← Фикх шафии

Фикх шафии · id 19230

التدريب في الفقه الشافعي

سراج الدين البلقيني

Полный текст (1 801 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

فإنْ خالَفَ لَم يَبطُلِ النِّكاحُ على المَذهبِ، ويُتوقَّفُ للتَّبيُّنِ (١) كما سَبقَ. وإنِ ارْتابَتْ بعد النِّكاحِ لَمْ نُبطِلْه، والأَوْلَى أَنْ يُمنعَ مِن مُعاشَرتِها حتَّى تَزولَ الرِّيبةُ. فإنْ وضعتْ لِدُونِ سِتَّةِ أَشهُرٍ مِن النكاحِ تَبَيَّنَّا بُطلانِه؛ كذا قالُوه، وعِندِي أنَّ السِّتةَ أَشهُرٍ فِي ذلك (٢) كدُونِها لِمَا تَقدَّمَ. وأنَّه لا يَبطُلُ النِّكاحُ إذا تَوافَقَ صاحِبُ العِدَّةِ والمُعتدَّةُ على أنَّه (٣) مِنْ زنًى ونَفاهُ باللِّعانِ. وإنِ ارْتابَتْ مَن وَضَعَتْ مِن بَقاءِ حَركةٍ تَجدُها وبمحَتْ، فالنِّكاحُ مَوقُوفٌ؛ نَصَّ علَيه فِي "الأُم"، وهِيَ كمَنِ ارْتابَتْ بعْدَ انقِضاءِ عِدَّتِها فيما (٤) سَبقَ، ويَحتَمِلُ أن تكونَ كالأُولى. ولَو رَاجعَ المُطلِّقُ زَمنَ التَّوقُّفِ فِي الصُّوَرِ كلِّها، وُقِفَتِ الرَّجعةُ؛ نَصَّ عليه فِي "الأُم". * * * ومَن تعلَّق بها عِدَّتانِ (٥) فأكثرُ لِشَخصٍ واحدٍ ثَبتَ التَّداخُلُ، وسواءٌ

стр. 1262

أكانَتْ (١) مِنْ جِنسٍ أوْ مِنْ جِنسَينِ على الأصَحِّ: فالأوَّلُ حَيثُ لا حمْلَ تَعتدُّ به فيمَنْ شَرعَتْ فِي عِدَّةِ فِراقِ زَوجٍ فِي حياتِه (٢)، ثُمَّ وَطِئها مَرَّةً أوْ مِرارًا (٣)، وهِيَ رَجعيةٌ أو مَع الجَهلِ بالتَّحريمِ فِي البَائنِ. والتَّداخلُ أنَّها تَعتدُّ لِلآخِرِ (٤) بِمَا (٥) يَجِبُ علَيها بسَبَبِه مِنْ أَقراءٍ أوْ أشهُرٍ، ويَدخلُ فيه بَقيَّةُ (٦) مَا سَبقَ، فالبَقيَّةُ مُشترَكةٌ بيْنَ السابِقِ والمُتأخِّرِ. ولو مَضَى شَهْرٌ فِي الحُرَّةِ التي لَمْ تحِضْ، ثُمَّ وَطِئ، وحَدَثَ الحَيضُ، انفَردَ الماضِي بِشَهْرٍ، واشَتركَ مَع الحادِثِ فِي قَرءَينِ، وانَفردَ الوَطءُ بقَرءٍ، وتَبعَّضَتِ الأُولى مِن أشهُرٍ وأَقْراءٍ. وكذا لو فَارقَ مَن تَحيضُ فاعتدَّتْ بِقَرءٍ، ثُمَّ وَطِئ وأَيِسَتْ، فإنَّه يَنفرِدُ الماضِي بقَرءٍ، ويَشترِكُ مَع الحَادثِ فِي شَهريْنِ، ويَنفرِدُ الحَادثُ بشَهْرٍ. ولو أَيِستْ، فاعتدَّتْ بِشَهرٍ، ثُمَّ وَطئَ (٧)، وحاضَتْ، فتَعْتَدُّ لِلأَخيرِ بالأقْراءِ مِنها قَرءانِ للمَاضِي، وقَرءٌ لِلْحادِثِ. ولو اعتدَّتْ مَن لَم تحِضْ بشَهرٍ، ثُمَّ وَطِئها، وحاضَتْ، فاعتدَّتْ بقَرءٍ، ثُمَّ وَطِئها وأيِسَتْ، فإنها تَعتدُّ بثلاثةِ أشهُرٍ، فالأولُ منها مُشتَرَكٌ بيْنَ الثلاثةِ،

стр. 1263

والثاني مُشتَرَكٌ بيْنَ الثاني والأخِير، والثالثُ مُختصٌّ بالأخِيرِ. ومَا ذَكرْنَاه هُو قَضيَّةُ إطْلَاقِ التَّداخُلِ الذي دخَلَتْهُ المُسامَحةُ، ومَنْ نَظرَ إلى ما يُوجِبُه السبَبُ، وأَبْطلَ التَّبعيضَ، لَمْ يَتأْتَّ عِنْده ذلك، وهُو خِيارٌ له وَجْهٌ، والأرْجحُ خِلافُه، لِوُجودِ عِدَّةٍ كامِلةٍ غَيرِ مُبعضةٍ. ولا يُعرفُ التَّبعيضُ على الفَتوى إلا فِي التَّداخُلِ [على ما (١) رجَّحْناهُ وما سَبقَ على وَجْهٍ هُو فِي غَيرِ التَّداخُلِ] (٢). وإنْ كانتَا (٣) مِن جِنْسَينِ كحَملٍ مِن نِكاحٍ، أوْ مِن حَادثٍ بِشُبهةٍ، فالأصحُّ التداخلُ (٤)، فتَنقضِيانِ بالوَضعِ، ولا أثَرَ لِمُضيِّ الأشهُرِ مَع الحَملِ، ولا لِرُؤيةِ الدَّمِ على الحَملِ، وإن جَعلْناهُ حَيْضًا. ومَا وَقعَ فِي "الروضة" تَبَعًا (٥) للشرحِ مِن قولِه: "إنْ جَعلْنَاهُ حَيْضًا انْقضَتِ العِدَّةُ بالأَقْراءِ مَعَ الحَملِ على الأصَحِّ" إنَّما هو (٦) تَفريغ على عَدَمِ التَّداخُلِ (٧)، ولَزِمَ مِنْ فَهْمِ خِلافِ ذلك أوْهَامٌ كَثيرةٌ تَتَعلَّقُ بِالرَّجعةِ،

стр. 1264

والمِيراثِ، والنَّفقةِ، ولحاقِ الطَّلَاقِ، وغَيرِ ذلك، وعلى (١) عَدمِ التداخُلِ تَنقضِي بالأشهُرِ أيضًا فيمَنْ تَعتدُّ بالأشهُرِ. ولو أحْبَلَ خَلِيةً بشُبهةٍ، ثم نكَحَهَا، ووَطِئَهَا، ثُم فارقَهَا، فلا تداخُلَ على الأرْجَحِ، فتَعتدُّ بعْدَ وَضْعِهِ للفِراقِ (٢). ولَوْ رَأَتِ الدَّمَ على الحَمْلِ، وجَعلْنَاه حَيْضًا؛ انقَضتْ به عِدَّةُ الفِراقِ على الأرْجحِ، وكذلك بالأشهُرِ.

стр. 1265

* ضابطٌ: لا تَنقضِي العِدَّةُ بالأَقْراءِ أوِ الأشهُرِ مع وُجودِ الحَمْلِ على الأرْجَحِ إلا فِي هذا، وحَمْلِ الزِّنى، وطردَه القاضِي حُسينٌ فِي العِدتَينِ مِن شَخصَينِ -يعني؛ حَيثُ لا تَداخُلَ- وذكَرَه فِي الأَقْراءِ، وهو القِياسُ؛ خِلافًا لِمَنْ ضَعَّفَه، ويأتي مِثلُه فِي الأشهُرِ. * * * وأمَّا ما تعلَّقَ مِن العِدَدِ لِشخصَينِ (١) فأكثَرَ فِي أَهْلِ الحَربِ، فإنه يُحكَمُ فيها بالتداخُلِ على النَّصِّ فِي "الأُم" فِي تَفريعِ نِكاحِ أهْلِ الشِّركِ (٢). ونَسبَه البَندَنيجِي إلى "الجامع الكبير" وصحَّحَه هو والبغويُّ، فهُو المُعتمَدُ (٣)؛ خِلافًا لِمَنْ رَجَّحَ عَدمَ التَّداخُلِ، ولِمَنْ رَجَّحَ سُقوطَ بَقيةِ الأوَّل. ولو أنَّ الأولَ حَربيٌّ، والثاني مُسلِمٌ أو ذِمِّيٌّ، دخَلتْ بقيةُ الأوَّلِ فِي عدَّةِ الثاني، بخِلافِ (٤) العَكسِ. وحيثُ كانتِ المَرأةُ مُسلِمةً أو ذِمِّيَّةً فلا تَداخُلَ، وعلى التَّداخُلِ لا تَنقضِي

стр. 1266

العِدَّةُ بالأَقْراءِ على الحَمْلِ كمَا سَبقَ، وأمَّا فِي غَيرِ ذلك فلا تَداخُلَ على المَذهبِ، فتُقدَّمُ عِدَّةُ الحَملِ (١) وإنْ تأخَّرَ سَببُها. وحيثُ لا حَمْلَ تَتَقدَّمُ عِدَّةُ الطَّلَاقِ، وإنْ تَأخَّرَ عَن عِدَّةِ الشُّبهةِ، وفِي غَيرِ ذلك يُقدَّمُ السابِقُ. وتَنقطِعُ عِدةُ الطَّلَاقِ فِي غَيرِ الحَملِ (٢) بالوَطءِ، لا بِمُجرَّدِ العَقدِ الفَاسِدِ، وتَعودُ إلى عِدَّةِ الطَّلَاقِ مِن التَّفريقِ، وفِي الحَامِلِ مِن الوَضعِ، ولا يُحسَبُ زَمَنُ الافتِراشِ بعْدَ الوَطءِ عنْ عِدَّةٍ بِغَيرِ الحَملِ، فإنْ لَم يَطأْ لَمْ يَمنع الاحتِسابَ على الأصَحِّ. ومُخالطةُ صَاحبِ العِدَّةِ بالوَطءِ غَير الزِّنى والاستِفْراش مَعَه، حيثُ لا حَملَ مانعٌ مِن انقِضاءِ عِدُّتِه (٣)، فإنْ لَمْ يَطأْ لَم تَمنعْ مخالطتُه الانقضاءَ فِي البائِنِ ولا فِي الرَّجعيةِ على الأصَحِّ المُعتمَدِ الذي قالَه المُحقِّقونَ، ولا نَصَّ للشافعيِّ فِي المَسألةِ، وإطلاقاتُهُ تُوافِقُ ما ذَكرْنَاهُ، وكذَا إطْلاقُ العِراقِيِّينَ (٤). ومَنْ صَحَّحَ عَدمَ الانقِضاءِ فِي الرَّجعيَّةِ لَمْ يَأتِ بحُجَّةٍ قَويَّةٍ (٥) ولا شَاهدٍ مِنْ كَلامِ الشَّافعيِّ، فلا يُفتَى به، وعليه تصِحُّ رَجعتُهُ وطلاقُهُ بعْدَ مُضيِّ صُورةِ

стр. 1267

العِدَّةِ، ولَمْ يَقُلْ أَحدٌ بعْدَ مُضِيِّها أنَّه يَقَعُ طَلاقُهُ، ولا تَصِحُّ رَجْعتُه، وما ذُكِرَ فِي "الرَّوضةِ" (١) وأَصْلِها و"المنهاج" (٢) فِي ذلك وَهْمٌ. ومَا الذِي يُقالُ فِي تَزويجِ أُختِها وأَرْبعٍ سِواهَا ونَفقتِها وانتِقالِها لِعِدَّةِ الوَفاةِ، وكلُّ ذلك يَدلُّ على خَطإِ التَّفصيلِ المَذكورِ. ولَو عاشَرَها غَيرُ صَاحبِ العِدَّةِ بِشُبهةٍ مِن غَيرِ وَطءٍ انقَضتْ على الأرْجَحِ، ولَو كانَ مَالكَها، فإنْ وَطِئَ لَمْ يُحسَبْ زَمنُ الوَطءِ، ولا زَمنُ الاستِفراشِ (٣) بَعْدَه، ومتَى وَضعتِ الحملَ انقضَتِ العدةُ قَطْعًا. * * *

стр. 1268

فصل في الإحداد وسكنى المعتدة وزوجة المفقود يَجِبُ الإحْدادُ على المُعتدَّةِ عَن (١) وَفاةِ زَوجِها (٢). فلَوْ مَاتَ وهِيَ حَاملٌ بوَطءِ شُبهةٍ مِن غَيرِه، وقُلْنا "لا تُحسَبُ المُدةُ معَ الحَملِ" فلَا إِحْدادَ علَيها حتَّى تَضَعَ. وإنْ قُلْنَا "تُحسَبُ" وَجَبَ الإحْدادُ مِنَ الوَفاةِ إلى أَنْ تَنقضِيَ عِدَّةُ الوَفاةِ قَبْلَ الوَضعِ أو بَعْدَه. وهذَا الأَخيرُ يَجيءُ فِي الحَامِلِ المُعتدَّةِ بأَقْصَى الأَجَلَيْنِ، وأمَّا مَن تَعتدُّ بِأقْصاهُما للاحتِياطِ فلَا إِحْدادَ علَيْها، إذْ لَمْ يَتعينْ أنَّها للْوَفاةِ، ولَا المُرتابةُ لانقِضاءِ العِدَّةِ ظَاهرًا.

стр. 1269

وزَمَنُ الافتِراشِ الذي لا يُحسَبُ مِن عِدَّةِ الوَفاةِ [لا إِحدادَ علَيها فيه. وإذَا أَحْبلَتْ فِي أَثناءِ عِدَّتِها بِشُبهةٍ، حَيثُ لا تَنقطعُ عِدَّةُ الوَفاةِ فيه] (١)، فالإِحدَادُ مُستمِرٌّ، وحيثُ انقطَعتْ: فلا إِحدادَ حِينئِذٍ. ولا يَجِبُ الإحدادُ على البَائِنِ على الجَديدِ، ولا على الرَّجعيةِ قَطْعًا، ويُستحبُّ على الأرْجَحِ، فإذا ماتَ قبْلَ انقِضاءِ عِدَّةِ الرَّجعيةِ انتَقلَتْ لِعدَّةِ الوَفاةِ وَوجَبَ حينئِذٍ الإحْدادُ. ولا إِحدادَ على مُعتدَّةٍ مِن وَطءٍ بِشُبهةٍ أوْ مُستبرأَةٍ (٢). ويَحرُمُ الإحدادُ بمُجردِ مَوتِ قَريبٍ ونحوِه فوقَ ثَلاثةِ أيَّامِ. ولا يَحرُمُ على أُمِّ الوَلدِ زَمنَ الاستِبراءِ الإحدادُ بِمَوتِ السيِّدِ ولَا بإِعْتاقِه إيَّاها لأنَّها تُشبِهُ الزَّوجةَ، ولا يَقْوى (٣) الشَّبهُ للإيجابِ، وكذلك المُعتدَّةُ عنِ الشُّبهةِ. وما وَقعَ فِي "الروضة" (٤) وأَصلِها و"المنهاج" ممَّا يُخالِفُ ذلك، فلَيْسَ بِمُعتمَدٍ.

стр. 1270

ويجِبُ الإحدادُ على الكَافِرَةِ، وغَيرِ المُكلَّفةِ، ويَمنعُها الوليُّ ممَّا تَمتنِعُ (١) منه المُكلَّفةُ (٢). ويَسقُطُ الإحْدَادُ بِمَوتِ الحَادِّ. * * * والإِحْدادُ: ترْكُ التزيُّنِ بِوَاحِدٍ مِن خَمسةٍ مَخصوصةٍ، وهي: ثيابٌ وحُلِيٌّ وكحلٌ وخِضابٌ ودُهنٌ وتطيُّبٌ. وفِي الثّيابِ زِينتانِ: فأمَّا التي لَمْ يَدخُلْ علَيها شَيءٌ مِن غَيرِها فلَا يَحرُمُ، ومِن ذلك الإبْرَيْسِمُ (٣)، نَصَّ عليه فِي "الأُمِّ" (٤) وفِي "الرافعي" لم يُنْقَلْ فيه نصٌّ عنِ الشَّافعيِّ. وأمَّا التي صُنِعتْ (٥) للزِّينةِ أو فيها شَيْءٌ فَحرامٌ معَ الغِلَظِ أيضًا، نَصَّ عليه فِي "الأُم".

стр. 1271

وأمَّا ثَوْبُ العَصْبِ ففِي "الأُم": يَحرُمُ ولو كان غَلِيظًا. ونَقَلَ ابنُ بِشرِي عنِ القَديمِ يُجْتنبُ (١) العَصْبُ إلا عَصْبًا غَلِيظًا. وما ذَكرَه (٢) فِي "الأُم" يَحتاجُ إلى جَوابٍ عما صَحَّ فِي الخَبَرِ مِن حديثِ أمِّ عطيةَ وفيه: "لا نَلْبَسَ ثَوْبًا فَصْبُوغًا، إِلَا ثَوْبَ عَصْبٍ" (٣). وهذا الاستِثْناءُ ثَابتٌ فِي "الصحِيحَينِ" مِن حَديثِ هِشامِ بْنِ حَسَّانَ، عنْ حَفصةَ بنتِ سِيرينَ، عَنْ أُمِّ عَطيةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ (٤). وثَابتٌ فِيهما مِنْ حَديثِ أَيُّوبَ، عنْ حَفْصةَ، عنْ أُمِّ عَطيةَ: كُنَّا نُنهَى، وفيه: "إلا ثَوبَ عَضبٍ" (٥). ولا يُعارِضُ هذا روايةُ مُحمَّدِ بْنِ المِنهالِ، عَنْ يَزيدَ بْنِ زُريعٍ، عَن هِشامٍ:

стр. 1272

"وَلا ثَوب عَصْب" (١) لأنَّ عَباسَ بْنَ الوَليدِ رَواه عن يَزيدَ: "إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ". وأمَّا رِوايةُ: "إلَّا ثوبًا مَغْسُولًا" (٢) فهيَ رِوايةٌ مُخالِفة للرِّواياتِ كلِّها، والمُعتمَدُ رِوايةُ الجَماعةِ. فإمَّا أَنْ يَكونَ ذلك لَمْ يَبلُغِ الشَّافعيَّ، أو بَلَغهُ وقامَ عِندهُ ما يَمْنعُ مِن العَملِ به: مِن تَعارضٍ ورُجوعٍ إلى أَصْلٍ وقِياسٍ، أو حَمَلهُ على الأَسْودِ كُلِّه. والمُعتَمَدُ الفَتوى بالخَبَرِ. والعَصْبُ على هذا بَياضٌ وسَوادٌ، وذلك غَيْرُ مَمْنوعٍ، خِلافًا للمَاوَرْديِّ وغَيرِه.

стр. 1273

ومُقتضَى نَصِّ "الأُم" أنه يَحرُمُ ما صُبغَ قَبْلَ النَّسيجِ، وأَجازَ أبُو إسْحاقَ ذلك، وهو قَضيةُ نصِّ البُويطيِّ، وقال الخَطَّابيُّ: هو أَشْبَهُ بالخَبَرِ. وأمَّا ما صُبغَ لِغَيرِ الزِّينةِ مِن أَسْودَ وكُحليٍّ فلا يَحرُمُ، ونصَّ فِي "الأُم" أنَّ الأخْضَرَ غيرَ الصافِي يُقارِبُ السَّوادَ فلا يَحرُمُ (١). وفِي "الروضة" (٢) تَبَعًا للشَّرحِ وغَيرِه: أنَّ الأخْضَرَ أو الأزْرَقَ إنْ كانَ برَّاقًا حَرُمَ، فإن حُمِلَ البرَّاقُ على الصَّافِي وَافَقَ النصَّ. ولا يَحرُمُ الطرازُ مِن الحَريرِ أو المَصبوغُ بمَا لا يمنعُ منهُ وكان لَونُه كَلَونِ الثَّوبِ، وإلا فيحرُمُ لأنَّه زِينةٌ. وكذا مَا كانَ فِي تَطريزِ صَدرٍ وجَمعِه وغيرِها. ولَو لَبِستْ ما مُنِعَتْ منه لَيْلًا لِلإِحْرازِ أو نهارًا تَحْتَ ثَوبٍ غَير مَمنوعٍ مِنه، فجَائِزٌ. ويَحرُمُ علَيْها أَنْ تَلْبسَ المَمنوعَ مِنه نَهارًا ظَاهرًا ولو كانَتْ وَحْدَها. * وأمَّا الحُلِيُّ: ففِي حَديثِ أُمِّ سَلَمةَ زَوجِ النَّبيِّ ﷺ عنه صلى اللَّهُ عليه

стр. 1274

وسلَّمَ أنه قالَ: "المُتوفَى عَنْها لا تلبَسُ الحُلِيَّ" (١). ولَمْ يِتعرَّضْ له الشافعي إلَّا فِي "البويطي" ففيه: ولا تَلْبَسُ شَيئًا مِن الحُلِيِّ خَاتمًا ولا غُيرَه (٢). وهذا يَحتمِلُ أنَّه أخَذَه مِنَ الخَبَرِ أو القِياسِ على ما منعَ مِنه للزِّينةِ. ويَحرُمُ التَّحلَي باللاَلئِ على الراجِحِ؛ لأنَّ المَدارَ هُنا على مَعْنى الزِّينةِ لا على عَينِ (٣) الذَّهبِ والفِضَّةِ (٤). ويَحرُمُ المُمَوَّهُ بِوَاحدٍ مِنْهما والمُشابِهُ له، وكذا إنْ عُرِفَ بِغَيرِ تأمُّلٍ فِي حقِّ مَن تَتزيَّنُ بِه. * وأمَّا قِلادةُ العَنبَرِ (٥): ففِيها زِينةٌ وطِيب، ولَو لَبِستْه لَيْلًا لِلإِحرازِ لَمْ تُمنعْ مِنه، وإلا مُنِعتْ إذا كان ظاهرًا. * وأمَّا الكحْلُ: فقدْ صَحَّ فِي حديثِ أُمِّ سَلَمةَ وأُمِّ عَطيةَ ﵄ نَهيُ النَّبيِّ

стр. 1275

- ﷺ عنْهُ. وروَى الشَّافعيُّ فِي "الأُم" حَديثَ أُمِّ سَلمةَ، وقال: "كلُّ كحْلٍ كانَ زِينةً، فلا (١) خَيْرَ فيه، لَها مِثل الإثمِدِ وغيرُهُ مما يَحْسُنُ موقعُهُ فِي عينِها" (٢). ولَمْ يُفرِّقِ الشافعيُّ بيْنَ أَنْ يَكونَ فيه طِيبٌ أو لا يَكونَ، ولا بيْنَ البَيْضاءِ والسَّوداءِ. وفِي "النِّهاية" (٣) نصَّ الشافعيُّ فِي بَعْضِ المَواضِعِ على تَجْويزِ اكتِحالِ السَّوداءِ بالإثمِدِ، قال: وأَجْمعَ الأصْحابُ على أنَّ ذلك فِي العَرَبيَّاتِ؛ لأنَّهُنَّ يَغلُبُ على ألْوانِهنَّ السَّوادُ، فلا يَتبيَّنُ الإثِمِدُ فِي أعينِهِن. وهذا الذي ذَكرَهُ فِي "النهاية" مِن النصِّ وإجْماعِ الأصْحابِ هو مَوجودٌ فِي "إبانة الفوراني" و"تعليق القاضي حسين"، وهو مُخالِفٌ لِلْمَشهورِ المَعروفِ مِن التَّسويةِ فِي الإثمِدِ بيْنَ البَيْضاءِ والسَّوداءِ (٤).

стр. 1276

ويُوجَدُ فِي السَّوداءِ تَحسين بالكحْلِ بالإثمِدِ، ويَحرُمُ أَنْ تَستعمِلَه فِي الحَاجِبِ. * وأمَّا الكحْلُ الأصْفَرُ -وهو الصَّبْرُ- فحَرامٌ على السوداءِ، وكذا على البَيْضاءِ (١) على الأصحِّ، لأنه يُحَسِّن العَيْنَ (٢). * وأمَّا الكحْلُ الأبيَضُ فإنه لا يحرُمُ. ويحرُمُ أن تَطلِيَ الوَجْهَ بما يُحسِّنُهُ. ويُستثنَى مِن الطِّيبِ صُورةٌ مَرويةٌ فِي الخَبرِ المَشهورِ الصَّحيحِ (٣)، لَمْ يَتعرَّضُوا لَها، وهيَ: ما إذَا طَهُرَتْ مِن حَيضِها، ففِي الحديثِ: "وَلا تَمَسَّ طِيبًا، إِلَا عِنْد (٤) أَدْنَى طُهْرِهَا إِذَا [اغتَسلَتْ مِن حَيضِها] (٥) نُبْذَةً (٦) مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ (٧) " (٨). . . انتهى.

стр. 1277

ويلحقُ انقطاعُ دَمِ النِّفاسِ بما ذُكِرَ فِي الحَيضِ، ولَمْ يَذكرُوه. وإذا احْتَاجَتْ إلى الكُحلِ للرَّمَدِ اكتَحَلَتْ لَيْلًا ومَسحتْه نَهارًا. ويحرُمُ أَنْ تَختضِبَ (١) بحِنَّاءٍ ونَحوِهِ فيمَا ظَهرَ مِن البَدنِ كالوَجْهِ واليَدَينِ والرِّجلَيْنِ، ولا يَحرُمُ فيما تَحْتَ الثِّيابِ. والغَاليةُ إنْ ذَهبَ رِيحُها فهِيَ كالخِضابِ، وأمَّا الرَّأسُ فإن غَالِبَها تَحْتَ الثِّيابِ، وهِيَ فِي حَديثِ أُمِّ سَلَمةَ فِي أبي دَاودَ والنَّسائيِّ: "وَلا تَمْشِطِي بِالطِّيبِ وَلا بِالحِنَّاءِ، فَإِنَّهُ خِضَاب"، قَالَتْ: قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "بِالسِّدْرِ تُغَلِّفِينَ بِهِ رَأْسَكِ" (٢). * وأما تَجْعِيدُ الْأَصْدَاغِ، وَتَصْفِيفُ الطُّرَّةِ، ففِي "النهاية" (٣) لا نَقْلَ فيه،

стр. 1278

قال: ولا يمتنعُ أن يكونَ كالحُلِيِّ. * وأمَّا دهْنُ الرَّأسِ فحَرامٌ، بِكُلِّ دُهنٍ، وإنْ لَمْ يَكنْ فِي الدُّهنِ طِيبٌ؛ لأنه زِينةٌ. ويَجوزُ لَها دهنُ البَدَنِ ممَّا لا طِيبَ فيه كالزَّيتِ ونحوِه (١). ويحرُمُ عليها أَكْلُ طَعامٍ فيه طِيبٌ ظَاهرٌ (٢). ويَحِلُّ لها دُخولُ الحَمَّامِ، وقلْمُ أظفارٍ، وإزالةُ شَعَرِ العَانةِ، والأوْساخِ، فإنَّها ليْسَتْ مِن الزِّينةِ (٣). ولَو تَركتِ الإحْدادَ فِي العِدَّةِ أو بعضِها عَصَتْ وانقضَتْ عدَّتُها (٤). * * * * وأما سُكنَى المُعتدَّةِ فتَجِبُ للرَّجعيةِ فِي حالِ عدَّتِها مِن المُطلِّقِ بالحَمْل وبِعيرِهِ (٥). فإنْ كَانَتْ فِي عِدَّةِ غَيرِ الطَّلَاقِ لِغَيرِ المُطلقِ، فلا سُكْنى لَها على المُطلِّقِ حَتى تَدخُلَ فِي عِدَّةِ الرَّجعةِ.

стр. 1279

وإذا قُلْنا: لا تَنقضِي عِدةُ الرَّجعيةِ (١) التي يُعاشِرُها المُطلِّقُ فلَها السُّكْنَى؛ لأنَّها فِي حُكْمِ الزَّوجةِ وتَجِبُ لِلْبائِنِ بخُلعٍ أو استيفاءِ العَدَدِ أو باللِّعانِ. وأمَّا فُرقَةُ الفَسخِ بِعَيبٍ أوْ إسلامٍ أو رِدَّةٍ أو رَضاعٍ أو بِخُلْفِ شَرْطٍ أو عِتْقٍ ففِي ذلك طُرُقٌ واضْطِرابٌ (٢). وفِي "مختصَرِ المُزنيِّ" (٣) في (باب العيب فِي المنكوحةِ) [ما نصُّه] (٤):

стр. 1280

فإن اخْتَارَ فِراقَها قَبْلَ المَسيسِ فَلَا (١) مَهْرَ (٢)، وإنِ اختارَ فِراقَها بعْدَ المَسيسِ فلَها مَهْرُ المِثلِ بالمَسيسِ، ولا نفقةَ عليه فِي عدَّتِها ولا سُكنى. انتَهَى. ونصَّ على ذلك فِي "الأُم" (٣) فِي التَّرجمةِ المَذكورةِ. وفِي "الأُم" فِي تَرجمةِ النَّفقةِ فِي العِدَّةِ: [إذَا أَسْلَمتِ المَرأَةُ قبْلَ الزَّوجِ ثُمَّ أَسْلمَ الزَّوجُ وهِيَ فِي العِدَّةِ، فهُما على النِّكاحِ، وإنْ أسْلَمَ الزَّوج بعْدَ انقِضاءِ العِدَّةِ انْقَضتِ العِصْمةُ بيْنَهُما، ولَها علَيْه النَّفقةُ فِي العِدَّةِ] (٤) فِي الوَجْهَينِ جَميعًا، لأنَّها كانتْ مَحْبوسةً (٥) علَيْه، ثم قال: ولَوْ كانَ الزَّوْجُ هو المُسلِمَ وهِي المُتخلِّفةُ عنِ الإسلام (٦)، ثُمَّ أسْلمَتْ فِي العِدَّةِ أو لَمْ تُسلِمْ حتَّى تَنقَضِيَ لَمْ يَكنْ لَها نَفقة فِي أَيَّامِ كُفرِها، لأنَّها هِيَ (٧) المانِعةُ نَفْسَها مِنه. وفِي تَرجمةِ (مال (٨) المُرتدِّ وزَوجِه) (٩) مِن "كتاب المرتد": (وَلَوْ كَانَتْ هِيَ الْمُرْتَدَّةُ كَانَ الْقَوْلُ فِيمَا (١٠) [تَحِلُّ بِهِ وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ وَتَبِينُ

стр. 1281

مِنْهُ وَتَثْبُتُ مَعَهُ] (١) كَالْقَوْلِ لَوْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدُّ وَهِيَ الْمُؤْمِنَةُ (٢)، لَا تخْتَلِفُ فِي شَيْءٍ، إلَّا أَنَّهَا إذَا ارْتَدَّتْ عَنْ الأيمَانِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا فِي مَالِهِ؛ فِي عِدَّةٍ وَلَا غَيْرِهَا لِأنَّهَا هِيَ الَّتِي حَرَّمَتْ فَرْجَهَا عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ ارْتَدَّتْ إلَى نَصْرَانِيَّةٍ أَوْ يَهُودِيَّةٍ (٣) [لَمْ تَحْلُلْ لَهُ لِأنَّهَا لَا تُتْرَكُ عَلَيْهَا] (٤) وَإِن (٥) ارْتَدَّ هُوَ أَنْفَقَ عَلَيْهَا فِي عِدَّتِهَا لِأنَّهَا لَمْ تَبِنْ مِنْهُ إلَّا بِمُضِيِّ عِدَّتِهَا). وقولُه ﵁: "لِأنَّهَا لَمْ تَبِنْ مِنْهُ إلَّا بِمُضِيِّ عِدَّتِهَا"؛ يَقتضِي أنَّها مُلْحَقة بالرَّجعيةِ، ولَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِذلك. ويَظهَرُ مِمَّا قَدَّمناهُ مِن النُّصوصِ (٦) أنَّ الذي فِي "المحرر" و"المنهاج" (٧) و"الشرح" و"الروضة" (٨) فِي ذلك غَيرُ مُعتمَدٍ: فإنَّ فِي "المحرر" (٩): الأظْهَرُ أنَّ المُعتدَّةَ عنْ سَائِرِ أسْبابِ الفِراقِ فِي الحَياةِ كالمُطلَّقةِ، وهذا (١٠) يَقتضِي أنه إذا فُسِخَ بِعَيْبِها أنَّ لَها السُّكْنَى.

стр. 1282

وقال فِي "المنهاج" (١): إنَّه المَذهبُ. وذلك كلُّه غَيْرُ مُعتمَدٍ، وخِلافُ نصِّ الشَّافعيِّ فِي "المختصر" وقدْ تَقدَّمَ، ولَمْ أَرَ نصًّا يُخالِفُ ذلك. وإذَا فسخَتْ بِعَيبِه فأَوْلَى أن لا سُكنَى لَها، وقدْ ذَكَرَ فِي "الروضة" (٢) تَبَعًا للشَّرحِ فِي العُيوبِ مِثْلَ ما قرَّرْناهُ، فقالَ: (الْمَفْسُوخُ نِكَاحُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ، لَا نَفَقَةَ لَهَا فِي الْعِدَّةِ وَلَا سُكْنَى إِذَا كَانَتْ حَائِلًا بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، وقُلْنَا إن النَّفقَةَ لِلْحَامِلِ (٣)، لَمْ تَجِبْ. وَأَمَّا السُّكْنَى فلَا تَجِبُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ) (٤). ولَمْ يفرِّقِ الشَّافعيُّ بَيْنَ أَنْ تَفسَخَ بِعَيْبِها أو تفسخَ بِعَيبِه، وهذا هو المُعتمَدُ. وذَكرَ هُنا القَطعَ بأنَّها تَستحقُّ السُّكنَى، وأنَّ المُتولِّي قال: إنَّه المَذهَبُ، ومِنْه عبَّر فِي "المنهاج" (٥) بالمَذْهَبِ، والمَذهبُ خِلافُه، كمَا تَقدَّمَ. * * * * وأمَّا الفُرقَةُ بالإسْلامِ: فقدْ نَصَّ الشَّافعيُّ فيها على التَّفصيلِ بيْنَ

стр. 1283

إسْلامِها وإسْلامِه بالنِّسبةِ إلى النَّفقةِ، وذلك يَجرِي فِي السُّكنَى لَها، فإطْلاقُ القَولِ باسْتِحقاقِها السُّكنَى كما وَقعَ فِي الكُتبِ الأرْبعةِ غَيرُ مُعتمَدٍ، وهو فِي الكُتبِ الأرْبعةِ فِي النِّكاحِ على الصَّوابِ. وكذلك القولُ فِي الرِّدَّةِ. * * * * وأمَّا الرَّضاعُ: فمُقتضى ما فِي الكُتبِ الأرْبعةِ إطْلاقُ (١) إيجابِ السُّكنَى لَها، وليس ذلك بِمُعتمَدٍ، بَلْ إن كان الزَّوجُ أرْضَعَها أوْ أجنَبيٌّ، فلَها السُّكنَى، وإنْ كانَتْ هي أرْضَعتْ ولو صغيرةً، فإنه (٢) لا سُكنَى، لأنَّ الفُرقةَ جَاءتْ مِن قِبَلِها، فأشْبَهَ ما إذا فَسخَتْ بِعَيْبِه. ويَجرِي ما ذَكرْناه فِي الرَّضاعِ فِي الفُرقةِ (٣) بالمُصاهرةِ. * * * * وأمَّا الفُرقةُ بِخيارِ العِتْقِ: فمُقتضَى ما فِي الكُتبِ الأرْبعةِ إيجابُ السُّكنَى لَها، وليس ذلك بِمُعتمَدٍ، ومُقتضَى النَّصِّ فِي الفَسْخِ بِالعَيْبِ أنَّه لا سُكنَى لَها لِلمُفارَقةِ بِخُلْفِ شَرطٍ أوْ غُرورٍ، والمَدارُ على التَّفصيلِ المَذكورِ لِوُجودِ النُّصوصِ به، وهو طَريقٌ مِن الطُّرقِ الخَمسةِ المَذْكورةِ (٤) فِي "الروضة" تَبَعًا للشرْحِ.

стр. 1284

ولا تَستحِقُّ السُّكْنَى صَغيرةٌ؛ لا (١) تَحتمِلُ الجِماعَ، ولا أَمَةٌ لَمْ يُسَلِّمْها السيِّدُ نَهارًا ولَيْلًا (٢). ولا سُكنَى لِمُعتدَّةٍ عنْ وَطءِ شُبهةٍ، أوْ نِكاحٍ فاسدٍ، أوْ أُمِّ وَلدٍ. وتَجِبُ السُّكنَى لِلْمُتوفَّى عنها زَوجُها على (٣) الأصحِّ. وعلى مَن استَحقَّتِ السُّكنَى مِن المُعتدَّاتِ مُلازَمةُ المَسكَنِ الذي (٤) كانتْ فيه عِنْدَ الفِراقِ، إلا أَنْ يَمنعَ مِنه مانعٌ شرعيٌّ، كما سَيأتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تعالَى. وليس لِلزَّوجِ ولا لِأهْلِه (٥) إخْراجُها مِنه، ولا لَها أَنْ تَخرُجَ، ولو اتفقَ الزَّوجانِ على الانتِقالِ مِنْ غَيرِ حَاجةٍ لَمْ يَجُزْ. كذا أطْلَقه أصحابُ الكُتبِ الأرْبعةِ، وقيَّدَه المَاورْديُّ والشيخُ فِي "المهذب" وصاحبُ "المِنهاج" فِي "تعليقه على التنبيه" بالطَّلَاقِ، وغيرُهم بالطَّلَاق البائِنِ، فإنْ كانَتْ رَجعيَّة فلِلزَّوجِ أن يُسكِنَها حيثُ شَاءَ. وهذا القَيْدُ عندي غيرُ مُعتبَرٍ، وهو مَردودٌ بآياتِ سورةِ الطَّلَاقِ، ومُخالِفٌ لِنَصِّ الشَّافعيِّ فِي "الأُم" و"مختصر المزني" (٦) على خِلافِه فِي مَواضِعَ.

стр. 1285

قال فِي "الأُم" (١) فِي تَرجمة (مقام المُتوفَّى عنها زَوجُها (٢) والمُطلَّقةِ فِي بَيتِها): "وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَهَا سُكْنَاهَا فِي مَنْزِلِهِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مَا كَانَتِ الْعِدَّةُ حَمْلًا أَوْ شُهُورًا كَانَ الطَّلَاق يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ أَوْ لَا يَمْلِكُهَا". ثم قال (٣): "وَلَا يَكُونُ لِلزَّوْجِ الْمُطَلِّقِ إخْرَاجُ الْمَرْأَةِ مِنْ مَسْكَنِهَا الَّذِي (٤) كَانَتْ تَسْكُنُ مَعَهُ كَانَ لَهُ الْمَسْكَنُ (٥) أَم لَمْ يَكُنْ". وقال بعد ذلك (٦): "إذَا طَلَّقَهَا طَلَاقًا يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ أَوْ لَا يَمْلِكُهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْلُهَا عَنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهَا انْتَقِلِي إلَيْهِ أَقِيمِي فِيهِ حَتَّى يُرَاجِعَهَا فَيَنْقُلَهَا مِن حيثُ شاء إلى حيثُ شَاءَ" (٧). [ولَو أَرادَ نَقْلَها قَبْلَ أَنْ يَرتجِعها] (٨) أوْ مِنْ مَنزِلِها الذي طلَّقَها فيه، أو مِن سَفرٍ (٩) أَذِنَ لها فِيه، أوْ مِن مَنزلٍ حَوَّلَها إلَيْه: لَمْ يَكنْ ذلك له عندي كما لا يَكونُ له فِي التي لا يَملِكُ رَجعَتَها. وذَكَرَ مَواضِعَ فِي الطَّلَاقِ الذي لا يَملِكُ فيه الرَّجعةَ لِمعنى يخُصُّها لا

стр. 1286

يُخالِفُ ما نحن فيه. وفِي "المختصر" (١): (فإذَا طَلَّقَها فلَها السُّكنَى فِي مَنزلِه [حتى تَنقضيَ عدَّتُها] (٢) يَملكُ الرَّجعةَ أوْ لَا (٣) يَمْلِكُها). فهذه نُصوصُ صاحبِ المَذْهبِ رادَّةٌ على مَن خالَف ذلك. والمَنزِلُ الذي تَجِبُ مُلازمتُه هو ما كان مُستحَقًّا لها، فلو كان زائدًا على المُستحقِّ لها؛ فلِلزَّوجِ أَنْ يُخرِجَها منه إلى ما تَستحِقُه، وإنْ كانَ ناقصًا عنِ المستحَقِّ لها فلها طَلَبُ المُستحَقِّ لها والانتقالُ إليه، وتجِبُ مُراعاةُ الأقْربِ. * * * والصُّورُ (٤) التي يَجُوزُ لِلْمعتدةِ الانتقالُ مِن مَسْكنِ الفِراقِ المستحَقِّ لها إلى غَيرِهِ كَثيرةٌ: * مِنْهَا: إِذَا خَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا أَوْ مَالِهَا مِنْ هَدْمٍ أَوْ حَرِيقٍ، أَوْ غَرَقٍ، أو نهبٍ، أو انَتقلَ السَّاكِنونَ عنِ الخطةِ التي هي فيها أو لَمْ تَكُنِ الدَّارُ حَصِينَةً وَخَافَتِ اللُّصوصَ، أَوْ كَانَتْ بَيْنَ فَسَقَةٍ تَخَافُ منهم عَلَى نَفْسِهَا، أَوْ تَتَأَذَّى مِنَ الْجِيرَانِ أَوِ الْأَحْمَاءِ تَأَذَيًا شَدِيدًا، أَوْ تَبْذُو على أَحْمائِها أَوْ (٥) تَسْتَطِيلُ بِلِسَانِهَا عَلَيْهِمْ (٦).

стр. 1287

ولا تَسقُطُ سُكناها على النَّصِّ فِي "الأُم" وقال به الجُمهورُ خِلافًا للبغَويِّ (١). ويَتحرَّى القريبَ مِن مَسكَنِ الفِراقِ، كذا قالوه (٢)، والأرْجَحُ خِلافُهُ. ولَم يَذكُرِ النبيُّ ﷺ فِي حديثِ فاطمةَ بِنْتِ قَيسٍ (٣) ما يَقتضِي اعْتِبارَ القُربِ. وقيَّدَ فِي "الروضة" (٤) تَبَعًا للشرحِ موضِعَ النَّقل بالبَذَاءِ بما إذا كانتِ الأحْمَاءُ فِي دَارٍ تَسَعُ جَميعَهُم، فإن كانتْ لا تسَعُ الجَميعَ نَقلَ] (٥) الزوجُ (٦) الأحماءَ،

стр. 1288

وَتَرَكَ الدَّارَ لها. وهذا القيدُ عندي غيرُ مُعتبَرٍ. وفِي "الأُم" (١): "إن بذَتْ أَخرجَ أهلَهُ عنها إنْ لَمْ يَكنْ أخَرجَها"، ولَم يتعرَّضْ لِهَذا القيدِ الذي لا معنى له. وإن كَانَ الْبَذَاءُ مِنَ الْأَحْمَاءِ دُونَهَا، نُقِلُوا دُونَهَا، وَلَوْ كَانَتْ فِي دَارِ أَبَوَيْهَا فبذتْ عليهما أَوْ بَذَا الْأَبَوَانِ عَلَيْهَا، لَمْ يُنْقَلْ وَاحِد مِنْهُمْ، لِأَنَّ الشَّرَّ [وَالْوَحْشَةَ] (٢) لَا تَطُولُ بَيْنَهُمْ، فَلَوْ كَانَ أَحْمَاؤُهَا فِي بيت أَبَوَيْهَا، وَبَذَتْ عَلَيْهِمْ، نُقِلُوا دُونَهَا، لأَنَّهَا أَحَقُّ بِدَارِ أَبَوَيْهَا. * * * وبَقِي مِن المُعتدَّاتِ البَدويَّةُ وساكِنةُ السَّفينةِ مَع زوجِها الذي لا مَسْكنَ لهُ سِوى السفينةِ: * فأمَّا البَدويةُ التي بيتُها مِن صُوفٍ أو شعرٍ فتلازِمُهُ، كمَنزلِ الحضَريةِ، وإذَا ارْتحَلُوا جَميعًا ارْتَحلَتْ معهُم، وإن ارتحلَ أهلُها تخيَّرتْ بيْنَ أن تُقيمَ وبَيْنَ أَنْ ترتَحِلَ (٣).

стр. 1289

هكذا ذَكَرُوه، وهو مقيَّدٌ بغيْرِ الرَّجعيَّةِ، ونصُّ "الأم" شاهِدٌ له، فأمَّا الرَّجعيةُ فالخِيَرَةُ فِي ذلك لِزَوجِها. * * * * وأما ساكنةُ السَّفينةِ (١): فَإِنْ كَانَتِ السفِينَةُ كَبِيرَةً فِيهَا بُيُوتٌ مُتَمَيِّزَةُ الْمَرَافِقِ، اعْتَدَّتْ فِي بَيْتٍ مِنْهَا مُعْتَزِلَةً عَنِ الزَّوْجِ، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً، [نُظِرَ، إِنْ كَانَ] (٢) مَعَهَا مَحْرَمٌ لَهَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَالِجَ السَّفِينَةَ، خَرَجَ الزَّوْجُ، وَاعْتَدَّتْ هِيَ فِيهَا، وَإِلَّا فَتَخْرُجُ هِيَ وَتَعْتَدُّ فِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إِلَى الشَّطِّ. والذي أَبْدَيناهُ فِي اعتِبارِ الأقْربِ يجِيءُ فِي جَميعِ الصُّوَرِ التي ذُكر فيها ذلك. وَإِذَا تَعَذَّرَ خُرُوجُهُ وَخُرُوجُهَا، فَعَلَيْهَا أَنْ تَبْعُدَ وتَسْتَتِرَ مِنْهُ بِقَدْرِ الإِمْكَانِ. وإذَا أَمكنَ الاعتدادُ فِي السَّفينةِ، فهلْ يَجوزُ لَها أَنْ تَخرُجَ منها فتَعتدَّ فِي أَقْربِ القُرى إلى الشَّطِّ أو لا يَجوزُ لَها الخُروجُ؟

стр. 1290

فيه وجهانِ: الأصحُّ المَنعُ (١)، وهو مُقتضَى نَصِّ "الأُم". * ومِن المَواضعِ التي يجوزُ فيها الخُروجُ مِن مَنزلِ الفِراقِ ما إذا كان المَنْزلُ مِلْكًا للمُعتدَّة، فإنه لا يَلزمُها أَنْ تَعتدَّ فيه، ولها أَنْ تَطلُبَ نَقْلَها منه. وإذَا كانَ المَنزِلُ مُستعارًا لازَمَتْه ما لَمْ يَرجعِ المُعيرُ فيه، وفِي صُورةِ مَوتِ الزَّوجِ تَرتفعُ، وكيف كان الحالُ فلِصاحِبِ المِلْكِ طَلبُ نَقْلِها مِنه (٢). * ومِمَّا يَجُوزُ فيه الانتقالُ مِن مَسكَنِ الفِراقِ -بلْ مِن بَلدِ الفِراقِ- مَا إذَا أَسْلَمتْ ولَزِمتْها عدةٌ وهي فِي دَارِ الحَربِ (٣)، فإنها يَلزَمُها أَنْ تُهاجِرَ إلى دَارِ الإسلامِ. وفي (٤) اعتِبارِ القربِ مِن دَارِ الحَربِ [ما سَبقَ فِي سَاكنةِ السَّفينةِ. ولو كانَتِ السُّكنةُ (٥) فِي مَوضعِ دَارِ الحَربِ] (٦) تأْمَنُ فيه على دِينِها

стр. 1291

ونَفْسِها، فقالَ المُتولِّي: "لا تَخرجُ حتَّى تَعتدَّ" وهذا مَمنوعٌ؛ لأنَّ المَرأةَ مَظِنَّةُ التَّطرُّقِ إليها، فلا تَأمَنْه، ولا تَأمنُ في (١) المُستقبَلِ ما يجري عليها. وفِي جَميعِ الصُّورِ لَو زَالَ المَانعُ، فالقياسُ وجوبُ العَودِ إلَّا في البَذاءةِ والهِجرةِ، ولَم يَذكرُوه. ولو أَحرمَتْ بالحَجِّ ثم حَصلَتِ الفُرقةُ وتَخشَى فَواتَ الحَجِّ لو أقامَتْ، فإنَّها تَخرجُ مِن البَيتِ إلى الحَجِّ. وإنْ لَمْ تَخش فواتَ الحَجِّ أو كانتْ قد أَحرمَتْ بِعُمرةٍ، فتتَخيَّرُ بين أن تُقيمَ، وبين أن تَخرُجَ في الحَالِ، خِلافًا لِما في "المُهذَّب". وأمَّا الخُروجُ مِن غَيرِ انتِقالٍ: فيجوزُ عند الاحتياجِ إليه، فتَخرجُ بالنَّهارِ لِشراءِ طَعامٍ، وغَزلٍ، وبَيعِه، ولِعَهْدِ بُستانِها، وجَدَادِ نَخْلِها في عِدَّةِ الوَفاةِ. وكذا البائِنُ على الجَديدِ إذا لَمْ يكنْ عندها مَنْ يَكفِيها ذلك. وأمَّا الرَّجعيةُ فلا تَخرجُ إلَّا بإِذنه إذا كفَاها الزَّوجُ ذلك، فإن لَمْ يَكفِها فلَها أَنْ تَخرُجَ كالبائِنِ. وتَخرجُ المُتوفَّى عنها والبائِنُ ليْلًا للحديثِ مَع جَارتِها لِلْأُنْسِ. وأمَّا الخُروجُ ليلًا لِمُجرَّدِ الغَزْلِ عند جَارتِها فلا يَجوزُ؛ خِلافًا لِما في "الروضة" و"المنهاج" (٢) (٣).

стр. 1292

والذي أَجازَه النَّبِيُّ ﷺ مِن الخُروجِ إنما هو الحديثُ (١) للتأنُّسِ، وتَعودُ إلى بَيْتِها لِلنَّومِ فيه. وتخرُجُ نَهارًا للزِّيارةِ والعِمَارةِ. وفِي "الروضة" (٢): "لَا تُعْذَرُ في الْخُرُوجِ لِأَغْرَاضٍ تُعَدُّ مِنَ الزِّيَارَاتِ دُونَ الْمُهِمَّاتِ، كَالزِّيَارَةِ وَالْعِمَارَةِ وَاسْتِنْمَاءِ الْمَالِ بِالتِّجَارَةِ، وَتَعْجِيلِ حَجَّةِ الْإسْلَامِ وَأَشْبَاهِهَا". فإنْ كان الخُروجُ نهارًا وليلًا فمسلَّمٌ، وإنْ أَرادَ النَّهارَ فممنوعٌ، فقد أَسندَ البيهقيُّ عنِ ابن عُمرَ ﵄ أنَّه قال: "الْمُطَلَّقَةُ الْبَتَّةَ تَزُورُ بِالنَّهَارِ وَلا تَبِيتُ غَيْرَ (٣) بَيْتِهَا" (٤).

стр. 1293

وأما العِمارةُ ونَحوُها فقد صَحَّ مِن حديثِ جابرِ بن عبد اللَّه ﵁ قال: طُلِّقَتْ خَالَتِي ثلاثًا، فخرجتْ تَجُدُّ نَخْلًا، فلقيها رَجُلٌ فنهاها، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فذكرتْ له ذلك فَقَالَ: "اخْرُجِي فَجُدِّي نَخْلَكِ، فلعلَّكِ أَنْ تَصَدَّقِي، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا". رواه الشافعيُّ، وأخرجَه مُسلِمٌ في "صحيحه" (١). وإِذَا لَزِمَهَا حَقٌّ، وَاحْتِيجَ إلى اسْتِيفَائِهِ، فَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ في مَسْكَنِهَا، كَالدَّيْنِ وَالْوَدِيعَةِ، فُعِلَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ، وَاحْتِيجَ فِيهِ إلى الْحَاكِمِ، بِأَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهَا حَدٌّ أَوْ يَمِينٌ في دَعْوَى، فَإِنْ كَانَتْ بَرْزَةً خَرَجَتْ وَحُدَّتْ، أَوْ حَلَفَتْ، ثُمَّ تَعُودُ إلى بَيْتِها، وَإِنْ كَانَتْ مُخَدَّرَةً، بَعَثَ الْحَاكِمُ إِلَيْهَا (٢) نَائِبًا، أَوْ حْضَرَهَا بِنَفْسِهِ (٣). ولو زَنتِ المُعتدَّةُ التي لم تُحصَنْ، فإن كان الحاكِمُ يقيمُ عليها الحدَّ كما تقدَّمَ ويُغَرِّبُها ناجِزًا, ولا يُؤخِّرُه إلى انقِضاءِ عدَّتِها على الأصحِّ. . ذَكرَه في "الروضة" (٤) في عِدَّةِ الوَفاةِ. ويَجرِي في غيرِها أَيضًا. ولو انتَقلتْ إلى مَسكنٍ بِإِذنِ الزَّوجِ، ثم وَجبَتِ العدَّةُ بعد وُصولِها إليه، أو

стр. 1294

قَبْلَ وُصولِها إليه، فإنَّها تعتدُّ فيه. وأَطلقَ في "المنهاج" (١) تَبَعًا لِغَيرِه الزَّوجَ. وهو عندي مقيَّدٌ بأن يكونَ الزَّوجُ بالغًا، فيُعتبَرُ إذْنُ السَّفيهِ دُونَ الصَّبِيِّ على الأرجحِ. والخروجُ مِن بلدٍ إلى بلدٍ كالخُروجِ مِن مَسكنٍ إلى مَسكنٍ. ولو خرجَتْ لحجٍّ أو تِجارةٍ، ثم وَجبَتِ العِدةُ ففِي "المنهاج" (٢) لها الرُّجوعُ والمُضِيُّ، وهذا في غَيرِ مَنْ أَحرمَتْ بِحَجٍّ. والحُكمُ فيه ما سَبقَ. ولو خَرجَتْ إلى غَيرِ الدارِ المَألُوفةِ، ثم حصَلَتِ الفُرقةُ، وقال الزَّوجُ: "ما أذنتُ في الخُروجِ" صُدِّقَ بيمينِهِ. ولو قالتْ: "نقَلْتَنِي" فقال: "بَلْ أذِنتُ لِحاجةٍ" صُدِّقَ بِيَمينِهِ على المَذهبِ. كذا في "المنهاج" (٣). وهو يَقتضِي أنَّ الوارِثَ يُصَدَّقُ بِيَمينِه في صُورةِ المَوتِ؛ لأنَّ الثَّابتَ للمُوَرِّثِ مِن اليَمينِ يثبُتُ للوَارثِ. وفِي "الروضة" (٤) أنَّ المذهبَ تصديقُها، وهذا يُخالِفُ ما يَقتضِيهِ كلامُ "المِنهاجِ" (٥).

стр. 1295

والمَنصوصُ في "الأُم" (١) في صُورةِ الوَارثِ أنَّ القولَ قولُها يَعنِي بِيَمينِها. * * * * ضابطٌ: كلُّ يَمينٍ ثبتَتْ لِشَخصٍ فماتَ، فإنَّه يَثبُتُ لِوارثِه تلك اليمينُ إلَّا في صُورةِ الوارِثِ المَذكررة (٢) هنا. * * * وإذا اتَّفقَ الزَّوجانِ على جَريانِ (٣) لَفظِ الانتقالِ أو الإقامَةِ بأنْ قال: "انتقلِي إلى مَوضعِ كذا" أو: "اخرُجِي إليه" أو: "أَقيمِي به" وقال الزَّوجُ: "ضَمَمْتُ إليه للنُّزهةِ أوْ شَهْرًا" وغير ذلك، وأنكرتْ هذه الضَّمِيمةَ، أو قال ذلك وارثُهُ فالقولُ قولُها؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ هذه الضَّميمةِ (٤). وحيثُ صَدَّقَتِ الزوجَ، فماتَ بعد أن ادَّعى ذلك، فإن الوارثَ يحلِفُ ولم يَذكرُوه هُنا، وذَكرُوا نحوَه في الوديعةِ. ولا يَصِحُّ بيْعُ البيتِ المستحَقِّ للعدَّةِ إلَّا إذا كانتْ تعتدُّ بالأشهُرِ، فإن حاضَتْ في أثْنَائِها ففِي "الروضة" (٥): الأظهرُ لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ، ويَثْبُتُ الْخِيَارُ

стр. 1296

لِلْمُشْتَرِي. وهذا عندنا مَمْنوعٌ بَلِ الأظهرُ إبطالُ البَيعِ لِحُصولِ الجَهالةِ في المَنافِعِ المُستثناةِ حينَئِذٍ. ولَو أَفْلَسَ الزَّوجُ وحُجِرَ عليه بَقِيَ لَها حقُّ السُّكْنى، وتُقَدَّمُ به على الغُرمَاءِ والورَثةِ (١). وإذا ماتَ بعْدَ أن حُجِرَ عليه وكان قدْ طلَّقَها رَجعيًّا قَبْلَ الإفْلَاسِ فإنَّها تَنتقِلُ إلى عِدَّةِ الوَفاةِ، فلا تُقَدَّمُ على الغُرَماءِ، بل تضاربُ الغُرماءُ كالزَّوجةِ. ومتى ضَاربَتْ فإن كانتْ عدتُها بالأشهُرِ ضَاربَتْ بأُجرةِ المِثْلِ للأشهُرِ. وإنْ كانَتْ عدتُها بالأَقْراءِ أو الحَمْلِ ولها عادةٌ مستقيمةٌ ضاربَتْ بأقلِّ مُدَّةٍ يُمكِنُ انقضاءُ الأقراءِ فيها بأُجرَةِ ما بَقِيَ مِن أقلِّ مدَّةِ الحَمْل، وهي ستَّةُ أشهُرٍ من حِينِ العُلوقِ (٢). واختارَ المَاورْدِيُّ (٣) الأخْذَ بالعادةِ الغَالبةِ، وهو حَسَنٌ، والأولُ أرْجحُ. ويَحرُمُ على الزَّوجِ مُساكَنَتُها ومُداخَلَتُها، وإن كان في الدَّارِ لها مَحرَمٌ مُميِّزٌ ذَكَر أو (٤) له أُنثَى أو زَوجةٌ أُخرَى أوْ أَمَةٌ جَازَ، كذا في "المنهاج" (٥).

стр. 1297

والمُميِّزُ لا يَكفِي بل لا بد مِن البُلوغِ نصَّ عليه (١) الشافعيُّ ﵁: في "المختصر". ولَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بالاكتِفاءِ بالتَّمييزِ (٢). وقال الشَّيخُ أبو حامدٍ: عِندِي يَكفِي المُراهِقُ. وما ذُكِرَ في "المنهاج" من (٣) مَحرمٍ لها ذَكَرٍ يُوهِمُ أنَّ مَحرَمَها مِن النِّساءِ لا يَكفِي، وليس كذلك. فالمَرْأةُ الواحدةُ الأجنبيَّةُ الثِّقةُ كافيةٌ على ما صحَّحَه في "الروضة" (٤) فمَحرَمُها مِن النِّساءِ إذا كانَتْ ثقةً أَوْلَى بالجَواز. وما ذُكِرَ مِن الاكتِفاءِ بِزَوجةٍ أُخرَى أو أَمَةٍ يَنبغِي أن تكونَ ثِقَةً. * * *

стр. 1298

فصل في زوجة المفقود حُكْمُها بعد الحُكْمِ بِمَوتِه كالمُتوفَّى عنها في الإحْدَادِ والسُّكنَى. وفِي القَديمِ: تَتربَّصُ أَرْبعَ سِنينَ، ثُمَّ تَعتدُّ عِدةَ الوَفاةِ، ثم تَنكِحُ. ولِلْقَديمِ فُروعٌ كثيرةٌ لا يُفتَى بها. وقدْ سَبقَ في الفَرائضِ ما يَقتضِي إلحاقَهُ بالمَوتَى بالاجْتِهاد. * * * * ضابطٌ: ليس لنا مَوضعٌ يكونُ مُستنَدُ الحُكمِ فيه مُجرَّدَ الاجْتهادِ إلَّا هذا. * * *

стр. 1299

باب الاستبراء الاستِبراءُ لُغَةً. طَلبُ البَراءةِ. وفِي الشَّرعِ: عِبارةٌ عَن تربُّصٍ واجبٍ بِسَببِ مِلْكِ اليَمينِ حُدوثًا أو زَوالًا، ذَكرَ ذلك الرَّافعي عن "التتمة". ويُزادُ عليه حدوثُ الحلِّ في مِلْكِ الجَاريةِ كما سَيأتِي، وفِي التتمة نصٌّ بهذا الاسمِ لِتَقريرِه بأقَلِّ ما يَدُلُّ على البراءَةِ مِن غَيرِ تَكرُّرٍ وتَعَدُّدٍ (١) فيهِ. وخُصَّ التربُّصُ الواجبُ بِسَببِ العِدةِ اشتِقاقًا مِن العَددِ لِما فيه مِن التعدُّدِ. وهذا الذي قاله صاحب "التتمة" مردودٌ. والأصلُ في الاستِبراءِ مِن السُّنة: عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رَفَعَه إلى النبيِّ ﷺ أنَّه قال في سَبايَا أوطاس (٢): "لا تُنْكَحُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً".

стр. 1300

رواهُ أبُو داودَ وغيرُه بإسنادٍ صالحٍ للاحْتِجاجِ بِهِ (١). ورواه الشعبي عن النبيِّ ﷺ مُرْسلًا (٢).
следующие страницы →