المراوِزَةِ مَا يخالفه، وخالفهم أكثرُ المراوزةِ، فإثباتُ القولين فِي طريقتِهم أصحُّ، والمعتمدُ القطعُ.
وإن رضيَتْ بالإقامَةَ معهُ ليسارِهِ صارَتْ دينًا فِي ذمَّتهِ ولو امتنعَ من الدفعِ معَ اليسارِ فلا فسخَ على الأصحِّ، سواءٌ كان حاضرًا أو غائبًا.
وقيل: لها الفسخُ إلحاقًا لهُ بالمعسرِ (١).
ويجري الوجهانِ فيما لو غابَ عنهما وهو موسِرٌ فِي غيبتِه، ولا يوفِّيها حقَّها، فالأصحُّ: لا فسخَ، وكان المؤثر تَغَيُّبُهُ لخرابِ ذمَّتِه، ولَكِن يبعثُ القاضِي إلى حاكِم بلدِهِ ليُطالبَهُ إذا علِمَ موضِعَهُ (٢).
وعلى الوجهِ الآخَرِ: لها الفسخُ إذا تعذَّرَ تحصيلُها، واختارُه جماعةٌ من أصحابِنا (٣)، فعلى الصَّحيحِ: لو جهِلْنَا يسارَهُ أو إعسارَهُ يكونُ الحكمُ كذلكَ ولا فسخَ، لأنَّ السببَ لم يتحققْ، ولو كانَ حاضرًا ومَاله غائبًا فلا يخلُو: إمَّا أن يكونَ بمسافةِ القصرِ، أو دُونَها، فإنْ كان المالُ بمسافةِ القصرِ فلها الفسخُ، ولا يلزمُها الصَّبْرُ.
وإنْ كانَ دونَ مسافة القصرِ فلا فسخَ لها، ويلزمُ بالإحضارِ (٤).
وإذا تبرَّعَ بالنفقةِ مُتَبرِّعٌ لم يلزمِ الزوجةَ قبولُها، ولها الفسخُ على الأصحِّ، كما لو كانَ له دينٌ على إنسانٍ فتبرعَ غيرُهُ بقضائِهِ لا يلزمُه القبولُ، لأنَّ فيهِ مِنَّةً للمُتبرِّع (٥).
стр. 1367
وعنِ ابنِ كَجٍّ: أنَّه لا خيارَ لها لعدَمِ تضرُّرِها بفواتِ النَّفقةِ، فلو تبرَّع على الزوجِ وملكُه الزوجُ بذلك أو بالنذرِ بإعطائِه فلا فسخَ لها (١).
وَمَنْ وجدَ النَّفقةَ بقرضٍ فليسَ لها أن تفسخَ وكذلكَ لا فسخَ عندَ وجود ضامنٍ موسرٍ لما وَجَبَ حالًا بالإذنِ، وكذا بغيرِ الإذنِ على وجهٍ خرَّجَهُ شيخُنا فِي النَّذرِ للدفعِ للزوجةِ، وقدرتُهُ على الكسبِ كقدرتِهِ على المالِ، ولا يثبتُ لها الفسخُ إلَّا إذا عجزَ عن نفقةِ المُعسرينَ، فلو قدرَ عليها وعجزَ عن نفقةِ المتوسطين أو الموسرينَ فلا فسخَ لها (٢).
والمعتَبَرُ هنا من لايملكُ ما يُباع فِي دينِه، ولا كسبَ له أوْ لَهُ كسبٌ ينقطعُ يومين فأكثر.
فإن كانَ ينقطعُ يومًا وبعضَ الثاني ثُمَّ يكتسبُ قَبْلَ تكملةِ يومين ما يفِي بالحالِ فلا فسخَ لها، لأنَّ الضرَرَ حينئذٍ يسيرٌ، ومِلْكُ المؤجَّلِ لا يمنعُ الفسخَ إلَّا إن قَرُبَ أجلُهُ بيومٍ وبعضِ الثاني، وحُكْمُ الإعسارِ بالكسوةِ والمسكنِ حُكْمُ الإعسارِ بالنفقةِ على الأرجحِ.
ولا يثبتُ الخيارُ بالإعسارِ بالأدمِ على الأصحِّ عندَ الأكثرينَ، وعن الداركي: يثبتُ، وقال الماورديُّ: إن كانَ القوتُ مما ينساغُ دائمًا بلا أدمٍ فلا خيارَ لها، وإلَّا فيثبت وهو حسنٌ (٣).
وإذا أعسرَ بالمهرِ ففيهِ أقوالٌ (٤)، أصحُّها: إنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ ثبتَ لها الفسخُ وإن كانَ بعدَهُ فلا.
стр. 1368
وإذَا ثبتَ لها الخيارُ فلا تستقلُّ بالفسخِ بالإعسارِ، بل يرفعُ أمرَها للحاكمِ ليثبتْ إعسارَه.
فإذا ثبتَ عندهُ إعسارُهُ أمهلَهُ ثلاثةَ أيَّامٍ على الأظهرِ، ثمَّ يخيَّرُ صبيحةَ اليومَ الرَّابعِ بينَ أَنْ يتولَّى الفسخَ بنفسِهِ أو يأذنَ لها فيهِ، فلو سلَّم نفقةَ اليومِ الرَّابعِ فلا فسخَ لما مضَى، وليسَ لها أن تقولَ: "آخُذُ هذا عن نفقةِ بعضِ الأيامِ الثلاثةِ، وأفسخُ بتعذُّر نفقة اليوم"؛ لأنَّ الاعتبارَ فِي الأداءِ بقصدِ المُؤَدِّي لا إلى قصدِ القابضِ، فلو رضي الزوجُ بذلك وجعلها كما قالتْ جازَ لها الفسخُ على أقوَى الاحتمالينِ، ولو عجزَ عن نفقةِ اليومِ الخامسِ كانَ لها الفسخُ على الأظهرِ، قال الداركيُّ: ولا تمهل اكتفاءً بالإمهالِ السابق خلافًا للروياني حيثُ قال: يُمهلُ مرةً أخُرى حيثُ لم يتكرَّرْ منهُ، فإنْ تكرَّرَ لمْ يُمهَلْ إمهالًا بعدَ إمهالٍ، والأصحُّ الفسخُ فِي الحالِ (١).
وإذا مضى يومانِ بلا نفقةٍ ووجدَ نفقةَ اليومِ الثالثِ وعجزَ فِي الرابعِ ثبتَ على أصحِّ الوجهينِ، والثاني: يستأنفُ (٢).
ويجوزُ لها الخروجُ فِي مدةِ الإمهالِ لتحصيلِ النفقةِ بكسبٍ أو تجارةٍ أو سؤالٍ، وليسَ له منعها من الخروجِ على الصحيحِ المنصوصِ، وعليها أن تعودَ إلَى منزلِهِ بالليلِ (٣).
وإذا مضتِ المدَّةُ ورضيتْ بإعسارِهِ أو المقام معه، ثم أرادتِ الفسخَ فليسَ لها ذلك، لأنَّ الضررَ لا يتجددُ.
стр. 1369
وليسَ لولي الصغيرةِ والمجنونةِ الفسخُ، وإن كانَ فيه مصلحتُهما، وينفقُ عليهما منْ مالِهما، فإنْ لم يكنْ لهما مالٌ فنفقتُهُما على مَن عليه نفقتُهُما لو كانتا خليتينِ، وتصيرُ نفقةُ الزوجةِ ديْنًا عليه يطالبُ به (١) إذا أيسرَ (٢).
وكذا لا يفسخُ الوليُّ بإعسارِ الزوجِ بالمهْرِ (٣).
وإذا امتنعَ على الوليِّ ذلك فِي الصغيرةِ والمجنونةِ (٤)؛ فلأن يمتنعَ ذلك عليهِ فِي البالغةِ العاقلةِ من بابِ أولَى.
ولو أَعْسَرَ زوجُ الأمةِ بالنفقةِ فلها الفسخُ كما يفسخُ بِجَبِّهِ؛ ولأنها صاحبةُ حقٍّ فِي تناولِ النفقةِ، فإنْ أرادتِ الفسخَ لم يكنْ للسيدِ منعها، فإنْ ضمنَ النفقةَ فهو كالأجنبيِّ يضمنها (٥).
ولو رضيتْ بالمقامِ أو كانتْ صغيرةً أو مجنونةً، فلا فسخَ للسيدِ على الأصحِّ، ولا يلزمُ السيدَ حينئذٍ نفقةُ الكبيرةِ العاقلةِ، بل يقولُ: افسخِي أو اصبرِي على الجوعِ (٦).
وإذا أعسرَ زوجها بالمهرِ فالفسخُ للسيدِ؛ لأنَّه محضُ حقِّه (٧).
* * *
стр. 1370
فصل (١)
تجبُ النفقةُ لقرابةِ البعضيةِ فيجبُ للفروعِ على الأصولِ وبالعكسِ، وسواءٌ فِي الأصولِ والفروعِ الذكورِ والإنات، والوارث وغير الوارث والمسلم والكافر من الطرفينِ، والعالي من الأصولِ والسافلِ من الفروعِ إذا كان الذي يجبُ عليه موسرًا، وهو من يفضلُ عن قوتِه وقوتِ عيالِه فِي يومِهِ وَلَيْلَتِهِ ما يصرفُه إلى القريبِ (٢).
ولا يختصُّ بالقوتِ بل يعم الواجباتِ.
قال القاضي الحسينُ: لا يلزمُ أحدًا نفقةُ أحدٍ من الأقرباءِ حتى يفضلَ من مؤنتهِ من طعامِه ومسكنِه وملبسِه وما يُقامُ عليه ويستعملُه فِي وضوئهِ وأكله وشربِه ما لاغناءَ لمثلهِ عنهُ، فإنْ وقَعَ لهُ خلل فِي شيءٍ من هذا فلا يكلَّفُ نفقةَ ابنٍ ولا أبٍ، لأنَّها مواساةٌ والمواساةُ إنما تليقُ بمن يفضلُ عن حاجةِ ما هُوَ معهُ، وإلَّا فهو محتاجٌ للمواساةِ. انتهى.
ويباعُ فِي نفقةِ القريبِ ما يُباعُ فِي الدَّيْنِ مِنْ عقارٍ وغيرِهِ؛ لأنَّ نفقةَ القريبِ مقدَّمةٌ على وفاء الدينِ، وهما يباعانِ فِي الدَّيْنِ، ففيما هو مقدَّمٌ عليه أوْلَى لما فيهِ من حفظ الروح (٣).
وإذا لم يكنْ لمن تجبُ عليه نفقةُ القريبِ مالٌ، لكنه كسوبٌ يمكنه أن يكتسبَ ما يفضلُ عنه، فيلزمُه أن يكتسبَ لنفقةِ قريبِهِ لأنَّه يلزمُه إحياءُ نفسِه
стр. 1371
بالكسبِ، فكذا إحياءُ بعضِه.
ولا تجبُ لمن يملكُ كفايتَهُ ولا لمن يقدر على أن يكتسبها لأنَّه غنيٌّ بكسبِهِ حيثُ كانَ كسبُهُ يكفيهِ، فإن كانَ لا يُحَصِّلُ قدرَ الكفايةِ استحقَّ القدرَ المعجوز عنهُ صاحبُه (١).
ومن لا مالَ له ولا كسبَ، وكانَ صغيرًا أو مجنونًا، أو زَمِنًا، أو مريضًا، أو أعمَى، فيلزمُ القريبَ نفَقتُهُ.
وإن لم يكنْ به نقصٌ فِي الحكمِ ولا فِي الخِلْقةِ، لكنه لا يكتسبُ مع القدرةِ على الكسبِ، فإن كانَ من الفروعِ لم تجبْ نفقتُه على المذهب، وإن كانَ من الأصولِ وجبت على الأظهرِ (٢).
ولا تتقدَّرُ نفقةُ القريبِ، بل هي علَى قدرِ الكفايةِ، وتسقطُ بمضيِّ الزمانِ إلَّا إذا نُفِيَ الولدُ، ثم استلحقه فإنَّ الأُمَ ترجعُ عليه بالنفقةِ.
ولا تصيرُ دينًا فِي الذِّمَّةِ (٣) سواء تعدى بالامتناعِ من الإنفاقِ أمْ لا.
ويستثنَى ما إذا أذنَ القاضي فِي استقراضها، أو أقرضَها، ومحلُّ الرجوعِ إذا استقرضتْ وأنفقتْ فلو تأخَّرَ الاستقراضُ بعدَ إذنِ القاضي ومضى زمنٌ لم يستقرضْ فيه فلا.
ويستثنَى أيضًا ما لوْ لمْ يكنْ هناكَ حاكمٌ واستقرضتِ الأمُّ عنهُ، وأشهدتْ، فعليهِ قضاءُ مَا استقرضَتْهُ، وإنْ لم تشهدْ فوجهانِ بمقتضَى كلامِ الرَّافعيِّ فِي
стр. 1372
بابِ زكاةِ الفطرِ ترجيحُ أنَّها لا ترجعُ.
* * *
فرع: يجبُ على الأمِّ أن تُرضعَ ولدَها اللبأَ (١)، وهو اللبنُ النازلُ أوَّلَ الولادةِ؛ لأنَّه لا يعيشُ بدونِه غالبًا، ولها أَنْ تأخذَ عليهِ الأجرةَ، ثم إنْ لم يوجدْ بعدَ سقي اللبأ مرضعةٌ غيرُها لزمِهَا الإرضاعُ، وكذا لو لمْ يوجدْ إلَّا أجنبيةٌ لزمها الإرضاعُ.
وإنْ وجَدَ غيرها وامتنعتِ الأمُّ من الإرضاعِ لم تُجْبَرْ عليه سواء كانتْ فِي نكاحِ الأبِ أم لا، وسواء كانت ممن يرضع مثلُها الولدَ أمْ لا.
وإن رغبتْ فِي الإرضاعِ وهي فِي نكاحِ الأب، فليسَ لهُ المنعُ على الأصحِّ.
فإن توافقَا علَى الإرضاعِ وتبرعَتْ به فذاكَ.
وإن طلبتْ أجرةَ مثلٍ أُجيبتْ إنْ لم تتبرعْ أجنبية بالإرضاعِ، أو أرضعتْ بأقلَّ من أجرةٍ المثلِ فتقدَّمُ على الأمِّ حينئذٍ، وكذا تقدَّم على الأمِّ إذا طلبتْ أجرة المثلِ وطلبتْ الأم فوقها (٢).
وإذا اجتمعَ لِلأصلِ المحتاجِ اثنانِ من الأولادِ (٣)، واستويا فِي القربِ، والوِراثةِ أو عدمِها، والذكورةِ والأنوثةِ، فالنفقةُ عليهما بالسويَّةِ، سواء استويا فِي اليسارِ أو تفاوتَا، وسواءٌ أيْسَرَا بالمالِ أو الكسبِ، أو أحدُهما بالمالِ،
стр. 1373
والآخرُ بالكسبِ، فإن كانَ أحدُهما غائبًا أخذَ قسطَه من مالِه، فإنْ لمْ يكُنْ لَهُ مالٌ اقترضَ عليه (١).
وإنِ اختلفَا فِي شيءٍ مِنْ ذلكَ فأصحُّ الطريقينِ النظر إلى القربِ، فإن كان أحدُهما أقربَ فالنفقةُ عليه سواءٌ كانَ وارثًا أو غيره، ذكرًا أو أنثى، فإنِ استويا فِي القربِ فالنفقةُ على الوارثِ منهما على الأصحِّ (٢).
* * *
وإذا اجتمع للفرعِ المحتاج قريبانِ من أصولِهِ، فإن اجتمعَ أبوهُ وأمُّهُ، وكانَ الولدُ صغيرًا، أو معتوهًا كبيرًا، فالنفقةُ على الأبِ قطعًا، وإن كان كبيرًا عاقلًا فالنفقةُ على أبيهِ على الصحيحِ (٣). وإن اجتمعتِ الأمُّ وواحدةٌ من آباءِ الأبِ فالصحيحُ أنها على الجدِّ (٤). وإنِ اجتمعَ اثنانِ من الأجدادِ والجَّداتِ: فإنْ كان أحدُهما يُدلي بالآخرِ فالنفقةُ على القريبِ، وإلَّا فأرجحُ الأوجُهِ: اعتبارُ القربِ (٥).
وإذا اجتمعَ للمحتاجِ واحدٌ منْ أصولِهِ وآخرُ من فروعِهِ فالنفقةُ على الفرعِ على أصحِّ الأوجهِ وإن بعدُ (٦).
وإنِ اجتمعَ على الشخصِ الواحدِ محتاجونَ ممنْ تلزمُه نفقتُهم نظرَ، إنْ وفا ومالُه أو كسبُه بنفقتهم فعليه نفقةُ الجميعِ، قريبِهم وبعيدِهم، فإنْ
стр. 1374
لم يفضلْ عن كفايةِ نفسِه إلَّا نفقةُ واحدٍ قَدَّم نفقةَ زوجتِهِ على نفقةِ الأقاربِ، ثم بعدها الأقربَ فالأقربَ (١).
وإذا لم يكنْ لهُ زوجةٌ، وله أبٌ وأمٌّ خاصة، وهما محتاجانِ وعندهُ ما ينفقُ على واحدٍ فتقدَّمُ الأمُّ على الأصحِّ لعجزِها، وفِي زكاةِ الفطرِ يقدَّمُ الأبُ عليها على الأصحِّ؛ لأنَّها تطهرٌ، والأبُ به أولَى (٢).
* * *
стр. 1375
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب الحضانة
هي بفتحِ الحاء، مأخوذةٌ من الحِضن بكسرِها، وهو الجَنْبُ؛ لأنها تضمُّه إلى حضنِها، وتنتهي بالتمييز، ثم بعده إلى البلوغِ تسمَّى كفالةً، كما قاله الماورديُّ (١).
والأصلُ فيها قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
ومن السُّنةِ ما رواه الحاكم وأبو داود عن ابنِ عمرٍو: أنَّ امرأة قالت: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ ابني هذا كان بطني له وعاءً، وثديي له سقاءً، وحِجْري له حواءً، وإنَّ أباهُ طلقني، وأراد أن ينتزِعَهُ مِنِّي. فقال ﷺ : "أنتِ أحقُّ به ما لم تنكِحي" (٢).
والحضانةُ هي القيامُ بحفظِ مَن لا يميزُ ولا يستقلُّ بأمرِه وتربيتِه بما يصلحُه
стр. 1376
ووقايته عمَّا يؤذيه، فيشملُ الطفلَ والكبيرَ والمجنونَ، وهي نوعُ ولايةٍ وسلطنةٍ، ولكنها بالإناثِ أليقُ؛ لأنَّهُنَّ أشفقُ وأهدى إلى التربيةِ وأصْبَرُ على القيامِ بها، وأشدُّ ملازمةً للأطفالِ، والأمُّ أولَى لوفورِ شفقتِها، للحديثِ المتقدِّم.
* * *
وقال المحامليُّ (١): الأمُّ أولى بالحضانةِ من الأبِ ما لم يبلغِ الولدُ سبعَ سنينَ إلَّا فِي ثمانِ مسائلَ:
أحدُها: أن يقولَ كلُّ واحدٍ منهما: "أنا أمسكُ الولدَ" (٢)، فالأبُ أولى.
والثاني: أن يكونَ الأبُ مأمونًا دونَ الأمِّ.
والثالثُ: إذا لم تكمُلِ الحريةُ فِي الأمِّ، ويكونُ الأبُ حرًّا.
الرابعُ: إذا افترقَ الدارُ بهما، فالأبُ أولَى.
والخامسُ: إذا تزوجتِ الأمُّ، فالأبُ أولى.
والسادسُ: إذا كانَ الأبُ مسلمًا والأمُّ ذميَّةٌ.
والسابعُ: إذا كانَ الأبُ مسلمًا، والأمُّ مرتدَّةٌ.
والثامنُ: إذا كانتِ الأمُ مجهولةَ النسبِ، فأقَرَّتْ بالرقِّ لإنسانِ. انتهى (٣).
ومحلُّ تخصيصِ الأبِ بالحضانةِ فِي هذه المسائلِ ما إذا لمْ يُوجدْ من أمهاتِ الأمِّ لإدلائهنَّ بإناثٍ مَن هي متصفةٌ بصفاتِ الحضانةِ، فإنْ وجدتْ
стр. 1377
واحدةٌ منهنَّ متصفةً بالصفةِ المذكورةِ فهي مقدَّمةٌ على الأبِ.
ومحل انتقال الحضانةِ عن الأمِّ بالتزويجِ، إذا تزوجت ممن لا حقَّ له فِي الحضانة، فإن تزوجتْ بمن له حقٌّ فِي الحضانة، ورضي زوجُها بأنْ تحضن الولدَ، فحقُّها باقٍ.
ويُزاد على المحاملي فِي انتقالِ الحضانةِ عنِ الأمِّ: إذا كانتْ مجنونةً فلا حضانةَ لها، وكذلك لا حضانةَ لها إذا كانتْ برصاء، أو جذماء (١) كما أفتى به الصلاحُ العلائيُّ، وقال إنه ذكر بعضُ من يثق من أصحابه أنَّ الرُّوياني قال فِي "البحرِ": إنَّ الحاضنةَ إذا كان بها مرضٌ أو جذامٌ سقطتْ حضانتها.
وكذلك لا حضانة لها إذا كانت برصاء أو جذماء، وكذلك لا حضانةَ لها إذا كانتْ عمياءَ، كما أفتى به عبدُ الملكِ بن إبراهيمَ الفرضيُّ الهمدانيُّ من تلامذةِ الماورديِّ، وجرى عليهِ شيخُنا الوالدُ ﵁.
وفِي "فتاوَى ابنِ الصباغِ": إن كان الولدُ صغيرًا فلها الحضانةُ؛ لأنَّهُ يمكنُهَا أَنْ تحضنَه، وإن كانَ كبيرًا فلا. انتهى.
والمعتمدُ المنعُ كما تقدَّمَ ولا يختصُّ ذلكَ بالأمِّ بل متَى وجدَ مانعٌ من موانعِ الحضانةِ فِي غيرِ الأمِّ من مستحقِّي الحضانةَ فلا حضانةَ له إن كانَ ذكرًا، ولا حضانةَ لها إن كانتْ أُنثى.
* * *
قال المحامليُّ: ويتعلق بالنسبِ اثنى عشرَ حكمًا:
أحدُها: توريثُ المالِ.
والثاني: توريثُ الولاءِ.
стр. 1378
والثالثُ: تحريمُ الوصيةِ.
والرابعُ: تحمُّلُ الدِّيةِ.
والخامسُ: ولايةُ التزويجِ.
والسادسُ: ولايةُ غسلِ الميتِ.
والسابعُ: ولايةُ الصلاةِ عليه.
والثامنُ: ولايةُ الحضانةِ.
والتاسعُ: ولايةُ المالِ.
والعاشرُ: طلبُ الحدِّ.
والحادي عشر: سقوطُ القصاصِ.
والثاني عشرَ: تغليظُ الدِّيةِ. انتهى (١).
* * *
وفِي قوله: "توريثُ الولاء": تجوُّزٌ، فإنَّ الولاءَ لا يورثُ، وإنما يورثُ به.
وأطلقَ تحريمَ الوصيةِ، ومحلُّها إذا أوصَى لوارثِه بمقدارِ إرثِه، فإنَّ الوصيةَ لاغيةٌ حينئذٍ، أما إذا أوصَى له بعين هي قَدْرُ حصَّته فهي صحيحةٌ، ولكن يحتاجُ إلى إجازَةِ بقيةِ الورثةِ.
وكذلكَ إذا أوصَى له بزائدٍ على إرثه فتصحُّ الوصيةُ، وتحتاجُ إلى الإجازةِ، ومحل تحمُّلِ الديةِ إذا كانَ المتحملُ غيرَ أصلٍ ولا فرعٍ، ومحلُّ سقوطِ القصاصِ إذا قتلَ الأصلُ فرعَه، ومحلُّ ولاية المال الأبُ أو الجدُّ وإن علَا.
ويزادُ على المحامليِّ مسائلٌ أخر: إرثُ القصاصِ، وإرثُ الحقوقِ التي لا
стр. 1379
ترتفعُ بالموتِ، وقد ذكرهما شيخُنا فِي الفرائضِ والسفيه فِي الإسلامِ أو الكفرِ للأصولِ.
ووجوبُ النفقةِ للأصولِ والفروعِ.
والإعفافُ لأصلِه الذكر.
وإذا ملَكَ أصلَهُ أو فرعَهُ عتقَ عليه.
وعدمُ قبولِ الشهادةِ من أحدِهِمَا للآخرِ فِي الأصولِ والفروعِ.
وكذلكَ الحكمُ من أحدِهِما للآخرِ، واعتبارُ مهرِ المثلِ.
وعدمُ إجزاءِ الزكاةِ إذا دُفِعَتْ لمن تجبُ عليه نفقتُه من أصلٍ أو فرعٍ.
ووجوبُ الحجِّ على المغصوبِ إذا وجدَ ولدًا يحجُّ عنهُ.
وبيعُ مالِ الابن من نفسِه، وكذا ابنُ الابنِ، وإن سَفل.
وتحريمُ موطوءة أحدهما على الآخرِ، وثبوتُ المحرميَّة، واعتبارُ الكفاءَةِ، وتزويجُ الجد بنتَ ابنِهِ من ابن ابنِه.
* * *
ثم بعد الأم أمهاتها لإدلائهنَّ بالإناثِ كما تقدَّم، يُقدَّمُ الأقربُ منهنَّ فالأقربُ، ثم تقدَّم أم الأبِ ثمَّ أمهاتها المدليات بالإناثِ، ثم أم أبي الأب، كما ذكرَ، ثم أبي الجدِّ كذلكَ.
وتقدَّمُ الأختُ من أي جهةٍ كانت على الخالةِ، وتقدَّمُ الخالةُ على بنتِ الأخِ والأختِ؛ لأنَّها كالأمِّ، وتقدَّمُ بنتُ الأخِ والأختِ على العمَّةِ، وتقدَّمُ الأختُ الشقيقةُ على الأختِ للأب، وعلى الأختِ للأمِّ، وتقدَّمُ الأختُ من الأبِ على الأختِ من الأمِّ، على الأصحِّ المنصوصِ، والأصحُّ تقدَّمُ الخالةُ والعمَّةُ من أبٍ على الخالةِ والعمَّةِ للأمِّ، والأصحُّ سقوطُ كلِّ جدَّةٍ لا ترثُ،
стр. 1380
وهي من تُدْلي بذكرٍ بين أُنْثيين كأم أبي الأم.
ولا تسقط الأنثى غير المحرمِ على الأصحِّ كبنت الخالةِ وبنتِ العمِّ، وبنتِ العمةِ، وأما بنتُ الخالِ فقد مثَّل بها الرافعيُّ، وفيه نظر؛ فإنَّها تدلي بذكر غير وارثٍ، وقد تقررَ أنَّ من كانتْ بهذهِ الصفةِ لا حضانةَ لها.
وإذا لم نثبتها لأم أبي الأم لهذا المعنى مع وجودِ الولادَةِ فيها فبطريقِ الأوْلى بنتُ الخالِ بخلافِ بنتِ الخالةِ والعمةِ؛ فإنَّها تدلي بأنثى، وبخلافِ بنتِ العمِّ، فإنَّها تُدْلي بذكرٍ وارثٍ، وإنما تثبت لبنت الخالةِ والخالِ وبنتِ العمِّ وبنتِ العمَّةِ الحضانةُ فِي ذكرٍ لا يشتهى وإلَّا فلَا حَضَانةَ لهنَّ.
وكأنَ المرادَ أنَّه لا تثبتُ لهنَّ الكفالةَ لأنَّها بعدَ سنِّ التمييزِ الذي بعدهُ يحصلُ الاشْتِهاءُ.
هذا حكمُ الإناثِ المنفرداتِ المستحقاتِ للحضانةِ.
فأما الذُّكورُ؛ فتثبتُ الحضانةُ للذكرِ المحرمِ الوارثِ على ترتيبِ الإرثِ، فيقدَّمُ الأبُ، ثم الجدُّ للأبِ، وإن علَا، ثم الأخُ الشقيقُ، ثم الأخُ للأبِ، ثم الأخُ للأمِّ، ثم ابن الأخِ الشقيقِ، ثم ابنُ الأخِ للأبِ، ثم العمُّ الشقيقُ، ثم العمُّ للأبِ، ثم العمُّ للجدِّ.
وكما ثبتَ للمحرمِ الوارثِ ثبتَ للوارثِ غيرَ المحرمِ كابنِ العمِّ وابنه، وابن عمِّ الأبِ وابن عمِّ الجدِّ.
ولا حضانةَ للمعتقِ على الصحيحِ، وإن كان وارثًا غير محرم، لعدم القرابة التي هي منوطُ الشفقةِ.
ولا يسلَّمُ إلى الوارثِ غير المحرم مشتهاةٌ حذرًا من الخلوةِ، ولكن تسلَّم إلى ثقةٍ يُعَيِّنها هوَ؛ لأنَّ الحقَ لهُ، هذا إذا قُلنا "إنَّ لهُ الحضانةَ" كما جزَمَ به
стр. 1381
النوويُّ تبعًا للرافعيِّ، ولكن الذي قطعُ به الشيخُ أبو حامدٍ أنَّه لا حقَّ له فِي الحضانةِ مخافةَ الافتتانِ بها، وتابعهُ غالبُ العراقيينِ، وقيدوا استحقاقَ العصبةِ الحضانةَ بأن يكون مَحْرمًا، وقال الجرجانِيُّ فِي "التحرير": لا خلافَ فيه، وجرى عليه جمع من المراوزةِ.
فإنْ لم يوجدْ الإرثُ والمحرميةُ أو لم يوجدِ الإرثُ، فالأصحُّ لا حضانةَ، كابن الخالِ وابنِ الخالةِ، وابنِ العمةِ.
وإذا اجتمعَ الذُّكورُ والإناثُ مِن مستحقِّي الحضانة قدِّمتِ الأمُّ للحديثِ السابقِ، ثم أُمهاتُها المدلياتِ بالأمهاتِ؛ لأنهنَّ فِي معنى الأمِّ، ثم بعد ذلكَ يقدَّمُ الأبُ على أمهاتِهِ على الصحيحِ.
وتقدَّمُ الأصولُ على الحواشي على ظاهرِ المذهبِ، فإنْ لم يوجدْ من ذكرِ من الأصولِ فيقدمُ الأقربُ على الأصحِّ ذكرًا كان أو أنثى، فإن لم يوجدِ الأقربُ، واستوى اثنان أو جماعةٌ فِي القربِ، كأخٍ وأختٍ فالأصحُّ التقديمُ بالأنوثةِ، وإن استويا فِي كلِّ وجهٍ أقرعَ قطعًا للنزاعِ.
ولا يستحقُّ الحضانةَ رقيقٌ، ولو كان مكاتبًا، ولا منْ فيه رقٌّ، إلَّا مستولدةُ الكافرِ إذا أسلمتْ، فإنَّ ولدَها يتبعها فِي الإسلامِ، ولها حضانتُه، فإنْ كانَ الولدُ حرًّا، فالحضانةُ لمن له الحضانةُ بعدَ الأمِّ الحرَّةِ من أبٍ وغيرِه، وإن كان رقيقًا فحضانتُه لسيدِه.
ولا حضانةَ لمجنون سواء كان جنونُه مُطبقًا أو منقطعًا، إلَّا أن يَقِلَّ جنُونُه، كيومٍ فِي سنتين مثلًا، فلا يمنع، ولا لفاسقٍ؛ لأنَّه لا يلي، ولا لكافرٍ على مسلمٍ، ولا لمتزوجةٍ بمن لا حقَّ له فِي الحضانةِ.
وإذا كانت مستأجرةً للحضانة مدة إجارة لازمة، ثم تزوَّجتْ فِي أثناء المدةِ، فنقلَ النوويُّ تبعًا للرافعيِّ -في آخرِ الخلعِ عن فتاوَى القاضي
стр. 1382
الحسين-: أن الأبَ لا ينزعهُ منها بتزوجِها؛ لأنَّ الإجارةَ عقدٌ لازمٌ.
وإذا تزوَّجتِ بمن له حقٌّ فِي الحضانةِ ورضيَ زوجُها بذلكَ، فحضانتُها باقيةٌ كما تقدَّمَ، فلو منعها سقطتْ حضانتها كما قاله الماورديُّ والإمامُ وغيرُهما.
ومن شروطِ الحضانةِ أَنْ لَا يكونَ مغفَّلًا، كما عدَّه الجرجانيُّ فِي الشافي وهو حسنٌ، وعدَّ الماورديُّ والقاضي أبو الطيب فِي كتاب "اللقيط" من الشروطِ: الرشدَ، فالسفيهُ ليس أهلًا لحضانةِ الطفلِ، وقد نصَّ الشافعيُّ ﵁ على هذا ففِي "مختصرِ المزنى" (١) أنَّهُ إذا كانَ الأبُ غيرَ رشيدٍ، انتقلتِ الحضانةُ إلى الجدِّ. انتهى.
وهل يشترطُ لاستحقاقِ الحضانةِ أَنْ تُوضعَ الولدَ إذا كانَ رضيعًا، وكانَ لها لبنٌ؟ فيه وجهانِ: صرَّح ابنُ الرِّفعةِ بالاشتراطِ تبعًا لظاهرِ الشَّرحِ، فعدَّ من الموانِعِ فقد الرَّضاعِ منها إمَّا بامتناعِها أو بعدَمِ اللبنِ منها، وفيهِ نظرٌ، والمسألةُ إنَّما أخذَها الرَّافعيُّ من التهذيبِ، ولا تكادُ تعرفُ إلَّا لَهُ ومن تبعهُ.
وكلامُ الجمهورِ يقتضِي الجزمَ بأنَّهُ لا يشترطُ كونُها ذاتَ لبنٍ، وهو الصوابُ.
فإنْ غابتِ الأمُّ أو امتنعت فالصحيحُ -خلافًا لما في "المنهاج" (٢) - انتقالُ الحضانةِ للجدَّةِ أم الأمِّ، كما لو ماتَتْ أو جُنَتْ.
وإنَّمَا يُحْكم بأنَّ الأمَّ أحقُّ بالحضانةِ من الأب فِي حقِّ منْ لا تمييزَ لَهُ أصلًا، وهو الصغيرُ فِي أولِ أمره، والمجنونُ، فأَمَّا إذا صارَ الصغيرُ مميزًا
стр. 1383
فيخيرُ بينَ الأبوينِ، إذا افترقَا، ويكونُ عندَ من اختارَ منهمَا، وسواءٌ في التمييز الابنُ والبنتُ، وسنُّ التمييزِ غالبًا سبعُ سنينَ، أو ثمانٍ تقريبًا (١).
قال الأصحابُ: وقد يتقدَّمُ التمييزُ على السَّبْعِ أو يتأخَّرُ عن الثمانِ، ومدارُ الحكمِ على نفسِ التمييزِ لا على سنِّه.
وإنَّما يخيَّرُ بين الأبوينِ إذا اجتمعَ فيهما شروطُ الحضانةِ المتقدِّمةِ، فإنِ اختلَّ فِي أحدِهما بعضُ الشروطِ فلا تخيير، والحضانةُ للآخرِ، فإنْ زالَ الخللُ أُنشئ التخيير (٢).
ويجري التخييرُ بين الأمِّ والجدِّ عندَ عدمِ الأبِ، ويجري أيضًا بينها وبين مَن على حاشيةِ [النسب] (٣) كالأخِ والعمِّ على الأصحِّ، ويجري أيضًا بين الأبِ والأختِ لغير الأبِ، وبين الخالةِ على الأصحِّ.
وإذا اختارَ أحدَ الأبوينِ، ثم اختارَ الآخر حوِّلَ إليهِ، فإن عادَ واختارَ الأوَّلَ أعيدَ إليهِ (٤).
وإذا اختارَ الأبَ وسلِّمَ إليهِ، فإن كان ذكرًا لم يمنعهُ من زيارة أمِّه، وإن كان أنثى منعها من زيارةِ أمِّها لئلا تعتاد البروز، ولا يمنعُ أمَّها منَ الدخولِ عليها، ثم الزيارةُ تكونُ فِي الأيامِ على العادَةِ لا فِي كلِّ يومٍ، وإذا دخَلَتْ لا تطل المكثُ.
ولو مرضَ الولدُ ذكرًا كان أو أنثَى، فالأمُّ أولَى بتمريضِه، فإنَّها أشفقُ وأهدَى إليهِ، فإنْ رضيَ بأنْ تمرضَ فِي بيتِهِ فذاكَ، وإلَّا فينتقلُ الولدُ إلَى بيتِ
стр. 1384
الأمِّ.
ويجبُ الاحترازُ عنِ الخلوةِ إذا كانتْ تمرِّضُه فِي بيتِ الأبِ، وكذا إذا زارتْ الولدَ فإنْ لم يكنْ هناكَ ثالثٌ خرجَ حتى تدخُلَ (١).
وإذا اختارَ الأمَّ، فإن كانَ ذكرًا أوى إليها ليلًا، وكان عندَ الأبِ نهارًا، يؤدِّبه، ويعلمُه أمورَ الدينِ والمعاشِ والحرفةِ.
وإن كان أنثى كانتْ عندَ الأمِّ ليلًا ونهارًا، ويزورُها الأبُ على العَادَةِ، ولا يطلبُ إحضارَها عندَهُ، وهكذَا الحكمُ إذا كانَ الولدُ عندَ الأمِّ قبلَ سنَ التخييرِ (٢).
وإذا اختارَ الأمَّ فليسَ للأبِ إهمالُهُ بمجرَّدِ ذلكَ، بل يلزمُهُ القيامِ بتأديبِه وتعليمِهِ، إمَّا بنفسِه وإمَّا بغيرِه، ويتحملُ مؤنتَهُ، وكذلك المجنونُ الذي لا تستقلُّ الأمُّ بضبطِه يلزمُ الأبُ رعايتَه، وإنَّمَا تقدَّمُ الأمُّ فيما يتأتى منها وما هو شأنُها (٣).
وتأديبُه وتعليمُه واجبٌ علَى وليِّه، أمًّا كانَ أو جدًّا أو قيمًا، وتكونُ أجرةُ ذلكَ فِي مالِ الصَّبيِّ، فإنْ لمْ يكُنْ لهُ مالٌ، فعلى مَن تلزمُهُ نفقتُه (٤).
وإذا خيَّرناهُ فاختارهما أقرع بينهما، وإن لم يَخْتَرْ واحدًا منهما فالأصحُّ أنَّ الأمَّ أحقُّ به، لأنَّه لم يخترْ غيرها، وكانت الحضانةُ لها فيستصحب، وبه قطع فِي "البسيطِ" (٥).
стр. 1385
وما تقدَّم من أنَّ الأمَّ أولَى من الأبِ قبلَ التمييزِ، وأنَّه يخيَّرُ بينهما بعده، هو فيما إذا كان الأبوانِ مقيمينِ فِي بلدٍ واحدٍ، فأمَّا إذا أراد أحدُهما سفَرًا، فإنْ كانَ سفرَ حاجةٍ، كحجٍّ وغزوٍ وتجارةٍ، لم يسافرْ بالولدِ، لما فِي السَّفرِ من الخطَرِ والمشقَّةِ، بلْ يكونُ معَ المقيمِ إلَى أَنْ يعودَ المسافرُ.
وإنْ أرادَ سفرًا يختلفُ فيهِ بلدُها، كانَ مع الأمِّ على مختارِ النوويِّ (١)، وهو قضيةُ كلامِ الأصحابِ.
وإن كانَ سفرَ نقلةٍ، فللأبِّ انتزاعُه مِنَ الأمِّ، ويستصحبهُ معهُ، سواءٌ كانَ المنتقلُ الأبَ أو الأمَّ، أو أحدَهما إلى بلدٍ والآخرُ إلَى بلدٍ آخرَ احتياطًا للأنسابِ، بشرطِ أمنِ الطريقِ وأمنِ البلدِ المقصودِ، وسائرُ العصباتِ من المحارمِ كالجدِّ والاخِ والعمُّ بمنزلةِ الأبِ، فيما تقدَّم احتياطًا للنسبِ، وكذَا غيرُ المحَارِمِ كابنِ العمِّ إنْ كانَ الولدُ ذكرًا، فإنْ كانَ أنثَى لمْ تُسلَّمْ إليه. قالَ المتولِّي: إلَّا إذا لم تبلغْ حدًّا يشتهى مثلُها. وفِي "الشامل" أنَّه لو كان له بنت ترافقُه سلِّمتْ إلى بنتِه أي المكلَّفةِ الثِّقةِ، وأما المَحْرَمُ الذي لا عُصوبَة فيه كالخالِ والعمِّ للأمِّ فليسَ لَهُ نقلُ الولدِ إذا انتقَلَ؛ لأنَّهُ لا حقَّ لهُ فِي النَّسبِ (٢).
* * *
فصل (٣)
يجبُ على السَّيدِ نفقةُ رقيقِهِ قوتًا وأدمًا وكسوةً وسائرُ مؤناتهِ، قِنًّا كانَ أو
стр. 1386
مدبرًا، أو أم ولدٍ، وسواء الصغيرُ والكبيرُ والزمنُ والأعْمَى والسَّليمُ، والمرهُونُ، والمستأجَرُ، وغيرُهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾، وقولِه ﷺ : "للمملوكِ طعامُه وكسوتُه ولا يكلَّفُ من العمل ما لا يُطيق" رواه مسلمٌ.
ويجب على سيِّدِه شراءُ الماءَ لطهارتِهِ على الأصحِّ، كما تجبُ عليه فطرتُه، ولا تتقدَّر نفقة الرقيقِ، بل هي على الكفايةِ، وأصحُّ الأوْجُهِ اعتبارُ كفايةِ نفسِه، ويراعي رغبته وزهادتُه وإن زاد ذلك على كفايةِ مثلِهِ غالبًا (١).
وجنسُ نفقة الرقيقِ غالبُ القوتِ الذِي تطعمُ منهُ المماليكُ فِي البلدِ من الحنطَةِ والشعيرِ، وغيرهمَا، وكذا الأدمُ الغالبُ، والكسوةُ من القطنِ والكتَّانِ والصوفِ وغيرهمَا، ويراعَى حالُ السَّيِّدِ فِي اليسارِ والإعسارِ، فيجبُ ما يليقُ بحالِهِ من رفيعِ الجنسِ الغالبِ وخسيسِهِ.
وَلا يجوزُ الاقتصارُ على ستْرِ العورَةِ، وإنْ كانَ لا يتأذَّى بحرٍّ ولا بردٍ.
ولو تَنَعَّمِ السَّيدُ فِي الطَّعامِ والأدمِ والكسوةِ استحبَّ أَنْ يدفعَ إليهِ مثلَهُ، ولا يلزمُه (٢).
ولا يجبُ عليه نفقةُ مكاتبِهِ.
ولو اشتركَ جماعةٌ فِي رقيقٍ فالنفقةُ عليهمْ بحسبِ أنصبَائِهمْ.
ولا تصير نفقة الرقيق دينًا، بل تسقطُ بمضيِّ الزمانِ (٣).
وإذا امتنَعَ السيدُ من الإنفاقِ على رقيقِهِ أو غابَ، وكانَ مطلقُ التصرُّفِ باعَ الحاكِمُ فيها مالَهُ.
стр. 1387
وهل يبيعُ شيئًا فشيئًا، أم يستدينُ عليهِ، فإذَا اجتمَعَ عليهِ شيءٌ صالحٌ باعَ عليه؟
وجهانِ، أصحُّهما الثَّاني (١).
فإن لم يجدْ له مالًا أمرَهُ بإزالةِ ملكِهِ عنهُ.
فإن لمْ يفعَلْ باعَهُ الحاكمُ عندَ تعذُّرِ إيجادِه، ويبيعُ منهُ بقدرِ الحاجةِ.
فإن لمْ تتعذَّرْ إجارتُه أجَّرهُ حينئذٍ (٢).
وأمُّ الولدِ تؤجَّر، أو تزوج، فإن لم يمكنْ ففِي بيتِ المالِ، وأمَّا المحجورُ عليهِ فيجبُ أن يفعلَ وليُّهُ الأحظَّ من بيعِه أو بيعِ غيره من مالِهِ فِي نفقتِهِ، أو الإقراضِ عليه.
وللسيِّدِ إجبار أمتِهِ على إرضاعِ ولدِها منهُ أو منْ غيرِهِ مملوكٌ له مِن زوجٍ أو زنًا؛ لأنَّ لبنها ومنافعها لهُ.
وليسَ لهُ أَنْ يُكلِّفهَا إرضاعَ غيرَ ولدها معهُ بأجرةِ ولا بغيرهَا، إلَّا أن يفضل لبنُها عن ريِّ ولدها لقلَّةِ شربه، أو لكثرةِ اللبنِ، أو لاجتزائِه بغيرِ اللبنِ فِي أكثرِ الأوقاتِ، ولو ماتَ ولدُها أو استغنى عَنِ اللبنِ فلَهُ ذلكَ.
وله إجبارُها على فِطامِهِ قبلَ الحولينِ إذا اجتزَأ الولدُ بغيرِ اللبنِ.
وله إجبارُها علَى الإرضاعِ بعدَ الحولينِ، وإنْ كانَ يجتزئ بغيرِ اللبنِ إلَّا إذا تضررتْ بِهِ، وليسَ لها الاستقلالُ بالفطامِ والإرضاعِ (٣).
هذا حكمُ الأمةِ، وأمَّا الحرَّةُ فلهَا حق فِي تربيةِ الولدِ، فليسَ لواحدٍ من الأبوينِ الاستقلالُ بالفطام قبلَ الحولينِ، وعلى الأبِ الأجرةُ إذا امتنعتْ الأمُّ
стр. 1388
منَ الفطامِ إمَّا لَهَا وإمَّا لغيرِها. وإن اتفقَا على الفطامِ جازَ إذا لم يتضرَّرِ الولدُ، وأمَّا بعدَ الحولينِ فيجوزُ لكلِّ واحدٍ منهما الفطامُ إذا اجتزأ بالطعامِ، ويجوزُ أن يُزادَ فِي الإرضاعِ على الحولينِ إذا اتفقا (١).
ويجوزُ المخارجةُ، وهيَ ضربُ خراجٍ معلومٍ على الرَّقيقِ يؤدُّونَهُ كلَّ يومٍ أوْ كلَّ أُسبوعٍ مما يكتسبُهُ، وليسَ للسيِّدِ إجبارُ العبدِ عليها، ولا للعبدِ إجبارُ السيدِ، كالكتابةِ (٢).
ولا يجوزُ للسيِّدِ أن يكلِّفَ رقيقَهُ من العملِ ما لا يُطيقُ الدوامَ عليهِ، ولا يجوزُ أَنْ يُكلِّفَهُ عملًا يقدرُ عليه يومًا أو يومين، ثم يعجزُ عنهُ.
وإذا استعملَهُ نهارًا أراحَهُ ليلًا، وكذا بالعكسِ، ويريحُهُ فِي الصيفِ وقتَ القيلولةِ، ويستعملُهُ فِي الشتاءِ النهارَ معَ طرفِي الليلِ، وعلى العبدِ بذلُ المجهودِ وتركُ الكسلِ (٣).
* * *
стр. 1389
فصل
مَن ملكَ دابةً لزمَهُ علفُها وسقيُهَا، ويقومُ مقامَ العلفِ والسَّقي تخليتها لترعى، وترد الماءَ إنْ كانتْ مما يرعى، ويكتفَى به لخصبِ الأرضِ ونحوِهِ، ولم يكنْ مانعٌ.
ويحرُمُ تحميلُ الدابةِ ما لا تطيقُ الدوامَ عليهِ، وإن كانتْ تطيقُهُ يومًا ونحوُه كما سَبَقَ فِي الرَّقيقِ (١).
ولا يجوزُ نَزْفُ لبنِ الدابَّةِ بحيثُ يضرُّ ولدَها، وإنَّما يحلبُ ما فضلَ عن ريِّ ولدِها. قالَ الرُّوياني: ويعني بالريِّ ما يقيمه حتَّى لا يموتَ. قال المتولي: ولا يجوزُ الحلبُ إذا كان يضرُّ البهيمةَ لقلَّةِ العلفِ. قال: ويكره تركُ الحلبِ إذا لمْ يكنْ فيهِ إضرار بها؛ لأنَّه تضييعٌ للمالِ. قال: والمستحبُّ أن لا يُستقصى فِي الحلبِ، ويدع فِي الضرع شيئًا وأن يقصَّ الحالبُ أطفاره لِئلَّا يؤذيها (٢). انتهى.
* * *
ويجب على مالكِ النحلِ أن يبقِي فِي الكوارةِ شيئًا من عسلِها لتأكُلَهُ، فإن كانَ فِي الشِّتاءِ وتعذَّرَ خروجُها كان المتبقي أكثر، فإن قامَ شيءٌ مقامَ العسلِ فِي غذائِهَا لم يتعيَّنِ العسل (٣). وقد قيل: تُشوى دجاجة وتُعلق بباب الكوارة.
وعلَى مقتنِي الكلبِ المباحِ اقتناؤه أَنْ يطْعِمَهُ أو يرسلَه أو يدفعَهُ لمنْ له
стр. 1390
الانتفاعُ بِه، ولا يحلُّ حبسُه ليهلكَ جوعًا.
ودودُ القزِّ يعيشُ بورقِ التوت فعلى مالكه تخليتُه ليأكلَ منهُ، فإن عزَّ الورقُ اشترى له مِن مالِ مالكِهِ كالرقيقِ.
والظاهرُ أنَّهُ يجبُ أَنْ يلبسَ الخيلَ والبغالَ والحميرَ ما يَقيهَا الحرَّ والبردَ الشديدَ إذا كانَ ذلِكَ يضرُّ بهَا.
وغيرُ ذواتِ الأرواحِ كالعقارِ والقنى والزرعِ والثمارِ لا يجبُ القيامُ بعمارتِها على مالكِها المكلَّف المطلقِ التصرُّفِ إذا لمْ يتعلقْ به حق لغيره، فأمَّا إذا أجَّرَ دارَهُ ثم احتلَّت فعليه عمارتُها إن أرادَ دوامَ الإجارةِ، فإن لم يفعلْ يخيَّرُ المستأجر (١).
ولا يكرهُ تركُ زراعةِ الأرضِ لكن يكرهُ تركُ سقي الزرعِ والأشجارِ عندَ الإمكانِ لما فيهِ من إضاعةِ المالِ، وصحَّحَ الروياني التحريمَ، وجرى عليه فِي المهمات، ثم فصَّل فقال: الصوابُ أن يُقالَ: إنْ كانَ سببُ الإضاعةِ تركَ الأعمالِ فلا تحريمَ؛ لأنَّها قد يشقُّ عليهِ، وإنْ لم يكنْ إعمال كإلقاءِ المتاعِ فِي البحرِ حرم.
قال المتولِّي (٢): ويكرهُ أيضًا تركُ عمارةِ الدارِ إلى أَنْ تخربَ، ولا تكرهُ عمارةُ الدورِ وسائرِ العقارِ للحاجةِ، والأوْلى تركُ الزيادةِ، وربَّما قيلَ تكرهُ الزيادة.
وأمَّا المحجورُ عليهِ فعلى وليِّه عمارةُ دارِهِ وحفظُ شجرهِ وزرعِه بالسَّقي وغيره، وأمَّا الوقفُ فعلى ناظرِهِ حفظُ رقبتِهِ ومستغلاته ولو غابَ الرشيدُ عن
стр. 1391
مالِهِ غيبةً طويلةً ولا نائبَ له، فهلْ يلزم الحاكمُ أن يُنيبَ من يعمرُ عقارَه ويسقي زرعهُ وثمره من ماله أم لا، والظاهرُ اللزومُ؛ لأنَّ عليه حفظَ مالِ الغائبِ كالمحجورينَ.
ويكرهُ للإنسانِ أَنْ يدعوَ على نفسِهِ وولده وخادمِهِ ومالِهِ، واللَّهُ أعلمُ.
* * *
стр. 1392
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الجناياتِ على أنفس البشر بقتلِها وعلى أجزائِها ومعانيها بتفويتها
قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ ألى قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، وظهر من قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، ومن مُقتضى الأدلةِ إلزامُنَا بذلكَ.
стр. 1393
وعنْ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ ﵁ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قالَ: "لا يحلُّ دمُ امرئٍ يشهدُ أنَّ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وأنِّي رسول اللَّهِ إلَّا بإحدَى ثلاثٍ؛ الثيِّب الزاني، والنَّفسُ بالنفسِ، والتاركُ لدينِه المفارقُ للجماعةِ" (١) أخرجه الصحيحان وغيرهما.
والقتلُ من المكلَّفِ بغيرِ حقٍّ عمدًا بلا تأويلٍ من الكبائرٍ.
والموجبُ للقصاصِ منه كلُّ فعل بمباشرةٍ أو سبب عمد محضٍ مزهقٍ للروحِ غالبًا، ولو في مثلِ المجني عليه والزمان، عدوان من حيث كونُه مُزْهقًا من واحدٍ أو جمعٍ، بتواطؤ فيما لا يزهقُ بعضهُ، ليس معه شركة شبه عمدٍ ولا خطأ، ولا عمدٍ من الجاني، غير موجبٍ للقصاصِ ولا شركة المجني عليهِ بالمداواةِ ولا ترك منه ما يوثق بهِ فِي دفعِ الهلاكِ، مقصودٌ فيه عين المجني عليه، مع معرفةِ أنَّهُ آدميٌّ منفردًا أو معَ غيرِهِ علَى مَا رجِّحَ، والأوجهُ خلافُه كما فِي صورة المنجنيقِ.
وصدرَ الفعلُ فِي حالةِ التكافِي وتكليفِ الجانِي والتزامِهِ وانتفاءِ المانعِ منْ شُبهةٍ وغيرِها مستمرًّا فيه عصمته على الجاني من الفعلِ إلى الفوت غيرَ مقبولٍ فِي حربِ بغاةٍ ولا ذِي شوكَةٍ وأهلِ ردَّةٍ على قول رجَّحهُ بعضُهم.
وفِي غيرِ قطعٍ، فإن فيهِ معنَى القصاصِ على الأرجحِ، لكنْ لا يتوقَّفُ استيفاؤُه على طلبِ أولياءِ القتيلِ، ويُقتل ولو كانوا صغارًا، وسيأتِي فِي بابِه بسطُه إن شاء اللَّهُ تعالى.
فالفعلُ بالمباشَرَةِ ما أثَّرَ فِي الزُّهوقِ وتخيُّلُه كحزِّ رقبةٍ وقدٍّ بنصفين ورمي بسهمٍ، وإلقاءٍ من شاهقٍ، وعصر خصيةٍ، وخنقهِ، ورمي بمثقل، وجرح سار،
стр. 1394
وتوالي ضربُه، وسقيه ما يقتله بإنجاز بكرهٍ أو أكرههُ حتَّى تناوَلَ بنفسِه، وإن علمَ أنَّه مسمومٌ على الأظهَرِ، وليسَ هذا كما إذا أكرههُ على أَنْ يَقْتلَ نفسَه، خلافًا لقوله الرَّافعيِّ أنَّه الوجهُ؛ لأنَّه قد يحصلُ الشفاءُ منَ السَّهمِ فيتخلَّصُ من قبل ناجز بأمرٍ مرجو فيه الشفاء.
ومن المباشرةِ الموجبةِ للقود غرز إبرةٍ بمقتلٍ، أو بدن صغير أو شيخٍ هرم، وأمَّا غرزها فِي غيرِ ذلكَ فيما يتألَّمُ به، فإن تورَّمَ وبقي متألِّمًا إلى الموتِ وجبَ القودُ على المذهبِ، ومنهُم مَن لم يعتبرِ التورُّمَ واكتفَى باستمرارِ التألُّمِ، فإن كانَ لا ينفكُّ عنْ تورُّمٍ توافقًا.
وإن كان ينفكُّ فالأرجحُ إيجابُ القود بالقيد المعتبر فِي كلِّ الصورِ، وهو أن يكونَ ذلكَ الفعلُ يقتُلُ غالبًا، ولا معنَى لِمَا رجَّحَهُ المتأخَرونَ من اعتبارِ الورمِ.
وإنْ مَاتَ فِي الحالِ فصححوا أنَّه لا قودَ عليه، وهو شبهُ عمدٍ، فتجبُ فيه ديتُه، والمعتمدُ أنَّه إن كانَ يقتُلُ غالبًا وجبَ القودُ.
وإذا ألقاهُ فِي ماءٍ لا يمكنُهُ التخلُّص منه فالتقمَهُ حوتٌ فعليه القصاص على النصِّ.
وإن رفعَ الحوتُ رأسَهُ فألقمَهُ الحوتَ فماتَ فإنَّهُ يجبُ القصاصُ بلا خلافٍ.
ومنعهُ الطعامَ والشرابَ بحيثُ لا يمكنه التوصُّلُ إليهِ مدَّةً يموتُ فيها مثلُهُ غالبًا يوجبُ القودُ.
وإن كانَ بهِ بعضُ جوعٍ أو عطشٍ سابقٍ، وعلم المانعُ بحالِهِ وجبَ القصاصُ على الأصحِّ، فإن عفَى على مالٍ وجبتِ الدِّيةُ كلُّهَا. كذا ذكروه.
стр. 1395
ولَمْحُ الشركةِ يقتضي إيجاب النصف، وهو قويٌّ.
ومن أقرَّ أنَّه قتله بسحره الذي قصدَهُ بهِ وأقرَّ أنَّهُ يقتلُ غالبًا فعليهِ القودُ.
وأمَّا مَن قتلَ بالعينِ أو بالحالِ كما يجرِي لبعضِ الفقراء فلا شيء فيه.
ومقابلُ العمدِ شبهُ العمدِ والخطأِ:
فالعمدُ: قصْدُ الفِعْلِ والشخصِ بما يقتلُ غالبًا مباشرةً أو تسببًا كما سبقَ، وسيأتي قَصْدُ السبب.
وشبهُ العمد: أن يقصدَ مباشرةً أو تسببًا الفعل والشخص بما لَهُ مدخلٌ فِي الإهلاكِ، لكن لا يقتلُ غالبًا، ومنهُ الضربُ بالسَّوطِ والعصا الخفيفةِ، وبجمعِ الكفِّ بشرطِ أن لا يتوالى فِي شيءٍ منْ ذلكَ إلَى ما يقتلُ غالبًا، ومنه الرَّمي بالحجرِ الصغيرِ.
والخطأ: أن لا يقصدَ الفعلَ بأن زلقَ فسقطَ على غيرِهِ بغيرِ اختيارِهِ فقتلَهُ، أو يقصدُ الفعلَ ولا يقصدُ الشخصَ بأنْ رمَى إلى هدفٍ فأصابَ إنسانًا أو قصدَ الشاخصَ على أنَّه غيرَ إنسانٍ بأنْ ظَنَّهُ صيدًا فبانَ إنسانًا.
والسببُ: ما أثَّرَ فِي تحصيلِ ما يؤثِّرُ فِي الزُّهوقِ إما حسًّا، وهو الإكراهُ، أو شرعًا كما فِي الشهادةِ، أو عُرفًا كما فِي تقديمِ الطَّعامِ المسمومِ.
فإذا أكرههُ على صعودِ شجرةٍ أو نزولِ بئرٍ لا يسلمُ منهُ غالبًا فهو عمدٌ موجبٌ للقودِ كما سبقَ فِي السُّمِّ، وإن كانَ يحصلُ منهُ الهلاكُ نادرًا فشبهُ عمدٍ.
وإنْ كانَ لا يحصلُ هلاكٌ أصلًا لم يجبْ شيءٌ، ويحتَمَلُ أن يكونَ خطأ.
وإذَا أكرَهَهُ على قتلِ آخرَ يكافئهما فقتلَهُ مكرهًا وجبَ القودُ على كلٍّ منهُما، وفِي الأمرِ رجلًا أنَّهُ لا قودَ عليه، وفِي المأمورِ قول أنَّهُ لا قودَ عليهِ
стр. 1396
والقودُ على الآمرِ، والمعتمدُ أنَّهُمَا شريكَانِ.
فإذا آلَ الأمرُ إلى الديةِ فهي عليهِمَا بالسويَّةِ.
وإن كان أحدُهما مكافئًا قُتِلَ المكافئُ، ووجبَ نصفُ الديةِ على غيرِ المكافئِ.
ولو أكرهَ بالغٌ مميزًا على قتلِ إنسانٍ فقتلَهُ وجبَ القصاصُ على الآمرِ إنْ جعلْنَا عمدَ الصبيِّ عمدًا، وهو الأصحُّ، وتجبُ نصفُ الديةِ فِي مالِ الصبيِّ إن جعلْنَا عمدَهُ عمدًا، وهو الأصحُّ كما تقدَّم، فإن جعلناهُ خطأً فعلى عاقلتِهِ.
ولو أكرَهَ مميزٌ بالغًا فلا قصاصَ على المميزِ، وفِي البالغِ الخلافُ، فإن جعلْنَا عمدَ الصبيِّ عمدًا، وهو الأصحُّ، فعليهِ القصاصُ، وإنْ قُلنا خطأٌ، فلا قصاصَ قطعًا؛ لأنَّهُ شريكُ مخطئ (١).
ولو أكرَهُ رجلٌ رجلًا على أن يرمي إلَى طَلَلٍ عَلِمَ الآمر أنَّهُ إنسانٌ، وظنَّهُ المأمورُ حجرًا أو صيدًا، أو على أَنْ يرمِي سُتْرةً ورآها إنسان وعلمه الآمرُ دونَ المأمورِ فلا قصاصَ علَى المأمورِ، وأمَّا الآمرُ فالأصحُّ المعتمد في الفتوى أنَّهُ لا قصاصَ عليهِ؛ لأنَّه شريكُ مخطئ، خلافًا لما صحَّحَهُ فِي "المنهاجِ" (٢) تبعًا لأصلِه منْ وجوبِ القصاصِ عليهِ تفريعًا على أنَّ المأمورَ كالآلةِ، وهو رجلًا مرجوحٌ كما قالَ شيخُنا. والأصحَّ أنَّه شريكٌ مخطئٌ (٣).
وإذا أكرَهَهُ على صعودِ شجرةٍ فزلقَ وماتَ فصحح المصنِّفانِ أنَّهُ شبهُ
стр. 1397
عمدٍ، وقال شيخنَا: والذي عندنا أنَّ الأصحَّ أنَّه خطأ محضٌ (١).
وإذا أكرهه على قتلِ نفسِه فلا قصاصَ عليهِ كما جزمَ بهِ القفال والقاضِي حسين، والإمامُ، والغزاليُّ، وما وقعَ فِي "المنهاجِ" من إثبات قولِه. قال شيخنَا: لم أقفْ عليهما فِي منصوصاتِ الشَّافعيِّ ﵁ ولا يعرفانِ فِي كتبِ المذهبِ، وانفردَ البغويُّ بنقلهما فِي "التهذيبِ" وتبعهُ الخوارزميُّ فِي "الكافي" (٢).
ولو قالَ لهُ: "اقتلنِي وإلَّا قتلتُكَ"، فالمذهبُ لا قصاصَ ولا ديةَ جزمًا (٣). وإن قتلَهُ للدفعِ كما إذا قالَ: "أنا لا أفعل ذلك فِي. . . (٤) بحيث يعني قتله للدفع فلا قصاصَ، ولا ديةَ جزمًا (٥).
وإذا قالَ "اقتلْ زيدًا أو عمرًا وإلَّا قتلتُكَ" فالأصحُّ كما قالَهُ شيخُنا تبعًا للقاضي حسينِ أنَّه إكراهٌ، خلافًا لما رجحاهُ من عدمِ الإكراهِ وعلَّلا ذلكَ بأنَّهُ تخييرٌ، فإنَّه لَا يتخلَّصُ من قتلِهِ إلَّا بقتلٍ واقعٍ على معيَّنٍ منهما، وليسَ كمَا لو أكرهَهُ علَى أن يطلِّقَ إحدَى زوجتيهِ فإنَّهُ يمكنُهُ أن يقول: إحداهُما طالقُ، فإذا طلَّقَ معينةً كانَ مختارًا فِي تعيينها، وأمَّا هنا فلا يمكنُه أن يتخلَّصَ منهُ إلَّا بفعلهِ فِي معيَّنٍ (٦).
وإذا شهدَ الشاهدُ أنَّ على رجلٍ بقصاصٍ فقتلَ، ثم رجعا وقالَا: تعمَّدنا،
стр. 1398
فعليهما القصاصُ، وكذَا لو رجَعَ أحدُهما وقال: تعمَّدنَا، يلزمُه القصاصُ أيضًا، وإنِ اقتصَرَ على قولِهِ تعمَّدتُ فلا قصاصَ عليه.
وإن قالَ كلُّ واحدٍ منهُما تعمَّدتُ، ولا أعلمُ حالَ صاحبِي، أو قالَ: كلُّ واحدٍ منهُما تعمدتُ مقتصرًا عليه، فإنَّهُ يلزمهُما القصاصُ، ولا (١) بدَّ فِي إلزامِهمَا القصاصَ فِي صورةِ مَن يخفى عليهما أن يقولَا: وعلمنا أنَّهُ يقتلُ بشهادتِنَا، فلو لم يقولَا ذلكْ وكانَا ممن يجوز خفاؤُه عليهما لقربِ عهدِهمَا بالإسلامِ ونحوِه، فالذي قالَهُ الأصحابُ أنَّه شبهُ عمدٍ، لا يوجبُ قصاصًا.
ولو قالَ الشهودُ: لم نعلمْ أنَّه يُقتلُ بشهادتنا لظهورِ أمورٍ فينا تقضي بردِّ شهادتِنا فيمَا شهدْنَا به، ولكن الحاكمَ قصَّر. قالَ شيخُنَا: فيكونُ هذا شبهُ عمدٍ، ولم أرَ مَنْ تعرَّضَ لهُ، فإن اعترَفَ الوليُّ بأنَّه كانَ عالمًا بكذبِ الشاهدينِ عندَ قتلِه فلا قصاصَ عليهما، ويلزمُ وليَّ المقتول حينئذٍ القصاصُ.
وإذا لم يعرفِ الوليُّ ولكنْ رجعَ القاضِي والشهودُ وقالَ القاضِي: كنتُ عالمًا بكذبِ الشُّهودِ حينَ حُكمِي بشهادتِهم بالقتلِ، أو حينَ القتلِ، فلا قصاصَ على الشهودِ، ويكونُ القصاصُ على القاضِي؛ لأنَّهُ هو الذي قتَلَ ولا أثرَ لشهادةِ الشُّهودِ كما فِي الوليِّ (٢).
* قاعدةٌ: قالَ الشَّيخُ أبو حامدٍ: لا يجبُ القصاصُ بغيرِ مباشرةٍ إلَّا فِي صُورتينِ: المكرهُ، وإذَا شهدَا عليهِ بمَا يقتضي القتلَ، فقتلَ ثمَّ رجعَا، وقالَا تعمَّدنا. انتهى.
وقد تقدَّمَ ما فِي ذلكَ، ويُزادُ عليهِ الضيافةِ بالمسمومِ، وإذا ضيفَ بمسمومٍ
стр. 1399
يقتلُ غالبًا صبيًّا غيرَ مميزٍ أو مجنونًا فماتَ، وجبَ القصاصُ.
وأمَّا المميزُ فإن بينَ له حالَ الطَّعامِ كان كالبالغِ العاقلِ وحكم البالغ العاقل أنَّهُ إذا ضيَّفهُ بمسمومٍ يقتلُ غالبًا ولم يبينْ لَهُ حالَ الطَّعامِ أنَّه يجبُ عليهِ القصاصُ كما رجَّحَهُ الشافعيِّ ﵁ فِي "الأمِّ" (١) حيثُ قالَ: ولو كانَ الساقي للسمِّ الذِي أقيدَ من ساقيِهِ (٢) لم يكره المسقي، ولكنَّهُ جعلَهُ لَهُ فِي طعامٍ أو خاص لَهُ عسلًا أو شرابًا غيرهُ فأطعمَهُ إياهُ أو سقاهُ (٣) إياهُ غيرَ مكره عليه، ففيها قولانِ:
أحدُهما: عليهِ القودُ إذا لم يعلمه أنَّ فيه سمًّا، وكذلك لو قالَ: هذا دواءٌ فاشربْهُ، وهذا أشبههما.
والثاني: أن لا قودَ عليِه وهو آثمٌ لأنَّ الآخرُ شربَهُ. هذا نصُّه ﵁.
وقد رجَّح من القولين الأوَّلَ، فهو مذهبُهُ خلافًا لما رجَّحهُ النوويُّ من ترجيحِ لزومِ الديةِ ومنعِ القصاصِ.
وإن دسَّ شخصٌ سُمًّا يقتلُ غالبًا فِي طعامِ شخصٍ فأكلَهُ جاهلًا فلا عقلَ ولا قودَ ولا كفَّارةَ على النصِّ، وإذا تركَ المجروحُ علاجَ جرحٍ مهلكٍ فماتَ منهُ وجبَ القصاصُ بلا خلافٍ.
ولو ألقَى إنسان إنسانًا فِي ماءٍ مغرقٍ فمكثَ الملقَى فيهِ مضطجعًا حتَّى ماتَ فلا شيءَ علَى مَنْ ألقاهُ؛ لأنَّهُ هوَ أهلَكَ نفسَهُ.
فإن كانَ الماءُ مغرقًا، ولا يمكنُ الخلاصُ منهُ إلَّا بالسباحةِ ولم يحسنْها الملقَى، أو كانَ مكتوفًا أو زَمِنًا، فذاك عما يوجبُ القصاصُ على مَن ألقَاهُ.
стр. 1400
وإن أحسنَ السباحةَ وأمكنهُ فتركَهَا، فلا قصاصَ ولا ديةَ؛ لأنَّهُ بمنزلةِ مَن طرَحَ نفسَهُ، وكذلكَ لا قصاصَ ولا ديةَ فيما إذا ألقاهُ فِي نارٍ يمكنهُ الخلاص منه فمكث.
وإذا أمسكه إنسانٌ فقتله غيرُهُ أو حَفَرَ بئرًا فردَّاهُ فيها آخرُ والتردية فِي البئر يحصلُ منها القتلُ غالبًا، أو ألقاهُ فِي طَلَلٍ فتلقاهُ غيرُهُ فقدَّه فالقصاصُ على مَن قتلَ وردَّى، وقدَّ خاصَّة؛ لأنَّهُم المباشرون.
* * *
فصل في اجتماع مباشرين
فإذا صَدَرَ فِعْلانِ مزهقانِ للروحِ من شخصينِ، ينظر؛ إنْ وُجدا معًا فهما قاتلانِ، سواء كانا مُذَفِّفَين (١) بأنْ حزَّ أحدُهما رقبتَه، وقدَّهُ الآخرُ نصفين، أو لم يكونَا مُذَفِّفَين بأنْ أجافَ (٢) كلّ منهُما أو قَطَعَا عضوينِ، وماتَ منهُما.
وإنْ كانَ أحدُهمَا مُذَفِّفًا دونَ الآخرِ فالمُذَفِّف هو القاتل.
وإن طرأ فعلُ أحدِهما على الآخرِ فإن وجد فعل الثَّاني بعد انتهاءِ المجني عليهِ إلى حركةِ المذبوحِ، فالقاتلُ هوَ الأوَّلُ، ولا شيءَ على الثَّانِي سوى التعزيرُ.
والمرادُ بحركةِ المذبوحِ الحالةُ التي لا يبقَى معها الإبصارُ والإدراكُ،
стр. 1401
والنطقُ والحركةُ الاختياريان (١).
وإنْ وُجدَ فعلُ الثَّاني قبلَ انتهائِه إلى حركةِ المذبوحِ، فإن كانَ الثَّانِي مُذَفِّفًا بأن جرحَهُ الأوَّلُ وحزَّ الثَّاني رقبتَهُ فالقاتلُ هو الثَّاني، وعلى الأولِ قصاصٌ فِي العضوِ أو المالِ على ما تقتضيهِ الحالُ، وإن لم يكنِ الثَّاني مُذَفِّفًا وماتَ بسرايتِهمَا فهما قاتلانِ، ويجبُ القصاصُ على قاتلِ المريضِ المشرفِ على الموتِ (٢).
* * *
فرع: قتل مسلمًا ظنَّ حرابتَهُ بدارِ الحربِ، فلا يجبُ عليهِ القصاصُ، ولا تجبُ الديةُ على الأظهرِ، وتجبُ الكفَّارةُ قطعًا.
وإن كانَ القاتلُ ذميًّا، لم يستعنْ بهِ المسلمونَ وقتلَهُ بدارِ الحربِ، على ظنِّ أنَّهُ حربيٌّ فإنَّه يقتلُ به على الأرجحِ المعتَمَدِ، وفِي نصِّ الشافعيِّ ما يشهدُ لَهُ.
وإذا قتلَهُ بدارِ الإسلامِ، وكانَ فِي صفِّ أهلِ الحربِ فلا قصاصَ قطعًا، وكذا لا دية على الأظهرِ.
وإذا كان فِي دارِ الإسلامِ وليسَ فِي صفِّ أهلِ الحربِ وظنَّهُ (٣) كافرًا حربيًّا من غيرِ أن يعهدَهُ بالصفةِ المذكورةِ فبانَ أنَّهُ مسلم فإنَّهُ يجبُ القصاصُ قطعًا بخلافِ ما إذا ظنَّهُ حربيًّا فِي دار الحربِ، فإنَّه لا فرقَ بين أن يعهدَهُ كذلك أو لا يعهدُهُ.
стр. 1402
وإذا قتلَ من عهدَهُ مرتدًّا أو ذميًّا أو عبدًا فبانَ أنَّهُ أسلمَ أو عتقَ والقاتلُ بمقتضَى ما عهدَهُ ممن يُقتل بهِ، وجبَ القودُ، وكذا إن لم يكن ممن يقتلُ بهِ على الأظهرِ، أو ظنَّهُ قاتلَ أبيهِ، فلم يكن وجبَ القودُ على المذهبِ.
ولو ضرَبَ مريضًا جهلَ مرضَهُ ضربًا يقتلُ المريضَ غالبًا وصدرَ الضربُ فِي غيرِ تأديبٍ، فيجبُ القصَاصُ حينئذٍ، ويشترطُ لوجوبِ القصاصِ إسلامُ القتيلِ، أو أمانُهُ، وعدمُ صِيالٍ معين قَبْلَه فيه للدفعِ، ومن عليهِ القصاصُ إن قتله غير المستحقِّ قُتِلَ، إلَّا أَنْ يقتلَهُ فِي قطع الطريقِ فلا يقتلُ بهِ إلَّا إذا قتَلَهُ مَن هوَ فِي مِثلِ حالتِهِ بالنسبةِ إلى أنهُ يقتل فِي حق اللَّهِ تعالى، كالزانِي المحصَن، وتارك الصلاةِ، ونحوهما على الأصحِّ.
والزاني المحصنُ الذِّميُّ الكتابيُّ إذا قتَلَهُ ذميٌّ ليسَ زانيًا محصنًا ولا وجبَ قتلُهُ بقطعِ طريقٍ ونحوِه، فإنَّهُ لا يقتلُ بِهِ على المعتمدِ.
إن قتلَهُ مَن هوَ مثلُهُ قتل، وإن قتلَهُ مسلمٌ فلا، على الصحيحِ المنصوصِ، والزاني المسلمُ المحصنُ إذا قتَلَهُ مَن هو مثلُهُ فالأصحُّ أنَّهُ يقتلُ بِهِ، وإن قتلَهُ مسلم غيرُ زانٍ محصنٍ بعد أمرِ الإمامِ بقتل الزاني المحصن المذكورِ فإنَّهُ لا يقتلُ بهِ قطعًا، وإن قتلَهُ بغيرِ إذنِ الإمامِ له عُزِّرَ لافتياتِهِ، وإذَا كانَ القاتلُ لَهُ بالصفةِ المذكُورةِ قد رآه يزني، وعلم أنَّه محصنٌ فإنَّه لا يُقتَلُ بِهِ بلَا خلافٍ.
ويشترطُ فِي القاتِلِ أَنْ يكونَ ملتزمًا للأحكامِ (١)، فلا قصاصَ على صبيٍّ ولا مجنونٍ ولا حَرْبِيِّ إذا قَتَلَ فِي حرابتِهِ، وتجبُ على المرتدِّ والمعصومِ، وعلى مَن سَكَرَ ومَن تعدَّى بشربِ دواءٍ مزيلٍ للعقلِ، ولو قالَ القاتلُ: كنتُ
стр. 1403
يومَ القتلِ صغيرًا؛ صدِّق بيمينِهِ بشرطِ الإمكَانِ، ولو قالَ كنتُ مجنونًا عندَ القتلِ، وكانَ عُهِدَ لَهُ جنون صدِّقَ، وإلَّا فَلَا.
وشرطُه التكافؤ، فلا يقتلُ مسلمٌ بكافرٍ، ويقتلُ الكافرُ بالمسلمِ، ويقتَلُ الذِّميُّ بالذمِّي، ويقتلُ المرتدُّ بالذِّمِّيِّ، ولا يُقتَلُ الذِّمِّيُّ بالمرتدِّ، ويقتلُ المرتدُّ بالمرتدِّ.
وإذا أسلمَ الكافرُ بعدَ أَنْ قتَلَ المسلمَ؛ فعليهِ القِصاص على الأصحِّ، ولو جَرَحَ ذميٌّ ذميًّا ثم أسلمَ الجارحُ، ثمَّ بعد ذلك ماتَ المجروحُ لم يسقطِ القصاصُ على المنصوصِ.
ويقتلُ القِنُّ والمُدَبَّر والمكاتَبُ وأمُّ الولدِ بعضهم ببعضٍ للتساوي فِي (١)، ولا نظرَ إلى ما انعقدَ لَهُم من سبب الحريةِ، ولا يقتل المكاتبُ بعبده على المذهبِ، وإن كان رقيقًا مثلُه؛ لأنَّه سيِّدُه، ولا يقتلُ المكاتبُ بِأَبِيهِ إذا قتلَهُ وهو يملكُهُ.
* ضابطٌ: ليسَ لنَا عبدٌ لا يُقتلُ بعبدٍ، ولا ولدٌ لا يقتلُ بأبِيهِ فِي حالةِ تكافئهما، إلَّا هذا، ولو قَتَلَ من يَرِثُهُ، وكذا القاتلُ لم يجبِ القِصاصُ.
وإن قَتَلَ عبدٌ عبدًا، ثم أُعتِق القاتلُ أو جرحه وعُتق، ثم ماتَ المجروحُ، فعلى ما تقدَّم فيما لو قتل ذميٌّ ذميًّا، أو جرحه ثم أسلمَ من وجوب القصاصِ، ولا يقتل المبعَّض بمثله.
وإذا قتل عبدٌ مسلمٌ حرًّا ذميًّا أو حرٌّ ذميٌّ عبدًا مسلمًا، أو قتل كافر ابنه المسلم أو الابنُ المسلمُ أباهُ الكافرَ فلا قِصاص؛ لأنَّ الحرَّ والمسلمَ والأبَ لا يُقتلُ بمفضولِه.
стр. 1404
ولا يقتلُ الأصلُ وإن علَا بفرعِهِ وإن سفُلَ فِي غيرِ ما تقدَّمَ، وكمَا لا يُقتلُ بهِ لا يجبُ له على أبيهِ قصاصٌ.
وتُقتلُ الفروعُ بالأصولِ بشرطِ التساوِي فِي الإسلامِ والحريَّةِ وما سبقَ.
* قاعدةٌ: قال ابنُ القاصِّ فِي "التلخيصِ": وكلُّ عاقلٍ بالغٍ قَتَلَ عمدًا وجبَ عليِهِ القودُ إذا كانَا متكافئينِ، إلَّا فِي خمسةٍ: الآباءِ، والأمهاتِ، والأجدادِ، والجداتِ، ولو قتلَ رجلٌ رجلًا فورثَ القاتلُ بعضَ قصاصِ المقتولِ لم يقتَلْ. انتهى.
والقاتلُ لا يرثُ من المقتولِ ابتداءً، ولعلَّ المرادَ: استحقَّ بعضَ القصاصِ ولدُ القاتل.
وإذا تداعى رجلانِ مجهولًا (١)، ثم قتلَهُ أحدُهُما، أو قتلاهُ، فلا قصاص فِي الحالِ، فإن ألحقَهُ القائفُ بأحدِهما، وكانَا مشتركين فِي القتلِ فلا قصاصَ على الذي ألحق به، ولا يقتصُّ مِنَ الآخرِ بمجرَّدِ إلحاقٍ بغيرِ القائفٍ -خلافًا لما فِي "المنهاجِ" تبعًا لأصلِهِ- سواءٌ كانَ القائفُ لم يرَ الولدَ إلَّا بعدَ القتلِ، أو كانَ رآهُ قبلَ القتلِ كما هو ظاهرُ نصِّ الشافعيِّ فِي "الأمِّ" (٢) فِي ترجمةِ ما جاءَ فِي الرجلِ يقتلُ ابنَهُ، وبِهِ جزَمَ الماورديُّ، وهو المعتمدُ.
قال الشافعيُّ ﵁: (وإذا تداعَى الرَّجُلانِ ولدًا فقتَلَهُ أحدُهمَا قبلَ يبلغَ فينتسبُ إلى أحدِهمَا أو يراهُ القافةُ دَرَأْتُ عنهُ القوَدَ للشبهةِ، وجعلتُ الديةَ فِي مالِهِ). فقد درأ الشافعيُّ عنهُ القوَدَ مطلقًا من غيرِ توقفٍ علَى قولِ القائفِ؛ لأنَّ قولَهُ حجَّةٌ على خلافِ القياسِ، فيقتصرُ بِهَا على مجرد
стр. 1405
إلحاق النسبِ بشُروطه من غيرِ إيجابِ قصاصٍ على القاتلِ كما إذا أثبتنا هلالَ رمضانَ بواحدٍ، لا يُحكمُ بحلولِ الدينِ المؤجل ولا بإيقاعِ الطَّلاقِ المعلَّقِ على مجيءِ رمضانَ قبلَ الثُّبوتِ، وعَدمُ القتلِ أولى.
* * *
فرع (١): أخوان لأبٍ وأمٍ فقتل أحدُهما الأبَ والآخرُ الأمَّ معًا، فكُلُّ واحدٍ يستحقُّ القصاصَ على الآخرِ، حيث كانا حائزين على معنى أنَّ كلَّ واحدٍ لو انفردَ حازَ جميعَ إرثِ أبيهِ وأمهِ، فإن تنازعا قدمُ أحدُهما بالقرعةِ.
وإن طلب أحدهما القصاص ولم يطلب الآخر فإنَّه يجاب الطالبُ، وإذا استوفى أحدُهما بالقرعةِ أو بالمبادرةِ بلا قرعةَ.
فإن قلنا: القاتلُ بحقٍّ لا يحرَمُ الميراثَ، ولم يكنِ المقتصُّ محجوبًا سقطَ القصاصُ عنهُ.
وإنْ قلنا: يحرمُ الميراثُ -وهو المذهبُ- أو كان هناك من يحجُبُه فلوارثِ المقتصِّ منْهُ أن يقتصَّ من المبادِر.
وأن يعاقب القَتْلان والزوجية (٢) بقية بين الأب والأم فلا قصاصَ على القاتل أولًا، ويجب على الثَّاني، وإن لم تكن الزوجيةُ باقيةً فلكلِّ واحدٍ منهما حقُّ القِصاصِ على الآخرِ.
وهل يقدمُ بالقرعةِ أم يقتصُّ من المبتدئِ بالقتلِ؟ رجَّحَ شيخُنا الإقراعَ، تبعًا لقطعِ الشَّيخِ أبي حامدٍ والمحاملي وابن الصَّباغِ وغيرهم، ونَقل الإمامُ