← Фикх шафии

Фикх шафии · id 19230

التدريب في الفقه الشافعي

سراج الدين البلقيني

Полный текст (1 801 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

لِلْمُشْتَرِي. وهذا عندنا مَمْنوعٌ بَلِ الأظهرُ إبطالُ البَيعِ لِحُصولِ الجَهالةِ في المَنافِعِ المُستثناةِ حينَئِذٍ. ولَو أَفْلَسَ الزَّوجُ وحُجِرَ عليه بَقِيَ لَها حقُّ السُّكْنى، وتُقَدَّمُ به على الغُرمَاءِ والورَثةِ (١). وإذا ماتَ بعْدَ أن حُجِرَ عليه وكان قدْ طلَّقَها رَجعيًّا قَبْلَ الإفْلَاسِ فإنَّها تَنتقِلُ إلى عِدَّةِ الوَفاةِ، فلا تُقَدَّمُ على الغُرَماءِ، بل تضاربُ الغُرماءُ كالزَّوجةِ. ومتى ضَاربَتْ فإن كانتْ عدتُها بالأشهُرِ ضَاربَتْ بأُجرةِ المِثْلِ للأشهُرِ. وإنْ كانَتْ عدتُها بالأَقْراءِ أو الحَمْلِ ولها عادةٌ مستقيمةٌ ضاربَتْ بأقلِّ مُدَّةٍ يُمكِنُ انقضاءُ الأقراءِ فيها بأُجرَةِ ما بَقِيَ مِن أقلِّ مدَّةِ الحَمْل، وهي ستَّةُ أشهُرٍ من حِينِ العُلوقِ (٢). واختارَ المَاورْدِيُّ (٣) الأخْذَ بالعادةِ الغَالبةِ، وهو حَسَنٌ، والأولُ أرْجحُ. ويَحرُمُ على الزَّوجِ مُساكَنَتُها ومُداخَلَتُها، وإن كان في الدَّارِ لها مَحرَمٌ مُميِّزٌ ذَكَر أو (٤) له أُنثَى أو زَوجةٌ أُخرَى أوْ أَمَةٌ جَازَ، كذا في "المنهاج" (٥).

стр. 1297

والمُميِّزُ لا يَكفِي بل لا بد مِن البُلوغِ نصَّ عليه (١) الشافعيُّ ﵁: في "المختصر". ولَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بالاكتِفاءِ بالتَّمييزِ (٢). وقال الشَّيخُ أبو حامدٍ: عِندِي يَكفِي المُراهِقُ. وما ذُكِرَ في "المنهاج" من (٣) مَحرمٍ لها ذَكَرٍ يُوهِمُ أنَّ مَحرَمَها مِن النِّساءِ لا يَكفِي، وليس كذلك. فالمَرْأةُ الواحدةُ الأجنبيَّةُ الثِّقةُ كافيةٌ على ما صحَّحَه في "الروضة" (٤) فمَحرَمُها مِن النِّساءِ إذا كانَتْ ثقةً أَوْلَى بالجَواز. وما ذُكِرَ مِن الاكتِفاءِ بِزَوجةٍ أُخرَى أو أَمَةٍ يَنبغِي أن تكونَ ثِقَةً. * * *

стр. 1298

فصل في زوجة المفقود حُكْمُها بعد الحُكْمِ بِمَوتِه كالمُتوفَّى عنها في الإحْدَادِ والسُّكنَى. وفِي القَديمِ: تَتربَّصُ أَرْبعَ سِنينَ، ثُمَّ تَعتدُّ عِدةَ الوَفاةِ، ثم تَنكِحُ. ولِلْقَديمِ فُروعٌ كثيرةٌ لا يُفتَى بها. وقدْ سَبقَ في الفَرائضِ ما يَقتضِي إلحاقَهُ بالمَوتَى بالاجْتِهاد. * * * * ضابطٌ: ليس لنا مَوضعٌ يكونُ مُستنَدُ الحُكمِ فيه مُجرَّدَ الاجْتهادِ إلَّا هذا. * * *

стр. 1299

باب الاستبراء الاستِبراءُ لُغَةً. طَلبُ البَراءةِ. وفِي الشَّرعِ: عِبارةٌ عَن تربُّصٍ واجبٍ بِسَببِ مِلْكِ اليَمينِ حُدوثًا أو زَوالًا، ذَكرَ ذلك الرَّافعي عن "التتمة". ويُزادُ عليه حدوثُ الحلِّ في مِلْكِ الجَاريةِ كما سَيأتِي، وفِي التتمة نصٌّ بهذا الاسمِ لِتَقريرِه بأقَلِّ ما يَدُلُّ على البراءَةِ مِن غَيرِ تَكرُّرٍ وتَعَدُّدٍ (١) فيهِ. وخُصَّ التربُّصُ الواجبُ بِسَببِ العِدةِ اشتِقاقًا مِن العَددِ لِما فيه مِن التعدُّدِ. وهذا الذي قاله صاحب "التتمة" مردودٌ. والأصلُ في الاستِبراءِ مِن السُّنة: عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رَفَعَه إلى النبيِّ ﷺ أنَّه قال في سَبايَا أوطاس (٢): "لا تُنْكَحُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً".

стр. 1300

رواهُ أبُو داودَ وغيرُه بإسنادٍ صالحٍ للاحْتِجاجِ بِهِ (١). ورواه الشعبي عن النبيِّ ﷺ مُرْسلًا (٢).

стр. 1301

وروى أبو داود وغيرُه مِنْ حَديثِ رُويفعِ بْنِ ثَابتٍ الأنصاريِّ ﵁: أنَّه سَمِعَ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ يَوْمَ حُنينٍ: "لا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ" -يَعْنِي: إِتْيَانَ الْحَبَالَى- "وَلا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنَ السَّبْي حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا" (١). وفِي حديثِ ابنِ إسحاقَ: "بحيضةٍ" (٢). قال أبو داود: الحَيضةُ ليسَتْ بِمَحفوظةٍ (٣) -يعنِي مِن حديثِ رُويفعٍ، وقد سَبقَ في حَديثِ أبي سَعيدٍ ذِكْرُ الحَيضةِ. وفِي "صحيح مسلم" (٤) مِن حديثِ أبي الدَّرداءِ ﵁ عَن النبي ﷺ أنَّه أُتِي بامْرَأةٍ مُجِحٍّ (٥) على باب فُسطاطٍ فقال: "لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا؟! "، فقالُوا:

стр. 1302

نَعَم، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنةً تدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ، كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ (١) لَا يَحِلُّ لَهُ؟ أم (٢) كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لا يَحِلُّ لَه؟! " (٣)، انتهى (٤). المُجِحُّ: بضمِّ المِيمِ، وكسرِ الجِيمِ وبعدها حاءٌ مهملةٌ، وهي الحامِلُ المقرِبُ. وثَبَتَ في "صحيح البخاري" مِنْ حَديثِ أَنَسٍ ما يَقتضِي أنَّ النبيَّ ﷺ استَبَرأَ صَفيَّة، ثم تزوَّجَها -يعني: بعد أَنْ أَعتَقَهَا، قال أنسٌ: فخَرَجَ حتَّى بَلَغَ بِها سَدَّ الصَّهْباءِ (٥) حلَّتْ، فبَنَى بها رَسولُ اللَّه ﷺ (٦).

стр. 1303

ولا خلافَ في أنَّ النبيَّ ﷺ استَبرَأَ صَفيةَ. ويُتعجَّبُ مِن الحافظ (١) البيهقيِّ في تَرْكِ (٢) ذِكْرِ هذا الحديثِ الثابتِ والاقتصارِ (٣) على حديثِ أنَسٍ أن النبيَّ ﷺ استبَرَأَ صَفيَّةَ بِحَيضةٍ. قال البيهقيُّ: في إسنادِهِ ضعفٌ (٤).

стр. 1304

فإنْ قيلَ: لَعلَّه أَرادَ ما يتعلَّقُ بِحيضةٍ (١). قلتُ (٢): الحديثُ الثابتُ يَقتضِي ذلك، وعلي الجُملةِ فذِكْرُ الحديثِ الثابتِ متعيَّنٌ. * * * يجِبُ الاستِبراءُ (٣) بوَاحدٍ مِن سَبعةِ أسبابٍ:

стр. 1305

* أَحدُها: مِلْك أَمةٍ بِأَيِّ وُجوهِ المِلْكِ كان، وبِأيِّ حَالةٍ كانَتْ، [إلَّا إذا كانَتْ] (١) زَوجةً للمُشترِي (٢) الحُرِّ، فإنْ كان مُكاتَبًا فاشتراهَا (٣)، فإنَّه لا يحِلُّ له وَطْءُ أَمَتهِ وكذلك المُبَعَّضُ. * السَّببُ الثاني: تجدُّدُ حِلِّ الاستِمتاعِ للمالِكِ في مَملوكتِه التي زَالَ المَانعُ مِن الحِلِّ فيها بالنِّسبةِ إلى خَلَلٍ في الدِّينِ، فإذا كانتْ جَاريةً مجُوسيةً أوْ وَثَنيةً أوْ زِندِيقةً أو مُرتدَّةً أو يَهُوديةً أوْ نَصرانيةً مِن غَيرِ بَنِي إسرائيلَ على المَذهبِ المُعتمَدِ، أو مُنتقِلةً مِن كُفرٍ إلى غَيرِ دَينِ الإِسلامِ: ففِي جَميعِ هذه الصُّوَرِ يَجبُ استِبراؤُها عند زَوالِ المَانعِ لِتَجدُّدِ الحِلِّ. وأمَّا مَن كانَتْ صَائمةً أوْ مُصَلِّيَةً أوْ مُعتكِفَةً أوْ مُحرِمةً، فإنَّه لا يَجبُ استِبراؤُها عند زَوالِ المَانعِ، بِلا (٤) خِلافٍ، وشَذَّ مَن قال إنَّ المُحرِمةَ يَجبُ استِبراؤُها إذا فَرغَتْ مِن إِحرامِها. * السببُ الثالثُ: الحِلُّ في البُضْعِ بالنِّسبةِ إلى عُلْقةٍ لِغَيرِه فيه، فإذا اشترى

стр. 1306

جاريةً مزوَّجَةً بِغَيرِه، مُعتدةً مِنْ غَيرِه، فإنَّه إذا زَالتْ تِلك العُلْقةُ يَجبُ استِبراؤُها. * السببُ الرابعُ: مُركَّبٌ مِن الحِلِّ في المِلْك والبُضْعِ، كما إذا كانتْ مُكاتبةً أو جاريةَ مُكاتَبِهِ، فإنَّه يَحرُمُ وَطْؤُها على السيِّدِ الأَصليِّ لِوُجودِ الخَللِ في المِلْكِ والبُضعِ، ومِن ذلك الجَاريةُ التي استَبرأَها المكاتَبُ ولَم يَطأْهَا فإذا صَارتْ للسيِّدِ وَجبَ عليه استِبراؤُها، وكذلك فيما قَبْلَها، ومِن ذلك جَاريةُ (١) المَأذُونِ له في التِّجارةِ إذا كان (٢) عليه دُيونٌ فقُضِيَتِ الدُّيونُ، فإنَّ السيِّدَ يَحتاجُ إلى استِبرائِها، فإنْ كانتْ مُحرَّمةً عليه لِلْخَلَلِ المَذكورِ بِخلافِ المَرهونةِ، فإنَّه لا يَجِبُ استِبراؤُها بعد فَكِّ الرَّهنِ، إذْ لا خَللَ في مِلكِ المَرهونةِ، ولِهذَا إذا وَطِئَ المَالِكُ المَرهونةَ لا يَجِبُ عليه المَهْرُ قَطْعًا بخِلافِ جَاريةِ المَأذونِ في صُورةِ الدُّيونِ، فإنَّه يَجِبُ عليه المَهْرُ على وَجْهٍ رُجِّحَ. ومِن ذلك جَاريةُ القِراضِ إذا انْفَسخَ واستَقلَّ بها المَالكُ، وقُلْنا "إنه لا يَجوزُ له وَطْؤُها، والقِراضُ قَائمٌ"، فإنَّه يَجبُ الاستِبراءُ لِتَجدُّدِ الحِلِّ، وزَوالِ شُبهةِ المِلْكِ. * السببُ الخامسُ: زَوالُ الشَّكِّ في المُقتضِي لِلْحِلِّ، فإذا اشْتَرى زَوجتَه، ففِي حالِ خِيارِ المَجلسِ للْمُتعاقِدَيْنِ أو خِيارِ الشَّرْطِ لَهُما فإنَّه (٣) لا يَجوزُ للزَّوجِ أَنْ يَطأَها في هذا الحالِ، نَصَّ الشافعي في "الأُم" (٤) في تَرجمةِ مَن

стр. 1307

يَقعُ عليه الطَّلَاقُ مِن النِّساءِ على ما يَقتضِيه، فقال: لو أنَّ رَجلًا وُهِبَتْ له امْرأةٌ أو اشتَرَاها أو تُصُدِّقَ بها عليه فلَم يَقبِضِ المَوهوبَ له ولا المتصدَّقَ عليه، ولَمْ يُفارِقِ البيع من مَقامِهما الذي تَبايعَا فيه ولَمْ يُخَيِّرْ أحدُهما صاحبَه بعد البَيعِ، فيختارُ البَيعَ لَمْ يَكُنْ له أَنْ يَطأَ امْرأتَه بالنِّكاحِ؛ لأنَّ (١) له فيها سَببًا بمِلكٍ (٢) حتَّى يَرُدَّ المالكُ فتكونَ زَوجتَه بحالِها أو يَقومَ (٣) فيَفسَخَ (٤) ويكونَ له الوَطءُ بالمِلْكِ. انتهى. وفِي "الروضة" (٥) تَبَعًا للشرحِ: لو اشْتَرى زَوجتَه بِشَرطِ الخِيارِ فَهَلْ له وَطْؤُها في مُدَّةِ الخِيارِ؛ لأنها مَنكوحةٌ أوْ مَمْلوكةٌ، أَمْ لا؛ للتردُّدِ في حَالِها؟ وَجهانِ، قال البغويُّ: المَنصوصُ أنَّه لا يَحِلُّ. وذَكرَا في البَيعِ أنَّه ليس له الوَطءُ في زَمنِ الخِيارِ؛ لأنَّه لا يَدرِي أَيَطَأُ بالمِلْكِ أم بالزَّوجيةِ (٦). هذا هو الصَّحيحُ المَنصوصُ، وفِي وَجْهٍ: لَه الوَطْءُ [وما ذَكرَاه مِن التَّوجيهِ ليس بِمُعتمَدٍ؛ لأنَّ التردُّدَ بين حَلالَيْنِ لا يَمنعُ الوَطْءَ] (٧) فمَنْ وَجَدَ في فِراشِه امرأةً، وشَكَّ: هلْ هِيَ زَوجتُه أو أَمَتُه مَع قَطْعِه بأنها لا تَخرُجُ

стр. 1308

عنهما لا يَمتنِعُ وَطْؤُها، والتَّوجيهُ المُعتمَدُ ما سَبقَ ذِكرُه عن الشافعيِّ ﵁. ومُلخَّصُهُ: أنَّه شَكَّ في ارْتِفاعِ النِّكاحِ وفِي حُصولِ المِلْكِ، فامَتنعَ الوَطءُ؛ لأنَّه لَمْ يَتحقَّقْ بَقاءَ النكاحِ ولا وُجودَ المِلْكِ. ومِنْ ذلك ما إذَا اشْتَرى خُنثَى ثُمَّ بَانَ أُنثَى، فإنَّه يَجِبُ الاستِبراءُ لِوُجودِ الحِلِّ عند ظُهورِ الأُنوثةِ. * السببُ السادسُ: انتقالُ المَنفعةِ المُوصَى بها إلى الوَارثِ مالكِ (١) الرَّقَبةِ، فإنَّها تَحِل له الآنَ إن (٢) كانَت مِمَّنْ يَحبَلُ كان في وَطءِ الوَارثِ (٣) الجَاريةَ المَذكورةَ أَوْجه، الأصحُّ ثالثُها: إنْ كانَتْ مِمَّنْ يَحبَلُ فلا يَحِلُّ له وَطْؤُها، وإلا حلَّتْ، وهذا السببُ غريبٌ. * السببُ السابعُ: زَوالُ الفِراشِ عنْ مُستولَدَتِه أو عن مَوطُوءتِه بمِلكِ اليَمينِ، وهذا السَّببُ لا يَتعلَّقُ بِحِلِّ الوَطءِ للسيِّدِ، وإنما يَظهَرُ أَثرُه في تَزويجِها لِغَيرِ السيِّدِ، ولو كانَتِ المَوطُوءَةُ بمِلْكِ اليَمينِ مُدبَّرةً، فإنَّها تَعتَقُ بِالمَوتِ، فيَجِبُ استِبراؤُها لِتُزَوَّجَ بعدَ (٤) السيِّدِ، ولو استَبرأَ المستولَدَةَ ثم أَعْتقَها أو ماتَ عَنْها، فلا تُزَوَّجُ إلَّا بعد الاستِبراءِ؛ لأنَّ فِراشَها يُشبِهُ فِراشَ النِّكاحِ بِخِلافِ الأَمةِ المَوطوءةِ، فإنَّها تُزوَّجُ في الحالِ. ولَو ولَدَتْ أُمُّ الوَلدِ لَمْ يَنقطِعْ فِراشُها على الأرْجَحِ.

стр. 1309

ولو أَعتَقَ مُستولَدتَه فلَه أَنْ يَتزوَّجَها بِلَا استِبراءٍ على الأصحِّ، وكذا لَو استَبرأَها ثُمَّ أَعتقَها, ولَو أَعتقَ مُستولَدتَه أو ماتَ عنها وهِي مُزوَّجةٌ أو مُعتدَّةٌ فلا استِبراءَ عليها؛ لأنها لَيْسَتْ فِراشًا للسيِّدِ. * * * ومَتى انْقضَتْ عِدةُ الزَّوجِ، وكان السيِّدُ حيًّا، فإنها تَعودُ فِراشًا للسيِّدِ بِغَيرِ استِبراءٍ على المَذهَبِ، ولو ماتَ عَقِبَ (١) انقِضاءِ عِدَّةِ الزَّوجِ وجبَ الاستِبراءُ على النصِّ، بخِلافِ الأَمَةِ المزوَّجَةِ إذا زالَ حقُّ الزَّوجِ عنها، فإنَّه يَحتاجُ السيِّدُ إلى استِبرائِها على النصِّ في "الأُم" (٢). وفِي "شرح (٣) الرَّافعي" الحِكايةُ عن نصِّه في "الأُم" (٤)، فيما إذا كانتْ (٥) أَمَتُه (٦) مُعتدَّةً مِن زَوجٍ أنَّه لا يَلزَمُه (٧) الاستِبراءُ بعد انقِضاءِ العِدَّةِ، وفيما إذا زَوَّجَ أَمَةً، وطَلَّقَها الزَّوجُ بعد الدُّخولِ: أنَّه يَلزَمُ الاستِبراءُ بعد انقِضاءِ العِدَّةِ. وفِي "الإملاء" عنْ نَصِّهِ عَكْسُ الجَوابَينِ في الصُّورَتَينِ، فحصَلَتْ في

стр. 1310

الصُّورتَينِ قَولانِ مَنصوصانِ. ولَم يُرجِّحِ الرَّافعي (١) شَيئًا في ذلك. ولَمْ يَذكُرْ في "الروضة" هذه الحِكايةَ عَن النُّصوصِ (٢)، ولَمْ أَقِفْ على ما ذَكرَه عن "الأُم". والذي في "الأُم" (٣) في الصُّورتَينِ لُزومُ الاستِبراءِ، وفِي "الروضة" (٤) تَبَعًا للشَّرحِ تَرجيحُ وُجوبِ الاستِبراءِ، ونقَلَه البندنيجي عن النَّصِّ فيما ذَكراه، وفِي هذا المَوضعِ زَادتِ الفتنة على المُستولَدةِ. فعلى هذا يُزادُ سَببٌ ثامنٌ، وهو زَوالُ فِراشِ الزَّوجِ عن الأَمَةِ غيرِ المُستولَدَةِ، فإنَّه يَجِبُ عليها الاستِبراءُ بعد انقِطاعِ عُلْقَةِ الزَّوجِ، ومُضِيِّ مُدَّتِه (٥). والاستِبراءُ في ذَواتِ الأَقْراءِ بقَرءٍ، وهو حَيْضة كاملة على الجَديدِ؛ كذا ذَكرُوه، وليس ذلك في الجَديدِ. ففِي "مختصَر المُزَنِي" (٦): "الِاسْتِبْرَاءُ أَنْ تَمْكُثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي طَاهِرًا بَعْدَ مِلْكِهَا ثُمَّ تَحِيضُ حَيْضَةً مَعْرُوفَةً فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْهَا فَهُوَ الِاسْتِبْرَاءُ" (٧).

стр. 1311

[وفِي "الأم" (١): "الِاسْتِبْرَاءُ أَنْ تَمْكُثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي طَاهِرًا مَا كَانَ الْمُكْثُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَسْتَكْمِلَ حيضةً، فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْهَا فَهُوَ اسْتِبْرَاؤُهَا"] (٢). وفي (٣) "مختصر المزني" (٤): "وَإِنَّمَا قُلْت: طُهْرٌ ثُمَّ (٥) حَيْضَةٌ حَتَّى تَغْتَسِلَ مِنْهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ بِقَوْلِهِ في ابْنِ عُمَرَ يُطَلِّقُهَا طَاهِرًا [مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ] (٦) وَأَمَرَ النَّبِيُّ (٧) ﷺ في الإِمَاءِ أَنْ يَسْتَبْرِئْنَ بِحَيْضَةٍ، فَكَانَتْ الْحَيْضةُ الأُولَى أَمَامَهَا طُهْرٌ كَمَا كَانَ الطُّهْرُ أَمَامَهُ حَيْضٌ (٨) فَكَانَ قَصْدُ النَّبِيِّ ﷺ في الِاسْتِبْرَاءِ إلَى الْحَيْضِ وَفِي الْعِدَّةِ إلَى الْأَطْهَارِ". وفِي "الأُم" (٩) نحوُ ما في "المُختصَر" بأَبسطَ منه، وفيه (١٠): فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لِمَ زَعَمْت (١١) أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ طُهْرٌ ثُمَّ حَيْضَة، وَزَعَمْت في الْعِدَّةِ أَنَّ الْأَقْرَاءَ

стр. 1312

الْأَطْهَارُ؟ قُلْنَا لَهُ: بِتَفْرِيقِ الْكِتَابِ ثُمَّ (١) السُّنَّةِ بَيْنَهُمَا، فساق الكلام على ذلك، ثم قال: "كَانَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "يَسْتَبْرِئْنَ بِحَيْضَةٍ" يَقْصِدُ قَصْدَ الْحَيْضِ بِالْبَرَاءَةِ، فَأَمَرْنَاهَا أَنْ تَأْتِيَ بِحَيْضٍ، كَمَا أَمَرْنَاهَا (٢) إذَا قَصَدَ (٣) الْأَطْهَارَ أَنْ تَأْتِيَ بِطُهْرٍ كَامِلٍ". فهذِه نُصوصُ الجَديدِ، وهِيَ (٤) مُخالفةٌ لِما ذَكرُوه. وقَضيةُ هذه النُّصوصِ أنَّه لو (٥) مَلكَ الأَمَةَ آخِرَ الطُّهْرِ بِحيْثُ يَعْقُبُه الحَيْضُ مِن غَيرِ طُهْرٍ سَابقٍ أنَّه لا يُعتدُّ بِهذَا الاستِبراءِ، وقَضيةُ ما ذَكرُوه أنَّه يُعدُّ (٦) استِبْرَاءً (٧). والمُعتمَدُ ما ذَكرَه الشافعيُّ ﵁ في نُصوصِه، وحيثُ ذَكرَ الحَيْضةَ فمُرادُه التي يَتقدَّمُها طُهْرٌ، كما صرَّحَ به ﵁ في غَيرِ ذلك، ولَمْ أَقِفْ على نصٍّ يُخالِفُه. ومَا حَكاهُ الرَّافعيُّ عن "الإملاء" والقَديمِ مِن أنَّ القَرْءَ في الاستِبراءِ الطُّهْرُ، وفرَّعَ عليه أنَّه لو وُجِدَ سَببُ الاستِبراءِ، وهي طَاهِرٌ أنَّه يُكتفَى ببقيةِ (٨) الطُّهرِ على وَجْهٍ رَجَّحَه في "البسيط" لَمْ أَقِفْ على هذا النَّصِّ في كَلامِ

стр. 1313

الشافعيِّ، وهو مردودٌ بقولِه ﷺ : "حتَّى تَحيضَ حَيضةً" (١). ولا فَرْقَ في الاستِبراءِ الذي ذَكرْناه عن النُّصوصِ بيْنَ المُستولَدةِ وغيرِها. * * * * وأمَّا المُتحيِّرةُ، فلَمْ يَتعرَّضُوا لها في الاستِبراءِ، وتعرَّضُوا لها في العِدَّةِ، وهِي مِن المُشكلاتِ، فإنَّها وإنْ كانَتْ لها (٢) حَيضٌ وطُهْرٌ (٣) إلَّا أنَّ ذلك غَيرُ مَعلومٍ، فيُنظرُ إلى الزَّمانِ بالاحتِياطِ المُقرَّرِ في عِدَّتِها، فإذا مَضَتْ خَمسةٌ وأرْبعونَ يَومًا، فقَدْ حَصلَ الاستِبراءُ. وبَيَانُ ذلك أَنْ يُقدَّرَ ابتِداءُ حَيْضِها في أوَّلِ الشَّهرِ مَثَلًا، فلَمْ يُحسَبْ ذلك الحَيضُ، فإذا مَضَتْ خَمسةَ عَشرَ يَومًا طُهْرًا، ثم بعد ذلك خَمْسةَ عَشرَ يومًا فيها حَيضةٌ كامِلةٌ، فقَدْ حَصلَ الاستِبراءُ. وشَرطُ الاستِبراءِ بالحَيضِ أن لا يكونَ هناك حَمْلٌ، فإن كان هناك حَمْلٌ فلا يَكفِي استِبراؤُها بالحَيضِ، ولو كان الحَملُ مِن الزِّنى على الأصحِّ بِخلافِ العِدةِ. وأما النِّفاسُ فقد سبق في "آخِر الحَيضِ في فصلِ النِّفاسِ": أنَّه لا يحصلُ به الاستبراءُ؛ لأنه ليس بحَيضٍ، وإذا لم تكنِ المستَبْرَأةُ مِن ذَواتِ الأقْراءِ فاستِبراؤُها بِشَهرٍ؛ نصَّ عليه في "مختصر المزني" وغيرِه في أُمِّ الوَلدِ. وقال في كتابٍ آخَرَ: إن كانتْ لا تحيضُ لِصِغَرٍ أو كِبَرٍ فثلاثةُ أشهُرٍ أحبُّ

стр. 1314

إليْنَا, لأن الحَمْلَ لا يَتبيَّنُ (١) في أقلَّ مِنه (٢). واختارَ هذا جماعةٌ مِن الأصحابِ، مِنهم صاحبُ "المهذَّب" (٣). ويَشهدُ له قولُ الشافعيِّ ﵁: إنَّه أَحَبُّ إليْنَا. وقال المُزَنِيُّ: الأَشْبَهُ بما قال: إنَّ الشهرَ في الأمَةِ مقامُ الحَيضةِ (٤). وفِي "شرح الرافعي" أنَّه الأصحُّ عند المُعْظَمِ، وفيه نَظرٌ. ولو قيل: إن كانَتْ كبيرةً لَمْ تَحضْ أو آيسةً فاستِبراؤُها بِثلاثةِ أشهُرٍ، وإن كانتْ صغيرةً يَستحيلُ عادةً أَنْ تَحبَلَ، فيُكتفَى فيها بِشَهرٍ لَكانَ له وجْهٌ. وقولُ الشافعيِّ ﵁ "لأنَّ الحَملَ لا يتبيَّنُ (٥) في أقَلَّ مِن ثلاثةِ أشهُرٍ" (٦)؛ يُشيرُ إلى [ما] (٧) قرَّرْناهُ، ولَمْ نرَ مَنْ قال به. والفَتوى بما أَحبَّه الشافعيُّ أَحوَطُ. * * * * وأما الحامِلُ: فاستِبراؤُها بوَضعِ الحَملِ بِتَمامِه للحديثِ السابقِ. ولو كان الحملُ مِن الزِّنى، فإنَّه يحصُلُ بوَضعِه الاستبراءُ لِعُمومِ الخَبر عنِ النبيِّ ﷺ .

стр. 1315

وإذا مَلَكَها مَنْ صارتْ إليه مِن شَريكَيْنِ كانَا يطئانها، فإنَّه يَجِبُ استِبراءان على ما صحَّحه في "الروضة" (١) تبَعًا للشرحِ قُبَيلَ البابِ الثالثِ في عِدَّةِ الوَفاةِ. وذَكرَا قُبَيْلَ الكَلامِ على وَطءِ المُستبرَأةِ أو الاستِمْتاعِ بها (٢) أنَّه لو اشْتراها مِن شَريكَيْنِ ووَطئاها في طُهْرٍ واحدٍ، فهَلْ يَكفِي استِبراءٌ واحِدٌ لِحُصولِ البَراءةِ، أمْ يَجِبُ استِبراءانِ كالعِدَّتَينِ (٣) مِن شَخصَينِ؟ وَجهانِ. ويَجريانِ فيما لَو وَطئاها وأرادا (٤) تَزويجَها هلْ يَكفِي استِبراءٌ أم (٥) يَجبُ استِبراءانِ (٦)؟ ولَمْ يُصحِّحَا شَيئًا مِنَ الوَجهَينِ، وقدْ صَحَّحَا المَنْعَ في ذلك كما سَبقَ، وتَقيِيدُ وَطْئِهما بطُهرٍ واحدٍ، فيه نَظرٌ. ومَحلُّ الخِلافِ في غَيرِ المَسبِيَّةِ، فأمَّا المَسبِيَّةُ فلا يَتعدَّدُ فيها الاستِبراءُ مُطْلقًا لإطلاقِ الخَبرِ السابقِ. ولَو مَضَى زَمنُ الاستِبراءِ بأنْوَاعِه بعد المِلْكِ وقَبْلَ القَبضِ فهو مَحسوبٌ إن مُلِك بإِرثٍ، وإنْ مُلِك بِهِبةٍ فَلَا، كذا في "المنهاج" (٧) و"الروضة" (٨) تَبَعًا للشَّرحِ، وهو مُتعقَّبٌ، فإن المِلْكَ في الهِبَةِ لا يَحصُلُ إلَّا بالقَبضِ على

стр. 1316

الجديد، وإن مُلِكَ بالشِّراءِ اعْتُدَّ به على الأصحِّ، كذا (١) في "المنهاج" (٢). ومحلُّه ما إذا لَمْ يَكنْ هُناكَ خِيارُ مَجلسٍ ولا شرطٍ، فإن كان هناك خيارُ مَجلسٍ، فلا يُعتَدُّ بهذا الاستِبراءِ، نَصَّ عليه في "الأُم" (٣)، فقال: ولو اشتَراها فلَمْ يَقبِضْها, ولمْ يَتفرقَا حتَّى وَلدَتْ في يَديه (٤) البائعِ، ثم قَبضَها, لم يكُنْ له وَطؤُها حتَّى تَطهُرَ مِن نِفاسِها، ثم تَحيضَ في يَدِه (٥) حَيضةً مُستقبَلةً (٦)، مِنْ قِبَلِ أنَّ البَيعَ إنما تَمَّ له حين لَمْ يَكنْ لِلْبائعِ فيها (٧) خِيارٌ بأن يَتفرقَا عنْ مَقامِهما الذي تَبايَعَا فيه. وفِي "مختصر المزني" (٨) نحوُ ذلك. * * * * وأمَّا خيارُ الشَّرطِ، [ففِي "الروضة" (٩): "لَوْ وَقَعَ الْحَمْلُ أَوِ الْحَيْضُ في زَمَنِ خِيَارِ الشَّرْطِ] (١٠) في الشِّرَاءِ، فَإِنْ (١١) قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ، لَمْ يَحْصُلِ

стр. 1317

الِاسْتِبْرَاءُ. وَإِنْ قُلْنَا: لِلْمُشْتَرِي، لَمْ يَحْصُلْ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ". ولَمْ يَتعرضْ لِما إذا شُرِطَ الخيارُ للْمُشترِي وحدَه. وفِي "الأُم" (١): "لَوْ اشْتراهَا وَقَبَضَهَا، وَشَرَطَ لِنَفْسِهِ الْخِيَارَ ثَلَاثًا ثُمَّ حَاضَتْ قَبْلَ الثَّلَاثِ، ثُمَّ اخْتَارَ الْبَيع كَانَتْ تِلْكَ الْحَيْضةُ اسْتِبْرَاءً". وصوَّرَ الشافعيُّ ذلك بأن يقبِضَها المُشترِي، والكَلامُ السابقُ فيما قَبْلَ القَبضِ. ويَحرُمُ الاستمتاعُ بالمُستَبْرَأةِ بالوَطءِ وغَيرِه إلَّا في المَسْبِيَّة فيحِلُّ غيرُ الوَطءِ؛ كذا صحَّحَه في "المنهاج" (٢) و"الروضة" (٣) تَبَعًا للشرحِ. وهو خِلافُ نَصِّ الشافعيِّ ﵁ الذي نقلَهُ ابنُ بِشرِي عن "كتاب السير"، ولَفْظُه: وإذَا اشْتَرى مِن المَغنَمِ جَاريةً أو وَقعت (٤) في سَهْمِه لَمْ يُقَبِّلْها ولَمْ يتَلذَّذْ منها حتَّى يَستَبْرِئَهَا. وفِي نُصوصِه غَير هذا إطلاقُ مَنع الاستِمتاعِ لِلْمَمْلوكةِ حتَّى يَستبرِئَها، [ولَمْ يَستثْنِ] (٥) مسبيَّةً ولا غيرَها. واستَثْنَى المَاورْديُّ مِنْ ذلك الحامِلَ مِنَ الزِّنى، فحكَى [فيها، وفِي المَسبيَّةِ وَجهَيْنِ، ثانِيهما: لا يَحرُمُ، ولَمْ يُرجِّحِ الماورْدِيُّ] (٦) في ذلك شَيْئًا (٧).

стр. 1318

ووجَّه الشافعيُّ المنعَ من قِبَلِ أنه قد يَظهَرُ بِها (١) حَمْلٌ مِن بائِعِها، فيكونُ قد نَظرَ مُتلذِّذًا، أو تَلذَّذَ بِأكثرَ (٢) مِنَ النَّظرِ مِنْ أُمِّ وَلدِ (٣) غَيرِه، وذلك مَحظورٌ عليه. وفِي "المختصر" نحوُ ذلك. وهو يَعُمُّ المَسبيَّةَ وغيرَها كما تقدَّمَ، مَعَ أنَّ المَسبيَّةَ قدْ يَظهرُ أنها أمُّ ولدٍ لِمُسلِمٍ فيظهَرُ أنَّه لا مِلْكَ للسَّابِي (٤) عليها. وكأنهم لَمْ يلتَفِتُوا إلى ذلك لِنُدورِه، مع أنَّ النُّدرةَ فِي هذا البابِ لَمْ يَلتفِتِ الشافعيُّ إليها. ويَلزَمُ على الجَوازِ أنَّه لو اشترَى صَبيَّةً أو مِنْ صَبيٍّ أو امْرأةٍ بِحَيثُ (٥) يَستحيلُ ظُهورُ أنها مُستولَدةٌ لِأحدٍ أنَّه لا يَحرُمُ الاستِمتاعُ فيها بِغَيرِ الوَطءِ ولَمْ أَرَ مَن ذَكَرَهُ. وإذا قالتِ المُستَبْرَأةُ: "حِضْتُ"، صُدِّقَتْ؛ كذا في "الروضة" (٦) و"المنهاج" (٧)، وظاهرُهُ غيرُ مَعمولٍ به، فإنَّها لا تُصَدَّقُ مُطْلَقًا، حتَّى لو اختَلفَ البَائعُ والمُشتَرِي في وُجودِ حَيْضِها وعَدمِه، فإنَّها لا تُصَدَّقُ على

стр. 1319

واحدٍ مِنْهُما. والذي في "شرح الرافعي" (١): "اعتَمَدَ قولَهَا؛ يعني: السيِّدَ؛ فإنَّ ذلك لا يُعلَمُ إلَّا مِنها" (٢). وما ذَكرَه مِن أنَّه لا يُعلَمُ إلَّا منها مَمْنوعٌ، فإنَّ إقامةَ البيِّنةِ على الحَيضِ مَسموعةٌ. ومُرادُهُ بِقَولِه: "اعتَمَدَ" أنَّه يَجُوزُ للسيِّدِ أن يَعتمِدَ قولَها، ومحلُّ ذلك ما (٣) إذا لَمْ يَظهَرْ منها ما يمنعُ مِن الثِّقةِ بِقَولِها. وفِي "الروضة" تَبَعًا للشَّرحِ: "لا تُحلَّفُ"، زاد في "الشرح": فإنَّها لَو نكلَتْ لَمْ يَقْدِرِ السيِّدُ على الحَلِفِ (٤). وما ذَكرَهُ مِن عَدمِ القُدرَةِ على الحَلِفِ مَمنوعٌ. فإنْ (٥) تعلَّق بأنَّ النُّكولَ واليمينَ المردودةَ من تعلُّقاتِ الخصوماتِ عند الحاكِمِ. قلنا: هذا وجهٌ، وقضيةُ مقابلةِ القدرةِ على ذلك، وقد رُجِّح ذلك وسيأتي.

стр. 1320

ولَو أَرادَ السيِّدُ أَنْ يَطأَهَا فامتَنعَتْ، فقال السيدُ: "أَخبَرتْنِي بِتَمامِ (١) الاستِبراءِ" فإنَّه يُصدَّقُ السيِّدُ؛ كذا في "المنهاج" (٢) و"الروضة" (٣) تَبَعًا للشرحِ، وهو كلامٌ لا معْنى له فإنَّه لا مُحاكَمةَ عند حَاكمٍ حتَّى يُقالَ: "صدق". واللائِقُ أَنْ يقال: عَمَلُ السيِّدِ بما أَخبَرتْه، وفيه وَجْه: أنَّه لا يُعمل به. وهلْ لَها تَحليفُه؟ فيه وجهانِ، حقيقتُهُما أنَّه هَلْ لِلأَمَةِ المُخاصَمةُ في ذلك والارْتِفاعُ إلى الحَاكِم فيه الخِلافُ. وكذا لو قالتْ "وطِئَنِي أبُوكَ، فأنَا حَرامٌ علَيكِ"، وأنكَرَ (٤) هو ذلك؛ زاد في "الروضة" (٥): الأصحُّ أنَّ لها التَّحليفَ في الصُّورَتَيْنِ، وعليها الامتناعُ إذا تيقَّنَتْ بقاءَ شيءٍ مِن الاستِبراءِ، ولا تَصيرُ الأَمَةُ فِراشًا إلَّا بالوَطْءِ الذي عُرِفَ بإِقْرارِه أو ببَيِّنةٍ (٦)، فإذا وَلَدتْ [لزِمَن الإمكان] (٧) مِن وَطْئِهِ، فإنَّه يلحقُهُ إلَّا أَنْ يَدعيَ الاستِبراءَ ويحلَّفُ على نفْي الوَلدِ. وإذا وَلدتْ بعْدَ الاستِبراءِ لِدُونِ الإمكانِ فإنَّه يَلحَقُه، ويُلغى الاستِبراءُ،

стр. 1321

ولا يُنْفى باللِّعانِ، خِلافًا لِمَا صحَّحه المُتولِّي، وهو عَجيبٌ. وإذا ادّعتِ الوطْءَ وأُمِّيةَ الولدِ، وأَنْكرَ السيِّدُ الوَطْءَ، ففِي "الروضة" (١) و"المنهاج" (٢): إنْ كان هناك وَلَدٌ لَم يُحَلَّفْ على الصَّحيحِ، زاد في "الروضة" (٣) تَبَعًا للشرحِ: وإنْ لَم يَكنْ هُناكَ وَلَدٌ لَمْ يُحَلَّفْ، بِلَا خِلافٍ. وهذا لا يُعرَفُ في الطَّريقَيْنِ، وهو مَحْكيٌّ عن القفَّالِ ومَن تبِعَهُ، وهو مُخالِفٌ لِمَا عُلِمَ مِن قاعدةِ الشَّرعِ في الدَّعوى، وهو مَردودٌ لا يُعمَلُ به. ولو قال: "كنتُ أطأُ وأعزِلُ" فلا يَندفِعُ به نَسَبُ الوَلدِ على النصِّ، ومحِلُّ الخِلافِ فيما إذا كان الوَطءُ في القُبُلِ، فأما إذا كانَ في الدُّبُرِ، فإنَّه لا يلحقُ الولدُ قَطْعًا, ولَم أَرَ مَنْ تعرَّضَ لِذلك، واللَّه أعلمُ. * * *

стр. 1322

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الرضاع هو بِفَتحِ الرَّاءِ وكَسرِها، ورضِعَ بكَسْرِ الضَّادِ، يَرْضَعُ بِفَتحِ الياءِ والضَّادِ، وبِفَتحِ ضَادِ المَاضِي وكَسرِها في المُضارعِ، وامرأةٌ مُرْضِعٌ؛ أي: لها ولَدٌ تُرْضِعُه، فإنْ وَصفْتَها بإِرضَاعِه قُلتَ: مُرْضِعَةٌ. وهُو لُغَةً: اسمٌ لِمَصِّ الثَّدْيِ لِشُربِ اللَّبَنِ، وما تصرَّفَ منه رَاجعٌ إلى هذا المعنى، ورَضُعَ الرَّجلُ -بالضمِّ- كأنَّه كالشيءِ يطبعُ عليه. وشَرْعًا: وُصولُ لَبَنِ آدَميةٍ، يُمْكِنُ بُلوغُها، انفَصلَ منها في حَياتِها،

стр. 1323

وحَصَلَ في جَوفِ آدميٍّ حيٍّ قبْلَ الحَولَينِ (١) على وجْهٍ مَخصوصٍ. وهو مِمَّا ثَبتَ (٢) حُكْمُهُ شَرعًا، وإنْ تقدَّمَ الرَّضاعُ البعثةَ المُحمديةَ لِمَا صحَّ مِن قَولِه ﷺ في بنتِ أَبي سَلمةَ: "إنَّها لَو لَمْ تَكنْ (٣) رَبيبتِي في حَجْرِي ما (٤) حلَّتْ لِي أرْضعَتْيي وأبَاهَا ثُوَيْبةُ" (٥). وقال رسولُ اللَّه (٦) ﷺ في ابنةِ حمزةَ: "إِنَّهَا لا تَحِلُّ لِي، إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ" (٧). فَظهرَ (٨) بذلك تَرتيبُ الحُكمِ الشَّرعيِّ لِما سَبقَ مِن الرَّضاعِ قَبْل البعثةِ. [وقولُه تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ

стр. 1324

الرَّضَاعَةِ﴾ يَقتضِي وُجودَ رَضاعٍ في الزَّمنِ الماضِي، ولو قَبْلَ البعثةِ] (١)، وكذلك [ما صَحَّ مِن] (٢) قولِه ﷺ : "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلادَةِ" (٣). ولِلرَّضاعِ أَثرٌ في تَحريمِ النِّكاحِ وقَطْعِه، وإيجابِ مَهْرٍ أوْ نِصفِه أو بعضِهِ، أو مُتْعَةٍ على مَا سيأتِي تفصِيلُهُ، وثُبوتِ المحرميَّةِ المُقتضيَةِ لِجوازِ النَّظرِ والخَلوةِ، وعدمِ انتِقاضِ الوُضوءِ على أصحِّ القوليْنِ، وغسلِ الميتِ، والمُسافَرَةِ، دونَ سائِرِ أحكامِ النَّسبِ مِن ميراثٍ ونفقةٍ وإعفافٍ وعتقٍ بملكٍ وسقوطِ قِصاصٍ وتَحَمُّلِ عاقلةٍ وحضانةٍ وولايةٍ وولاءٍ ورَدِّ شهادةٍ وحكمٍ وغيرها (٤). * * * وشَرْطُ الرَّضاع المحرِّمِ (٥):

стр. 1325

١ - أَنْ يكونَ مِن آدمِيَّةٍ (١)، ولم يقُلْ مِن (٢) امرأةٍ. وقال الشافِعِيُّ ﵁ في "الأم" (٣) في الرضاع (٤): "إنَّمَا يُحَرِّمُ لَبَنُ الْآدَمِيَّاتِ". فعلى هذا؛ الرَّضاعُ مِن بَهيمةٍ أو ما يظهرُ مِن البحرِ على شَبَهِ الإنسانِ -وهُو أُنثى- لا يثبُتُ بِهِ التَّحريمُ (٥). أمَّا في البهيمةِ فنصَّ عليه، واتَّفق عليه الأصحابُ (٦). فلو ارتَضَعَ طِفلانِ مِن بَهيمةٍ فَلَا أُخوةَ بينهما بسببِ الَّلبنِ المذكورِ, لأنَّ الأُخوَّةَ مِن قِبَلِ الأُمومةِ (٧)، ولا أُمومةَ، فَلَا أُخُوَّةَ مِن جهتِها، وقد ثبتَ (٨) في الرَّضاعِ أُخوةُ الأبِ، وإنْ لم تثبتِ الأُمومةُ، كما في المُستَوْلَدَاتِ ونحو ذلك، وسيأتِي (٩).

стр. 1326

وأما الجِنِّيَّةُ فيُحْتَمَلُ أن يحرِّمَ لبنُها؛ لأنَّها مِن جِنس المُكلَّفين، بِخِلافِ البهيمةِ وأُنثى البحرِ، وظاهِرُ النصِّ يقتضِي أنَّ لبنَهَا لا يُحرِّمُ (١)، وهذا إذا كان لها لَبنٌ، فإنْ لم يكُنْ لها لبنٌ، فالصُّورةُ مُحالة، وكذلك أُنثى البحْرِ (٢). فإن قيل: فقد ذُكِر عن أُنثى البحْرِ أنَّها حبلتْ مِن آدمِيٍّ (٣)، قلتُ (٤): لا (٥) تصِحُّ هذِهِ الحكايةُ، وإن صحَّتْ فليستْ مِن جِنسِ المُكلَّفين. وخَرَج بِـ "الآدميَّةِ": الرجلُ والخُنثى، فلو دَرَّ لرجُلٍ لبنٌ، فأرضَعَ بِهِ أُنثى، لم تَحْرُمْ عليهِ، لكِنْ يُكرهُ له نكاحُها؛ نصَّ عليه في "البويطي" (٦). وفِي "الأم" (٧): لَا أَحْسَبُهُ يَنْزِلُ لِلرَّجُلِ لَبَنٌ، فَإِنْ نَزَلَ لَهُ لَبَنٌ فَأَرْضَعَ بِهِ (٨) مَوْلُودَةً (٩) كَرِهْتُ لَهُ نِكَاحَهَا وَلِوَلَدِهِ، وإِنْ نَكَحَهَا لَمْ أَفْسَخْهُ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذَكَرَ رَضَاعَ الْوَالِدَاتِ، وَالْوَالِدَاتُ إنَاثٌ، وَالْوَالِدُونَ غَيْرُ الْوَالِدَاتِ، وَذَكَرَ الْوَالِدَ بِأَنَّ عَلَيْهِ مُؤْنَةَ الرَّضَاعِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْآبَاءِ حُكْمَ الْأُمَّهَاتِ

стр. 1327

وَلَا حُكْمُ الْأُمَّهَاتِ حُكْمَ الْآبَاءِ وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ أَحْكَامِهِمْ (١). وما نَصَّ عليه ﵁ هو المشهورُ، وفيهِ وجهٌ يُنسب إلى الكَرَابِيسي (٢) بالتَّحرِيم (٣). وقيل: إنه مخرَّج. وقد سَبَقَ في النَّجاساتِ أنَّ ابنَ الصَّباغ قال: إنَّه نجسٌ يحرُمُ شربُهُ (٤)، وهو خلافُ مقتضى حكايتِهِ (٥) عن الشافِعِيِّ ﵁ وهي: أنَّه حَضَرَ رجلٌ عندَ الرَّشِيدِ له لَبَنٌ أَرْضَعَ منه، ولم يُنكِر ذلك الشافِعِيُّ (٦).

стр. 1328

وأما الخُنثى (١): فإن اسْتُدِلَّ بلبنِهِ على أُنوثتِهِ عندَ (٢) فَقْدِ سائِرِ الأَماراتِ فهو مُحَرِّم (٣). وعن أبِي إسحاقَ (٤): يُعرض اللبنُ على القَوَابِلِ، فإنْ قُلْنَ: إنَّ مثلَ هذا اللبَنَ (٥) لا يكونُ إلَّا لِلإناثِ، حُكِمَ بأُنُوثتِهِ، وَحَرَّمَ. والمذهبُ أنَّه لا يثبُتُ بِهِ أُنوثةٌ؛ فعلى هذا يوقفُ التحريمُ على تبيُّنِ حالِهِ، فإنْ بأن أنَّه أُنثى ثَبَتَ التحريمُ، فإنْ قال بعد ذلك: "أنا ذَكَرٌ" لم يُقبلْ منهُ، وإنْ بأن أنَّه ذَكَرٌ، فَلَا تَحريمَ (٦) إلَّا على وجهِ الكَرَابِيسيِّ (٧). * * * ٢ - ومِن شرطِ ذاتِ اللبَنِ: أَنْ تكونَ حيةً حالَةَ (٨) انفِصالِ اللبَنِ منها، فلو ارْتَضَعَ مِن مَيتةٍ أو حُلب لبَنُها (٩) وهي ميتةٌ: لم يتعلَّقْ بِهِ التحريمُ (١٠).

стр. 1329

ولو حُلِب في حياتِها و (١) أُوجِرَهُ الرضيعُ بعد موتِها: حرَّم على النَّص المعتمَدِ (٢)؛ لِخروج اللبنِ مِنها وهِي حيةٌ، وفِيه وجهٌ: أنَّه لا يُحَرِّم، إذْ لا أُمومةَ بعدَ الموتِ بِخِلاف الأُبوَّةِ بعدَ الموتِ، فإنَّها تثبُتُ اتِّفاقًا. ومحلُّ هذا الوجهِ فِيما إذا ماتَتْ قبلَ (٣) حصولِ اللبَنِ في فيهِ، أمَّا إذا ماتَتْ (٤) بعْدَ حُصولِ اللبَنِ في فَيهِ، ثُم شرِبهُ [بعدَ موتِها] (٥)، فإنَّه يحرِّمُ قطعًا. وقِيل: الوجْهُ مُطلقًا، وهو الأرجحُ. ولو خَرَجَ اللبَنُ مِن غيرِ الطرِيقِ المُعتادِ بأنْ خَرَجَ مِن ثُقبٍ في [الثَّدي، فالقياسُ أنَّه يُحرِّمُ، ولو قُطِع الثَّديُ فشُرِبَ مِن اللبَنِ الخَارِج مِن أصلِهِ حرَّم، وللمسألةِ شَبَهٌ بِخُروج المنيِّ مِن ثقبٍ في] (٦) الذَّكَر أو في الأُنْثَيين أو انكسر صلبُهُ فَخَرَجَ مِنه المَنِيُّ (٧)، لكن الأرجحُ هُنا التحريمُ؛ لوجود الغِذاءِ بِهِ، ومحلُّ ذلِك فِيما إذا كان مُسْتحيلًا، أمَّا إذا كان دمًا، فَلَا أثرَ له قطعًا. * * *

стр. 1330

واعلمْ أنَّه لَا يُشْتَرَطُ لثبوتِ التَّحريم بقاءُ الَّلبنِ المُحرِّم على هيئتِهِ حالةَ انفِصالِهِ عنِ الثَّدي، فلو تغيَّر بحموضةٍ أو انعقادٍ أو غليٍ (١)، أو صار جُبنًا، أو أقِطًا، أو زُبدًا، أو سَمنًا، أو مخيضًا، أو مصْلًا، أو مشًّا، وتناوَلَ ذلك الرضيعُ ثَبَتَ التحريمُ بشرطِهِ؛ لِوصولِ الَّلبنِ إلى الجَوْفِ، وحصولِ التَّغذِّي بِهِ (٢). وقد نصَّ في "الأم" و"المختصر" (٣) على الجُبنِ، فقال: "وَلَوْ جَبُنَ اللَّبَنُ فَأُطْعِمَهُ كَانَ كَالرَّضَاعِ" (٤). فلم يتْبَع الشافعيُّ اسمَ اللبن؛ قال الغزالِيُّ (٥): اعتَبَرَ الشافعيُّ اسمَ الإرْضاع، ولم يعتَبِرْ اسمَ اللبنِ (٦). وما قاله الغزاليُّ مُشكلٌ مِن أجلِ أنَّ الرَّضاعَ والإرضاعَ لا يُشْترطُ وجودُ حقيقتِهِما.

стр. 1331

وما قاله الغزاليُّ يُقررُ بأنَّ الإرضاعَ يقتضِي إيصالَ جُزءٍ مِن الذِي يحصُلُ بِهِ الغِذاءُ، وذلك هو المُعتَبَرُ عندَ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَلَا يُعتبَرُ عِلاجُ المرأةِ. وفي (١) "البسيط" (٢): لَم يتبع الشافعيُّ اسمَ اللبن، وإن اتَّبع اسمَ الإرضاع (٣)، وكأنه (٤) يتخيلُ وصولَ جزءٍ مِن المُرْضِع (٥) إلى المُرتضِع، وقد وَصَل قطعًا. ولم يذكروا في الجُبن ونحوِهِ القَدْرَ الذي يثبُتُ بِهِ (٦) التحريمُ، والقياسُ: أنَّه يعتَبَرُ أن يأكُلَ مِن ذلك (٧) قدْرًا لو كان لبنًا أَمْكن أن يرتَضِعَ مِنهُ خَمْسًا، وأنْ يكونَ التفرِيقُ موجودًا في الابْتِداءِ والانْتِهاءِ، ولا يُعتبَرُ في كلِّ أكلةِ الشِّبَعُ مِن ذلك المأكولِ، والمُعْتَبَرُ ما ذُكر في اللبن. * * * وأمَّا المخلوطُ فِفِيه صورٌ: * أحدُها: أن يُعْجَنَ باللبنِ دقيقٌ ويُخبزُ، ففِي"الروضة" (٨): الصحيحُ أنَّه يحرِّمُ، وفِي "الشرح": فيه وجهٌ عنِ القاضِي حُسين.

стр. 1332

والراجِحُ عندي التفصيلُ؛ فإنْ ذَهَبَ أثرُ اللبن فَلَا تحرِيمَ، وإنْ بَقِي أثرُهُ بِنعومةٍ ونحوِها مِما يخالِفُ عجنَه بالماءِ، فإنَّه يثبُتُ بِهِ التحريمُ. * الصورةُ الثَّانية: المخلوطُ في غيرِ صورةِ الخُبزِ، فإنْ كان بِمائع أو جامِدٍ يَنْمَاعُ كالسُّكَّرِ أو ثُرِدَ (١) به طعام، ففِي "الأم" (٢) في ترجمة رَضَاعَةِ الكبير (٣): "وَإِنْ خُلِطَ لِلْمَوْلُودِ لَبَن في طَعَامٍ فَيَطْعَمُهُ كَانَ اللَّبَنُ الْأَغْلَبَ (٤) أَوْ الطَّعَامُ إذا وَصَلَ اللَّبَنُ إلَى جَوْفِهِ، وَسَوَاءٌ شِيبَ لَهُ اللَّبَنُ بِمَاءٍ كَثِيرٍ أَوْ قَلِيلِ إذَا وَصَلَ إلَى جَوْفِهِ فَهُوَ كُلُّهُ كَالرَّضَاعِ" (٥). ثم قال الشافِعِيُّ (٦): "وَلَوْ أَنَّ صَبِيًّا أُطْعِمَ لَبَنَ امْرَأَةٍ في طَعَامٍ مَرَّةً وَأُوجِرَهُ أُخْرَى، وَأُسْعَطهُ أُخْرَى، ثُمَّ أُوجِرَهُ وَأُطْعِمَ حَتَّى يَتِيّمَ لَهُ خَمْسُ مَرَّاتٍ كَانَ هَذَا الرَّضَاعُ الَّذِي يُحَرِّمُ، كُل وَاحِدٍ مِنْ هَذَا يَقُومُ مَقَامَ صَاحِبِهِ، وَسَوَاءٌ لَوْ كَانَ مِنْ صِنْفِ هَذَا (٧) خمسٌ مِرَارًا، أَوْ كَانَ مِنْ أَصْنَافٍ شَتَّى". وقال المزنِيُّ (٨): "أَدْخَلَ الشَّافِعِيُّ عَلَى مَنْ قَالَ: إنْ كَانَ مَا خُلِطَ بِاللَّبَنِ أَغْلَبَ لَمْ يُحَرِّمْ، وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ الْأَغْلَبَ (٩) حَرَّمَ فَقَالَ: أَرَأَيْت لَوْ خَلَطَ

стр. 1333

حَرَامًا بِطَعَامٍ وَكَانَ مُسْتَهْلَكًا في الطَّعَامِ (١) أَمَا يُحَرِّمُ؟ فَكَذَلِكَ اللَّبَنُ" (٢). ولم يختلِفْ قولُ الشافِعِيِّ في ذلك، وذكر في "الروضة" (٣) تبعًا للشرح، وفِي "المنهاج" (٤) تبعًا للمُحرَّر (٥) قولين في التَّحريم بالمغلوبِ، وهذا مخالفٌ لِكلام الشافِعِيِّ في "الأم" و"مُختصر المُزنِي"، ولم يذكُرِ العِراقِيون ذلك ولَا المراوزةُ إلَّا البغويَّ والزَّازَ ومَن تبِعهما، وأما المخلوطُ بالماء فهو كالمخلوطِ بالمائِعِ. ومِنَ الأصحابِ مَن فرَّق بينَ الماءِ وغيرِهِ، وقال في الماءِ واللبن: مغلوبٌ فيه إنِ امتَزَج بما دون القُلَّتين، وشَرِبَه الرضيعُ كلَّه، ففِي ثبوتِ الحُرْمةِ قولان (٦). وإن شرب بعضَه فوجهانِ، أو قولان مرتَّبان، وأولى بأنْ لَا يثبت، وإنِ امتَزَج بقُلَّتينِ فأكثر، فإنْ (٧) لم يثبتِ التحريمُ بدون (٨) القُلَّتين، فهنا أَولى، وإنْ

стр. 1334

أثبتناه، وتناول بعضَهُ لم يؤثِّرْ. وإنْ شرِبَه كلَّه فقولانِ مُرتبَّان، وأولى بأنْ لَا يُؤثِّر (١). وهذه الطريقةُ ضعيفةٌ لا تُلائِمُ أدلةَ الشرع، ولا يُعْتَبَرُ بِجريان الغزالِيِّ عليها، وهي مردودةٌ. (٢). * * * وفِي المُراد بِالمغلوبِ وجهان: * أحدهما: خروجُه عن كونِهِ مُغذِّيًا. * والثانِي: أنَّ الاعتبارَ بِصفاتِ الَّلبنِ: الطعمُ واللونُ والرائحةُ؛ فإنْ ظَهَرَ شيْءٌ في المخلوطِ فاللبنُ (٣) غالِبٌ، وإلَّا فمغلوبٌ، وصُحح (٤). والصحيحُ عندنا أَنْ نقدِّر اللبنَ بالمخالِفِ الأشدِّ كما في النَّجاسةِ المواقعةِ لِلماءِ (٥). * ضابطٌ: ليسَ (٦) في الشريعةِ اعْتبارُ قُلَّتينِ إلَّا في بابينِ (٧): الطهارَةُ، والرَّضاعُ.

стр. 1335

ومِن شرْطِ ذاتِ اللبنِ كونُها مُحتملَةً للبلوغ، وفِي "الروضة" (١) تبعًا للشرح كونُها مُحتملَةً لِلولادة، وهو غيرُ مُستقِيم؛ لأنَّ احتمالَ الولادةِ يَستدعِي تقدُّمَ مدةِ الحملِ، وذلك (٢) غيرُ معتبَرٍ اتِّفاقًا. وقولُنا: "مُحتملةً لِلْبلوغ" أردْنَا (٣) بِهِ البُلُوغَ بِالمنِيِّ، وكذا بالحيْضِ، وفِي "المنهاج" (٤) تبعًا للمُحَرَّر (٥): أن يحصُلَ اللبَنُ بعدَ تِسع سِنين، وليس كذلك، بل اللبنُ الموجودُ قبلَ تِسع سنين بزمنٍ لا يسعُ حيضًا وطُهرًا يُحَرِّمُ (٦)؛ تفريعًا على ما صححوه من"التقريب"، كما يُحْكم بأنَّ الدَّمَ الموجودَ في الزمنِ (٧) المذكُورِ حيْضٌ، وحيْثُ لم يَصِلْ إلى الإمكانِ، فلبنُها لا يُحَرِّمُ، وأما البِكْرُ التي يُمكِنُ أن تحبَلَ فلبنُها مُحَرِّمٌ. وقال الشافعيُّ: لَوْ أَنَّ بِكْرًا لَمْ تُمَسَّ (٨) بِنِكَاحٍ وَلَا غَيْرِهِ، أَوْ ثَيِّبًا، وَلَمْ يُعْلَمْ لِوَاحِدَةٍ (٩) مِنْهُمَا حَمْلٌ نَزَلَ لَهُمَا (١٠) لَبَنٌ فَحُلِبَ فَخَرَج (١١) فَأَرْضَعَتَا بِهِ مَوْلُودًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ؛ كَانَ ابْنَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَلَا أَبَ لَهُ، وَكَانَ في
следующие страницы →