل صَالح فَبَيْنَمَا إمَامهمْ قد تقدم يُصَلِّي بهم الصُّبْح إِذْ نزل عَلَيْهِ عِيسَى ابْن مَرْيَم الصُّبْح فَرجع ذَلِك الإِمَام الْقَهْقَرَى ليقدم عِيسَى، فَيَضَع عِيسَى صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم، يَده بَين كَتفيهِ فَيَقُول لَهُ: تقدم فصل فَإِنَّهَا لَك أُقِيمَت، فَيصَلي بهم إمَامهمْ) . وَأخرج أَبُو نعيم عَن أبي أُمَامَة أَنه ﷺ قَالَ: (الْمهْدي من وَلَدي ابْن أَرْبَعِينَ سنة كَأَن وَجهه كَوْكَب فِي خَدّه الْأَيْمن خَال أسود عَلَيْهِ عباءتان قطوانيتان كَأَنَّهُ من رجال بني إِسْرَائِيل يسْتَخْرج الْكُنُوز وَيفتح مَدَائِن الشّرك) . وَأخرج ابْن الْجَوْزِيّ أَنه ﷺ قَالَ: (ملك الأَرْض أَرْبَعَة مُؤْمِنَانِ وَكَافِرَانِ، فالمؤمنان ذُو القرنين وَسليمَان، والكافران نمروذ وَبُخْتنَصَّرَ، وسيملكها خَامِس من أهل بَيْتِي) . وَأخرج الرَّوْيَانِيّ فِي (مُسْنده) وَأَبُو نعيم أَنه ﷺ قَالَ: (الْمهْدي رجل من وَلَدي وَجهه كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّي) . وَأَخْرَجَا أَيْضا عَن حُذَيْفَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (الْمهْدي رجل من وَلَدي لَونه لون عَرَبِيّ وجسمه جسم إسرائيلي، على خَدّه الْأَيْمن خَال كَأَنَّهُ كَوْكَب دري يمْلَأ الأَرْض عدلا كَمَا ملئت جوراً، يرضى بخلافته أهل الأَرْض وَأهل السَّمَاء وَالطير فِي الجوّ) . وَأخرج أَبُو نعيم وَغَيره أَنه ﷺ قَالَ: (يخرج الْمهْدي من قَرْيَة يُقَال لَهَا كرعة) . وَأخرج الْخَطِيب أَنه ﷺ قَالَ: (يحبس الرّوم على وَال من عِتْرَتِي اسْمه يواطىء اسْمِي فيقبلون بمَكَان يُقَال لَهُ العماق فيقتتلون فَتقْتل من الْمُسلمين آلَاف أَو نَحْو ذَلِك، ثمَّ يقتتلون يَوْمًا آخر فَيقْتل من الْمُسلمين نَحْو ذَلِك، ثمَّ يقتتلون الْيَوْم الثَّالِث فَيكون على الرّوم، فَلَا يزالون حَتَّى يفتحوا الْقُسْطَنْطِينِيَّة فَبَيْنَمَا هم يقتسمون فِيهَا إِذْ أَتَاهُم صارخ أَن الدَّجَّال قد خلفكم فِي ذَرَارِيكُمْ) . وَجَاء من طرق أُخْرَى عَنهُ ﷺ : (أَن الْمهْدي من عترته من ولد فَاطِمَة ﵂ ابْنَته، وَأَنه أجلى الْجَبْهَة أقنى الْأنف) وَفِي رِوَايَة: (أَشمّ الْأنف) وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (أَعلَى الْجَبْهَة أفرق الثنايا) وَأَنه يملك سبع سِنِين يمْلَأ الأَرْض عدلا، وَأَنه يقسم المَال صحاحاً بِالسَّوِيَّةِ بَين النَّاس، ويملأ قُلُوب مُحَمَّد ﷺ غنى ويوسعهم عدله حَتَّى أَنه يَأْمر منادياً فينادي من لَهُ حَاجَة فليأت إليّ فَلَا يَأْتِيهِ إِلَّا رجل وَاحِد يسْأَله فيأمر منادياً فيعطيه فيأمره أَن يحثى لَهُ فيحثى لَهُ حَتَّى لَا يَسْتَطِيع أَن يحمل فَيَضَع مِنْهُ حَتَّى يقدر على حمله، ثمَّ يَقُول لنَفسِهِ يَأْبَى النَّاس كلهم وتأخذي أَنْت فَيرجع لرَسُول الْمهْدي ليَرُدهُ عَلَيْهِ فَلَا يقبله مِنْهُ، وَأَن اسْمه ﷺ ، وَاسم أَبِيه اسْم أَبِيه. وَأَنه يكون اخْتِلَاف عِنْد موت خَليفَة فَيخرج رجل من أهل الْمَدِينَة هَارِبا إِلَى مَكَّة فيأتيه من أَهلهَا فيخرجونه وَهُوَ كَارِه، فيبايعونه بَين الرُّكْن وَالْمقَام، وَيبْعَث إِلَيْهِ بعث من الشَّام فيخسف بهم بِالْبَيْدَاءِ بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، فَإِذا رأى النَّاس ذَلِك أَتَاهُ أبدال الشَّام وعصائب الْعرَاق فيبايعونه فينشىء رجل من قُرَيْش أَخْوَاله كلب فيبعث أَي الْمهْدي عَلَيْهِم بعثاً يَقْتُلُونَهُمْ فتقسم غنائمهم وَيعْمل فِي النَّاس بِسنة نَبِيّهم، وَإِن مُدَّة ملكه إِن قصرت فسبع وَإِلَّا فتسع، وَأَن النَّاس يتنعمون فِي زَمَنه بِمَا لم يسمعوا بِمثلِهِ قطّ تؤتي الأَرْض أكلهَا وَلَا تدخر عَنْهُم شَيْئا، وَأَنه يخرج نَاس من الْمشرق يوطئون للمهدي سُلْطَانه. وَأَنه ﷺ انتبه وَهُوَ يسترجع، فَقَالَت لَهُ أم سَلمَة: مِم تسترجع يَا رَسُول الله؟ قَالَ: من أجل جَيش يَجِيء من قبل الْعرَاق فِي طلب رجل من أهل الْمَدِينَة فيمنعه الله مِنْهُم فَإِذا علوا الْبَيْدَاء من ذِي الحليفة خسف بهم فَلَا يدْرك أعلاهم أسفلهم وَلَا أسفلهم أعلاهم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَأَنه يحثو المَال حثياً وَلَا يعدّه عدا. وَإِن الْمهْدي يُبَايع بَين الرُّكْن وَالْمقَام وعدة من مَعَه ثلثمِائة وَبضْعَة عشر، فَتَأْتِيه عصائب أهل الْعرَاق وأبدال أهل الشَّام فيغزوه جَيش من أهل الشَّام فيخسف بهم بِالْبَيْدَاءِ) . وَأَنه ﷺ أَخذ بيد عليّ وَقَالَ: (يخرج من صلب هَذَا فَتى يمْلَأ الأَرْض قسطاً وعدلاً فَإذْ رَأَيْتُمْ ذَلِك فعيكم بالفتى التَّمِيمِي فَإِنَّهُ يقبل من قبل الْمشرق وَهُوَ صَاحب راية الْمهْدي. وَأَن السفياني: أَي وَهُوَ من ذُرِّيَّة أبي سُفْيَان، يخرج بِالشَّام وَعَامة من يتبعهُ من كلب فيبقر بطُون النِّسَاء وَيقتل الصّبيان، ثمَّ يبْعَث الْمهْدي وَقد خرج للْحرَّة جَيْشًا فيهزمهم الْمهْدي، فيسير إِلَيْهِ السفياني هُوَ وَمن مَعَه حَتَّى إِذا صَار ببيداء من الأَرْض حسف بهم فَلَا ينجو مِنْهُم إِلَّا الْمخبر عَنْهُم. وَأَنه من عترته، وَهُوَ الَّذِي يؤمّ عِيسَى صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم) فَهَذِهِ الْجُمْلَة من الْأَحَادِيث تكذب أُولَئِكَ الْمَذْكُورين فِي السُّؤَال وتبدعهم وتضللهم وتقضي عَلَيْهِم بِالْجَهْلِ المفرط والحماقة العظماء. وَكَذَا ورد عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ مَا يردّ على أُولَئِكَ الحمقى أَيْضا. فمما ورد عَن عَليّ كرم الله وَجهه أَنه سَيكون فتْنَة عَظِيمَة وَأَنه لَا يسب أهل الشَّام بل ظلمتهم فَإِن فيهم الأبدال، وَأَنه يُرْسل عَلَيْهِم سيل من السَّمَاء فيغرقهم، ثمَّ يبْعَث الله عِنْد ذَلِك رجلا من عترته ﷺ فِي اثْنَي عشر ألفا إِن قلوا وَخَمْسَة عشر إِن كَثُرُوا على ثَلَاث رايات يقاتلهم أهل سبع رايات لَيْسَ من صَاحب راية إِلَّا وَهُوَ يطْمع بِالْملكِ فيقتلون وينهزمون، ثمَّ يظْهر عَلَيْهِم الْهَاشِمِي فَيرد الله إِلَى الْمُسلمين ألفتهم ونعمتهم فيكونون على ذَلِك حَتَّى يخرج الدَّجَّال) وَأَنه قَالَ لعمر ﵁ حِين قَالَ: لَا أَدْرِي أدع خَزَائِن الْبَيْت، أَي الْكَعْبَة، وَمَا فِيهِ من المَال وَالسِّلَاح أَو أقسمه فِي سَبِيل الله: امْضِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فلست بِصَاحِبِهِ إِنَّمَا صَاحبه منا شَاب من قُرَيْش يقسمهُ فِي آخر الزَّمَان، وَأَنه قَالَ: إِن الْمهْدي يظْهر إِذا نَادَى مُنَاد فِي السَّمَاء إِن الْحق فِي آل مُحَمَّد يظْهر حينئذٍ على أَفْوَاه النَّاس وَيَشْرَبُونَ حبه فَلَا يكون لَهُم ذكر غَيره) ، وَأَنه يخرج رايات سود فَيُقَاتل السفياني فيهم شَاب من بني هَاشم فِي كَفه الْيُسْرَى خَال وَفِي مقدمته رجل من تَمِيم يدعى بشعيب بن صَالح فيهزمهم) . وَإِن السفياني إِذا خرجت خيله بعث لأهل خُرَاسَان فَيخْرجُونَ إِلَى الْمهْدي
стр. 29
فيلتقي هُوَ والهاشمي برايات سود على مقدمته شُعَيْب بن صَالح فيلتقى هُوَ والسفياني فِي بَاب اصطخر فَيكون بَينهم مقتلة عَظِيمَة فتظهر الرَّايَات السود وتهرب خيل السفياني فَعِنْدَ ذَلِك يتَمَنَّى النَّاس الْمهْدي ويطلبونه) . وَأَنه يخرج رجل قبل الْمهْدي من أهل بَيته بالمشرق يحمل السَّيْف على عَاتِقه ثَمَانِيَة عشر شهرا يقتل ويمثل وَيتَوَجَّهُ إِلَى بَيت الْمُقَدّس فَلَا يبلغهُ حَتَّى يَمُوت) . وَأَنه يبْعَث جَيش إِلَى الْمَدِينَة فَيَأْخُذُونَ من قدر عَلَيْهِ من آل مُحَمَّد ﷺ وَيقتل من بني هَاشم رجال وَنسَاء، فَعِنْدَ ذَلِك يهرب الْمهْدي وَرجل آخر من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة فيبعث فِي طلبهما وَقد لَحقا بحرم الله وأمنه) . وَأَنه إِذا بعث السفياني على الْمهْدي جَيْشًا فَخسفَ بهم بِالْبَيْدَاءِ وَبلغ ذَلِك أهل الشَّام وَقَالُوا لخليفتهم قد خرج الْمهْدي فَبَايعهُ وَأدْخل فِي طَاعَته وَإِلَّا قتلناك، فَيُرْسل إِلَيْهِ بالبيعة ويسير الْمهْدي حَتَّى ينزل بَيت الْمُقَدّس وَتقبل إِلَيْهِ الخزائن وَتدْخل الْعَرَب والعجم وَأهل الْحَرْب وَالروم وَغَيرهم فِي طَاعَته من غير قتال حَتَّى يَبْنِي الْمَسَاجِد بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَمَا دونهَا) . وَأَن الْمهْدي مولده بِالْمَدِينَةِ من أهل بَيت النَّبِي ﷺ ، واسْمه اسْمِي وَاسم أَبِيه اسْم أبي وَمُهَاجره بَيت الْمُقَدّس كث اللِّحْيَة أكحل الْعَينَيْنِ براق الثنايا فِي وَجهه خَال وَفِي كتفه عَلامَة النَّبِي ﷺ يخرج براية النَّبِي ﷺ من مرط معلمة بسوداء مربعة فِيهَا حجر لم تتبين مُنْذُ توفّي رَسُول الله ﷺ وَلَا تنشر حَتَّى يخرج الْمهْدي يمده الله بِثَلَاثَة آلَاف من الْمَلَائِكَة يضْربُونَ وُجُوه من خالفهم وأدبارهم يبْعَث وَهُوَ مَا بَين الثَّلَاثِينَ إِلَى الْأَرْبَعين) . وَأَنه قَالَ الْمهْدي: مني من قُرَيْش آدم ضرب من الرِّجَال) ، وَأَنه قَالَ: إِذا خرجت الرَّايَات السود إِلَى السفياني الَّتِي فِيهَا شُعَيْب بن صَالح تمنى النَّاس الْمهْدي فيطلبونه، فَيخرج من مَكَّة وَمَعَهُ راية رَسُول الله ﷺ فَيصَلي رَكْعَتَيْنِ بعد أَن يئس النَّاس من خُرُوجه لما طَال عَلَيْهِم من الْبلَاء، فَإِذا فرغ من صلَاته انْصَرف فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس يَا أمة مُحَمَّد يَا أهل بَيته خَاصَّة قد قهرنا وبغى علينا. وَأَنه قَالَ الْمهْدي: رجل منا من ولد فَاطِمَة وَأَنه يَلِي أَمر النَّاس ثَلَاثِينَ أَو أَرْبَعِينَ سنة) ، وينافي هَذَا مَا مر من أَن مُدَّة ملكه سبع سِنِين أَو تسع، وَقد يُجَاب إِن صَحا بِأَن السَّبع أَو التسع فِيهَا نِهَايَة ملكه وَمَا قبلهَا فِيهِ بدايته فَهَذِهِ الْآثَار كلهَا عَن عليّ كرّم الله وَجهه تكذب أُولَئِكَ الضَّالّين المارقين. وَيرد عَلَيْهِم مَا قَالَ عبد الغافر الْفَارِسِي وَابْن الْجَوْزِيّ وَابْن الْأَثِير فِي ذكر عليّ أَن الْمهْدي من ولد الْحسن وَأَنه منفرج الفخذين: أَي بَينهمَا تبَاعد. وَمِمَّا جَاءَ عَن الْحسن ﵁ أَنه قَالَ: بِالريِّ رجل ربعَة أسمر من بني تَمِيم مجذوم كَوْسج يُقَال لَهُ: شُعَيْب بن صَالح فِي أَرْبَعَة آلَاف ثِيَابهمْ بيض وراياتهم سود يكون على مُقَدّمَة الْمهْدي، وَلَا يلقاه أحد إِلَّا قَتله) ، وَمَا ورد عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ: الْمهْدي منا يَدْفَعهُ إِلَى عِيسَى ابْن مَرْيَم، وَأَن الْمهْدي يبْعَث بعد إِيَاس وَحَتَّى يَقُول النَّاس لامهدي، وأنصاره أنَاس من أهل الشَّام عَددهمْ ثلثمِائة وَخَمْسَة عشر عدد أَصْحَاب بدر يَسِيرُونَ إِلَيْهِ من الشَّام حَتَّى يستخرجونه من بطن مَكَّة من دَار عِنْد الصَّفَا فيبايعونه كرها فَيصَلي بهم رَكْعَتَيْنِ عِنْد الْمقَام ثمَّ يصعد الْمِنْبَر) . وَمِمَّا ورد عَن ابْن مَسْعُود ﵁: أَن الطّرق إِذا انْقَطَعت وَكَثُرت الْفِتَن خرج سَبْعَة نفر عُلَمَاء من أفق شَتَّى على غير ميعاد يُبَايع لكل رجل مِنْهُم ثلثمِائة وَبضْعَة عشر رجلا حَتَّى يجتمعوا بِمَكَّة فتلتقي السَّبع فَيَقُول بَعضهم لبَعض: مَا جَاءَ بكم؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا فِي طلب هَذَا الرجل الَّذِي يَنْبَغِي أَن تهدأ على يَدَيْهِ هَذِه الْفِتَن وتفتح بِهِ الْقُسْطَنْطِينِيَّة، قد عَرفْنَاهُ باسمه وَاسم أَبِيه وجنسه، فيصيبونه بِمَكَّة فينفلتُ مِنْهُم إِلَى الْمَدِينَة فيطلبونه بهَا فيخالفهم إِلَى مَكَّة، فَيَأْتُونَ إِلَيْهِ فينفلت مِنْهُم إِلَى الْمَدِينَة، فيطلبونه فيخالِفُهم إِلَى مَكَّة فيصُيبونه بهَا عِنْد الرُّكْن، فَيَقُولُونَ: إثْمنا عَلَيْك ودماؤنا فِي عُنقك إِن لم تمدَّ يدك نُبَايِعك، هَذَا عَسْكَر السفياني قد توجَّه فِي طلبنا عَلَيْهِم رجل من حرَام، فيجلس بَين الرُّكْن وَالْمقَام فيمدّ يَده فيبايَع لَهُ، فَيلقى الله محبَّته فِي صُدُور النَّاس فيسير مَعَ قوم أُسْدٍ بِالنَّهَارِ رُهْبان بِاللَّيْلِ، ويهزم الله على يَدَيْهِ الرّوم وَيذْهب الله على يَدَيْهِ الْفقر، وَينزل الشَّام وَمِمَّا جَاءَ عَن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ أَن عَلامَة خُرُوج الْمهْدي أَن يخسف بِجَيْش فِي الْبَيْدَاء. وَمِمَّا جَاءَ عَن أكَابِر أهل الْبَيْت فِيهِ قَول مُحَمَّد بن عَليّ: لمهدينا آيتان لم يَكُونَا مُنْذُ خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض: ينكسف الْقَمَر لأوّل لَيْلَة من رَمَضَان، وتنكسف الشَّمْس فِي النّصْف مِنْهُ، وَلم يَكُونَا مُنْذُ خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض. وَقَول
стр. 30
مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة: تخرج رايات سود لبنى الْعَبَّاس، ثمَّ تخرج من خُرَاسَان أُخْرَى سود قلانسهم سود وثيابهم بيض على مقدمتهم رجل يُقَال لَهُ: شُعَيْب بن صَالح من تَمِيم يهزمون أَصْحَاب السفياني، حَتَّى ينزل بِبَيْت الْمُقَدّس يوطىء للمهدي سُلْطَانه ويمد إِلَيْهِ ثلثمِائة من الشَّام، يكون بَين خُرُوجه وَبَين أَن يسلم الْأَمر للمهدي اثْنَان وَسَبْعُونَ شهرا. وَقَول أبي جَعْفَر لَا يخرج الْمهْدي حَتَّى يرَوا الظلمَة) . وَقَوله يُنَادي مُنَاد من السَّمَاء أَن الْحق فِي آل مُحَمَّد، وينادي مُنَاد من الأَرْض أَن الْحق فِي آل عِيسَى أَو قَالَ الْعَبَّاس فَشك فِيهِ، وَإِنَّمَا الصَّوْت الْأَسْفَل كلمة الشَّيْطَان وَالصَّوْت الْأَعْلَى كلمة الله الْعليا. وَقَول جَعْفَر يقوم الْمهْدي سنة مِائَتَيْنِ. وَقَوله يظْهر الْمهْدي بِمَكَّة عِنْد الْعشَاء مَعَه راية رَسُول الله ﷺ وقميصه وسيفه وعلامات وَنور وَبَيَان فَإِذا صلى الْعشَاء خطب خطْبَة بِأَعْلَى صَوته وَذكر طولهَا ثمَّ قَالَ: فَيظْهر فِي ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر رجلا عدد أهل بدر على غير ميعاد رُهْبَان بِاللَّيْلِ أَسد بِالنَّهَارِ فَيفتح الله لَهُ أَرض الْحجر، ويستخرج من كَانَ فِي السجْن من بني هَاشم، وتنزل الرَّايَات السود بِالْكُوفَةِ فيبعث بِالْبَعْثِ إِلَى الْمهْدي، وَيبْعَث الْمهْدي جُنُوده إِلَى الْآفَاق وَيُمِيت الْجور وَأَهله وتستقيم لَهُ الْبلدَانِ وَيفتح الله على يَدَيْهِ الْقُسْطَنْطِينِيَّة. وَجَاء عَن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن: الْمهْدي أزجَّ أبْلج الْعَينَيْنِ يَجِيء حَتَّى يَسْتَوِي على مِنْبَر دمشق وعمره ثَمَان عشرَة سنة) ، ويعارضه الحَدِيث السَّابِق أَنه ابْن أَرْبَعِينَ سنة إِلَّا أَن يجمع بَينهمَا بِأَنَّهَا أَوَان ظُهُور مُلْكه ونهايته وجلوسه على مِنْبَر دمشق قبل ذَلِك. وَيُؤَيِّدهُ مَا جَاءَ عَن صباح قَالَ: يمْكث الْمهْدي فيهم تسعا وَثَلَاثِينَ سنة يَقُول الصَّغِير يَا لَيْتَني كَبرت وَيَقُول الْكَبِير يَا لَيْتَني كنت صَغِيرا. وَجَاء عَن عليّ كرّم الله وَجهه: أَنه يَلِي أَمر النَّاس ثَلَاثِينَ أَو أَرْبَعِينَ سنة) وَلَا يُنَافِيهِ الْخَبَر السَّابِق أَنه يملك سبع أَو تسع سِنِين لِإِمْكَان حمله أَن ذَلِك مُدَّة تزايد ظُهُور ملكه وقوته. وَجَاء عَن كَعْب: أَن عَلامَة خُرُوجه ألوية تقبل من الْمغرب وَعَلَيْهَا رجل أعرج من كِنْدَة، وَأَنه خاشع لله تَعَالَى كخشوع النسْر بجناحه، وَأَنه يبْعَث بِقِتَال الرّوم فيستخرج تَابُوت السكينَة من غَار أنطاكية، وَأَنه إِنَّمَا سمي الْمهْدي لِأَنَّهُ يهدي لأمر قد خَفِي يسْتَخْرج التابوت من أَرض يُقَال لَهَا أنطاكية، وَأَن قادته خير النَّاس وَأَن نصرته وبيعته من أهل كرمان واليمن وأبدال الشَّام على مقدمته جِبْرِيل وساقته مِيكَائِيل مَحْبُوب فِي الْخَلَائق يطفىء الله بِهِ الْفِتْنَة العمياء وتأمن الأَرْض حَتَّى إِن الْمَرْأَة لتحج فِي خمس نسْوَة مَا مَعَهُنَّ رجل لَا يتقين إِلَّا الله تُعْطى الأَرْض زَكَاتهَا وَالسَّمَاء بركتها، وَأَنه قَالَ: إِنِّي أجد الْمهْدي مَكْتُوبًا فِي أسفار الْأَنْبِيَاء مَا فِي عمله ظلم وَلَا عيب، وَإِن أول لِوَاء يعقده ببيعته إِلَى التّرْك فيهزمهم وَيَأْخُذ مِنْهُم من السَّبي وَالْأَمْوَال، ثمَّ يسير إِلَى الشَّام فيفتحها ثمَّ يعْتق كل من مَعَه وَيُعْطِي أَصْحَابه قيمتهم، وَأَنه يكون بعد الْمهْدي خَليفَة من أهل الْيمن من قحطان أَخُو الْمهْدي فِي دينه يعْمل بِعَمَلِهِ وَهُوَ الَّذِي يفتح مَدِينَة الرّوم ويصيب غنائمها، وَإِن الدَّجَّال يحاصر الْمُؤمنِينَ بِبَيْت الْمُقَدّس فيصيبهم جوع شَدِيد، حَتَّى يَأْكُلُوا أوتار قسيهم من الْجُوع فَبَيْنَمَا هم على ذَلِك إِذْ سمعُوا صَوتا فِي الغَلَس فَيَقُولُونَ إِن هَذَا لصوت رجل شبعان فَيَنْظُرُونَ فَإِذا بِعِيسَى ابْن مَرْيَم ﵊ فتقام الصَّلَاة فَيرجع إِمَام الْمُسلمين الْمهْدي. فَيَقُول عِيسَى: تقدم فلك أُقِيمَت الصَّلَاة فَيصَلي بهم تِلْكَ اللَّيْلَة ثمَّ يكون عِيسَى إِمَامًا بعْدهَا، وَإنَّهُ إِذا ملك رجل الشَّام وَآخر مصر فاقتتل الشَّامي والمصري، وَسبي أهل الشَّام قبائل من مصر وَأَقْبل رجل من الْمشرق برايات سود صغَار قبل صَاحب الشَّام فَهُوَ الَّذِي يُؤَدِّي الطَّاعَة إِلَى الْمهْدي) ، وَبقيت لَهُ عَلَامَات أخر تعرف من كتابي (القَوْل الْمُخْتَصر فِي عَلَامَات الْمهْدي المنتظر) وَالله تَعَالَى أعلم بِالصَّوَابِ. ٢٨ وَسُئِلَ ﵁: عَن خطيب يرقى الْمِنْبَر فِي كل جُمُعَة ويروي أَحَادِيث كَثِيرَة وَلم يبين مخرجيها وَلَا رواتها، وَمن جملَة مَا رَوَاهُ وَذكر أَنه حَدِيث: (أَن التجَّار هم الفجَّار إِلَّا من قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَهَكَذَا) وَمن أَحْوَال هَذَا الْخَطِيب أَن لَهُ مَكْساً على مَا يدْخل بَلَده من الْبِطِّيخ وَالْخضر وَنَحْو ذَلِك على كل حمل بطيخ بطيخة وَله على كل قفص من الرطب عثماني وعَلى كل نوع من أَنْوَاع الْخضر شَيْء معِين، وَيتَعَاطَى ذَلِك بِيَدِهِ فِي كل يَوْم مُدَّة طَوِيلَة، وَيقبض من المُشْتَرِي الْعشْرَة مثلا ويدفعها للْبَائِع تِسْعَة، وَله أَحْوَال أُخْرَى تشابه مَا ذكر، وَهُوَ مَعَ ذَلِك يَدعِي رفْعَة فِي الْعلم وسموّا فِي الدّين، فَمَا الَّذِي يجب عَلَيْهِ وَمَا الَّذِي يلْزمه إِن اسْتحلَّ ذَلِك أَو لم يستحله؟ أفتونا مَأْجُورِينَ أثابكم الله الْجنَّة بفضله وَمِنْه آمين. فَأجَاب ﵁ بقوله:
стр. 31
مَا ذكره من الْأَحَادِيث فِي خطبه من غير أَن يبين رواتها أَو من ذكرهَا فَجَائِز بِشَرْط أَن يكون من أهل الْمعرفَة فِي الحَدِيث، أَو ينقلها من كتاب مؤلفة كَذَلِك، وَأما الِاعْتِمَاد فِي رِوَايَة الْأَحَادِيث على مُجَرّد رؤيتها فِي كتاب لَيْسَ مُؤَلفه من أهل الحَدِيث، أَو فِي خطب لَيْسَ مؤلفها كَذَلِك فَلَا يحل ذَلِك، وَمن فعله عُزِّر عَلَيْهِ التعزيز الشَّديد، وَهَذَا حَال أَكثر الخطباء فَإِنَّهُم بِمُجَرَّد رُؤْيَتهمْ خطْبَة فِيهَا أَحَادِيث حفظوها وخطبوا بهَا من غير أَن يعرفوا أَن لتِلْك الْأَحَادِيث أصلا أم لَا، فَيجب على حكام كل بلد أَن يزجروا خطباءها عَن ذَلِك، وَيجب على حكام بلد هَذَا الْخَطِيب مَنعه من ذَلِك إِن ارْتَكَبهُ، وَأما ذكره الحَدِيث الْمَذْكُور فصدره وَارِد بل صَحِيح كَمَا قَالَه التِّرْمِذِيّ وَهُوَ: (أَن رَسُول الله ﷺ خرج إِلَى الْمصلى فَرَأى النَّاس يتبايعون فَقَالَ: يَا معشر التُّجَّار، فاستجابوا لرَسُول الله ﷺ وَرفعُوا أَعْنَاقهم وأبصارهم إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِن التجَّار يُبْعثون يَوْم الْقِيَامَة فجَّاراً إِلَّا من اتَّقى الله وبرّ وَصدق) وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة: (إِن التجَّار هم الفجَّار، قيل: يَا رَسُول الله أَلَيْسَ قد أحل الله البيع؟ قَالَ: بلَى، وَلَكنهُمْ يحدّثون فيكذبون ويحلفون فيأثمون) وَأما آخِره وَهُوَ: (إِلَّا من قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَهَكَذَا) فَلم يرد فِيهِ شَيْء من كتب الحَدِيث بعد الْبَحْث عَنهُ، فعلى هَذَا الْخَطِيب أَن يبين مُسْتَنده فِي رِوَايَته فَإِن كَانَ مُسْتَندا صَحِيحا فَلَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ وَإِلَّا سَاغَ الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ بل وَجَاز لوليّ الْأَمر أيد الله بِهِ الدّين، وقمع بعدله المعاندين أَن يعزله من وَظِيفَة الخطابة زجرا لَهُ عَن أَن يتجرأ على هَذِه الْمرتبَة السّنيَّة بِغَيْر حق، وَلَو كَانَ عِنْد هَذَا الْخَطِيب علم لعدل عَن هَذِه الرِّوَايَة الَّتِي ذكرهَا إِلَى الرِّوَايَة الأولى الَّتِي ذَكرنَاهَا وَهِي: (أَن التُّجَّار يبعثون يَوْم الْقِيَامَة فجاراً إِلَّا من اتَّقى الله وبرّ وَصدق) فَإِن هَذَا الحَدِيث صَحِيح وَمَعْنَاهُ ظَاهر فَإِن التُّجَّار على قسمَيْنِ قسم مِنْهُم يجْتَنب فِي بَيْعه وشرائه وَسَائِر معاملاته جَمِيع الْمُحرمَات كالربا والغش والخديعة وَالْكذب وَالْحلف بِالْبَاطِلِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِك يخرج حق الله تَعَالَى وَحقّ الْعباد من نَفسه وَمَاله، فَأهل هَذَا الْقسم لَا يبعثون يَوْم الْقِيَامَة فجاراً بِنَصّ الْكتاب الْعَزِيز وَسنة رَسُول الله ﷺ وبإجماع أَئِمَّة الْمُسلمين، بل هَؤُلَاءِ يبعثون يَوْم الْقِيَامَة سعداء فِي الْآخِرَة كَمَا كَانُوا سعداء فِي الدُّنْيَا، بل هم أفضل من الْفُقَرَاء الصابرين كَمَا قَالَ جمَاعَة وَيدل لَهُ: (أَن فُقَرَاء الصَّحَابَة قَالُوا يَا رَسُول الله ذهب أهل الدُّثُور أَي الْأَمْوَال بِالْأُجُورِ فيصلون كَمَا نصلي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُوم وَيزِيدُونَ بِالصَّدَقَةِ بِفضل أَمْوَالهم فَقَالَ لَهُم رَسُول الله ﷺ : إِن لكم بِكُل تَكْبِيرَة صَدَقَة وَبِكُل تَسْبِيحَة صَدَقَة وَبِكُل تَحْمِيدَة صَدَقَة، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله أَرَأَيْت لَو فعلوا ذَلِك، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم) . فَدلَّ ذَلِك على أَن الْأَغْنِيَاء الشَّاكِرِينَ وهم من سبق أفضل من الْفُقَرَاء الصابرين لأَنهم يَفْعَلُونَ مَا يَفْعَلُونَهُ من الْعِبَادَات وَيزِيدُونَ على الْفُقَرَاء بالزكوات وَالصَّدقَات، وَفِي هذَيْن من نفع الْمُسلمين مَا يَرْبُو ثَوَابه على كثير من الْأَعْمَال القاصرة هَذَا هُوَ الْقسم الأول وهم المرادون بقوله ﷺ فِي الحَدِيث السَّابِق: (إِلَّا من اتَّقى الله وبرّ وَصدق) وهم المرادون أَيْضا بالْخبر الصَّحِيح: (التَّاجِر الصدوق الْأمين يحْشر مَعَ النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ يَوْم الْقِيَامَة) وَورد: (التَّاجِر الصدوق لَا يحجب من أَبْوَاب الْجنَّة) . وَورد أَيْضا: (التَّاجِر الصدوق تَحت ظلّ الْعَرْش يَوْم الْقِيَامَة) . وبهذه الْأَحَادِيث يسْتَدلّ على مَا قَالَه جمَاعَة من أَصْحَاب الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ من أَن التِّجَارَة أفضل من الزِّرَاعَة وَأفضل من الصَّنْعَة، وَيدل لَهُ أَيْضا أَنه ﷺ اتّجر مَرَّات وَلم يثبت عَنهُ أَنه زرع وَلَا أَنه كَانَت لَهُ صَنْعَة وَالله لَا يخْتَار لنَبيه ﷺ إِلَّا الْأَفْضَل، وَقد اخْتَار لَهُ من أصُول المكاسب الَّتِي هِيَ التِّجَارَة والزراعة والصناعة التِّجَارَة دون الزِّرَاعَة والصنعة. فَدلَّ على فَضلهَا. وَقد اسْتدلَّ ابْن عبد السَّلَام على تَفْضِيل الْغَنِيّ الشاكر على الْفَقِير الصابر بِأَن الله تَعَالَى لَا يخْتَار لنَبيه إِلَّا الْأَفْضَل، وَأفضل أَحْوَاله ﷺ الْحَالة الَّتِي توفاه الله عَلَيْهَا وَكَانَت تِلْكَ الْحَالة على غَايَة من غناهُ ﷺ فَدلَّ على فضل الْغَنِيّ بِشَرْطِهِ على الْفقر. وروى أَبُو الشَّيْخ وَأَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ حَدِيث: (من طلب الدُّنْيَا حَلَالا تقنعا عَن الْمَسْأَلَة وسعيا على عِيَاله وتعطفا على جَاره لَقِي الله تَعَالَى وَوَجهه كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر) . وَقَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ: استغن بِالْكَسْبِ الْحَلَال عَن الْفقر فَإِنَّهُ مَا افْتقر أحد قطّ إِلَّا أَصَابَهُ ثَلَاث خِصَال: رقة فِي دينه وَضعف فِي عقله وَذَهَاب مروءته، وَأعظم من هَذِه الثَّلَاثَة: استخفاف النَّاس بِهِ وَسُئِلَ
стр. 32
بعض التَّابِعين عَن التَّاجِر الصدوق أهوَ أحب إِلَيْك أم المتفرغ لِلْعِبَادَةِ؟ فَقَالَ: التَّاجِر الصدوق أحب إليّ لِأَنَّهُ فِي جِهَاد يَأْتِيهِ الشَّيْطَان من طَرِيق الْمِكْيَال وَالْمِيزَان وَمن قبل الْأَخْذ وَالعطَاء فيجاهده: أَي وَلَا يطاوعه فِيمَا يَأْمُرهُ بِهِ من الْمُحرمَات. وَقيل للْإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ مَا تَقول فِيمَن جلس فِي بَيته أَو مَسْجده وَقَالَ: لَا أعمل شَيْئا حَتَّى يأتيني رِزْقِي؟ فَقَالَ أَحْمد: هَذَا رجل لم يسمع الْعلم أما سمع قَول النَّبِي ﷺ : (إِن الله جعل رِزْقِي تَحت ظلّ رُمْحِي) . وَكَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يتجرون فِي الْبر وَالْبَحْر ويعملون فِي نخيلهم والقدوة بهم. وَالْقسم الثَّانِي هم الَّذين لَا يجتنبون فِي بيعهم وشرائهم ومعاملاتهم الْمُحرمَات كالربا والغش وَالْحلف الْبَاطِل وَغير ذَلِك من القبائح الَّتِي انطوى عَلَيْهَا أَكثر التُّجَّار، وَهَؤُلَاء فجار فِي الدُّنْيَا والآخره وهم مِمَّن قَالَ الله تَعَالَى فِي حَقهم فِي كِتَابه الْعَزِيز: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا أُوْلَائِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِى الأٌّخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمرَان: ٧٧] . وَفِي حَدِيث مُسلم: (ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة: رجل حلف على سلْعَته لقد أعْطى بهَا أَكثر مِمَّا أعْطى وَهُوَ كَاذِب) وروى أَبُو يعلى أَنه ﷺ قَالَ: (لَا يزَال قَول لَا إِلَه إِلَّا الله يدْفع عَن الْخلق سخط الله مَا لم يؤثروا صَفْقَة دنياهم على آخرتهم) وَأهل هَذَا الْقسم هم المرادون بقوله ﷺ : (إِن التُّجَّار هم الْفجار) الحَدِيث. وَإِذا تقرر أَن التُّجَّار على قسمَيْنِ فَلَا يسوغ لهَذَا الْخَطِيب أَن يَأْتِي بِمَا يَقْتَضِي الذَّم لجَمِيع التُّجَّار بل عَلَيْهِ أَن يبين للنَّاس الْإِجْمَال الْوَاقِع فِيمَا يرويهِ أَو يخْطب بِهِ هَذَا إِن كَانَ من أهل ذَلِك، وَإِلَّا فَليُرَاجع الْعلمَاء ويسألهم عَن الْأَحَادِيث وأحكامها ثمَّ يخْطب بهَا، وَأما مَعَ عدم ذَلِك فَلَا يَنْبَغِي وَلَا يسوغ، فَإِن كثيرا من الْعَوام إِذا سمعُوا لفظا مُجملا كالرواية الَّتِي ذكرهَا هَذَا الْخَطِيب يَقُولُونَ إِن جَمِيع التُّجَّار فجار إِلَّا من فرق مَاله، وَهَذَا لَا يَقُول بِهِ أحد من الْمُسلمين، وَإِنَّمَا الَّذِي ورد فِي ذَلِك بل صَحَّ أَحَادِيث. مِنْهَا: (يَا معشر التُّجَّار إِن الشَّيْطَان وَالْإِثْم يحْضرَانِ البيع فشوبوا بيعكم بِالصَّدَقَةِ) / وَبعد أَن علم مَا قَرّرته فَالَّذِي يَنْبَغِي لهَذَا الْخَطِيب أَن يُرَاعِي مَا ذَكرْنَاهُ، وَأَن يعْمل بقضيته وَإِلَّا رتب عَلَيْهِ مُقْتَضى أَفعاله، وَأما مَا ذكر من أَخذه المكس بتفصيله الْمَذْكُور فِي السُّؤَال فَإِن ثَبت عَلَيْهِ ذَلِك فُسقِّ وردتْ شَهَادَته، وَلم يقبل الله مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا، وَكَانَت أَفعاله هَذِه القبيحة أصدق شَاهد على كذبه وافترائه فِي أَن لَهُ رفْعَة فِي الْعلم وسموّا فِي الدّين بل هُوَ من أَجْهَل الْجَاهِلين وأفسق الْفَاسِقين، وَلَا تصح إِمَامَته عِنْد كثيرين من الْعلمَاء، فعلى النَّاس هجره وَاجْتنَاب الصَّلَاة وَرَاءه، فَإِن من يَقُول بِصِحَّتِهَا يَقُول لَا ثَوَاب فِي جماعتها، وَمَتى اسْتحلَّ شَيْئا من أَخذ المُكْس فقد كفر فَتضْرب عُنُقه إِن لم يتب، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. ٢٩ وَسُئِلَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ سؤالاً صورته: نقل الشَّيْخ شهَاب الدّين الْقَرَافِيّ الْمَالِكِي فِي قَوَاعِده مَا هُوَ محرم من الدُّعَاء وَلَيْسَ بِكفْر أَن يسْأَل الله تَعَالَى الاستعفاء فِي ذَاته عَن الْأَمْرَاض، ليسلم طول عمره من الآلام والأسقام والأنكاد والمخاوف وَغير ذَلِك من البلايا، وَقد دلّت الْعُقُول على اسْتِحَالَة جَمِيع ذَلِك؟ قَالَ: فَإِذا كَانَت هَذِه الْأُمُور مستحيلة فِي حَقه تَعَالَى عقلا كَانَ طلبَهَا من الله تَعَالَى سوء أدب عَلَيْهِ لِأَن طلبَهَا يعدّ فِي الْعَادة تلاعباً وضحكاً من الْمَطْلُوب مِنْهُ وَالله تَعَالَى يجب لَهُ من الإجلال فَوق مَا يجب لخلقه إِلَى آخر مَا ذكره رَحمَه الله تَعَالَى، فَإِذا قَالَ الدَّاعِي: اللَّهُمَّ سهل لي أَو قَالَ أَعْطِنِي مَا أحب وأصرف عني مَا أكره هَل يكون من هَذَا الْقَبِيل بِدَلِيل أَن الدَّاعِي يلْحقهُ من الْأَمْرَاض والشواغل نَحْو ذَلِك، فَإِذا قُلْتُمْ نعم فَذَاك وَإِلَّا فَمَا الْفرق؟ فَأجَاب بقوله: مَا ذكره الْقَرَافِيّ صَحِيح وَقد أقره عَلَيْهِ جمَاعَة من أَئِمَّتنَا، وحينئذٍ فَإِذا قَالَ الدَّاعِي: اللَّهُمَّ سهل لي وَأَعْطِنِي مَا أحب واصرف عني مَا أكره، فَإِن أَرَادَ الْعُمُوم الَّذِي ذكره الْقَرَافِيّ حرم عَلَيْهِ ذَلِك، وَإِن أَرَادَ إِعْطَاء مَا يجب من أَنْوَاع مَخْصُوصَة جَائِزَة، وَصرف مَا يكره من أَنْوَاع كَذَلِك أَو أطلق فَلم يرد شَيْئا لم يحرم عَلَيْهِ ذَلِك، أما مَسْأَلَة الْإِرَادَة فَظَاهر، وَأما فِي مَسْأَلَة الْإِطْلَاق فَلِأَن الْمُتَبَادر من اسْتِعْمَال هَذَا اللَّفْظ فِي الْعَادة إِنَّمَا هُوَ سُؤال الله حُصُول أَشْيَاء مهمة من المحبوبات وَدفع أَشْيَاء كَذَلِك من المكروهات فَلم يتَحَقَّق وَجه الْحُرْمَة الَّتِي علل بهَا الْقَرَافِيّ فَإِنَّهُ علل الْحُرْمَة بِأَن طلب مَا ذكره يعد فِي الْعَادة تلاعباً وضحكاً من الْمَطْلُوب مِنْهُ، وَنحن نعلم بِالْعَادَةِ أَن من طلب من الله حُصُول مَا يجب وَدفع مَا يكره لَا يكون متلاعباً ومستهزئاً إِلَّا إِذا أَرَادَ الْعُمُوم بِالْمَعْنَى الَّذِي ذكره الْقَرَافِيّ، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
стр. 33
أعلم بِالصَّوَابِ. ٣٠ وَسُئِلَ فسح الله فِي مدَّته، عَن مَسْأَلَة وَقع فِيهَا جوابان مُخْتَلِفَانِ صورتهَا: هَل يجوز الدُّعَاء للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات بمغفرة جَمِيع الذُّنُوب، وبعدم دُخُولهمْ النَّار أم لَا؟ فَأجَاب الأول فَقَالَ: لَا يجوز فقد ذكر الإِمَام ابْن عبد السَّلَام وَالْإِمَام الْقَرَافِيّ من الْأَئِمَّة الْمَالِكِيَّة أَنه لَا يجوز، لأَنا نقطع بِخَبَر الله وبخبر رَسُوله ﷺ أَن مِنْهُم من يدْخل النَّار، وَأما الدُّعَاء بالمغفرة فِي قَوْله ﵎ حِكَايَة عَن نوح: ﴿رَّبِّ اغْفِرْ لِى وَلِوَالِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨] وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ ورد بِصِيغَة الْفِعْل فِي سِيَاق الدُّعَاء وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي الْعُمُوم لِأَن الْأَفْعَال نكرات وَيجوز قصد مَعْهُود خَاص، وَهُوَ أهل زَمَانه مثلا انْتهى. وَأجَاب الثَّانِي فَقَالَ: يجوز لأمور. أَحدهَا: أَن الْأَئِمَّة ﵃ ذكرُوا أَنه يسن للخطيب أَن يَدْعُو للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات. الْأَمر الثَّانِي: أَن الإِمَام المستغفري روى فِي دعواته عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ مَرْفُوعا: (مَا من دُعَاء أحب إِلَى الله من قَول العَبْد اللَّهُمَّ اغْفِر لأمة مُحَمَّد رَحْمَة عَامَّة) كَذَا فِي العجالة وَغير ذَلِك من الْأَدْعِيَة الَّتِي يُحِيط علمكُم بهَا. الْأَمر الثَّالِث: أَن الشَّيْخ شرف الدّين الْبرمَاوِيّ سُئِلَ هَل يجوز الدُّعَاء بمغفرة جَمِيع الذُّنُوب وبعدم الْوُقُوف لِلْحسابِ؟ فَأجَاب: بِأَنَّهُ يجوز أَن يسْأَل الله مغْفرَة جَمِيع ذنُوبه كلهَا، فَإِن الله تَعَالَى لَهُ أَن يُرضيَّ من لَهُ حق من النَّاس، فيتخلص الدَّاعِي من جَمِيع حُقُوق الله وَحُقُوق النَّاس. وَأما الدُّعَاء بِعَدَمِ الْوُقُوف بَين يَدي الله لِلْحسابِ فَطلب محَال لَا يجوز أَن يَدْعُو بِهِ بل يسْأَل الله تَعَالَى أَن يلطف بِهِ فِي ذَلِك الْموقف فَمَا الرَّاجِح عنْدكُمْ من ذَيْنك الجوابين؟ فَأجَاب بقوله رَحمَه الله تَعَالَى: إِن الدُّعَاء بِعَدَمِ دُخُول أحد من الْمُؤمنِينَ النَّار حرَام بل كفر لما فِيهِ من تَكْذِيب النُّصُوص الدَّالَّة على أَن بعض العصاة من الْمُؤمنِينَ لَا بُد من دُخُوله النَّار. وَأما الدُّعَاء بالمغفرة لجميعهم فَإِن أَرَادَ بِهِ مغْفرَة مستلزمة لعدم دُخُول أحد مِنْهُم النَّار فَحكمه مَا مر، وَإِن أَرَادَ مغْفرَة تخفف عَن بَعضهم وزره، وتمحو عَن بعض آخَرين مِنْهُم أَو أطلق ذَلِك فَلَا منع مِنْهُ. أما فِي مَسْأَلَة الْإِرَادَة فَوَاضِح، وَأما فِي مَسْأَلَة الْإِطْلَاق فَلِأَن الْمَغْفِرَة لَا يسْتَلْزم المحو عَن الْجَمِيع بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّهَا تسْتَعْمل فِي هَذَا الْمَعْنى وَفِي التَّخْفِيف بل لَو قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِر لجَمِيع الْمُؤمنِينَ جَمِيع ذنوبهم، وَأَرَادَ بذلك التَّخْفِيف عَنْهُم لم يحرم، بِخِلَاف مَا لَو أطلق فِي هَذِه الصُّورَة فَإِنَّهُ يحرم عَلَيْهِ بِأَن اللَّفْظ ظَاهر فِي الْعُمُوم بل صَرِيح فِيهِ، فَالْحَاصِل أَنه مَتى قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِر للْمُسلمين ذنوبهم وَأطلق أَو أَرَادَ المحو للْبَعْض وَالتَّخْفِيف للْبَعْض جَازَ، وَإِن أَرَادَ عدم دُخُول أحد مِنْهُم النَّار لم يجز وَإِن قَالَ اغْفِر لجَمِيع الْمُسلمين جَمِيع ذنوبهم وَأطلق أَو أَرَادَ عدم دُخُول أحد مِنْهُم حرم، وَإِن أَرَادَ مَا يَشْمَل التَّخْفِيف جَازَ، وَالْفرق بَين الصُّورَتَيْنِ وَاضح مِمَّا قَرّرته، وَقد أَمر الله نبيه مُحَمَّدًا ﷺ باستغفار للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات بقوله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [غَافِر: ٥٥] ﴾ [التَّوْبَة: ٧٢] فَيتَعَيَّن حينئذٍ حمل كَلَام عبد السَّلَام وتلميذه الْقَرَافِيّ على مَا قَرّرته من التَّفْصِيل، وَبِذَلِك علم أَن إِطْلَاق الْمُجيب الأول الْحُرْمَة وَالثَّانِي عدمهَا غير صَحِيح، واستدلاله بِخَبَر المستغفري غير صَحِيح أَيْضا لِأَن الرَّحْمَة الْعَامَّة لَا تَسْتَلْزِم مغْفرَة جَمِيع الذُّنُوب بِالْمَعْنَى السَّابِق فقد ورد عَن ابْن مَسْعُود ﵄: (إِن لله رَحْمَة على أهل النَّار فِيهَا) لِأَنَّهُ يقدر أَن يعذبهم بأشد مِمَّا هم فِيهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاء: ١٠٧] فَفِي إرْسَاله ﷺ رَحْمَة حَتَّى على أعدائه من حَيْثُ عدم معاجلتهم بالعقوبة، وَالله أعلم. ٣١ وَسُئِلَ فسح الله فِي مدَّته، سؤلاً: وَقع فِي عِبَارَات الْفُقَهَاء مَا يُصَرح بِتَحْرِيم علم التنجيم هَل المُرَاد بِهِ حسابياته أَو أَحْكَامه؟ فَإِن خصصتم الحكم بأحكامه معللين بِأَنَّهُ إنباء عَن الْغَيْب فَمَا عِلّة تحريمهم للطبيعيات مَعَ أَن الظَّاهِر من ظَاهر كَلَامهم اشْتِرَاك الْحكمَيْنِ فِي عِلّة وَاحِدَة؟ فَأجَاب بقوله: الْعُلُوم الْمُتَعَلّقَة بالنجوم مِنْهَا مَا هُوَ وَاجِب كالاستدلال بهَا على الْقبْلَة والأوقات وَاخْتِلَاف الْمطَالع واتحادها وَنَحْو ذَلِك. وَمِنْهَا مَا هُوَ جَائِز كالاستدلال بهَا على منَازِل الْقَمَر وعروض الْبِلَاد وَنَحْوهمَا، وَمِنْهَا مَا هُوَ حرَام كالاستدلال بهَا على وُقُوع الْأَشْيَاء المغيبة بِأَن يقْضِي بِوُقُوع بَعْضهَا مستدلاً بهَا عَلَيْهِ، بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ: إِن الله اطردت عَادَته بِأَن هَذَا النَّجْم إِذا حصل لَهُ كَذَا كَانَ ذَلِك عَلامَة على وُقُوع كَذَا فَهَذَا لَا منع مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا مَحْذُور فِيهِ. وَأما الْبَحْث فِي الطبيعيات فَإِن أُرِيد بِهِ معرفَة الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ على طَرِيق أهل الشَّرْع فَلَا منع وَلَيْسَ مشابهاً للتنجيم الْمحرم، وَإِن أُرِيد بِهِ معرفَة مَا هِيَ عَلَيْهِ
стр. 34
على طَرِيق الفلاسفة فَهُوَ حرَام لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى مفاسد كاعتقاد قدم الْعَالم وَنَحْوه مِمَّا لَا يخفى من قبائحهم، وحرمته حينئذٍ مشابهة لحُرْمَة التنجيم الْمحرم حَيْثُ أفْضى كل مِنْهُمَا إِلَى الْمفْسدَة وَإِن اخْتلفت نوعا وقبحاً، وَالله أعلم. ٣٢ وَسُئِلَ ﵁: عَن كِتَابَة الْأَسْمَاء الَّتِي لَا يعرف مَعْنَاهَا والتوسل بهَا هَل ذَلِك مَكْرُوهَة أَو حرَام؟ وَهل هُوَ مَكْرُوه فِي الْكِتَابَة والتوسل بِتِلْكَ الْأَسْمَاء الَّتِي لَا يعرف مَعْنَاهَا أَو حرَام فِي التوسل دون الْكِتَابَة؟ فقد نقل عَن الْغَزالِيّ أَنه لَا يحل لشخص أَن يقدم على أَمر حَتَّى يعلم حكم الله فِيهِ، وَهل فرق فِي ذَلِك بَين مَا يُوجد فِي كتب الصَّالِحين كَعبد الله بن أسعد اليافعي وَغَيره أم لَا؟ / فَأجَاب بقوله: الَّذِي أفتى بِهِ الْعِزّ بن عبد السَّلَام كَمَا ذكرته عَنهُ فِي (شرح الْعباب) : أَن كتب الْحُرُوف المجهولة للأمراض لَا يجوز الاسترقاء بهَا، وَلَا الرقي بهَا لِأَنَّهُ ﷺ لما سُئِلَ عَن الرقي قَالَ: (اعرضوا عليّ رقاكم فعرضوها فَقَالَ: لَا بَأْس) وَإِنَّمَا لم يَأْمر بذلك لِأَن من الرقي مَا يكون كفرا وَإِذا حرم كتبهَا حرم التوسل بهَا نعم إِن وجدناها فِي كتاب من يوثق بِهِ علما وديناً فَإِن أَمر بكتابتها أَو قرَاءَتهَا احْتمل القَوْل بِالْجَوَازِ حينئذٍ لِأَن أمره بذلك الظَّاهِر أَنه لم يصدر مِنْهُ إِلَّا بعد إحاطته واطلاعه على مَعْنَاهَا وَأَنه لَا مَحْذُور فِي ذَلِك، وَإِن ذكرهَا على سَبِيل الْحِكَايَة عَن الْغَيْر الَّذِي لَيْسَ هُوَ كَذَلِك، أَو ذكرهَا وَلم يَأْمر بِقِرَاءَتِهَا وَلَا تعرض لمعناها فَالَّذِي يتَّجه بَقَاء التَّحْرِيم بِحَالهِ، وَمُجَرَّد ذكر إِمَام لَهَا لَا يَقْتَضِي أَنه عرف مَعْنَاهَا فكثيراً من أَحْوَال أَرْبَاب هَذِه التصانيف يذكرُونَ مَا وجدوه من غير فحص عَن مَعْنَاهُ وَلَا تجربة لمبناه، وَإِنَّمَا يذكرُونَهُ على جِهَة أَن مستعمله رُبمَا انْتفع بِهِ، وَلذَلِك تَجِد فِي ورد الإِمَام اليافعي أَشْيَاء كَثِيرَة لَهَا مَنَافِع وخواص لَا يجد مستعملها مِنْهَا شَيْئا وَإِن تزكت أَعماله وصفت سَرِيرَته، فَعلمنَا أَنه لم يضع جَمِيع مَا فِيهِ عَن تجربة بل ذكر فِيهِ مَا قيل فِيهِ شَيْء من الْمَنَافِع والخواص كَمَا فعل الدَّمِيرِيّ فِي حَيَاة الْحَيَوَان فِي ذكره لخواصها ومنافعها وَمَعَ ذَلِك تَجِد الْمِائَة مَا يَصح مِنْهَا وَاحِد، وَالله أعلم. ٣٣ وَسُئِلَ ﵁: عَن قَول النَّوَوِيّ لطف الله بِهِ فِي آخر بَاب مجَالِس الذّكر من شرح مُسلم: ذكر اللِّسَان مَعَ حُضُور الْقلب أفضل من ذكر الْقلب انْتهى. فَهَل يُؤْخَذ من كَلَامه أَنه إِذا ذكر الله بِقَلْبِه دون لِسَانه أَنه ينَال الْفَضِيلَة إِذا كَانَ مَعْذُورًا أم لَا؟ وَهل إِذا قَرَأَ بِقَلْبِه دون لِسَانه من غير عذر ينَال الْفَضِيلَة أم لَا؟ فَأجَاب بقوله: الذّكر بِالْقَلْبِ لَا فَضِيلَة فِيهِ من حَيْثُ كَونه ذكرا متعبداً بِلَفْظِهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ فَضِيلَة من حَيْثُ استحضاره لمعناه من تَنْزِيه الله وإجلاله بِقَلْبِه، وَبِهَذَا يجمع بَين قَول النَّوَوِيّ الْمَذْكُور، قَوْلهم ذكرالقلب لَا ثَوَاب فِيهِ فَمن نفى عَنهُ الثَّوَاب أَرَادَ من حَيْثُ لَفظه، وَمن أثبت فِيهِ ثَوابًا أَرَادَ من حَيْثُ حُضُوره بِقَلْبِه كَمَا ذَكرْنَاهُ، فَتَأمل ذَلِك فَإِنَّهُ مهمّ، وَلَا فرق فِي جَمِيع ذَلِك بَين الْمَعْذُور وَغَيره، وَالله أعلم. ٣٤ وَسُئِلَ نفع الله تَعَالَى بِهِ: عَمَّن لَهَا أَزوَاج فِي الدُّنْيَا هَل هِيَ فِي الْجنَّة لآخر أزواجها أَو لأحسنهم خلقا فِي الدُّنْيَا؟ وَفِي (شرح الرَّوْض فِي الخصائص) : وَلِأَن الْمَرْأَة لآخر أزواجها كَمَا قَالَه ابْن الْقشيرِي انْتهى. وَفِي مَجْمُوع الأحباب وَتَذْكِرَة أولي الْأَلْبَاب لمُحَمد بن الْحسن الْعَلَاء لأبي الْفرج: وروى عَن أبي الدَّرْدَاء وَحُذَيْفَة ﵄ أَن الْمَرْأَة لآخر أزواجها فِي الدُّنْيَا، وَجَاء أَنَّهَا تكون لأحسنهم خلقا. قَالَ أَبُو بكر بن النجار: حَدثنَا جَعْفَر بن مُحَمَّد. حَدثنَا عبيد بن إِسْحَاق الْعَطَّار. حَدثنَا سُفْيَان بن هارون عَن حميد عَن أنس: (أَن أم حَبِيبَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَت: يَا رَسُول الله الْمَرْأَة يكون لَهَا الزَّوْجَانِ فِي الدُّنْيَا فلأيهما تكون؟ قَالَ: لأحسنهما خلقا كَانَ مَعهَا فِي الدُّنْيَا، ثمَّ قَالَ: يَا أم حَبِيبَة ذهب حسن الْخلق بِخَير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة) . وَرُوِيَ عَن أم سَلمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا نَحْو هَذَا انْتهى. وعَلى الثَّانِي اقْتصر السَّيِّد معِين الدّين الصفوي فِي (تَفْسِيره جَامع الْبَيَان) فَقَالَ: وَمن لَهَا أَزوَاج تخير فتختار أحْسنهم خلقا، وَلم يعرف أَن هَذَا كَلَامه أَو بَقِيَّة الحَدِيث الْمُتَقَدّم؟ فَأجَاب بقوله: روى الطَّبَرَانِيّ عَن أبي الدَّرْدَاء أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (الْمَرْأَة لزَوجهَا الآخر) وَأخرج عبد بن حميد وسمويه وَالطَّبَرَانِيّ والخرائطي فِي مَكَارِم الْأَخْلَاق، وَابْن لال عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (أَن أم حَبِيبَة قَالَت: يَا رَسُول الله الْمَرْأَة يكون لَهَا فِي الدُّنْيَا زوجان لأيهما تكون فِي الْجنَّة؟ قَالَ: تخير فتختار أحْسنهم خلقا كَانَ مَعهَا فِي الدُّنْيَا فَيكون زَوجهَا، يَا أم حَبِيبَة ذهب حسن الْخلق بِخَير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة) وَأخرج الطَّبَرَانِيّ والخطيب عَن أم سَلمَة
стр. 35
رَضِي الله عَنْهَا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهَا: (يَا أم سَلمَة إِنَّهَا تخير فتختار أحْسنهم خلقا، فَتَقول: يَا رب هَذَا كَانَ أحْسنهم خلقا فِي دَار الدُّنْيَا فزوجنيه يَا أم سَلمَة ذهب حسن الْخلق بِخَير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة) . فَإِن قلت: هَذَانِ الحديثان عَن أم حَبِيبَة وَأم سَلمَة يخالفان حَدِيث أبي الدَّرْدَاء ﵃ / قلت: لَا مُخَالفَة لِإِمْكَان الْجمع بَينهمَا بِأَن يحمل الأول على من مَاتَت فِي عصمَة زوج وَقد كَانَت تزوجت قبله بِأَزْوَاج فَهَذِهِ لآخرهم، وَكَذَا لَو مَاتَ واستمرت بِلَا زوج إِلَى أَن مَاتَت فَتكون لآخرهم لِأَن علقته بهَا لم يقطعهَا شَيْء، وَحمل الثَّانِي على من تزوجت بِأَزْوَاج ثمَّ طلقوها كلهم فحينئذٍ تخير بَينهم يَوْم الْقِيَامَة فتختار أحْسنهم خلقا والتخيير هُنَا وَاضح لانْقِطَاع عصمَة كل مِنْهُم، فَلم يكن لأحد مِنْهُم مُرَجّح لاستوائهم فِي وُقُوع علقَة لكل مِنْهُم بهَا مَعَ انقطاعها فاتجه التَّخْيِير حينئذٍ لعدم الْمُرَجح، وَبِمَا سقته من حَدِيث أم حَبِيبَة وَأم سَلمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يعلم أَن التَّخْيِير مَذْكُور فِي الحَدِيث وَأَنه لَيْسَ من كَلَام السَّيِّد الْمَذْكُور فِي السُّؤَال، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ كَذَا وجد للمؤلف. ٣٥ وَسُئِلَ ﵁: عَمَّن تزوجت أَزْوَاجًا لمن تكون لَهُ مِنْهُم فِي الْآخِرَة؟ فَأجَاب بقوله: أخرج الطَّبَرَانِيّ عَن أم سَلمَة ﵂ فِي صفة أهل الْجنَّة حَدِيثا طَويلا وَفِيه: (قلت يَا رَسُول الله الْمَرْأَة تتَزَوَّج الزَّوْجَيْنِ وَالثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة فِي الدُّنْيَا ثمَّ تَمُوت فَتدخل الْجنَّة ويدخلون مَعهَا من يكون زَوجهَا مِنْهُم؟ قَالَ ﷺ : إِنَّهَا تخير فتختار أحْسنهم خلقا، فَتَقول يَا رب إِن هَذَا كَانَ أحْسنهم خلقا فِي دَار الدُّنْيَا فزوجنيه، يَا أم سَلمَة ذهب حسن الْخلق بِخَير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة) . وَأخرج الخرائطي فِي مَكَارِم الْأَخْلَاق وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ عَن أنس أَن أم حَبِيبَة ﵂ قَالَت: (يَا رَسُول الله الْمَرْأَة يكون لَهَا الزَّوْجَانِ فِي الدُّنْيَا تَمُوت ويموتان فيجتمعون فِي الْجنَّة لأيهما تكون؟ فَقَالَ ﷺ : لأحسنهما خلقا كَانَ عِنْدهَا فِي الدُّنْيَا، ذهب حسن الْخلق بِخَير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة) . وَلَا يُعَارض ذَلِك مَا أخرجه ابْن سعد عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (الْمَرْأَة لآخر أزواجها فِي الْآخِرَة) . لِإِمْكَان الْجمع بِأَن الأوّل فِيمَن طلقوها وَلم تمت فِي عصمَة أحد مِنْهُم، وَالثَّانِي فِيمَن مَاتَت فِي عصمته أَو مَاتَ عَنْهَا وَلم تتَزَوَّج بعده، ثمَّ رَأَيْت مَا يُؤَيّدهُ وَهُوَ مَا أخرجه ابْن سعد فِي (طبقاته) عَن أَسمَاء بنت أبي بكر كَانَت تَحت الزبير بن الْعَوام وَكَانَ شَدِيدا عَلَيْهَا فَأَتَت أَبَاهَا فشكت ذَلِك إِلَيْهِ فَقَالَ لَهَا: يَا بنية اصْبِرِي فَإِن الْمَرْأَة إِذا كَانَ لَهَا زوج صَالح ثمَّ مَاتَ عَنْهَا وَلم تتَزَوَّج بعده جُمع بَينهمَا فِي الْجنَّة) . وَلَا يُنَافِيهِ مَا أخرجه ابْن وهب عَن أبي بكر ﵁ أَيْضا قَالَ: بَلغنِي أَن الرجل إِذا ابتكر بِالْمَرْأَةِ تزَوجهَا فِي الْآخِرَة لِإِمْكَان حمله على مَا إِذا مَاتَت مَعَه، أَو مَاتَ وَلم تتَزَوَّج بعده، وَالله أعلم. ٣٦ وَسُئِلَ ﵁: هَل أحد يدْخل الْجنَّة بلحيته؟ فَأجَاب بقوله: نعم مُوسَى على نَبينَا وَعَلِيهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام كَمَا فِي حَدِيث فِي (التَّذْكِرَة) . ٣٧ وَسُئِلَ فسخ الله فِي مدَّته: هَل يتعارف أهل الْجنَّة ويتزاورون ويتذاكرون مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا؟ فَأجَاب بقوله: فِي ترغيب الْمُنْذِرِيّ أَنه ﷺ قَالَ: (إِذا دخل أهل الْجنَّة الْجنَّة فيشتاق الإخوان بَعضهم إِلَى بعض فيسيرُ سَرير هَذَا إِلَى سَرير هَذَا، وسرير هَذَا إِلَى سَرِير هَذَا، حَتَّى يجتمعا جَمِيعًا فيبكي هَذَا ويبكي هَذَا، فَيَقُول أَحدهمَا لصَاحبه: تَعْلم مَتى غفر الله لنا؟ فَيَقُول صَاحبه: نعم، يَوْم كَذَا فِي مَوضِع كَذَا وَكَذَا فدعونا الله فغفر لنا) . ٣٨ وَسُئِلَ ﵁: هَل التعبديّ أفضل أَو مَعْقُول الْمَعْنى؟ فَأجَاب بقوله: قَضِيَّة كَلَام الْعِزّ بن عبد السَّلَام أَن التعبدي أفضل لِأَنَّهُ لمحض الإنقياد بِخِلَاف مَا ظَهرت علته فَإِن ملابسه قد يَفْعَله لأجل تَحْصِيل مصْلحَته وَفَائِدَته وَخَالفهُ البُلْقِينِيّ فَقَالَ: لَا شكّ أَن مَعْقُول الْمَعْنى من حَيْثُ الْجُمْلَة أفضل لِأَن أَكثر الشَّرِيعَة كَذَلِك وبالنظر للجزئيات قد يكون التعبديّ أفضل كَالْوضُوءِ وَغسل النَّجَاسَة فَإِن الْوضُوء أفضل وَإِن كَانَ تعبدياً، وَقد يكون مَعْقُول الْمَعْنى أفضل كالطواف وَالرَّمْي، فَإِن الطّواف أفضل من الرَّمْي وَذَلِكَ بِاعْتِبَار الْأَدِلَّة والمتعلقات فَلَا يُطلق القَوْل بأفضلية أَحدهمَا على الآخر انْتهى، وَكَون الْوضُوء تعبدياً رأى للْإِمَام وَالْأَوْجه خِلَافه وَكَون الطّواف معقولاً دون الرَّمْي فِيهِ نظر بل إمَّا أَن يُقَال إنَّهُمَا معقولا الْمَعْنى كَمَا بَينته فِي (حَاشِيَة الْإِيضَاح) أَو تعبديان كَمَا ذكره بَعضهم وَقد يُقَال كَلَام الْعِزّ بن عبد السَّلَام لَا يُنَافِي التَّفْصِيل الَّذِي ذكره لِأَنَّهُ ذكر حيثية التَّفْضِيل فَلَا يبعد أَن يكون التعبدي أفضل من
стр. 36
تِلْكَ الْحَيْثِيَّة وَإِن كَانَ مَعْقُول الْمَعْنى أفضل من حيثية أُخْرَى وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. ٣٩ وَسُئِلَ: فِي التصوّف مَا ملخص مَا يَقُولُونَهُ فِي ابْن عَرَبِيّ وَابْن الفارض وطائفتهما هَل هم محقون أم مبطلون وَمَا الدَّلِيل على ذَلِك أوضحُوا لنا الْجَواب وابسطوه بسطاً شافياً؟ فَأجَاب: ملخص مَا نعتقده فِي ابْن عَرَبِيّ وَابْن الفارض وتابعيهما بِحَق الجارين على طريقتهما من غَايَة إتقان عُلُوم الْمُعَامَلَات والمكاشفات، وَمن غَايَة الزّهْد والورع والتجرد، والانقطاع إِلَى الله فِي الخلوات والدأب على الْعِبَادَات ونسيان الْخلق جملَة وَاحِدَة، ومعاملة الْحق، ومراقبته فِي كل نفس كَمَا تَوَاتر كل ذَلِك عَن هذَيْن الرجلَيْن العظيمين أَنهم طَائِفَة أخيار أَوْلِيَاء أبرار بل مقربون، وَمن رق السوىَّ أَحْرَار لَا مرية فِي ذَلِك وَلَا شكّ إِلَّا عِنْد من لَا بَصِيرَة لَهُ، وَكَفاك حجَّة على ولايتهما تَصْرِيح كثيرين من الأكابر بهَا، وبأنهما من الأخيار المقربين كالشيخ الْعَارِف الإِمَام الْفَقِيه الْمُحدث المتقن عبد الله اليافعي نزيل مَكَّة المشرفة وعالمها، وَمن ثمَّ قَالَ الأسنوي فِي (تَرْجَمته) : فَاضل الأباطح وعالمها، وَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي ابْتَدَأَ كتبنَا بالشافعي وختمها باليافعي، وكالشيخ الإِمَام الْمجمع على جلالته وَعلمه بِمذهب مَالك وَغَيره، وعَلى مَعْرفَته التَّاج بن عَطاء الله وناهيك بِحكمِهِ وَتَنْويرِهِ دَلِيل على ذَلِك، حَتَّى قَالُوا: كَادَت الحكم أَن تكون قُرْآنًا يُتْلَى، وكالشيخ الإِمَام الْعَلامَة الْمُحَقق الشَّافِعِي الأصولي التَّاج السُّبْكِيّ وكشيخنا خَاتِمَة الْمُتَأَخِّرين وواسطة جمع الْمُحَقِّقين زَكَرِيَّا الْأنْصَارِيّ وكالشيخ الْعَلامَة الْبُرْهَان بن أبي شرِيف وناهيك أَيْضا بِهَذَيْنِ الْعَالمين. وَقد حكى بعض الثِّقَات الْأَثْبَات من الْفُقَهَاء أَنه قَالَ: جَاوَرت بِمَكَّة وَكَانَ لي فِيهَا صديق من أَوْلِيَاء الله فَسَأَلته أَن يريني القطب، فَمَكثَ مُدَّة ثمَّ قَالَ لي: إِذا رَأَيْته لَا تكَلمه، فَمَكثت مُدَّة ثمَّ رَأَيْته فَقبلت يَده وَجَلَست سَاكِنا، ثمَّ الْتفت القطب وَقَالَ: صاحبُ مصرَ رجل مِنْكُم معشر الْفُقَهَاء، فخطر لي أَن أسأله عَنهُ فَلم يمكني ذَلِك، ثمَّ بعد مُدَّة اجْتمعت بِهِ وَكَانَ عِنْدِي أَنِّي إِذا اجْتمعت بِهِ أسأله عَن تعْيين ذَلِك الرجل، فَالْتَفت إليّ وَقَالَ: صَاحب مصر الْآن الشَّيْخ برهَان الدّين بن أبي شرِيف، ثمَّ يكون بعده الشَّيْخ زَكَرِيَّا، فَتَأمل هَذِه الشَّهَادَة من القطب لهذين الْإِمَامَيْنِ وَلَقَد كَانَا زِينَة مصر بل زِينَة الدُّنْيَا كلهَا، فَإِنَّهُمَا كَانَا لَا يخافان فِي الله لومة لائم حَتَّى كَانَ الشَّيْخ زَكَرِيَّا يسب السُّلْطَان قايتباي صَرِيحًا على الْمِنْبَر وَهُوَ جَالس يسمع خطبَته وَهُوَ يومئذٍ قَاضِي الْقُضَاة بالديار المصرية وَكَانَ لَا يهابه وَلَا يعبأ بِهِ، وَكَيف لَا وَقد مدّ عَلَيْهِ نظر السَّادة الصُّوفِيَّة ورضع من لبان معارفهم وَدخل تَحت لِوَاء إشاراتهم، وتزيا مَعَهم حَتَّى اجتلى وتوقد وَتفرد وانكشفت لَهُ حقائق ومعارف، وَكَانَ يَحْكِي عَن شَيْخه البُلْقِينِيّ أَنه كَانَ يجْتَمع بالخضر كثيرا وَبَلغنِي عَنهُ أَنه فِي أَيَّام خلواته بسطح الْجَامِع الْأَزْهَر، جَاءَ مِمَّن يعرفهُ رجل وَقد أصَاب عَيْنَيْهِ رمد حَتَّى أيس مِنْهُمَا الكحَّالون فَشَكا إِلَيْهِ ذَلِك فَتوجه إِلَى الله فِي أَمرهمَا فَلم يَجِيء الْيَوْم الثَّانِي إِلَّا وَقد زَالَ عَنهُ جَمِيع مَا يجده وَصَارَ بَصَره الَّذِي كَانَ أيس مِنْهُ أحسن مَا كَانَ، وَلَقَد آذاه بعض تلامذته، وَكَانَ أعْطى مناصب عَظِيمَة فِي الدولة الرومية بِحَيْثُ كَانَت فِي الدولة التركية لَا يُعْطي كل وَاحِد مِنْهَا إِلَّا لمن هُوَ دون السُّلْطَان بِدَرَجَة أَو دَرَجَتَيْنِ فَدَعَا الشَّيْخ عَلَيْهِ فَلم يمض عَلَيْهِ إِلَّا زمن قَلِيل، وَقد سلب الله عَنهُ جَمِيع مَا كَانَ فِيهِ وَخرج من مصر هَارِبا إِلَى اسلامبول، فَصَارَ فِيهَا بأرث هَيْئَة وأسفلها كل ذَلِك ببركة الشَّيْخ، وواقعة البرهاني بن أبي شرِيف مَعَ السُّلْطَان الغوري مَشْهُورَة حَيْثُ عانده وَأفْتى بِخِلَاف مَا لَا غَرَض لَهُ فِيهِ، وَهُوَ قبُول رُجُوع رجل أقرّ بِالزِّنَا وَكَانَ للسُّلْطَان غَرَض فِي قَتله، فَأرْسل يستفتي من الشَّيْخ لنَفسِهِ بذلك مُوَافقَة لما أدخلهُ بعض الممقوتين من الْفُقَهَاء فِي ذهنه من أَن الشَّرْع عدم قبُول إِقْرَاره فأفتاه بِخِلَافِهِ، فعقد لعلماء مصر مَجْلِسا فِي قلعته فَكَلَّمَهُمْ فَلم يعلنوا بِالْحَقِّ كَمَا أعلن بِهِ الشَّيْخ برهَان الدّين بن أبي شرِيف، وَشد عضُدَه شَيخنَا زَكَرِيَّا ونَصَرَ مَا قَالَه، وأعلن بِهِ وَبِأَنَّهُ على الْحق، فَغَضب السُّلْطَان من ذَلِك وَمن إفتائه بموافقة ذَلِك، وَقَالَ فِي فتواه: لَا يجوز قَتله وَمن قَتله قتل بِهِ، فَغَضب الغوري غَضبا شَدِيدا حَتَّى أرسل للرجل الْمقر وَالْمَرْأَة الْمُزنِيّ بهَا فصلبا على بَاب بَيت الشَّيْخ، فسد الشَّيْخ ذَلِك الْبَاب وَصَارَ يخرج من بَاب آخر كَانَ لَهُ وَلم يعبأ بذلك وَلَا تأثر بِهِ مَعَ أَنه إِنَّمَا ظن أَولا أَنه هُوَ الْمَأْمُور بصلبه، فاستعد لذَلِك بِالطَّهَارَةِ وَغَيرهَا وَسلم الله وَلم يظْهر عَلَيْهِ مَا يُخَالف التَّسْلِيم، وَمن ثمَّ رُؤِيَ الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَهُوَ يُكَرر قَوْله:
стр. 37
إِن كَانَ عِنْدِي موضعٌ لسواكم أعددُّته يَوْمًا فَلَا أَلْقَاهُ وَهُوَ يَقُول: جِئْنَا لنسلم على إِبْرَاهِيم، ورؤي تِلْكَ اللَّيْلَة أَيْضا وَهُوَ يَقُول قد قلعنا الغوري بعروقه من هَذِه المملكة وَكَانَ كَذَلِك فَإِنَّهُ لم يمْكث بعد ذَلِك إِلَّا مُدَّة قَليلَة وَخرج على وَجهه فِي عساكره وأجناده إِلَى حلب ثمَّ إِلَى مَحل يُسمى مرج دابغ، فَبَيْنَمَا هُوَ سَائِر التقى بالسلطان سليم بن عُثْمَان فأخذل الله الغوري وَجُنُوده وانهزموا وتبدَّدوا وَلم يقدروا على الْحَرْب سَاعَة وَاحِدَة، وفُقِد الغوري وَلم يدر مَا فعل الله بِهِ، فيكفيك مَا قَالَه هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة العارفون بِاللَّه الْعَالمُونَ الْعَامِلُونَ الْفُقَهَاء الْأَوْلِيَاء، وَمَا صَرَّحُوا بِهِ من أنَّ كلا الْإِمَامَيْنِ الْمَذْكُورين وطائفتهما: أَي التَّابِعين لَهما بِحَق كَمَا قَدمته أَوْلِيَاء أخيار أتقياء أبرار. فَكيف يمتري عَاقل أَو متدين بعد مَا صرح بِهِ أَئِمَّة الدّين الَّذين أماطوا عَن وَجهه شُبْهَة المبطلين، وأبطلوا حجج المتمردين، مِمَّا ذكر فِي ولَايَة هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الْمَذْكُورين، وَيَا عجبا كَيفَ نَأْخُذ بقَوْلهمْ فِي الْأَحْكَام ونعمل بهَا فِيمَا بَيْننَا وَبَين الله ونعتمد عَلَيْهَا فِي التَّحْرِيم والتحليل وَقتل الْأَنْفس وَقطع الْأَيْدِي وَغير ذَلِك من العظائم، وَلَا نَأْخُذ بقَوْلهمْ فِي أَئِمَّة مُسلمين تَضلَّعوا من الْكتاب وَالسّنة وضموا إِلَى ذَلِك الْفُرُوع الاجتهادية وَمَا يلائم ذَلِك من الْعُلُوم الأدبية والعربية، ثمَّ بعد إتقان ذَلِك كُله اشتغلوا بصفاء قُلُوبهم حَتَّى أشرقت وتنورت وَصَارَت شفافة تحكي مَا قابلته، فكوشفوا بإبراز الْعُلُوم وأحكامها الْبَاطِنَة بل وبحكم الموجودات كالعبادات وَغَيرهَا، فدوّنوها قصدا لِأَن ينْتَفع بهَا من سلك طريقتهم، وليعلموا بهَا المحق من غَيره، وَأَن المحق ينْطق عَن وجوده بِمَا يضاهيها فَلَا يتَقَيَّد بهَا، وَأما الْمُبْطل فَلَيْسَ لَهُ مِنْهَا إِلَّا مُجَرّد الْحِفْظ بِاللِّسَانِ، وَلَو طلب مِنْهُ تحقيقها فضلا عَن إبداء مَا ماثلها لعجز عَن ذَلِك. وَمِمَّا يدل على إتقانهم لتِلْك الْعُلُوم الْمَذْكُورَة مَا حَكَاهُ الذَّهَبِيّ وَكَانَ من المنكرين على الشَّيْخ محيي الدّين بن عَرَبِيّ: أَن سُلْطَان الغرب أَمر أَن لَا يُقيم ببلاده إِلَّا رجل يبلغ دَرَجَة الِاجْتِهَاد بِحَيْثُ لَا يتَقَيَّد بِمذهب أحد فأجمع رَأْي عُلَمَاء بِلَاده على سِتَّة مِنْهُم، وَكَانَ من السِّتَّة الشَّيْخ محيي الدّين. وَمَا قَالَه البقاعي، وَكَانَ من المنكرين أَو أكبرهم فِي كتاب للشَّيْخ محيي الدّين صنفه فِي أسرار الْمُعَامَلَات، هَذَا أجلّ من تصنيف الْغَزالِيّ، فَتَأمل كَيفَ هَذَا الرجل بِهَذِهِ الْمرتبَة الْعَظِيمَة العديمة النظير، ويُظن بِهِ سفاسف الرذائل الَّتِي لَا يرضى بهَا أقل متدين لَيْسَ ذَلِك إِلَّا مَحْض تعصب وسعياً فِي تبوّء مفاوز المقت أعاذنا الله من ذَلِك. وَلَقَد أَخْبرنِي شَيخنَا الْعَارِف الْعَلامَة أَبُو الْحسن الْبكْرِيّ عَن الشَّيْخ الْعَلامَة جمال الدّين الصابي من صَرِيح لَفظه وَكَانَ من أجلّ تلامذة شَيخنَا زَكَرِيَّا السَّابِق أَنه كَانَ يُنكر على الشّرف بن الفارض فَرَأى الْقِيَامَة قد قَامَت وعَلى كتفه خرج وَهُوَ بِهِ فِي غَايَة التَّعَب، ثمَّ سمع قَائِلا يَقُول: أَيْن جمَاعَة ابْن الفارض؟ قَالَ: فتقدمتُ لأدخل مَعَهم فَقيل لي لستَ مِنْهُم فَارْجِع، فانتبهت وَأَنا فِي غَايَة الْخَوْف والأسف والحزن فتبتُ إِلَى الله من الْإِنْكَار على ابْن الفارض، وخلصت عقدي مَعَ الله واعتقدتُ فِيهِ أَنه من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى، فنمتُ فِي مثل تِلْكَ اللَّيْلَة من السّنة الثَّانِيَة فرأيتُ ذَلِك الْمَنَام بِعَيْنِه، ثمَّ سَمِعت الْقَائِل يَقُول: أَيْن جمَاعَة ابْن الفارض يدْخلُونَ الْجنَّة؟ فتقدمت مَعَهم، فَقيل لي: ادخل الْآن أَنْت مِنْهُم، فَانْظُر هَذِه الْقَضِيَّة من رجل فَقِيه، وَالظَّاهِر وَالله أعلم أَنه إِنَّمَا أرى ذَلِك حَتَّى رَجَعَ ببركة شَيْخه زَكَرِيَّا وَإِلَّا فكم من مُنكر عَلَيْهِم تَرَكُوهُ وعماه حَتَّى بَاء بالخسارة والبوار. فَإِن قلت: قد أنكر عَلَيْهِم أَئِمَّة أجلاء أَيْضا كالبلقيني وَغَيره وَآخرهمْ البقاعي وتلامذته وَبَعْضهمْ مِمَّن أخذت عَنهُ، فَلم رجحت تِلْكَ الطَّرِيقَة دون هَذِه الطَّرِيقَة؟ قلت: إِنَّمَا رجحتها لأمور. مِنْهَا: مَا ذكره شَيخنَا فِي (شرح الرَّوْض) نقلا عَن السعد التَّفْتَازَانِيّ مُحَقّق الْإِسْلَام وَفَارِس ميدانه ومميط حجَّة الظلام وكشَّاف شُبَهه عَن علياء ضيائه، وَالَّذِي ذكره فِيهِ ظَاهر فاطلبه مِنْهُ، وَحَاصِله ردّاً على ابْن الْمقري حَيْثُ قَالَ: من شكّ فِي كفر طَائِفَة ابْن عَرَبِيّ فَهُوَ كَافِر، أَن الْحق أَنهم أخيار أَئِمَّة، وَأَن اليافعي وَابْن عَطاء الله وَغَيرهمَا صرّحوا بِولَايَة ابْن عَرَبِيّ وَأَن اللَّفْظ المصطلح عَلَيْهِ حَقِيقَة عِنْد أَهله فِيمَا اصْطَلحُوا عَلَيْهِ، وَأَن الْعَارِف إِذا استغرق فِي بحار التَّوْحِيد رُبمَا صدرت عَنهُ عِبَارَات توهم الْحُلُول والاتحاد وَلَا حُلُول وَلَا اتِّحَاد. وَمِنْهَا: مَا صرح بِهِ أَئِمَّتنَا كالرافعي فِي الْعَزِيز وَالنَّوَوِيّ فِي (الرَّوْضَة) و (الْمَجْمُوع) وَغَيرهمَا من أَن الْمُفْتِي إِذا سُئِلَ عَن لفظ يحْتَمل الْكفْر وَغَيره لَا يَقُول هُوَ مهدر الدَّم أَو مباحه أَو يقتل أَو نَحْو ذَلِك، بل يَقُول
стр. 38
يسئل عَن مُرَاده فَإِن فسره بِشَيْء عمل بِهِ فَانْظُر وفقك الله إِلَى هَذِه الْعبارَات تَجِد المنكرين الَّذين يتهجمون على هَذَا الرجل الْعَظِيم ويجزمون بِكُفْرِهِ قد ارتكبوا متن عمياء وخبطوا خَبْط عشواء، وَإِن الله أعمى بصائرهم وأصم آذانهم عَن ذَلِك حَتَّى وَقَعُوا فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ وَكَانَ سَببا لمقتهم وَعدم الِانْتِفَاع بعلمهم. وَمِنْهَا: أَن علمهمْ وزهدهم ورفضهم الدُّنْيَا والسوى جملَة وَاحِدَة قَاض بنزاهتهم عَن هَذِه المقالات الشنيعة، فترجَّح بذلك عدم الْإِنْكَار عَلَيْهِم لِأَن عبارتهم حَقِيقَة فِيمَا اصْطَلحُوا فِيهِ، فَلَا يجوز الْإِنْكَار عَلَيْهِم إِلَّا بعد معرفَة مَدْلُول كَلَامهم ثمَّ معرفَة اصطلاحهم، ثمَّ يطبق ذَلِك الِاصْطِلَاح على ذَلِك الْمَدْلُول وَينظر هَل يطابقه أم لَا، وَنَحْمَد الله، المنكرون عَلَيْهِم كلهم جاهلون بذلك إذْ لَيْسَ مِنْهُم أحد أتقن عُلُوم المكاشفات بل وَلَا شم لَهَا رَائِحَة، وَلَا أحد مِنْهُم ملك زمامه لأحد مِنْهُم حَتَّى أحَاط باصطلاحاتهم. فَإِن قلت: لَا أسلم أَن اللَّفْظ حَقِيقَة لَا مجَاز فِيمَا اصْطلحَ عَلَيْهِ، فعين لي مَا هُوَ أوضح من ذَلِك؟ قلت: إِنْكَار ذَلِك عناد، وعَلى تَقْدِير عدم تَسْلِيم مَا ذكرنَا فاالصواب للمعترض أَن يَقُول فِي عِبَارَته: هَذِه الْعبارَة تحْتَمل وُجُوهًا ويبينها، ثمَّ يَقُول: إِن أَرَادَ كَذَا فَكَذَا أَو كَذَا فَكَذَا، وَلَا يَقُول من أول وهلة هَذَا كفر هَذَا جهل وَخُرُوج عَن دَائِرَة النَّصِيحَة الَّتِي يزْعم أَنه أرادها، أَلا ترى أَن ابْن الْمقري لَو كَانَ غَرَضه النَّصِيحَة لما كَانَ يُبَالغ وَيَقُول: من شكّ فِي كفر طَائِفَة ابْن عَرَبِيّ فَهُوَ كَافِر، فانتقل من الحكم عَلَيْهِم بالْكفْر إِلَى الحكم على من لم يتَيَقَّن كفرهم، فَانْظُر إِلَى هَذَا التعصب الَّذِي بلغ الْغَايَة وَفَارق بِهِ إِجْمَاع الْأَئِمَّة، وانتقل بِهِ إِلَى كفر غير الْمُتَيَقن كفرهم ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النُّور: ١٥ ١٦] وَانْظُر أَيْضا إِلَى مَا أفهمته عِبَارَته. من أَنه يجب على الكافة اعْتِقَاد كفرهم وَإِلَّا كفرُوا، وَهَذَا لَا قَائِل بِهِ بل رُبمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَحْذُور صرح بِهِ هُوَ قبل فِي رَوْضِهِ تبعا لأصله حيثُ قَالَ من كفَّر مُسلما لذنبه بِلَا تَأْوِيل كفر، وَهَذَا قد كفرَّ مُسلمين، وَلَا عِبْرَة بِمَا يؤوله لِأَن مَا يَقُوله من التَّأْوِيل إِنَّمَا يُقبل فِي حق من أنكر عَلَيْهِم، لِأَن كلماتهم قد توهم ذَلِك فِي اعْتِقَاده، وَأما من لم يرَ كَلَامهم إِلَّا نورا بَين يَدَيْهِ واعتقد ولايتهم فَكيف يتهاجم مُسلم على تكفيره وَلَا يتهاجم على ذَلِك إِلَّا مَنْ رَضِي لنَفسِهِ بالْكفْر على احْتِمَال، وَلَقَد ظهر فِي هَذِه الْكَلِمَة من التعصب والتعدي على سَائِر الْمُسلمين نسْأَل الله من فَضله أَن يغْفر لقائلها. وَلَقَد تَوَاتر وشاع وذاع أَن من أنكر على هَذِه الطَّائِفَة لَا ينفع الله بِعِلْمِهِ ويبتلى بأفحش الْأَمْرَاض وأقبحها، وَلَقَد جربنَا ذَلِك فِي كثير من المنكرين حَتَّى أَن البقاعي غفر الله لَهُ كَانَ من أكَابِر أهل الْعلم، وَكَانَ لَهُ عبادات كَثِيرَة وذكاء مُفْرط وَحفظ بارع فِي سَائِر الْعُلُوم لَا سِيمَا علم التَّفْسِير والْحَدِيث، وَلَقَد صنف كتبا كَثِيرَة أَبى الله أَن ينفع أحدا مِنْهَا بِشَيْء، وَله كتاب فِي مناسبات الْقُرْآن نَحوا من عشرَة أَجزَاء لَا يعرفهُ إِلَّا الْخَواص بِالسَّمَاعِ، وَأما غَيرهم فَلَا يعرفونه أصلا، وَلَو كَانَ هَذَا الْكتاب لشَيْخِنَا زَكَرِيَّا أَو غَيره مِمَّن يعْتَقد لَكَانَ يكْتب الذَّهَب لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة لم يوضع مثله لَكِن: ﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وهَؤُلاء مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الْإِسْرَاء: ٢٠] وَلَقَد بَالغ البقاعي فِي الْإِنْكَار وصنَّف فِيهِ مصنَّفات كلُّها صَرِيحَة فِي غَايَة التعصُّب والميل عَن سَبِيل الاسْتقَامَة، وَمن ثمَّ جوزي بِمَا مرَّ وبأقبح مِنْهُ، وَهُوَ أَنه ضبط عَلَيْهِ فِي مناسباته فَحكم بتكفيره وإهدار دَمه، وَلم يبْق من ذَلِك إِلَّا إزهاق روحه لَوْلَا اسْتَعَانَ بِبَعْض الأكابر حَتَّى خلصه من تِلْكَ الورطة، واستتيب فِي الصالحية بِمصْر وجدد إِسْلَامه، وَلَقَد قيل لَهُ آخر أمره: مَا الَّذِي تنتقد على الشَّيْخ محيي الدّين؟ قَالَ: أنتقد عَلَيْهِ مَوَاضِع فِي فتوحاته خمس عشر موضعا أَو أدْون، فَأنْظر إِلَى هَذَا الَّذِي يُخَالف مَا فِي مصنفاته من ذكر مَوَاضِع كَثِيرَة من الفتوحات وَغَيرهَا وَالتَّصْرِيح بِأَنَّهَا كفر، وَهل هَذَا إِلَّا لمزيد التعصب، وَلَقَد كَانَ لَهُ تلامذة أكَابِر أخذُوا بقوله وَمَا يَعْتَقِدهُ وَبَعْضهمْ من مشايخي، لَكِن لم يظْهر لَهُم علم لِأَن بَعضهم لم يَتَيَسَّر لَهُ التصنيف وَبَعْضهمْ صنف فِي فن الْفِقْه تصانيف تضاهي تصانيف السعد التَّفْتَازَانِيّ وَغَيره من بلاغتها، وَحسن سبكها وجودة تراكيبها، لَكِن لم يعبأ أحد بهَا وَلم يلْتَفت إِلَيْهَا بل النَّاس عَنْهَا فِي غَايَة الْإِعْرَاض، وَلَقَد وَقع لي مَعَ هَذَا الرجل أَنِّي كنت أَقرَأ عَلَيْهِ فاعتراه ضيق نفس، وَكنت لَا أعلم إِنْكَاره على هَذِه الطَّائِفَة فَوَقع فِي بعض الْمجَالِس ذكر الشَّيْخ عمر بن الفارض قدس الله سره فَقيل لَهُ: مَا تَقول فِيهِ؟ قَالَ: شَاعِر مُفْلِق، فَقيل لَهُ: فَمَاذَا بعد ذَلِك؟ قَالَ: كَافِر، فأخذني من ذَلِك الْمُقِيم المقعد ثمَّ عدت إِلَيْهِ
стр. 39
لأقرأ وتوسمت تَوْبَته فرأيته مَرِيضا بِضيق النَّفس مَرضا شَدِيدا بِحَيْثُ صَار مشرفاً على زهوق نَفسه، فَقلت لَهُ: إِن اعتقدت فِي ابْن الفارض ضمنت لَك أَن الله يُشْفيك من هَذَا الْمَرَض فَقَالَ لي: هَذَا لَهُ معي مُدَّة من السنين، فَقلت: وَإِن كَانَ قَالَ: أفعل فخُفف عَنهُ ثمَّ خف عَنهُ، فمشيت مَعَه يَوْمًا لأحسن عقيدته، فَقَالَ لي: أمَّا ذَات الرجل فَلَا أحكم عَلَيْهَا بِكفْر، وَأما كَلَامه فَفِيهِ مَا هُوَ كفر، فَقلت: ظلم دون ظلم، ثمَّ تركت الْقِرَاءَة عَلَيْهِ، وَصَارَ ذَلِك الْمَرَض ملازمه لَكِن بخفة نسبية، وَلَقَد كَانَ بعض تلامذة البقاعي أَيْضا وَهُوَ الشَّيْخ الْعَلامَة نور الدّين الْمحلي يَقُول: أما ذَات الرجل فَلَا أحكم عَلَيْهَا بِكفْر وَأما كَلَامه فَفِيهِ مَا هُوَ كفر. فَإِن قلت من المنكرين من نفع الله بِعِلْمِهِ. قلتُ: المنكرون على قسمَيْنِ. قسم مِنْهُم لم يقصدوا بإنكارهم مَحْض النَّصِيحَة للْمُسلمين بل مَحْض تعصب، وَرَأَوا ذَلِك وَغلب عَلَيْهِم نوع من الْحَسَد وَحب إبداء خلاف أهل الْعَصْر قصدا لتميزهم عَلَيْهِ بالأشياء الغريبة والاشتهار عَنْهُم أَنهم يُنكرُونَ الْمُنكر وَلَا يخَافُونَ أحدا، وَنَحْو ذَلِك من الْأَغْرَاض الْفَاسِدَة الَّتِي لم يصحبها نوع إخلاص. وَمِنْهُم الشَّيْخ البقاعي وعلاء الدّين البُخَارِيّ وَمن ضاهاهما، وَلَقَد أدّى البقاعي تعصُبه إِلَى أَن أنكر على حجَّة الْإِسْلَام الْغَزالِيّ قَوْله: لَيْسَ فِي الْإِمْكَان أبدع مِمَّا كَانَ، وشنع بِمَا أوغر مِنْهُ الصُّدُور حَتَّى دخل ليسلم على بعض أهل الْعلم فَوَجَدَهُ فِي مَكَان خَال فَأخذ ذَلِك الرجل تاسومته وَضرب بهَا البقاعي حَتَّى أشرف على التّلف، وَصَارَ وَهُوَ يضْربهُ يوبخه وَيَقُول لَهُ: أَنْت الْمُنكر على الْغَزالِيّ أَنْت الْقَائِل فِي حَقه كَذَا وَكَذَا حَتَّى جَاءَ النَّاس وخلصوه مِنْهُ وَلم ينتطح فِيهَا شَاتَان، وَبعد ذَلِك قَامَ عَلَيْهِ أهل عصره وعاندوه وصنفوا فِي الذبّ عَن الْغَزالِيّ والردّ على البقاعي كتبا عديدة. وَحَاصِل الْجَواب عَن كَلَام الْغَزالِيّ الْمَذْكُور: أَن إِرَادَة الله لما تعلّقت بإيجاد هَذَا الْعَالم وأوجده وَقضى بِبَقَاء بعضه إِلَى غَايَة، وببقاء بعضه الآخر لَا إِلَى غَايَة وَهُوَ الْجنَّة وَالنَّار كَانَ ذَلِك مَانِعا مِنْ تعلق الْقُدْرَة الإلهية بإعدام جَمِيع هَذَا الْعَالم، لِأَن الْقُدْرَة لَا تتَعَلَّق إِلَّا بالممكن وإعدام ذَلِك غير مُمكن لَا لذاته بل لما تعلق بِهِ مِمَّا ذَكرْنَاهُ، وَلما كَانَ إعدامه مُحالاً لما قُلناه كَانَ إيجاده الأول على غَايَة الْحِكْمَة والإتقان وَكَانَ أبدع مَا يُمكن أَن يُوجد لِأَنَّهُ لَا يُوجد غَيره لما تقرّر. وَالْقسم الثَّانِي: قوم قصدُوا بإنكارهم مَحْض النَّصِيحَة للْمُسلمين، وذبَّ هَؤُلَاءِ الجهلة المتصوّفة الَّذين يشتغلون بمطالعة كتب ابْن عَرَبِيّ وَأَتْبَاعه مَعَ خلوهم عَن الْعُلُوم الرسمية وَالْأَحْوَال الكشفية واتصافهم بِالْجَهْلِ الْمَحْض، ويتخذونها ديدناً حَتَّى يفهموا مِنْهَا غير المُرَاد، وَهَؤُلَاء الكُفْر أقرب إِلَيْهِم من الْإِسْلَام، وَلَقَد شاهدنا مِنْهُم جمَاعَة يَأْكُلُون فِي رَمَضَان ويختلون فِي نَهَاره بالمُرْدِ فِي الْحمام، ويفعلون مَا هُوَ أقبح من ذَلِك وَيَقُولُونَ: نَحن لَا نشْهد إِلَّا الله، وَهَذِه التحليلات والتحريمات إِنَّمَا يُخَاطب بهَا المحجوبون عَن الله كهؤلاء الْفُقَهَاء المنكرين، وقوماً يستبيحون أكل أَمْوَال النَّاس وَيَقُولُونَ: الْأَشْيَاء كلهَا مَمْلُوكَة لله سُبْحَانَهُ وَنحن من عبيده، وقوماً تُلْهِيهِمْ مطالعة كتبه عَن الْجَمَاعَة وَأَدَاء الْفَرَائِض فِي أَوْقَاتهَا وَغير ذَلِك، فَهَؤُلَاءِ لَا يُمترى فِي سفههم وجهلهم وَيجب زجرهم عَن مطالعة كتب الشَّيْخ، لَا لنَقص فِيهَا بل لنَقص فِي هَؤُلَاءِ، وَلَقَد شافهني بَعضهم بِكَثِير مِمَّا قَدمته، وَبَعْضهمْ يَقُول: الْعَالم قديم وَالْكفَّار لَا يُعَذبُونَ فِي جَهَنَّم. قلت: من أَيْن لَك هَذَا؟ فَقَالَ: صرح بِهِ الشَّيْخ محيي الدّين بن عَرَبِيّ، فَانْظُر كَيفَ فهم عبارَة الشَّيْخ على ظَاهرهَا وأعتقد ذَلِك، وَمَا درى الْجَاهِل الْمَغْرُور أَن المُرَاد بهَا غير ذَلِك كَمَا صرّح بِهِ الشَّيْخ فِي بعض كتبه، وَلَقَد قَالَ قدّس الله سرّه ونوّر ضريحه: نَحن قوم تحرم المطالعة فِي كتبنَا إِلَّا لعارف باصطلاحنا، فَانْظُر كَيفَ هَذَا نصّ صَرِيح من الشَّيْخ بِتَحْرِيم المطالعة على هَؤُلَاءِ الجهلة المغرورين الْمُسْتَهْزِئِينَ بِالدّينِ، فالمنكرون إنْ قصدُوا بالإنكار الْمُبَالغَة فِي زجر مثل هَؤُلَاءِ فَلَا حرج عَلَيْهِم، وهم فِي أَمن من الشَّيْخ وَأَتْبَاعه، لأَنهم ساعون فِي غَرَض الشَّيْخ من عدم مطالعة هَؤُلَاءِ كتبه، وَلَقَد بَلغنِي عَن بعض المنكرين أَنه قيل لَهُ: أترضى أَن يكون خصمك يَوْم الْقِيَامَة الشَّيْخ محيي الدّين بن عَرَبِيّ وَهُوَ من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى؟ فَقَالَ: نعم، لِأَن الشَّيْخ إِن كَانَ محقاً فَهُوَ ينْكَشف لَهُ أَن إنكاري إِنَّمَا كَانَ لله فيفرح بذلك وَإِن كَانَ مُبْطلًا فالغلبة لي فَأَنا آمن مِنْهُ على كل تَقْدِير، فَتَأمل كَيفَ أنصف هَذَا مَعَ أَنه منحط عَن دَرَجَة الْكَمَال على كل تَقْدِير إِذْ التَّسْلِيم أسلم، لَكِن أهل هَذَا الْقسم أحسن حَالا من أهل الْقسم الأول، وَمن انْتَشَر علمه من المنكرين علمنَا أَنه لم يكن من الْقسم الأول بل من الْقسم الثَّانِي، وَيَا عجبا
стр. 40
أَيْضا من المنكرين كَيفَ يقرونَ الْغَزالِيّ ويعرفون بِحَقِيقَة مَا قَالَه من التعصب للحلاج مَعَ أَنَّهَا صرائح لَا يحْتَمل كثير مِنْهَا التَّأْوِيل الْقَرِيب، وَلَا يؤولون كَلَام الشَّيْخ محيي الدّين بن عَرَبِيّ، لَيْسَ ذَلِك إِلَّا لما غلب عَلَيْهِم من مزِيد التعصب، نسْأَل الله السَّلامَة مِنْهُ وَأَن يحشرنا تَحت مواطىء أَقْدَام هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الأكابر الأخيار بِمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه وَسلم وَشرف وكرم. ٤٠ وَسُئِلَ ﵁: كم عدد الَّذين آخى النَّبِي ﷺ بَينهم؟ فَأجَاب بقوله: آخى بَين سلمَان وَأبي الدَّرْدَاء وَبَين عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد بن الرّبيع ذكره البُخَارِيّ، وَبَين طَلْحَة بن عبيد الله وَأبي عُبَيْدَة ذكره مُسلم. وَفِي السِّيرَة قَالَ ابْن إِسْحَق: وآخى رَسُول الله ﷺ بَين أَصْحَابه الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار. قَالَ فِيمَا بلغنَا ونعوذ بِاللَّه أَن نقُول عَلَيْهِ مَا لم يقل: (تآخوا فِي الله أَخَوَيْنِ أَخَوَيْنِ ثمَّ أَخذ بيد عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وكرم وَجهه فَقَالَ: هَذَا أخي) وَكَانَ حَمْزَة وَزيد بن حَارِثَة أَخَوَيْنِ، وجعفر بن أبي طَالب ومعاذ بن جبل أَخَوَيْنِ، قَالَ ابْن هِشَام: وَكَانَ جَعْفَر يومئذٍ غَائِبا بِالْحَبَشَةِ. قَالَ ابْن إِسْحَق، وَكَانَ أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وخارجة بن زيد بن زُهَيْر أَخَوَيْنِ وَعمر وعتبان بن مَالك، وَأَبُو عُبَيْدَة وَسعد بن معَاذ، وَعبد الرَّحْمَن وَسعد بن الرّبيع، وَالزُّبَيْر وسلامة أَخُو بني عبد الْأَشْهَل، وَيُقَال بل الزبير وَعبد الله بن مَسْعُود، وَعُثْمَان وَأَوْس بن ثَابت، وَطَلْحَة وَكَعب بن مَالك، وَسَعِيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل وأُبيّ بن كَعْب، وَمصْعَب بن عُمَيْر وَأَبُو أَيُّوب وخَالِد بن زيد، وَأَبُو حُذَيْفَة وَعباد بن بشر، وعمار بن يَاسر وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان، وَيُقَال: بل ثَابت بن قيس بن شماس، وَأَبُو ذَر وَالْمُنْذر بن عَمْرو، وحاطب بن أبي بلتعة وعويمر بن سَاعِدَة، وسلمان الْفَارِسِي وَأَبُو الدَّرْدَاء وعويمر بن ثَعْلَبَة، وبلال مولى أبي بكر وَأَبُو رويحة. قَالَ ابْن إِسْحَق: فَهَؤُلَاءِ مِمَّن سمى لنا مِمَّن كَانَ رَسُول الله ﷺ آخى بَينهم من الصَّحَابَة. ٤١ وَسُئِلَ فسح الله فِي مدَّته: عَن نفث الرجل على يَدَيْهِ وَمسح وَجهه بهما بعد الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ فِي بعض الأحيان هَل هُوَ بِدعَة أَو لَا؟ فَأجَاب بقوله: النفّثُ بعد الْأَدْعِيَة الْوَارِدَة عِنْد النّوم سنة اتبَاعا لَهُ ﷺ كَمَا بَين ذَلِك النَّوَوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي أذكاره وَغَيره، وَمن الْمجمع عَلَيْهِ أَن الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ قبل الدُّعَاء وعقبه سنة، وَورد مَا يدل على خُصُوص طلب الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ عِنْد النّوم، فَإِذا تقرر لَك ذَلِك علمت مِنْهُ أَن النفث الْمَذْكُور عقب الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ قد يكون سنة لكنه فِي الْحَقِيقَة لَيْسَ للصَّلَاة وَإِنَّمَا هُوَ للذّكر الْمَطْلُوب عِنْد النّوم، وَالدَّلِيل لذَلِك أَن الذّكر لَو انْفَرد يسن النفث كَمَا ذكر، وإنْ انْفَرَدت الصَّلَاة لم يسن النفث فَهُوَ لَيْسَ لَهَا فِي الْحَقِيقَة، وَمن فعله عقب الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ وَقد انْفَرَدت الصَّلَاة أَو فِي غير ذَلِك من الْمَوَاضِع الَّتِي لَا يسن النفث فِيهَا فقد ارْتكب مَا لَا ينْدب فَيَنْبَغِي لَهُ اجتنابه. ٤٢ وَسُئِلَ ﵁: عَن حِكْمَة اسْتِعْمَال كرم الله وَجهه فِي حق عَليّ بن أبي طَالب ﵁ دون غَيره عوضا عَن الترضي، وَهل يسْتَعْمل ذَلِك لغيره من الصَّحَابَة؟ فَأجَاب بقوله: حِكْمَة ذَلِك أَن عليا كرم الله وَجهه وَرَضي عَنهُ لم يسْجد لصنم قطّ، فَنَاسَبَ أَن يدعى لَهُ بِمَا هُوَ مطَالب لحاله من تكرمة الْوَجْه، وَالْمرَاد بِهِ حَقِيقَته أَو الْكِنَايَة عَن الذَّات أَي حفْظِه عَن أَن يتَوَجَّه لغير الله تَعَالَى فِي عِبَادَته، ويشاركه فِي ذَلِك أَبُو بكر الصّديق ﵁ وكرم وَجهه، فَإِنَّهُ لم يسْجد لصنم أَيْضا كَمَا حُكيَ فَنَاسَبَ أَن يدعى لَهُ بذلك أَيْضا، وَإِنَّمَا كَانَ اسْتِعْمَال ذَلِك فِي حق عَليّ أَكثر لِأَن عدم سُجُوده أَمر مجمع عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أسلم وَهُوَ صبي مُمَيّز، وَصَحَّ إِسْلَامه حينئذٍ على خلاف مَذْهَبنَا لِأَن الْأَحْكَام وَقت إِسْلَامه كَانَت منوطة بالتمييز، ثمَّ بعد ذَلِك نسخ ذَلِك الْأَمر وأُنيطت بِالْبُلُوغِ كَمَا بَينه الْبَيْهَقِيّ وَغَيره. فَإِن قلت: كثير من الصَّحَابَة ﵃ لم يُوجد مِنْهُم سُجُود لصنم كالعبادلة: ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَابْن الزبير وَغَيرهم وَمَعَ ذَلِك لَا يَقُول النَّاس فيهم ذَلِك بل الترضي كغيرهم. قلت: هَؤُلَاءِ نظراؤهم إِنَّمَا ولدُوا بعد اضمحلال الشّرك، وخمود نَار الضلال والفتنة، فَلم يشابهوا ذَيْنك الْإِمَامَيْنِ فِي تَركهمَا أكبر فتن الشّرك من السُّجُود للصنم مَعَ دعاية أَهله الناسَ لذَلِك، ومبالغتهم فِي إِيذَاء من ترك ذَلِك، وَكَانَ فِي التّرْك حينئذٍ مَعَ مُخَالفَة الْآبَاء والأقارب وَتحمل المشاق الَّتِي لَا تطلق من الدّلَالَة على الصدْق مَا لَيْسَ فِيهِ بعد ظُهُور الْإِسْلَام وزهوق الضلال، فَنَاسَبَ
следующие страницы →