Полный текст (240 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
تِلْكَ الْحَيْثِيَّة وَإِن كَانَ مَعْقُول الْمَعْنى أفضل من حيثية أُخْرَى وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. ٣٩ وَسُئِلَ: فِي التصوّف مَا ملخص مَا يَقُولُونَهُ فِي ابْن عَرَبِيّ وَابْن الفارض وطائفتهما هَل هم محقون أم مبطلون وَمَا الدَّلِيل على ذَلِك أوضحُوا لنا الْجَواب وابسطوه بسطاً شافياً؟ فَأجَاب: ملخص مَا نعتقده فِي ابْن عَرَبِيّ وَابْن الفارض وتابعيهما بِحَق الجارين على طريقتهما من غَايَة إتقان عُلُوم الْمُعَامَلَات والمكاشفات، وَمن غَايَة الزّهْد والورع والتجرد، والانقطاع إِلَى الله فِي الخلوات والدأب على الْعِبَادَات ونسيان الْخلق جملَة وَاحِدَة، ومعاملة الْحق، ومراقبته فِي كل نفس كَمَا تَوَاتر كل ذَلِك عَن هذَيْن الرجلَيْن العظيمين أَنهم طَائِفَة أخيار أَوْلِيَاء أبرار بل مقربون، وَمن رق السوىَّ أَحْرَار لَا مرية فِي ذَلِك وَلَا شكّ إِلَّا عِنْد من لَا بَصِيرَة لَهُ، وَكَفاك حجَّة على ولايتهما تَصْرِيح كثيرين من الأكابر بهَا، وبأنهما من الأخيار المقربين كالشيخ الْعَارِف الإِمَام الْفَقِيه الْمُحدث المتقن عبد الله اليافعي نزيل مَكَّة المشرفة وعالمها، وَمن ثمَّ قَالَ الأسنوي فِي (تَرْجَمته) : فَاضل الأباطح وعالمها، وَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي ابْتَدَأَ كتبنَا بالشافعي وختمها باليافعي، وكالشيخ الإِمَام الْمجمع على جلالته وَعلمه بِمذهب مَالك وَغَيره، وعَلى مَعْرفَته التَّاج بن عَطاء الله وناهيك بِحكمِهِ وَتَنْويرِهِ دَلِيل على ذَلِك، حَتَّى قَالُوا: كَادَت الحكم أَن تكون قُرْآنًا يُتْلَى، وكالشيخ الإِمَام الْعَلامَة الْمُحَقق الشَّافِعِي الأصولي التَّاج السُّبْكِيّ وكشيخنا خَاتِمَة الْمُتَأَخِّرين وواسطة جمع الْمُحَقِّقين زَكَرِيَّا الْأنْصَارِيّ وكالشيخ الْعَلامَة الْبُرْهَان بن أبي شرِيف وناهيك أَيْضا بِهَذَيْنِ الْعَالمين. وَقد حكى بعض الثِّقَات الْأَثْبَات من الْفُقَهَاء أَنه قَالَ: جَاوَرت بِمَكَّة وَكَانَ لي فِيهَا صديق من أَوْلِيَاء الله فَسَأَلته أَن يريني القطب، فَمَكثَ مُدَّة ثمَّ قَالَ لي: إِذا رَأَيْته لَا تكَلمه، فَمَكثت مُدَّة ثمَّ رَأَيْته فَقبلت يَده وَجَلَست سَاكِنا، ثمَّ الْتفت القطب وَقَالَ: صاحبُ مصرَ رجل مِنْكُم معشر الْفُقَهَاء، فخطر لي أَن أسأله عَنهُ فَلم يمكني ذَلِك، ثمَّ بعد مُدَّة اجْتمعت بِهِ وَكَانَ عِنْدِي أَنِّي إِذا اجْتمعت بِهِ أسأله عَن تعْيين ذَلِك الرجل، فَالْتَفت إليّ وَقَالَ: صَاحب مصر الْآن الشَّيْخ برهَان الدّين بن أبي شرِيف، ثمَّ يكون بعده الشَّيْخ زَكَرِيَّا، فَتَأمل هَذِه الشَّهَادَة من القطب لهذين الْإِمَامَيْنِ وَلَقَد كَانَا زِينَة مصر بل زِينَة الدُّنْيَا كلهَا، فَإِنَّهُمَا كَانَا لَا يخافان فِي الله لومة لائم حَتَّى كَانَ الشَّيْخ زَكَرِيَّا يسب السُّلْطَان قايتباي صَرِيحًا على الْمِنْبَر وَهُوَ جَالس يسمع خطبَته وَهُوَ يومئذٍ قَاضِي الْقُضَاة بالديار المصرية وَكَانَ لَا يهابه وَلَا يعبأ بِهِ، وَكَيف لَا وَقد مدّ عَلَيْهِ نظر السَّادة الصُّوفِيَّة ورضع من لبان معارفهم وَدخل تَحت لِوَاء إشاراتهم، وتزيا مَعَهم حَتَّى اجتلى وتوقد وَتفرد وانكشفت لَهُ حقائق ومعارف، وَكَانَ يَحْكِي عَن شَيْخه البُلْقِينِيّ أَنه كَانَ يجْتَمع بالخضر كثيرا وَبَلغنِي عَنهُ أَنه فِي أَيَّام خلواته بسطح الْجَامِع الْأَزْهَر، جَاءَ مِمَّن يعرفهُ رجل وَقد أصَاب عَيْنَيْهِ رمد حَتَّى أيس مِنْهُمَا الكحَّالون فَشَكا إِلَيْهِ ذَلِك فَتوجه إِلَى الله فِي أَمرهمَا فَلم يَجِيء الْيَوْم الثَّانِي إِلَّا وَقد زَالَ عَنهُ جَمِيع مَا يجده وَصَارَ بَصَره الَّذِي كَانَ أيس مِنْهُ أحسن مَا كَانَ، وَلَقَد آذاه بعض تلامذته، وَكَانَ أعْطى مناصب عَظِيمَة فِي الدولة الرومية بِحَيْثُ كَانَت فِي الدولة التركية لَا يُعْطي كل وَاحِد مِنْهَا إِلَّا لمن هُوَ دون السُّلْطَان بِدَرَجَة أَو دَرَجَتَيْنِ فَدَعَا الشَّيْخ عَلَيْهِ فَلم يمض عَلَيْهِ إِلَّا زمن قَلِيل، وَقد سلب الله عَنهُ جَمِيع مَا كَانَ فِيهِ وَخرج من مصر هَارِبا إِلَى اسلامبول، فَصَارَ فِيهَا بأرث هَيْئَة وأسفلها كل ذَلِك ببركة الشَّيْخ، وواقعة البرهاني بن أبي شرِيف مَعَ السُّلْطَان الغوري مَشْهُورَة حَيْثُ عانده وَأفْتى بِخِلَاف مَا لَا غَرَض لَهُ فِيهِ، وَهُوَ قبُول رُجُوع رجل أقرّ بِالزِّنَا وَكَانَ للسُّلْطَان غَرَض فِي قَتله، فَأرْسل يستفتي من الشَّيْخ لنَفسِهِ بذلك مُوَافقَة لما أدخلهُ بعض الممقوتين من الْفُقَهَاء فِي ذهنه من أَن الشَّرْع عدم قبُول إِقْرَاره فأفتاه بِخِلَافِهِ، فعقد لعلماء مصر مَجْلِسا فِي قلعته فَكَلَّمَهُمْ فَلم يعلنوا بِالْحَقِّ كَمَا أعلن بِهِ الشَّيْخ برهَان الدّين بن أبي شرِيف، وَشد عضُدَه شَيخنَا زَكَرِيَّا ونَصَرَ مَا قَالَه، وأعلن بِهِ وَبِأَنَّهُ على الْحق، فَغَضب السُّلْطَان من ذَلِك وَمن إفتائه بموافقة ذَلِك، وَقَالَ فِي فتواه: لَا يجوز قَتله وَمن قَتله قتل بِهِ، فَغَضب الغوري غَضبا شَدِيدا حَتَّى أرسل للرجل الْمقر وَالْمَرْأَة الْمُزنِيّ بهَا فصلبا على بَاب بَيت الشَّيْخ، فسد الشَّيْخ ذَلِك الْبَاب وَصَارَ يخرج من بَاب آخر كَانَ لَهُ وَلم يعبأ بذلك وَلَا تأثر بِهِ مَعَ أَنه إِنَّمَا ظن أَولا أَنه هُوَ الْمَأْمُور بصلبه، فاستعد لذَلِك بِالطَّهَارَةِ وَغَيرهَا وَسلم الله وَلم يظْهر عَلَيْهِ مَا يُخَالف التَّسْلِيم، وَمن ثمَّ رُؤِيَ الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَهُوَ يُكَرر قَوْله:
стр. 37
إِن كَانَ عِنْدِي موضعٌ لسواكم أعددُّته يَوْمًا فَلَا أَلْقَاهُ وَهُوَ يَقُول: جِئْنَا لنسلم على إِبْرَاهِيم، ورؤي تِلْكَ اللَّيْلَة أَيْضا وَهُوَ يَقُول قد قلعنا الغوري بعروقه من هَذِه المملكة وَكَانَ كَذَلِك فَإِنَّهُ لم يمْكث بعد ذَلِك إِلَّا مُدَّة قَليلَة وَخرج على وَجهه فِي عساكره وأجناده إِلَى حلب ثمَّ إِلَى مَحل يُسمى مرج دابغ، فَبَيْنَمَا هُوَ سَائِر التقى بالسلطان سليم بن عُثْمَان فأخذل الله الغوري وَجُنُوده وانهزموا وتبدَّدوا وَلم يقدروا على الْحَرْب سَاعَة وَاحِدَة، وفُقِد الغوري وَلم يدر مَا فعل الله بِهِ، فيكفيك مَا قَالَه هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة العارفون بِاللَّه الْعَالمُونَ الْعَامِلُونَ الْفُقَهَاء الْأَوْلِيَاء، وَمَا صَرَّحُوا بِهِ من أنَّ كلا الْإِمَامَيْنِ الْمَذْكُورين وطائفتهما: أَي التَّابِعين لَهما بِحَق كَمَا قَدمته أَوْلِيَاء أخيار أتقياء أبرار. فَكيف يمتري عَاقل أَو متدين بعد مَا صرح بِهِ أَئِمَّة الدّين الَّذين أماطوا عَن وَجهه شُبْهَة المبطلين، وأبطلوا حجج المتمردين، مِمَّا ذكر فِي ولَايَة هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الْمَذْكُورين، وَيَا عجبا كَيفَ نَأْخُذ بقَوْلهمْ فِي الْأَحْكَام ونعمل بهَا فِيمَا بَيْننَا وَبَين الله ونعتمد عَلَيْهَا فِي التَّحْرِيم والتحليل وَقتل الْأَنْفس وَقطع الْأَيْدِي وَغير ذَلِك من العظائم، وَلَا نَأْخُذ بقَوْلهمْ فِي أَئِمَّة مُسلمين تَضلَّعوا من الْكتاب وَالسّنة وضموا إِلَى ذَلِك الْفُرُوع الاجتهادية وَمَا يلائم ذَلِك من الْعُلُوم الأدبية والعربية، ثمَّ بعد إتقان ذَلِك كُله اشتغلوا بصفاء قُلُوبهم حَتَّى أشرقت وتنورت وَصَارَت شفافة تحكي مَا قابلته، فكوشفوا بإبراز الْعُلُوم وأحكامها الْبَاطِنَة بل وبحكم الموجودات كالعبادات وَغَيرهَا، فدوّنوها قصدا لِأَن ينْتَفع بهَا من سلك طريقتهم، وليعلموا بهَا المحق من غَيره، وَأَن المحق ينْطق عَن وجوده بِمَا يضاهيها فَلَا يتَقَيَّد بهَا، وَأما الْمُبْطل فَلَيْسَ لَهُ مِنْهَا إِلَّا مُجَرّد الْحِفْظ بِاللِّسَانِ، وَلَو طلب مِنْهُ تحقيقها فضلا عَن إبداء مَا ماثلها لعجز عَن ذَلِك. وَمِمَّا يدل على إتقانهم لتِلْك الْعُلُوم الْمَذْكُورَة مَا حَكَاهُ الذَّهَبِيّ وَكَانَ من المنكرين على الشَّيْخ محيي الدّين بن عَرَبِيّ: أَن سُلْطَان الغرب أَمر أَن لَا يُقيم ببلاده إِلَّا رجل يبلغ دَرَجَة الِاجْتِهَاد بِحَيْثُ لَا يتَقَيَّد بِمذهب أحد فأجمع رَأْي عُلَمَاء بِلَاده على سِتَّة مِنْهُم، وَكَانَ من السِّتَّة الشَّيْخ محيي الدّين. وَمَا قَالَه البقاعي، وَكَانَ من المنكرين أَو أكبرهم فِي كتاب للشَّيْخ محيي الدّين صنفه فِي أسرار الْمُعَامَلَات، هَذَا أجلّ من تصنيف الْغَزالِيّ، فَتَأمل كَيفَ هَذَا الرجل بِهَذِهِ الْمرتبَة الْعَظِيمَة العديمة النظير، ويُظن بِهِ سفاسف الرذائل الَّتِي لَا يرضى بهَا أقل متدين لَيْسَ ذَلِك إِلَّا مَحْض تعصب وسعياً فِي تبوّء مفاوز المقت أعاذنا الله من ذَلِك. وَلَقَد أَخْبرنِي شَيخنَا الْعَارِف الْعَلامَة أَبُو الْحسن الْبكْرِيّ عَن الشَّيْخ الْعَلامَة جمال الدّين الصابي من صَرِيح لَفظه وَكَانَ من أجلّ تلامذة شَيخنَا زَكَرِيَّا السَّابِق أَنه كَانَ يُنكر على الشّرف بن الفارض فَرَأى الْقِيَامَة قد قَامَت وعَلى كتفه خرج وَهُوَ بِهِ فِي غَايَة التَّعَب، ثمَّ سمع قَائِلا يَقُول: أَيْن جمَاعَة ابْن الفارض؟ قَالَ: فتقدمتُ لأدخل مَعَهم فَقيل لي لستَ مِنْهُم فَارْجِع، فانتبهت وَأَنا فِي غَايَة الْخَوْف والأسف والحزن فتبتُ إِلَى الله من الْإِنْكَار على ابْن الفارض، وخلصت عقدي مَعَ الله واعتقدتُ فِيهِ أَنه من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى، فنمتُ فِي مثل تِلْكَ اللَّيْلَة من السّنة الثَّانِيَة فرأيتُ ذَلِك الْمَنَام بِعَيْنِه، ثمَّ سَمِعت الْقَائِل يَقُول: أَيْن جمَاعَة ابْن الفارض يدْخلُونَ الْجنَّة؟ فتقدمت مَعَهم، فَقيل لي: ادخل الْآن أَنْت مِنْهُم، فَانْظُر هَذِه الْقَضِيَّة من رجل فَقِيه، وَالظَّاهِر وَالله أعلم أَنه إِنَّمَا أرى ذَلِك حَتَّى رَجَعَ ببركة شَيْخه زَكَرِيَّا وَإِلَّا فكم من مُنكر عَلَيْهِم تَرَكُوهُ وعماه حَتَّى بَاء بالخسارة والبوار. فَإِن قلت: قد أنكر عَلَيْهِم أَئِمَّة أجلاء أَيْضا كالبلقيني وَغَيره وَآخرهمْ البقاعي وتلامذته وَبَعْضهمْ مِمَّن أخذت عَنهُ، فَلم رجحت تِلْكَ الطَّرِيقَة دون هَذِه الطَّرِيقَة؟ قلت: إِنَّمَا رجحتها لأمور. مِنْهَا: مَا ذكره شَيخنَا فِي (شرح الرَّوْض) نقلا عَن السعد التَّفْتَازَانِيّ مُحَقّق الْإِسْلَام وَفَارِس ميدانه ومميط حجَّة الظلام وكشَّاف شُبَهه عَن علياء ضيائه، وَالَّذِي ذكره فِيهِ ظَاهر فاطلبه مِنْهُ، وَحَاصِله ردّاً على ابْن الْمقري حَيْثُ قَالَ: من شكّ فِي كفر طَائِفَة ابْن عَرَبِيّ فَهُوَ كَافِر، أَن الْحق أَنهم أخيار أَئِمَّة، وَأَن اليافعي وَابْن عَطاء الله وَغَيرهمَا صرّحوا بِولَايَة ابْن عَرَبِيّ وَأَن اللَّفْظ المصطلح عَلَيْهِ حَقِيقَة عِنْد أَهله فِيمَا اصْطَلحُوا عَلَيْهِ، وَأَن الْعَارِف إِذا استغرق فِي بحار التَّوْحِيد رُبمَا صدرت عَنهُ عِبَارَات توهم الْحُلُول والاتحاد وَلَا حُلُول وَلَا اتِّحَاد. وَمِنْهَا: مَا صرح بِهِ أَئِمَّتنَا كالرافعي فِي الْعَزِيز وَالنَّوَوِيّ فِي (الرَّوْضَة) و (الْمَجْمُوع) وَغَيرهمَا من أَن الْمُفْتِي إِذا سُئِلَ عَن لفظ يحْتَمل الْكفْر وَغَيره لَا يَقُول هُوَ مهدر الدَّم أَو مباحه أَو يقتل أَو نَحْو ذَلِك، بل يَقُول
стр. 38
يسئل عَن مُرَاده فَإِن فسره بِشَيْء عمل بِهِ فَانْظُر وفقك الله إِلَى هَذِه الْعبارَات تَجِد المنكرين الَّذين يتهجمون على هَذَا الرجل الْعَظِيم ويجزمون بِكُفْرِهِ قد ارتكبوا متن عمياء وخبطوا خَبْط عشواء، وَإِن الله أعمى بصائرهم وأصم آذانهم عَن ذَلِك حَتَّى وَقَعُوا فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ وَكَانَ سَببا لمقتهم وَعدم الِانْتِفَاع بعلمهم. وَمِنْهَا: أَن علمهمْ وزهدهم ورفضهم الدُّنْيَا والسوى جملَة وَاحِدَة قَاض بنزاهتهم عَن هَذِه المقالات الشنيعة، فترجَّح بذلك عدم الْإِنْكَار عَلَيْهِم لِأَن عبارتهم حَقِيقَة فِيمَا اصْطَلحُوا فِيهِ، فَلَا يجوز الْإِنْكَار عَلَيْهِم إِلَّا بعد معرفَة مَدْلُول كَلَامهم ثمَّ معرفَة اصطلاحهم، ثمَّ يطبق ذَلِك الِاصْطِلَاح على ذَلِك الْمَدْلُول وَينظر هَل يطابقه أم لَا، وَنَحْمَد الله، المنكرون عَلَيْهِم كلهم جاهلون بذلك إذْ لَيْسَ مِنْهُم أحد أتقن عُلُوم المكاشفات بل وَلَا شم لَهَا رَائِحَة، وَلَا أحد مِنْهُم ملك زمامه لأحد مِنْهُم حَتَّى أحَاط باصطلاحاتهم. فَإِن قلت: لَا أسلم أَن اللَّفْظ حَقِيقَة لَا مجَاز فِيمَا اصْطلحَ عَلَيْهِ، فعين لي مَا هُوَ أوضح من ذَلِك؟ قلت: إِنْكَار ذَلِك عناد، وعَلى تَقْدِير عدم تَسْلِيم مَا ذكرنَا فاالصواب للمعترض أَن يَقُول فِي عِبَارَته: هَذِه الْعبارَة تحْتَمل وُجُوهًا ويبينها، ثمَّ يَقُول: إِن أَرَادَ كَذَا فَكَذَا أَو كَذَا فَكَذَا، وَلَا يَقُول من أول وهلة هَذَا كفر هَذَا جهل وَخُرُوج عَن دَائِرَة النَّصِيحَة الَّتِي يزْعم أَنه أرادها، أَلا ترى أَن ابْن الْمقري لَو كَانَ غَرَضه النَّصِيحَة لما كَانَ يُبَالغ وَيَقُول: من شكّ فِي كفر طَائِفَة ابْن عَرَبِيّ فَهُوَ كَافِر، فانتقل من الحكم عَلَيْهِم بالْكفْر إِلَى الحكم على من لم يتَيَقَّن كفرهم، فَانْظُر إِلَى هَذَا التعصب الَّذِي بلغ الْغَايَة وَفَارق بِهِ إِجْمَاع الْأَئِمَّة، وانتقل بِهِ إِلَى كفر غير الْمُتَيَقن كفرهم ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النُّور: ١٥ ١٦] وَانْظُر أَيْضا إِلَى مَا أفهمته عِبَارَته. من أَنه يجب على الكافة اعْتِقَاد كفرهم وَإِلَّا كفرُوا، وَهَذَا لَا قَائِل بِهِ بل رُبمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَحْذُور صرح بِهِ هُوَ قبل فِي رَوْضِهِ تبعا لأصله حيثُ قَالَ من كفَّر مُسلما لذنبه بِلَا تَأْوِيل كفر، وَهَذَا قد كفرَّ مُسلمين، وَلَا عِبْرَة بِمَا يؤوله لِأَن مَا يَقُوله من التَّأْوِيل إِنَّمَا يُقبل فِي حق من أنكر عَلَيْهِم، لِأَن كلماتهم قد توهم ذَلِك فِي اعْتِقَاده، وَأما من لم يرَ كَلَامهم إِلَّا نورا بَين يَدَيْهِ واعتقد ولايتهم فَكيف يتهاجم مُسلم على تكفيره وَلَا يتهاجم على ذَلِك إِلَّا مَنْ رَضِي لنَفسِهِ بالْكفْر على احْتِمَال، وَلَقَد ظهر فِي هَذِه الْكَلِمَة من التعصب والتعدي على سَائِر الْمُسلمين نسْأَل الله من فَضله أَن يغْفر لقائلها. وَلَقَد تَوَاتر وشاع وذاع أَن من أنكر على هَذِه الطَّائِفَة لَا ينفع الله بِعِلْمِهِ ويبتلى بأفحش الْأَمْرَاض وأقبحها، وَلَقَد جربنَا ذَلِك فِي كثير من المنكرين حَتَّى أَن البقاعي غفر الله لَهُ كَانَ من أكَابِر أهل الْعلم، وَكَانَ لَهُ عبادات كَثِيرَة وذكاء مُفْرط وَحفظ بارع فِي سَائِر الْعُلُوم لَا سِيمَا علم التَّفْسِير والْحَدِيث، وَلَقَد صنف كتبا كَثِيرَة أَبى الله أَن ينفع أحدا مِنْهَا بِشَيْء، وَله كتاب فِي مناسبات الْقُرْآن نَحوا من عشرَة أَجزَاء لَا يعرفهُ إِلَّا الْخَواص بِالسَّمَاعِ، وَأما غَيرهم فَلَا يعرفونه أصلا، وَلَو كَانَ هَذَا الْكتاب لشَيْخِنَا زَكَرِيَّا أَو غَيره مِمَّن يعْتَقد لَكَانَ يكْتب الذَّهَب لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة لم يوضع مثله لَكِن: ﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وهَؤُلاء مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الْإِسْرَاء: ٢٠] وَلَقَد بَالغ البقاعي فِي الْإِنْكَار وصنَّف فِيهِ مصنَّفات كلُّها صَرِيحَة فِي غَايَة التعصُّب والميل عَن سَبِيل الاسْتقَامَة، وَمن ثمَّ جوزي بِمَا مرَّ وبأقبح مِنْهُ، وَهُوَ أَنه ضبط عَلَيْهِ فِي مناسباته فَحكم بتكفيره وإهدار دَمه، وَلم يبْق من ذَلِك إِلَّا إزهاق روحه لَوْلَا اسْتَعَانَ بِبَعْض الأكابر حَتَّى خلصه من تِلْكَ الورطة، واستتيب فِي الصالحية بِمصْر وجدد إِسْلَامه، وَلَقَد قيل لَهُ آخر أمره: مَا الَّذِي تنتقد على الشَّيْخ محيي الدّين؟ قَالَ: أنتقد عَلَيْهِ مَوَاضِع فِي فتوحاته خمس عشر موضعا أَو أدْون، فَأنْظر إِلَى هَذَا الَّذِي يُخَالف مَا فِي مصنفاته من ذكر مَوَاضِع كَثِيرَة من الفتوحات وَغَيرهَا وَالتَّصْرِيح بِأَنَّهَا كفر، وَهل هَذَا إِلَّا لمزيد التعصب، وَلَقَد كَانَ لَهُ تلامذة أكَابِر أخذُوا بقوله وَمَا يَعْتَقِدهُ وَبَعْضهمْ من مشايخي، لَكِن لم يظْهر لَهُم علم لِأَن بَعضهم لم يَتَيَسَّر لَهُ التصنيف وَبَعْضهمْ صنف فِي فن الْفِقْه تصانيف تضاهي تصانيف السعد التَّفْتَازَانِيّ وَغَيره من بلاغتها، وَحسن سبكها وجودة تراكيبها، لَكِن لم يعبأ أحد بهَا وَلم يلْتَفت إِلَيْهَا بل النَّاس عَنْهَا فِي غَايَة الْإِعْرَاض، وَلَقَد وَقع لي مَعَ هَذَا الرجل أَنِّي كنت أَقرَأ عَلَيْهِ فاعتراه ضيق نفس، وَكنت لَا أعلم إِنْكَاره على هَذِه الطَّائِفَة فَوَقع فِي بعض الْمجَالِس ذكر الشَّيْخ عمر بن الفارض قدس الله سره فَقيل لَهُ: مَا تَقول فِيهِ؟ قَالَ: شَاعِر مُفْلِق، فَقيل لَهُ: فَمَاذَا بعد ذَلِك؟ قَالَ: كَافِر، فأخذني من ذَلِك الْمُقِيم المقعد ثمَّ عدت إِلَيْهِ
стр. 39
لأقرأ وتوسمت تَوْبَته فرأيته مَرِيضا بِضيق النَّفس مَرضا شَدِيدا بِحَيْثُ صَار مشرفاً على زهوق نَفسه، فَقلت لَهُ: إِن اعتقدت فِي ابْن الفارض ضمنت لَك أَن الله يُشْفيك من هَذَا الْمَرَض فَقَالَ لي: هَذَا لَهُ معي مُدَّة من السنين، فَقلت: وَإِن كَانَ قَالَ: أفعل فخُفف عَنهُ ثمَّ خف عَنهُ، فمشيت مَعَه يَوْمًا لأحسن عقيدته، فَقَالَ لي: أمَّا ذَات الرجل فَلَا أحكم عَلَيْهَا بِكفْر، وَأما كَلَامه فَفِيهِ مَا هُوَ كفر، فَقلت: ظلم دون ظلم، ثمَّ تركت الْقِرَاءَة عَلَيْهِ، وَصَارَ ذَلِك الْمَرَض ملازمه لَكِن بخفة نسبية، وَلَقَد كَانَ بعض تلامذة البقاعي أَيْضا وَهُوَ الشَّيْخ الْعَلامَة نور الدّين الْمحلي يَقُول: أما ذَات الرجل فَلَا أحكم عَلَيْهَا بِكفْر وَأما كَلَامه فَفِيهِ مَا هُوَ كفر. فَإِن قلت من المنكرين من نفع الله بِعِلْمِهِ. قلتُ: المنكرون على قسمَيْنِ. قسم مِنْهُم لم يقصدوا بإنكارهم مَحْض النَّصِيحَة للْمُسلمين بل مَحْض تعصب، وَرَأَوا ذَلِك وَغلب عَلَيْهِم نوع من الْحَسَد وَحب إبداء خلاف أهل الْعَصْر قصدا لتميزهم عَلَيْهِ بالأشياء الغريبة والاشتهار عَنْهُم أَنهم يُنكرُونَ الْمُنكر وَلَا يخَافُونَ أحدا، وَنَحْو ذَلِك من الْأَغْرَاض الْفَاسِدَة الَّتِي لم يصحبها نوع إخلاص. وَمِنْهُم الشَّيْخ البقاعي وعلاء الدّين البُخَارِيّ وَمن ضاهاهما، وَلَقَد أدّى البقاعي تعصُبه إِلَى أَن أنكر على حجَّة الْإِسْلَام الْغَزالِيّ قَوْله: لَيْسَ فِي الْإِمْكَان أبدع مِمَّا كَانَ، وشنع بِمَا أوغر مِنْهُ الصُّدُور حَتَّى دخل ليسلم على بعض أهل الْعلم فَوَجَدَهُ فِي مَكَان خَال فَأخذ ذَلِك الرجل تاسومته وَضرب بهَا البقاعي حَتَّى أشرف على التّلف، وَصَارَ وَهُوَ يضْربهُ يوبخه وَيَقُول لَهُ: أَنْت الْمُنكر على الْغَزالِيّ أَنْت الْقَائِل فِي حَقه كَذَا وَكَذَا حَتَّى جَاءَ النَّاس وخلصوه مِنْهُ وَلم ينتطح فِيهَا شَاتَان، وَبعد ذَلِك قَامَ عَلَيْهِ أهل عصره وعاندوه وصنفوا فِي الذبّ عَن الْغَزالِيّ والردّ على البقاعي كتبا عديدة. وَحَاصِل الْجَواب عَن كَلَام الْغَزالِيّ الْمَذْكُور: أَن إِرَادَة الله لما تعلّقت بإيجاد هَذَا الْعَالم وأوجده وَقضى بِبَقَاء بعضه إِلَى غَايَة، وببقاء بعضه الآخر لَا إِلَى غَايَة وَهُوَ الْجنَّة وَالنَّار كَانَ ذَلِك مَانِعا مِنْ تعلق الْقُدْرَة الإلهية بإعدام جَمِيع هَذَا الْعَالم، لِأَن الْقُدْرَة لَا تتَعَلَّق إِلَّا بالممكن وإعدام ذَلِك غير مُمكن لَا لذاته بل لما تعلق بِهِ مِمَّا ذَكرْنَاهُ، وَلما كَانَ إعدامه مُحالاً لما قُلناه كَانَ إيجاده الأول على غَايَة الْحِكْمَة والإتقان وَكَانَ أبدع مَا يُمكن أَن يُوجد لِأَنَّهُ لَا يُوجد غَيره لما تقرّر. وَالْقسم الثَّانِي: قوم قصدُوا بإنكارهم مَحْض النَّصِيحَة للْمُسلمين، وذبَّ هَؤُلَاءِ الجهلة المتصوّفة الَّذين يشتغلون بمطالعة كتب ابْن عَرَبِيّ وَأَتْبَاعه مَعَ خلوهم عَن الْعُلُوم الرسمية وَالْأَحْوَال الكشفية واتصافهم بِالْجَهْلِ الْمَحْض، ويتخذونها ديدناً حَتَّى يفهموا مِنْهَا غير المُرَاد، وَهَؤُلَاء الكُفْر أقرب إِلَيْهِم من الْإِسْلَام، وَلَقَد شاهدنا مِنْهُم جمَاعَة يَأْكُلُون فِي رَمَضَان ويختلون فِي نَهَاره بالمُرْدِ فِي الْحمام، ويفعلون مَا هُوَ أقبح من ذَلِك وَيَقُولُونَ: نَحن لَا نشْهد إِلَّا الله، وَهَذِه التحليلات والتحريمات إِنَّمَا يُخَاطب بهَا المحجوبون عَن الله كهؤلاء الْفُقَهَاء المنكرين، وقوماً يستبيحون أكل أَمْوَال النَّاس وَيَقُولُونَ: الْأَشْيَاء كلهَا مَمْلُوكَة لله سُبْحَانَهُ وَنحن من عبيده، وقوماً تُلْهِيهِمْ مطالعة كتبه عَن الْجَمَاعَة وَأَدَاء الْفَرَائِض فِي أَوْقَاتهَا وَغير ذَلِك، فَهَؤُلَاءِ لَا يُمترى فِي سفههم وجهلهم وَيجب زجرهم عَن مطالعة كتب الشَّيْخ، لَا لنَقص فِيهَا بل لنَقص فِي هَؤُلَاءِ، وَلَقَد شافهني بَعضهم بِكَثِير مِمَّا قَدمته، وَبَعْضهمْ يَقُول: الْعَالم قديم وَالْكفَّار لَا يُعَذبُونَ فِي جَهَنَّم. قلت: من أَيْن لَك هَذَا؟ فَقَالَ: صرح بِهِ الشَّيْخ محيي الدّين بن عَرَبِيّ، فَانْظُر كَيفَ فهم عبارَة الشَّيْخ على ظَاهرهَا وأعتقد ذَلِك، وَمَا درى الْجَاهِل الْمَغْرُور أَن المُرَاد بهَا غير ذَلِك كَمَا صرّح بِهِ الشَّيْخ فِي بعض كتبه، وَلَقَد قَالَ قدّس الله سرّه ونوّر ضريحه: نَحن قوم تحرم المطالعة فِي كتبنَا إِلَّا لعارف باصطلاحنا، فَانْظُر كَيفَ هَذَا نصّ صَرِيح من الشَّيْخ بِتَحْرِيم المطالعة على هَؤُلَاءِ الجهلة المغرورين الْمُسْتَهْزِئِينَ بِالدّينِ، فالمنكرون إنْ قصدُوا بالإنكار الْمُبَالغَة فِي زجر مثل هَؤُلَاءِ فَلَا حرج عَلَيْهِم، وهم فِي أَمن من الشَّيْخ وَأَتْبَاعه، لأَنهم ساعون فِي غَرَض الشَّيْخ من عدم مطالعة هَؤُلَاءِ كتبه، وَلَقَد بَلغنِي عَن بعض المنكرين أَنه قيل لَهُ: أترضى أَن يكون خصمك يَوْم الْقِيَامَة الشَّيْخ محيي الدّين بن عَرَبِيّ وَهُوَ من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى؟ فَقَالَ: نعم، لِأَن الشَّيْخ إِن كَانَ محقاً فَهُوَ ينْكَشف لَهُ أَن إنكاري إِنَّمَا كَانَ لله فيفرح بذلك وَإِن كَانَ مُبْطلًا فالغلبة لي فَأَنا آمن مِنْهُ على كل تَقْدِير، فَتَأمل كَيفَ أنصف هَذَا مَعَ أَنه منحط عَن دَرَجَة الْكَمَال على كل تَقْدِير إِذْ التَّسْلِيم أسلم، لَكِن أهل هَذَا الْقسم أحسن حَالا من أهل الْقسم الأول، وَمن انْتَشَر علمه من المنكرين علمنَا أَنه لم يكن من الْقسم الأول بل من الْقسم الثَّانِي، وَيَا عجبا
стр. 40
أَيْضا من المنكرين كَيفَ يقرونَ الْغَزالِيّ ويعرفون بِحَقِيقَة مَا قَالَه من التعصب للحلاج مَعَ أَنَّهَا صرائح لَا يحْتَمل كثير مِنْهَا التَّأْوِيل الْقَرِيب، وَلَا يؤولون كَلَام الشَّيْخ محيي الدّين بن عَرَبِيّ، لَيْسَ ذَلِك إِلَّا لما غلب عَلَيْهِم من مزِيد التعصب، نسْأَل الله السَّلامَة مِنْهُ وَأَن يحشرنا تَحت مواطىء أَقْدَام هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الأكابر الأخيار بِمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه وَسلم وَشرف وكرم. ٤٠ وَسُئِلَ ﵁: كم عدد الَّذين آخى النَّبِي ﷺ بَينهم؟ فَأجَاب بقوله: آخى بَين سلمَان وَأبي الدَّرْدَاء وَبَين عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد بن الرّبيع ذكره البُخَارِيّ، وَبَين طَلْحَة بن عبيد الله وَأبي عُبَيْدَة ذكره مُسلم. وَفِي السِّيرَة قَالَ ابْن إِسْحَق: وآخى رَسُول الله ﷺ بَين أَصْحَابه الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار. قَالَ فِيمَا بلغنَا ونعوذ بِاللَّه أَن نقُول عَلَيْهِ مَا لم يقل: (تآخوا فِي الله أَخَوَيْنِ أَخَوَيْنِ ثمَّ أَخذ بيد عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وكرم وَجهه فَقَالَ: هَذَا أخي) وَكَانَ حَمْزَة وَزيد بن حَارِثَة أَخَوَيْنِ، وجعفر بن أبي طَالب ومعاذ بن جبل أَخَوَيْنِ، قَالَ ابْن هِشَام: وَكَانَ جَعْفَر يومئذٍ غَائِبا بِالْحَبَشَةِ. قَالَ ابْن إِسْحَق، وَكَانَ أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وخارجة بن زيد بن زُهَيْر أَخَوَيْنِ وَعمر وعتبان بن مَالك، وَأَبُو عُبَيْدَة وَسعد بن معَاذ، وَعبد الرَّحْمَن وَسعد بن الرّبيع، وَالزُّبَيْر وسلامة أَخُو بني عبد الْأَشْهَل، وَيُقَال بل الزبير وَعبد الله بن مَسْعُود، وَعُثْمَان وَأَوْس بن ثَابت، وَطَلْحَة وَكَعب بن مَالك، وَسَعِيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل وأُبيّ بن كَعْب، وَمصْعَب بن عُمَيْر وَأَبُو أَيُّوب وخَالِد بن زيد، وَأَبُو حُذَيْفَة وَعباد بن بشر، وعمار بن يَاسر وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان، وَيُقَال: بل ثَابت بن قيس بن شماس، وَأَبُو ذَر وَالْمُنْذر بن عَمْرو، وحاطب بن أبي بلتعة وعويمر بن سَاعِدَة، وسلمان الْفَارِسِي وَأَبُو الدَّرْدَاء وعويمر بن ثَعْلَبَة، وبلال مولى أبي بكر وَأَبُو رويحة. قَالَ ابْن إِسْحَق: فَهَؤُلَاءِ مِمَّن سمى لنا مِمَّن كَانَ رَسُول الله ﷺ آخى بَينهم من الصَّحَابَة. ٤١ وَسُئِلَ فسح الله فِي مدَّته: عَن نفث الرجل على يَدَيْهِ وَمسح وَجهه بهما بعد الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ فِي بعض الأحيان هَل هُوَ بِدعَة أَو لَا؟ فَأجَاب بقوله: النفّثُ بعد الْأَدْعِيَة الْوَارِدَة عِنْد النّوم سنة اتبَاعا لَهُ ﷺ كَمَا بَين ذَلِك النَّوَوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي أذكاره وَغَيره، وَمن الْمجمع عَلَيْهِ أَن الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ قبل الدُّعَاء وعقبه سنة، وَورد مَا يدل على خُصُوص طلب الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ عِنْد النّوم، فَإِذا تقرر لَك ذَلِك علمت مِنْهُ أَن النفث الْمَذْكُور عقب الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ قد يكون سنة لكنه فِي الْحَقِيقَة لَيْسَ للصَّلَاة وَإِنَّمَا هُوَ للذّكر الْمَطْلُوب عِنْد النّوم، وَالدَّلِيل لذَلِك أَن الذّكر لَو انْفَرد يسن النفث كَمَا ذكر، وإنْ انْفَرَدت الصَّلَاة لم يسن النفث فَهُوَ لَيْسَ لَهَا فِي الْحَقِيقَة، وَمن فعله عقب الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ وَقد انْفَرَدت الصَّلَاة أَو فِي غير ذَلِك من الْمَوَاضِع الَّتِي لَا يسن النفث فِيهَا فقد ارْتكب مَا لَا ينْدب فَيَنْبَغِي لَهُ اجتنابه. ٤٢ وَسُئِلَ ﵁: عَن حِكْمَة اسْتِعْمَال كرم الله وَجهه فِي حق عَليّ بن أبي طَالب ﵁ دون غَيره عوضا عَن الترضي، وَهل يسْتَعْمل ذَلِك لغيره من الصَّحَابَة؟ فَأجَاب بقوله: حِكْمَة ذَلِك أَن عليا كرم الله وَجهه وَرَضي عَنهُ لم يسْجد لصنم قطّ، فَنَاسَبَ أَن يدعى لَهُ بِمَا هُوَ مطَالب لحاله من تكرمة الْوَجْه، وَالْمرَاد بِهِ حَقِيقَته أَو الْكِنَايَة عَن الذَّات أَي حفْظِه عَن أَن يتَوَجَّه لغير الله تَعَالَى فِي عِبَادَته، ويشاركه فِي ذَلِك أَبُو بكر الصّديق ﵁ وكرم وَجهه، فَإِنَّهُ لم يسْجد لصنم أَيْضا كَمَا حُكيَ فَنَاسَبَ أَن يدعى لَهُ بذلك أَيْضا، وَإِنَّمَا كَانَ اسْتِعْمَال ذَلِك فِي حق عَليّ أَكثر لِأَن عدم سُجُوده أَمر مجمع عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أسلم وَهُوَ صبي مُمَيّز، وَصَحَّ إِسْلَامه حينئذٍ على خلاف مَذْهَبنَا لِأَن الْأَحْكَام وَقت إِسْلَامه كَانَت منوطة بالتمييز، ثمَّ بعد ذَلِك نسخ ذَلِك الْأَمر وأُنيطت بِالْبُلُوغِ كَمَا بَينه الْبَيْهَقِيّ وَغَيره. فَإِن قلت: كثير من الصَّحَابَة ﵃ لم يُوجد مِنْهُم سُجُود لصنم كالعبادلة: ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَابْن الزبير وَغَيرهم وَمَعَ ذَلِك لَا يَقُول النَّاس فيهم ذَلِك بل الترضي كغيرهم. قلت: هَؤُلَاءِ نظراؤهم إِنَّمَا ولدُوا بعد اضمحلال الشّرك، وخمود نَار الضلال والفتنة، فَلم يشابهوا ذَيْنك الْإِمَامَيْنِ فِي تَركهمَا أكبر فتن الشّرك من السُّجُود للصنم مَعَ دعاية أَهله الناسَ لذَلِك، ومبالغتهم فِي إِيذَاء من ترك ذَلِك، وَكَانَ فِي التّرْك حينئذٍ مَعَ مُخَالفَة الْآبَاء والأقارب وَتحمل المشاق الَّتِي لَا تطلق من الدّلَالَة على الصدْق مَا لَيْسَ فِيهِ بعد ظُهُور الْإِسْلَام وزهوق الضلال، فَنَاسَبَ
стр. 41
حَالهمَا أَن يميزا عَن بَقِيَّة الصَّحَابَة بِهَذِهِ الخصوصية الْعُظْمَى رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وكرم الله وجههما. ٤٣ وَسُئِلَ نفع الله بِعُلُومِهِ: عَن قَوْله ﷺ : (إِن من إجلال الله إكرام ذِي الشيبة الْمُسلم، وحامل الْقُرْآن غير الغالي فِيهِ وَلَا الجافي عَنهُ، وإكرام السُّلْطَان المقسط) . هَل المُرَاد من قَوْله: (غير الغالي فِيهِ) أَن يبْذل جهده فِي قِرَاءَته من غير تدبر وتفكر. وَمن قَوْله: (وَلَا الجافي عَنهُ) هُوَ أَن يتْرك قِرَاءَته ويشتغل بتفسيره وتأويله؟ أَو مَا فِي بعض حَوَاشِي المصابيح: أَن الغالي الَّذِي يُجَاوز الْحَد فِي قِرَاءَة الْقُرْآن لِأَن مِمَّا أَمر الله بِهِ الْقَصْد فِي الْأُمُور وَخير الْأُمُور أوساطها. وكلا الطَّرفَيْنِ قصد الْأُمُور ذميم انْتهى. فَإِن قُلْتُمْ بِهَذَا الْمَعْنى فَهَل بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين قَوْله ﷺ : (لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رجل آتَاهُ الله الْقُرْآن فَهُوَ يقوم بِهِ آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار) الحَدِيث: تنَاقض أَو لَا؟ وَعَن قَوْله ﷺ : (من مسح رَأس يَتِيم كَانَ لَهُ بِكُل شَعْرَة تمر عَلَيْهِ يَده حَسَنَات) هَل المُرَاد بِالْمَسْحِ حَقِيقَته أَو الْكِنَايَة عَن الشَّفَقَة عَلَيْهِ والتلطف بِهِ؟ فَإِن قُلْتُمْ كِنَايَة فَمَا المُرَاد من قَوْله: (كَانَ لَهُ بِكُل شَعْرَة تمرّ عَلَيْهَا يَده حَسَنَات) . فَأجَاب بقوله: المُرَاد بالغالي فِيهِ المتجاوز لما فِيهِ من الْحُدُود وَالْأَحْكَام الاعتقادية والعملية والآداب والأخلاق الظَّاهِرَة والباطنة وَغير ذَلِك من سَائِر الكمالات الَّتِي حث الْقُرْآن عَلَيْهَا، فَمن حفظ أَلْفَاظه وَتجَاوز شَيْئا من هَذِه الْمَذْكُورَات كَانَ غير مُسْتَحقّ للإكرام والتعظيم بِحَسب مَا ارْتَكَبهُ بِمَعْنى أَنه يُؤَاخذ ويذم عَلَيْهِ من حيثُ إرتكابه لذَلِك، وَإِن كَانَ يسْتَحق الْإِكْرَام والتعظيم من جِهَات أُخَر لكَونه مُسلما أَو حَافِظًا لِلْقُرْآنِ أَو نَحْو ذَلِك، فَلَيْسَ المُرَاد نفي التَّعْظِيم لَهُ مُطلقًا بل بِالِاعْتِبَارِ الَّذِي ذكرته فَتَأَمّله. وَالْمرَاد (بالجافي عَنهُ) من لَا يخضع لما فِيهِ من الْآيَات الباهرة والأدلة المتكاثرة وَلَا يتَأَمَّل مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ نظمه من بَدَائِع الْمعَانِي وإحكام المباني بل يمره بِلِسَانِهِ مَعَ قساوة قلبه وجفاوة لبه فَهُوَ كحمار الرَّحَى وثور الحراثة والإستقاء، ولسنا مُتَعبدَّين بِمُجَرَّد حفظه، وَإِنَّمَا الْمَقْصُود الْأَعْظَم بإنزاله والتعبد بِحِفْظ أَلْفَاظه هُوَ هِدَايَة الْقُلُوب ورجوعها بالاستكانة والخضوع إِلَى علام الغيوب وتنزهها عَن كل خلق ذميم وَعمل رَمِيم، فَمن ظفر بذلك مَعَ حفظه فقد ظفر بالكنز الْأَعْظَم، وَمن ظفر بِالْأولِ فَقَط فَهُوَ آخذ من الْكَمَال بِمَا يسْتَحق بِسَبَبِهِ أَن يكرم ويعظم، وَمن قنع بِحِفْظ الْأَلْفَاظ وخلا عَن تِلْكَ الْمعَانِي بِأَن غلا أَو تجافى فَهُوَ بعيد عَن الْكَمَال غير مُسْتَحقّ أَن يبلغ بِهِ مبالغ الكُمَّل من الرِّجَال فَهَذَا وَالله أعلم بِمُرَاد نبيه ﷺ هُوَ المُرَاد من هَذَا الحَدِيث، وَيُؤَيّد مَا ذكرته. حَدِيث أَحْمد وَأبي يعلى وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ (اقْرَءُوا الْقُرْآن وَاعْمَلُوا بِهِ وَلَا تجفوا عَنهُ وَلَا تغلوا فِيهِ وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ) . وَأما مَا ذكره السَّائِل من عِنْده فبعيد من اللَّفْظ وَالْمعْنَى، وَمَا نَقله عَن بعض حَوَاشِي المصابيح فَهُوَ كَلَام يجب الْإِعْرَاض عَن ظَاهره لمنابذته للسنَّة الغرَّاء. فَقَالَ قَالَ ﷺ : (أَعْبَدُ النَّاس أَكْثَرهم تِلَاوَة لِلْقُرْآنِ) رَوَاهُ الديلمي. وَقَالَ: (أفضل الْعِبَادَة قِرَاءَة الْقُرْآن) رَوَاهُ ابْن قَانِع. وَقَالَ: (أفضل عبَادَة أمتِي تِلَاوَة الْقُرْآن) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ. وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) أَنه ﷺ قَالَ: (الْقُرْآن ألف ألف حرف وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ ألف ألف حرف، قمن قَرَأَهُ صَابِرًا محتسباً كَانَ لَهُ بِكُل حرف زَوْجَة من الْحور الْعين) . وروى النّحاس والسجزي والخطيب أَنه ﷺ قَالَ: (اقْرَءُوا الْقُرْآن فَإِنَّكُم تؤجرون عَلَيْهِ أمَا إِنِّي لَا أَقُول ألم حرف وَلَكِن ألف عشر وَلَام عشر وَمِيم عشر فَتلك ثَلَاثُونَ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَغَيرهمَا. وروى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ أَنه ﷺ قَالَ: (أحبّ الْعَمَل إِلَى الله الْحَال المرتحل الَّذِي يضْرب من أول الْقُرْآن إِلَى آخِره، وَمن آخِره إِلَى أَوله كلما حل ارتحل) . وَفِي حَدِيث عِنْد أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ (اقْرَأ الْقُرْآن فِي ثَلَاث إِن اسْتَطَعْت) . ولمنابذة ذَلِك أَيْضا لما هُوَ مَعْرُوف من أَحْوَال السّلف رضوَان الله عَلَيْهِم، فَإِن أَكْثَرهم كَانُوا يختمون الْقُرْآن فِي كلّ سبع لَيَال مرّة، وَكَانَ كَثِيرُونَ يختمون فِي كل يَوْم وَلَيْلَة ختمة، وَختم جمَاعَة فِي كل يَوْم وَلَيْلَة ختمتين، وَآخَرُونَ فِي كلّ يَوْم وَلَيْلَة ثَلَاث ختمات، وَختم بَعضهم فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة ثَمَان ختمات أَرْبعا بِاللَّيْلِ وأربعاً بِالنَّهَارِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ بعد ذكره لذَلِك: وَمِمَّنْ ختم أَربع ختمات فِي اللَّيْل وأربعاً فِي النَّهَار السَّيِّد الْجَلِيل ابْن الْكَاتِب الصُّوفِي ﵁ وَهَذَا أَكثر مَا بلغنَا فِي الْيَوْم وَاللَّيْل، وروى السَّيِّد الْجَلِيل أَحْمد الدَّوْرَقِي بِإِسْنَادِهِ عَن مَنْصُور بن زَاذَان بن عباد من التَّابِعين ﵃، أَنه كَانَ يخْتم الْقُرْآن فِيمَا بَين الظّهْر وَالْعصر ويختمه أَيْضا فِيمَا بَين الْمغرب
стр. 42
وَالْعشَاء. وروى ابْن أبي دَاوُد بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح: أَن مُجَاهدًا ﵀ كَانَ يخْتم الْقُرْآن فِي رَمَضَان فِيمَا بَين الْمغرب وَالْعشَاء. وَأما الَّذين ختموا الْقُرْآن فِي رَكْعَة فَلَا يُحصونَ لكثرتهم فَمنهمْ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁، وَتَمِيم الدَّارِيّ، وَسَعِيد بن جُبَير ﵄. وَالْمُخْتَار أَن ذَلِك يخْتَلف باخْتلَاف الْأَشْخَاص فَمن كَانَ لَا يظْهر لَهُ دَقِيق الْمعَانِي ولطائف المعارف إِلَّا بِالْقدرِ الْيَسِير اقْتصر عَلَيْهِ، وَكَذَا من كَانَ مَشْغُولًا بِمَا هُوَ أهمّ من الإستكثار، كنشر الْعلم وَمن لَيْسَ كَذَلِك فليكثر مَا أمكنه من غير خُرُوج إِلَى حد الْملَل والهَذْرمَة، وَقد كره جمَاعَة من الْمُتَقَدِّمين الْخَتْم فِي كلّ لَيْلَة وَيَوْم للْخَبَر الصَّحِيح (لَا يفقه من قَرَأَ الْقُرْآن فِي أقل من ثَلَاث) . هَذَا حَاصِل كَلَام النَّوَوِيّ ﵀، وَهُوَ يرد مَا يُوهِمهُ مَا ذكر من تِلْكَ الْحَوَاشِي من ذمّ الْإِكْثَار والإفراط من الْقِرَاءَة مُطلقًا، وَلَيْسَ كَمَا زعم إِن أَرَادَ ذَلِك، وَإِنَّمَا الذمّ خَاص بِمن يحصل لَهُ ملل أَو عدم تدبر أَو هَذْرمة بِخِلَاف من لَا يحصل لَهُ شَيْء من ذَلِك، وَلَا هُوَ مَشْغُول بالأهم، فَيَنْبَغِي لَهُ أَن يستفرغ وُسْعه ويبذل جهده فِي الْإِكْثَار من قِرَاءَة الْقُرْآن فَإِنَّهُ أفضل من سَائِر الْأَذْكَار مَا عدا الَّتِي لَهَا وَقت أَو حَال مَخْصُوص. وَقد كَانَ الشَّافِعِي ﵁ مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ من الِاشْتِغَال بِتِلْكَ الْعُلُوم الباهرة والمعالي الظَّاهِرَة والكمالات المتكاثرة يخْتم فِي غير رَمَضَان فِي كلّ يَوْم وَلَيْلَة ختمة، وَفِي رَمَضَان ختمة فِي اللَّيْل وختمة فِي النَّهَار، وَهَذَا مَعَ مَا كَانَ بِهِ من الْأَمْرَاض الْكَثِيرَة الخطرة حَتَّى كَانَ يَقُول ﵁ وأرضاه فِيمَا بَين صَدْرِي وسرتي تِسْعَة أمراض مخوفة كل مِنْهَا لَو انْفَرد كَانَ قَاتلا، فَتَأمل سيرة السّلف وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ وأعْرِض عَن كَلِمَات تصدر مِمَّن لم يختبر أخبارهم وَلَا ذاق معارفهم، وَإِنَّمَا يتَكَلَّم بِحَسب رَأْيه الْقَاصِر وفهمه الفاتر، ظنا مِنْهُ أَن الْعُلُوم النقلية والمعارف وَالْأَحْوَال الذوقية تدْرك بمجرّد الحدس والفكر من غير الِاقْتِدَاء بآثارهم، والاهتداء بمنارهم، حاشا وكلا لَا يظفر بِشَيْء من معارفهم إِلَّا من علم آثَارهم، واقتفى أخبارهم، وامتلأ من السّنة، وعظمت عَلَيْهِ بِوَاسِطَة استغراقه فِي معاليهم الْمِنَّة حقق الله لنا حسن الِاقْتِدَاء بهم والاتباع لآرائهم ومعاليهم إِنَّه جواد كريم رؤوف رَحِيم. وَالْمرَاد من الْمسْح فِي الحَدِيث الثَّانِي حَقِيقَته كَمَا بَينه آخر الحَدِيث وَهُوَ (من مسح رَأس يَتِيم لم يمسحه إِلَّا لله كَانَ لَهُ بِكُل شَعْرَة تمر عَلَيْهَا يَده عشر حَسَنَات وَمن أحسن إِلَى يتيمة أَو يَتِيم عِنْده كنت أَنا وَهُوَ فِي الْجنَّة كهاتين وَقرن بَين أصبعيه) . وَخص الرَّأْس بذلك لِأَن فِي الْمسْح عَلَيْهِ تَعْظِيمًا لصَاحبه وشفقة عَلَيْهِ ومحبة لَهُ وجبراً لخاطره، وَهَذِه كلهَا مَعَ الْيَتِيم تَقْتَضِي هَذَا الثَّوْب الجزيل، وَأما جعل ذَلِك كِنَايَة عَن الْإِحْسَان فَهُوَ غير مُحْتَاج إِلَيْهِ لِأَن ثَوَاب الْإِحْسَان الَّذِي هُوَ أَعلَى وأجلّ قد ذكر بعده وَأَيْنَ الْقرب مِنْهُ ﷺ فِي الْجنَّة حَتَّى يَكُونَا كالأصبعين من إِعْطَاء حَسَنَات بِعَدَد شعر الرَّأْس، فشتان مَا بَينهمَا إِذْ الأول أكمل وَأعظم وعَلى التنزل وَأَنه أُرِيد بذلك الْكِنَايَة الْمَذْكُورَة فَيكون قَوْله (كَانَ لَهُ) إِلَخ كِنَايَة عَن عَظِيم الْجَزَاء، وَأَنه لعظمته لَو وجد فِي الْخَارِج لَكَانَ أَكثر من عدد شعر الرَّأْس بِكَثِير، فَيكون التجوّز وَالْكِنَايَة فِي الطَّرفَيْنِ طرف الْفِعْل وطرف الْجَزَاء عَلَيْهِ وَالْكِنَايَة وَإِن كَانَت أبلغ من الْحَقِيقَة إِلَّا أَن مَحل الْحمل عَلَيْهَا حَيْثُ لم يمْنَع مِنْهَا مَانع، وَقد علمت أَن آخر الحَدِيث يعين الْحمل على الْحَقِيقَة لإفادته أَن مَا بعده يكون تأسيساً، وَهُوَ خير من التَّأْكِيد اللَّازِم للْحَمْل على الْكِنَايَة فَافْهَم ذَلِك وتأمله. ثمَّ رَأَيْت أَحَادِيث صَرِيحَة بِأَن المُرَاد بِالْمَسْحِ حَقِيقَته. مِنْهَا حَدِيث عِنْد الْخَطِيب وَابْن عَسَاكِر وَهُوَ قَوْله ﷺ : (امسح رَأس الْيَتِيم هَكَذَا إِلَى مقدم رَأسه من لَهُ أَب هَكَذَا إِلَى مُؤخر رَأسه) . وروى البُخَارِيّ فِي التَّارِيخ أَنه ﷺ قَالَ: (الصَّبِي الَّذِي لَهُ أَب يمسح رَأسه إِلَى خلف، واليتيم يمسح رَأسه إِلَى قُدَّام) . وروى الْبَيْهَقِيّ أَنه ﷺ قَالَ: (إِن أردْت أَن يلين قَلْبك فأطعم الْمِسْكِين وامسح رَأس الْيَتِيم) . ٤٤ وَسُئِلَ نفع الله بِعُلُومِهِ: عَن الْمَلَائِكَة صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم هَل خلقُوا دفْعَة وَاحِدَة أَو يخلقون تارات لما فِي بعض الرِّوَايَات: (أَن الله يخلق بِكُل قَطْرَة ملكا) ؟ وَهل يُولد الشَّيَاطِين ويموتون كبني آدم أَو يولدون وَلَا يموتون إِلَى يَوْم الْقِيَامَة؟ وَهل الْأَفْضَل فِي الذّكر ذكر لَا إِلَه إِلَّا الله أَو ذكر الْجَلالَة فَقَط؟ وَهل الْأَفْضَل فِي الذّكر اللِّسَان مَعَ حُضُور الْقلب أَو الذّكر الْخَفي فَمَا وَجهه وَهل المُرَاد بِهِ مَا هُوَ بِالنَّفسِ أَو مَا يَشْمَلهُ والملفوظ بِاللِّسَانِ من غير إسماع نَفسه؟ وَمَا معنى مَا قيل تفكر سَاعَة خير من عبَادَة سنة هَل المُرَاد بالتفكر ذكر الله أَو ذكر عَظمته أَو فِي اسْتِخْرَاج الْعُلُوم أَو المراقبة
стр. 43
أَو التفكر فِي الْمُعَامَلَة الَّتِي بَين العَبْد وربه؟ وَهل تَشْمَل الْعِبَادَة الَّتِي ذكرت فِي مُقَابلَة التفكر الْأَذْكَار والصلوات كالنوافل، وحينئذٍ فَمَا وَجه تَفْضِيل الْفِكر عَلَيْهَا مَعَ وُرُود الْأَخْبَار فِيهَا؟ وَهل رفع الصَّوْت بِقِرَاءَة الأوراد بعد الصَّلَوَات أولى من إسماع نَفسه سَوَاء السالكون وَغَيرهم كالجماعة المنسوبين إِلَى السَّيِّد عَليّ الْهَمدَانِي فَإِنَّهُم يقرءُون أوراده جَهرا كَمَا هُوَ مُعْتَاد الْمَشَايِخ، أَو يفرق بَين مَا إِذا كَانَ هُنَاكَ مصلّ أَو نَائِم أَولا؟ وَهل يجوز أَخذ الْيَد الْمَعْهُودَة بَين الصُّوفِيَّة من مَشَايِخ مُتعَدِّدَة سَوَاء مَاتَ الأوّل أَو انْتفع بِهِ أَو لَا؟ وَهل هِيَ التَّوْبَة أَو تَوْبَة مقرونة بالتحكيم؟ وَهل هما شَيْء وَاحِد أَو لَا؟ فَأجَاب نفع الله بِعُلُومِهِ وبركته، بقوله: ظَاهر السّنة أَن الْمَلَائِكَة لم يخلقوا دفْعَة وَاحِدَة. فقد أخرج عبد الرَّزَّاق بِسَنَدِهِ عَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ ﵄ قَالَ: (قلت: يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي أَخْبرنِي عَن أوّل شَيْء خلقه الله قبل الْأَشْيَاء؟ قَالَ: يَا جَابر إِن الله خلق قبل الْأَشْيَاء نور نبيك مُحَمَّد ﷺ من نوره فَجعل ذَلِك النُّور يَدُور بِالْقُدْرَةِ حَيْثُ شَاءَ الله، وَلم يكن فِي ذَلِك الْوَقْت لوح وَلَا قلم وَلَا جنَّة وَلَا نَار وَلَا ملك وَلَا سَمَاء وَلَا أَرض وَلَا شمس وَلَا قمر وَلَا إنس وَلَا جن، فَلَمَّا أَرَادَ الله تَعَالَى أَن يخلق الْخلق قسم ذَلِك النُّور أَرْبَعَة أَجزَاء: فخلق من الْجُزْء الأوّل الْقَلَم، وَمن الثَّانِي اللَّوْح، وَمن الثَّالِث الْعَرْش، ثمَّ قسم الْجُزْء الرَّابِع أَرْبَعَة أَجزَاء: فخلق من الأول حَملَة الْعَرْش، وَمن الثَّانِي الْكُرْسِيّ، وَمن الثَّالِث بَاقِي الْمَلَائِكَة ثمَّ قسم الرَّابِع أَرْبَعَة أَجزَاء: فخلق من الأول نور أبصار الْمُؤمنِينَ، وَمن الثَّانِي نور قُلُوبهم وَهِي الْمعرفَة بِاللَّه وَمن الثَّالِث نور أنسهم وَهُوَ التَّوْحِيد لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ . الحَدِيث، فَتَأَمّله تَجدهُ ظَاهرا أَو صَرِيحًا فِي خلق حَملَة الْعَرْش قبل خلق بَقِيَّة الْمَلَائِكَة. وَأخرج ابْن جريج وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ فِي العظمة عَن أبي الْعَالِيَة قَالَ: إِن الله تَعَالَى خلق الْمَلأ الْأَعْلَى الْمَلَائِكَة يَوْم الْأَرْبَعَاء وَخلق الْجِنّ يَوْم الْخَمِيس وَخلق آدم يَوْم الْجُمُعَة. وَأخرج أَبُو الشَّيْخ أَنه ﷺ قَالَ: (إِن لله تَعَالَى فِي الْجنَّة نَهرا يدْخلهُ جِبْرِيل فينفض قطراً فيخلق الله من كل قَطْرَة تقطر مِنْهُ ملكا) . وَأخرج أَيْضا عَن وهب بن مُنَبّه قَالَ: إِن لله نَهرا فِي الْهَوَاء يسع الْأَرْضين كلهَا سبع مَرَّات، فَينزل على ذَلِك النَّهر ملك من السَّمَاء فيملؤه ويسد مَا بَين أَطْرَافه ثمَّ يغْتَسل مِنْهُ فَإِذا خرج مِنْهُ قَطَر مِنْهُ قطرات من نور فيخلق الله من كل قَطْرَة مِنْهَا ملكا يسبح الله بِجَمِيعِ تَسْبِيح الْخَلَائق كلهم. وَأخرج أَيْضا عَن كَعْب قَالَ: لَا تقطر عين ملك مِنْهُم إِلَّا كَانَت ملكا يطير من خشيَة الله وَأخرج أَيْضا عَن الْعَلَاء بن هارون قَالَ: لجبريل كل يَوْم انغماس فِي الْكَوْثَر ثمَّ ينتفض فَكل قَطْرَة يخلق مِنْهَا ملك. وَأخرج أَيْضا أَنه ﷺ قَالَ: (لَيْسَ من خلق الله أَكثر من الْمَلَائِكَة مَا من شَيْء ينْبت إِلَّا وَملك مُوكل بِهِ) . وَأخرج أَيْضا عَن الْحَاكِم قَالَ: بَلغنِي أَنه ينزل مَعَ الْمَطَر من الْمَلَائِكَة أَكثر من ولد آدم وَولد إِبْلِيس يُحصونَ كُلَّ قَطْرَة وَأَيْنَ تقع وَمن يُرزَق ذَلِك النَّبَات. وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن عبد الله بن عمر ﵄ يرفعهُ إِلَى رَسُول الله ﷺ قَالَ (الْمَلَائِكَة عشرَة أَجزَاء: تِسْعَة أَجزَاء الكروبيون الَّذِي يسبحون اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يفترون، وَقد وكلوا بخزانة كل شَيْء وَمَا من السَّمَاء مَوضِع إِلَّا فِيهِ ملك ساجد، أَو ملك رَاكِع، وَإِن الْحرم بحيال الْعَرْش؛ وَإِن الْبَيْت الْمَعْمُور بحيال الْكَعْبَة لَو سقط لسقط عَلَيْهَا يُصَلِّي فِيهِ كل يَوْم سَبْعُونَ ألف ملك ثمَّ لَا يعودون إِلَيْهِ) . وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَالْبَيْهَقِيّ والخطيب وَابْن عَسَاكِر أَنه ﷺ قَالَ: (إِن لله مَلَائِكَة ترْعد فرائضهم من مخافته مَا مِنْهُم ملك تقطر من عينه دمعة إِلَّا وَقعت ملكا قَائِما يسبح، وملائكة سجوداً مُنْذُ خلق الله السماوات وَالْأَرْض لم يرفعوا رؤوسهم وَلَا يرفعونها إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وملائكة رُكُوعًا لم يرفعوا رؤوسهم وَلَا يرفعونها إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وصفوفاً لم ينصرفوا عَن مَصَافهمْ وَلَا يَنْصَرِفُونَ عَنْهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة تجلى لَهُم رَبهم فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَقَالُوا: سُبْحَانَكَ مَا عبدناك كَمَا يَنْبَغِي لَك) . وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن وهب قَالَ: هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة أَمْلَاك جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل وَملك الْمَوْت أول من خلقهمْ الله تَعَالَى من الْخلق وَآخر من يميتهم وَأول من يحييهم هَؤُلَاءِ المدبرات أمرا والمقسمات أمرا. فَهَذِهِ الْأَحَادِيث والْآثَار كلهَا ظَاهِرَة أَو صَرِيحَة فِي أَن الْمَلَائِكَة لم يخلقوا دفْعَة بل دفعات. وَهنا فَوَائِد لَا بَأْس بِالْإِشَارَةِ لشَيْء
стр. 44
مِنْهَا. فَمِنْهَا: أَن فِي (منهاج الْحَلِيمِيّ) و (شعب الْبَيْهَقِيّ) و (ابتهاج القونوي) حِكَايَة قَول إِن الْمَلَائِكَة من الْجِنّ وَأَنَّهُمْ خيارهم لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ [الصافات: ١٥٨] أَي قَالُوا الْمَلَائِكَة بَنَات الله: (تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوّاً كَبِيرا) وَقَوله تَعَالَى: ﴿خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ﴾ [الْحجر: ٢٦] الْآيَة، فَلم يذكر قسما ثَالِثا، ويردّ بِأَن الْمَلَائِكَة قد يسمون جنَّة لاستتارهم، وَمِمَّا يُصَرح بتغايرهم قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الْكَهْف: ٥٠] وَلم يذكر فِي آيَة الرَّحِمان لِأَنَّهَا لبَيَان مَا ركب من خَلْق متقدِّم، وَالْمَلَائِكَة لَيْسُوا كَذَلِك لأَنهم مُخْتَرعون قَالَ الله تَعَالَى لَهُم: كونُوا فَكَانُوا كَمَا قَالَ للْأَصْل الَّذِي خلق مِنْهُ الْجِنّ وَالْأَصْل الَّذِي خلق مِنْهُ الْإِنْس وَهُوَ التُّرَاب وَالْمَاء وَالنَّار والهواء كُنْ فَكَانَ فالملائكة فِي الاختراع كأصول الْإِنْس وَالْجِنّ لَا كأعيانهما، فَلِذَا لم يذكرُوا مَعَهم، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَأبين من هَذَا كُله فِي أَن الْمَلَائِكَة صنف غير صنف الْجِنّ. حَدِيث مُسلم: (خُلقتْ الْمَلَائِكَة من نور وخُلقت الجان من مارج من نَار وخُلق آدم مِمَّا وصف لكم) . قَالَ: فَفِي فَصله بَينهمَا فِي الذّكر دَلِيل على أَنه أَرَادَ نورا آخر غير نور النَّار، وَاسْتدلَّ الثَّلَاثَة المذكورون على تباينهما بقوله تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَاؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠ / ٤١] . وَمِنْهَا: قَالَ: هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة أَيْضا الْمَلَائِكَة يسمون الروحانيين بِضَم الرَّاء وَفتحهَا، فالضم لأَنهم أَرْوَاح لَيْسَ مَعهَا مَاء وَلَا نَار وَلَا تُرَاب، وَمن قَالَ هَذَا قَالَ: الرّوح جَوْهَر، وَقد يجوز أَن يؤلف الله أرواحاً فيجسمها ويخلق مِنْهَا خلقا ناطقاً عَاقِلا فَتكون الرّوح مخترعاً، والتجسم وَضم النُّطْق وَالْعقل إِلَيْهِ حَادِثا من بعد فَيجوز أَن تكون أَجْسَادهم على مَا هِيَ عَلَيْهِ مخترعة كَمَا اخترع عِيسَى وناقة صَالح، وَأما الْفَتْح فبمعنى أَنهم لَيْسُوا مَحْصُورين فِي الْأَبْنِيَة والظلل وَإِنَّمَا هم فِي فسحة وبساطة. وَمِنْهَا: قَالَ الْحسن وَجُمْهُور الفلاسفة وَكثير من الجبريين: هم مَجْبُورُونَ على الْإِيمَان وَلَا يتصوّر مِنْهُم كفر. وَقَالَ عَامَّة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة: إِنَّهُم مختارون عارفون قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّى إِلَاهٌ مِّن دُونِهِ فَذالِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٢٩] فَلَو لم تتَصَوَّر مِنْهُم مُخَالفَة لم يؤاخذوا بذلك. وَمِنْهَا: أجمع الْمُسلمُونَ أَنهم مُؤمنُونَ فضلاء، وَاتفقَ أَئِمَّة الْمُسلمين أَن الرُّسُل مِنْهُم إِلَى الْأَنْبِيَاء معصومون كالأنبياء، وَالأَصَح بل الصَّوَاب عصمَة بَقِيَّتهمْ. وَأما مَا وَقع لهاروت وماروت كَمَا صَحَّ عَنهُ ﷺ فِي شَأْنهمَا أَنَّهُمَا كَانَا من الْمَلَائِكَة وأنهما افتتنا بالزهرة، وَكَانَت أجمل نسَاء زَمَنهَا حَتَّى زَنَيَا بهَا وشربا الْخمر، وقتلا فمسخت كوكباً لِأَنَّهُمَا علماها الِاسْم الْأَعْظَم الَّذِي كَانَا يرقيان بِهِ إِلَى السَّمَاء فرقيت إِلَيْهَا فمسختْ هَذَا الْكَوْكَب المضيء الْمَعْرُوفَة، فَذَلِك أَمر خارق للْعَادَة أوجده الله تَعَالَى تأديباً للْمَلَائكَة فِي قَوْلهم. كَمَا صَحَّ فِي الحَدِيث أَيْضا عِنْد خلق آدم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [الْبَقَرَة: ٣٠] الْآيَة، فَبين لَهُم تَعَالَى أَنه لَو ركب فيهم مَا ركب فِي الْإِنْسَان لأفسدوا أَيْضا فتعجبوا، فَأَمرهمْ أَن يختاروا ثَلَاثَة مِنْهُم فَفَعَلُوا فاستقال وَاحِد مِنْهُم فأقيل، وَنزل هاروت وماروت، فَوَقع لَهما مَا وَقع تأديباً لبَقيَّة الْمَلَائِكَة وزجراً لَهُم عَن أَن يخوضوا فِيمَا لَا علم لَهُم بِهِ، وَهَذَا الَّذِي ذكرته من الْجَواب عَن هَذِه الْقِصَّة من أَنَّهَا أَمر خارق للْعَادَة، وبهذه الْحِكْمَة الَّتِي ذكرتها يتَبَيَّن بِهِ الردّ على من أَطَالَ فِي إِنْكَار قصتهما حَتَّى بَالغ بَعضهم وَقَالَ: إِن من اعْتقد ذَلِك فيهمَا كفر، وَلَيْسَ كَمَا زعم لما علمت من صِحَة الْأَحَادِيث بهَا، وَأَن ذَلِك الْوُقُوع لتِلْك الْحِكْمَة لَا يخل بعصمة الْمَلَائِكَة من حَيْثُ هِيَ وَلَا يُنَافِيهِ شَيْء من الْأَدِلَّة وَلَا من الْقَوَاعِد، فاحفظ مَا قَرّرته وتأمله فَإِن الْكَلَام قد كثر فِي هَذَا الْمحل وتعارضت فِيهِ الآراء والظنون وَمَا ذكرته فِيهِ هُوَ الأوفق بِالسنةِ وَغير منَاف للقواعد وَإِن لم أر من سبقني إِلَيْهِ، وَقيل لم يَكُونُوا ملكَيْنِ بل هما جنيان وَإِن كَانَا بَين الْمَلَائِكَة فَإِن صَحَّ هَذَا لم يحْتَج للجواب عَن قصتهما كَمَا أَن إِبْلِيس لم يكن من الْمَلَائِكَة وَإِنَّمَا كَانَ بَينهم وَهُوَ من الْجِنّ. وَمِنْهَا: قَالَ جمَاعَة: من ينتقص ملكا أجمع على أَنه من الْمَلَائِكَة أَو تَوَاتر بِهِ الْخَبَر قتل، كأنْ قَالَ: هَذَا أقسى قلباً من مَالك خَازِن النَّار، أَو أوْحشّ من مُنكر وَنَكِير إِذا قَالَه فِي معرض النَّقْص بالوحاشة والقساوة. وَمِنْهَا: قَالَ جمَاعَة: إِن نَبينَا ﷺ مَبْعُوث إِلَى الْمَلَائِكَة أَيْضا، وَقد بسطت الْكَلَام على ذَلِك وَأَنه الْأَصَح فِي فَتْوَى غير هَذِه. وَمِنْهَا: مَا ذكره السُّبْكِيّ فِي حلبياته أَن الْجَمَاعَة تحصل بهم كالآدميين وَنَقله عَن فتاوي الحناطي وَبسطت الْكَلَام فِيهِ فِي (شرح الْإِرْشَاد) . وَمِنْهَا: قَالَ ابْن الصّلاح فِي (فَتَاوِيهِ) : ورد أَن الْمَلَائِكَة لم يُعْطوا فَضِيلَة قِرَاءَة الْقُرْآن فَهِيَ حريصة لذَلِك على استماعه من
стр. 45
الْإِنْس، وَقد ذكرت ذَلِك بِمَا فِيهِ فِي (شرح الْعباب) فِي بَاب الْأَحْدَاث. وَمِنْهَا سَيَأْتِي الْكَلَام على تشكل الجني فِي الصُّور الْمُخْتَلفَة وَمثله الْملك فِي ذَلِك. وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ: مَجِيء جِبْرِيل للنَّبِي ﷺ فِي صفة رجل مَعْنَاهُ أَن الله تَعَالَى أفنى الزَّائِد من خلقه وأزاله عَنهُ ثمَّ يُعِيدهُ إِلَيْهِ بعد. وَقَالَ ابْن عبد السَّلَام: إِذا أَتَى فِي صُورَة دِحْية فَأَيْنَ رُوحه أَفِي هَذَا الْجَسَد أم فِي الْجَسَد الْأَصْلِيّ الَّذِي لَهُ سِتّمائَة جنَاح، فَإِن كَانَ فِي هَذَا فَلَيْسَ الْآتِي بِروح جِبْرِيل وَلَا جسده، وَإِن كَانَ فِي الْجَسَد الَّذِي كَانَ كدحية فَهَل مَاتَ جسده الْأَصْلِيّ كَمَا تَمُوت الأجساد بمفارقة الْأَرْوَاح؟ قلت لَا يبعد أَن يكون انتقالها من الْجَسَد الْأَصْلِيّ غير مُوجب لمَوْته، لِأَن موت الْجَسَد بمفارقة الرّوح لَيْسَ بِوَاجِب عقلا فَيجوز بَقَاؤُهُ حَيا لَا ينْقض من أَعماله شَيْء، وانتقال روحه إِلَى الْجَسَد الثَّانِي كانتقال أَرْوَاح الشُّهَدَاء إِلَى أَجْوَاف الطُّيُور الْخضر انْتهى. وَقَالَ السراج البُلْقِينِيّ: يجوز أَن يكون الْآتِي هُوَ جِبْرِيل بشكله الْأَصْلِيّ إِلَّا أَنه انْضَمَّ فَصَارَ على قدر هَيْئَة الرجل ثمَّ يعود إِلَى هَيئته كالقطن إِذا جمع بعد أَن كَانَت منتفشاً فَإِنَّهُ بالنفش تحصل لَهُ صُورَة كَبِيرَة وذاته لم تَتَغَيَّر انْتهى. وَقَالَ الْعَلامَة القونوي (شَارِح الْحَاوِي) فِي تشكل جِبْرِيل رجلا: فِي الْمُمكن أَن يخص الله بعض عباده فِي حَيَاته بِخَاصَّة لنَفسِهِ الملكية القدسية وَقُوَّة لَهَا بقدرتها على التَّصَرُّف فِي بدنهَا الآخر غير بدنهَا الْمَعْهُود مَعَ اسْتِمْرَار تصرفها فِي الأول. وَقيل: سميت الأبدال أبدالاً لأَنهم قد يرحلون لمَكَان ويخلفون فِي مكانهم الأول شبحاً آخر شَبِيها بشبحهم الْأَصْلِيّ بَدَلا عَنهُ، وَقد أثبت الصُّوفِيَّة عَالما متوسطاً بَين عالمي الأجساد والأرواح سموهُ عَالم الْمِثَال، وَقَالُوا هُوَ ألطف من عَالم الأجساد وأكثف من عَالم الْأَرْوَاح، وبنوا على ذَلِك تجسد الْأَرْوَاح وظهورها فِي صور مُخْتَلفَة من عَالم الْمِثَال، وَقد يسْتَأْنس لذَلِك بقوله تَعَالَى: ﴿لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٢٠] أَنهم لَا ينامون وَهُوَ مَنْقُول فِي كَلَام الْفَخر. وَمِنْهَا: قَالَ بعض الْحَنَفِيَّة: يحْشر ملك الْمَوْت مَعَ النَّاس وَلَا يخَافُونَ مِنْهُ لِأَن الله تَعَالَى أَمنهم مِنْهُ بقوله: ادْخُلُوهَا بِسَلامٍءَامِنِينَ﴾ [الْحجر: ٤٦] أَي من الْمَوْت والزوال وَقَوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ [الدُّخان: ٥٦] وَبَقِيَّة الْمَلَائِكَة يكونُونَ فِي الْجنَّة لَكِن بَعضهم يطوفون حول الْعَرْش يسبحون بِحَمْد رَبهم، وَبَعْضهمْ يبلغون السَّلَام من الله على الْمُؤمنِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْءَابَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ [الرَّعْد: ٢٣ ٢٤] الْآيَة، وَقد ذكر جمع من الْحَنَفِيَّة أَنهم لَا يرَوْنَ رَبهم والأرجح خِلَافه كَمَا يَأْتِي. وَمِنْهَا: أخرج جمَاعَة عَن أبي مجلز فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالأٌّخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الْأَعْرَاف: ٤٥] قَالَ: من الْمَلَائِكَة. قيل: أَنه تَعَالَى قَالَ: ﴿رجال﴾ وَأَنت تَقول الْمَلَائِكَة؟ قَالَ: إِنَّهُم ذُكُور لَيْسُوا بإناث، وَلما حَكَاهُ الْحَلِيمِيّ استبعده لِأَن الرِّجَال اسْم لذكور الْعُقَلَاء وَالْمَلَائِكَة لَا ينقسمون إِلَى ذُكُور وإناث، وَبِأَن إخْبَاره تَعَالَى عَنْهُم أَنهم يطمعون أَن يدخلُوا الْجنَّة فَتعين أَنهم لَيْسُوا مَلَائِكَة، إِذْ الْمَلَائِكَة لَا يحجبون عَنْهَا لما فِي الْحجب عَنْهَا من نوع تَعْذِيب وَلَا عَذَاب يومئذٍ على ملك انْتهى، وَتَبعهُ
стр. 46
القونوي فِي اختصاره لمنهاجه قَالَ: وَالْجِنّ كالإنس فِي السُّؤَال والحساب وَدخُول الْجنَّة وَالنَّار، وَيحْتَمل أَن لَا يتخالطا فِي الْجنَّة لما بَينهمَا من التضاد. وَأما الْمَلَائِكَة فالأشبه أَنهم لَا يكْتب لَهُم عمل وَلَا يحاسبون إِذْ لَا سيئات لَهُم فهم كبشر لَا سيئات لَهُ. قيل: وَلَا يثابون لرفع التَّكْلِيف عَنْهُم لأَنهم لَيْسُوا من أهل المطاعم والمشارب والمناكح حَتَّى يوردوا موارد بني آدم من الْجنَّة، وَيحْتَمل أَن لَهُم مَعَ ذَلِك نعْمَة أُخْرَى أعدت لَهُم وَلَا تبلغها عقولنا فَإِنَّهُ تَعَالَى يَقُول: (أَعدَدْت لعبادي الصَّالِحين مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر) قَالَ: وَأما طيّ السَّمَاء فَيحْتَمل أَن يطويها الْمَلَائِكَة إِذا وهت وانشقت طياً شَدِيدا كَمَا يطوى السّجل الْمَكْتُوب فِيهِ الحكم المبرم مُبَالغَة فِي صيانته عَن أَن ينشر، وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى: ﴿بِيَمِينِهِ﴾ لإشعار الْيَمين بِالْقُوَّةِ فَضرب مثلا بِشدَّة الطيّ، وَكلما طويت سَمَاء نزلت ملائكتها إِلَى الأَرْض ويراهم النَّاس حينئذٍ كَمَا فِي سُورَة الْفرْقَان. وَمِنْهَا: أَن الْحفظَة لَا يفارقوننا إِلَّا عِنْد الْخَلَاء وَالْجِمَاع وَالْغسْل كَمَا فِي حَدِيث وَفِي حَدِيث آخر: (أَن مجْلِس الحافظين من الْإِنْسَان أقْصَى أَضْرَاسه) . وَفِي أُخْرَى: (أنقوا أَفْوَاهكُم بالخلال فَإِنَّهُ مجْلِس الْملكَيْنِ الكريمين الحافظين وَإِن مِدَادهمَا الرِّيق وقلمهما اللِّسَان) وَمن ثمَّ قَالَ: (لِسَان الْإِنْسَان قلم الْملك وريقه مداده) قيل: وَلم يرد خبر وَلَا أثر على مَاذَا يَكْتُبُونَ، وَإِنَّمَا قدر مُنكر وَنَكِير على مُخَاطبَة الْمَوْتَى المتعددين فِي الْوَقْت الْوَاحِد والأماكن المتباعدة لعظم جثتهما فيتخيل لكل أَن الْمُخَاطب هُوَ دون غَيره، وَاخْتَارَ الْحَلِيمِيّ تعدد مَلَائِكَة السُّؤَال وتسميتهم بذلك وَيُرْسل لكل وَاحِد اثْنَان كَمَا فِي كِتَابَة أَعماله. وَمِنْهَا: ذكر الْغَزالِيّ وَآخَرُونَ: أَن رُؤْيَة الْمَلَائِكَة مُمكنَة الْآن كَرَامَة يكرم الله بهَا من أوليائه من شَاءَ، وَوَقع ذَلِك لجَماعَة من الصَّحَابَة. وَلما رأى ابْن عَبَّاس جِبْرِيل قَالَ النَّبِي ﷺ : (لن يرَاهُ خلق إِلَّا عمي إِلَّا أَن يكون نَبيا، وَلَكِن يكون ذَلِك آخر عمرك) رَوَاهُ الْحَاكِم وَكَذَا رَأَتْهُ عَائِشَة ﵂ وَزيد بن أَرقم وخلْق لما جَاءَ يسْأَل عَن الْإِيمَان، وَلم يعموا لِأَن الظَّاهِر أَن المُرَاد من رَآهُ مُنْفَردا بِهِ كَرَامَة لَهُ وبالنفخ فِي الصُّور يموتون إِلَّا حَملَة الْعَرْش وَجِبْرِيل وإسرافيل وَمِيكَائِيل وَملك الْمَوْت ثمَّ يموتون أثر ذَلِك، قَالَ وهب: هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة أول من خلقهمْ الله من الْخلق وَآخر من يميتهم وَأول من يحييهم. قَالَ الْجلَال السُّيُوطِيّ شكر الله سَعْيه: وَلم أَقف على شَيْء أَن أَرْوَاحهم بعد الْمَوْت تكون فيماذا، وَالظَّاهِر أَنهم يدْخلُونَ فِي الشَّفَاعَة الْعُظْمَى لقَوْله ﷺ : (وأخرت الثَّالِثَة ليَوْم ترغب إليّ فِيهِ الْخلق حَتَّى إِبْرَاهِيم) وَيَكُونُونَ مَعَ بني آدم حِين الْقيام لرب الْعَالمين، وَورد أَنهم فِي الْموقف يحيطون بالإنس والجنّ وَجَمِيع الْخَلَائق. وَمر عَن الْحَلِيمِيّ أَنهم لَا يحاسبون، ولايكتب لَهُم عمل، وَهُوَ يَقْتَضِي أَن أَعْمَالهم لَا توزن لِأَن الْوَزْن فرع عَن الْحساب، وَعَن كِتَابَة الْأَعْمَال فَإِن الصُّحُف هِيَ الَّتِي تُوضَع فِي الْمِيزَان، ويشفعون فِي عصاة بني آدم كالعلماء والصلحاء قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٢٨] ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِى السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِى شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَى﴾ [النَّجْم: ٢٦] ويراهم الْمُؤْمِنُونَ فِي الْجنَّة وأفضلهم جِبْرِيل وإسرافيل، وتعارضت الْأَحَادِيث فِي أفضلهما وأكثرها يدل على أَفضَلِيَّة إسْرَافيل، وَأطلق الْفَخر الرَّازِيّ بِأَنَّهُم رسل الله وَأجَاب عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الْحجر: ٧٥] بِأَن من للتبيين لَا للتَّبْعِيض، وَفِي كَلَام جمَاعَة غَيره: أَن مِنْهُم رسلًا وَغَيرهم وَأَعْلَاهُمْ دَرَجَة حَملَة الْعَرْش فالحافون حوله فأكابرهم جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل وعزرائيل فملائكة الْجنَّة وَالنَّار فالموكلون بيني آدم فالموكلون بأطراف هَذَا الْعَالم كَذَا ذكره الْفَخر الرَّازِيّ، وَيرد تَأْخِير جِبْرِيل وَمن مَعَه عَن ذكر وَمَعَهُ نَاس على أَنه صرّح فِي (تَفْسِيره) الْكَبِير بِأَن جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل أشرف الْمَلَائِكَة، وَأَن جِبْرِيل أفضل من مِيكَائِيل لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [الْبَقَرَة: ٩٨] وَلِأَنَّهُ مظهر الْخيرَات النفسانية وَهِي أفضل من الْخيرَات الجسمانية لِأَن جِبْرِيل صَاحب الْوَحْي إِلَى الْأَنْبِيَاء بِالْعلمِ وَمِيكَائِيل صَاحب الأرزاق هَذَا مَا يتَعَلَّق بِالْمَلَائِكَةِ. وَأما مَا يتَعَلَّق بالجنّ فَلَا بَأْس ببسط الْكَلَام عَلَيْهِ فَنَقُول: جَاءَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄: (أَن الله تَعَالَى لما خلق أَبَا الجنّ سموماً من مارج من نَار، قَالَ لَهُ تمنّ عليّ قَالَ أَتَمَنَّى أَن نَرى وَلَا نُرى وَأَن نغيب فِي الثرى وَيصير كهلنا شَابًّا فَأعْطى ذَلِك) فهم يَرون وَلَا يُرون وَإِذا مَاتُوا غَيَّبُوا فِي الثرى وَلَا يَمُوت كهلهم حَتَّى يعود شَابًّا يَعْنِي مثل الصبيّ ثمَّ يرد إِلَّا أرذل الْعُمر، ودلّ الْقُرْآن وَالسّنة على أَن أصل الجنّ النَّار وَإِنَّمَا أحرقتهم الشهب مَعَ ذَلِك لِأَن إضافتهم إِلَى
стр. 47
النَّار كإضافة الْإِنْسَان إِلَى التُّرَاب والطين والفخار إِذْ المُرَاد أَصله الطين لَا أَنه طين حَقِيقَة وَكَذَلِكَ الجان كَانَ نَارا فِي الأَصْل لَا أَنه نَار حَقِيقَة للْحَدِيث الصَّحِيح: (عرض لي الشَّيْطَان فِي صَلَاتي فخنقته فَوجدت برد رِيقه على يَدي) وَمن هُوَ نَار محرقة كَيفَ يحسّ بِبرد رِيقه إِذْ لَا ريق لَهُ أصلا فضلا عَن كَونه بَارِدًا، وَقد شبههم النَّبِي ﷺ بالنبط، فلولا أَنهم على أشكال وصور لَيست نَارا لما ذكر الصُّور وَترك الالتهاب والشرر. وَقَالَ الباقلاني: لسنا ننكر مَعَ كَون أصلهم النَّار أَن الله تَعَالَى يكثف أجسامهم ويغلظها ويخلق لَهُم أعراضاً تزيد على مَا فِي النَّار فَيخْرجُونَ عَن كَونهم نَارا ويخلق لَهُم صوراً وأشكالاً مُخْتَلفَة. وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى الْفراء: الجنّ أجسام مؤلفة وأشخاص ممثلة وَيجوز كَونهَا كثيفة ورقيقة خلافًا لزعم الْمُعْتَزلَة رقتها وَلذَلِك لَا نرَاهَا. وَقَالَ الباقلاني: إِنَّمَا رَآهُمْ من رَآهُمْ لأَنهم أجساد مؤلفة وجثث، وَفِي حَدِيث عِنْد مُسلم: (خلقت الْمَلَائِكَة من نور وَخلق الجان من مارج من نَار وَخلق آدم مِمَّا وصف لكم) . وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا والحكيم التِّرْمِذِيّ وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه أَنه ﷺ قَالَ: (خلق الله الجنّ ثَلَاثَة أَصْنَاف: صنف حيات وعقارب وخشاش الأَرْض، وصنف كَالرِّيحِ فِي الْهَوَاء، وصنف عَلَيْهِم الْحساب وَالْعِقَاب) . قَالَ السُّهيْلي: وَلَعَلَّ الصِّنْف الثَّانِي هُوَ الَّذِي لَا يَأْكُل ولايشرب إِن صحّ أَن الجنّ لَا تَأْكُل وَلَا تشرب. وَأخرج كَثِيرُونَ أَنه ﷺ قَالَ: (الْجِنّ ثَلَاثَة أَصْنَاف: فصنف لَهُم أَجْنِحَة يطيرون بهَا فِي الْهَوَاء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلونَ ويظعنون) . قَالَ السُّهيْلي: هَذَا الْأَخير هم السعالى. قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى: وَلَا طَرِيق للشياطين على التنقل فِي الصُّور الْمُخْتَلفَة وَكَذَا الْمَلَائِكَة إِلَّا بِأَن يُعلمهُ الله قولا أَو فعلا إِذا أَتَى بِهِ نَقله من صُورَة إِلَى صُورَة أُخْرَى لِأَن تَصْوِيره بِنَفسِهِ محَال، لِأَن انْتِقَاله من صُورَة إِلَى صُورَة أُخْرَى إِنَّمَا يكون بِنَقْض البنية وتفريق الْأَجْزَاء، وَإِذا انتقضت بطلت الْحَيَاة واستحال وُقُوع الْفِعْل من الجماد، وَكَيف تنْتَقل بِنَفسِهَا، وعَلى هَذَا يحمل مَا جَاءَ أَن إِبْلِيس تصور فِي صُورَة سراقَة وَجِبْرِيل تمثل فِي صُورَة دحْيَة، وَلما ذكر عِنْد عمر الغيلان قَالَ: إِن أحدا لَا يَسْتَطِيع أَن يتَغَيَّر عَن صورته الَّتِي خلقه الله عَلَيْهَا، وَلَكِن لَهُم سحرة كسحرتكم فَإِذا رَأَيْتُمْ من ذَلِك شَيْئا فأذنوا. وَفِي حَدِيث أَنه ﷺ سُئِلَ عَن الغيلان فَقَالَ: (هم سحرة الْجِنّ) قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى: الْجِنّ يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ ويتناكحون كَمَا يفعل الْإِنْس. وَظَاهر العمومات أَن جَمِيع الْجِنّ كَذَلِك وَهُوَ رَأْي قوم، ثمَّ اخْتلفُوا فَقَالَ بَعضهم: أكلهم وشربهم شم واسترواح لَا مضغ وبلع، وَهَذَا لَا دَلِيل عَلَيْهِ. وَقَالَ أَكْثَرهم: بل مضغ وبلع، وَذهب قوم إِلَى أَن جَمِيع الْجِنّ لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون وَهَذَا سَاقِط لَا وَكيل عَلَيْهِ، وَذهب قوم إِلَى أَن صنفا مِنْهُم يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ وَصِنْفًا لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون. وَأخرج ابْن جريج عَن وهب أَنه قَالَ: إِنَّهُم أَجنَاس فَأَما خالصهم فهم ريح لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون وَلَا يموتون وَلَا يتوالدون، وَمِنْهُم أَجنَاس يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ ويتناكحون ويموتون وَهِي هَذِه الَّتِي مِنْهَا السعالى والغول وَأَشْبَاه ذَلِك. وَأخرج أَحْمد وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ عَن ابْن مَسْعُود ﵁: (أَنه ﷺ لم يَصْحَبهُ أحد لَيْلَة الْجِنّ، وَإِنَّمَا افتقدوه ذَات لَيْلَة فَبَاتُوا بشر لَيْلَة، فَلَمَّا أَصْبحُوا فَإِذا بِهِ هُوَ يَجِيء من قبل حراء، فَذكرُوا لَهُ مَا كَانُوا فِيهِ فَقَالَ: أَتَانِي دَاعِي الْجِنّ فَذَهَبت مَعَه فقرأتُ عَلَيْهِم الْقُرْآن، فَانْطَلق بِنَا فأرانا آثَارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزَّاد فَقَالَ: لكم كل عظم ذكر اسْم الله تَعَالَى عَلَيْهِ) وَكَانُوا من جن الجزيرة. وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: (لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ يَقع فِي أَيْدِيكُم أوفر مَا يكون لَحْمًا وكل بَعرَة علفاً لدوابكم. قَالَ ﷺ : فَلَا تستنجوا بهما فَإِنَّهُمَا طَعَام إخْوَانكُمْ الْجِنّ) وَجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ بِأَن الأولى فِي حق الْمُؤمنِينَ وَالثَّانيَِة فِي حق غَيرهم. قَالَ السُّهيْلي: وَهَذَا قَول صَحِيح تعضده الْأَحَادِيث. وروى البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁: (أَن وَفد جن نَصِيبين أَتَوْهُ ﷺ أَي مرّة أُخْرَى لَكِن بِالْمَدِينَةِ، وَسَيَأْتِي أَنهم أَتَوْهُ بِمَكَّة أَيْضا: (فَسَأَلُوهُ الزَّاد فَدَعَا الله لَهُم أَن لَا يمروا بِعظم وَإِلَّا وجدوا عَلَيْهِ طَعَاما) . وَأخرج أَبُو نعيم عَن ابْن مَسْعُود ﵁ (أَنه ﷺ خرج قبل الْهِجْرَة إِلَى نواحي مَكَّة. قَالَ: فَخط لي خطا وَقَالَ: لَا تحدثن حَتَّى آتِيك، ثمَّ قَالَ: لَا يريعنك أَو لَا يهولنك شَيْء نزل، فَتقدم شَيْئا ثمَّ جلس، فَإِذا رجال سود كَأَنَّهُمْ رجال الزط، وَكَانُوا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ﴾ [الْجِنّ: ١٩]
стр. 48
ثمَّ إِنَّهُم تفَرقُوا عَنهُ فَسَمِعتهمْ يَقُولُونَ: يَا رَسُول الله شقتنا بعيدَة وَنحن منطلقون فزوّدنا؟ قَالَ: لكم الرجيع) . وَلم يبْعَث إِلَيْهِم نَبِي قبل نَبينَا قطعا على مَا قَالَه ابْن حزم: أَي وَإِنَّمَا كَانُوا متطوعين بِالْإِيمَان لمُوسَى مثلا وَالدُّخُول فِي شَرِيعَته. وَقَالَ السُّبْكِيّ: لَا شكّ أَنهم مكلفون فِي الْأُمَم الْمَاضِيَة كهذه الْملَّة إِمَّا بسماعهم من الرَّسُول أَو من صَادِق عَنهُ، وَكَونه إنسياً أَو جنياً لَا قَاطع بِهِ، وَظَاهر الْقُرْآن يشْهد للضحاك وَالْأَكْثَرُونَ على خِلَافه انْتهى. ورسالة نَبينَا ﷺ إِلَيْهِم قَطْعِيَّة فقد أجمع عَلَيْهَا الْمُسلمُونَ، وَقد اسْتَمعُوا قِرَاءَة النَّبِي ﷺ بِبَطن نَخْلَة وَكَانُوا تِسْعَة كَمَا صَحَّ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ آذنته بهم شَجَرَة، وَكَانُوا يهوداً) . وَجَاء عَن عِكْرِمَة إِنَّهُم كَانُوا اثْنَي عشر ألفا أَي فِي وَاقعَة أُخْرَى لأَنهم جَاءُوا إِلَيْهِ ﷺ بِمَكَّة وَالْمَدينَة مَرَّات مُخْتَلفَة. وَأخرج الْبَيْهَقِيّ أَن عمر بن عبد الْعَزِيز رأى حَيَّة ميتَة وَهُوَ قَاصد مَكَّة فحفر لَهَا وكفنها فِي خرقَة ودفنها، فَسمع قَائِلا يَقُول رَحِمك الله يَا سرق وَأشْهد لسمعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (تَمُوت يَا سرق فِي فلاة من الأَرْض فيدفنك خير أمتِي) . فَقَالَ لَهُ عمر: من أَنْت رَحِمك الله؟ قَالَ: أَنا رجل من الْجِنّ وَهَذَا سرق وَلم يبْق مِمَّن بَايع رَسُول الله ﷺ من الْجِنّ غَيْرِي وَغَيره، وَأشْهد لسمعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (تَمُوت يَا سرق بفلاة من الأَرْض فيدفنك خير أمتِي) . وَجَاء عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه كَانَ فِي نفر من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فوجدوا حَيَّة قتيلة فكفنها بعضُهم بِبَعْض رِدَائه ودفنها، فَلَمَّا جنَّ اللَّيْل رَأَوْا امْرَأتَيْنِ تَسْأَلَانِ عَنهُ، وأخبرتاهم أَن فسقة الْجِنّ اقْتَتَلُوا مَعَ الْمُؤمنِينَ فَقَتَلُوهُ، وَأَنه من النَّفر الَّذين اسْتَمعُوا الْقُرْآن من النَّبِي ﷺ ثمَّ ولوا إِلَى قَومهمْ منذرين. وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا: أَن جمَاعَة من الصَّحَابَة رَأَوْا حيتين اقتتلا فقتلت إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى فعجبوا من طيب رِيحهَا وحسنها فكفنها أحدهم ثمَّ دَفنهَا، فَسَمِعُوا قوما يسلمُونَ عَلَيْهِم وأخبروهم أَن الْمَقْتُول مِمَّن أسلم مَعَ النَّبِي ﷺ فَقتله كَافِر مِنْهُم. وَجَاء أَن رجلا أخبر عُثْمَان ﵁ بِنَحْوِ ذَلِك وَأَنه رأى حيات مَا رَأَتْ عَيناهُ مثلهَا كَثِيرَة وَأَنه شم من إِحْدَاهَا ريح الْمسك فكفنها ودفنها، فَسمع من يُخبرهُ بِأَنَّهَا حيات من الْجِنّ اقْتَتَلُوا وَأَن هَذَا الَّذِي دَفنه مِمَّن سمع الْوَحْي من رَسُول الله ﷺ . وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا وَأَبُو نعيم عَن أبي رَجَاء العطاردي: أَنه ضرب فِي بعض أَسْفَاره خباء على مَاء فَرَأى حَيَّة تضطرب فصب عَلَيْهَا مَاء فسكنت ثمَّ مَاتَت فكفنها ودفنها، فَسَار بَقِيَّة يَوْمه وَلَيْلَته حَتَّى أصبح وَنزل على المَاء فَسمع أَكثر من ألف يسلمُونَ عَلَيْهِ وَيدعونَ لَهُ ويثنون عَلَيْهِ بِمَا صنع، وَأَن ذَلِك آخر من بَقِي مِمَّن بَايع النَّبِي ﷺ . وَأخرج أَحْمد والدراوردي وَالْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن صَفْوَان بن الْمُعَطل: أَنهم خَرجُوا حجاجاً فَلَمَّا كَانُوا بالعرج رَأَوْا حَيَّة تضطرب ثمَّ مَاتَت فكفنها بَعضهم ودفنها، فَلَمَّا وصلوا مَكَّة سمعُوا من يسْأَل عَن دافنها ويثني عَلَيْهِ، وَأخْبرهمْ أَنه آخر التِّسْعَة الَّذين أَتَوا رَسُول الله ﷺ يَسْتَمِعُون الْقُرْآن موتا. وَقد مر أَن الْجِنّ اسْتَمعُوا مِنْهُ ﷺ مَرَّات وفرقاً مُتعَدِّدَة، فَلَا مَانع أَن كل وَاحِد مِمَّن مر هُوَ آخر من بَايع من فرقته. وَمِمَّا يُؤَيّد التَّعَدُّد خبر الشَّيْخَيْنِ: أَنهم اسْتَمعُوا إِلَيْهِ وَهُوَ بوادي نَخْلَة يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ الْفجْر. وَصَحَّ عَن ابْن مَسْعُود: (أَنه انْطلق مَعَ النَّبِي ﷺ حَتَّى إِذا كَانَا بِأَعْلَى مَكَّة خطّ لَهُ بِرجلِهِ خطا وَأَجْلسهُ فِيهِ، ثمَّ افْتتح ﷺ الْقُرْآن فغشيه أَسْوِدَة كَثِيرَة حالوا بَينهمَا حَتَّى لم يسمع صَوته ثمَّ تفَرقُوا عَنهُ كَقطع السَّحَاب وَفرغ ﷺ مَعَ الْفجْر) . وَأخرج ابْن جرير وَأَبُو نعيم عَنهُ: (أَنه ﷺ خرج لَيْلًا وهما بِالْمَدِينَةِ وَأَخذه حَتَّى انتهيا إِلَى البقيع فخطَّ بعصا خطا ثمَّ أجلسه فِيهِ، ثمَّ انْطلق يمشي حَتَّى ثارت مثل العُجاجة السَّوْدَاء فحالت بَينهمَا، ثمَّ سَمعه يَقْرعهم بعصاه وَيَقُول: اجلسوا حَتَّى كَاد ينشق عَمُود الصُّبْح، ثمَّ جَاءَ فَسَأَلَهُ هَل رأى من شَيْء، فَأخْبر أَنه رأى رجَالًا سُودًا عَلَيْهِم ثِيَاب بيض فَقَالَ: أُولَئِكَ جن نَصِيبين يَسْأَلُونِي الزَّاد، فَمتعَتْهُم بِكُل عظم حَاصِل، أَو رَوْثَة أَو بَعْرة. قلت: وَمَا يُغني عَنْهُم ذَلِك؟ قَالَ: إِنَّهُم لَا يَجدونَ عظما إِلَّا وجدوا عَلَيْهِ لَحْمه الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ يَوْم أكل وَلَا رَوْثة إِلَّا وجدوا عَلَيْهَا حبَّها الَّذِي كَانَ عَلَيْهَا يَوْم أكلت) . وَفِي رِوَايَة: (وَمَا وجدوا من رَوْثٍ وجدوا ثمراً فَلَا يستَنْجِي أحدٌ مِنْكُم بِعَظْمٍ وَلَا رَوْث) . وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن الزبير (أَنه ﷺ انْطلق وَمَعَهُ الزبير إِلَى أَن غَابَتْ
стр. 49
عَنْهُمَا جبال الْمَدِينَة، فَإِذا رجال طوال كَأَنَّهُمْ الرماح، فأرْعَد مِنْهُم حَتَّى كَاد يسْقط، فَخَطَّ لَهُ ﷺ خطا فِي الأَرْض بإبهام رجله وَأَجْلسهُ وَسطه، ثمَّ ذهب وتلا قُرْآنًا وَمَا نفروا حَتَّى طلع الْفجْر) الحَدِيث. وَجَاءَت رِوَايَات أخر عَن ابْن مَسْعُود (أَنه انْطلق مَعَه ﷺ فِي وقائع أُخْرَى مِنْهَا أَنهم اجْتَمعُوا بِهِ ﷺ وَقَرَأَ عَلَيْهِم وَقضى بَينهم فِي قَتِيل تنازعوا فِيهِ) . وَأخرج أَبُو نعيم عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ (أَن نَفرا من أَصْحَاب عبد الله خَرجُوا لِلْحَجِّ مَعَ رَسُول الله فَسَأَلُوهُ ﷺ وَقَالُوا: زودنا؟ فَقَالَ: لكم الرجيع، وَمَا أتيتم عَلَيْهِ من عظم فلكم عَلَيْهِ لحم، وَمَا أتيتم عَلَيْهِ من الروث فَهُوَ لكم ثَمَر، فَلَمَّا ولوا قلت: من هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: جنّ نَصِيبين) . قَالَ الزَّرْكَشِيّ فِي الْخَادِم وَمَا فِي الْإِحْيَاء من أَنهم يغتذون مِنْهُ بالرائحة غَفلَة عَن السّنة كَهَذا الحَدِيث وَحَدِيث مُسلم السَّابِق أَي لما فيهمَا من التَّصْرِيح بِأَنَّهُم يَأْكُلُون مَا عَلَيْهِ. وَأخرج مُسلم وَغَيره (أنّ الشَّيْطَان يَأْكُل بِشمَالِهِ وَيشْرب بِشمَالِهِ) أَي حَقِيقَة وَحمله على الْمجَاز رَدَّه ابْن عبد الْبر بِأَنَّهُ لَا معنى لصرفه عَن حَقِيقَته الممكنة. وَأخرج مُسلم وَغَيره (أَنه ﷺ مسك يَدي من لم يسميا على طَعَام بَين يَدَيْهِ وَقَالَ: إِن الشَّيْطَان ليستحل الطَّعَام الَّذِي لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ، وَأَنه جَاءَ بِهَذَيْنِ يَسْتَحِل بهما فأخذتُ بيديهما، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ أَن يَده فِي يَدي مَعَ أَيْدِيهِمَا) . وَاسْتَدَلُّوا لتناكح الْجِنّ فِيمَا بَينهم بقوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُواْ لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ [الْكَهْف: ٥٠] فَهَذَا يدل على أَنهم يتناكحون لأجل الذُّرِّيَّة. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّ﴾ [الرَّحِمان: ٥٦] وَهَذَا يدل على أَنه يَتَأَتَّى مِنْهُم الطمث وَهُوَ الْجِمَاع والافتضاض. وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ فِي العظمة عَن قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ﴾ [الْكَهْف: ٥٠] قَالَ: هم أَوْلَاده يتوالدون كَمَا يتوالد بَنو آدم وهم أَكثر عددا. وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالْحَاكِم عَن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ: إِن الله جزأ الْإِنْس وَالْجِنّ عشرَة أَجزَاء فتسعة مِنْهُم الْجِنّ وَالْإِنْس جُزْء وَاحِد فَلَا يُولد من الْإِنْس ولد إِلَّا ولد من الْجِنّ تِسْعَة. وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن ثَابت قَالَ: (بلغنَا أَن إِبْلِيس قَالَ: يَا رب إِنَّك خلقت آدم وَجعلت بيني وَبَينه عَدَاوَة فسلطني على أَوْلَاده؟ فَقَالَ: صُدُورهمْ مسَاكِن لَك. قَالَ: يَا رب زِدْنِي؟ قَالَ: لَا يُولد لآدَم ولد إِلَّا ولد لَك عشرَة قَالَ: يَا رب زِدْنِي؟ قَالَ: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى الأٌّمْوَالِ وَالأٌّوْلَادِ﴾ [الْإِسْرَاء: ٦٤] . وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن الشّعبِيّ أَنه سُئِلَ عَن إِبْلِيس هَل لَهُ زَوْجَة قَالَ: إِن ذَلِك الْعرس مَا سَمِعت بِهِ. وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن سُفْيَان قَالَ: باض إِبْلِيس خمس بيضات فذريته من ذَلِك. قَالَ: وَبَلغنِي أَنه يجْتَمع على حَوْض وَاحِد أَكثر من ربيعَة وَمُضر، وَأخذ من: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى الأٌّمْوَالِ وَالأٌّوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا﴾ [الْإِسْرَاء: ٦٤] أَنه قد يَقع التناكح والإنسية وَعَكسه خلافًا لمن أَحَالهُ. وَأخرج ابْن جرير وَغَيره عَن مُجَاهِد أَنه إِذا جَامع الرجل أَهله وَلم بِسم انطوى الجان على إحليله فجامع مَعَه فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّ﴾ [الرَّحِمان: ٥٦] قَالَ بعض الْحَنَابِلَة وَالْحَنَفِيَّة. لَا غسل بِوَطْء الجني وَالْحق خِلَافه إِن تحقق الْإِيلَاج. قيل: أحد أَبَوي بلقيس كَانَ جنياً، وَفِي حَدِيث رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَابْن عَسَاكِر. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي جَوَاز نكاحهم شرعا وَجَاء عَن مَالك ﵁ أَنه أجَازه وَلكنه كرهه لِئَلَّا يَدعِي الحبالى من الزِّنَا أَنه من الْجِنّ، وَكَذَا كرهه الحكم بن عُيَيْنَة وَقَتَادَة وَالْحسن وَعقبَة الْأَصَم وَالْحجاج ابْن أَرْطَاة. وَأخرج جرير عَن أَحْمد وَإِسْحَق أَنه ﷺ نهى عَنهُ، وَمن ثمَّ كرهه إِسْحَق لَكِن فِي (الفتاوي السِّرَاجِيَّة) للحنفية أَنه لَا تجوز المناكحة بَين الْإِنْس وَالْجِنّ وإنسان المَاء لاخْتِلَاف الْجِنْس، وَبِه أفتى شيخ الْإِسْلَام الْبَارِزِيّ من أَئِمَّتنَا، لِأَن الله تَعَالَى امتنّ علينا بِأَن خلق لنا من أَنْفُسنَا أَزْوَاجًا فَلَو جَازَ نِكَاح الْجِنّ مَا حصل الامتنان بذلك. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: معنى الْآيَة أَي آيَة النَّحْل وَالروم ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [النَّحْل: ٧٢] أَي من جنسكم ونوعكم وعَلى خَلقكُم، وصوّب ابْن الْعِمَاد قَول ابْن يُونُس فِي (شرح الْوَجِيز) بِحل نكاحهم. وَصَحَّ عَن الْأَعْمَش أَنه قَالَ: تزوج إِلَيْنَا جني فَقلت لَهُ: مَا أحب الطَّعَام إِلَيْكُم. قَالَ الْأرز. قَالَ: فأتيناهم بِهِ، فَجعلت أرى اللقم ترفع وَلَا أرى أحدا، فَقلت: فِيكُم من هَذِه الْأَهْوَاء الَّتِي بَيْننَا؟ قَالَ: نعم، قلت: فَمَا الرافضة فِيكُم؟ قَالَ: شَرنَا. وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو نعيم وَأَبُو الشَّيْخ أَنه اخْتصم عِنْد رَسُول الله ﷺ الْجِنّ الْمُسلمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فأسكن الْمُسلمين الْقرى وَالْجِبَال وَالْمُشْرِكين مَا بَين الْجبَال والبحار، وَفِي حَدِيث عِنْد ابْن عدي (أَنه ﷺ نهى عَن الْبَوْل
стр. 50
فِي القزع) بِفَتْح الْقَاف وَالزَّاي وَالْعين الْمُهْملَة وَهُوَ الْبيَاض المتحلل بَين الزَّرْع وَقَالَ: (إِنَّه مسَاكِن الْجِنّ) وَالْحق أَن الْجِنّ مكلفون، فقد حكى الْفَخر الرَّازِيّ وَغَيره الْإِجْمَاع عَلَيْهِ. قَالَ الْعِزّ بن جمَاعَة: وَالْمَلَائِكَة مكلفون من أوّل الْفطْرَة. وَجُمْهُور الْخلف وَالسَّلَف أَنه لم يكن مِنْهُم رَسُول وَلَا نبيّ خلافًا للضحاك وَمعنى ﴿رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾ [الْأَنْعَام: ١٣٠] أَي من مجموعكم وهم الْإِنْس أَو المُرَاد بهم رسل الرُّسُل، وَمِمَّا يدل لما قَالَه الضَّحَّاك مَا صَحَّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأٌّرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأٌّمْرُ بَيْنَهُنَّ لِّتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمَا﴾ [الطَّلَاق: ١٢] قَالَ: سبع أَرضين فِي كل أَرض نَبِي كنبيكم وآدَم كآدمكم ونوح كنوح وَإِبْرَاهِيم كإبراهيم وَعِيسَى كعيسى، وَذَلِكَ لِأَن التَّشْبِيه فِي مُطلق النذارة بِمَعْنى أَن قوما من الْجِنّ مِنْهُم فِي الأَرْض فَسَمِعُوا كَلَام رَسُول الله ﷺ للإنسيين، وعادوا إِلَى قوم من الْجِنّ فأنذرهم: لِلْحَجِّ فَرَأَوْا حَيَّة تتثنى عَن الطَّرِيق أَبيض ينفح مِنْهُ ريح الْمسك، فَتخلف بَعضهم عِنْدهَا إِلَى أَن مَاتَت فكفنها ودفنها ثمَّ أدْرك أَصْحَابه، فَجَاءَهُمْ أَرْبَعَة نسْوَة من جِهَة الْمغرب فَقَالَت وَاحِدَة أَيّكُم دفن عمر؟ وَمن عمر؟ قَالَت: أَيّكُم دفن الْحَيَّة؟ قلت: أَنا، قَالَت: أما وَالله لقد دفنت صوّاماً قوّاماً يَأْمر بِمَا أنزل الله، وَلَقَد آمن بنبيكم وَسمع صفته فِي السَّمَاء قبل أَن يبْعَث بأربعمائة سنة، فحمدنا الله ثمَّ قضينا حجنا، ثمَّ مَرَرْت بعمر بن الْخطاب ﵁ بِالْمَدِينَةِ فأنبأته بِأَمْر الْحَيَّة فَقَالَ: صدقت. سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (لقد آمن قبل أَن أبْعث بأربعمائة سنة) . وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا أَن حَاطِب بن أبي بلتعة ﵁ رأى حَيَّة فَأخْبر النَّبِي ﷺ فَقَالَ: (ذَلِك عمر بن الهوماية وَافد نَصِيبين لقِيه مُحصن بن جوشن النَّصْرَانِي فَقتله) الحَدِيث. وَجَاء من عدَّة طرق يبلغ بهَا دَرَجَة الْحسن (أَن هَامة بن هيم بن لاقيس بن إِبْلِيس جَاءَ للنَّبِي ﷺ وَمَعَهُ أَصْحَابه وهم قعُود على جبل من جبال تهَامَة فَأخْبر أَنه ليَالِي قتل قابيل هابيل كَانَ غُلَاما وَأَنه كَانَ مِمَّن آمن بِنوح وَأَنه عاتبه على دَعوته على قومه حَتَّى بَكَى وأبكاه وَأَن لَهُ شركَة فِي هابيل فَهَل لَهُ تَوْبَة فَأمره بأَشْيَاء يَفْعَلهَا من حملتها أَنه يتَوَضَّأ وَيسْجد سَجْدَتَيْنِ فَفعل لوقته، فَأخْبرهُ أَن تَوْبَته نزلت من السَّمَاء فَخر لله سَاجِدا حولا، وَأَنه آمن بهود وعاتبه كَمَا وَقع لَهُ مَعَ نوح، وَأَنه زار يَعْقُوب وَكَانَ من يُوسُف بِالْمَكَانِ الْأمين، وَأَنه كَانَ يلقى النَّاس بالأدوية وتتلقاه الْآن، وَأَنه لقى مُوسَى فَعلمه من التَّوْرَاة وَأمره أَن يقْرَأ مِنْهُ السَّلَام على عِيسَى ابْن مَرْيَم إِن لقِيه، وَأَنه لقى عِيسَى فَأَقْرَأهُ ذَلِك، وَأَن عِيسَى أمره أَن يقرىء السَّلَام على مُحَمَّد ﷺ إِن لقِيه فَبكى ﷺ ثمَّ قَالَ: وعَلى عِيسَى السَّلَام مَا دَامَت الدُّنْيَا وَعَلَيْك السَّلَام يَا هَامة بأَدَاء الْأَمَانَة، ثمَّ سَأَلَهُ أَن يُعلمهُ من الْقُرْآن كَمَا علمه مُوسَى من التَّوْرَاة، فَعلمه الْوَاقِعَة والمرسلات وعَمَّ والكوثر وَقل هُوَ الله أحد والمعوذتين وَقَالَ: ارْفَعْ إِلَيْنَا حَاجَتك يَا هَامة وَلَا تدع زيارتك) . وَفِي حَدِيث آخر (أَنه فِي الْجنَّة) وَبَين السُّبْكِيّ فِي (فَتَاوِيهِ) أَنهم مكلفون بِشَرِيعَتِهِ ﷺ فِي كل شَيْء بِخِلَاف الْمَلَائِكَة على القَوْل بإرساله إِلَيْهِم، فَإِنَّهُ يحْتَمل أَنهم كَذَلِك وَأَنَّهَا فِي شَيْء خَاص. وَقَالَ ابْن مُفْلِح الْحَنْبَلِيّ: إِنَّهُم مكلفون فِي الْجُمْلَة كافرهم فِي النَّار ومؤمنهم فِي الْجنَّة كغيرهم بِقدر ثوابهم خلافًا لمن قَالَ: لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون فِيهَا أَو أَنهم فِي رَبَضِها، وَنقل عَن شَيْخه ابْن تَيْمِية أَنهم مشاركون لنا فِي جنس الْأَمر وَالنَّهْي والتحليل وَالتَّحْرِيم لَا على السوَاء، قَالَ: بِلَا نزاع أعلمهُ بَين الْعلمَاء، وَأطَال الْكَلَام فِي مناكحتهم ومعاملتهم وتوابعهما وَمر أَن فيهم جَمِيع الْأَهْوَاء: وَجَاء عَن قَتَادَة وَغَيره وَعَن السّديّ: أَن فيهم قدرية ومرجئة رافضة وشيعة. وَأخرج الْبَزَّار أَنه ﷺ قَالَ: (مَنْ صلَّى مِنْكُم من اللَّيْل فليَجْهَر بقرَاءَته فإنَّ الملائكةَ تُصليِّ وتَسْمَعُ لقرَاءَته وَأَن مؤمني الْجِنّ الَّذين يكونُونَ فِي الْهَوَاء، وجيرانه مَعَه فِي مَسْكَنه يصلونَ بِصَلَاتِهِ ويسمعون لقرَاءَته، وَأَنه ليطْرُد بِجَهْرِه بقراءتِه عَن دَاره وَعَن الدّور الَّتِي حوله فُساق الْجِنّ ومردة الشَياطين) . وَفِي آثَار وأخبار أُخْرَى: أَن مؤمنيهم يصلونَ وَيَصُومُونَ ويحجون ويطوفون ويقرؤون الْقُرْآن ويتعلمون الْعُلُوم ويأخذونها عَن الْإِنْس وَإِن لم يشعروا بهم، وَكَذَا رِوَايَة الْأَحَادِيث. وَأخرج الشِّيرَازِيّ: أَن سُلَيْمَان أوثق شياطين فِي البحور فَإِذا كَانَ سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَة خَرجُوا فِي صور النَّاس وأبشارهم فجالسوهم فِي الْمجَالِس والمساجد ونازعوهم الْقُرْآن والْحَدِيث. وَأخرجه الْعقيلِيّ وَابْن عدي بِزِيَادَة: أَن تِسْعَة أعشارهم تذْهب إِلَى الْعرَاق وعشرهم بِالشَّام. وَأخرج البُخَارِيّ عَن سُفْيَان
стр. 51
الثَّوْريّ: أخبرهُ رجل كَانَ يرى الْجِنّ أَنه رأى قَاصا يقص فِي مَسْجِد الْخيف فتطلبه فَإِذا هُوَ شَيْطَان، وَجَاءَت آثَار أُخْرَى بِنَحْوِ ذَلِك. وَاعْلَم أَن الْعلمَاء اتَّفقُوا على أَن كافرهم يعذب فِي الْآخِرَة. وَعَن أبي حنيفَة وَأبي الزِّنَاد وَلَيْث بن أبي سليم أَن مؤمنهم لَا ثَوَاب لَهُ إِلَّا النجَاة من النَّار ثمَّ يُقَال لَهُم كونُوا تُرَابا مثل الْبَهَائِم، وَالصَّحِيح الَّذِي قَالَه ابْن أبي ليلى وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وأصحابهم ﵃: أَنهم يثابون على طاعاتهم. وَنقل عَن أبي حنيفَة وَأَصْحَابه ﵃ أَنهم يدْخلُونَ الْجنَّة، وَنَقله ابْن حزم عَن الْجُمْهُور وَاسْتَدَلُّوا بقوله تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ﴾ [الْأَنْعَام: ١٣٢] فَإِنَّهُ ذكر بعد الْجِنّ وَالْإِنْس. وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس: أَن الْمَلَائِكَة كلهم فِي الْجنَّة وَالشَّيَاطِين كلهم فِي النَّار، وَالَّذين فيهمَا الْإِنْس وَالْجِنّ. وَذكر الْحَارِث المحاسبي: أَنا نراهم فِي الْجنَّة وَلَا يرونا عكس الدُّنْيَا، وَذهب بعض الْحَنَفِيَّة أَنهم لَا يرَوْنَ الله وَإِلَيْهِ يمِيل كَلَام ابْن عبد السَّلَام لِأَنَّهُ صرح بِمَنْع الرُّؤْيَة للْمَلَائكَة وَوَافَقَهُ جمَاعَة من الْحَنَفِيَّة، لَكِن الْأَرْجَح أَن الْمَلَائِكَة يرونه كَمَا نَص عَلَيْهِ إِمَام أهل السّنة وَالْجَمَاعَة الشَّيْخ أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ فِي كِتَابه (الْإِبَانَة فِي أصُول الدّيانَة) وَتَابعه الإِمَام الْبَيْهَقِيّ وَغَيره كَابْن الْقيم والحداد والجلال البُلْقِينِيّ. قَالَ الْجلَال، وَكَذَلِكَ الْجِنّ يرونه لعُمُوم الْأَدِلَّة، وَمر فِي الْأَحَادِيث الْمُتَعَلّقَة بِالْمَلَائِكَةِ التَّصْرِيح فِي حَدِيث الْبَيْهَقِيّ وَأبي الشَّيْخ والخطيب وَابْن عَسَاكِر بِأَن الْمَلَائِكَة يرَوْنَ رَبهم، وَلَعَلَّ ابْن عبد السَّلَام لم يطلع عَلَيْهِ وَإِلَّا لم يُخَالِفهُ. وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا وَابْن جرير عَن قَتَادَة قَالَ: قَالَ الْحسن: الْجِنّ لَا يموتون، فَقلت: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أُوْلَائِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الْأَحْقَاف: ١٨] أَي فَفِي الْآيَة دَلِيل على أَنهم يموتون فَإِن أَرَادَ الْحسن أَنهم لَا يموتونِ مثلنَا بل ينظرُونَ مَعَ إِبْلِيس فَإِذا مَاتَ مَاتُوا مَعَه. قُلْنَا: إِن أَرَادَ ذَلِك فِي بَعضهم كشياطين إِبْلِيس وأعوانه فَهُوَ مُحْتَمل، وَإِن أَرَادَ أَنهم كلهم كَذَلِك نافاه مَا قدمْنَاهُ من الوقائع الْكَثِيرَة أَنهم مَاتُوا وكفنوا ودفنوا. وَأخرج أَبُو الشَّيْخ أَن ابْن عَبَّاس ﵄ سُئِلَ أيموت الْجِنّ؟ قَالَ: نعم، غير إِبْلِيس وَابْن شاهين عَنهُ أَن الدَّهْر يمرّ بإبليس فيهرم ثمَّ يعود ابْن ثَلَاثِينَ. وَابْن أبي الدُّنْيَا عَن الرّبيع بن يُونُس قيل لَهُ أَرَأَيْت هَذَا الشَّيْطَان الَّذِي مَعَ الْإِنْسَان لَا يَمُوت؟ قَالَ: وَشَيْطَان وَاحِد هُوَ أَنه ليتبع الرجل الْمُسلم فِي الْفِتْنَة مثل ربيعَة وَمُضر وَابْن أبي الدُّنْيَا وَأَبُو الشَّيْخ عِنْد عبد الله بن الْحَارِث قَالَ: الْجِنّ يموتون وَلَكِن الشَّيْطَان بكر البكرين لَا يَمُوت. قَالَ قَتَادَة: أَبوهُ بكر وَأمه بكر وَهُوَ بكرهما، وَمر فِي خبر هَامة مَا يدل على طول أعمارهم. وَبلغ الْحجَّاج أَن بِأَرْض الصين مَكَانا إِذا أخطأوا فِيهِ الطَّرِيق سمعُوا صَوتا يَقُول: هلموا الطَّرِيق فَبعث نَاسا وَأمرهمْ أَن يتخاطؤها عمدا فَإِذا كلموهم يحملون عَلَيْهِم وَيَنْظُرُونَ مَا هم، فَلَمَّا فعلوا حملُوا عَلَيْهِم فَقَالُوا: إِنَّكُم لن ترونا، قَالُوا: مُنْذُ كم أَنْتُم هَهُنَا؟ قَالُوا: لَا نحصى السنين غير أَن الصين خربَتْ ثَمَان مَرَّات وعمرت ثَمَان مَرَّات وَنحن هَهُنَا. وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: وُكِّل ملك الْمَوْت بِقَبض أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ وَالْمَلَائِكَة، وَملك بالجن وَملك بالشياطين وَملك بالطير والوحوش وَالسِّبَاع والحيات فهم أَرْبَعَة أَمْلَاك. وَأخرج مُسلم (أَنه ﷺ قَالَ لعَائِشَة: مَعَ كُلِّ إِنْسَان شَيْطان ومَلَك. قالتْ: أَوَ مَعَك يَا رَسُول الله؟ قَالَ: نعم، ولكنَّ الله أعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَم) . وَفِي رِوَايَة لمُسلم أَيْضا (مَا مِنْكُم مِنْ أحدٍ إِلَّا وقَدْ وُكِّلَ بِهِ قرينُه من الْجِنّ وقَرينُه من الْمَلَائِكَة قَالُوا: وَإِيَّاك يَا رَسُول الله؟ قَالَ: وإياي إِلَّا أَن الله أعانني عَلَيْهِ فَأسلم فَلَا يَأْمُرنِي إِلَّا بِخَير) وَأسلم مَعْنَاهُ صَار مُسلما، وَهَذَا من خَصَائِصه لخَبر أبي نعيم (فُضِّلَتُ على آدم بخَصْلتين كَانَ شيطاني كَافِرًا فَأَعَانَنِي الله تَعَالَى عَلَيْهِ حَتَّى أسْلَم، وَكن أزواجي عوناً لي وَكَانَ شَيْطَان آدم كَافِرًا وزوجتهُ عوناً على خطيئته) أَي إِنَّهَا صُورَة خَطِيئَة لما هُوَ مُقَرر أَن الْأَنْبِيَاء معصومون قبل النُّبُوَّة وَبعدهَا من الْكَبَائِر والصغائر عمدا وسهواً، وَجَمِيع مَا رُوِيَ عَنْهُم مِمَّا يُخَالف ذَلِك فيؤول كَمَا بَينه الْمُحَقِّقُونَ فِي محاله خلافًا لمن وهم فِيهِ، كجماعة من الْمُفَسّرين والأخباريين مِمَّن لم يحققوا مَا يَقُولُونَ ويدرون مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فَيجب الْإِعْرَاض عَن كلماتهم وترهات قَصَصهم الكاذبة وحكاياتهم. وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا وَأَبُو يعلى وَالْبَيْهَقِيّ أَنه ﷺ قَالَ: (إِن الشَّيْطَان واضعٌ خُرطومَه على قلب ابْن آدم فإنْ ذَكَر الله خَنَسْ وَإِن نَسِيَّ الْتَقم قَلْبَه أَي نشب فِيهِ وسوسته ويحدثه بالأفكار الرَّديئَة لِأَنَّهُ يجْرِي مِنْهُ مجْرى الدَّم كَمَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ النَّاسِ﴾ [النَّاس: ٥] وَبِه يرد على من أنكر سلوكه فِي بدن الْإِنْسَان
стр. 52
كالمعتزلة. وَمن ثمَّ قيل لِأَحْمَد ﵁: إِن قوما يَقُولُونَ: إِن الجني لَا يدْخل فِي بدن المصروع من الْإِنْس؟ فَقَالَ: يكذبُون هُوَ ذَا يتَكَلَّم على لِسَانه: أَي فدخوله فِي بدنه هُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة. وَجَاء من عدَّة طرق (أَنه ﷺ جِيءَ إِلَيْهِ بمجنون فَضرب ظَهره وَقَالَ: اخْرُج عدوّ الله فَخرج، وتفل فِي فَم آخر وَقَالَ: اخْرُج يَا عَدو الله فَإِنِّي رَسُول الله) قَالَ ابْن تَيْمِية: وَعَامة مَا يَقُول أهل العزائم فِيهِ شرك فليحذر. وَأخرج جمَاعَة أَن ابْن مَسْعُود قَرَأَ فِي أذن مصروع ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَاهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١١٦] إِلَى آخر السُّورَة فأفاق ثمَّ أخبر النَّبِي ﷺ بذلك فَقَالَ: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أَن رجلا مُؤمنا قَرَأَهَا على جبل لزال) . وَجَاء من عدَّة طرق أَن للْوُضُوء شَيْطَانا يُقَال لَهُ الولهان. قَالَ التَّمِيمِي: أول مَا يبْدَأ الوسواس من الْوضُوء، وَمن ثمَّ أَمر النَّبِي ﷺ بالتعوّذ بِاللَّه من وَسْوَسَة الْوضُوء. قَالَ طَاوس: هُوَ أَي الولهان أَشد الشَّيَاطِين. وَأخرج مُسلم عَن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ قَالَ: قلت يَا رَسُول الله إِن الشَّيْطَان قد حَال بيني وَبَين صَلَاتي وقراءتي يَلْبسهُمَا عليّ، فَقَالَ: (ذَلِك شَيْطَان يُقَال لَهُ خنزب فَإِذا أحسسته فتعوّذ بِاللَّه مِنْهُ واتفل عَن يسارك ثَلَاثًا) . وَجَاء عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن وسواس الرجل يُخبر وسواس الرجل فَمن ثمَّ يفشُو الحَدِيث. وَجَاء عمر أَنه حدث نَفسه بِشَيْء وَلم يظهره لأحد فَوَجَدَهُ مَعَ النَّاس فَقَالَ خرج بِهِ الخناس، وَوَقع لغيره أَيْضا، وَإِنَّمَا أطلت الْكَلَام على هَذَا السُّؤَال لما فِيهِ من الْفَوَائِد المستغربة والفرائد المستعذبة. وَذكر لَا إِلَه إِلَّا الله أفضل من ذكر الْجَلالَة مُطلقًا هَذَا بِلِسَان أَئِمَّة الظَّاهِر، وَأما عِنْد أهل الْبَاطِن فالحال يخْتَلف باخْتلَاف أَحْوَال السالك، فَمن هُوَ فِي ابْتِدَاء أمره ومقاساته لشهود الأغيار وَعدم انفكاكه عَن التَّعَلُّق بهَا وَعَن إِرَادَته وشهواته وبقائه مَعَ نَفسه يحْتَاج إِلَى إدمان الْإِثْبَات بعد النَّفْي حَتَّى يستولي عَلَيْهِ سُلْطَان الذّكر وجواذب الْحق الْمرتبَة على ذَلِك، فَإِذا استولت عَلَيْهِ تِلْكَ الجواذب حَتَّى أخرجته عَن شهواته وإرادته وحظوظه وَجَمِيع أَعْرَاض نَفسه صَار بَعيدا عَن شُهُود الأغيار وَاسْتولى عَلَيْهِ مراقبة الْحق أَو شُهُوده، فحينئذٍ يكون مُسْتَغْرقا فِي حقائق الْجمع الأحديِّ وَالشُّهُود السرمدي الفردي، فالأنسب بِحَالهِ الْإِعْرَاض عَمَّا يذكرهُ الأغيار والاستغراق فِيمَا يُنَاسب حَاله من ذكر الْجَلالَة فَقَط، لِأَن ذَلِك فِيهِ تَمام لذته ودوام مسرته وَنعمته ومنتهى أربه ومحبته، بل إِذا وصل السالك لهَذَا الْمقَام وَأَرَادَ قهر نَفسه إِلَى الرُّجُوع إِلَى شُهُود غَيره حَتَّى يَنْفِيه أَو يتَعَلَّق بِهِ خاطر لَا تطاوعه نَفسه المطمئنة لما شاهدت من الْحَقَائِق الوهبية، والمعارف الذوقية والعوارف اللدنية. وَقد فتحنا لَك بَابا تستدل بِمَا ذَكرْنَاهُ فِي فَتحه على مَا وَرَاءه فَافْهَم مَقَاصِد الْقَوْم السالمين من كل مَحْظُور ولوم، وَسلم لَهُم تسْلَمْ وَلَا تنتقد حَقِيقَة من حقائقهم تندم، بل قل فِيمَا لم يظْهر لَك الله أعلم. وَكَذَا يُقَال فِي الذّكر بِاللِّسَانِ وبالقلب أَو بِالْقَلْبِ فَقَط، فبلسان أهل الظَّاهِر ذكر اللِّسَان وَالْقلب أفضل مُطلقًا، وَعند أهل الطَّرِيق فِي ذَلِك تَفْصِيل تفهمه مِمَّا قبله إِن وعيته وتأملته، فَإِن الْمُسْتَغْرق قد يعرض لَهُ من الْأَحْوَال مَا يلتجم بِهِ لِسَان، وَيصير فِي غَايَة من مقَام الْحيرَة والدهش فَلَا يَسْتَطِيع نطقاً، أَو يتفرق بسب نطقه مَا هُوَ متمثل بِهِ من معالي تِلْكَ الْأَحْوَال وَمَا هُوَ مُسْتَغْرق فِيهِ من بحار الْعرْفَان والكمال. وَالْحَاصِل أَن الأولى بالسالك قبل الْوُصُول إِلَى هَذِه المعارف أَن يكون مديماً لما يَأْمُرهُ بِهِ أستاذه، الْجَامِع لطرفي الشَّرِيعَة والحقيقة فَإِنَّهُ هُوَ الطَّبِيب الْأَعْظَم، فبمقتضى معارفه الذوقية وحِكَمِهِ الربَّانية يُعْطي كل بدن وَنَفس مَا يرَاهُ هُوَ اللَّائِق بشفائها والمصلح لغذائها، فَإِن لم يكن لَهُ أستاذ كَذَلِك فَلَا يعدل عَن ذكر لَا إِلَه إِلَّا الله بِلِسَانِهِ وَقَلبه، بل يديم ذَلِك إِلَى أَن يفتح الله لَهُ مَا يعلم بِهِ خير الْأَمريْنِ فِي الترقي إِلَى شُهُود الْعين، حقق الله لنا ذَلِك بمنه وَكَرمه آمين. وَالذكر الْخَفي قد يُطلق وَيُرَاد بِهِ مَا هُوَ بِالْقَلْبِ فَقَط، وَمَا هُوَ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان، بِحَيْثُ يسمع نَفسه وَلَا يسمعهُ غَيره، وَمِنْه: (خير الذّكر الْخَفي) أَي لِأَنَّهُ لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ الرِّيَاء وَأما حَيْثُ لم يسمع نَفسه فَلَا يعْتد بحركة لِسَانه وَإِنَّمَا الْعبْرَة بِمَا فِي قلبه. على أَن جمَاعَة من أَئِمَّتنَا وَغَيرهم يَقُولُونَ لَا ثَوَاب فِي ذكر الْقلب وَحده، وَلَا مَعَ اللِّسَان حَيْثُ لم يسمع نَفسه، وَيَنْبَغِي حمله على أَنه لَا ثَوَاب عَلَيْهِ من حَيْثُ الذّكر الْمَخْصُوص. أما اشْتِغَال الْقلب بذلك، وَتَأمل مَعَانِيه واستغراقه فِي شهودها فَلَا شكّ أَنه بِمُقْتَضى الْأَدِلَّة يُثَاب عَلَيْهِ من هَذِه الْحَيْثِيَّة الثَّوَاب الجزيل وَيُؤَيِّدهُ خبر الْبَيْهَقِيّ (الذّكر الَّذِي لَا تسمعه الْحفظَة يزِيد على الذّكر الَّذِي تسمعه الْحفظَة سبعين ضعفا هَذَا وَورد فِي) .
стр. 53
فضل لَا إِلَه إِلَّا الله أَحَادِيث كَثِيرَة فَلَا بَأْس بالتعرض لبعضها. مِنْهَا: حَدِيث التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان وَالْحَاكِم (أفضل الذّكر لَا إِلَه إِلَّا الله وَأفضل الدُّعَاء، (أَي مقدماته ومتمماته) الْحَمد لله) وَحَدِيث البُخَارِيّ (أسعد النَّاس بشفاعتي من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله خَالِصا مخلصاً من قلبه) . وَحَدِيث الديلمي (أفضل الْعَمَل لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأفضل الدُّعَاء أسْتَغْفر الله) . وَحَدِيث أبي يعلى وَابْن عدي (أَكْثرُوا من شَهَادَة لَا إِلَه إِلَّا الله قبل أَن يُحَال بَيْنكُم وَبَينهَا، ولقنِّوها مَوْتَاكُم) . وَحَدِيث البُخَارِيّ وَمُسلم: (إِن الله قد حرمّ النَّار على من قَالَ إِلَه إِلَّا الله يَبْتَغِي بذلك وَجه الله) . وَحَدِيث الطَّبَرَانِيّ: (لَيْسَ من عبد يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله مائَة مرّة إِلَّا بَعثه الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة وَوَجهه كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر وَلم يُرفع يومئذٍ لأحد عمل أفضل من عمله إِلَّا من قَالَ مثل قَوْله أَو زَاد) . وَحَدِيث أَحْمد وَالْحَاكِم (جَدِّدوا إيمَانكُمْ أَكْثرُوا من قَول لَا إِلَه إِلَّا الله) . وَحَدِيث ابْن عَسَاكِر: (حَدثنِي جِبْرِيل يَقُول الله تَعَالَى: لَا إِلَه إِلَّا الله حِصْني فَمن دخله أمِنَ مِنْ عَذابي) . وَحَدِيث ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ (حَضَر ملك الْمَوْت رجلا فشق أعضاءه فَلم يجده عمل خيرا ففك لحييْهِ فَوجدَ طرف لِسَانه لاصقاً بحنكه يَقُول لَا إِلَه الله فغُفِر لَهُ بِكَلِمَة الْإِخْلَاص) . وَحَدِيث أَحْمد وَالْحَاكِم (من كَانَ آخر كَلَامه لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة) . وَحَدِيث ابْن مَاجَه (لَا إِلَه إِلَّا الله لَا يسبقها عمل وَلَا تتْرك ذَنبا) . وَحَدِيث ابْن عدي (ثمن الْجنَّة لَا إِلَه إِلَّا الله) . وَحَدِيث أبي يعلى (عَلَيْكُم بِلَا إِلَه إِلَّا الله وَالِاسْتِغْفَار فَأَكْثرُوا مِنْهُمَا فَإِن إِبْلِيس قَالَ: أهلكتُ النَّاس بِالذنُوبِ وأهلكوني بِلَا إِلَه إِلَّا الله وَالِاسْتِغْفَار، فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك أهلكتُهُم بالأهواء، وهم يحسبون أَنهم مهتدون) . وَحَدِيث الطَّبَرَانِيّ (كلمتان إِحْدَاهمَا لَيْسَ لَهَا نِهَايَة دون الْعَرْش، وَالْأُخْرَى تملأ مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر) . وَحَدِيث الطَّبَرَانِيّ (لكل شَيْء مِفْتَاح، ومفتاح السَّمَوَات قَول لَا إِلَه إِلَّا الله) . وَحَدِيث التِّرْمِذِيّ (مَا قَالَ عبد لَا إِلَه إِلَّا الله قطّ مخلصاً إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَاب السَّمَاء حَتَّى يفضيَ إِلَى الْعَرْش مَا اجْتنب الْكَبَائِر) . وَجَاء مُطلقًا فِي أَحَادِيث كَثِيرَة جدا من أجمعها حَدِيث الْبَيْهَقِيّ: (أَكْثرُوا ذكر الله على كل حَال فَإِنَّهُ لَيْسَ عمل أحبَّ إِلَى الله تَعَالَى وَلَا أنجى لعَبْدِهِ من ذكر الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة) . وَحَدِيث الديلمي (لذكر الله بِالْغَدَاةِ والعشي خيرٌ من حطم السيوف فِي سَبِيل الله) . وَحَدِيث الْبَيْهَقِيّ: (إنْ ذكر الله شِفَاء، وَإِن ذكر النَّاس دَاء) وَحَدِيث الْبَيْهَقِيّ وَالطَّبَرَانِيّ (لَيْسَ يتحسر أهل الْجنَّة على شَيْء إِلَّا على سَاعَة مرت بهم لم يذكرُوا الله فِيهَا) . وَحَدِيث الْحَاكِم: (من ذكر الله فَفَاضَتْ عَيناهُ من خشيَة الله حَتَّى يُصِيب الأَرْض من دُمُوعه، لم يعذبه الله يَوْم الْقِيَامَة) . وَحَدِيث الطَّبَرَانِيّ: (لَا يذكرنِي عبد فِي نَفسه إِلَّا ذكرته فِي ملإ من ملائكتي، وَلَا يذكرنِي فِي ملإ إِلَّا ذكرته فِي الرفيق الْأَعْلَى) . وَخبر التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَابْن مَاجَه: (أَلا أُنبئكم بِخَير أعمالِكم وأزكاها عِنْد مليككم وأرفعها فِي درجاتكم، وخيرٌ لكم من إِنْفَاق الذَّهَب والورِق، وخيرٌ لكم من أَن تلقوا عَدوكُمْ فتضربوا أَعْنَاقهم، ويضربوا أَعْنَاقكُم؟ قَالُوا: بلَى، قَالَ: ذكر الله) . وَحَدِيث أَحْمد وَابْن حبَان وَالْبَيْهَقِيّ (خير الذّكر الْخَفي وَخير الرزق مَا يَكْفِي) . وَورد فِي أَحَادِيث مَا يبين فضل التفكر وَالْمرَاد بِهِ، فَمن ذَلِك حَدِيث أبي الشَّيْخ فِي العظمة (تَفكرُ سَاعَة خيرٌ من عبَادَة سِتِّينَ سنة) . وَحَدِيثه أَيْضا: (تَفَكَّرُوا فِي كل شَيْء وَلَا تَفَكَّرُوا فِي ذَات الله، فَإِن بَين السَّمَاء السَّابِعَة إِلَى كرسيه سَبْعَة آلَاف نور وَفَوق ذَلِك) . وَحَدِيثه أَيْضا: (تَفَكَّرُوا فِي خلق الله وَلَا تَفَكَّرُوا فِي الله فَتَهْلكُوا) . وَحَدِيثه أَيْضا: (تَفَكَّرُوا فِي الْخلق وَلَا تَفَكَّرُوا فِي الْخَالِق فَإِنَّكُم لَا تقدرون قدره) . وَحَدِيثه فِي الطَّبَرَانِيّ وَابْن عدي وَالْبَيْهَقِيّ (تَفَكَّرُوا فِي آلَاء الله وَلَا تَفَكَّرُوا فِي الله) . وَحَدِيثه كَأبي نعيم (تَفَكَّرُوا فِي خلق الله وَلَا تفكرا فِي الله) . وَحَدِيث الديلمي (عوِّدوا قُلُوبكُمْ الترقب وَأَكْثرُوا التفكر وَالِاعْتِبَار) فَتَأمل هَذِه الْأَحَادِيث تعلم أَن المُرَاد التفكر فِي جَمِيع مَا ذكره السَّائِل، وأعم مِنْهُ كَمَا أَفَادَ حَدِيث: (تَفَكَّرُوا فِي كل شَيْء) إِلَخ وَحَدِيث (تَفَكَّرُوا فِي خلق الله) وَلَا ينافيهما حَدِيث (تَفَكَّرُوا فِي آلَاء الله) أَي نعمه لِأَن التفكر فِي النعم يُؤَدِّي إِلَى مزِيد الخضوع للحق، والتواضع لِلْخلقِ وَالرُّجُوع إِلَى الله بالذلة والانكسار، وإدامة التوسُّل إِلَيْهِ آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار، أَن لَا يحرمه مزِيد فَضله ونعمه وَلَا يسلبه وَاسع جوده وَكَرمه، فَإِن الْإِعْرَاض عَن تفكر النعم عاقبته الوخيمة وغايته المشؤومة سلب النعم وإذاقة النقم والطرد عَن أَبْوَاب
стр. 54
الْكَرِيم كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِك النَّبِي ﷺ بقوله: (مَا بطر أحدٌ النِّعْمَة فعادتْ إِلَيْهِ) وَإِنَّمَا أمرنَا بالتفكر فِي كلّ الْمَخْلُوقَات ومُنِعْنا عَن التفكر فِي ذَات الْحق، لِأَن التفكر فِي غَيرهَا تزيد بِهِ المعارف وتتوالى بِسَبَبِهِ الْمَوَاهِب والعوارف، وينصقل بِهِ الْقلب عَن السوى، ويتخلى عَن كل هوى، وَيرجع إِلَى الله فِي سَائِر إِرَادَته وحركاته وسكناته، لِأَن من أخْدق بِعَين بصيرته واستغرق جهده، وفكرته فِي الْعَالم عُلوِّيه وسُفْلِيِّه انْكَشَفَ لَهُ الغطاء، وَزَالَ عَنهُ العماء، وَقد بَين تَعَالَى أَنه لَا يصلح للتفكر فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا أولو الْعقل الْكَامِل، واللب الْفَاضِل، كَمَا يدل عَلَيْهِ آيتا الْبَقَرَة وَآل عمرَان ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأٌّرْضِ﴾ [الْبَقَرَة: ١٦٤] الْآيَة، وَذكر فِي الأولى المختتمة ب ﴿يَعْقِلُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ١٦٤] من الْآيَات الأرضية والسماوية أَكثر مِمَّا ذكر فِي الثَّانِيَة المختتمة ب ﴿الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ﴾ [الْبَقَرَة: ١٧٩] مَعَ أَن اللب أشرف من الْعقل، لِأَن الأولى تناسب مقَام السالكين، لاحتياجهم للنَّظَر فِي الْآيَات الْكَثِيرَة ليحصل لَهُم ذَلِك مَعَ الإدمان وتغاير الدلالات والآيات مَعَ كثرتها وعجائبها ملكةُ المراقبة ثمَّ الشُّهُود العلمي، حَتَّى لَا تقدر عَلَيْهِم الأغيار، وَلَا يتشككون فِيمَا مُنِحوه بِسَبَب ذَلِك إِلَى أَن يرتقوا إِلَى مقَام الأخيار. وَأما الثَّانِيَة فَإِنَّهَا إِنَّمَا تناسب مقَام العارفين لأَنهم إِنَّمَا ارْتَقَوْا عَن شُهُود الْأَسْبَاب والوسائط إِلَى شُهُود مُوجِدها وباريها فَلَيْسَ لَهُم كَبِير تعلق بهَا، فَلِذَا اختصر الْأَدِلَّة فِي حَقهم لأَنهم مشغولون بذلك للشُّهُود الأقدس، وَالْجمع الأكْمل عَن النّظر فِي الْبَرَاهِين لاستغنائهم عَنْهَا بالوصول إِلَى عين الْيَقِين، فَنَاسَبَ أَن يشار لَهُم بِذكر الدَّلَائِل مُجْملة لَا مُفصَّلة إِشَارَة إِلَى أَنهم إِنَّمَا وصلوا إِلَى الله من طريقها وَمن وصل من طَرِيق لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن ينساه وَإِن اسْتغنى عَنهُ، وَمن ثمَّ رُؤِيَ مَعَ الْجُنَيْد سُبْحة فَقيل لَهُ: تحْتَاج إِلَيْهَا يَا إِمَام؟ فَقَالَ طَرِيق وصلنا إِلَى الله بِسَبَبِهَا لَا نتركها. فَالْحَاصِل أَن آيَة الْبَقَرَة لما ختمت ب ﴿يَعْقِلُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ١٤٦] الَّذِي هُوَ أدنى المقامين كَانَت بالسالكين أَنْسب فَنَاسَبَ ذكر الدَّلَائِل الْكَثِيرَة فِيهَا لِأَنَّهَا الْمُنَاسبَة لحالهم كَمَا تقرر، وَأَن آيَة آل عمرَان لما ختمت ب ﴿الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٧] الَّذِي هُوَ الْأَعْلَى والأكمل ناسب أَن يذكر فِيهَا مَا يَلِيق بالكُمْل وَهُوَ مُلَاحظَة الدَّلَائِل إِجْمَالا، لَا تَفْصِيلًا، لاشتغالهم عَنهُ بِمَا هُوَ أهم، وَأولى وأكملْ، فَتَأمل ذَلِك لتعلم فَائِدَة التفكر، ويتضحُ لَك أَنه فِي سَاعَة أفضل من عبَادَة سِتِّينَ سنة: أَي لَيْسَ فِيهَا تفكر، نَظِير قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [الْقدر: ٣] لَيْلَة الْقدر خير من ألف شهر﴾ أَي لَيْسَ فِيهَا لَيْلَة الْقدر كَمَا قَالَه الْأَئِمَّة؛ وَمعنى قَوْله ﷺ : (تفكر سَاعَة خير من عبَادَة سِتِّينَ سنة) أَي لَيْسَ فِيهَا تفكر. وسر فَضله عَن بَقِيَّة الْعِبَادَات أَنه يُؤَدِّي إِلَى التحلي بالمراتب الْعلية وانكشاف الْحَقَائِق الوهبية، وَأما غَيره من الْعِبَادَات الخالية عَنهُ فَإِنَّهُ لَا يَنْتَهِي إِلَى هَذِه الْفَوَائِد الْكَامِلَة والمعارف الفاضلة، وَلَا شكّ أَن كل مَا أدّى إِلَى قُوَّة الْإِيمَان وَزِيَادَة الإيقان وصقالة الْقلب وخُلوِّه عَن الأغيار خيرٌ مِمَّا لم يؤد لذَلِك وإنْ قلَّ زَمَنه وَطَالَ زمن غَيره، إذْ روح الْعِبَادَة الْمَقْصُودَة لأَجلهَا إِنَّمَا هُوَ معرفَة الْحق وأسراره فِي خلقه، وتجليِّه عَلَيْهِم بمعالي أَسْمَائِهِ وَصِفَاته، والتفكُّرُ هُوَ المحصل لذَلِك دون غَيره، لَكِن لَا من كل أحد بل مِمَّن تأهل لَهُ بِأَن كَانَ عِنْده من الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة الاعتقادية والعملية مَا يمنعهُ عَن أَن تزل قدمه، أَو يطغى فهمه فيحق عَلَيْهِ بذلك نَدَمُه، وَهَذَا هُوَ سر: نهينَا عَن أَن نتفكر فِي ذَاته تَعَالَى، فَإِن ذَلِك يجر إِلَى الحَيْرة والضلال عَن أَسبَاب الْكَمَال، لِأَن الذَّات العلى جَلَّ أَن يُدركه وَهْم أَو يتصوّره فِكْر، أَو يحوم حول حماه لُبْ أَو عقل، وَإِن زَاد كَمَاله لمنع الْخلق جَمِيعًا عَن ذَلِك الْحمى الأقدس وَالْمطلب الْأَنْفس ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٢٩] . وأوراد الصُّوفِيَّة الَّتِي يقرؤونها بعد الصَّلَوَات على حسب عاداتهم فِي سلوكهم لَهَا أصل أصيل. فقد روى الْبَيْهَقِيّ عَن أنس ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (لِأَن أذكر الله تَعَالَى مَعَ قوم بعد صَلَاة الْفجْر إِلَى طُلُوع الشَّمْس أحبُّ إليّ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلِأَن أذكر الله تَعَالَى مَعَ قوم بعد صَلَاة الْعَصْر إِلَى أَن تغيب الشَّمْس أحبُّ إليّ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) . وروى أَبُو دَاوُد عَنهُ أَنه ﷺ قَالَ: (لأنْ أقعد مَعَ قوم يذكرُونَ الله تَعَالَى من صَلَاة الْعَصْر إِلَى أَن تغرب الشَّمْس أحبُّ إليّ من أَن أعتق أَرْبَعَة من ولد إِسْمَاعِيل، وَلِأَن أقعد مَعَ قوم يذكرُونَ الله تَعَالَى من صَلَاة الْغَدَاة حَتَّى تطلع الشَّمْس أحبُّ إليّ من أَن أعتق أَرْبَعَة) . وروى أَبُو نعيم إِنَّه ﷺ قَالَ: (مجَالِس الذّكر تَنْزل عَلَيْهِم السكينَة وتَحفُّ بهم الْمَلَائِكَة وتغشاهم الرَّحْمَة وَيذكرهُمْ الله) وروى
стр. 55
أَحْمد وَمُسلم أَنه ﷺ قَالَ: (لَا يقْعد قوم يذكرُونَ الله إِلَّا حفتهم الْمَلَائِكَة وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَة وَنزلت عَلَيْهِم السكينَة وَذكرهمْ الله فِيمَن عِنْده) . وَإِذا ثَبت أنَّ لِما يعتاده الصُّوفِيَّة من اجْتِمَاعهم على الْأَذْكَار والأوراد بعد الصُّبْح وَغَيره، أصلا صَحِيحا من السّنة وَهُوَ مَا ذَكرْنَاهُ فَلَا اعْتِرَاض عَلَيْهِم فِي ذَلِك. ثمَّ إنْ كَانَ هُنَاكَ من يتَأَذَّى بجهرهم كمصلٍّ أَو نائمٍ نُدبَ لَهُم الْإِسْرَار، وَإِلَّا رجعُوا لما يَأْمُرهُم بِهِ أستاذهم الْجَامِع بَين الشَّرِيعَة والحقيقة، لما مر أَنه كالطبيب فَلَا يَأْمر إِلَّا بِمَا يرى فِيهِ شِفَاء لعِلَّة الْمَرِيض، وَلذَلِك تَجِد بَعضهم يخْتَار الجَهْرَ لدفع الوساوس الرَّديئَة، والكيفيات النفسانية وإيقاظ الْقُلُوب الغافلة وَإِظْهَار الْأَعْمَال الْكَامِلَة، وَبَعْضهمْ يخْتَار الْإِسْرَار بمجاهدة النَّفس وَتَعْلِيمهَا طرق الْإِخْلَاص وإيثارها الخمول. وَقد ورد أَن عمر ﵁ كَانَ يجْهر وَأَبُو بكر ﵁ كَانَ يسر فَسَأَلَهُمَا النَّبِي ﷺ فَأجَاب كل بِنَحْوِ مَا ذكرته فأقرهما. وَالْأَخْذ عَن مَشَايِخ متعددين يخْتَلف الْحَال فِيهِ بَين من يُرِيد التَّبَرُّك وَبَين من يُرِيد التربية والسلوك، فَالْأول يَأْخُذ عَمَّن شَاءَ إِذْ لَا حجر عَلَيْهِ، وَأما الثَّانِي فَيتَعَيَّن عَلَيْهِ على مُصْطلَّح الْقَوْم السالمين من الْمَحْظُور واللوم حشرنا الله فِي زمرتهم، أنْ لَا يبتدىء إِلَّا بِمن جذبه إِلَيْهِ حَاله قهرا عَلَيْهِ، بِحَيْثُ اضمحلتْ نفسهُ لباهر حَال ذَلِك الشَّيْخ المحق، وتخلت لَهُ عَن شهواتها وإرادتها، فحينئذٍ يتَعَيَّن عَلَيْهِ الاستمساك بهديه وَالدُّخُول تَحت جَمِيع أوامره ونواهيه ورسومه حَتَّى يصير كالميِّت بَين يَدي الْغَاسِل، يقلبه كَيفَ شَاءَ، فَإِن لم يجذبه حَال الشَّيْخ كَذَلِك فليتحَّرَّ أورع الْمَشَايِخ وأعرفهم بقوانين الشَّرِيعَة والحقيقة، وَيدخل تَحت إِشَارَته ورسومه كَذَلِك، ومَنْ ظفِر بشيخ بِالْوَصْفِ الأول أَو الثَّانِي فَحَرَام عَلَيْهِ عِنْدهم أَن يتْركهُ وينتقل إِلَى غَيره، وَإِن سوّلت لَهُ نَفسه أَن غَيره أكْملُ فَإِنَّهُ قد يَضْجَر من حق ذَلِك الشَّيْخ فتريد النَّفس أَن تنقل صَاحبهَا إِلَى بَاطِل غَيره، وَإِنَّمَا مَحل اخْتِيَار الأعرفِ الأَعْلمِ الأَوْرَعِ الأَصْلحِ فِي الِابْتِدَاء. وَأما بعد الدُّخُول تَحت حيطة عَارِف أهلٌ، فَلَا رخصَة عَن الْخُرُوج عَنهُ بل وَلَا رخصَة عِنْدهم للشَّيْخ الثَّانِي. إِذا علم أنَّ لمريدِ الأخْذِ عَنهُ أستاذاً كَامِلا أَن يُسلِّكَه بل يأمُرْه بِالرُّجُوعِ لأستاذه، ويعلمه أَن ذَلِك الْأُسْتَاذ لَوْلَا أَنه على حق مَا نفرت النَّفس عَنهُ، وَلما أحبَّتْ فِرَاقه إِلَى غَيره، فَهَذَا أدَلُّ دَلِيل على كَمَاله وَحَقِيقَة طَرِيقَته. وَكثير من النُّفُوس الَّتِي يُرَاد لَهَا عدم التَّوْفِيق، إِذا رأتْ مِنْ أستاذٍ شدّة فِي التربية تنفر عَنهُ، وترميه بالقبائح والنقائص مِمَّا هُوَ عَنهُ بَرِيء، فليحْذر الْمُوفق من ذَلِك لِأَن النَّفس لَا تُرِيدُ إِلَّا هَلَاك صَاحبهَا، فَلَا يُطِعْهَا فِي الْإِعْرَاض عَن شَيْخه، وَإِن رَآهُ على أدنى حَال حَيْثُ أمكنه أَن يُخرِّج أَفعاله عَن تَأْوِيل صَحِيح ومقصد مَقْبُول شرعا، وَمن فتح بَاب التَّأْوِيل للمشايخ وأغضى عَن أَحْوَالهم، ووكل أُمُورهم إِلَى الله واعتنى بِحَال نَفسه وجاهدها بِحَسب طاقته، فَإِنَّهُ يُرْجَى لَهُ الْوُصُول إِلَى مقاصده وَالظفر بمراده فِي أسْرع زمن، ومنْ فتح بَاب الِاعْتِرَاض على الْمَشَايِخ وَالنَّظَر فِي أَحْوَالهم وأفعالهم والبحث عَنْهَا فَإِن ذَلِك عَلامَة حرمانه وَسُوء عاقبته، وَأَنه لَا ينجح قطّ، وَمن ثمَّ قَالُوا: من قَالَ لشيخه لم؟ لم يفلح أبدا: أَي لشيخه فِي السلوك والتربية لما تقرر أَن شَأْن السالك أَن يكون بَين يَدي الشَّيْخ كالميت بَين يَدي الْغَاسِل حَتَّى لَو كَانَت لَهُ عُلُوم أَو رسوم أوأعمالِ، فليُعْرض عَنْهَا وَلَا يلتفتْ إِلَيْهَا، فإنَّ نَار حَقِّ الْأُسْتَاذ الْعَارِف تُطهِّر الخبثَ وتزيله، وَيبقى الطّيب وتُبيِّن صفاءَ جوهره ونفاسة جنسه، وَالْمرَاد بالإرادة والتحكيم وَنَحْوهمَا أَن من أَرَادَ السلوك إِلَى الله على يَد بعض الواصلين وَيسر الله لَهُ مَنْ هُوَ كَذَلِك أَن يُلزم نَفسه طَاعَته وَالدُّخُول تَحت أوامره ونواهيه. ثمَّ الْكَيْفِيَّة المحصلة لهَذَا الارتباط تخْتَلف الْمَشَايِخ فِيهَا؟ فَمنهمْ من يَأْمر بِالذكر، وَمِنْهُم من يَلْبس الحرقة، وَمِنْهُم من يفعل غير ذَلِك، بِحَسب طرقهم فَإِنَّهَا كَثِيرَة جدا، حَتَّى قيل: الطّرق إِلَى الله بِعَدَد أنفاس الْخَلَائق، وليتعين على الْمُوفق أَيْضا أَن لَا يدْخل تَحت حيطة أحد إِلَّا بعد أَن يُقْهِره حَاله أَو يَعْلَم مِنْهُ الْإِحَاطَة بعلمي الشَّرِيعَة والحقيقة، لما أَن الْكَاذِبين والمتلبسين قد كَثُرُوا، وَادعوا هَذِه الطَّرِيقَة وهم مِنْهَا بريئون وَإِلَى النَّار صائرون لسوء أفعالهم، وَفَسَاد أَحْوَالهم وأقوالهم، وتكالبهم على الدُّنْيَا الفانية وإعراضهم عَن الْآخِرَة الْبَاقِيَة، إذْ لَيْسَ قصدهم بادعاء هَذِه الطَّرِيقَة الْعلية إِلَّا جمع الحُطَام، ونيل لَذَّة أكل الْحَرَام، واستفراغ الْعُمر فِي الجهالات والآنام، فحذار حذارِ من أمثالهم والاغترار بأقوالهم وأفعالهم، فَإِن كل من اتبَّعهم زل قدمه، وطغى قلمه وَحقّ ندمه، وحُرِم الوصولَ إِلَى شَيْء من الْكَمَال ويأتيه من الله أعظم الْبَوَار والنكال. وَعَلَيْك
стр. 56
إِن أردْت أَن يظْهر لَك الْحق وَأَنَّك تتحلى بِالصّدقِ بمطالعة إحْيَاء الْغَزالِيّ رَحمَه الله تَعَالَى، ورسالة الإِمَام الْعَارِف الْقشيرِي، وعوارف المعارف للسهروردي، والقوت لأبي طَالب الْمَكِّيّ، فَإِن هَذِه هِيَ الْكتب النافعة المبينة لأحوال الصَّادِقين، وتلبيسات المبطلين، والحاملة على معالي الْأَخْلَاق وإيثار الْفقر والإملاق وإدمان الطَّاعَات، وملازمة الْعِبَادَات سِيمَا الْجَمَاعَات، والإعراض عَن سفاسف أَقوام غلب عَلَيْهِم الشَّيْطَان فسوّل لَهُم الْقَبِيح حسنا، والمنْكَّر مَعْرُوفا، والمذموم ممدوحاً، فاستغرقوا فِي بحار شهواتهم، وقبيح اعتقاداتهم وإراداتهم، وهم مَعَ ذَلِك يحسبون أَنهم يحسنون صنعا أَو يُحْكِمون وضعا، وفقنا الله لمعْرِفَة عُيُوب أَنْفُسنَا وأجارنا من شهواتنا وأدام علينا رِضَاهُ مَعَ السَّلامَة من كل فِتْنة ومِحْنة فِي هَذِه الدَّار وَإِلَى أَن نَلْقَاهُ، إِنَّه الْجواد الْكَرِيم الرؤوف الرَّحِيم. ٤٥ وَسُئِلَ نفع الله بِعُلُومِهِ سؤالاً صورته: السّمع وَالْبَصَر مَا الْأَفْضَل مِنْهُمَا؟ فَأجَاب بقوله: الَّذِي عَلَيْهِ أَكثر الْفُقَهَاء أَن حاسة السّمع أفضل من حاسة الْبَصَر، لِأَنَّهُ تَعَالَى قرن بذهاب السّمع ذهَاب الْعقل فِي قَوْله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يُونُس: ٤٢] وَلَا كَذَلِك فِي الْبَصَر وَلِأَن استفادة الْعقل من السّمع أَكثر من استفادته من الْبَصَر، كَمَا جزم بِهِ القَاضِي فِي (تَفْسِيره) ، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى قدمه فِي غَالب الْآيَات القرآنية على الْبَصَر والتقديم دَلِيل الْأَفْضَلِيَّة كَمَا صَرَّحُوا بِهِ إِلَّا أَن يدل دَلِيل على خِلَافه، وَلم يقم هُنَا دَلِيل على خِلَافه، فَكَانَ تَقْدِيم السّمع مقتضياً لأفضليته، وَلِأَن الْعَمى وَقع فِي حق بعض الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام أَي على قَول، وَلم يَقع فيهم أَصمّ إِجْمَاعًا فاستحالة الصمم عَلَيْهِم لإخلاله بأَدَاء الرسَالَة، لِأَنَّهُ إِذا لم يسمع كَلَام السَّائِل تعذر عَلَيْهِ جَوَابه فيعجز عَن تَبْلِيغ الشَّرِيعَة، وَلِأَن الْقُوَّة السامعة تدْرك المسموعات من جَمِيع الْجِهَات الستْ فِي النُّور والظلمة، والقوةُ الباصرة لَا تدْرك المرئي إِلَّا من جِهَة الْمُقَابلَة بِوَاسِطَة شُعَاع، أَو ضِيَاء، وَمَا عمَّ نفعهُ زَاد فَضله، وَلِأَنَّهُ السَّبَب فِي استفادة الْعُلُوم دون الْبَصَر، لِأَنَّهُ تَعَالَى قرنه بِالْعقلِ المُرَاد بِالْقَلْبِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِى ذَالِكَ لَذِكْرَىالِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] وَالْعقل أشرف مَا فِي الْإِنْسَان فَكَذَا مَا قُرن بِهِ، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى جعله سَببا فِي الْخَلَاص من عَذَاب السعير حِكَايَة عَن أَهلهَا بقوله عَنْهُم: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِى أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الْملك: ١٠] وَمَا كَانَ سَببا فِي الْخَلَاص من ذَلِك أولى من الْبَصَر الَّذِي لَا سَبَبِيَّة لَهُ فِي ذَلِك وَلِأَن ذَلِك الْمَعْنى الَّذِي امتاز بِهِ الْإِنْسَان عَن شَأْن الْحَيَوَانَات، هُوَ النُّطْق وَإِنَّمَا يُدْرِكهُ السّمع، فمتعلق السّمع النُّطْق الَّذِي يشرف بِهِ الْإِنْسَان، ومتعلق الإبصار إِدْرَاك الألوان والأشكال، وَذَلِكَ أَمر يشْتَرك فِيهِ النَّاس وَسَائِر الْحَيَوَانَات، فَوَجَبَ أَن يكون السّمع أفضل من الْبَصَر، لِأَن سَائِر الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه على نَبينَا وَعَلَيْهِم أَجْمَعِينَ لم تعرف نبوّتهم ورسالاتهم بِرُؤْيَة ذواتهم وَإِنَّمَا حصل ذَلِك بِسَمَاع أَقْوَالهم الْمُشْتَملَة على مَا أوُتوه وأُرسلوا بِهِ من التكليفات، فَوَجَبَ أَن يكون المسموع أفضل من المرئي، وحينئذٍ فَيلْزم أَفضَلِيَّة السّمع على الْبَصَر. وَقَالَ قوم: الْبَصَر أفضل من السّمع، لقَولهم فِي الْمثل: لَيْسَ بعد العَيَّان بَيَان، فَدلَّ على أَن أكمل وُجُوه الْإِدْرَاك الْبَصَر، وَلِأَن آلَة الْقُوَّة الباصرة النُّور، وَآلَة الْقُوَّة السامعة هِيَ الْهَوَاء، والنورُ أشرف من الْهَوَاء؛ فالقوة الباصرة أفضل من الْقُوَّة السامعة، لِأَن عجائب حكمته تَعَالَى فِي خلق الْعين الْمُشْتَملَة على سبع طَبَقَات وَثَلَاث رطوبات، وعَلى عضلات كَثِيرَة على صور مُخْتَلفَة، أَكثر من عجائب خلقته فِي الْأذن، وَكَثْرَة الْعِنَايَة فِي تخليق الشَّيْء يدل على كَونه أفضل من غَيره، وَلِأَن الْبَصَر يرى الْكَوَاكِب فَوق سبع سموات، والسمع لَا يدْرك مَا بَعُدُ عَنهُ على فَرسَخ؛ وَلِأَن كَلَام الله يُسمع فِي الدُّنْيَا وَلم يره أحد فِيهَا، وَلِأَن ذهَاب الْبَصَر يَذْهبُ بِمَاء الْوَجْه، وَلَا كَذَلِك ذهَاب السّمع هَذَا حَاصِل أَدِلَّة الْفَرِيقَيْنِ، وَهِي وإنْ كَانَ أَكْثَرهَا لَا يَخْلُو عَن مقَال لَكِن أَدِلَّة القَوْل الأول أقوى، فَإِن حاصلها يرجع إِلَى أَن فِي السّمع من الْمَنَافِع الدِّينِيَّة مَا لَيْسَ فِي الْبَصَر، وَلَيْسَ ملخص التَّفْضِيل إِلَّا ذَلِك، بِخِلَاف أَدِلَّة القَوْل الثَّانِي فَإِنَّهَا لم يتَحَصَّل مِنْهَا أَمر ديني انْفَرد بِهِ الْبَصَر، فَكيف يُقَال بأفضليته على أَن إِدْرَاك كَلَام الله تَعَالَى بِالسَّمْعِ فِي الدُّنْيَا دون رُؤْيَته بالبصر فِيهَا أدلُّ دَلِيل على أَفضَلِيَّة السّمع لكَونه تأهل فِي الدُّنْيَا لهَذِهِ الخصوصية الْعُظْمَى وَلم يتأهل لَهَا الْبَصَر، فَكَانَ الْأَصَح هُوَ القَوْل الأول سِيمَا وَقد علمتَ أَن عَلَيْهِ أَكثر الْفُقَهَاء وَلَيْسَ الْمرجع فِي التَّفْضِيل وَنَحْوه إِلَّا إِلَيْهِم. وَأما نقل الثَّانِي عَن أَكثر الْمُتَكَلِّمين فَهُوَ وإنْ سَلِم لَا يَقْتَضِي أَنه الْأَصَح لتقدم
стр. 57
الْفُقَهَاء عَلَيْهِم، لأَنهم المجتهدون والمعول عَلَيْهِم دون من سواهُم، هَذَا لَو لم تظهر أدلتهم فَكيف وَقد ظَهرت بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَدِلَّة الْقَائِلين بِالثَّانِي، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. ٤٦ وَسُئِلَ نفع الله بِعُلُومِهِ عَمَّا صورته: ذكر بعض الْفُضَلَاء الولوة سُمعتْ فِي بَيت رَسُول الله ﷺ وفسرها بالغطارف، فَهَل لما ذكره أصل أم لَا؟ فَأجَاب، أمدنا الله بمدده، بقوله: لَا أصل لهَذَا التَّفْسِير، فَفِي (الْقَامُوس) : وَلْوَلتْ الْمَرْأَة: أعْولَتْ، وأعْوَل: رفع صَوته بالبكاء والصياح. وَفِيه أَيْضا أَن الغَترفة والغَطْرَفة والتَغَتْرف والتَغَطرف الكِبْر، فَبِهَذَا كُله علم عدم صِحَة تَفْسِير الولولة بِمَا ذكر فِي السُّؤَال. فَإِن قلت: مَا حكم غطارف النِّسَاء وَهِي مَا يظْهر من أفواههن وعَلى ألسنتهن عِنْد حَادث سرُور، وَلَو فِي الْمَسَاجِد؟ قلت: حكمه حكم بَقِيَّة صَوتهَا الغفل الْمُجَرّد عَن الْحُرُوف وتقطيعها. وَالصَّحِيح عندنَا أَنه لَيْسَ عَورَة وَيبعد أنَّ فِي مثل ذَلِك فتْنَة، وَيُؤَيِّدهُ قَوْلهم: يسن للْمَرْأَة إِذا أَرَادَت أَن تُجيب مَنْ دَقِّ على بَابهَا لحَاجَة أَن تجْعَل ظهر يَدهَا على فمها وتجيبه، فحيئذٍ لَا يظْهر لَهُ حَقِيقَته، والغطرفة كَذَلِك وأبْشَعْ، نعم هِيَ حينئذٍ فِي الْمَسْجِد مَكْرُوهَة بِلَا شكّ لِأَنَّهَا من جملَة الْأَلْفَاظ الَّتِي يتَأَكَّد تَنْزِيه الْمَسْجِد عَنْهَا، وَالله أعلم. ٤٧ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ عَمَّا صورته: رُوي فِي التَّفْسِير أَنه لما نزل: ﴿أَتَىاأَمْرُ اللَّهِ﴾ [النَّحْل: ١] وثب النَّبِي ﷺ وَسَمعنَا من أَفْوَاه بعض النَّاس قَامَ النَّبِي ﷺ ؛ فَهَل يسنّ لنا إِذا قرأناه أَن نقوم أَو لَا؟ فَإِن قُلْتُمْ نعم فَهَل يخْتَص بالقارىء، أَو يَشْمَل المستمع، وَإِن قُلْتُمْ لَا فَهَل يمْنَع من ذَلِك أَو لَا؟ فَأجَاب فسح الله فِي مدَّته بقوله: الَّذِي ذكره الواحدي فِي أَسبَاب النُّزُول أَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: لما أنزل الله ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [الْقَمَر: ١] قَالَ بعض الْكفَّار لبَعض: إنَّ هَذَا يزْعم أَن الْقِيَامَة قد قربتْ فأمسكوا عَن بعض مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ حَتَّى تنظروا مَا هُوَ كَائِن، فَلَمَّا رَأَوْا أَنه لاينزل عَلَيْهِ شَيْء قَالُوا نرى شَيْئا. قَالَ: فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاء: ١] فأشفقوا ينتظرون قرب السَّاعَة. فَلَمَّا امتدت الْأَيَّام قَالُوا: يَا مُحَمَّد مَا نرى شَيْئا مِمَّا تخوّفنا بِهِ، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿أَتَىاأَمْرُ اللَّهِ﴾ فَوَثَبَ النَّبِي ﷺ وَرفع النَّاس رؤوسهم فَنزل: ﴿فَلَا تستعجلوه﴾ فاطمأنوا، فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة قَالَ رَسُول الله ﷺ : (بعثت أَنا والساعة كهاتين وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ إِن كادتْ لتسبقني) . وَقَالَ آخَرُونَ: الْأَمر هُنَا هُوَ الْعَذَاب بِالسَّيْفِ وَهُوَ جَوَاب (للمنتظرين الْحَادِث) حِين قَالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَاذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآءِ﴾ [الْأَنْفَال: ٣٢] الْآيَة، يستعجل الْعَذَاب فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة اه مَا ذكره الواحدي ﵀. وَإِذا تأملته علمت أَنه ﷺ لم يثب إِلَّا فَزعًا من سَماع قَوْله تَعَالَى: ﴿أَتَىاأَمْرُ اللَّهِ﴾ [النَّحْل: ١] وَأَنه لم يثب تشريعاً لأمته ليفعلوا مثل فعله. وَإِذا تقرر أَن ذَلِك الْوُثُوب إِنَّمَا كَانَ لذَلِك الْفَزع، وَلذَلِك رفع الصَّحَابَة ﵃ رؤوسهم فَزعًا؛ وَإِن ذَلِك السَّبَب الَّذِي هُوَ الْفَزع زَالَ بنزول ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النَّحْل: ١] ظهر لَك أَن الْوُقُوف بعد قِرَاءَة الْآيَة غير سنة، وَلأَجل ذَلِك لم ينْقل عَنهُ ﷺ وَلَا عَن أَصْحَابه وقُوف عِنْد قِرَاءَة الْآيَة بعد ذَلِك فَدلَّ على أَن فعله ﷺ وأفعالهم إِنَّمَا كَانَ لسَبَب وَقد زَالَ، وحينئذٍ فَفعل ذَلِك الْآن بِدعَة لَا يَنْبَغِي ارتكابها لإبهام الْعَامَّة ندبها. وَنَظِير ذَلِك فعل كثير عِنْد ذكر مولده ﷺ وَوضع أمه لَهُ من الْقيام وَهُوَ أَيْضا بِدعَة لم يرد فِيهِ شَيْء على أَن النَّاس إِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِك تَعْظِيمًا لَهُ ﷺ فالعوام معذورون لذَلِك بِخِلَاف الْخَواص وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. ٤٨ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَمَّا تَفْعَلهُ طوائف الْيمن وَغَيرهم من اجْتِمَاعهم، وإنشاد أشْعارهم والمدائح مَعَ ذِكْر مُسْجع هَل هُوَ ذكر أَو لَا؟ وَهل يفرق بَينه وَبَين الْأَشْعَار الغزلية والمدائح؟ وَهل مَنعه أحد من الْعلمَاء فَإِن كَانَ فَمَا سَبَب مَنعه؟ فأجَاب نفع الله بِعُلُومِهِ بقوله: إنشاد الشّعْر وسماعه إِن كَانَ فِيهِ حث على خير، أَو نهي عَن شَرّ، أَو تشويق إِلَى التأسي بأحوال الصَّالِحين، وَالْخُرُوج عَن النَّفس ورعُونتها وحُظوظها، والتأدب والجدِّ فِي التحلي بالمراقبة للحق فِي كل نَفَس، ثمَّ الِانْتِقَال إِلَى شُهُوده فِي كل ذرة من ذرات الْوُجُود، والعبادات كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الصَّادِق المصدوق ﷺ بقوله: (الْإِحْسَان أَن تَعْبُدُ الله كَأَنَّك ترَاهُ فإنْ لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك) فَكل من الإنشاد وَالِاسْتِمَاع سنة، وَالَّذِي نَسْمَعهُ عَن اليمنية وَغَيرهم أَنهم لَا ينشدون فِي مجَالِس ذكرهم إِلَّا بِمَا فِيهِ شَيْء مِمَّا ذَكرْنَاهُ، والمنشدون والسامعون مأجورون مثابون إنْ صلحتْ نياتهم
стр. 58
وصفتْ سرائرهُم، وَأما إنْ كَانُوا بِخِلَاف ذَلِك فيفهمون من كَلَام الصَّالِحين غير المُرَاد بِهِ مِمَّا يَلِيق بأغراضهم الْفَاسِدَة، وشهواتهم الْمُحرمَة فَهَؤُلَاءِ عاصون آثمون: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ﴾ [النُّور: ٦٣] وَقد وَقع لبَعْضهِم أَن ينشد كَلَام بعض فسقة الشُّعَرَاء الْمُشْتَمل على الِاجْتِمَاع بالمرد وَالْخُمُور وَنَحْوهَا من الْمعاصِي فَيَنْبَغِي النَّهْي عَنهُ مَا أمكن، فَإِن إنشاده واستماعه حرَام كَمَا صرح بِهِ النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) ، وَهُوَ ظَاهر لِأَنَّهُ يحمل الْقَوْم سِيمَا الفسقة مِنْهُم على محبَّة ذَلِك، أَو يزيدُ الاسترسالُ فيهم ففيهم من الشَّرّ وَالْفساد مَا لَا تُحصى كثرتُه وَلَا تَنْقَضِي نهايته، وَأما الذّكر المُسْجعْ فإنْ وَقع السَجَعُ فِيهِ عَن تكلّف كَانَ مَكْرُوها، لِأَنَّهُ يُنَافِي الْخُشُوع، وَإِن وَقع لَا عَن تكلّف فَلَا بَأْس بِهِ، أخذا مِمَّا ذَكرُوهُ من هَذَا التَّفْصِيل فِي الدُّعَاء، نعم يَقع لبَعْضهِم أَنه عِنْد السجع صَغَّر اسْمه تَعَالَى أوْ وَصْفه كَالله ملى، وَهَذَا عِنْد تَعَمّده حرَام شَدِيد التَّحْرِيم بل رُبمَا يكون كفرا بل أطلق بَعضهم أَنه كفر فليحذر ذَلِك. وَقَول السَّائِل: وَهل يفرق بَين الْأَشْعَار الغزلية والمدائح وَنَحْوهَا؟ فحينئذٍ جَوَابه: أَنه لَا فرق بَينهمَا فِيمَا سبق من أنَّ مَا اشْتَمَل على سُخْف أَو هُزْء أَو مدح مَعْصِيّة، أَو محرم فَحَرَام، وَمَا خلا عَن ذَلِك فمباح أَو مَنْدُوب. وَالْحَاصِل أَن الْعبْرَة بِالْمَقْصُودِ والنيات وَمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ الْقُلُوب وأَكنَّتْه الضمائر فَربَّ سامع قبيحاً صرفه إِلَى الْحسن وَعَكسه فيعامل كل أحد بِحَسب نِيَّته وقصده. وَيَنْبَغِي للْإنْسَان حيثُ أمكنه عدم الانتقاد على السَّادة الصُّوفِيَّة نفعنا الله بمعارفهم، وأفاض علينا بِوَاسِطَة مَحبتَّنا لَهُم مَا أَفَاضَ على خواصِّهم، ونظمنا فِي سلك أتباعهم، ومَنَّ علينا بسوابغ عوارفهم، أنْ يُسَلِّم لَهُم أَحْوَالهم مَا وجد لَهُم محملًا صَحِيحا يُخْرِجهم عَن ارْتِكَاب الْمحرم، وَقد شاهدنا من بَالغ فِي الانتقاد عَلَيْهِم، مَعَ نوع تصعب فابتلاه الله بالانحطاط عَن مرتبته وأزال عَنهُ عوائد لطفه وأسرار حَضرته، ثمَّ أذاقه الهوان والذلِّة وردَّه إِلَى أَسْفَل سافلين وابتلاه بِكُل علَّة ومحنة، فنعوذ بك اللَّهُمَّ من هَذِه القواصم المُرْهِقات والبواتر المهلكات، ونسألك أَن تنظمنا فِي سلكهم الْقوي المتين، وَأَن تَمنَّ علينا بِمَا مَننتَ عَلَيْهِم حَتَّى نَكُون من العارفين وَالْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين إِنَّك على كل شَيْء قدير وبالإجابة جدير. ٤٩ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: مَا المُرَاد بكراع فِي قَوْله ﷺ : (لَو دعيت إِلَى كُراع لَأَجَبْت) ؟ فَأجَاب بقوله: الْأَرْجَح أَنه كرَاع الدَّابَّة، وَقيل المُرَاد مِنْهُ مَكَان بالحرَّة، ورده النقاد على من رَوَاهُ إِلَى كرَاع الْغنم وَقَالُوا إِنَّه تَحْرِيف، وَالله أعلم. ٥٠ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ، بِمَا لَفظه: (لَا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك) من رَوَاهُ؟ . فَأجَاب بقوله: رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه. ٥١ وَسُئِلَ: عَن حَدِيث: (اللَّهُمَّ أهد قُريْشًا فَإِن علم الْعَالم مِنْهُم بِسبع طَبَقَات الأَرْض) من رَوَاهُ؟ فَأجَاب بقوله: رَوَاهُ أَبُو يعلى بِسَنَد جيد. ٥٢ وَسُئِلَ أدام الله النَّفْع بِعُلُومِهِ: هَل ترجيحات الْعباب مُعْتَمدَة أم الْمُعْتَمد مَا رَجحه الشَّيْخَانِ؟ فَأجَاب بقوله: صَاحب العُباب ﵀ لم يرجح شَيْئا وَإِنَّمَا تبع بعض الْمُتَأَخِّرين فِي اعتراضه على الشَّيْخَيْنِ بِالنَّصِّ، وَكَلَام الْأَكْثَرين ظنا مِنْهُ أَن التَّرْجِيح لَا يعوّل فِيهِ إِلَّا على ذَلِك، وَلَيْسَ كَمَا ظن، وَمَا جرى عَلَيْهِ مُخَالفا لَهما غير مُعْتَمد فِي أَكْثَره كَمَا بيّنت ذَلِك بأدلته إِجْمَالا فِي شرح خطبَته وتفصيلاً فِي شَرحه عِنْد كل مَحل فِيهِ خلافًا لِلشَّيْخَيْنِ وَنَحْوه، وَلَقَد سَأَلَني بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة على مُشرِّفها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام سَنَة مجاورتي بهَا سنة خمسين وَتِسْعمِائَة بعض أفاضلها ﵀ عَن سَبَب إتباع النَّاس لِلشَّيْخَيْنِ فِي ترجيحهما دون غَيرهمَا فِي سُؤال طَوِيل فِيهِ كثير من المشكلات والتشكيكات، فأجبته عَن ذَلِك بِجَوَاب طَوِيل يصلح مؤلفاً فِي الْمَسْأَلَة مُشْتَمل على تحقيقات تشفي العليل، وتبرد الغليل، وَهُوَ مُسَطَّر فِي (الْفَتَاوَى) فلينظره من أحب الْوُقُوف عَلَيْهِ، وَالله سُبْحَانَهُ الْمُوفق وَأعلم بِالصَّوَابِ. ٥٣ وَسُئِلَ ﵁: من مُصَنف ضِيَاء الحلوم فِي اللُّغَة؟ فَأجَاب بقوله: هُوَ مُحَمَّد بن نَشْوان بن سعيد التَّمِيمِي القَاضِي، كَانَ وَالِده عَالما باللغة والفرائض، وصنف فِي اللُّغَة كتابا حافلاً فِي ثَمَانِيَة أسفار وَسَماهُ (شمس الْعُلُوم وشفاء كَلَام الْعَرَب من الكُلوم) سلك فِيهِ مسلكاً غَرِيبا يذكر الْكَلِمَة فِي اللُّغَة فَإِن كَانَ لَهَا نفع من جِهَة الطِّبّ ذكره، فجَاء وَلَده الْمَذْكُور وَاخْتَصَرَهُ فِي جزءين وَسَماهُ (ضِيَاء الحلوم) مَاتَ نشوان فِي حُدُود ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. ٥٤ وَسُئِلَ أدام الله النَّفْع بِعُلُومِهِ: مَا يسْتَحبّ من الذّكر عِنْد رُؤْيَة الشَّمْس وَالْقَمَر هَل هُوَ لمن رآهما أَو لمن علم بهما وَإِن لم يرهما، وَهل هُوَ مَطْلُوب عِنْد كل رُؤْيَة أَو مَخْصُوص بالطلوع
стр. 59
والغروب، وَهل الاسْتوَاء كَذَلِك وَمَا حِكْمَة خصوصيتهما؟ فَأجَاب بقوله: أخرج ابْن السّني بِسَنَد ضَعِيف عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا طلعتْ الشَّمْس قَالَ: (الْحَمد لله الَّذِي جَلَّلنا الْيَوْم عافيتَه وَجَاء بالشمس من مَطْلَعها، اللَّهُمَّ إِنِّي أصبحتُ أشهد بِكُل مَا شهدتَ بِهِ على نَفسك، وشهدتْ بِهِ ملائكتك وَحَملَة عرشك وَجَمِيع خلقك، أَنَّك أَنْت الله لَا إِلَه إِلَّا أَنْت الْقَائِم بِالْقِسْطِ، لَا إِلَه إِلَّا أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم، اُكتب شهادتي بعد شَهَادَة ملائكتك وأولي الْعلم، ومَنْ لم يشهدْ بِمثل مَا شهِدت بِهِ فَاكْتُبْ شهادتي مَكَان شَهَادَته، اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام ومنك السَّلَام وَإِلَيْك السَّلَام أَسأَلك يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام أَن تَسْتَجِيب لنا دَعوتنَا، وَأَن تُعْطِينا رغبتنا، وأنْ تُغنينا عَمَّن أغنيته عَنَّا من خلقك، اللَّهُمَّ أصلح لي ديني الَّذِي هُوَ عصمَة أَمْرِي وَأصْلح دنياي الَّتِي فِيهَا معيشتي، وَأصْلح لي آخرتي الَّتِي إِلَيْهَا منقلبي) . وَأخرج ابْن السّني عَن مهْدي عَن وَاصل عَن أبي وَائِل أَن عبد الله قَالَ: يَا جَارِيَة انظري هَل طلعت الشَّمْس؟ قَالَت: لَا، ثمَّ قَالَ: وَاصل، فسبَّح ثمَّ قَالَ لَهَا ثَانِيَة: انظري هَل طلعت الشَّمْس؟ قَالَت: لَا، ثمَّ قَالَ لَهَا ثَالِثَة: طلعت الشَّمْس؟ فَقَالَت: نعم، فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي وهب لنا هَذَا الْيَوْم، وأقالنا فِيهِ عثراتنا. قَالَ مهْدي: وَأَحْسبهُ قَالَ: وَلم يعذبنا بالنَّار. وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن كَعْب الْأَحْبَار ﵁ أَنه كَانَ إِذا أفطر الصَّائِم يَعْنِي دخل اللَّيْل اسْتقْبل الْقبْلَة وَقَالَ: اللَّهُمَّ خلصني من كل مُصِيبَة نزلت من السَّمَاء ثَلَاثًا، وَإِذا طلع حَاجِب الشَّمْس قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَل لي بَينهمَا فِي كل مُصِيبَة نزلت اللَّيْلَة من السَّمَاء إِلَى الأَرْض حَسَنَة ثَلَاثًا، فَقيل لَهُ، فَقَالَ: دَعْوَة دَاوُد على نَبينَا وَعَلِيهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام، فليَنّوا بهَا أَلْسِنَتكُم واستقِرُّوها قُلُوبكُمْ، وَكَأن بَعضهم أَخذ مِنْهُ قَوْله: إِنَّه يُقَال عِنْد غرُوب الشَّمْس يَوْم الْجُمُعَة: اللَّهُمَّ صل على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آل سيدنَا مُحَمَّد وادفع عَنَّا الْبلَاء المُبْرَم من السَّمَاء إِنَّك على كل شَيْء قدير، يَقُول ذَلِك سبعا. وَأخرج ابْن السّني عَن عَمْرو بن عَنْبَسَة السّلمِيّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ: (مَا تستقل الشَّمْس فَيبقى شَيْء من خلق الله إِلَّا سبح الله وحمده إِلَّا مَا كَانَ من الشَّيْطَان وأغنياء بني آدم، فَسَأَلت عَن أَغْنِيَاء بني آدم فَقَالَ: شرار الْخلق) أَو قَالَ: (شرار خلق الله) . وَأخرج ابْن السّني عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لِأَن أَجْلِس مَعَ قوم يذكرُونَ الله من صَلَاة الْعَصْر إِلَى أَن تغرب الشَّمْس أحب إليّ من أَن أعتق ثَمَانِيَة من ولد إِسْمَاعِيل) . قَالَ لوين: كَانَ أنس إِذا حدث بِهَذَا الحَدِيث أقبل عليّ وَقَالَ: وَالله مَا هُوَ بِالَّذِي تصنع أَنْت وَأَصْحَابك وَلَكنهُمْ قوم يَتَحَلَّقُونَ بِالْحلقِ: أَي لطلب الْعلم وإقرائه. وَأخرج ابْن السّني أَيْضا عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: (أَخذ رَسُول الله ﷺ بيَدي فَإِذا الْقَمَر حِين طلع قَالَ: تعوّذي بِاللَّه من شَرّ هَذَا الْغَاسِق إِذا وَقب) أَي غَابَ. وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَابْن حبَان أَنه يقْرَأ يس عِنْد طُلُوع الشَّمْس. وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) أَنه يُقَال عِنْد غرُوب الشَّمْس: أعوذ بِكَلِمَات الله التامات من شَرّ مَا خلق. وَأخرج الديلمي عَن مُسْند الفردوس أَنه عِنْد الْغُرُوب يسبح سبعين مرّة ويستغفر سبعين مرّة. إِذا تقرر ذَلِك فَالظَّاهِر وَعَلِيهِ يدل مَا مر عَن ابْن عمر من أمره لِلْجَارِيَةِ بمراقبة الشَّمْس حَتَّى تطلع فتخبره أَن المُرَاد الْعلم بطلوعها وغروبها وَإِن لم يرهما، وَأَن الْأَذْكَار السَّابِقَة خَاصَّة بالطلوع والغروب دون كل رُؤْيَة وَعند اسْتِقْلَال الشَّمْس وَهُوَ قريب من استوائها. وَحِكْمَة تَخْصِيص هَذِه الْأَحْوَال الثَّلَاثَة بِتِلْكَ الْأَذْكَار السَّابِقَة أَن الطُّلُوع فِيهِ أول ظُهُورهَا فِي هَذَا الْعَالم، فَنَاسَبَ إِظْهَار الخضوع والذلة لله وَالثنَاء عَلَيْهِ بِهَذِهِ النِّعْمَة الْعُظْمَى الَّتِي أوجدها فِي هَذَا الْعَالم، إذْ لَو غَابَتْ الشَّمْس عَنْهُم دَائِما لتعطلت مَعَايشهمْ وفسدت أقواتهم، وسؤال الِاسْتِعَاذَة من الْعَذَاب الَّذِي استوجبه عابدهما بسجوده لَهما عِنْد طلوعهما وَالشَّهَادَة لله باستحقاقه لكل صفة كَمَال وتنزيهه عَن كل سمة نقص، بل وَعَن كل مَا لَا كَمَال فِيهِ وَلَا نقص ردّاً على عابدي الشَّمْس وإظهاراً لفساد عُقُولهمْ وسخافة آرائهم، وَأما الاسْتوَاء فَهُوَ وقتٌ تسعر جَهَنَّم وَكَانَ وَقت غضب فَنَاسَبَ التَّسْبِيح والتنزيه وَالثنَاء على الله تَعَالَى بجميل صِفَاته وعظيم آيَاته، وَالِاعْتِرَاف بِأَنَّهُ مَا من شَيْء إِلَّا وَهُوَ مسبحٌ حامدٌ لله تَعَالَى إِلَّا إِبْلِيس وجنده، وَالَّذين استحقوا ذَلِك الإبعاد للنار حينئذٍ حَتَّى يشْتَد عَلَيْهِم الْغَضَب إِذا دخلوها يَوْم الْقِيَامَة فَكَانَ فِي الذّكر الَّذِي عِنْد الاسْتوَاء غَايَة الْمُنَاسبَة لَهُ، وَأما عِنْد الْغُرُوب فَهُوَ وَقت إشرافها على الزَّوَال وذهابها إِلَى السُّجُود تَحت الْعَرْش كَمَا ورد فَنَاسَبَ أَن
стр. 60
يطْلب من الْإِنْسَان الِاشْتِغَال بِالذكر، بل وَمن حِين دنوّها إِلَيْهِ وَذَلِكَ من وَقت الْعَصْر، والاستعاذة بِاللَّه من شَرّ كل شَيْء حَتَّى الشَّيْطَان الَّذِي حمل أَقْوَامًا بعظيم خداعه على أَن يسجدوا للشمس حِين غُرُوبهَا أَيْضا، وَأَنه يسبح الله وينزهه من ذَلِك وَمن غَيره حينئذٍ، وَأَن يَسْتَغْفِرهُ من عَظِيم مَا قدم كَيْلا تزل قدمه كَمَا زلت أَقْدَام أُولَئِكَ هَذَا مَا ظهر لي فِي ذَلِك كُله، وَالله أعلم. ٥٥ وَسُئِلَ أدام الله النَّفْع بِعُلُومِهِ: مَا الَّذِي يجب علينا تعلمه، واعتقاده، بينوا لنا بَيَانا شافياً لَا يحْتَاج مَعَه إِلَى مُرَاجعَة مُصَنف وَلكم الثَّوَاب الجزيل من الْملك الْجَلِيل؟ فَأجَاب بقوله: مِمَّا يجب على كل مُكَلّف وجوبا عينياً لَا رخصَة فِي تَركه، أَن يتَعَلَّم ظواهر الاعتقادات الْوَارِدَة فِي الْكتاب وَالسّنة مَعَ تَنْزِيه الله تَعَالَى عَمَّا هُوَ محَال عَلَيْهِ، مِمَّا يَقْتَضِي جسماً أَو جِهَة كالاستواء على الْعَرْش والآيات وَالْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا ذكر الْوَجْه وَالْيَد، فَهَذِهِ وَنَحْوهَا فِيهَا مذهبان مَذْهَب السّلف وَهُوَ الأسلم أَن يُفَوض عِلْم حقائقها إِلَى الله تَعَالَى من التَّنْزِيه عَمَّا دلّت عَلَيْهِ ظواهرها مِمَّا هُوَ مُسْتَحِيل على الله، وَمذهب الْخلف وَهُوَ أَن يُخْرج تِلْكَ النُّصُوص عَن ظواهرها وتُحْمل على محامل تلِيق بِهِ تَعَالَى كَحْمل الاسْتوَاء على الِاسْتِيلَاء، وَالْوَجْه على الذَّات، وَالْعين على تَمام الرِّعَايَة، والكلأ وَالْحِفْظ، وَالْيَد على النِّعْمَة وَالْقُدْرَة، والرِجْل على الْقَوْم وَالْجَمَاعَة يُقَال رِجْل الْجَرَاد أَي جماعته، والقَدَم على الْجَمَاعَة المقدمين، وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ مبَسوط فِي محاله من كتب العقائد وَغَيرهَا، فالمذهبان متفقان على التَّنْزِيه عَن ظواهر تِلْكَ النُّصُوص المشلكة، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا هَل يُفَوض علمهَا إِلَى الله تَعَالَى وَلَا يتَعَرَّض لتأويلها وَهُوَ مَذْهَب السّلف، أَو يتَعَرَّض لتأويلها صَوتا لَهَا عَن خوض المبطلين وزيغ الْمُلْحِدِينَ وَهُوَ مَذْهَب الْخلف. وَأما بَقِيَّة نُصُوص الْكتاب وَالسّنة مِمَّا دلّ على التَّوْحِيد وَالتَّقْدِيس وَسَائِر صِفَات الْكَمال، كالعِلم وَالْقُدْرَة والإرادة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام والبقاء، وَسَائِر صِفَات السَّلب كليس بجسم وَلَا جَوْهَر، وَلَا عرض، وَلَا متحيز وَلَا فِي مَكَان، وَلَا يحدُّه زمَان وَلَا يتصوره وهم ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورء: ١١] فَهَذِهِ كلهَا يجب على كل أحد أَن يتَعَلَّم ظواهرها، وَكَذَلِكَ يجب ذَلِك فِي نَحْوهَا ككون العَبْد لَا يخلق أَفعَال نَفسه خَيْرَها وشَرُّها وَإِنَّمَا الْخَالِق لذَلِك والموجد لَهُ هُوَ الله وَحده لَا شريك لَهُ، وككونه تَعَالَى يُرى فِي الْآخِرَة، وككون عَذَاب الْقَبْر وسؤال الْملكَيْنِ والصراط والحوض وَالْمِيزَان والحساب حَقًا، وَأَن الْجنَّة وَالنَّار مخلوقتان الْيَوْم، وَسَائِر مَا يتَعَلَّق بالمعاش والمعاد. وَمِمَّا يجب تعلمه عينا أَيْضا أَرْكَان الصَّلَاة وشروطُها ومُبْطلاتُها أَي ظواهر ذَلِك بعد وُجُوبهَا، وَكَذَا قبله إنْ لم يتَمَكَّن بعده من التَّعَلُّم وَإِدْرَاك الْفَرْض فِي وقته، وَكَذَا الصَّوْم وَكَذَا الزَّكَاة إِن كَانَ لَهُ مَال، وَكَذَا الْحَج إِن أَرَادَ فعله أَو تضيق لنَحْو خوف أَو موت أَو غضب أَو تلف مَال، وَكَذَا البيع إِن أَرَادَهُ، وَمثله سَائِر الْمُعَامَلَات كَالنِّكَاحِ، وكالقِسْم لمن مَعَه أَكثر من زَوْجَة فَهَذِهِ كلهَا بعد الْوُجُوب، أَو إِرَادَة الْفِعْل، وَيجب عينا تعلم ظواهر شُرُوطهَا وأركانها ومبطلاتها، وَكَذَلِكَ يجب عينا تعلم ظواهر حُدُود أمراض الْقلب وأسبابها وعلاجها كالحسد والعُجْب والرياء والسُمْعة والحقْد والبُغْضِ نعم من خُلق سليما مِنْهَا، أَو أمكنه إِزَالَتهَا من غير تعلم لَا يلْزمه تعلم مَا ذكر من الْحُدُود وَمَا بعْدهَا إذْ لَا حَاجَة بِهِ إِلَيْهِ وَالله أعلم. ٥٦ وَسُئِلَ أدام الله النَّفْع بِعُلُومِهِ وَرَضي عَنهُ: الدَّاخِل إِلَى دَاره وَالْخَارِج مِنْهَا مَا يقدم من رجلَيْهِ؟ فَأجَاب بقوله: الَّذِي يتَّجه أَنه يقدم الْيَمين فِي الدُّخُول واليسرى فِي الْخُرُوج، لِأَن ذَلِك من بَاب التكريم فَهُوَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ من تَقْدِيم الْيَمين فِي لبس الثَّوْب، والخف والنَعْل والسراويل، والاكتحال، وتقليم الْأَظْفَار وقص الشَّارِب ونتف الْإِبِط وَحلق نَحْو الرَّأْس والسواك وَالْأَخْذ وَالعطَاء وَغير ذَلِك، وَمن تَقْدِيم الْيَسَار فِي خلع الثَّوْب أَو الْخُف، أَو النَّعْل أَو السَّرَاوِيل أَو فِي دُخُول السُّوق، وَيُؤَيّد ذَلِك قَول ابْن عبد السَّلَام: الأَصْل فِي كل قُرْبة يَصحِّ فِعْلها بِالْيَمِينِ واليسار أَن لَا تفعل إِلَّا بِالْيَمِينِ؛ وَقد صرح الرَّافِعِيّ ﵀ بِأَن كل مَا كَانَ لإِزَالَة الْأَذَى فَهُوَ باليسار، وَمَا كَانَ لغيره فَهُوَ بِالْيَمِينِ، وَأخذ مِنْهُ الزَّرْكَشِيّ أَن مَا لَا تَكرمة فِيهِ وَلَا إهانة يكون بِالْيَمِينِ فَعَلَيهِ لَو فَرضنَا أَن دُخُول الدَّار لَا تكرمة فِيهِ وَلَا إهانة يَفْعَله بِالْيَمِينِ، وَهَذَا ظَاهر فِي الدُّخُول لِأَنَّهُ إمَّا من بَاب التكريم وَهُوَ الظَّاهِر قِيَاسا على مَا مر فِي اللّبْس وَنَحْوه، وإمَّا من بَاب مَا لَا تَكْرُمة فِيهِ وَلَا إهانة، وَقد علمتَ أَنه يدْخل بِالْيَمِينِ عِنْد الزَّرْكَشِيّ أخذا من قَول الرَّافِعِيّ، وَأما الْخُرُوج
стр. 61
فَإِن جَعَلْنَاهُ إهانة لما يحصل من عدم التّرْك من الْعَار وَالْمَشَقَّة فَهُوَ نَظِير خلع السَّرَاوِيل لما يحصل فِيهِ من ذَلِك، فَظَاهر أَنه يفعل باليسار، وَلَيْسَ مِمَّا لَا تكرمة فِيهِ وَلَا إهانة حَتَّى يَأْتِي فِيهِ مَا تقرر عَن الزَّرْكَشِيّ، لما عَلِمْتَ أَنه نَظِير خَلْع نَحْو الثَّوْب فِيمَا ذَكرُوهُ فِيهِ، فَالْأَوْجه أَن الدُّخُول من بَاب التكريم وَأَن الْخُرُوج من بَاب الإهانة بِالِاعْتِبَارِ الَّذِي قَرّرته أخذا من كَلَامهم فِي لبس نَحْو الثَّوْب وخلعه إذْ الْمَعْنى الَّذِي لحظوه فِي اللّبْس مَوْجُود فِي دُخُول الدَّار، وَالَّذِي لحظوه فِي الْخلْع مَوْجُود فِي الْخُرُوج كَمَا هُوَ ظَاهر للمتأمل، وَالله أعلم. ٥٧ وَسُئِلَ ﵀: مَا حكم تَعْلِيم النِّسَاء الْكِتَابَة فَفِي وسيط الواحدي أول سُورَة النُّور مَا يدل على عدم الِاسْتِحْبَاب هَل هُوَ صَحِيح أَو ضَعِيف؟ فَأجَاب بقوله: هُوَ صَحِيح. فقد روى الْحَاكِم وَصَححهُ عَن الْبَيْهَقِيّ عَن عَائِشَة ﵂ أَن النَّبي ﷺ قَالَ: (لَا تنزلوهن فِي الغُرف وَلَا تُعلِّموهن الْكِتَابَة) يَعْنِي النِّسَاء (وعلموهن الغَزْل وَسورَة النُّور) أَي لما فِيهَا من الْأَحْكَام الْكَثِيرَة الْمُتَعَلّقَة بِهن الْمُؤَدِّي حفظهَا وَعلمهَا إِلَى غَايَة حفظهن عَن كل فتْنَة وريبة كَمَا هُوَ ظَاهر لمن تدبرها. وروى الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَن النَّبي ﷺ قَالَ: (لَا تسكنوا نساءكم الغرف وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ الْكِتَابَة) . وَأخرج التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم عَن ابْن مَسْعُود أَيْضا ﵁ أَنه ﷺ قَالَ: (مرّ لُقْمَان على جَارِيَة فِي الكتَّاب فَقَالَ لمن يصقل هَذَا السَّيْف) أَي حَتَّى يذبح بِهِ، وحينئذٍ فَيكون فِيهِ إِشَارَة إِلَى عِلّة النَّهْي عَن الْكِتَابَة، وَهِي أَن الْمَرْأَة إِذا تعلمتها توصلتْ بهَا إِلَى أغراض فَاسِدَة، وَأمكن توصل الفسقة إِلَيْهَا على وَجه أسْرع وأبْلَغْ وأَخْدَعْ من توصلهم إِلَيْهَا بِدُونِ ذَلِك، لِأَن الْإِنْسَان يبلغ بكتابته فِي أغراضه إِلَى غَيره مَا لم يَبْلغه بِرَسُولِهِ، وَلِأَن الْكِتَابَة أخْفى من الرَّسُول فَكَانَت أبلغ فِي الْحِيلَة وأسرع فِي الخِداع والمَكْر، فلأجل ذَلِك صَارَت الْمَرْأَة بعد الْكِتَابَة كالسيف الصَّقِيل الَّذِي لَا يمر على شَيْء إِلَّا قطعه بِسُرْعَة فَكَذَلِك هِيَ بعد الْكِتَابَة، تصير لَا يطْلب مِنْهَا شَيْء إِلَّا كَانَ فِيهَا قابلية إِلَى إجَابَته إِلَيْهِ على أبلغ وَجه وأسرعه، ثمَّ مَا مَرَّ من الْأَحَادِيث يخصص حَدِيث ابْن النجار عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (إنَّ من حق الْوَلَد على وَالِده أَن يُعلِّمه الْكتاب أَي الْكِتَابَة وأنْ يُحْسِن اسْمه، وَأَن يُزَوِّجه إِذا بلغ) فَقَوله: (أَن يُعلمهُ الْكتاب) أَي الْكِتَابَة خَاص بِالْوَلَدِ الذّكر. وَاعْلَم أَن النَّهْي عَن تَعْلِيم النِّسَاء للكتابة لَا يُنَافِي طلب تعلمهن الْقُرْآن والعلوم والآداب، لِأَن فِي هَذِه مصَالح عَامَّة من غير خَشْية مفاسد تتولد عَلَيْهَا بِخِلَاف الْكِتَابَة، فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ فِيهَا مصَالح إِلَّا أَن فِيهَا خشيَة مفْسدَة ودرء الْمَفَاسِد مقدم على جلب الْمصَالح. وَأخرج أَبُو نصر عبد الْكَرِيم الشِّيرَازِيّ فِي (فَوَائده) والديلمي وَابْن النجار عَن عَليّ كرم الله وَجهه أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (أدبوا أَوْلَادكُم على ثَلَاث خِصَال: حُبِّ نَبِيكُم، وحُبِّ أهل بَيته، وَقِرَاءَة الْقُرْآن، فَإِن حَملَة الْقُرْآن فِي ظلّ الله يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله مَعَ أنبيائه وأصفيائه) . فَإِن قلت: أخرج أَبُو دَاوُد عَن الشِّفَاء بنت عبد الله قَالَت: دخل عليّ النَّبِي ﷺ وَأَنا عِنْد حَفْصَة فَقَالَ لي: (علميها رُقْيَة النملة كَمَا علمتيها الْكِتَابَة) وَهَذَا يدل على تَعْلِيم النِّسَاء الْكِتَابَة. قلت: لَيْسَ فِيهِ دلَالَة على طلب تعليمهن الْكِتَابَة، وَإِنَّمَا فِيهِ دَلِيل على جَوَاز تعليمهن الْكِتَابَة وَنحن نقُول بِهِ وَإِنَّمَا غَايَة الْأَمر فِيهِ أَن النَّهْي عَنهُ تَنْزِيها لما تقرر من الْمَفَاسِد المترتبة عَلَيْهِ، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم. ٥٨ وَسُئِلَ: فِيمَن قَالَ: صَاحب الْعباب حَاطِب ليل، هَل يكفر إِذْ يفهم مِنْهُ أَنه مستهزىء بِهِ؟ فَأجَاب بقوله: لَا كفر بذلك إِلَّا إِن قصد الِاسْتِهْزَاء بِالْعلمِ من حَيْثُ كَونه علما، فَإِن ذَلِك حينئذٍ كفر كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي قَوْلهم لَو قَالَ: قَصْعةُ ثرَيد خيرُ مَن الْعلم كُفرْ، وَأما إِذا لم يقْصد فَلَا كفر يلْحقهُ، وَإِنَّمَا الَّذِي يلْحقهُ الذَّم الشَّديد، وَالْوَصْف الْمشعر بِأَنَّهُ جَبَّار عنيد أَو شَيْطَان مُرِيد، فَإِن صُدُور هَذِه الْمقَالة الشنيعة مِنْهُ يدل إِمَّا على جَهله بِمِقْدَار الْكتاب، وَمَا حواه من نُصُوص الشَّافِعِي ﵁ وَالْأَصْحَاب الَّتِي لَا تُوجد فِي غَيره كجمعها فِيهِ، وَلَا يعلم بِمِقْدَار صَنِيعه وَحسنه وجميله إِلَّا مَنْ أحَاط بقوادمه وخوافيه وَإِمَّا على حَسَده وَالْكتاب حقيق بذلك فَإِنَّهُ لَا يُحْسد إِلَّا كَامِل وَلَا تشمئز نفوس القاصرين الخبيثة إِلَّا من ذَوي الْمَعَالِي والفضائل وَقد قيل: وَلَا خلاك الدَهْر من حَاسِد فإنَّ خير النَّاس مَنْ يُحْسد وَهَذَا الْكتاب من خير الْكتب لاشْتِمَاله على الْجمع الْكثير مَعَ التَّنْقِيح والتحرير فرحم الله مُؤَلفه رَحْمَة وَاسِعَة
стр. 62
وأدام على نزله هواطل رِضَاهُ الهامعة آمين، وَالله أعلم. ٥٩ وَسُئِلَ نفع الله بِعُلُومِهِ: عَن قَوْله ﷺ (إِن عِيسَى أخي لَيْسَ بيني وَبَينه نبيّ) أَو كَمَا قَالَ كَمَا فِي الشِّفَاء عَن مُسلم، وَنقل الْبَيْضَاوِيّ فِي (تَفْسِيره) أَنه كَانَ بَينه وَبَين عِيسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام نبيان فَمَا الْجمع بَينهمَا؟ فَأجَاب بقوله: خبر مُسلم أصح من هَذَا القَوْل فليقدم عَلَيْهِ، وعَلى التنزل فَيجمع بِحمْل النَّفْي فِيهِ على أَنه لم يكن بَينهمَا نَبِي مَشْهُور يعرفهُ كل أحد، وَلَا خُصُوصِيَّة لمُسلم بذلك. فقد روى البُخَارِيّ أَيْضا وَأحمد وَأَبُو دَاوُد عَن أبي هُرَيْرَة أَنه ﷺ قَالَ: (أَنا أولى النَّاس بِعِيسَى بن مَرْيَم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلَيْسَ بيني وَبَينه نبيّ والأنبياء أَوْلَاد علاتْ أمهاتهم شَتَّى وَدينهمْ وَاحِد) : أَي فروع شرائعهم مُخْتَلفَة وأصولها متحدة، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَالله أعلم. ٦٠ وَسُئِلَ نفعنا الله بِعُلُومِهِ بِمَا صورته: فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ مُسلم وَأحمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَذكره النَّوَوِيّ فِي أربعينه ومجموعه وَفِي غَيرهمَا وَهُوَ: (وليحدَّ أحدكُم شَفْرتَه وليرح ذَبِيحَته) هَل لفظ النَّبِي ﷺ : (وليرح ذَبِيحَته) أَو فليرح أَو فِيهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا بالوارو وَالْأُخْرَى بِالْفَاءِ، وَهل وجود الْفَاء فِي نُسْخَة أَو نسختين يقْضِي بِأَنَّهُ رِوَايَة يعْتَمد عَلَيْهَا حَتَّى تنظر فِي أَي الرِّوَايَتَيْنِ أظهر معنى أم لَا يقْضِي بذلك فَيحرم جعله رِوَايَة، أَو يجب الانكفاف عَن قرَاءَتهَا وَلَا يخطأ الرَّاد على قَارِئهَا، وَإِذا قُلْتُمْ إِن الْفَاء ثَابِتَة فِي الرِّوَايَة فَهَل هِيَ سَبَبِيَّة أَو لَا، وَهل جعلهَا سَبَبِيَّة أظهر معنى من رِوَايَة الْوَاو أَو لَا، وَإِذا لم يثبتْ أنَّ الْفَاء لَيست فِي الرِّوَايَة فَهَل يجوز قرَاءَتهَا فِي الحَدِيث بِنَاء على أَنَّهَا أكمل معنى من الْوَاو على مَا زَعمه بعض الطّلبَة أَو لَا يجوز ذَلِك مُطلقًا، أفيدونا أثابكم الله الْجنَّة فَالْمَسْأَلَة وَاقعَة حَال، والقَصْدُ الْعلم بالوارد، ليرتفع الْإِشْكَال ويتضح الْحَال وَنَرْجِع إِلَى الْحق فَالْحق أَحَق أَن يتبع؟ فَأجَاب نفعنا الله بِعُلُومِهِ: قد كَشَفْتُ عَن هَذَا الحَدِيث فِي كتب فقهائنا وَغَيرهم مَعَ كثرتهم كَثْرَة مفْرطة جدا، وَكتب متون الْأَحَادِيث سِيمَا المستخرجات على مُسلم وَكتب شروحها مَعَ كثرتهم كَثْرَة كَذَلِك فَرَأَيْت الْكل مطبقين على كِتَابَة الْوَاو فِي (وليرح ذَبِيحَته) بعد نقلهم الحَدِيث عَن مُسلم وَحده تَارَة مَعَ غَيره أُخْرَى، وَلم نر أحدا مِنْهُم عوّل على غير الْوَاو فِي كِتَابه، وَلَا رِوَايَته إِلَّا سعيد بن مَنْصُور فِي (سنَنه) فَإِنَّهُ ذكره بِلَفْظ (ثمَّ ليرح ذَبِيحَته) . وَقد صرح ابْن الصّلاح وَغَيره بِأَن كَثْرَة النّسخ تنزل تَارَة منزلَة التَّوَاتُر، وَتارَة منزلَة الاستفاضَة وَمن الْمَعْلُوم أَن التَّوَاتُر وَلَو معنوياً يُفِيد الْعلم الضَّرُورِيّ، وَأَن الْأُصُولِيِّينَ اخْتلفُوا فِي أَي عدد يُفِيد التَّوَاتُر وَجُمْلَة مَا رَأَيْنَاهُ من الْكتب الَّتِي بِالْوَاو فِي ذَلِك يقرب من أَعلَى مَا قيل فِي حد التَّوَاتُر، إِذا تقرر ذَلِك عُلِم أنَّ رِوَايَة الْوَاو هِيَ الْأَمر الْمُتَيَقن الضَّرُورِيّ الَّذِي لَا شكّ فِيهِ وَلَا مرية، فَلَا يحْتَاج بعد ذَلِك إِلَى الْبَحْث عَنْهَا، وَأما الْفَاء فَلم أرَ من ذكرهَا صَرِيحًا وَلَا إِشَارَة، وَلَكِن السَّائِل ذكر أَنَّهَا فِي نُسْخَة أونسختين، وَمن الْمَعْلُوم أَن وجودهَا فِيمَا ذكر من غير أَن يُوجد فِيهَا وصف الصِّحَّة الْمُتَعَيّن الْمَعْلُوم مِمَّا يَأْتِي لَا يسوغ اعْتِقَاد كَونهَا رِوَايَة بِالْإِجْمَاع كَمَا حَكَاهُ غير وَاحِد من الْأَئِمَّة: مِنْهُم الزين الْعِرَاقِيّ حَيْثُ قَالَ: نَقْل الْإِنْسَان مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ رِوَايَة غير سَائِغ بِالْإِجْمَاع عِنْد أهل الدِّرَايَة. وَمِنْهُم الْحَافِظ ابْن حبر الأشبيلي الْمَالِكِي خَال الْحَافِظ السُّهيْلي صَاحب (الرَّوْض) ، فَإِنَّهُ قَالَ: اتّفق الْعلمَاء على أَنه لَا يَصح لمُسلم أَن يَقُول: قَالَ النَّبِي ﷺ كَذَا حَتَّى يكون عِنْده ذَلِك القَوْل مروياً وَلَو على أقل وُجُوه الرِّوَايَات، ويوافق ذَلِك ويشرحه قَول بعض الْحفاظ إِن الْمُحدثين لَا يلتفتون إِلَى صِحَة النُّسْخَة إِلَّا أَن يَقُول الرَّاوِي أَنا أروي أَي مَا فِيهَا بسندي الْمُتَّصِل؛ قَالَ بعض الْحفاظ بعد حكايته ذَلِك: وَأهل الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب هم أهل الْفَنّ على الْحَقِيقَة انْتهى. وَقد ظَفرت عَن إِمَام الْأَئِمَّة مَالك ﵁ بِمَا يُؤَيّد ذَلِك، فقد حكى جمَاعَة من أَئِمَّة النَّقْل عَن ابْن عبد الحكم عَن أَشهب: قَالَ: سَأَلت مَالِكًا أيؤخذ الْعلم عَمَّن لَا يحفظ وَهُوَ ثِقَة صَحِيح؟ قَالَ: لَا، قلت لَهُ: أَن يخرِّج كِتَابه وَيَقُول هُوَ سَمَاعي؟ قَالَ: أما أَنا فَلَا أرى أَن يحمل عَنهُ فَإِنِّي لَا آمن أَن يُكْتب فِي كِتَابه مَا لَيْسَ مِنْهُ بِاللَّيْلِ وَهُوَ لَا يدْرِي انْتهى. وَوَافَقَهُ على ذَلِك بعض الشَّافِعِيَّة، لَكِن الْمُعْتَمد عِنْد الْجُمْهُور جَوَاز الِاعْتِمَاد على الأَصْل المسموع الْمَحْفُوظ، وَإِن لم تَتَعَدَّد أُصُوله الَّتِي قوبل عَلَيْهَا كَمَا يَأْتِي عَن النَّوَوِيّ وَابْن الصّلاح رحمهمَا الله، وَإِنَّمَا سُقتُ مَعَ ذَلِك كَلَام مَالك لِأَنَّهُ صَرِيح فِي الْمَنْع فِي مَسْأَلَتنَا وَالتَّشْدِيد على من اعْتمد مُجَرّد الْوُجُود فِي نسختين مثلا؛ ويوافق ذَلِك وَلَعَلَّ الأَصْل فِيمَا قَالَه مَالك
стр. 63
رَضِي الله عَنهُ، مَا أخرجه الْخَطِيب عَن ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ أَن عمر ﵁ قَالَ: إِذا وجد أحدكُم كتابا فِيهِ علم لم يسمعهُ عَن عَالم فليدّع بِإِنَاء وَمَاء فلينقَعْه فِيهِ حَتَّى يخْتَلط سوَاده فِي بياضه، هَذَا كُله فِيمَا إِذا اعْتمد فِي كَون ذَلِك رِوَايَة على مُجَرّد وجوده فِي نُسْخَة مثلا فَلَا يجوز ذَلِك، لِأَن الرِّوَايَة لَا تثبت بذلك كَمَا يَأْتِي التَّصْرِيح بِهِ أَيْضا عَن غير وَاحِد، أما إِذا ذكر ذَلِك لَا على جِهَة الرِّوَايَة وَلَا على جِهَة الْجَزْم بل على جهةِ الوِجَادة فَإِن ذَلِك يجوز كَمَا صَرَّحُوا بِهِ حَيْثُ قَالُوا: مَا وُجِد فِي نُسْخَة من تَصْنيف، فَإِن وثِق بِصِحَّة النُّسْخَة بأنْ قابلها المصنفُ أوثقه غيرَه بِالْأَصْلِ، أَو بفرع مُقَابل بِالْأَصْلِ وَهَكَذَا جَازَ الْجَزْم بنسبتها إِلَى صَاحب ذَلِك الْكتاب، وإنْ لم يوثق بِصِحَّة تِلْكَ النُّسْخَة لم يجْزم بنسبتها إِلَيْهِ بل يُقَال بَلغنِي عَن فلَان أَنه ذَكَر كَذَا أَو وجِد فِي نُسْخَة من الْكتاب الْفُلَانِيّ كَذَا، وَمَا أشبه ذَلِك من الْعبارَات الَّتِي لَا تَقْتَضِي الْجَزْم، نعم يجوز ذَلِك للْعَالم الفَطِن الَّذِي لَا يخفى عَلَيْهِ فِي الْغَالِب مَوَاضِع الْإِسْقَاط والسقط وَمَا أُحِيل عَن جِهَته، وَقَالُوا أَيْضا: إِن نسخ صَحِيح التِّرْمِذِيّ كَثِيرَة الْخلاف فِي الحكم على الحَدِيث فَفِي بَعْضهَا حسن صَحِيح وَفِي أُخْرَى صَحِيح غَرِيب، وَإِذا أُرِيد نِسْبَة شَيْء مِنْهَا لِلتِّرْمِذِي لم يجز الْجَزْم بنسبتها إِلَيْهِ إِلَّا إِذا رأى فِي نُسْخَة صَحِيحَة مُقَابلَة على أصل مُعْتَبر. وَفِي (شرح الْمُهَذّب) مَا ملخصه: لَا يجوز الِاعْتِمَاد على كتاب إِلَّا إِذا وثق بِصِحَّتِهِ فَإِن وجد مِنْهُ نُسْخَة غير مُعْتَمدَة فلتستظهر بنسخ مِنْهُ متفقة، وإنْ لم يُوجد غير تِلْكَ النُّسْخَة الْغَيْر الْمُعْتَمدَة. قَالَ ابْن الصّلاح: فَإِن أَرَادَ حكايته عَن قَائِله فَلَا يقل قَالَ فلَان كَذَا وَليقل وجدت عَن فلَان كَذَا، وَبَلغنِي عَنهُ وَنَحْو ذَلِك، هَذَا إِن كَانَ أَهلا للتخريج، وَإِلَّا لم يجزْ لَهُ ذَلِك فَإِن سَبيله النَّقْل الْمَحْض، وَلم يحصل لَهُ مَا يجوز لَهُ ذَلِك، نعم إِن ذكره مُفْصِحاً بحالته، فَقَالَ: وجدته فِي نُسْخَة من الْكتاب الْفُلَانِيّ وَنَحْو ذَلِك جَازَ انْتهى. قَالَ ابْن الصّلاح أَيْضا: وَقد تسَامح كَثِيرُونَ بِإِطْلَاق اللَّفْظ الْجَازِم فِي ذَلِك من غير تحرِّ وَلَا تثبت فيطالع أحدهم كتابا مَنْسُوبا إِلَى مُصَنف معِين وينقل عَنهُ من غير أَن يَثِق بِصِحَّة النُّسْخَة قَائِلا عَن فلَان كَذَا وَنَحْو ذَلِك، وَالصَّوَاب أَن ذَلِك لَا يجوز انْتهى. قَالَ بعض الْحفاظ: ويلتحق بذلك مَا يُوجد بحواشي الْكتب من الْفَوَائِد والتقييدات وَنَحْوهَا فَإِن كَانَت بِخَط مَعْرُوف فَلَا بَأْس بنقلها وعزوها إِلَى من هِيَ لَهُ، وَإِلَّا فَلَا يجوز اعتمادها إِلَّا لعالم متقن. وَقَالَ ابْن الصّلاح أَيْضا مَا ملخصه: لَا يجوز لأحد أَخذ حَدِيث من كتاب مُعْتَمد لعمل أَو احتجاج إِلَّا بعد مُقَابلَته على أصُول مُتعَدِّدَة وَقد تكْثر تِلْكَ الْأُصُول الْمُقَابل بهَا كَثْرَة تَنْزِل منزلَة التَّوَاتُر أَو الاستفاضة، وَخَالفهُ النَّوَوِيّ فَقَالَ: لَا يشْتَرط تعدد الْأُصُول بل يَكْفِي الْمُقَابلَة على أصل وَاحِد لَكِن بِشَرْط أَن يكون صَحِيحا مُعْتَمدًا أَي بِأَن يُقَابل على أصل صَحِيح وَهَكَذَا إِلَى الْمُؤلف. وَكَلَام ابْن الصّلاح مُوَافق لَهُ على عدم اشْتِرَاط تعدد الأَصْل الْمُقَابل عَلَيْهِ إِذا كَانَ النَّقْل مِنْهُ للرواية، وَالْفرق أَن الْعَمَل والاحتجاج يحْتَاط لَهما أَكثر. وَقَالَ ابْن برهَان: ذهب الْفُقَهَاء كَافَّة إِلَى أَنه لَا يتَوَقَّف الْعَمَل بِالْحَدِيثِ على سَمَاعه، بل إِذا صحت عِنْده النُّسْخَة من الصَّحِيحَيْنِ مثلا أَو من (السّنَن) جَازَ لَهُ الْعَمَل بهَا وَإِن لم يسمع، ومِنْ هَذَا وَمَا قَبْله تعين حَمْلُ اشْتِرَاط ابْن الصّلاح للتعدد على الِاسْتِحْبَاب كَمَا قَالَه جمَاعَة. فَإِن قلت: حِكَايَة ابْن برهَان إِجْمَاع الْفُقَهَاء تخَالف حِكَايَة الْإِجْمَاع السَّابِق أَولا. قلت: لَا مُنَافَاة لِأَن مَا هُنَا فِي مُجَرّد الاستنباط من الحَدِيث فَلَا يشْتَرط فِيهِ سَماع، بل صِحَة الأَصْل الْمَنْقُول عَنهُ، وَمَا مر فِيمَن أَرَادَ رِوَايَته بِمُجَرَّد وجوده فِي كتاب من مسموعاته من غير أَن يصحح أصُول سَمَاعه بِهِ وَلَا يتَيَقَّن أَنه سَمعه من شَيْخه فَهَذَا هُوَ محمل إِطْلَاقهم السَّابِق عدم الْجَوَاز، هَذَا مَا يتَعَلَّق بِحكم الْوَاو وَالْفَاء من حَيْثُ النَّقْل. وَحَاصِله: أَن الْوَاو ضَرُورِيَّة الثُّبُوت رِوَايَة وَعَملا واحتجاجاً، وَأَن الْفَاء إنْ صحتْ النسخةُ الَّتِي وجدتْ فِيهَا بِأَن قابلها خَبِير ثِقَة على أصل مُعْتَمد، بِأَن صَححهُ حَافظ ثِقَة، جَازَ الِاعْتِمَاد عَلَيْهَا عملا، وَكَذَا رِوَايَة إِن رَآهَا فِي أَصله الْمَحْفُوظ عِنْده الْمُقَابل كَمَا ذكره، أَو سَمعهَا من لفظ شيخ لَهُ خبْرَة بِالْحَدِيثِ متْنا وإسناداً، فإنْ فقد بعض هَذِه الشُّرُوط لم تجز قرَاءَتهَا على أَنَّهَا من الحَدِيث وَلَا الْجَزْم بِأَنَّهَا فِي كتاب مُسلم، وَإِنَّمَا الَّذِي يجوز فِي ذَلِك أَن يَقُول: رأيتُ أَو وجدتُ فِي بعض نسخ مُسلم كَذَا بِالْفَاءِ. إِذا تقرر ذَلِك فَمَعْنَى الْوَاو وَاضح جليّ لقَوْله ﷺ : (وَإِذا ذبحتم فَأحْسنُوا الذبْحَة) أَو (الذّبْح) وَهَذَا يَشْمَل الْإِحْسَان بِالْحَدِّ وَالْإِحْسَان بالإراحة وَالْإِحْسَان بِغَيْرِهِمَا كالتوجيه للْقبْلَة، وَالتَّسْمِيَة، وَنِيَّة التَّقَرُّب بذبحها إِلَى الله وَالِاعْتِرَاف لله تَعَالَى بالمنة وَالشُّكْر على هَذِه النِّعْمَة، وَهِي إجلاله
стр. 64
وتسخيره تَعَالَى لنا مَا لَو شَاءَ حَرَّمه وسلطه علينا، فَلَمَّا شَمَلَ الأمرُ بِالْإِحْسَانِ جَمِيع مَا ذكر وغيرَه كَمَا صَرَّحُوا بِهِ عطف عَلَيْهِ بعض مَا شَمله، وَهُوَ الْأَمر بِالْحَدِّ وَالْأَمر بالإراحة لبَيَان أَنَّهُمَا من أهم وُجُوه الْإِحْسَان. وَأما الْعَطف بِالْفَاءِ فِي (فليرح) فَلَا يَصح صناعَة لما علم مِمَّا قَرّرته أَن عطف ليحد وليرح) على فَأحْسنُوا عطف خَاص على عَام، وَقد صَرَّحُوا فِي عطف الْخَاص على الْعَام وَعَكسه بِأَنَّهُ لَا يجوز إِلَّا بِالْوَاو وَكَذَا حَتَّى فِي الأول، وَأَيْضًا ليرح لَيْسَ مَعْطُوفًا على ليحد بل على أَحْسنُوا لِأَن الْعَطف إِنَّمَا هُوَ على الأول، وَإِذا كَانَ مَعْطُوفًا على أَحْسنُوا كَانَ بِالْوَاو نَظِير مَا قبله وَهُوَ وليحد، وَأما عطف أَحدهمَا بِالْفَاءِ وَالْآخر بِالْوَاو مَعَ أَن كلا مِنْهُمَا نِسْبَة وَاحِدَة بِالنِّسْبَةِ للمعطوف عَلَيْهِ فَهُوَ بعيد من الصِّنَاعَة فضلا عَن البلاغة، على أنَّ فِي عطف فليرح على وليحد إِيهَام خلاف الْمَقْصُود من ذَلِك السِّيَاق، وَهُوَ أعنى ذَلِك الْإِيهَام أَن الْأَمر بالإراحة لَيْسَ متسبباً إِلَّا عَن الْأَمر بِالْحَدِّ وَهَذَا غير مُرَاد، وَإِنَّمَا الْأَمر بالإراحة المتسببة عَن الْحَد وَغير المتسببة عَنهُ كالسابقة عَلَيْهِ بِأَن لَا يَفْعَله بمقابلتها وأنْ لَا يَسُوقهَا إِلَى المذبح بعنف، وَأَن يَسْقِيها عِنْد الذّبْح، وَأَن لَا يَسْلَخْها حَتَّى تبرد وَغير ذَلِك، فَهَذَا كُله من الإراحة الَّتِي لَا تتفرع على الْحَد وَلكنه من الإراحة الَّتِي هِيَ من جملَة إِحْسَان الذّبْح، فَتعين عطف وليرح بِالْوَاو على فَأحْسنُوا ليُفِيد ذَلِك صَرِيحًا بعد استفادته من أَحْسنُوا ضِمْناً، وَامْتنع عطفه بِالْفَاءِ صناعَة كَمَا مر وَكَذَا معنى كَمَا قَرّرته. فَإِن قلت: هَل يَصح الْعَطف بِالْفَاءِ على أَنَّهَا لمُجَرّد الْعَطف بِدَلِيل رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور فِي سنته إِذْ فِيهَا الْعَطف بثم؟ قلت: فرق ظَاهر بَين الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِن رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور لَيْسَ فِيهَا أَمر بِالْإِحْسَانِ الْعَام حَتَّى يكون عطف الْأَمر بِالْحَدِّ وَالْأَمر بالإراحة من عطف الْخَاص على الْعَام فِيهَا، وَإِنَّمَا فِيهَا الِابْتِدَاء بِالْأَمر بِالْحَدِّ ثمَّ بالإراحة، فالعطف بثم حينئذٍ لَا امْتنَاع فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ من عطف خَاص على عَام بِخِلَافِهِ فِي رِوَايَة مُسلم فَإِن فِيهَا الْأَمر بِالْإِحْسَانِ أوّ لَا وَهُوَ عَام ثمَّ عطف عَلَيْهِ بعض أَجْزَائِهِ وَهُوَ الْأَمر بِالْحَدِّ والإراحة، فامتنعت الْفَاء فِيهِ لما تقرر أَن عطف الْخَاص على الْعَام لَا يكون إِلَّا بالواور وَحَتَّى، وَلَا يجوز أَن يكون بِغَيْرِهِمَا فَتَأمل ذَلِك فَإِنَّهُ مهمّ. فَإِن قلت: هَل يُمكن للفاء وَجه لَو جَاءَت رِوَايَة؟ قلت: الْآن نَحن على ظن قوي أَو يَقِين أَنَّهَا لَيست رِوَايَة، فَإِن فرض أمكن تخريجها على أَنَّهَا أجريت مجْرى الْوَاو مجَازًا وَعَلِيهِ خرج قَوْله: بَين الدُّخُول فحومل وَإِن كَانَ الْوَجْه خِلَافه فَإِن قلت: هَل يَصح مَا فِي رِوَايَة مُسلم أَن يكون من عطف المفصَّل على المُجْمل نَحْو تَوَضَّأ فَغسل وَجهه إِلَى آخِره؟ قلت: لَا، لِأَن شَرط هَذَا أَن يستوعب التفصيلُ أجزاءَ المُجْمل وَالْأَمر بِالْإِحْسَانِ أَعم مِمَّا بعده كَمَا تقرر فَلم يَصح أَن يكون مَا بعده تَفْصِيلًا لَهُ، وَمعنى (إِذا ذبحتم) فِي الحَدِيث إِذا أردتم الذّبْح، وَالله أعلم. وَلما بلغ بعض المنازعين هَذَا الْجَواب اعْتَرَضَهُ بأنّ عطف الْعَام على الْخَاص الْمُقْتَضِي لتعين الْوَاو خَاص بعطف الْمُفْردَات فَرفع هَذَا السُّؤَال لسيدنا الْعَلامَة الْمُجيب عَن السُّؤَال آنِفا وَهُوَ: مَا قَوْلكُم رَضِي الله عَنْكُم: فِي عطف الْخَاص على الْعَام وَعَكسه هَل يخْتَص بالمفردات أَو لَا بينوا مثل ذَلِك مَعَ الْبسط أثابكم الله الْجنَّة؟ فَأجَاب: زَاده الله نورا، بقوله: لَا يخْتَص كل مِنْهُمَا بالمفردات، بل يَأْتِي فِيهَا وَفِي الْجمل كَمَا صرح بِهِ أَئِمَّة من النُّحَاة، والأصوليين، والمفسرين، وَالْفُقَهَاء، كالفراء، وَأبي حَيَّان والبيضاوي وشراح البُخَارِيّ وَغَيرهم، فَمن الأول قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِ الْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمرَان: ١٠٤] . قَالَ الْبَيْضَاوِيّ: وَالدُّعَاء إِلَى الْخَيْر يعمّ الدُّعَاء إِلَى مَا فِيهِ صَلَاح ديني أَو دُنْيَوِيّ وَعطف الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر عَلَيْهِ أَي على الدُّعَاء للخير عطف الْخَاص على الْعَام للإيذان بفضله. وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلَواةَ وَآتَوُاْ الزَّكَواةَ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٧٧] الْآيَة. قَالَ الْبَيْضَاوِيّ: عطفها على مَا يعمها لإفاقتها على سَائِر الْأَعْمَال الصَّالِحَة. وَقَوله تَعَالَى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ [الْبَقَرَة: ٤٩] هُوَ من ذَلِك أَيْضا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْفراء وَأقرهُ أَبُو حَيَّان. قَالَ: وَزعم أَن هَذِه الْوَاو هُنَا زَائِدَة لحذفها فِي آيَة الْبَقَرَة ضَعِيف. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ١٥١] هُوَ من ذَلِك أَيْضا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْضَاوِيّ. وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ [الْبَقَرَة: ٣٠] هُوَ من ذَلِك أَيْضا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو حَيَّان بجعله السفك من بعض أَنْوَاع الْفساد. وَقَوله: إِن يفْسد لَا عُمُوم فِيهِ إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ تَوْجِيه الِاحْتِيَاج إِلَى ذكر سفك الدِّمَاء، وَلَا يمْنَع ذَلِك من عطف الْخَاص على
стр. 65
الْعَام بِدَلِيل تصريحه بِهِ فِي غير ذَلِك، وَلِأَن النُّحَاة لَا يُرِيدُونَ بِالْعَام وَالْخَاص المبحوث عَنْهُمَا فِي فن الْأُصُول، بل أَن الثَّانِي دَاخل فِي الأول وَلَو بطرِيق الْبَدَل لَا الشُّمُول فالعام عِنْدهم يَشْمَل الْمُطلق عِنْد الْأُصُولِيِّينَ، وَتَفْسِير الْفساد فِي الْآيَة بالشرك غير مَشْهُور فَلَا يعول عَلَيْهِ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأٌّرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ٣٣] من ذَلِك أَيْضا كَمَا صرح بِهِ قَول أبي حَيَّان وآثر الْفِعْل فِي قَوْله: (وَأعلم) لتَكون جملَة معلقَة مَقْصُودَة بالعامل فَلَا يكون معمولها مندرجاً تَحت الْجُمْلَة الأولى وَهُوَ يدل على الاهتمام بالإخْبَار أَو جعل الخ لَعَلَّ أَو بِمَعْنى حَتَّى مُفردا بعامل غير الْعَامِل الأول، وَيُؤَيِّدهُ تَفْسِير جمع لغيب السَّمَوَات بِأَنَّهُ مَا قَضَاهُ من أُمُور خَلْقِه ولغيب الأَرْض، بِأَنَّهُ مَا فَعَلُوهُ فِيهَا بعد الْقَضَاء وَمَا أبْدُوه وَمَا كتموه من جملَة ذَلِك، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلواةَ وَآتُواْ الزَّكَواةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [الْبَقَرَة: ٤٣] كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو حَيَّان أَيْضا بقوله: يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ رُكُوع الصَّلَاة وَأمرُوا بذلك، وَإِن كَانَ الرُّكُوع مندرجاً فِي الصَّلَاة الَّتِي أمروا بإقامتها لِأَن صلَاتهم لَا رُكُوع فِيهَا، أَي على أحد الْقَوْلَيْنِ فنبه بِالْأَمر على أَن ذَلِك فِي صَلَاة الْمُسلمين. قَالَ: وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِالرُّكُوعِ الانقياد والخضوع أَي فَيكون من عطف الْعَام على الْخَاص. وَقَول تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأٌّرْضِ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٧] أَشَارَ الْبَيْضَاوِيّ إِلَى أَن الْأَخير من عطف الْخَاص على الْعَام لِأَنَّهُ فسر مَا قبله بِمَا يعمه وَغَيره، وَخَالفهُ أَبُو حَيَّان فَجعل ذَلِك من عطف الْعَام على الْخَاص حَيْثُ قَالَ: وترتيب هَذِه الصلات فِي نِهَايَة من الْحسن لِأَنَّهُ بَدَأَ أوّ لَا بِنَقْض الْعَهْد وَهُوَ أخص هَذِه الثَّلَاثَة ثمَّ بِمن يقطع مَا أَمر الله بوصله، وَهُوَ أَعم، ثمَّ أَتَى ثَالِثا بِالْفَسَادِ الَّذِي هُوَ أَعم من الْقطع. وَقَوله تَعَالَى: ﴿اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ﴾ [آل عمرَان: ٢٠٠] جعله الْبَيْضَاوِيّ من ذَلِك حَيْثُ قَالَ: ف (اصْبِرُوا) على مشاق الطَّاعَات وَمَا يُصِيبكُم من الشدائد (وَصَابِرُوا) أَي غالبوا أَعدَاء الله بِالصبرِ على شَدَائِد الْحَرْب، ثمَّ قَالَ: وتخصيصه بعد الْأَمر بِالصبرِ مُطلقًا لِشِدَّتِهِ. وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَلْيَتَّقُواّ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النِّسَاء: ٩] ، وَالثَّانِي من جملَة الأول الَّذِي هُوَ التَّقْوَى، وَقَوله تَعَالَى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِ الْحَقِّ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمرَان: ٤] جعله الْبَيْضَاوِيّ من عطف الْعَام على الْخَاص فَقَالَ: ذكر ذَلِك بعد ذكر الْكتب الثَّلَاثَة ليعم مَا عَداهَا كَأَنَّهُ قَالَ: وَأنزل سَائِر مَا يفرق بِهِ بَين الْحق وَالْبَاطِل، وروى البُخَارِيّ فِي حَدِيث جِبْرِيل قَالَ: (فَأَخْبرنِي عَن الأسلام قَالَ: أَن تعبد الله وَلَا تشرك بِهِ شَيْئا، وتقيم الصَّلَاة، وتؤتى الزَّكَاة، وتصوم رَمَضَان) قَالَ الْعَيْنِيّ فِي شَرحه: وتقيم الصَّلَاة إِلَخ من عطف الْخَاص على الْعَام أَي وَمثله حَدِيث الشَّيْخَيْنِ: (أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله دلَّنِي على عمل إِذا عملته دخلت الْجنَّة قَالَ: تعبد الله وَلَا تشرك بِهِ شَيْئا، وتقيم الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة، وَتُؤَدِّي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة، وتصوم رَمَضَان) الحَدِيث. وروى البُخَارِيّ وَغَيره فِي خِصَال الْمُنَافِق (إِذا اؤتمن خَان، وَإِذا حدث كذب، وَإِذا عَاهَدَ غدر، وَإِذا خَاصم فجر) . قَالَ الْعَيْنِيّ: إِذا عَاهَدَ غدر دَاخل فِي قَوْله: إِذا اؤتمن خَان، وَإِذا خَاصم فجر دَاخل فِي قَوْله: إِذا حدث كذب. وروى التِّرْمِذِيّ أَنه ﷺ قَالَ: (صلوا خمسكم وشهركم، وَأَطيعُوا مَا آمركُم بِهِ تدْخلُوا جنَّة ربكُم) وَهَذَا من عطف الْعَام على الْخَاص والأمثلة فِي الْقسمَيْنِ كَثِيرَة جدا، وَفِي هَذَا الَّذِي تيَسّر الْآن كِفَايَة، وَالله أعلم. ثمَّ كتب إِلَيْهِ بَعضهم مَا صورته: لَو قَالَ قَائِل: قد ذكر مَوْلَانَا فِي جَوَابه مَا نَصه: وَقد صرح ابْن الصّلاح وَغَيره بِأَن كَثْرَة النّسخ تنزل منزلَة التَّوَاتُر وَتارَة منزلَة الاستفاضة، وَمن الْمَعْلُوم أَن التَّوَاتُر وَلَو معنوياً يُفِيد الْعلم الضَّرُورِيّ، وَأَن الْأُصُولِيِّينَ اخْتلفُوا فِي أَي عدد يُفِيد التَّوَاتُر، وَجُمْلَة مَا رَأَيْنَاهُ من الْكتب الَّتِي بِالْوَاو فِي ذَلِك تقرب من أَعلَى مَا قيل فِي حد التَّوَاتُر، إِذا تقرر ذَلِك علم أَن رِوَايَة الْوَاو هِيَ الْأَمر الْمُتَيَقن الضَّرُورِيّ الَّذِي لَا شكّ فِيهِ وَلَا مرية، فَلَا يحْتَاج بعد ذَلِك إِلَى الْبَحْث عَنْهَا انْتهى كَلَام مَوْلَانَا. وَمن الْمَعْلُوم أَن التَّوَاتُر الَّذِي يُفِيد الْعلم الضَّرُورِيّ هُوَ مَا كَانَ متواتراً فِي كل طبقَة، وَأَنه لَا يَكْفِي احْتِمَال تواتره وَلَا ظَنّه إذْ الْمَشْكُوك والمظنون لَا ينْتج الْقطع، فَقَوْل ابْن الصّلاح: إِن كَثْرَة النّسخ تنزل منزلَة التَّوَاتُر، يجب حمله على كَثْرَة النّسخ فِي سَائِر الطَّبَقَات أَو كَلَامه فِيمَا إِذا لم تكن إِلَّا طبقَة وَاحِدَة، وَإِلَّا فَلَو تعدَّدَتْ الطَّبَقَات، وفقدت الْكَثْرَة فِي بعض الطَّبَقَات فَلَا وَجه لتنزيلها منزلَة التَّوَاتُر فِي إِفَادَة الْعلم الضَّرُورِيّ، مَعَ أَن الْمُتَوَاتر نَفسه إِذا فقد تواتره فِي بعض الطَّبَقَات لَا يُفِيد الْعلم الضَّرُورِيّ، وَمن الْمَعْلُوم أَن الْجُمْلَة المروية
стр. 66
بِالْوَاو الْمشَار إِلَيْهَا لَيست فِي جَمِيع الطَّبَقَات، وَأَنه لَا يلْزم من كثرتها كَثْرَة بَقِيَّة الطَّبَقَات، لجَوَاز أَن تكون بعض الطَّبَقَات الَّتِي قبل هَذِه لم تبلغ من الْكَثْرَة بِحَيْثُ تنزل منزلَة التَّوَاتُر، وَمُجَرَّد الِاحْتِمَال وَالظَّن لَو فرض لَا يَكْفِي، فَلَا بُد من إِثْبَات الْكَثْرَة فِي بَقِيَّة الطَّبَقَات أَو إِثْبَات أنَّ جَمِيع هَذِه الْكتب أُخِذَتْ من مُسْلم، وَلَا يَكْفِي مُجَرّد دَعْوَى ذَلِك وَلَا دَعْوَى أَنه حصل لنا الْعلم الضَّرُورِيّ وَهُوَ آيَة حُصُول ذَلِك، لِأَن الْعلم الضَّرُورِيّ الْحَاصِل بِوَاسِطَة الْكَثْرَة لَا يخْتَص مَعَ أَنه على هَذَا يكون حُصُول الْعلم الضَّرُورِيّ دَلِيل التَّوَاتُر، وَالْمَذْكُور فِي الْجَواب الْعَكْس على أَن دَعْوَى ذَلِك لَا تسري إِلَّا على الْخصم الْمَانِع، فَقَوْل مَوْلَانَا إِذا تقرر ذَلِك علم أَن رِوَايَة الْوَاو هِيَ الْأَمر الْمُتَيَقن الضَّرُورِيّ الَّذِي لَا شكّ فِيهِ وَلَا مرية فَلَا يحْتَاج بعد ذَلِك إِلَى الْبَحْث عَنْهَا مَمْنُوع فَمَا يكون جَوَابا لهَذَا الْقَائِل؟ فَأجَاب أَيْضا نفعنا الله بنوره، بقوله: إِن المحدّثين أثبتوا أَن هَذِه الْكتب نُقِلَتْ عَن أَصْحَابهَا تواتراً وَأَن ذَلِك التَّوَاتُر مُسْتَمر فِي جَمِيع الطَّبَقَات إِلَى وقتنا هَذَا، وَنحن لم ندّع الْعلم فِي نسبتها للنَّبِي ﷺ بل فِي نسبتها لمُسلم، وَذَلِكَ مِمَّا لَا مرية فِيهِ، فَإِن مَا رَأَيْنَاهُ من الْكتب مَعهَا كَثْرَة تَامَّة فِي الطَّبَقَة الَّتِي بعد مُسلم وَكَثْرَة كَذَلِك فِيمَن بعدهمْ وَهَكَذَا، ونسخة مُسلم بِمَنْزِلَة نُسْخَة الْأُم أَو الْمِنْهَاج مثلا، فَلَا يسع أحدا أَن يَقُول إِن نِسْبَة ذَلِك لمؤلفيه ظَنِّي، بل لَو جرى جمع من الْمُحدثين على أَن كل مَا فِي (الصَّحِيحَيْنِ) مِمَّا سَلِم من التَعْقيب المعتد بِهِ ضَرُورِيّ النِّسْبَة إِلَى النَّبِي ﷺ ، ووَجهَّوه بِمَا أحْوج إِلَى تكلّف فِي الْجَواب عَنهُ، وَمِمَّا صَرَّحُوا بِهِ أَن التَّوَاتُر قد يحصل لقوم دون قوم، فَنحْن قد حصل لنا الْعلم الضَّرُورِيّ بذلك وَلَا يلْزم مِنْهُ حُصُوله لغيرنا الَّذِي لم يبْحَث كَمَا بحثنا وَلَو بحث أحد كَذَلِك لحصل لَهُ ذَلِك الْعلم، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. ثمَّ كتب إِلَيْهِ ذَلِك الْبَعْض أَيْضا مَا لَفظه: تحيط الْعُلُوم الْكَرِيمَة أدام الله التَّمَتُّع بهَا آمين بِأَنَّهُ لم يكن النزاع إِلَّا فِي صِحَة الْفَاء لَا فِي التَّرْجِيح بَينهَا وَبَين الْوَاو، غَايَة الْأَمر أَن الْفَقِير لما ادّعى صِحَة الْفَاء قَالَ لَهُ المستفتي فِيهَا تكلّف، فَقَالَ لَهُ الْفَقِير: لَا نسلم التَّكَلُّف، بَيِّن وَجْهَه، فَقَالَ بديهي، فَقَالَ لَهُ بَاطِل، هَذَا غَايَة مَا وَقع فِي الْمجْلس بشهادات الْعُدُول الثِّقَات، ثمَّ لَا يخفى أَن الْفَقِير مُجيب فيكفيه الِاحْتِمَال وينفعه الْمَنْع، بِخِلَاف مدعى بطلَان الْفَاء، فَإِنَّهُ مستدل فَيحْتَاج إِلَى الدَّلِيل الحاسم الْمَانِع لصِحَّة الِاحْتِمَال كَمَا تقرر ذَلِك فِي مَحَله، فحاصل مَا يَقُوله الْفَقِير: لَا نسلم عدم صِحَة الْفَاء هُنَا، وَلَا نسلم أَن الْعَطف هَهُنَا يتَعَيَّن أَن يكون من عطف الْخَاص على الْعَام، وَإِنَّمَا يكون من ذَلِك لَو كَانَ المُرَاد بِالْإِحْسَانِ مفهوماً متناولاً لأمور هِيَ تَحْدِيد الشَّفْرَة، وتعجيل إمرارها وتخلية رجلهَا للاضطراب إِلَى غير ذَلِك مِمَّا ذَكرُوهُ فِي معنى الْإِحْسَان، وَكَانَ المُرَاد بالإراحة مفهوماً متناولاً لبَعض تِلْكَ الْأُمُور فَقَط، وَكَانَ قَوْله: (ولْيَحدَّ) وَمَا بعده مَعْطُوفًا على قَوْله: (أَحْسنُوا) وَلَا نسلم أَن شَيْئا من ذَلِك مُتَعَيّن، لم لَا يجوز وُجُوه أُخر مخلصة من هَذَا الْمَحْذُور: مِنْهَا: أَن يكون الْعَطف على أَحْسنُوا، لَكِن يُرَاد بأحسان الذّبْح إِيقَاع الذّبْح على الْوَجْه الحَسَن المتناول لإيقاعه مَعَ تَحْدِيد الشَّفْرَة، ولإيقاعه مَعَ تَعْجِيل إمرارها إِلَى آخِره، وتُجْعل الإراحة عبارَة عَن تَحْدِيد السكين وتعجيل إمرارها وَغير ذَلِك، وَلَا شكّ أَن الْإِحْسَان بِهَذَا الْمَعْنى والإراحة بِهَذَا الْمَعْنى متباينان إذْ الْإِيقَاع الْمَذْكُور لَا يتَنَاوَل التَّحْدِيد، وَلَا تَعْجِيل الإمرار مثلا وإنْ حصل بِهِ، وَكَذَا لَو جعلتْ الإراحة بِمَعْنى جعل الذَّبِيحَة فِي رَاحَة من التعذيب أَو نَحْو ذَلِك يكون مبايناً للإحسان بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور. وَالْحَاصِل أَنه يَصح حمل الْإِحْسَان على الْمَذْكُور، والإراحة على الْمَعْنى الْمَذْكُور، وَبِذَلِك يتباينان فَيصح عطف أَحدهمَا على الآخر بِالْفَاءِ وَلَا يكون من عطف الْخَاص على الْعَام، وَإِمْكَان حملهما على معنى يَقْتَضِي أَن يكون بَينهمَا عُمُوم وخصوص لَا يُوجب الحكم بِفساد الْفَاء مَعَ إِمْكَان الْحمل على غير ذَلِك الْمَعْنى، وَلَا يَكْفِي فِي الِاسْتِدْلَال على الْفساد، أنّ بعضَهم فسرهما بِمَعْنى يَقْتَضِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص، لِأَن تَفْسِيره بذلك لايوجِب فَسَاد التَّفْسِير بِغَيْرِهِ، مَعَ قبُول اللَّفْظ واحتماله، وَنحن فِي مقَام الْمَنْع فَلَا يَكْفِي الِاسْتِدْلَال بتفسير الْغَيْر بل لَا بُدَّ من الدَّلِيل على عدم إِمْكَان هَذَا الْمَعْنى وَعدم صِحَة حمل اللَّفْظ عَلَيْهِ. وَمِنْهَا: أَن تجْعَل الْوَاو فِي (وليحد) للاستئناف كَمَا قيل بذلك فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِى الأٌّرْحَامِ﴾ [الْحَج: ٥] وَقَوله: (فليرح) عطف على (ليحد) لَكِن لَا تفسر الإراحة بِنَفس التَّحْدِيد وتعجيل الإمرار وَغير ذَلِك حَتَّى يكون من عطف الْعَام على الْخَاص، وَهُوَ مُمْتَنع أَيْضا بل بِمَعْنى يتَحَقَّق بِهَذِهِ الْأُمُور كجعلها فِي رَاحَة،
стр. 67
وحينئذٍ لَا يكون من عطف الْخَاص على الْعَام، وَلَا من عطف الْعَام على الْخَاص إذْ جعلهَا فِي رَاحَة مثلا لَيْسَ صَادِقا على التَّحْدِيد وَإِن تحقق بِهِ، فَإِن ادّعى أَن الِاسْتِئْنَاف إِنَّمَا يكون فِي الْإِخْبَار فَلَا يكون فِي الْإِنْشَاء فَلَا بُد من الدَّلِيل لأَنهم أطْلقُوا أَن الْوَاو تكون للاستئناف فَصَرفهُ عَن ظَاهره لَا يسوغ لغير دَلِيل. وَمِنْهَا: أَن الْفَاء فِي (فليرح) للاستئناف فَإِنَّهَا تَرِدُ لَهُ كَمَا قَالَه جمَاعَة، وَجعلُوا مِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [الْبَقَرَة: ١١٧] وَقَوله: ألم تسْأَل الرّبع القواء فينطق وَإِن قَالَ فِي الْمَعْنى: إِن التَّحْقِيق فِي ذَلِك أَن الْفَاء للْعَطْف وَأَن الْمُعْتَمد بالْعَطْف الْجُمْلَة لَا الْفِعْل وَحده لِأَن ذَلِك لَا يمْنَع الْمَسْأَلَة من أَصْلهَا. وَمِنْهَا أَن قَوْله: (فليرح) جَوَاب شَرط مَحْذُوف وَمثل ذَلِك شَائِع ذائع. وَمِنْهَا أَن قَوْله: (ولْيَحَدَّ) لَيْسَ مَعْطُوفًا على (أَحْسنُوا) بل على مَجْمُوع الشّرطِيَّة وَهِي (إِذا ذبحتم فَأحْسنُوا الذبْحَة) بِنَاء على أَن الْكَلَام مَجْمُوع الشّرطِيَّة، وَأَن مضمونها الحكم بِلُزُوم الْجَزَاء للشرطية، وَهُوَ مَا صَوبه السَّيِّد وَغَيره، وَهُوَ مَذْهَب المنطقيين أَيْضا، وَيُوَافِقهُ قَول ابْن هِشَام وَغَيره، إنّ الْكَلَام قد يتركب من جملتين ومَثَّلَ بالشرطية، وَأما مَا وَقع للشَّيْخ سعد الدّين من أَن الْكَلَام هُوَ الْجَزَاء فَقَط، وَالشّرط قيد لَهُ خَارج عَنهُ فَرده السَّيِّد، وَإِذا كَانَ الْعَطف على مَجْمُوع الشّرطِيَّة لم يكن من عطف الْخَاص على الْعَام لِأَن مَضْمُون الشّرطِيَّة لَا يتَنَاوَل المعطوفات الْمَذْكُورَة كَمَا هُوَ ظَاهر، غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه يرد حينئذٍ أَنه يلْزم عطف الْإِنْشَاء على الْخَبَر وَالْجَوَاب أَن ذَلِك لَا يمْنَع الصِّحَّة، لِأَن عطف الْإِنْشَاء على الْإِخْبَار أجَازه كَثِيرُونَ وصوَّبه أَبُو حَيَّان وَغَيره، وَفِي (حَاشِيَة الْكَشَّاف) للتفتازاني عطف الْإِنْشَاء على الْخَبَر كثير وَاقع فِي كَلَامهم، وَلَا يُنَافِيهِ مَا ذكره فِي المطول فِي قَوْله: (وَهُوَ حَسْبِي ونِعْمَ الوَكِيل) لِأَنَّهُ لم يرد بِهِ الِاعْتِرَاض بل تَحْقِيق الْمقَام، كَمَا صرح بِهِ فِي حَاشِيَة لَهُ على هَامِش المطول، وَلِهَذَا ردوا على السَّيِّد حَيْثُ حمل كَلَامه على الِاعْتِرَاض، فَاعْترضَ بِأَنَّهُ حمل الْكَلَام على خلاف مُرَاد قَائِله من غير ضَرُورَة أَو أَن ذَلِك من بَاب عطف الْقِصَّة على الْقِصَّة كَمَا قيل بذلك فِي: وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل، وإنْ توزع بِأَن شَرط ذَلِك تعدد الْجمل فِي الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ، لِأَن هَذِه الْمُنَازعَة على تَسْلِيمهَا لَا تجْرِي هُنَا، وَيَا سُبْحَانَ الله نراهم يوجهون الصِّحَّة فِي مَوَاضِع لَا تحصى مِمَّا هُوَ أدنى من ذَلِك بمراتب عديدة. وعَيْنُ الرِّضَا عَن كل عَيْب كَلِيلَةٌ وَلَكِن عين السُخْطِ تُبدي المساويا ثمَّ رَأَيْت فِي جَوَاب مَوْلَانَا مَا نَصه: فَإِن قلت: هَل يَصح الْعَطف بِالْفَاءِ على أَنَّهَا لمُجَرّد الْعَطف بِدَلِيل رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور فِي (سنَنه) إِذْ فِيهَا الْعَطف بثم. قلت: فرق ظَاهر بَين الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِن رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور لَيْسَ فِيهَا أَمْرٌ بِالْإِحْسَانِ الْعَام حَتَّى يكون فِيهِ عطف الْأَمر بِالْحَدِّ وَالْأَمر بالإراحة من عطف الْخَاص على الْعَام، وَإِنَّمَا فِيهَا الِابْتِدَاء بِالْأَمر بِالْحَدِّ ثمَّ بالإراحة، فالعطف بثم حينئذٍ لَا امْتنَاع فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ من عطف خَاص على عَام، بِخِلَافِهِ فِي رِوَايَة مُسلم فَإِن فِيهَا الْأَمر بِالْإِحْسَانِ أَو لَا وَهُوَ عَام، ثمَّ عطف عَلَيْهِ بعض أَجْزَائِهِ وَهُوَ الْأَمر بِالْحَدِّ والإراحة فامتنعتْ الْفَاء فِيهِ لما تقرر أَن عطف الْخَاص على الْعَام لَا يكون إِلَّا بِالْوَاو، وَحَتَّى، وَلَا يجوز أَن يكون بِغَيْرِهِمَا فَتَأمل ذَلِك فَإِنَّهُ مُهِمّ نَفِيس انْتهى كَلَام مَوْلَانَا. وَفِيه أَمْرَانِ: أَحدهمَا: أَن مَا ذكره فِي السُّؤَال يدل على أَنه يجوز عطف الْخَاص على الْعَام بِالْفَاءِ إِذا كَانَت لمُجَرّد الْعَطف. على أَنهم أطْلقُوا أَن الْفَاء لَا تجوز فِي عطف الْخَاص على الْعَام، فَإِن كَانَ فِي كَلَامهم تَقْيِيد لِامْتِنَاع الْفَاء فِي عطف الْخَاص على الْعَام فَلَا بَأْس بإفادته. وَثَانِيهمَا: أَن رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور وإنْ لم يكن فِيهَا الْأَمر بِالْإِحْسَانِ الْعَام بل الِابْتِدَاء بِالْأَمر بالحدِّ ثمَّ بالإراحة، إِلَّا أَن الإراحة أَعم من الْحَد، فَيلْزم عطف الْعَام على الْخَاص وَهُوَ مُمْتَنع كَعَكْسِهِ، بل هُوَ من خَصَائِص الْوَاو، فَقَوله فالعطف بثم حينئذٍ لَا امْتنَاع فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ من عطف الْخَاص على عَام، يُقَال عَلَيْهِ لكنه من عطف عَام على خَاص وهما سَوَاء فِي الِامْتِنَاع بثم وَالْفَاء، فَإِن ادّعى مَوْلَانَا أَن الإراحة لَيست عَامَّة للتحديد بِأَن يُفَسِّرهَا بِوَجْه لَا يتَنَاوَلهُ كَانَ هَذَا لنا لَا علنيا. فَنَقُول: الْوَاو فِي (وليحد) للاستئناف، وَقَوله: (فليرح) عطف على (وليحد) وَلَا مَحْذُور لِأَنَّهُ لَيْسَ من عطف الْخَاص على الْعَام وَلَا من عَكسه، بل يجوز لنا على قِيَاس هَذَا أَن نفسر الْإِحْسَان بِوَجْه لَا يتَنَاوَل الإراحة، فَلَا يكون متناولاً لَهَا فَيصح عطفها عَلَيْهِ، من غير لُزُوم عطف الْخَاص على الْعَام. فَأجَاب أدام الله النَّفْع بِعُلُومِهِ: لسنا بصدد مَا وَقع وَلَا لنا الْتِفَات إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا نَحن الْآن بصدد بَيَان الْحق فِي هَذِه الْوَاقِعَة مَعَ السَّلامَة بِحَمْد الله
стр. 68
عَمَّا أُشير إِلَيْهِ بإنشاد: وَعين الرِّضَا إِلَخ مِمَّا كَانَ الأولى حمل الْأَمر فِيهِ على السَدَّاد، وَذَلِكَ الْحق هُوَ أَن الْوَاقِع دعوتان متعارضتان، دَعْوَى الْبطلَان وَهِي السَّابِقَة كَمَا قَالَه القارىء، وَدَعوى الصِّحَّة وَهِي الْمُتَأَخِّرَة وَبرهن عَلَيْهَا بِمَا قيل عَنهُ إِنَّه تكلّف، وَأَنت فِي الْحَقِيقَة الْمُسْتَدلّ، وَغَيْرك ادّعى أَولا وَلم يسْتَدلّ لمدعاه فَكل مِنْكُمَا مُدع: على أَن التَّأَخُّر مَعَ الِاسْتِدْلَال فِيهِ شبه غصب للمنصب كَمَا لَا يخفى فنتج أَنَّك مستدل لَا مُجيب، وَأَنه لَا يَكْفِيك الْمَنْع، وعَلى كل فَمثل هَذِه المباحث لَا يُفِيد فِيهَا ذَلِك الِاصْطِلَاح، كَمَا طفحت بِهِ نُصُوص الْأَئِمَّة واستدلالاتهم، وَإِنَّمَا ذَلِك فِي العقليات وَنَحْوهَا، وَلَو سمعنَا فِي الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة مجردِ الْمَنْع لأفضى ذَلِك إِلَى خرق كَبِير إذْ لَا يَنْتَهِي الْأَمر فِيهَا إِلَى مَا يقطع بِفساد الْمَانِع بِخِلَاف العقليات، ثمَّ قَوْلك لم لَا تجوز وُجُوه أُخْرى إِلَى آخِره، يُقَال عَلَيْهِ إِنَّمَا يحْتَاج لتكلف تِلْكَ الْأُمُور لَو صحت رِوَايَة الْفَاء، فَكَانَ تَجْوِيز تِلْكَ مُتَعَيّنا للاضطرار إِلَيْهِ، أما تَجْوِيز وُرُودهَا والتمحل لَهُ بِتِلْكَ التكلفات فَلَا حَاجَة إِلَيْهِ، والمنازعة فِي شَيْء مَعَ ظُهُور المُرَاد مِنْهُ لَيْسَ من دأب المُحصلِّين. على أَنه يلْزم من ذَلِك التجويز مَحْذُور منَاف لما أصلوه وقرروه، هُوَ أَنه لَا يتَحَقَّق لنا عطف خَاص على عَام وَلَا عَكسه لِأَنَّهُ مَا من عَام وخاص إِلَّا وَيُمكن أَن يحمل الْعَام فِيهِ على بعض الْأَفْرَاد الْمُخَالفَة لذَلِك الْخَاص، فَيحصل التباين فَعلمنَا أَن ذَلِك الْحمل غير سَائِغ، وَأَن المُرَاد بِالْعَام وَالْخَاص بِاعْتِبَار مدلولهما الْمُتَبَادر مِنْهُمَا لُغَة فِي كَلَام أهل اللُّغَة، أَو شرعا فِي كَلَام أهل الشَّرْع، وَمَا نَحن فِيهِ إِنَّمَا هُوَ من كَلَام الشَّارِع ﷺ فَلَيْسَ لنا حمله على معنى لغَوِيّ أَو عرفي أَو عَقْلِي، وَإِنَّمَا يحمل على الْمَعْنى الشَّرْعِيّ، وَهُوَ فِي إِحْسَان الذّبْح يَشْمَل مقدماته وذاته ولواحقه، كَمَا صرح بِهِ أهل الشَّرْع، والمعول فِي هَذَا لَيْسَ إِلَّا عَلَيْهِم، فَتعين على كل أحد قَبُوله. وَإِذا كَانَ الْإِحْسَان بِهَذَا الْمَعْنى الشَّرْعِيّ الْمُتَبَادر مِنْهُ عِنْد أَئِمَّة الشَّرْع، ظهر أَنه من عطف الْخَاص على الْعَام، وَأَن تِلْكَ التجويزات لَا تجدي هُنَا شَيْئا، لما تقرر مِمَّا لم يعول فِيهِ على مَحْض تَفْسِير الْبَعْض بل على ذَلِك وَمَا مَعَه مِمَّا يسْتَقلّ بِالْحجَّةِ فِي منع تِلْكَ التجويزات هُنَا، وقولك المتناول لإيقاعه مَعَ التَّحْدِيد، يسْتَلْزم أَن التَّحْدِيد مَأْمُور بِهِ، وَإِلَّا لم تكن لتِلْك الْمَعِيَّة فَائِدَة، وحينئذٍ فَيكون (وليحد) عطف خَاص على عَام وَهُوَ الْمُدعى، وقولك وَتجْعَل الإراحة إِلَخ يلْزم عَلَيْهِ أَن (وليرح) عطف عَام على خَاص بِالنِّسْبَةِ لقَوْله (وليحد) وَهُوَ تَتَعيَّنُ فِيهِ الْوَاو أَيْضا، فَمَا أُرِيد الْفِرَار مِنْهُ حصل الْوُقُوع فِيهِ، وَلَو تمسكنا بقول الْأَئِمَّة تعليلاً فِي ندب التَّحْدِيد والإراحة لِأَنَّهُ من إِحْسَان الذّبْح الْمَأْمُور بِهِ لَكَانَ ذَلِك كَافِيا لنا وشاهدَ صِدْق لَا يقبل الْمَنْع، على أَن مَا فِي الحَدِيث من عطف الْخَاص على الْعَام، وكونك فِي مقَام الْمَنْع، بِأَن أنَّ الْوَاقِع خِلَافه وَأَن مقامك الِاسْتِدْلَال على أَنه لَا يَلِيق بك أَن تَقول إنَّ تَفْسِير أَئِمَّة الشَّرْع مِمَّا يُوجب الْعُمُوم وَالْخُصُوص لَيْسَ دَلِيلا عليّ، ثمَّ رَأَيْت دَلِيلا من السّنة وَاضحا لَا يقبل النزاع على أَن ذَلِك من عطف الْخَاص على الْعَام وَهُوَ حَدِيث مُسْند الدَّارمِيّ وَلَفظه: (حفظتُ من رَسُول الله ﷺ اثْنَتَيْنِ قَالَ: إنَّ الله كتب الإحسانَ على كُلِّ شَيْء، فَإِذا قتلتُمْ فَأحْسنُوا القِتْلة، وَإِذا ذبحتم فَأحْسنُوا الذِّبحة وليحد أحدكُم شفرته ثمَّ ليرح ذَبِيحته) فَقَوله: (اثْنَتَيْنِ) صَرِيح فِي أَن (وليحد، وليرح) داخلان فِي إِحْسَان الذبْحَة الَّذِي هُوَ الْخصْلَة الثَّانِيَة، وَالْأولَى هِيَ إِحْسَان القتلة فِي الْقود وَالْحُدُود فَظهر إِدْخَال (وليحد وليرح) فِي الْعدَد وَإِنَّمَا أُلْغِيا وعَدَّ مَا شملهما وَهُوَ إِحْسَان الذّبْح وَهَذَا صَرِيح فِي عدم مباينتهما الْإِحْسَان، وَإِلَّا لبطل قَول الصَّحَابِيّ اثْنَتَانِ مَعَ أَنه يُرجع إِلَيْهِ لكَونه من أهل اللِّسَان وَالشَّرْع فِيمَا هُوَ أخْفى من ذَلِك فَتَأمل ذَلِك فَإِنَّهُ نَفِيس، وتجويز أَن الْوَاو فِي (وليحد) للاستئناف صَحِيح فِي حد ذَاته لَا هُنَا، لِأَنَّهُ يلْزم عَلَيْهِ أَن الْأَمر بالإحداد لَا بِقَيْد إِرَادَة الذّبْح، وَلَا قَائِل بِهِ فِيمَا نعلم فَتعين بِمُقْتَضى شَهَادَة السِّيَاق وغرض تعليمهم مَا يتَعَلَّق بِإِحْسَان الذّبْح، أَن الْعَطف على (أَحْسنُوا) حَتَّى يكون الْأَمر بالإحداد مُقَيّدا بِإِرَادَة الذّبْح، وَإِنَّمَا صَحَّ الِاسْتِئْنَاف فِي (نُقِّر) وَفِي (فَيكون) لِأَن مَا قبلهَا لَيْسَ شرطا فِي مُفادها فَلَيْسَ نَظِير مَا نَحن فِيهِ، وَهَذَا الَّذِي قَرّرته بِعَيْنِه هُوَ الْمَانِع لصِحَّة كَون الْفَاء فِي فليرح لَو وردتْ للاستئناف لِأَنَّهُ يلْزم عَلَيْهِ الْأَمر بالإراحة لابقيد الذّبْح فَلَا تُمتْهن فِي عمل مَا، وَلَو بِمَا لَا يُتْعبها وَلَا قَائِل بِهِ أَيْضا، وَهُوَ الْمَانِع أَيْضا لصِحَّة عطف (وليحد) على مَجْمُوع جملَة الشَّرْط وَالْجَزَاء على مَا فِيهِ، وَبَيَانه وَاضح مِمَّا تقرر أَنه يلْزم عَلَيْهِ الْأَمر بِمُطلق إحداد الشَّفْرَة، وَمُطلق الإراحة،
стр. 69
وَلَا قَائِل بِهِ فَانْدفع هَذَا وَمَا رتب عَلَيْهِ كَالَّذي قبله، وَلم يحْتَج إِلَى منع تصويب السَّيِّد وَغَيره عطف الْإِنْشَاء على الْخَبَر كَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور، وقولك: نراهم إِلَخ صَحِيح وَلَو وَردت الْفَاء تكلفنا لَهَا أدنى من هَذِه التكلفات كَمَا يعلم مِمَّا يَأْتِي، فَإِذا لم ترد فَلَا حَاجَة إِلَى ذَلِك التَّكَلُّف على أَنه يلْزم عَلَيْهِ إيهامات تنَافِي الحكم الْمُقَرّر، وَكَلَام الْأَئِمَّة كَمَا تقدم فَلم نقل بِصِحَّة الْفَاء. فَإِن قلت: لَا نظر إِلَى تِلْكَ الإيهامات لِأَنَّهَا مَعْلُومَة من أَدِلَّة أُخْرَى خارجية. قلت: لَا عُذْر فِي تكلّف إِخْرَاج دَلِيل عَن ظَاهره لغير مُوجب، وَإِن لم يَتَرَتَّب عَلَيْهِ إِيهَام، فَكيف بِهَذَا الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَيْهِ تِلْكَ الإيهامات، وقولك: وَعين الرِّضَا عَن كل عَيْب، يَدْفَعهُ أَن الله هُوَ المطلع على الْقُلُوب والعالم بحقائق مَا انطوت عَلَيْهِ، يُعَامل كل قلب بِمَا انطوى عَلَيْهِ، ويقصم من أَرَادَ غَيْرَ وَاضح الْحق بِحَسب مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده وتروِّيه، وَمَا ذكر فِي السُّؤَال لَا يدل على ذَلِك صَرِيحًا، لِأَنَّهُ على التنزل على أنَّ مُرادنا بِمُجَرَّد الْعَطف، أَن الْفَاء فِي عطف الْخَاص على الْعَام، وَعَكسه إِذا جعلناها بِمَعْنى الْوَاو وَتجوز أَنَّهَا قد تَأتي بمعناها، وَهَذَا الْقدر كَاف لَك فِي ادِّعَاء صِحَة الْفَاء لَو وردتْ، وقولك: إِلَّا أَن الإراحة أعمّ من الْحَد مَمْنُوع، لِأَن هَذِه الرِّوَايَة لما جاءتْ بثم لزم أَن تفسر الإراحة بِأَمْر يَتَرَتَّب على الْحَد لَا بِمَا يَشْمَل الْحَد، وَلَو وردتْ الْفَاء لَكنا فعلنَا فِيهَا نَظِير ذَلِك كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ، فَمَا ذَكرْنَاهُ فِي السُّؤَال وَالْجَوَاب لَا غُبار عليهِ، على أَنِّي رأيتُ بعد ذَلِك فِي رِوَايَة الدَّارمِيّ الَّتِي قدمتها آنِفا الْعَطف بثم مَعَ ذكر الْأَمر بِالْإِحْسَانِ، وأخذتُ من ذَلِك أَن قَوْلهم بتعين الْوَاو فِي عطف الْخَاص على الْعَام وَعَكسه، إِنَّمَا هُوَ أغلبي وَلَو وَردت الْفَاء لجعلناه بِمَعْنى الْوَاو كَمَا مر، أَو من غير الْغَالِب كَمَا جعلنَا ثمَّ كَذَلِك. وَقد يُقَال لَا يلْزم من تجويزهم ثُمَّ لما دلّت عَلَيْهِ رِوَايَة الدَّارمِيّ تَجْوِيز الْفَاء فَالْأَصْل امتناعها حَتَّى ترد هِيَ، فيستفاد أَن عطف ذَيْنك تجْرِي فِيهِ الْفَاء كَمَا جرت فِيهِ ثمَّ، وَالظَّاهِر أَن أَئِمَّة النَّحْو لم يحيطوا بِرِوَايَة الدَّارمِيّ، فَهِيَ وَارِدَة عَلَيْهِم إِلَّا أَن يجيبوا بِمَا قَدمته، وَلَا يلْزم مِنْهَا تَجْوِيز الْفَاء كَمَا تقرر فَتَأمل ذَلِك كُله وَالله أعلم، وَيهْدِي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم، وَكتب ذَلِك على عجل وَنحن بِالْمَسْجِدِ فَإِن أشكل فِيهِ شَيْء فَلَا بَأْس بالمراجعة، فَإِن الْقَصْد بِشَهَادَة الله تَعَالَى وَكفى بِهِ شَهِيدا، إِظْهَار الْحق لَا غير، وفقنا الله أَجْمَعِينَ لطاعته آمين. ثمَّ كتب إِلَيْهِ مَا صورته: أَطَالَ الله بَقَاء مَوْلَانَا قد وقفنا على جَوَابه الشريف وإذنه فِي مُرَاجعَته فِيمَا أشكل علينا مِنْهُ، وَمِنْه يُؤْخَذ الْإِذْن فِي مُرَاجعَته فِيمَا أشكل من غير هَذَا الْجَواب أَيْضا، وَقد أشكل على الْفَقِير لقصوره وتقصيره أَشْيَاء من هَذَا الْجَواب، وَمن غَيره، فَأَما مَا أشكل من غَيره فَهُوَ أَن مَوْلَانَا اسْتدلَّ على أنَّ الْوَاو أَمر مُتَيَقن ضَرُورِيّ لَا شكّ فِيهِ بِكَثْرَة النّسخ، فَإِنَّهَا قد تنزل منزلَة الْمُتَوَاتر كَمَا قَالَه ابْن الصّلاح وَغَيره، وَقد عرضنَا على مَوْلَانَا مَا أشكل علينا من ذَلِك فِي ورقة صَغِيرَة، وَهِي معروضة عَلَيْهِ أَيْضا مَعَ هَذِه الورقة. فَأجَاب فِيهَا: بِأَن الْمُحدثين أثبتوا أنَّ هَذِه الْكتب نُقلتْ عَن أَصْحَابهَا تواتراً، وَأَن ذَلِك التَّوَاتُر مُسْتَمر فِي جَمِيع الطَّبَقَات إِلَى وقتنا هَذَا إِلَى آخر مَا أَفَادَهُ مَوْلَانَا، وَهَذَا الْجَواب قد أشكل علينا أَيْضا لِأَن الَّذِي أثبتوا تواتره إِلَى الْآن هُوَ إجمالات هَذِه الْكتب، بِمَعْنى أَن الْجُمْلَة الْمَخْصُوصَة الْمُسَمَّاة بِصَحِيح مُسلم ثَبت بالتواتر أَن مصنفها وجامعها هُوَ مُسلم الإِمَام الْمَعْرُوف لَا تفصيلاتها، بِمَعْنى أَن كل لَفْظَة من نسخ تِلْكَ الْكتب بخصوصها، وَثَبت بالتواتر أَنَّهَا لَفْظَة صَاحب الْكتاب بِعَينهَا، ومسألتنا من الثَّانِي لَا من الأول فَإِن كَانَ هُنَاكَ نقل بِأَن التفصيلات بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور متواترة بِالنِّسْبَةِ لنا أَيْضا فلمولانا على إفادته الثَّوَاب الجزيل؛ وَكَذَا على بَيَان أنّ أَي تَفْصِيل متواتر النِّسْبَة فَإِن أَلْفَاظ النّسخ مُتَفَاوِتَة تَفَاوتا عَظِيما، وَيخْتَلف الْعلمَاء فِيهَا اخْتِلَافا كثيرا، وَلَا يُمكن أَن يكون مَحل الْأَلْفَاظ الْمُخْتَلفَة متواتر النِّسْبَة، وَإِلَّا دخلت الْفَاء فِيمَا نَحن فِيهِ فَلَا بُد من بَيَان الْقدر الَّذِي نحكم عَلَيْهِ بالتواتر بِالنَّقْلِ لتعظم الْفَائِدَة، وَأما مَا أشكل علينا من هَذَا الْجَواب فأمور: مِنْهَا: قَول مَوْلَانَا: وَذَلِكَ الْحق هُوَ أَن الْوَاقِع دعوتان متعارضتان، إِلَى قَوْله: وَغَيْرك ادّعى أَولا وَلم يسْتَدلّ لمدعاه. وَوجه إِشْكَال ذَلِك أَن مَوْلَانَا اسْتدلَّ على أَن الْفَقِير هُوَ الْمُسْتَدلّ بتأخر دَعْوَاهُ مَعَ استدلاله عَلَيْهَا، وَتقدم عدم دَعْوَى غَيره مَعَ عدم استدلاله عَلَيْهَا مَعَ أَن ذَلِك لَا ينْتج كَون الْفَقِير مُدعيًا فضلا عَن كَونه هُوَ الْمُسْتَدلّ، لِأَن دَعْوَاهُ الصِّحَّة منع أوردهُ بِصُورَة الدَّعْوَى مُبَالغَة، وهم يَفْعَلُونَ مثل ذَلِك ويصرحون بِهِ، وَمَا ذكره فِي صُورَة الدَّلِيل لَيْسَ دَلِيلا بل سنداً للْمَنْع فَلَا اسْتِدْلَال، وَظهر من هَذَا أَن الِاعْتِرَاض على مَا ذكره الْفَقِير لَا يُفِيد لِأَن إبِْطَال السَّنَد الْغَيْر الْمسَاوِي لَا يُفِيد، فضلا عَن
стр. 70
مُجَرّد الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ من غير إبِْطَال، نعم يرد على الْفَقِير شَيْء آخر، وَهُوَ أَنهم قرروا أَن الدَّعْوَى لَا تمنع، فَحَيْثُ اقْتصر مدعى الْبطلَان على الدَّعْوَى من غير اسْتِدْلَال لم يجز الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ بِالْمَنْعِ. وَالْجَوَاب أَن ذَلِك جَائِز، وَإِن كَانَ تَسْمِيَته منعا مجَازًا، وَالْمَقْصُود طلب الدَّلِيل كَمَا صَرَّحُوا بذلك أَيْضا. قَالَ الْعَضُد فِي مقدمته فِي ذَلِك: وَلَا يمْنَع النَّقْل إِلَّا مجَازًا، قَالَ فِي قَوْله: وَالْمُدَّعى إِلَّا مجَازًا: أَي لَا يمْنَع الْمُدَّعِي أَيْضا؛ ثمَّ قَالَ: لَكِن جَوَاز منع الْمُدَّعِي مجَازًا، على طَرِيق إِطْلَاق الْكل أَعنِي طلب الدَّلِيل على مقدمته، وَإِرَادَة الْجُزْء، أَعنِي طلب الدَّلِيل خَال عَن التعسف الَّذِي قُلْنَا فِي النَّقْل انْتهى. وَمِنْهَا: قَول مَوْلَانَا: فَكل مِنْكُمَا مُدَّع على أَن التَّأَخُّر مَعَ الِاسْتِدْلَال فِيهِ غصب للمنصب كَمَا لَا يخفى، وَوجه الْإِشْكَال أَنه ظهر أَن الْفَقِير مَانع لَا مُدع، وَأَن مدعى الْبطلَان مَا لم يسْتَدلّ عَلَيْهِ لَا يكون مستدلاً، فَلَا يكون منصب الِاسْتِدْلَال لَهُ حَتَّى يكون اسْتِدْلَال مدعي الصِّحَّة لَو فرض أَنه مستدل غصبا للمنصب، كَيفَ وَالْغَصْب هُوَ منع مُقَدّمَة من مُقَدمَات الدَّلِيل مَعَ الِاسْتِدْلَال على انْتِفَاء تِلْكَ الْمُقدمَة الممنوعة، وَذَلِكَ غير مَوْجُود هَهُنَا، على أَنه كَمَا عُلِم لَيْسَ مَا أوردهُ الْفَقِير دَلِيلا بل سنداً للْمَنْع، وَلم يقل أحد إِن الْمَنْع مَعَ السَّنَد غصب فَلَا غصب أَيْضا على فرض أَن الْمُدَّعِي الْبطلَان مستدل، وَبِهَذَا يظْهر وَجه إِشْكَال قَول مَوْلَانَا فنتج إِلَخ. وَمِنْهَا: قَوْله: وَمثل هَذِه المباحث لَا يعْتَبر فِيهَا ذَلِك اصْطِلَاح إِلَخ، وَالَّذِي عِنْد الْفَقِير أَن الْمَشَايِخ الْأَئِمَّة الجامعين بَين الْمَنْقُول والمعقول حَتَّى فِي اعْتِقَاد مَوْلَانَا يُقدِّرون عمومها ويستعملونها فِي مثل هَذِه المباحث وَهُوَ الْمَفْهُوم من كتب ذَلِك الْفَنّ أَيْضا والتخصيص يحْتَاج لدَلِيل وَاضح. وَمِنْهَا: قَول مَوْلَانَا: وَلَو سمعنَا فِي الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة إِلَخ، وَوجه إشكاله أَن اسْتِعْمَال ذَلِك الإصطلاح وَاقع فِي كتب الْفِقْه وَغَيرهَا، فكم فِي (الْمحلى) وَكتب شيخ الْإِسْلَام وَنَحْوهَا من قَوْله. وَأجِيب بِالْمَنْعِ وَجَوَابه الْمَنْع وَنَحْو ذَلِك، وَكم فِي أجوبتهم عَن اعتراضات البُلْقِينِيّ وَغَيره على الشَّيْخَيْنِ بالنصوص من مثل ذَلِك فَيَقُولُونَ لَا نسلم أَن مُرَاد الشَّافِعِي ﵁ كَذَا، لم لَا يجوز أَن يكون مُرَاده كَذَا إِلَى غير ذَلِك، على أَن مَا نَحن فِيهِ لَيْسَ أمرا شَرْعِيًّا، فَإِن النزاع فِي صِحَة الْفَاء وَعدمهَا وَهَذَا لَيْسَ أمرا شَرْعِيًّا، وَلَا يخْتَلف الحكم الشَّرْعِيّ بذلك فَإِن إِحْسَان الذّبْح والتحديد والإراحة أُمُور مَطْلُوبَة مُتَحَقق طلبَهَا سَوَاء صحت الْفَاء أم لَا، وَسَوَاء ثَبت الْعُمُوم وَالْخُصُوص أَو التباين. وَمِنْهَا: قَوْله: ثمَّ قَوْلك لم لَا يجوز وُجُوه أُخْرَى إِلَخ يُقَال عَلَيْهِ إِنَّمَا يحْتَاج لتكلف تِلْكَ الْأُمُور إِلَخ، وَوجه إشكاله أَن الْفَقِير لم يدع الِاحْتِيَاج لذَلِك بل مُجَرّد الصِّحَّة وَالصِّحَّة لَا تتَوَقَّف على صِحَة رِوَايَة الْفَاء، وَفرق بَين دَعْوَى الِاحْتِيَاج وَدَعوى مُجَرّد الصِّحَّة، وَأَن نِسْبَة هَذِه الْأُمُور إِلَى تكلّف تحْتَاج لدَلِيل وَاضح مَعَ أَن هَذَا الْكَلَام يتَضَمَّن الِاعْتِرَاف بِالصِّحَّةِ مَعَ التَّكَلُّف وَهُوَ بعض الْمَطْلُوب فَإِن الصِّحَّة من الْمَطْلُوب. وَمِنْهَا: قَوْله: أما تَجْوِيز وُرُودهَا إِلَى آخِره، وَوجه إشكاله أَن الْفَقِير لم يدع الِاحْتِيَاج إِلَى تَجْوِيز الْوُرُود حَتَّى يُقَال فَلَا حَاجَة إِلَيْهِ مَعَ أَن مُجَرّد التجويز لَا يُمكن إِبْطَاله فَإِنَّهُ لم يقم برهَان على عدم الْوُرُود بل الْأَمر على الِاحْتِمَال، وَأَن نِسْبَة ذَلِك إِلَى التمحل تحْتَاج إِلَى الدَّلِيل الْوَاضِح على اثبات كَونه تمحلاً. وَمِنْهَا: قَوْله: والمنازعة فِي شَيْء إِلَخ، وَوجه إشكاله أَن مدعى الْبطلَان المستفتي أَحْرَى بِأَن يُقَال لَهُ ذَلِك. وَمِنْهَا: قَوْله: على أَنه يلْزم من ذَلِك التجويز إِلَخ، وَجه إشكاله أمَّا أَولا، فَهُوَ أَنه لَيْسَ اللَّازِم أَنه لَا يتَحَقَّق لنا عطف خَاص على عَام مُطلقًا، بل أَنه لَا يتَحَقَّق لنا عطف خَاص على عَام لَا يُمكن تَأْوِيله بِمَا يُخْرِجه عَن كَونه عطف خَاص على عَام، وحينئذٍ فَنَقُول: لَا مَحْذُور فِي هَذَا اللَّازِم، فَإِن لذَلِك نَظَائِر فِي كَلَامهم. مِنْهَا: أَنهم قرروا أَنه لَا يجوز عطف الْإِنْشَاء على الْإِخْبَار، وَلما اعْترض على قَوْله: (وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل) بِأَنَّهُ من عطف الْإِنْشَاء على الْإِخْبَار، أجابوا بأجوبة كَثِيرَة جدا تجْرِي كلهَا أَو بَعْضهَا فِي سَائِر الْمَوَاضِع، وَلم يمنعهُم من الْجَواب بهَا لُزُوم مَا ذكر من تِلْكَ الْأَجْوِبَة أَن قَوْله: ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمرَان: ١٧٣] بِتَقْدِير وَهُوَ مقول فِيهِ نعم الْوَكِيل فَهُوَ عطف إِخْبَار على إِخْبَار. وَمِنْهَا: قَوْله: (وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل) لإنشاء إِظْهَار الْكِفَايَة فَهُوَ عطف إنْشَاء على إنْشَاء. وَمِنْهَا: أَن وَاو وَنعم الْوَكِيل للاستئناف. وَمِنْهَا: أَنه للاعتراض، وَمِنْهَا: غير ذَلِك. وَأما ثَانِيًا فَهُوَ أَن هَذَا اللُّزُوم مَمْنُوع، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَام أهل الشَّرْع نَص على أَن حَقِيقَة معنى الْإِحْسَان فِي الحَدِيث هُوَ نفس تِلْكَ الْأُمُور، بل عبارتهم مُحْتَملَة لِأَن تكون عبارَة عَن نفس الْأُمُور، وَلِأَن تكون
стр. 71
عبارَة عَمَّا يحصل بِتِلْكَ الْأُمُور، بل رَأَيْت فِي بعض شُرُوح الْأَرْبَعين تَفْسِير الْإِحْسَان بِمَا حَاصله عدم التعذيب وَنَحْوه، وَتَفْسِير الإراحة بِنَفس التَّحْدِيد وَنَحْوه، فحاصل الْكَلَام لَا نسلم أَن مَعَاني هَذِه المتعاطفات هِيَ الْمعَانِي الْفُلَانِيَّة الَّتِي يلْزم أَن يكون بَينهَا الْعُمُوم وَالْخُصُوص، وَلَكِن نؤولها بِحَيْثُ يُخرجهَا عَن الْعُمُوم وَالْخُصُوص، وَأما إِذا كَانَ للمتعاطفات معَان مقررة مَعْلُومَة من الْخَارِج، بِحَيْثُ يكون مِنْهَا الْعُمُوم وَالْخُصُوص، فَلَا تخرج عَن تِلْكَ الْمعَانِي بِلَا ضَرُورَة، وَأَيْضًا فَيجوز أَن يكون من أَفْرَاد عطف الْخَاص على الْعَام مَا لَا يُمكن تَأْوِيله، فَمن ادّعى أَن كل فَرد يُمكن تَأْوِيله فَعَلَيهِ الْإِثْبَات بِالدَّلِيلِ وَلَا دَلِيل لَهُ إِلَّا الاستقراء التَّام. وَمِنْهَا: قَوْله: وقولك المتناول لإيقاعه مَعَ التَّحْدِيد يسْتَلْزم أَن التَّحْدِيد مَأْمُور بِهِ، وَإِلَّا لم يكن لتِلْك الْمَعِيَّة فَائِدَة، وحينئذٍ يكون (وليحد) عطف خَاص على عَام وَهُوَ الْمُدَّعِي، وَوجه إشكاله وَاضح وَهُوَ أَنه لَا يلْزم من كَونه مَأْمُورا بِهِ أَن يكون عطف خَاص على عَام، فَمَا وَجه هَذِه الْمُلَازمَة وَمن أَيْن جَاءَت؟ فَإِنَّهُ على هَذَا التَّقْدِير يكون الْمَعْطُوف الْأَمر بالتحديد، والمعطوف عَلَيْهِ الْأَمر بالإيقاع مَعَ التَّحْدِيد وَغَيره، وهما متباينان قطعا. وَمِنْهَا: قَوْله: وقولك: وَتجْعَل الإراحة إِلَخ يلْزم عَلَيْهِ أَن (وليرح) عطف عَام على خَاص بِالنِّسْبَةِ إِلَى قَوْله: (وليحد) وَهُوَ يتَعَيَّن فِيهِ الْوَاو أَيْضا إِلَخ، وَوجه إشكاله أَن (وليرح) لَيْسَ مَعْطُوفًا على (وليحد) بل على (أَحْسنُوا) ، وَالنَّظَر إِلَى الْعُمُوم وَالْخُصُوص إِنَّمَا هُوَ بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ، فَمن ادّعى أَن النّظر إِلَى ذَلِك بَين الْمَعْطُوف وَغير الْمَعْطُوف عَلَيْهِ من المتعاطفات أَيْضا فَعَلَيهِ إثْبَاته بِالنَّقْلِ، وحينئذٍ يُجَاب بِجَوَاب آخر فَلم يحصل الْوُقُوع فِيمَا أُرِيد الْفِرَار مِنْهُ. وَقَوله: وَلَو تمسكنا إِلَخ، قَول لَا يقبل الْمَنْع، وَوجه إشكاله أَنه لَا يخفى أَن معنى إِحْسَان الذّبْح بِحَسب الْوَضع لَيْسَ نفس التَّحْدِيد وَغَيره، بل مَا يحصل بالتحديد وَغَيره فَيجوز أَن يكون هَذَا التَّعْبِير مِنْهُم على التَّجَوُّز وَيكون المُرَاد بِإِحْسَان الذّبْح فِي هَذَا التَّعْبِير أَسبَاب إحسانه مجَازًا من إِطْلَاق اسْم الْمُسَبّب على السَّبَب، وقرينة هَذَا الْمجَاز ومُرَجِّحه أَن الْمجَاز خير من النَّقْل، ثمَّ لَا يلْزم من تجويزهم هُنَا تجويزهم فِي تَفْسِير الحَدِيث. وَمِنْهَا: قَوْله: وَإِن مقامك الِاسْتِدْلَال، وَوجه إشكاله أَنه بانَ خِلَافه. وَمِنْهَا: قَوْله: على أَنه لَا يَلِيق بِكُل إِلَخ، وَوجه إشكاله أَن الْفَقِير لم يدع ذَلِك، وَصُورَة لَفظه، وَلَا يَكْفِي فِي الِاسْتِدْلَال على الْفساد أَن بَعضهم فَسرهَا بِمَعْنى يَقْتَضِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص، لِأَن تَفْسِيره بذلك لَا يُوجب فَسَاد التَّفْسِير بِغَيْرِهِ مَعَ قبُول اللَّفْظ واحتماله، وَنحن فِي مقَام الْمَنْع، فَلَا يَكْفِي الِاسْتِدْلَال بتفسير الْغَيْر بل لَا بُد من الدَّلِيل على عدم إِمْكَان هَذَا الْمَعْنى، وَعدم صِحَة حمل اللَّفْظ عَلَيْهِ انْتهى. وَحَاصِله: أَن كَلَام الْأَئِمَّة لَيْسَ نصا فِي أَن معنى إِحْسَان الذّبْح نفس تِلْكَ الْأُمُور، بل مُحْتَمل وقابل لِأَن يكون مَعْنَاهُ مَا يحصل بِتِلْكَ الْأُمُور، فإنْ فُرِض أَن أحدا مِنْهُم وَقع فِي كَلَامه إِطْلَاقه على نفس تِلْكَ الْأُمُور صَرِيحًا، لم يَضُرُّ لِأَن تَفْسِيره بذلك لَا يمْنَع صِحَة تَفْسِيره بِغَيْرِهِ، بل وَلَو فسره الْأَئِمَّة بذلك لم يلْزم أَنهم يمْنَعُونَ تَفْسِيره بِغَيْرِهِ، وَإِلَّا فالفقير أحْقَرُ وأذلُّ مِنْ أَن يخْطر لَهُ مَا ذكر، فضلا عَن أَن يتفوّه بِهِ، وَعَن أَن يشافه مَوْلَانَا بِهِ، وَلَوْلَا طمعه فِي مزِيد حِلْم مَوْلَانَا ومحبَّتهِ مَا جسر أَن يَتَحَرَّك وَالله بِكُل شَيْء عليم. وَمِنْهَا: قَوْله: ثمَّ رَأَيْت إِلَخ، وَوجه إشكاله منع الصراحة الْمَذْكُورَة، وَمنع الْمُلَازمَة فِي قَوْله: وَإِلَّا لبطل. أما أوّلاً فَيجوز أَن يكون أحد الشَّيْئَيْنِ مَجْمُوع أَحْسنُوا وَمَا عطف عَلَيْهِ، فَإِن عد الْأُمُور شَيْئا وَاحِدًا للمناسبة والارتباط بَينهَا وَقع كثيرا، بل كثيرا مَا يَقع فِي لفظ النبوّة عدَّ أَشْيَاء تزيد على مَا ذكر من العدَدِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّه جعل كَذَا وَكَذَا شَيْئا وَاحِدًا، وَحَيْثُ كُنَّا فِي مقَام الْمَنْع، لَا يرد أَن يُقَال لَا حَاجَة إِلَى ذَلِك. وَأما ثَانِيًا فَإِنَّهُ يجوز أَن يكون الْمَعْدُود اثْنَيْنِ هُوَ الْمَقْصُود من إِحْسَان الْقَتْل وإحسان الذّبْح، وَلَا يُنَافِي ذَلِك عطفه على أَحدهمَا مَا يتَحَقَّق بِهِ، على أَنه عَبَّر (بثم ليرح) وَثمّ لَا تكون بَين الْخَاص وَالْعَام كالفاء، فَيحْتَاج لتفسير الإراحة بِمَا يباين الْإِحْسَان، وحينئذٍ تتَحَقَّق الزِّيَادَة على الثِّنْتَيْنِ على كلامكم أَيْضا؛ ثمَّ إِن قَوْله، إِن الله كتب الْإِحْسَان على كل شَيْء أَعم مِنْ إِحْسَان الْقَتْل وإحسان الذّبْح، فَفِيهِ الزِّيَادَة على الثِّنْتَيْنِ وَلم يمْنَع من الْعدَد ثِنْتَيْنِ. وَمِنْهَا: قَوْله: وتجويز أَن الْوَاو إِلَى قَوْله: لِأَنَّهُ يلْزم عَلَيْهِ الْأَمر بالإحداد لَا بِقَيْد إِرَادَة الذّبْح، وَوجه إشكاله منع هَذِه الْمُلَازمَة، بل اللَّازِم أَن لَا يكون فِي الْكَلَام لفظ يدل على ذَلِك الْقَيْد، وَلَا مَحْذُور فِي ذَلِك اكْتِفَاء بِقَرِينَة السِّيَاق وَالْمقَام فَإِنَّهَا قرينَة أيّ قرينَة، وَكم أوَامِر مُطلقَة اللَّفْظ لَا يقيدها
стр. 72
إِلَّا قرينَة السِّيَاق وَالْمقَام، وقرينهة السِّيَاق أَمر شَائِع عِنْد الْعَرَب، وَقد صَحَّ الِاسْتِئْنَاف فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ وَلَا يُقَال يلْزم أنْ يكون الْإِخْبَار عَن الكَيْنويَّة لَا بِقَيْد كَونهَا ناشئة عَن قَول كُنْ مَعَ أَن المُرَاد ذَلِك، وَهَذَا وَجه إِشْكَال قَوْله أَيْضا: لِأَنَّهُ يلْزم عَلَيْهِ الْأَمر بالإراحة لَا بِقَيْد الذّبْح، وَقَوله أَيْضا: وَهُوَ الْمَانِع أَيْضا لصِحَّة عطف قَوْله: (وليحد) على مَجْمُوع جملَة الشَّرْط وَالْجَزَاء. وَمِنْهَا: قَوْله: وَإِنَّمَا صَحَّ الِاسْتِئْنَاف فِي ﴿نُقِرَ﴾ وَفِي ﴿فَيَكُونُ﴾ لِأَن مَا قبلهمَا لَيْسَ شرطا فِي مفادهما إِلَخ، وَلم يَتَّضِح مَا أَرَادَ مَوْلَانَا بِكَوْن مَا قبلهمَا لَيْسَ شرطا فِي مُفادِهِما فإنْ أَرَادَ أَن لَا يكون مَضْمُونهما يتَوَقَّف تحَققه ووجوده على تحقق مَا قبلهمَا ووجوده، فَوجه إشكاله. أما أَولا. فَهُوَ أَن هَذَا الْحصْر مَمْنُوع، وَلَا بُد من إِثْبَات أَن عِلّة الِاسْتِئْنَاف فِيمَا ذكر دون غَيره حَتَّى يتَحَقَّق هُنَا الْحصْر، وَمن إِثْبَات أَنه يشْتَرط فِي الِاسْتِئْنَاف أَن يكون مَا قبل المستأنف لَيْسَ شرطا فِي مفاده، فَإِن النُّحَاة لم يشترطوا فِي جَوَاز الِاسْتِئْنَاف شَيْئا من ذَلِك، فَلَا يُقيِّد كَلَامهم إِلَّا بِدَلِيل مِنْهُ، بل جوّزوا حَتَّى الابتدائية والابتداء نَظِير الِاسْتِئْنَاف، بل هُوَ اسْتِئْنَاف مَعَ كَونهم اشترطوا فِي حَتَّى الْمَذْكُورَة أَن يكون مَا بعْدهَا متسبباً عَمَّا قبلهَا. وَأما ثَانِيًا فَهُوَ أَن مَضْمُون قَوْله تَعَالَى: ﴿فَيَكُونُ﴾ يتَوَقَّف تحقق وجوده على تحقق مَا قبله، ووجوده وَهُوَ قَوْله: ﴿كُنْ﴾ مَعَ صِحَة الِاسْتِئْنَاف. وَأما ثَالِثا فَلَا بُدَّ من بَيَان جَرَيَان ذَلِك فِيمَا نَحن فِيهِ فَإِن طلب التَّحْدِيد لَا يتَوَقَّف تحَققه على تحقق طلب الْإِحْسَان أَو يجوز أَن يطْلب التَّحْدِيد وَلَا يتَصَوَّر الْإِحْسَان وَطلب الشَّيْء فرع عَن تصَوره. وَمِنْهَا: قَوْله: وَعين الرِّضَا إِلَخ، يَدْفَعهُ أَن الله إِلَخ، وَوجه إشكاله أَن مَوْلَانَا حَمَل مُرَاد الْفَقِير على أَمر صَعب جدا، ومعاذ الله أَن الْفَقِير أَرَادَ ذَلِك بل أمرا آخر لَا مَحْذُور فِيهِ. وَمِنْهَا: قَوْله: وقولك إِن الإراحة أَعم من الْحَد مَمْنُوع، لِأَن هَذِه الرِّوَايَة إِلَخ، وَوجه إشكاله أَن وَجه أعميتها لَازم لدعوى الْعُمُوم وَالْخُصُوص الَّذِي قَرَّرَهُ مَوْلَانَا، وَلم يذكر خِلَافه، مَعَ أَن الْفَقِير لم يُحتِّم أعَمِّيتَهَا، بل ردد بِأَنَّهَا إِن كَانَت أَعم، لزم الْإِشْكَال وَإِلَّا لزم صِحَة الْفَاء بِجعْل فليرح عطفا على (وليحد) وَجعل وَاو وليحد للاستئناف، وَالْحكم بِصِحَّة الشَّيْء لَا يتَوَقَّف على الْجَزْم بوروده، بل وَلَا على وُرُوده فَيجوز أَن يُقَال تصح الْفَاء هُنَا مَعَ الْقطع بِعَدَمِ الْوُرُود فالورود لَا مدْخل لَهُ فِي الحكم بِالصِّحَّةِ. وَمِنْهَا: قَوْله: إِنَّمَا هُوَ أَمر أغلبي، وَقَوله، فَهِيَ وَارِدَة عَلَيْهِم، وَوجه إشكاله أَن هَذَا يتَوَقَّف على أَن النُّحَاة يسلمُونَ الْعُمُوم وَالْخُصُوص هُنَا، ويسلمون أَن وَاو (وليحد) للْعَطْف على أَن هَذَا لَا يضرنا بل ينفعنا لأنَّ مدَّعانا الصِّحَّة وَهَذَا إِن لم يثبتها مَا منعهَا وَالله أعلم. فَأجَاب نفعنا الله بِعُلُومِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة: أما قَوْلك، لَا تفصيلاتها بِمَعْنى أَن كل لَفْظَة من نسخ تِلْكَ الْكتب بخصوصها ثَبت بالتواتر أَنَّهَا لَفْظَة صَاحب ذَلِك الْكتاب بِعَينهَا، ومسألتنا من الثَّانِي إِلَخ، فَإِنَّمَا يتَوَجَّه لَو ادّعى أَن التفصيلات بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور متواترة وَلم يَقع هُنَا ادِّعَاء ذَلِك، بل وَلَا مَا يُوهِمهُ وَكَيف يتعقل ادِّعَاء ذَلِك، وَالنَّوَوِيّ فِي شَرحه لمُسلم ينْقل اخْتِلَاف نسخه كثيرا، وَإِن نسخ بِلَادهمْ فِي كَذَا يُخَالف نسخ غَيرهم ويُصَوِّب ويُوجِّه بِحَسب مَا يَقْتَضِيهِ الْكَلَام، وَكَذَا مَنْ قَبْل النَّوَوِيّ وَمن بعده، فَعدم تَوَاتر التفصيلات بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور أَمر ظَاهر لَا يخفى، وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن بعض تِلْكَ التفصيلات لَا يُوجد فِيهِ التَّوَاتُر. وَالْحَاصِل أَن تَوَاتر الْجُمْلَة وَاقع، وَعدم تَوَاتر التفصيلات بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور غير وَاقع؛ وَبَعض تِلْكَ التفصيلات قد يُوجد فِيهَا التَّوَاتُر وَقد لَا، ومسألتنا إِنَّمَا هِيَ من هَذَا الثَّالِث لَا من الثَّانِي الَّذِي ذكرت، وَوجه كَونهَا مِنْهُ أننا بحثنا عَن الناقلين لهَذَا الْكتاب عَنهُ من الطَّبَقَة الَّتِي فِي زمن مُسلم إِلَى وقتنا فوجدناهم بِحَسب مَا فِي نسخهم متفقين على الْوَاو فحينئذٍ أثبتنا من هَذَا تَوَاتر الْوَاو، وَلَا يلْزم من ذَلِك بل وَلَا يتَوَهَّم أَن غير الْوَاو مِمَّا لم يُوجد فِيهِ ذَلِك مثلهَا. وَلَقَد وَقع للجمال بن مَالك فِي البُخَارِيّ أَنه جوز إعرابات فِيهَا تَغْيِير حركات ك (لَا ترجعون بعدِي كفَّارًا) يَضْربْ، بِسُكُون الْبَاء؛ وَتلك فِيهَا تكلّف تَارَة وَعدم تكلّف أُخْرَى؛ وَأَنَّهُمْ ردوا عَلَيْهِ بِأَن هَذَا خلاف الصَّوَاب لِأَن الرِّوَايَات صحت بِخِلَاف ذَلِك فَلَا يسمع ذَلِك التجويز، وَكَذَا نقُول: إِذا ثبتَتْ صِحَة الرِّوَايَة بِالْوَاو، فَلَا يسمع تَجْوِيز الْفَاء، هَذَا مَا يتَعَلَّق بِالْوَاو، وَأما غَيرهَا من بَقِيَّة تِلْكَ التفصيلات فإنْ وَجَد فِيهِ مَا وَجَدْنَاهُ فِيهَا حكمنَا بتواتره وَإِلَّا فَلَا، فاتضح حكم التفصيلات فِي التَّوَاتُر وَعَدَمه. وقولك: لِأَن دَعْوَاهُ الصِّحَّة منع أوردهُ إِلَخ تَأْوِيل كَمَا شهدتْ بِهِ الْعبارَة، والاعتراض إِنَّمَا يتَوَجَّه لظَاهِر الْعبارَة وَإِن أمكن تَأْوِيلهَا. وقولك: نعم يرد إِلَخ هُوَ الَّذِي أشرتُ إِلَيْهِ بِقَوْلِي دَعْوتان
стр. 73
متعارضتان أَي فالدعوى الْمُتَأَخِّرَة صدرت منعا للدعوى السَّابِقَة، فمنعتْ الدَّعْوَى وَهُوَ غير سَائِغ: وَمَا نقلت من جَوَابه لَا يمْنَع الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يتَوَجَّه لحقيقة اللَّفْظ لَا لمجازه، فادعاء ذَلِك الْمجَاز يبين أَن لمَانع الدَّعْوَى إِذا أَرَادَ ذَلِك التَّجَوُّز نوع عذر لَا أَنه يمْنَع الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ قَبْل تَبِيْن مُرادِهِ أخذا بِظَاهِر عِبَارَته، والاستفسار قبل الِاعْتِرَاض إِنَّمَا هُوَ فِي نَحْو المشتركات لَا فِي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز لَا سِيمَا، وَهَذَا الْمجَاز هُنَا فِيهِ مَا فِيهِ، وإنَّ ظَاهر كَلَام الْأُصُولِيِّينَ أنَّ الدَّعْوَى لَا تمنع وَلَا مجَازًا لَكِن تسَامح فِيهِ أُولَئِكَ الْمُحَقِّقُونَ توسعاً لطرق النّظر. وقولك: وَالْغَصْب إِلَخ لَك فِيهِ الْعذر بِحَسب مَا رَأَيْت، وَالَّذِي فِي خطى شبه غصب للمنصب، وَهَذِه الْعبارَة لَا اعْتِرَاض عَلَيْهَا، إذْ الْجَامِع بَينهمَا أَن كلا فِيهِ إِيرَاد الدَّلِيل قبل وقته هُنَا على مَا تقرر أَن مَا ذكرت فِيهِ منع للدعوى واستدلال لذَلِك الْمَنْع، وإنْ بانَ بإرادتك التجوّز السَّابِق خلاف ذَلِك، ثمَّ إِن تعريفك الْغَصْب بِمَا ذكرت غير مَانع لِأَنَّهُ يدْخل فِي تعريفك التفصلي، وَهُوَ خلاف الْغَصْب، إذْ الْغَصْب هُوَ الْمَنْع لمقدمة مَعَ الِاحْتِيَاج لانتفائها قبل تَمام الدَّلِيل، وَإِن كَانَ بعد تَمَامه لمعينة فَهُوَ ذَلِك النَّقْض، فَأسْقطت التَّقْيِيد بقبل التَّمام فورد عَلَيْك النَّقْض فَصَارَ الْحَد غير مَانع، إِذا تقرر مَا سبق اتَّضَح قَوْلنَا فنتج إِلَخ. وقولك التَّخْصِيص يحْتَاج لدَلِيل وَاضح جَوَابه أَنه غير وَاضح لِأَن النزاع هُنَا فِي أَمر صناعي وَيَتَرَتَّب على صِحَّته وَعدمهَا هَذَا الحكم أَعنِي إِن الإراحة والتحديد عِنْد خُصُوص الذّبْح أخذا من هَذَا الحَدِيث الْخَاص، كَمَا قَالَه الْأَئِمَّة أَو من دَلِيل آخر أحْوج إِلَى ادعائه تَجْوِيز يُفِيد فِي هَذَا الحَدِيث، وَمثل ذَلِك لَا دخل لتِلْك المباحث فِيهِ لِأَن الحكم مُتَّفق عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي محصله، فَنحْن ندعي أَن محصله الْأَمر بِالْإِحْسَانِ كَمَا دلّ عَلَيْهِ ظَاهر الْخَبَر وغيرنا يجوز ادعاءه خلاف ذَلِك فَلَا نزاع حَقِيقَة إِلَّا فِي أَمر سهل جدا، وَتلك المباحث لَا تجْرِي فِي مثل ذَلِك كَمَا هُوَ ظَاهر جلى من مواقع كَلَامهم. وقولك: اسْتِعْمَال ذَلِك الِاصْطِلَاح وَاقع فِي كتب الْفِقْه إِلَخ. جَوَابه: نعم، لَكِن فِي غير مَا بَينته مِمَّا نَحن فِيهِ كَمَا علم آنِفا. وقولك: لم يدع الِاحْتِيَاج لذَلِك إِلَخ. جَوَابه: أَنه إِنَّمَا ذكر الِاحْتِيَاج إرشاداً إِلَى أَن الِاشْتِغَال بِمَا هُوَ أهم من ذَلِك أولى على أَنه ظهر من المباحثة فِيهِ على سهولته من الْفَوَائِد مَا لم يظهره غير ترداد الأنظار، وإعمال الأفكار، وَلَقَد قَالَ بعض مَنْ خَلُص مِن دَاء الْحَسَد خيمه، وَسلم من الكِبْر وآفاته أديمه: لم يَقع عِنْدِي لَذَّة من اللَّذَّات وَإِن عظمت، موقع مساجلة من تَغُوص دِلاؤه على استقصاء جَوَاهِر الفرائد، واستنتاج عويصات الْفَوَائِد. وقولك: فرق إِلَخ، هُوَ ظَاهر لَكِن قد علم أَن الْعُدُول إِلَى الْجَواب النير المطابق قصدا هُوَ أدب البلغاة. وقولك: يحْتَاج إِلَى دَلِيل وَاضح جَوَابه هَذَا مرجعه إِلَى الذَّوْق وليعرض على أَهله، وَكفى بِالدَّلِيلِ الْوَاضِح عَلَيْهِ مَا يَأْتِي لَك من ادِّعَاء التجوّز وَغَيره. وقولك: وَهُوَ بعض الْمَطْلُوب لَا يَكْفِي بل لَا بُد من وجود الْمَطْلُوب كُله، وَهُوَ قيام دَلِيل على صِحَة الْفَاء من غير تكلّف، والادعاء تجوّز فِي الدَّلِيل، على أنَّ اللَّائِق بالخوض فِي الْأَدِلَّة كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الإِمَام، أَن لَا يخرج عَن مفاهيمها المتبادرة المتعارفة مِنْهَا إلاَّ عِنْد الْحَاجة الماسَّة لذَلِك، وَأما حيثُ لَا حَاجَة لذَلِك فمجرد التجويز غير لَائِق، أَلا ترى إِلَى ردهم تجويزات ابْن مَالك، وناهيك بِهِ لعدم وُرُودهَا وإنْ خَلَتْ عَن التَّكَلُّف، بل قَالَ بعض الْمُحَقِّقين عقب تَجْوِيز لَهُ، وتوجيه مِنْهُ لَهُ، وَالصَّوَاب خِلَافه، وَاسْتدلَّ لَهُ. وقولك: مَعَ أَن مُجَرّد التجويز إِلَخ. جَوَاب: إِنَّمَا نتكلم فِي إبِْطَال يَلِيق بِمَا يُنَاسب مِمَّا درج عَلَيْهِ الْأَئِمَّة من الجري فِي الْأَدِلَّة على مَعَانِيهَا المتبادرة مِنْهَا، لَا فِي مُطلق الْإِبْطَال، إِلَّا إِذا نَظرنَا إِلَى مَا يتَوَهَّم من الْفَاء مِمَّا قدمْنَاهُ، وَيَأْتِي تحريره أَيْضا. وقولك: أَحَق إِلَخ. جَوَابه: إِنَّمَا يكون أَحَق لَو أثبتنا لَهُ رُتْبَة التَّحْصِيل، ومعاذ الله أَن يثبت لَهُ مَا هُوَ أدنى من ذَلِك فَلَا جَامع فضلا عَن أَحَق. وقولك: لَيْسَ اللَّازِم إِلَخ مَبْنِيّ على أَنَّك فهمتَ من تحقق غير مَعْنَاهُ المُرَاد الْمَوْضُوع هُوَ لَهُ، وَهُوَ الثُّبُوت الَّذِي دلّ عَلَيْهِ تعليلي لَهُ بِقَوْلِي: لِأَنَّهُ مَا من عَام وخاص إِلَخ، وَإِذا جوّزنا فِي الْعَام تَخْصِيصه بِبَعْض مَدْلُوله من غير دَلِيل، بل بِمُجَرَّد الادعاء لزم مَا ذكرنَا، من أَنه مَا مِنْ عَام إِلَّا وَيُمكن أَن يطرقه ذَلِك التجويز، وحينئذٍ فَلَا ينْتج للنحويين عَام وخاص. ممتنعٌ عِنْد النزاع الْعَطف بَينهمَا بِغَيْر الْوَاو أصلا، لِأَن ذَلِك التجويز يطْرق كل عَام وخاص، وَلَيْسَ الْإِنْشَاء وَالْخَبَر من نَظَائِر الْخَاص وَالْعَام، لِأَن النِّسْبَة بَين الْأَوَّلين التباين من كل الْوُجُوه وَبَين الآخرين الِاتِّحَاد من بعض الْوُجُوه، وَمَا أجابوا بِهِ عَن الْعَطف لَا يلْزم عَلَيْهِ نَظِير مَا لزم فِي مَسْأَلَتنَا، لِأَن التجويز هُنَا لأدلة، وَثمّ لمُجَرّد
стр. 74
الادعاء، على أنَّ الَّذِي ورد على الْقَاعِدَة هُنَا نصٌ إحتيج لأَجله إِلَى الْجَواب عَن تِلْكَ الْقَاعِدَة، وَالَّذِي فِي مَسْأَلَتنَا تَجْوِيز شَيْء يُخْرج الدَّلِيل عَن الْقَاعِدَة، فَلم تؤول الْقَاعِدَة لأجل ذَلِك التجويز، بِمَا يُوهم أَن كل عَام وخاص يجوز فِيهِ نَظِير ذَلِك التجويز، فَتبقى قاعدتهم تعين الْوَاو فِي عطف الْخَاص على الْعَام. وقولك: وَأما ثَانِيًا إِلَخ. جَوَابه: أننا لَا نلتفت بعد مَا قدمْنَاهُ مِنْ أنَّ الإراحة والتحديد من إِحْسَان الذّبْح الْمَأْمُور بِهِ إِلَى احْتِمَال تَفْسِير الْإِحْسَان بِمَا يباينهما، لِأَن ذَلِك صَرِيح فِي الْخُصُوص والعموم، وَأَن هَذَا هُوَ معنى الْإِحْسَان الشَّرْعِيّ، وَلَفظ الشَّارِع إِنَّمَا ينْصَرف للمعنى الشَّرْعِيّ فحينئذٍ مَا نَحن فِيهِ مِمَّا للمتعاطفين فِيهِ معنى مُقَرر فَلَا يخرج عَنهُ بِلَا ضَرُورَة، وَإِذا اعترفتَ بِهَذَا وأحطتَ بِأَن إِطْلَاق الشَّارِع إِنَّمَا ينْصَرف للمعهود الشَّرْعِيّ، وَأَن أهل الشَّرْع أفادوا أَن الْإِحْسَان الشَّرْعِيّ يَشْمَل الْأَرْبَعَة والتحديد، فقد سهل الْأَمر واتضح المُرَاد بِمَا حَاصله: أَن من حمل الْإِحْسَان على مَعْنَاهُ الشَّرْعِيّ لزِمه أنَّ هَذَا من الْعُمُوم وَالْخُصُوص اللَّازِم فِيهِ الْوَاو، وَمن حمله مُعْرِضاً عَن قاعدتهم أَن كَلَام الشَّارِع إِنَّمَا يحمل على الْمَعْهُود شرعا، فَحَيْثُ وجد حُمل على الْمَعْنى اللّغَوِيّ أَو الْعرفِيّ بِحَسب مَا يجوّزه وينقله عَن اللُّغَة أَو الْعرف، ويبينه بدليله أَنه غير الإراحة والتحديد لَا بِمُجَرَّد التجويز والادعاء، لَا يلْزمه أَنه من عطف الْخَاص على الْعَام، وَبِهَذَا ينْفَصل الْكَلَام وَيرْفَع الملام. وقولك: أَيْضا، فَيجوز إِلَخ. جَوَابه: إنْ أردتَ بِلَا يُمكن بِالنّظرِ إِلَى الْأَدِلَّة صَحَّ، أَو بِمُجَرَّد التجويز الَّذِي وَقع لَك فِي الْإِحْسَان فَكل عَام وخاص يُمكن فِيهِ التجويز الَّذِي لَا يتَوَقَّف القَوْل بِهِ على دَلِيل كَمَا هُوَ جلي من غير توقف لَهُ على استقراء وَلَا غَيره. وقولك: مَا وَجه هَذِه الْمُلَازمَة إِلَخ. جَوَابه: أَن وَجههَا وَاضح عِنْد تَأمل معنى الْعبارَة، وَهُوَ أَن المُرَاد يسْتَلْزم أَن التَّحْدِيد مَأْمُور بِهِ: أَي من حيثُ كونُه إحساناً كَمَا مر التَّصْرِيح بِهِ، وَإِذا كَانَ الاستلزام من هَذِه الْحَيْثِيَّة اتَّضَح أَن و (ليحد) عطف خَاص على عَام، وَإِنَّمَا يتباينان قطعا كَمَا ذكرت إنْ ثَبت أَن الْأَمر بالتحديد لَيْسَ من الْأَمر بِالْإِحْسَانِ، وَأَن الْأَمر بالإيقاع مَعَ التَّحْدِيد وَغَيره هُوَ الْأَمر بِالْإِحْسَانِ. وقولك: (وليرح) لَيْسَ مَعْطُوفًا على (وليحدّ) إِلَخ. جَوَابه: أَن مَا ذكرته أَنْت فِي تَفْسِير الْإِحْسَان فِيمَا مر والإراحة هُنَا لَا يحضرني تَحْقِيقه، إذْ لَيْسَ خطك الْآن عِنْدِي، وَإِنَّمَا الَّذِي فِي المخيلة الْآن مِنْهُ أَن تفسيرك الإراحة أَعم من تفسيرك للإحسان والتحديد، وحينئذٍ لزم عطف الْعَام على الْخَاص فَقولِي بِالنِّسْبَةِ لقَوْله (وليحد) أَي وَمَا عطف عَلَيْهِ. وَالْحَاصِل أَن تَحْرِير هَذَا يتَوَقَّف على مُرَاجعَة مَا ذكرته أَنْت فِي تَفْسِير الإراحة وَالْإِحْسَان. وقولك: بِحَسب الْوَضع إِلَخ إنْ أردتَ أَن ذَلِك مَعْنَاهُ بِحَسب الْوَضع الشَّرْعِيّ فَمَمْنُوع بِمَا حَرّرناه وبيناه عَن الْأَئِمَّة أَنه بِحَسب الْوَضع الشَّرْعِيّ يشملها، وَإِن أردْت أَنه بِحَسب وضع اللُّغَة أَو الْعرف فَعَلَيْك بَيَان ذَلِك وَنَقله عَن أهلهما. على أَنه لَا يُفِيد لما سبق أَن الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة إِنَّمَا تحمل على الْمَعْنى الشَّرْعِيّ، وحينئذٍ فاتضح أَن تَجْوِيز حمل تفسيرهم على التَّجَوُّز إِلَخ فِيهِ غَايَة التكلَّف والتمحُّل فَأَي دَاع لذَلِك؟ وقولك: ويرجحه أَن الْمجَاز خير من النَّقْل عَجِيب، فمنْ ذَا الَّذِي ادّعى أَن فِي الحَدِيث نقلا حَتَّى يُقَابل بِأَن الْمجَاز خير مِنْهُ، وَنحن لَا ندعي إِلَّا أَن هَذَا حَقِيقَة شَرْعِيَّة، وَأَن كَلَام الشَّارِح إِنَّمَا يحمل على الْحَقَائِق الشَّرْعِيَّة، فادعاء أنَّ مَا فِي الحَدِيث حَقِيقَة لغوية يحْتَاج أَن يُثْبته من كَلَام أَئِمَّة اللُّغَة، وَالَّذِي ظهر لي مِنْهُ أَن الْإِحْسَان فِي الذّبْح لَا ضَابِط لَهُ عِنْدهم، فَالظَّاهِر أَن هَذَا من الْحَقَائِق الَّتِي لم تعرف إِلَّا من الشَّارِع، وحينئذٍ فَانْدفع ادِّعَاء أَن تَفْسِير الْأَئِمَّة لَهُ بِمَا مرَّ مجَاز، على أَنه يحْتَاج لصارف يصرفهُ عَمَّا هُوَ الْمُتَبَادر مِنْهُ أَن هَذَا هُوَ حَقِيقَة الْإِحْسَان الشَّرْعِيَّة. وقولك: ثمَّ لَا يلْزم إِلَخ. جَوَابه: كَيفَ هَذَا مَعَ قَوْلهم إنَّهُمَا من إِحْسَان الذبْحَة الْمَأْمُور بِهِ، فَقَوْلهم الْمَأْمُور بِهِ صَرِيح فِي أَنهم فَهموا وفسروا الْإِحْسَان فِي الحَدِيث بِمَا يَشْمَل التَّحْدِيد والإراحة. فَانْدفع قَوْلك لَيْسَ نصا فِي أَن معنى إِحْسَان الذّبْح إِلَخ، وَوجه اندفاعه قَوْلهم الْمَذْكُور أَنَّهُمَا من جملَة الْإِحْسَان الْمَأْمُور بِهِ فَأَي صَرَاحَة تُطلب بعد ذَلِك، وَقد سبق منا مَا يدل على أَنهم مَعَ ذَلِك لَا يمْنَعُونَ تَفْسِيره بِغَيْرِهِ إِلَّا بِالنِّسْبَةِ لمن جرى على قاعدتهم، أَن لفظ الشَّارِع يحمل على معهوده الشَّرْعِيّ سِيمَا إنْ لم يكن لَهُ مَعْهُود غيرهُ. وقولك: مَجْمُوع أَحْسنُوا وَمَا عطف عَلَيْهِ إِلَخ. جَوَابه: أَن من الْوَاضِح الْبَين أَن البليغ لَا يعد الْخِصَال الثَّلَاث خَصْلة وَاحِدَة إِلَّا إنْ كَانَ بَينهَا اتِّحَاد، وَهُوَ حَاصِل ادِّعَاء الْعُمُوم وَالْخُصُوص
стр. 75
الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَأما مَعَ التباين بَين الثَّلَاث الَّذِي ذكرتَه أنْتَ فَكيف يحسن ببليغ، بل بأبلغ البلغاء عدَّ ثَلَاثَة أَشْيَاء متباينة شَيْئا وَاحِدًا فَحمل كَلَام الشَّارِع على ذَلِك بعيد جدا، فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ، وتوجيهه بِأَن الثَّلَاثَة مسوقة لغَرَض وَاحِد فساغ جعلهَا شَيْئا وَاحِدًا يُردّ بِأَن ذَلِك الْغَرَض إِن كَانَ هُوَ إِحْسَان الذّبْح فَهُوَ مَا قُلْنَاهُ أَو غَيره فَهِيَ أغراض كَثِيرَة فَلَا يحسن عدهَا شَيْئا وَاحِدًا. وقولك: هُوَ الْمَقْصُود من إِحْسَان الذّبْح وإحسان الْقَتْل نَحن نقُول بِهِ. وقولك: وَلَا يُنَافِي إِلَخ. جَوَابه: إِن أردْت مِمَّا يتَحَقَّق بِهِ أَنه مَعَ ذَلِك مباين للإحسان فينافي البلاغة إغفاله عَن العدِّ أَو غير مباين لم ينافها، وَكَانَ حجَّة لما قُلْنَاهُ. وقولك: على أَنه عبَّر ب (ثمَّ) قد ذكرنَا جَوَابه، وَسَيَأْتِي مَا لَهُ بِهِ تعلق. وقولك: ثمَّ إِن قَوْله إِلَخ. جَوَابه: أَنه لَا زِيَادَة فِيهِ بِالنِّسْبَةِ للمقصود مِنْهُ، وَهُوَ ذكر تينك الثِّنْتَيْنِ وَمَا قبلهمَا إِنَّمَا ذكر تَوْطِئَة وتمهيداً لَهما لِلْأَمْرِ بهما، وَله موقع نَافِع عِنْد الْمُخَاطب، فَلَمَّا كَانَ ذكره للتمهيد والتأكيد لم يحسن عَدُّه. وَقَوله: إكْتِفَاءً بِقَرِينَة السِّيَاق إِلَخ. جَوَابه: أَي قرينةُ سياقٍ ومقام مَعَ تَقْدِير الْعَطف على فَإِذا إِلَخ لِأَنَّهُ حينئذٍ يكون من عطف المتباينات، وَإِذا كَانَ مِنْهَا أفهم الْأَمر بالتحديد والإراحة لَا بِقَيْد إِرَادَة الذّبْح بِحَسب مَا دلّ عَلَيْهِ اللَّفْظ، وادعاء فهم ذَلِك الْقَيْد من دَلِيل خارجي فِيهِ غَايَة التَّكَلُّف والتمحل، لِأَنَّهُ إِخْرَاج للفظ الحَدِيث عَن ظَاهره الَّذِي لَا إِيهَام فِيهِ، وتأويله بِمَا يَقْتَضِي الْإِيهَام حَتَّى يُجَاب عَنهُ لِأَن ذَلِك عُلِم من دَلِيل آخر، وَهَذَا لَيْسَ من شَأْن الْمُتَكَلِّمين على الْأَدِلَّة، وَإِنَّمَا دأْبهم وشأنهُم حَمْلُ اللَّفْظ على ظَاهره المتبادرَ مِنْهُ سِيمَا إنْ لزم على حمله على غَيره مُخَالفَة أَو خَفَاء أَو نَحْوهمَا. وقولك: وَكم أوَامِر مُطلقَة إِلَخ هُوَ مُسَّلم لَكِن لَا على عين هَذَا التَّجَوُّز الَّذِي سلكتَه أنْتَ فِي هَذَا الحَدِيث من أنَّ شَيْئا وَاحِدًا يدل عَلَيْهِ ظَاهره، ويفيده التَّقْيِيد بِمَا هُوَ الْمجمع عَلَيْهِ فَيحمل الظَّاهِر على غير مَعْنَاهُ الْمُتَبَادر مِنْهُ، ثمَّ إِذا أورد عَلَيْهِ أَنه الْآن صَار مُوهِماً يُقال لَهُ: يُدفع ذَلِك الْإِيهَام بِدَلِيل آخر. وقولك: وَلَا يُقَال يلْزم إِلَخ. جَوَابه: أَن هَذَا لَيْسَ نَظِير مَا نَحن فِيهِ فإنَّ القَيْدُ لم يشهدْ بِهِ الْعقل، فَلَا يضرُّ حذفه، وَمَا نَحن فِيهِ لَيْسَ كَذَلِك، فَإِن الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وقيودَها لَا تُعْرف إِلَّا مِنْهُ ﷺ ، فَإِذا جَاءَ عَنهُ مَا يفهمها بقيودها لَا يَسوغُ لنا أَن نَصْرفه عَن ظَاهره إِلَى مَا يحوجنا إِلَى حذف الْقَيْد وَالِاسْتِدْلَال لَهُ بِدَلِيل خارجي. إِذا تقرر ذَلِك فَلَا إِشْكَال فِي قَوْلنَا أَيْضا لِأَنَّهُ يلْزم عَلَيْهِ الْأَمر بالإراحة إِلَخ. وقولك: وَلم يَتَّضِح إِلَخ. جَوَابه: إنْ تَأمل مَا قبله فِيهِ غَايَة الْإِيضَاح لَهُ، إذْ مفادُهُ الْفرق بَين الِاثْنَيْنِ والْحَدِيث بِأَن تَقْرِير الِاسْتِئْنَاف فيهمَا لَا يلْزم عَلَيْهِ مَحْذُور وَلَا إِيهَام البَّتة، وَتَقْرِيره فِي الحَدِيث يلْزمه الْإِيهَام السَّابِق فَافْتَرقَا، وَلم يَحْسن تَخْرِيج هَذَا عَلَيْهِمَا، فَالْمُرَاد بقولنَا لَيْسَ شرطا فِي مفادهما أَنه لَو قطع النّظر عَمَّا قبلهمَا لم يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فَسَاد وَلَا إِيهَام فِي مدلولهما، خلاف مَا نَحن فِيهِ فَإِنَّهُ لَو قطع النّظر عَمَّا قبله من خُصُوص إِحْسَان الذّبْح ترَتّب عَلَيْهِ ذَلِك الْإِيهَام، وحينئذٍ انْدفع مَا ذَكَرْتُهُ أَولا وَثَانِيا وثالثاً. وقولك: لَازم لدعوى الْعُمُوم وَالْخُصُوص إِلَخ. جَوَابه: أَنه لَا يلْزم ذَلِك، لأنَّ الَّذِي ذَكرْنَاهُ إِنَّمَا هُوَ الْعُمُوم من أَحْسنُوا الذّبْح وَالْخُصُوص فِي (وليحد وليرح) فهما خاصَّان بعد عَام فَأَي أعمية فِي الإراحة لَازِمَة لذَلِك، وَمَا قَدمته مِنْ أعميِّتها إِنَّمَا هُوَ إِلْزَام بِمُقْتَضى تفسيرك أنتَ كَمَا مر بَسطه. وقولك: وَالْحكم بِصِحَّة الشَّيْء إِلَخ. جَوَابه: أَن استدلالنا بالرواية الْأُخْرَى إِنَّمَا هُوَ لتأييد أَن مَا ذَكرْنَاهُ هُوَ اللَّائِق بالْكلَام على الْأَحَادِيث ومؤيد للإعراض عَمَّا لَا حَاجَة إِلَيْهِ من التجويزات فِيهَا. وقولك: على أَن النُّحَاة إِلَخ. جَوَابه: أَن الظَّاهِر من حَالهم بِحَسب اعتقادنا أَنهم لَو عُرض عَلَيْهِم ذَلِك وأجروه على الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة لقبلوه، لِأَنَّهُ مُفاد اللَّفْظ ومدلوله الَّذِي لَا غُبَار عَلَيْهِ، وفقنا الله لمرضاته وأجزل علينا أَجْمَعِينَ سوابغ هباته، وحمانا من كل فِتْنة ومحنة، وحَبانا بِكُل خير ومِنَّة، وَختم لنا بِالْحُسْنَى أَجْمَعِينَ، وَالله أعلم. ٦١ وَسُئِلَ ﵁: عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ [مَرْيَم: ٤٠] هَل هَذَا الرزق هُوَ الَّذِي تُقَام بِهِ البنية أَو الَّذِي قسم فِي الْأَزَل سَوَاء كَانَ أَكثر مِمَّا تقوم بِهِ البنية أَو أقل أَو هُوَ الَّذِي يملكهُ الْإِنْسَان؟ فَأجَاب رَحمَه الله تَعَالَى: أَن الرزق فِي اللُّغَة الْحَظ والنصيب. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الْوَاقِعَة: ٨٢] أَي وتجعلون حظكم ونصيبكم من سَماع الْقُرْآن تكذيبكم بِهِ وبمن أنزل عَلَيْهِ. وَأما فِي عرف الشَّرْع فَهُوَ أخص من ذَلِك، إذْ هُوَ مَا تخصَّص الْحَيَوَان بِهِ وَتمكن من الِانْتِفَاع بِهِ، وَقد يُطلق على مَا يعم النِعمَ الظَّاهِرَة والباطنة، وَمن ثمَّ قَالَ جمَاعَة
следующие страницы →