← Фикх шафии

Фикх шафии · id 19230

التدريب في الفقه الشافعي

سراج الدين البلقيني

Полный текст (1 801 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

والنطقُ والحركةُ الاختياريان (١). وإنْ وُجدَ فعلُ الثَّاني قبلَ انتهائِه إلى حركةِ المذبوحِ، فإن كانَ الثَّانِي مُذَفِّفًا بأن جرحَهُ الأوَّلُ وحزَّ الثَّاني رقبتَهُ فالقاتلُ هو الثَّاني، وعلى الأولِ قصاصٌ فِي العضوِ أو المالِ على ما تقتضيهِ الحالُ، وإن لم يكنِ الثَّاني مُذَفِّفًا وماتَ بسرايتِهمَا فهما قاتلانِ، ويجبُ القصاصُ على قاتلِ المريضِ المشرفِ على الموتِ (٢). * * * فرع: قتل مسلمًا ظنَّ حرابتَهُ بدارِ الحربِ، فلا يجبُ عليهِ القصاصُ، ولا تجبُ الديةُ على الأظهرِ، وتجبُ الكفَّارةُ قطعًا. وإن كانَ القاتلُ ذميًّا، لم يستعنْ بهِ المسلمونَ وقتلَهُ بدارِ الحربِ، على ظنِّ أنَّهُ حربيٌّ فإنَّه يقتلُ به على الأرجحِ المعتَمَدِ، وفِي نصِّ الشافعيِّ ما يشهدُ لَهُ. وإذا قتلَهُ بدارِ الإسلامِ، وكانَ فِي صفِّ أهلِ الحربِ فلا قصاصَ قطعًا، وكذا لا دية على الأظهرِ. وإذا كان فِي دارِ الإسلامِ وليسَ فِي صفِّ أهلِ الحربِ وظنَّهُ (٣) كافرًا حربيًّا من غيرِ أن يعهدَهُ بالصفةِ المذكورةِ فبانَ أنَّهُ مسلم فإنَّهُ يجبُ القصاصُ قطعًا بخلافِ ما إذا ظنَّهُ حربيًّا فِي دار الحربِ، فإنَّه لا فرقَ بين أن يعهدَهُ كذلك أو لا يعهدُهُ.

стр. 1402

وإذا قتلَ من عهدَهُ مرتدًّا أو ذميًّا أو عبدًا فبانَ أنَّهُ أسلمَ أو عتقَ والقاتلُ بمقتضَى ما عهدَهُ ممن يُقتل بهِ، وجبَ القودُ، وكذا إن لم يكن ممن يقتلُ بهِ على الأظهرِ، أو ظنَّهُ قاتلَ أبيهِ، فلم يكن وجبَ القودُ على المذهبِ. ولو ضرَبَ مريضًا جهلَ مرضَهُ ضربًا يقتلُ المريضَ غالبًا وصدرَ الضربُ فِي غيرِ تأديبٍ، فيجبُ القصَاصُ حينئذٍ، ويشترطُ لوجوبِ القصاصِ إسلامُ القتيلِ، أو أمانُهُ، وعدمُ صِيالٍ معين قَبْلَه فيه للدفعِ، ومن عليهِ القصاصُ إن قتله غير المستحقِّ قُتِلَ، إلَّا أَنْ يقتلَهُ فِي قطع الطريقِ فلا يقتلُ بهِ إلَّا إذا قتَلَهُ مَن هوَ فِي مِثلِ حالتِهِ بالنسبةِ إلى أنهُ يقتل فِي حق اللَّهِ تعالى، كالزانِي المحصَن، وتارك الصلاةِ، ونحوهما على الأصحِّ. والزاني المحصنُ الذِّميُّ الكتابيُّ إذا قتَلَهُ ذميٌّ ليسَ زانيًا محصنًا ولا وجبَ قتلُهُ بقطعِ طريقٍ ونحوِه، فإنَّهُ لا يقتلُ بِهِ على المعتمدِ. إن قتلَهُ مَن هوَ مثلُهُ قتل، وإن قتلَهُ مسلمٌ فلا، على الصحيحِ المنصوصِ، والزاني المسلمُ المحصنُ إذا قتَلَهُ مَن هو مثلُهُ فالأصحُّ أنَّهُ يقتلُ بِهِ، وإن قتلَهُ مسلم غيرُ زانٍ محصنٍ بعد أمرِ الإمامِ بقتل الزاني المحصن المذكورِ فإنَّهُ لا يقتلُ بهِ قطعًا، وإن قتلَهُ بغيرِ إذنِ الإمامِ له عُزِّرَ لافتياتِهِ، وإذَا كانَ القاتلُ لَهُ بالصفةِ المذكُورةِ قد رآه يزني، وعلم أنَّه محصنٌ فإنَّه لا يُقتَلُ بِهِ بلَا خلافٍ. ويشترطُ فِي القاتِلِ أَنْ يكونَ ملتزمًا للأحكامِ (١)، فلا قصاصَ على صبيٍّ ولا مجنونٍ ولا حَرْبِيِّ إذا قَتَلَ فِي حرابتِهِ، وتجبُ على المرتدِّ والمعصومِ، وعلى مَن سَكَرَ ومَن تعدَّى بشربِ دواءٍ مزيلٍ للعقلِ، ولو قالَ القاتلُ: كنتُ

стр. 1403

يومَ القتلِ صغيرًا؛ صدِّق بيمينِهِ بشرطِ الإمكَانِ، ولو قالَ كنتُ مجنونًا عندَ القتلِ، وكانَ عُهِدَ لَهُ جنون صدِّقَ، وإلَّا فَلَا. وشرطُه التكافؤ، فلا يقتلُ مسلمٌ بكافرٍ، ويقتلُ الكافرُ بالمسلمِ، ويقتَلُ الذِّميُّ بالذمِّي، ويقتلُ المرتدُّ بالذِّمِّيِّ، ولا يُقتَلُ الذِّمِّيُّ بالمرتدِّ، ويقتلُ المرتدُّ بالمرتدِّ. وإذا أسلمَ الكافرُ بعدَ أَنْ قتَلَ المسلمَ؛ فعليهِ القِصاص على الأصحِّ، ولو جَرَحَ ذميٌّ ذميًّا ثم أسلمَ الجارحُ، ثمَّ بعد ذلك ماتَ المجروحُ لم يسقطِ القصاصُ على المنصوصِ. ويقتلُ القِنُّ والمُدَبَّر والمكاتَبُ وأمُّ الولدِ بعضهم ببعضٍ للتساوي فِي (١)، ولا نظرَ إلى ما انعقدَ لَهُم من سبب الحريةِ، ولا يقتل المكاتبُ بعبده على المذهبِ، وإن كان رقيقًا مثلُه؛ لأنَّه سيِّدُه، ولا يقتلُ المكاتبُ بِأَبِيهِ إذا قتلَهُ وهو يملكُهُ. * ضابطٌ: ليسَ لنَا عبدٌ لا يُقتلُ بعبدٍ، ولا ولدٌ لا يقتلُ بأبِيهِ فِي حالةِ تكافئهما، إلَّا هذا، ولو قَتَلَ من يَرِثُهُ، وكذا القاتلُ لم يجبِ القِصاصُ. وإن قَتَلَ عبدٌ عبدًا، ثم أُعتِق القاتلُ أو جرحه وعُتق، ثم ماتَ المجروحُ، فعلى ما تقدَّم فيما لو قتل ذميٌّ ذميًّا، أو جرحه ثم أسلمَ من وجوب القصاصِ، ولا يقتل المبعَّض بمثله. وإذا قتل عبدٌ مسلمٌ حرًّا ذميًّا أو حرٌّ ذميٌّ عبدًا مسلمًا، أو قتل كافر ابنه المسلم أو الابنُ المسلمُ أباهُ الكافرَ فلا قِصاص؛ لأنَّ الحرَّ والمسلمَ والأبَ لا يُقتلُ بمفضولِه.

стр. 1404

ولا يقتلُ الأصلُ وإن علَا بفرعِهِ وإن سفُلَ فِي غيرِ ما تقدَّمَ، وكمَا لا يُقتلُ بهِ لا يجبُ له على أبيهِ قصاصٌ. وتُقتلُ الفروعُ بالأصولِ بشرطِ التساوِي فِي الإسلامِ والحريَّةِ وما سبقَ. * قاعدةٌ: قال ابنُ القاصِّ فِي "التلخيصِ": وكلُّ عاقلٍ بالغٍ قَتَلَ عمدًا وجبَ عليِهِ القودُ إذا كانَا متكافئينِ، إلَّا فِي خمسةٍ: الآباءِ، والأمهاتِ، والأجدادِ، والجداتِ، ولو قتلَ رجلٌ رجلًا فورثَ القاتلُ بعضَ قصاصِ المقتولِ لم يقتَلْ. انتهى. والقاتلُ لا يرثُ من المقتولِ ابتداءً، ولعلَّ المرادَ: استحقَّ بعضَ القصاصِ ولدُ القاتل. وإذا تداعى رجلانِ مجهولًا (١)، ثم قتلَهُ أحدُهُما، أو قتلاهُ، فلا قصاص فِي الحالِ، فإن ألحقَهُ القائفُ بأحدِهما، وكانَا مشتركين فِي القتلِ فلا قصاصَ على الذي ألحق به، ولا يقتصُّ مِنَ الآخرِ بمجرَّدِ إلحاقٍ بغيرِ القائفٍ -خلافًا لما فِي "المنهاجِ" تبعًا لأصلِهِ- سواءٌ كانَ القائفُ لم يرَ الولدَ إلَّا بعدَ القتلِ، أو كانَ رآهُ قبلَ القتلِ كما هو ظاهرُ نصِّ الشافعيِّ فِي "الأمِّ" (٢) فِي ترجمةِ ما جاءَ فِي الرجلِ يقتلُ ابنَهُ، وبِهِ جزَمَ الماورديُّ، وهو المعتمدُ. قال الشافعيُّ ﵁: (وإذا تداعَى الرَّجُلانِ ولدًا فقتَلَهُ أحدُهمَا قبلَ يبلغَ فينتسبُ إلى أحدِهمَا أو يراهُ القافةُ دَرَأْتُ عنهُ القوَدَ للشبهةِ، وجعلتُ الديةَ فِي مالِهِ). فقد درأ الشافعيُّ عنهُ القوَدَ مطلقًا من غيرِ توقفٍ علَى قولِ القائفِ؛ لأنَّ قولَهُ حجَّةٌ على خلافِ القياسِ، فيقتصرُ بِهَا على مجرد

стр. 1405

إلحاق النسبِ بشُروطه من غيرِ إيجابِ قصاصٍ على القاتلِ كما إذا أثبتنا هلالَ رمضانَ بواحدٍ، لا يُحكمُ بحلولِ الدينِ المؤجل ولا بإيقاعِ الطَّلاقِ المعلَّقِ على مجيءِ رمضانَ قبلَ الثُّبوتِ، وعَدمُ القتلِ أولى. * * * فرع (١): أخوان لأبٍ وأمٍ فقتل أحدُهما الأبَ والآخرُ الأمَّ معًا، فكُلُّ واحدٍ يستحقُّ القصاصَ على الآخرِ، حيث كانا حائزين على معنى أنَّ كلَّ واحدٍ لو انفردَ حازَ جميعَ إرثِ أبيهِ وأمهِ، فإن تنازعا قدمُ أحدُهما بالقرعةِ. وإن طلب أحدهما القصاص ولم يطلب الآخر فإنَّه يجاب الطالبُ، وإذا استوفى أحدُهما بالقرعةِ أو بالمبادرةِ بلا قرعةَ. فإن قلنا: القاتلُ بحقٍّ لا يحرَمُ الميراثَ، ولم يكنِ المقتصُّ محجوبًا سقطَ القصاصُ عنهُ. وإنْ قلنا: يحرمُ الميراثُ -وهو المذهبُ- أو كان هناك من يحجُبُه فلوارثِ المقتصِّ منْهُ أن يقتصَّ من المبادِر. وأن يعاقب القَتْلان والزوجية (٢) بقية بين الأب والأم فلا قصاصَ على القاتل أولًا، ويجب على الثَّاني، وإن لم تكن الزوجيةُ باقيةً فلكلِّ واحدٍ منهما حقُّ القِصاصِ على الآخرِ. وهل يقدمُ بالقرعةِ أم يقتصُّ من المبتدئِ بالقتلِ؟ رجَّحَ شيخُنا الإقراعَ، تبعًا لقطعِ الشَّيخِ أبي حامدٍ والمحاملي وابن الصَّباغِ وغيرهم، ونَقل الإمامُ

стр. 1406

عن الأصحابِ أنَّهُ يقتصقّ من المبتدئِ وهو الأرجحُ فِي "الرَّوضة" (١). وإذا قَتَلتْ جماعةٌ واحدًا قُتِلُوا به (٢)، ثمَّ للولي أَنْ يقتلَ جميعَهم وله أن يقتلَ بعضَهم، ويأخذَ حصَّةَ الباقين منَ الدِّيةِ، وله أن يقتصرَ على الدِّيةِ فيكونُ على جميعهم ديةٌ واحدةٌ موزَّعةٌ على عددِ رءوسِهم لا عددِ الجراحاتِ، والصَّحيحُ فِي الضَّرَباتِ التَّوزيع على عددِها لا عدد الرُّءوسِ. * * * وإذا شاركَ الأبُ أجنبيًّا فِي قتلِ الولدِ فعلى الأجنبيِّ القِصاصُ وعلى الأبِ نصفُ الدِّيةِ المغلَّظةِ. ومثلهُ لو شاركَ حرٌّ عبدًا فِي قتلِ عبدٍ، أو مسلم ذميًّا فِي قتلِ ذمِّيٍّ لا قِصاص على الحرِّ والمسلمِ، ويجبُ على العبدِ والذِّميِّ. وإذا جرحَ حربيٌّ ومسلمٌ وماتَ منهما أو قطعتْ يد إنسانٍ فِي مرضه أو قصاص ثم جرحه رجلُ عدوانًا، أو جرحَ مسلم مرتدًّا أو حربيًّا ثم أسلمَ فجرحهُ غيرُهُ، أو جرحَ ذمِّيٌّ حربيًّا ثمَّ عُقِدَتِ الذمة للمجروحِ فجرحه ذميٌّ آخرُ أو جرح صائلًا ثم جرحهُ غيرُه، فأظهرُ القولينِ وجوبُ القصاصِ فِي هذهِ الصُّورِ كشريك الأبِ. ولو جرحَ شخصٌ شخصًا جراحتينِ إحداهُما عمدٌ والأخرى خطأٌ، فمات بهما فلا قصاصَ فِي النفسِ، وتجبُ نصفُ الدِّيةِ المغلَّظةِ فِي ماله ونصفُ المخفَّفةِ على عاقلتِه (٣).

стр. 1407

وإذا داوى المجروحُ نفسَهُ بسمٍّ قاتلٍ، فليسَ على الجارحِ قصاصٌ فِي النَّفسِ وإنَّما عليه أرشُ جراحتِه، أو القصاصُ إنْ تعلَّق بها قصاصُ طرفٍ وغيرِهِ مما فيه القصاصُ (١). وإن كانَ السُّمُّ مما لا يقتلُ غالبًا فالجارحُ شريكٌ لصاحبِ شِبْه عمدٍ، فلا قصاصَ عليه فِي النَّفسِ ولكنْ عليه نصفُ الدِّيةِ المغلَّظةِ أو القصاص فِي الطرفِ أو غيره كما تقدَّم، فإن كانَ السُّمُّ قاتلًا غالبًا ولم يعلمِ المجروحُ ذلك فهو كالحالةِ الثَّانيةِ. وإن علمَهُ فالأصحُّ أنَّه كشريكِ جارح نفسِه، فيجبُ القصاصُ على الأظهرِ. وإذا ضربَ جماعَةٌ رَجُلًا بسياطٍ أو عصى خفيفةٍ حتَّى قتلوه (٢)، فإن كانتْ ضرباتُ كلِّ واحدٍ منهم قاتلةً لو انفردتْ، فعليهم القصاصُ. وإنْ آلَ الأمرُ إلى الدِّيةِ فتوزَّعُ عليهم على عددِ الضَّرباتِ على أرجحِ القولينِ. وإنْ لَم يكُنْ ضربُ كلِّ واحدٍ قاتلًا، فأصحُّ الأوجهِ وجوبُ القصاصِ عليهم إنْ تواطَئُوا. وإذا قتلَ واحدٌ جماعةً قُتِلَ بأحدِهِمْ ووجبَتْ دِيَةُ الباقينَ، ثم إنْ قتلهم مرتبًا فيقتلُ بالأولِ.

стр. 1408

وإنْ قتلهم دفعةً واحدةً أُقرِعَ بينهم؛ فَمَنْ خرجتْ قرعته قُتِلَ به، فإن قتلهُ غيرُ الأولِ من المستحقينَ كان عاصيًا ووقع ذلك القتلُ قِصاصًا، ويجبُ للأولِ دِيَةٌ لتعذُّرِ القصاصِ. * * * فرع (١): أَذا جرحَ مرتدًا أو حربيًّا أو عبد نفسه ثم أسلمَ وعتق فلا يجبُ القصاصُ قطعًا، ولا دِيَةَ على الصحيحِ المنصوصِ إن لم يكن جارح المرتدِّ مرتدٌّ، أو إن كان مرتدًا وجبَ القصاصُ كما تقدَّم. وإذا رمى مرتدًّا أو حربيًّا أو عبد نفسه فأسلمَ وعتق، فلا يجبُ القصاص إن لم يكن رامي المرتد مرتدًّا، فإن كان مرتدًّا وجبَ عليه القصاصُ كما تقدَّمَ، والمذهبُ المنصوصُ وجوبُ دِيَةِ مسلمٍ أو حرٌّ، وتكون فِي مالِهِ حالَّةً، كما نصَّ عليه الشافعي ﵁ فِي "الأم" فِي المرتد. قالَ شيخُنا: وإذا كان الشَّافعيُّ أوجب الدِّيةَ حالَّة فِي مالِ الجاني فِي صورةِ المرتدِّ، فإيجابُ ديةِ حرٍّ حالَّة فِي مالِ السيدِ فِي صورةِ عبد نفسه أولى، وأمَّا الحربيُّ فقد صحَّحوا التسويةَ بينهُ وبينَ المرتدِّ فِي إيجاب الدية، وقضية إلحاقه بالمرتدِّ أن تكون الديةُ فِي مال الجاني. انتهى. وما صحَّحهُ فِي "المنهاجِ" (٢) منْ أنَّ المذهبَ وجوبُ ديةٍ مخفَّفةٍ على العاقلةِ خلافُ النصِّ. وإن ارتدَّ المجروحُ ومات بالسِّرايةِ، وكانَ جارحُهُ مرتدًّا أو النَّفس

стр. 1409

مضمونةٌ على الجارحِ بالقصاصِ على الأصحِّ، ثمَّ إن كانت الجراحةُ ممَّا يوجبُ القِصاصُ كالمُوضِحةِ وقطع اليدِ، فيجبُ القصاصُ فِي الموضحةِ والطرف يستوفيه الذي كان يرثُهُ لولا الردة. وإن كانت الجراحة موجبةً للمالِ، فالأصحُّ أنَّه يجب أَقَلُ الأمرين من الأرش الذي تقضيه الجراحةُ وديةُ النَّفس. وإذا جرح مسلمٌ أو ذميٌّ مسلمًا ثم ارتد، ثم أسلم ومات بالسراية وقلنا: إن الذمي لا يقتل بالمرتد -وهو الأصح كما تقدم- فلا قصاص، وتجب الدية بكمالها على الأصحِّ، ونصفها فِي قول. وإذا جَرَحَ مسلمٌ ذميًّا فأسلمَ، أو جرحَ حرٌّ عبدًا فعتق، ومات كلٌّ منهما بالسَّراية، فلا يجبُ القصاصُ؛ لأنَّ كلًّا منهما لم يقصد بالجناية من يكافئه. وتجبُ ديةُ المسلمِ لورثتِهِ. والعتقُ لمعتقه إن كانتْ ديةُ العتيق مثل قيمته أو أقلَّ؛ لأنَّهُ استحق هذا القَدْرَ بالجنايةِ الواقعةِ فِي ملكِهِ. وإنْ زادتْ ديةُ العتيقِ على قِيمتِهِ كانتْ الزِّيادَةُ لورثتِهِ؛ لأنَّها وجبتْ لسببٍ، وهَذَا إذا كانَ الجُرحُ ليس له أرشٌ مقدَّرٌ، فإن كانَ لهُ أرشٌ مقدَّرٌ كالموضحةِ فللسيدِ على أصحِّ القولينِ أقلُّ الأمرينِ من الدِّيَةِ، ومن. . . . (١) عشر قيمةِ الأمِّ. وإذَا لم يكنْ مقدَّرًا ولكنه تابع لمقدر كالجرح على أصبع فللسيدِ على أصحِّ القولينِ الأقلُّ من الديةِ، ومن عُشْر ناقص شيئًا باجتهادِ الحاكم. ولوْ كانَ المتبوعُ للإصبعِ لمْ يكُنْ للمالكِ على أصحَّ القولينِ إلَّا أقل

стр. 1410

الأمرينِ من عشرِ القيمةِ، وكلُّ الديةِ ففِي الجراحةِ على الإصبعِ لا يمكنُ أن يصلَ إلى عشرِ القيمةِ، فيجبُ الأقلُّ كما تقرَّرَ. ولو قَطَعَ حرٌّ يدَ عبدٍ فعتق فجَرَحهُ آخرُ وماتَ بسرايتهم فلا يجبُ القصاصُ على الأوَّلِ، ويجبُ على الآخرِ (١). قاعدةٌ: كلُّ جرحٍ أوله غيرُ مضمونٍ لا ينقلبُ مضمونًا بتغيُّرِ الحالِ فِي الانتهاءِ. وإنْ كانَ مضمونًا فِي الحالينِ اعتبر فِي قدر الضمان الانتهاءُ، وهذا بخلافِ القصاصِ؛ فإنَّه تعتبرُ الكفاءةُ فِي الطرفينِ والوسطِ. * * * فصل يُشترطُ فِي القصاصِ فِي الأطرافِ أن يكونَ القطعُ عمدًا محضًا عُدوانًا كالقتلِ الموجبِ للقصاصِ (٢)، فلا يجبُ القصاصُ فِي الجراحاتِ وإبانةِ الأطرافِ إذا كانتْ خطأً أو شبه عمدٍ، ومِن صُورِ شبهِ العمدِ أن يضربَ رأسَهُ بحجرٍ لا يَشُجُّ غالبًا، فيتورَّمُ الموضعُ وينتهي الحالُ إلى وضوحِ، فلا قصاصَ، ويستثنى من ذلكَ ما إذا قُلعَ سنُّ منْ لم يثغرْ فإنَّه ليس ممَّا يفسدُ غالبًا، فإذَا بأنَّ فساد المنبتِ وجبَ القصاصُ على النصِّ. * * * * ضابطٌ: تفارِقُ الأطرافُ النفسَ فِي أمورٍ: أحدُها: أنَّ الأجسامَ لا تُضمنُ بالسِّرايةِ، بخلاف الروحِ.

стр. 1411

الثَّاني: أنَّ الجنايةَ ينبغي أَنْ تكونَ قابلةً للضبطِ حتَّى يستوفى مثلها بلا زيادةٍ ولا نقصان؛ لأنَّ الروحَ مستبقاة، فلا بد من الاحتياطِ، بخلافِ الجناية التي نشأ عنها الزُّهوقُ، فإنَّها قد تكونُ منضبطة، وقد تكونُ غيرَ منضبطةٍ، وذلك لا يؤثرُ فِي استيفاء القصاصِ؛ لأنَّ القصدَ الزهوق، وهو. . . (١) والجنايةُ على الأطرافِ قد تكونُ منضبطة وقد تكونُ غيرَ منضبطةٍ، فلا سبق فِي. . . (٢) إلَّا إذا كانتِ المماثلةُ ممكنةً. والثالثُ: أن محلَّ الجنايةِ لا يراعى فِي النفسِ حتَّى لو قطعَ طرَفَ إنسانٍ فماتَ كان للولي أن يحزَّ رقبتَه، وفِي الطرَفِ يراعَى المحلّ. الرابعُ: أنَّ شرطَ قطع أطرافِ الجماعةِ بالطرفِ أن تصدرَ جنايتهم معًا على ما سيأتي ولا كذلكَ فِي النفسِ حتَّى لو جرحَهُ واحدٌ جراحة، ثم جرحَهُ آخرُ وماتَ بهما أو من ثلاثةٍ فأكثر، وكانوا متكافئينَ بوجهِ القصاصِ إلى الكلِّ على ما سبقَ، وسببه أنَّ زهوقَ الرُّوحِ حصلَ بالسراياتِ وهي مختلطةٌ بالقطعِ لا تميُّزَ فيها، وإبانة اليد حصل بالقطع المحسوسِ، والقطعُ متميز عن القطع. قال الإمام: وهذا يكادُ يخرم طرق تشبيه الطرف بالنفس. الخامسُ: أنَّ النفسَ الناقصةَ بعضَ الأطرافِ أو المعاني تقتلُ بالكاملةِ بلا أرشٍ، بخلافِ اليدِ الناقصةِ أصبعًا فإنَّها تقطعُ مع أرشِ النقصِ. السادسُ: لو قتل السيَّدُ مكاتبَهُ لم يضمنْهُ، ولو قطعَ طرفَهُ ضَمِنَهُ؛ لأنَّ الكتابة تبطلُ بقتلهِ فيموتُ على ملكِ السيدِ ولا تبطلُ بقطعِ طرفِهِ،

стр. 1412

وأرشه كسب. . . . (١) له ذلك. * * * ويقطعُ الجماعةُ بالواحدِ إذا اشتركوا بأنْ وضعُوا السكينَ على يدِهِ وتحاملوا عليها دفعةً واحدةً حتَّى أبانوها، قياسًا على النفسِ، فلو تميزَ فعلُ الشركاءِ فلا قصاصَ على واحدٍ منهمْ، ويلزمُ كلَّ واحد الحكومة بالنسبةِ الحاصلةِ. ولو قطعَ واحدٌ أيدي جماعةٍ فحكمُه بالقطعِ إلى الأولِ، وأمر القرعة عند المعية ما تقدَّمَ فيما إذا قتلَ الواحدُ جماعةً. والجراحُ الواقعُ على الرأسِ والوجهِ -ويسمى الشِّجاج- عشرٌ: ١ - الخارصة: وهي التي تشقُّ الجلدَ قليلًا نحوَ الخدش، وتسمَّى الخرصة أيضًا. ٢ - والدامية: وهي التي تدمي موضعها من الشقِّ والخدشِ ولا يقطر منها دمٌ، فإن سألَ منها دم فهي الدامعةُ -بالعينِ المهملةِ-. ٣ - والباضعة: وهي التي تبضعُ اللحمَ بعد الجلدِ، أي تقطعُه. ٤ - والمتلاحمةُ: وهي التي تغوص فِي اللحمِ ولا تقطعُ الجلدة التي بين اللحم والعظمِ. ٥ - والسِّمْحاق: وهوَ الذي يبلغُ تلكَ الجلدةَ. ٦ - والموضحةُ: وهي التي تخرقُ السمحاقَ، وتوضح العظم.

стр. 1413

٧ - والهاشمةُ: وهي التي تهشم العظمَ، يعني تكسره. ٨ - والمُنْقِلةُ: وهي التي تنقلُ العظمَ من موضعٍ إلى موضعٍ. ٩ - والمأمومةُ: وهي التي تبلغُ أمَّ الرأسِ، وهي خريطةُ الدماغِ المحيطةُ به. ١٠ - والدامغةُ: -بالغين المعجمة- وهي التي تخرقُ الخريطةَ وتصلُ الدماغَ، وهي مدففة، وزاد بعضهم فِي الشجاج: "الجائفة" -بالجيم والفاء- وعن إبراهيم الحربي أنها الأولى من الشجاج، والخارصة تليها، والأكثرون عكسها، وقالوا إنها تلي الخارصةَ، وهي التي تغشى الجلد مع اللحم، وعلى هذا فلا يخرج عن الشجاج المذكور لأنها إن قَطَعَتْ قليلًا من اللحم كانت باضعة، وإن غاصتْ كانت متلاحمة، وإن استوعبته قطعًا فهي السمحاق (١) أو ما بعدها، ويجوزُ أن تُجعلَ بين الخارصةِ والداميةِ؛ كأنها أخفَى مِنَ الخارصةِ، لكن لا تدمي الموضع منها. وتذكرُ فِي الشجاج المَفْرِشة -بالفاء- وهي التي تصدع العظم أي لا تشقُّه ولا تكسرهُ، وقد يُقالُ المقرشة -بالقاف-. وذكر بعضهم القاشرة، وهي الجائفةُ بعينها، ويجوز أن يجعل القاشرة هي الجائفة أو دونها، وفوق الخارصة. وجميعُ هذهِ الشجاجِ تتصور فِي الجبهة كما تتصور فِي الرأس. والقصاص واجبٌ فِي الموضحةِ فقطْ لتيسرِ ضبطِها، واستيفاء مثلها، وأمَّا المُوضحةُ التي توضح عظمَ الصدرِ والعنقِ أو الساعدِ أو الأصابع فيجبُ

стр. 1414

القصاصُ فيها على أصحِّ الوجهينِ، وهو ظاهرُ النصِّ، وإذا. . . (١) فِي الجراحاتِ فِي جميعِ البدنِ بالمختارِ. قلتُ: يجبُ القصاصُ فِي الجراحةِ على أي موضعٍ كانت بشرطِ أن ينتهي إلى عظمٍ ولا بكسرهِ، ولو قطع بعض الأذن وبعض المارنِ من غير إبانةٍ وجبَ القصاصُ على الأظهرِ. واعلمْ، أنَّ فِي القطعِ من المفاصلِ القصاصَ حتَّى فِي أصلِ الفخذِ والمنكبِ إن أمكنَ من غير إجافةٍ، فإن لم يمكنْ إلَّا بالإجافةِ فلا قصاص على ظاهرِ النَّصِّ إن كانَ الجاني قد أجافَ بقطعِه من الفخذِ أو المنكبِ. وقال أهلُ البصرِ: يمكنُ أن يُقطعَ ويجافَ مثلَ إجافتِه، فأمَّا إذا لم يجف ولم يمكن القصاصُ إلَّا بإجافةٍ فلا يجوز بلا خلافٍ. وكذلك لو قَالَ أهلُ البصَرِ: لا يمكنُ إلَّا بإجافةٍ زائدةٍ على إجافتِه؛ فإنَّه لا يقتصُّ كذلك قطعًا. ويجبُ القصاصُ في فقأِ العينِ وقطعِ الأذنِ والجفنِ والمارنِ والشفةِ واللسانِ والذكَرِ والأنثيينِ، ويجب القصاصُ فِي الشِّفرينِ على النصِّ، ولا يجبُ فِي الأليتينِ على المعتمدِ عندَ الأكثرينَ، وادعَى الإمامُ اتفاقَ الأصحابِ عليهِ خلافًا لما صححهُ فِي "المنهاجِ" تبعًا لأصلِه. ولا قصاصَ فِي كسرِ العظامِ إلَّا السِّنَّ فيجبُ فيها القصاصُ على النصِّ إذا أمكنَ. قال الشافعيُّ (٢) ﵁: وإذا كسرَ الرجلُ سِنَّ الرَّجُلِ مِن نصفِها سألتُ أهلَ

стр. 1415

العلمِ فإن قالوا: يُقْدَرُ على كسرِها من نصفها بلا إتلافٍ لنفسها ولا صدع أقدتُه، وإن قالوا لا يُقدرُ على ذلك لم يقدْه. هذا نصُّه، وهو الذي ينبغِي أن يُفتَى به؛ لأنَّه الثابتُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ فِي قصَّةِ الرُّبيِّع -بضمِّ الرَّاءِ- التي لطمتْ جاريةً فكسرتْ ثنيَّتها، فأتَوا النَّبيَّ ﷺ فأمرَ بالقصاصِ. رواهُ الصحيحان. وفيه دلالةٌ واضحةٌ على إيجابِ القصاصِ فِي كسرِ السِّنِّ، وهو محمولٌ على إمكانِ المماثلةِ. وحملُ الحديثِ على أنها قلعتها بعيدٌ من الظاهرِ، فإنَّه لا يقالُ فِي ذلك كسرتها، بل يُقال قلعتها. * ضابطٌ: ليسَ لنَا موضعٌ يجبُ فيه القصاصُ فِي كسرِ العظامِ إلَّا هذا، والسنُّ عظمٌ كما قال النبيُّ ﷺ : "أمَّا السِّنُّ فعظمٌ" (١). وللمجنيِّ عليهِ أن يقطعَ أقربَ مفصلٍ إلى موضعِ الكسرِ الذي حصلَ به انفصالُ ذلكَ، ولو أرادَ أن يقطعَ أبعدَ مفصلٍ فلهُ ذلكَ على الأرجحِ، ويأخذ حكومةَ الباقي مكان البَطْل إلى تمامِ حقِّه (٢). ولو قطعَ يدَهُ من نصفِ الكفِّ فلا يقتصُّ فِي الكفِّ، لعدمِ إمكانِ رعايةِ المماثلةِ، ولهُ الالتقاطُ الأصابعِ، وإن تعددَّتِ الجراحةُ؛ لأنَّه لا سبيلَ إلى إهمالِه، وليس بعد موضع الجراحة إلَّا مفاصلَ متعددة، ويجب له بعد قطع الأصابع حكومةُ نصف الكفِّ على الأصحِّ.

стр. 1416

فإن قيلَ: لِمَ جرى خلافٌ هنا فِي الحكومةِ، ولم يجرِ خلافٌ فِي ال فرعِ السَّابقِ فِي حكومةِ الباقي؟ فالجوابُ: أنَّ الكفَّ تابعٌ للأصابعِ فِي إيجابِ نصفِ الدِّيةِ فِي الكلِّ، ولا يفردُ بحكومةٍ بعدَ لقطِ الأصابعِ على وجهٍ مرجوحٍ. ولوْ أوضحَ رأسَهُ وهشمها فلهُ أن يقتصَّ فِي الموضحةِ ويأخذَ ما بينَ أرشِ الموضحةِ والهاشمةِ وهو خمسٌ من الإبلِ. ولو أوضحَ ونقلَ، فله أن يقتصَّ فِي الموضحةِ ويأخذَ ما بين أرشِها وأرشِ المنقلةِ، وهو عشر، ولو أوضحَ وأمَّ فله أن يوضحَ ويأخذ ما بين الموضحةِ والمأمومةِ، وهو ثمانية وعشرون بعيرًا وثلثُ بعيرٍ. ولو قطعَ يدهُ من الكوعِ فليسَ لهُ أن يلقطَ أصابعه، فإن تعدَّى وفعلَ فلا غُرمَ عليهِ لاستحقاقِه إتلافَ الجملةِ، فلا يلزمهُ غرمٌ بإتلاف بعضِها، ولكن يعزَّر لتعدِّيه بقطعِ شيءٍ غير ثابتٍ له شرعًا، وأصحُّ الوجهينِ أنَّ لهُ أَنْ يعودَ فيقطعَ الكفَّ. وإذا كسرَ عظمَ العَضُد وأبانَ اليدَ منهُ فللمجنيِّ عليهِ القطعُ مِنْ المرفقِ، والحكومةُ لبقيةِ العضدِ قطعًا، ولو أرادَ أن يتركَ المرفقَ ويقطعَ من الكوعِ مُكِّنَ على الأرجحِ. * * * فرع: لو أوضحَ رأسهُ فذهب ضوءُ عينِه، وجبَ القصاصُ فِي الضوءِ والموضحةِ معًا، فإن أوضحَ رأسَ الجانِي فذهبَ ضوءُ عينه فذاكَ، وإلَّا أذهبَ بأخفَّ ممكنٍ كتقريبٍ حديدةٍ محماةٍ منْ حدقتِه.

стр. 1417

وإنْ لَطَمَهُ فذهبَ ضوءُ عينهِ واللطمةُ بحيثُ تُذهبُ الضوء غالبًا لُطِمَ مثل تلك اللطمةِ، فإن لمْ يذهبِ الضوءُ أزيلَ بالمعالجةِ. * ضابطٌ: ليس لنا موضعٌ يجبُ فيه القصاصُ فِي اللطمةِ إلَّا هذا، نصَّ عليهِ الشَّافعيُّ ﵁. والمرادُ هنا بذهابِ الضوءِ ذهابُهما، ولا يجبُ القصاصُ فِي السمعِ على النصِّ، قال الشافعيُّ ﵁: ولا قودَ فِي السَّمعِ؛ لأنَّه لا يوصل إلى القودِ فيه، فإذا ذهبَ السمعُ كلُّه ففيه الديةُ كاملةً. وقالَ بعدَ ذلكَ: والأذنانِ غيرَ السَّمعِ، فإذا قطعتا ففيهما القود، وفِي السمعِ إذا ذهبَ الديةُ، وكلُّ واحدٍ منهما غير صاحبهِ. انتهى. وما صحَّحهُ فِي "المنهاج" تبعًا لأصلِهِ من وجوبِ القصاص بمعتمَدٍ (١)، وما نصَّ عليه صاحبُ المذهبِ هو المعتمدُ، وكما لا يجبُ القصاصُ فِي السمعِ لا يجبُ القصاصُ فِي البطشِ والذُّوقِ والشَّمِّ على الأصحِّ خلافًا لمَّا صححهُ فِي "المنهاجِ" (٢) تبعًا لأصلِهِ من الوجوبِ. ولا يجبُ القِصاصُ فِي العقلِ كما جزمَ بهِ فِي "المهذبِ" (٣)، ولا فِي الكلامِ. قال شيخنا: والذي أعتقدُه أنَّ الأصحَّ فِي الكلِّ عدمُ وجوبِ القصاصِ كما فِي السمعِ، وكذا الأمرُ فِي بقيةِ المعاني من قوةِ الإحبالِ والإمناء، كلها لا

стр. 1418

قصاصَ فيها إلَّا البصر. انتهى. وكذَا وإذا قطعَ أصبعَه فسرى إلى الكفِّ أو إلى أصبعٍ أخرى بالتآكلِ، لم يجبِ القصاصُ فيما سرَى إليه. * * * فصل لا تُقطعُ اليمنى باليسرَى، ولا الشفة العليا بالسُّفلَى، ولا السبابةَ بالوسطَى، ولا بالعكسِ فيها، ولا أنملةُ أصبعٍ بأنملةٍ أخرى من تلكَ الأصبعِ، ولا أصبعٌ زائدةٌ بزائدةٍ أخرى، إذا اختلف محلَّهما، فإن اتفقَ محلَّهما قطعَ الزائدُ بالزائدِ، ولكن يُستثنى منه ما لو اختلفا فِي المفاصلِ، بأنْ كان لأصبعِ الجاني الزائدة ثلاث مفاصل، ولزائدةِ المجني عليه مفصلٌ أو مفصلانِ، فلا يقطعُ أصبعُ الجاني بها. نصَّ عليه؛ لأنَّه أعظمُ من تفاوتِ المحل. ولا يقطع حادث بعدَ الجاني بأصلي، فلو قطع شيئًا وليس للجاني مثلُهُ فلا قصاصَ، فلو نبتَ بعد ذلك لم يُقْتَصَّ أيضًا؛ لأنَّها لم تكنْ موجودةً حالة الجنايةِ، والتفاوت فِي الحجم صغرًا وكبرًا وطولًا وعرضًا أو قوةَ البطش وضعفه، لا يؤثِّرُ فِي الأعضاءِ الأصليَّة قطعًا، وكذا فِي الزائدةِ على الأصحِّ. ويراعَى قدرَ الموضحةِ طولًا وعرضًا فِي قصاصِها، فلا تقابل ضَيِّقَةٌ بواسعةٍ، ولا تصحُّ بضيقةٍ عن واسعةٍ، ولا عبرةَ بتفاوت الشاجِّ والمشجوج فِي غلظِ الجلدِ واللحمِ. ولو أوضحَ جميعَ رأسِ إنسانٍ ورأس الشَّاجِّ أصغر استوعبنا رأسَهُ إيضاحًا ولا يكتفَى به، ولا ينزلُ الإتمام إلى الوجهِ ولا إلى القَفَا، يؤخذ قسطَ الباقي

стр. 1419

من أرشِ الموضحةِ إذا وُزِّع على جميعِها، فإن كانَ رأسُ الشَّاجِّ أكبرَ لم يوضِح المشجوج جميع رأسِه، بل قدر ما أوضح، وأصحُّ الأوجُهِ أنَّ الاختيارَ فِي موضَعِ ما يوضَح إلى الجاني، ولو أوضحَ جميعَ ناصيته وناصيةَ الجاني أصغر تمَّمناهُ قدر الموضحة من باقي الرأسِ، ولو زادَ المقتصُّ من الموضحة على القدرِ المستحَقِّ، فعليه القصاص فِي الزيادةِ إن تعمَّد، فإن أخطأَ أو آل الأمرُ إلى المال وجبَ أرشٌ كاملٌ فِي الأصحِّ. وإذا اشتركَ جماعةٌ فِي موضحة فتوضحُ من كلِّ واحدٍ منهم مثلَ تلك الموضحةِ على النصِّ (١)، وإذا آل الأمر إلى المال وُزَعَ الأرشُ. ولا تُقطعُ الصحيحةُ بالشَّلَّاء، وإن رَضِيَ الجاني، فلو خالفَ المجنيُّ عليهِ وقطعَ الصحيحةَ لم يقع قصاصًا (٢)، بل عليه ديتها، فلو سَرَى فعليهِ قصاصُ النفسِ إنْ لمْ يكُنْ برضَى الجاني، فإن كانَ لم يجب قصاصُ النفسِ. وتقطعُ الشلاءُ بالصحيحةِ إلَّا أن يقولَ أهلُ البصرِ أنَّ أفواهَ العروقِ لا تنحسمُ، ولا ينقطعُ الدمُ، فلا تقطعْ حينئذٍ بالصحيحةِ، وحيثُ جازَ قطعها بالصحيحة، فعلى مستوفيها أن يقنع بها، وليسَ لهُ طلبُ أرشٍ للشَّلَلِ. وتقطع يدُ السليم ورجلُه بيد الأعسمِ ورجلِ الأعرجِ (٣)، ولا اعتبارَ باخضرارِ الأظفار واسودادها وزوال نضارتِها، وذاهبة الأظفار تقطع بسليمةِ الأظفارِ بلا خلافٍ، ولا تقطعْ سليمةُ الأظفارِ بالتي لا أظفارَ لها على

стр. 1420

المنصوصِ. وحكمُ الذَّكَرِ الصَّحيحِ والأشل حكمُ اليدِ الصحيحةِ والشلاءِ (١)، والذكرُ الأشلُّ الذي يكونُ منقبضًا لا ينبسطُ، أو منبسطًا لا ينقبضُ، ولا عبرةَ بالانتشارِ وعدمِهِ، بل يقطعُ ذكرُ الفحلِ بذكرِ الخصيِّ، والعنين. ويقطعُ الأنفُ الصحيحُ بالأنفِ الأخسم، وأذنُ السميعِ بأذنِ الأصمِّ، ولا تؤخذُ العين الصحيحة بالحدقةِ العمياءِ، ولا لسان الناطقِ بلسانِ الأخرسِ الَّذِي تجاوز أوان النطقِ ولم ينطق، فإن لم يتجاوزْ كالمرضَعِ فيقطع لسان الناطق بهِ، بشرطِ أَنْ يظهر فيه أثرُ النطقِ بالحركةِ عندَ البكاءِ وإلَّا فلا. وفِي السنِّ القصاصُ قلعًا لا كسرًا، كما نصَّ عليه الشافعيِّ، وقد تقدَّم، ولو قلع المثغور سن صغيرٍ لم يثغر، فلا قصاصَ فِي الحالِ ولا ديةَ، فإن جاءَ وقتُ نباتِها بأنْ سقطت البواقي وعادتْ ولم تعُدْ هي، وقالَ أهلُ البصرِ: فسدَ المنبتُ وجبَ القصاصُ، ولا يستوفَى فِي صغرهِ، وهذا إذا قلعَها عمدًا محضًا عدوانًا، فلو قلعها للاستصلاحِ لا للجنايةِ فلا قصاصَ فيه، وإنَّما يجبُ القصاصُ إذا لم يكنْ خطأً ولا شبهَ عمدٍ، ولو عادتْ ناقصةً فقد تقدَّم أنَّ النصَّ القصاصُ فيجيء هنا من القصاصِ فِي الناقصِ ما سبقَ من أنَّه يقتصَّ إذا قالَ أهلُ الخبرةِ أنَّ ذلك يمكنُ من غيرِ زيادةٍ، لو قَلَعَ سنَّ مثغورٍ فنبتت لم يسقط القصاص على أرجحِ القولينِ. وإذا كانتْ يد الجاني ناقصةً أصبعًا وقد قطعَ يدًا كاملةً يخيَّر المجني عليه

стр. 1421

بينَ أخذِ الديةِ وبين قطع يد الجاني وأخذ أرشِ الأصبعِ، ولو قطعَ صاحبُ اليدِ الكاملةِ يدًا ناقصةً بأصبع فليس للمجني عليه قطع اليد الكاملة من الكوع، ولكن إن شاء أخذ ديةَ الأصابعِ الأربعِ، وإنْ شاءَ لقطعها، والمنصوصُ إيجابُ حكومةِ منابتِ أصابعِ المجني عليهِ إنْ لَقَطَ قالَ الشافعيُّ ﵁: ولَوْ كَانَ أقطعَ أصبعٍ واحدةٍ فقطعتْ كفُّه أُقِص من أربعةِ أصابع، وأخذت له حكومة فِي كفِّه، ولا أبلغُ بحكومة كفُّه دية أصبع؛ لأنها تبعٌ فِي الأصابعِ كلها، وكلُّها مستويةٌ، فلا يكونُ أرشها كأرشِ واحدةٍ منها. وإنْ أخذَ ديتَها دخلتْ حكومةُ منابتها من الكفِّ فِي ديتها على الأظهرِ، وأنَّه يجب فِي حالة القصاصِ خمس الحكومة لا حكومة الخمس؛ لأنَّ حكومةَ خمسِ الكفِّ أقلُّ من خمس الحكومة، والواجب له فِي هذه الحالة حكومةٌ كاملةٌ أربعةُ أخماسِها عن منابتِ أصابِعِهِ التي قُطعتْ من المجني عليهِ ولم يستوْفِها من الجاني، وخمسُ الحكومة عن منبت الأصبع الفائتة من المجني عليه، ويجبُ فِي حالتِهِ أخذُ ديةِ الأصابعِ خمسُ الحكومةِ، لا حكومة الخمس، لأنَّ أربعةَ أخماسِ الحكومةِ دخلتْ فِي ديةِ الأصابعِ الأربعْ فبقيَ لَهُ خمس الحكومة لا حكومة الخمس. ولو قَطَعَ كفًّا لا أصبع عليها فلا قصاصَ إلَّا أَنْ يكونَ كفُّ القاطعِ مثلها، ولو قطعَ صاحبُ هذا الكفِّ يدًا كاملةً فللمجني قطعُ كفِّه وديةُ الأصابع. وإذا كان على يد الجاني أصبعانِ شلَّاوان، ويد المجني عليه سليمة، فإن شاء قطع يده وقَنَعَ وإن شاء لقط الثلاثَ السليمة وأخذَ ديةَ أصبعين، وثلاثةَ أخماسِ حكومةِ الكفِّ.

стр. 1422

فرع: إذا قدَّ ملفوفًا فِي ثوبٍ نصفينِ، وقال: كان ميتًا، وقال الوليُّ: كانَ حيًّا، فالمصدَّقُ الوليُّ بيمينهِ على الأظهرِ (١)، إن عهدت للملفوفِ فِي الدنيا، فأمَّا لو قدَّ ملفوفًا ولم تعرف حياته، فالمصدَّقُ الجاني قطعًا؛ لأنَّه ليس معنا أصلٌ نستصحبهُ حتى نقولَ: الأصلُ بقاُء الحياة، فيصدقُ الوليُّ بسبب ذلك على قول، على أن نصَّ الشافعيِّ: أنَّ الجاني يُصدَّقُ مطلقًا بيمينهِ وعلى الوليِّ البيانُ خلافًا لما فِي "المنهاج" تبعًا لأصلِه، ولا تكفِي يمينٌ واحدةٌ، بل لا بدَّ من خمسين يمينًا إذا حلف الوليُّ حيث جعلنا القول قوله. ولو قطع طرف إنسانٍ وادعى نقصانًا فيه، فإن كانَ العضوُ ظاهرًا صُدِّق الجاني على أصحِّ الطرق إن أنكر أصلَ السلامةِ، وإلَّا فالمصدَّق المجني عليه على أظهرِ القولينِ. ولو قطع يديه ورجليه ومات فقال الجاني: ماتَ بالسرايةِ فعليَّ دية (٢)، وقال الولي مات بعد الاندمال فعليك ديتان نظر إن لم يمكن الإندمالُ فِي تلك المدة لقصرها كيومٍ ويومين، فالقولُ قولُ الجاني بلا يمينٍ. وإن أمكن الاندمالُ فِي تلكَ المدةِ فالنصُّ تصديقُ الوليِّ، فلو قال الجاني: مات بالسرايةِ، وقال الولي: بسبب آخر، وعيَّنه أو لم يعينه ولكن طال الزمان بحيث يمكن فيه الاندمالُ فالمعتَمَدُ تصديقُ الجاني، فيما إذا ادعى الولي سببًا غيرَ الاندمالِ وعينه، وتصديق الولي فِي الاندمالِ، فإن إمكانه بطول المدة يقوي جانبه، ولو قطع إحدى يديه وقال الجاني: مات بسبب آخر، وقال

стр. 1423

الوليُّ: بل مات بالسراية، فإن كان السبب مطلقًا وأمكن الاندمالُ فالقولُ قولُ الجاني بيمينهِ، على قياسِ ما سبقَ فِي الصورةِ قبلها، وإنْ لم يمكنِ الاندمالُ فهوَ كما لو عينَ سببًا غيرَ الاندمالِ، فيصدَّقُ الولي هنا على الأصحِّ. ولو أوضحَ رأسَهُ موضحتين ثمَّ رفع الحاجزَ بينهما وقال: رفعته قبل الاندمالِ فلا يلزمني إلَّا أرش واحدٌ (١)، وقال المجني عليهِ: بل بعده. فعليك ثلاثة أروش، فإن قصر الزمانُ بحيث لا يكون الاندمالُ ممكنًا صُدِّقَ الجاني بلا يمينٍ. وإن قصُرَ الزمانَ وكانَ الاندمالُ ممكنًا مع بُعْدٍ فيصدَّقُ الجاني باليمين، وإن طالَ الزمانُ صدقَ المجني عليه، وإذا حلفَ وجبَ أرشان، ولا يثبت الثالثُ على الأصحِّ. نادرةٌ فقهيةٌ: وهي أن كلًّا من المدعي والمدعَى عليه صُدِّق فِي أمرٍ واحدٍ فِي شيء دون شيء، لأنَّا صدقنا المجنيَّ عليه فِي أن الرفعَ كان بعد الاندمال لإثبات أرشين لا لإثبات ثالث، وصدقنا الجاني فِي أن الرَّفع كان قبل الاندمال حتَّى لا يجبَ الأرشُ الثالثُ لا فِي إيجاد الأرشِ، وأمَّا أن الإنسان يصدَّقُ فِي شيءٍ دونَ شيءٍ فذاك فِي صورٍ كثيرة، لكن ندرتْ هذه لوجودِ ذلك من الجانبينِ. فصل المذهبُ المنصوصُ أنَّ القصاصَ فِي النفسِ يستحقُّه جميعُ الورثةِ على فرائضِ اللَّهِ تعالى.

стр. 1424

وإذا مَاتَ مستحقُّ قصاصٍ فإنَّه يثبت لجميع ورثته كذلك بلا خلافٍ، وقد يثبت القصاص يعني الوارث فِي صورةِ مَن ارتدَّ بعد الجراح كما سبقَ، ويثبت للمالكِ فِي عبدِه وللإمامِ فيمن لا وارثَ لَهُ على الأظهرِ. ولا يثبتْ للورثةِ فِي قطعِ الطريقِ، بل الأمرُ فيه للإمامِ، ويُنْتَظَرُ في غير قاطع الطريقِ غائِبُهُمُ وكمال صبيهم ومجنونهم، ويحبس فِي حال الانتظارِ ولا يخلى بالكفيل، والمتولي لذلك الحاكم دونَ ولي الصَّبيِّ والمجنونِ؛ لأنَّ أمر أنفذ من أمرِ الوليِّ، فإن أرادَ الوليُّ ملازمتَه لم يُمْنَعْ منه. ولا نَقِفُ حبسَ الحاكمِ لهُ على الاستعداء إليه وينفردُ به إذا ثبت عنده القتلُ لما يجب عليه من حفظِ الحقوقِ على المولَّى عليهم. صرَّح بذلك كلُّه الماورديُّ. ويستثنى مستحقو القصاصِ على واحدٍ أو ليوكلوا أجنبيًّا حيث لم يكنْ ذلك المتفق عليه منهُم، أو الوكيل الأجنبي كافرًا فِي قتلِ المسلمِ، فإن كان كافرًا لم يمكَّن من ذلك، فإن أسلمَ الوارثُ قَبْل الاستيفاءِ مُكِّن منه. وإن أسلمَ بعضُ الورثةِ واتفقوا على أنَّه يستوفى جاز، فإن تراجعوا أقرع بينهم إن كان القتل بجارح أو مثقَّل يحصل باجتماعهم عليه زيادةٌ فِي تعذيبِه. فأمَّا إن كان القتل بإغراقٍ أو بحريقٍ أو رمي صخرةٍ عليه، فإنَّه إذا اجتمع الورثة على ذلك فُعل، ولا يحتاج إلى قرعةٍ. وإذا خرجتِ القرعةُ لأحدِهم فِي صور الاحتياجِ إليها، فلا يستبدُّ بها بالاستيفاء، ولا بدَّ من إذنِ الباقين فِي الاستيفاءِ، ولا يدخلُ فِي القرعةِ العاجزُ على ظاهرِ نصِّ الشافعيِّ فِي "الأمِّ"، وهو المعتمدُ فِي الفتوى، وقال فِي "الروضةِ" أنَّهُ الأصحُّ عند الأكثرينَ، ولم يذكر ترجيح ما صححه فِي

стр. 1425

"المنهاج" من أحدٍ، ونسب الرافعيُّ فِي "الشَّرح" ترجيحه إلى صاحب "التهذيب"، وقال: إن مقابله أرجح عندَ القاضي ابن كَجٍّ وأبي الفرج والإمام وغيرهم، وجرى فِي "المحرر" على ترجيح البغوي وخالفه فِي "الشَّرح الصَّغير" فقال: إن الأظهر منع دخول العاجز. وإذا بادر أحدهم فقتله عالمًا بالتحريمِ فلا قصاصَ على الأظهرِ، وكذا إنْ كانَ جاهلًا لا قصاصَ عليهِ بلا خلافٍ، كما قالهُ فِي "الروضةِ" تبعًا للشرحِ. لكن الخلافَ موجودٌ. قال شيخنا: وعندي يجري الخلافُ بالترتيبِ، وأولى بأن لا يجب. انتهى. وأعلم أن محلَّ الخلافِ ما إذا لم يكن هناك حكم من الحاكم يمنع المبادِر من القودِ، فإن كانَ قد قبلهُ بعدَ حكمِ الحاكمِ بمنعِهِ من القودِ، فإنَّهُ يجبُ عليهِ القودُ قطعًا. وفِي كلام الماورديُّ ما يقتضي إثباتَ خلافٍ فِي ذلك، وليس بالمعتمد، كما قاله شيخنا، ومحل الخلافِ أيضًا ما إذا لم يحكم له حاكمٌ باستقلاله بالقصاصِ، فإن حكم له حاكم بذلك فإنَّه لا قود على المبادر قطعًا، وفِي كلام الماوردي ما يقتضي إثباتَ خلافٍ فِي ذلك، وهو مردودٌ كما قال شيخنا، إذا كان هذا قد قال به جمعٌ من العلماءِ، ولهُ وجهٌ من النظرِ. وإنْ كانتِ المبادرةُ بعدَ عفوِ سائرِ الشركاءِ أو بعضِهم، فالأظهرُ وجوبُ القصاصِ، وليسَ لمن يستحقُّ القصاصِ أن يستقل به، بل يستوفَى بإذنِ الإمامِ، فإنِ استقل عُزِّر. وإذا راجعَ الإمام ورآه أهلًا فرض إليه قصاص النفس لا الطرف على النصِّ.

стр. 1426

وإذا أذنَ له فِي ضربِ الرقبةِ فأصاب غيرَها عامدًا عزَّره ولم يعزله. وإن قال: أخطأتُ -وهو محتمل- فلا يعزَّر ولا يُعزلُ فِي صورةِ الخطأ الممكن، وهو يُحسَّنُ على ما عليهِ النصُّ وما عليه الفتوى عند أئمةِ المذهبِ. وأجرةُ الجلَّادِ على المقتصِّ منهُ على المنصوصِ، ومحلهُ إذا لم ينصبِ الإمامُ من يقيمُ الحدود ويرزقه من مالٍ للصالحِ، فإن نصبه فلا أجرةَ له؛ لأنَّه واجبٌ عليه، ومحل وجوبها على المقتصِّ منه إذا كان موسرًا، فإن كان معسرًا ففِي "التتمة": إن كان القصاص فِي النَّفس استقرض على بيت المال، وإن كان فِي الطرفِ فوجهان: أحدهما: كذلك، والثاني: يستقرض على الجاني على الأصحِّ. للمستحقِّ القصاصُ على الفور، ولو التجأَ الجاني إلى الحرمِ فله الاستيفاءُ فيه، ويستثنى من اعتبار الفور ما إذا التجأ إلى المسجد الحرامِ وغيره من المساجدِ، فإنَّه يُخْرَجُ منه ويقتل؛ لأنَّ هذا تأخيرٌ يسيرٌ، وفيه صيانةٌ للمسجدِ، وفيه وجهٌ أنَّه يبسط الأنطاع ويقتلُ فِي المسجد تعجيلًا لتوفيةِ الحقِّ وإقامةً للهيبة. ومما يستثنَى أيضًا: الالتجاءُ إلى الكعبةِ أو إلى ملكِ إنسانٍ لا نعرف رضاه بالقتل فِي مِلكهِ، فإنَّه يُخْرَجُ، وكذلك لو التجأ إلى مقابرِ المسلمينَ ولا يمكن قتله إلَّا بإراقةِ الدَّمِ عليها، فإنَّه يُخرج منها. ولا يؤخَّرُ القصاصِ فِي النفسِ بشدةِ الحرِّ والبردِ والمرضِ (١)، وأمَّا فِي الطرفِ

стр. 1427

فيؤخَّرُ فِي الحالاتِ المذكورةِ كما نصَّ عليه الشافعيِّ فِي "الأم" (١) فِي ترجمةِ أمر الحاكم بالقودِ ولفظُهُ: (وإذا كنتُ أقيدُ بالقتل لم أُؤَخِرْهُ بالمرضِ، وهذا (٢) إذا كان القودُ فِي بلادٍ باردةٍ وساعة باردةٍ، أو بلاد حارَّةٍ وساعةٍ حارَّة، فإن كان ما دونَ النفسِ أخِّر حتَّى يذهب حدُّ البردِ وحدُّ الحرِّ، ويقتصُّ منه فِي الحالة التي ليست بحال تلفٍ ولا شديدة مدة المباينة لما سواها من الأحوالِ، وكان حكمُ الحرِّ والبردِ وحكم مرضه يقتصُّ منه فِي النفسِ ولا يقتصُّ منه فيما دونها) هذا نصُّه، وهو المعتمدُ خلافًا لما فِي "المنهاج" (٣) تبعًا لأصلِه من إطلاق عدم التأخيرِ فِي هذه الحالاتِ، فإنَّه ليس بمعتمدٍ. ويؤخَّرُ قصاصُ حاملٍ فِي نفسٍ أو طرفٍ إلى الوضعِ وارتضاعِ اللِّبَأِ، ثم فِي النفسِ إلى أَنْ يستغنِي بغيرِها، أو يُفطمُ حيث يجوز، ولا يزاد على حولين، وتحبس الحاملُ إن طلب المستحقُّ الذي يقتص بطلبه. والنصُّ تصديقُها فِي حملِهَا يعني تخيُّلهُ حيثُ أمكنَ أن تكونَ حاملًا عادةً، فلو كانت آيسة لم يصدق، واكتفِي بدلالةِ الإياسِ، وهو معنى قولِ الشافعيِّ: أو يعلم أنَّه لا حملَ بها. ومن قُتلَ بمحددٍ أو غيره من تخنِيقٍ وتغريقٍ وتحريق وتجويع، اقتصَّ منه بمثلِ فعلِه (٤).

стр. 1428

ويستثنى من اعتبارِ المماثلةِ صورٌ: أحدها: إذا قتلهُ بسحرٍ اقتصَّ منهُ بالسَّيفِ. الثانيةُ: إذا أوجره خمرًا حتَّى ماتَ، فأصحُّ الوجوهِ أنَّه يُقتلُ بالسَّيف. الثالثةُ: إذا قتلَهُ باللواطِ، وهوَ مما يقتلُ غالبًا، بأن لاطَ بصغيرٍ وآلتُهُ كبيرةٌ، فيقتل بالسيفِ على الأصحِّ تفريعًا على الصحيحِ أنَّهُ يجبُ بهِ القصاصُ. الرابعةُ: إذا سقاهُ بولًا فمات منهُ، فإنَّهُ كالخمرِ على الأصحِّ فيقتلُ بالسيفِ. الخامسةُ: إذا شهدُوا بالزنَا فرُجِمَ، ثم رجعوا، فعليهمُ القصاصَ، بالسيف على الصواب فِي "المهمات"، وقيل: الرجمُ، وصححه فِي "الروضة" تبعًا لأصلها. السادسةُ: إذا ذبحَهُ مثل البهائم هل يقتل به مثله أو بمعنى السيف؟ فيه وجهان: قال ابن الرِّفْعَة: يتعيَّنُ السيفُ، وهو كذلك فِي "الحاوي". ولو جُوِّع مثل تلك المدةِ التي ماتَ المجني عليه من تجويعِهِ فيها فلم يمتِ الجاني فالنصُّ أنَّه يُقتلُ بالسيفِ ولا يزادُ فِي التجويعِ خلافًا لما فِي "المنهاجِ" تبعًا لأصلِه. قال الشافعيُّ ﵁: "وَإِذَا أَقَدْته بِمَا صَنَعَ بهِ حُبِسَ وَمُنِعَ كَمَا حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ فَإِنْ مَاتَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَإِلَّا قُتِلَ بِالسَّيْفِ" (١) انتهى. قال القاضي الحسين: لم يختلفْ مذهبُه فيه، وجرى عليه الجمهورُ،

стр. 1429

ومهما عدل المستحقُّ من غير السيفِ إليه مكِّن منه إن لم يكن فِي السيفِ زيادةٌ عن المماثلةِ، فإن كان فيه زيادةٌ عنها فلا ينبغي أن يعدلَ إليه. وإذا حصل القتلُ بسِراية الموضِحة وقطع اليدَ أو الرجل فلِوليِّ المجنِيِّ عليه أن يحزَّ الرقبةَ وَأن يوضحَ أو يقطعَ، ثم إنْ شاءَ حزَّ وإن شاءَ أخَّر إلى السرايةِ، ولو ماتَ بجائفةٍ أو كسر عضد فعل كفعلهِ، وفِي قولٍ: السيفُ، وعلى الأولِ: إن لم يمتْ لم نردَّ الجوائف على المذهبِ. ولو اقتصَّ مقطوعُ يد أو رجل أو أذن ونحو ذلك ثم ماتَ بالسرايةِ فلوليه حزُّ رقبةِ الجاني فِي مقابلةِ نفس مُوَرِّثِهِ وله عفوٌ بنصفِ ديتهِ إذا استوتِ الديتان. فلو قطعتِ امرأةٌ يدَ رجلٍ فاقُتصَّ منها ثم ماتَ الرجلُ فعفا وليهُ على مالٍ فأصحُّ الوجهين: ثلاثةُ أرباعها؛ لأنَّه استحقَّ دية رجل سقط منها دية ما استوفاه وهو يد امرأةٍ بربع يد رجل، ولو قطعت يداه فاقتصَّ منهما ثم ماتَ المقطوعُ بالسراية فللولي أن يحز رقبته، فإن عفا فلا دية إذا لم يحصل تفاوتٌ فِي الديتين كما تقدَّم. فإن حصلَ بأنْ قطع يدي المرأةِ القاطعة ليديْ الرجل الذي مات بالسراية فإنَّه يجبُ عند العفوِ عن نفسِها عليها نصفُ الديةِ الكاملةِ على الأصحِّ، ولو ماتَ بالسرايةِ قبل أن يقتصَّ فَقَطَعَ وليه فِي الصورةِ الأولى يدًا وفِي الثَّانية اليدين، فالحكم فيهما سواء. وقس على هذا صورَ الذمِّي والمسلم الذي طرأَ إسلامُه أو قارن وكان مجنيًّا عليه، ولو مات الجاني من قَطع القصاص فلا ضمان على المقتص. وإن ماتا جميعًا بالسراية فإن ماتَ المجنيُّ عليه أولًا فالذي حكاه القاضي

стр. 1430

ابن كَجٍّ عن عامة الأصحابِ: أنَّه لا يقعُ قصاصًا، وهو القياسُ؛ لأنَّ القاعدةَ أنَّ سرايةَ الجاني من جهة قطعهِ فِي القصاصِ مهدرةٌ، وما يكونُ مهدرًا لا يقعُ قصاصًا، فعلى هذا لولي المجنيِّ عليه نصفُ الديةِ فِي تَرِكَة الجاني. وإن ماتا معًا، فالأصحُّ أنَّه لا يقع قصاصًا خلافًا لما فِي "المنهاج" تبعًا لأصله من وقوعِهِ قصاصًا فِي هذه الصورةِ والتي قبلها، لأنَّ القاعدةَ المقررَّةَ: أنَّ القصاصَ إنَّما يقعُ بعدَ وجوبِهِ، فإذا مات الجاني والمجنيُّ عليه معًا بالسرايةِ، فقد مات الجاني قبل وجوب قصاص النَّفس، فالحكم بأنه اقتصَّ منه بعيدٌ لا سيما مع تصحيحِ أنَّهُ إذا سبق موتُ الجاني بالسراية لا يكون قصاصًا كما تقدَّم. وإن ماتَ الجاني أولًا، فأصحُّ الوجهينِ أنَّه لا يحصلُ، وللمجنيِّ عليه نصفُ الدية فِي تَركَةِ الجاني. وإذا طلبَ مستحقُّ القصاصِ فِي اليمينِ إخراجَها فأخرجَ الجاني يسارَهُ فقطعَهَا، فإن قصدَ الجاني إباحتَها فلا قصاصَ فِي اليسارِ ولا ديةَ، ويبقى قصاصُ اليمينِ كما كانِ. ولو كان المُخرِجُ الذي قصد الإباحة عبدًا فلا تكون يساره مهدرةً قطعًا، بل يجب ضمانُها قطعًا، وفِي سقوطِ القصاصِ إذا كان القاطعُ عبدًا وجهانِ: الأرجح سقوطُه، ولو قال القاطعُ: "قطعتُ اليسار على ظنِّ أنها تجزِئُ عن اليمينِ"، فالأصحُّ سقوطُ قصاصِ اليمينِ، لأنه رَضِيَ بسقوطِهِ اكتفاءً باليسارِ، فعلى هذا يُعدلُ إلى دية اليمينِ، لأنَّ اليسارَ وقعتْ هدرًا، ولو قال: "قصدت" إيقاعَهَا عن اليمينِ وظننتُ أنَّها تجزئُ عنها، وقال القاطعُ: "عرفتُ أن المُخرَجَ اليسارُ، وأنَّها لا تجزئُ عن اليمينِ"، فلا يجبُ القصاصُ فِي اليسارِ

стр. 1431

على الأصحِّ، لكن تجبُ الديةُ ويبقَى القصاصَ فِي اليمين، وكذا لو قال: "دهشتُ فأخرجتُ اليسارَ وظنِّي أني أُخرِجُ اليمينَ"، وقال القاطع: "ظننتُ أن المخرجَ اليمين"، فلا قصاص فِي اليسارِ على الأصحِّ، ويبقى قصاصُ اليمين. * * * فرع: موجبُ العمدِ حيثُ ثبتَ القصاصُ القودُ المحضُ، والديةُ تدل على الأظهر (١)، والثاني أحد الأمرين لا بعينِهِ، ويستثنى من محلِّ القوليْن كلُّ موضعٍ وجبَ فيهِ القودُ ولا ديةَ على الأصحِّ، فلا يأتي فِي هذا -على المصححِ- القولانِ، وكذلكَ إذا استوفى قطعَ ما يوجبُ الديةَ بحيثُ يبقى له حزُّ الرقبةِ من غيرِ عفوٍ على ديةٍ، فإنَّه لا يأتي فِي هذهِ المواضعِ القولانِ، بل يُقطعُ بأنَّ الواجب القودُ خاصَّةً. ويستثنى أيضًا العمدُ الذي لا يوجبُ القصاصَ، كقتلِ الوالدِ ولدَهُ، ونحوه، فإن موجبَهُ الديةُ قطعًا، وعلى القولينِ للوليِّ العفوُ على الديةِ، ولا يحتاج إلى رِضَى الجاني، ولو عفِي على غير جنس الديةِ ثبتَ إن قُتِلَ الجانِي، وإلا فلا يثبتُ ولا يسقطُ القودُ فِي الأصحِّ، وعلى الأظهرِ لو عفا وأطلقَ العفوَ، فقال: عفوتُ عن القصاص ولمْ يتعرَّضْ للديةِ بنفي ولا إثباتٍ، فالأصحُّ لا ديةَ، ما لم يَخْترِ الديةَ على الفورِ، فإنِ اختارَ الديةَ على الفورِ ثبتَتْ، ويكون اختيارُها بعد العفو كالعفوِ عليها كما قالَهُ القاضي ابن كَجٍّ، وحُكي عنِ النَّصِّ أن هذا الاختيارَ ينتفِي أن يكونَ عقبَ العفوِ، وعلى الأظهرِ: لو عفِي عنِ الديةِ كان

стр. 1432

لغوًا، ولهُ العفوُ عنِ القصاصِ بعدَهُ على الديةِ. وأمَّا المحجورُ عليه بالفلَسِ فليسَ لَهُ العفوُ على المالِ إنْ قلنا أَنَّ موجبَ العمدِ أحدُ الأمرينِ، فإن قلنا بالأظهرِ فلُهُ العفوُ على الديةِ قطعًا. وإن أطلقَ العفوَ فعلى ما سبقَ فِي أنَّ العفوَ هلُ يوجبُ المالَ فإن قلنَا بالأصحِّ أنَّه لا يُوجبُهُ لم يثبُتْ هنا، وإلَّا ثبتَ. وإن قالَ: "عفوتُ على أن لا مالَ"، فالأصحُّ أنَّه لا يجبُ شيءٌ. وحكمُ المريضِ فِي الزائد على الثلثِ والورثةِ إذا عَفَوْا والتركةُ مستغرَقةٌ بالديونُ حكمُ المفلسِ، كما صرَّحَ به القاضي الحسينُ والإمامُ وغيرهما، وحكم المبذِّرِ المحجورِ عليه فِي الدية حكمُ المفلس على قولِ الأكثرينَ، وقيل: حكمُهُ حكمُ الصبِيِّ ولو تصالحَا عنِ القصاصِ على مائتين من الإبلِ لم يصحَّ إنْ قلنا أنَّ الواجبَ أحدُ الأمرينِ، فإن قلنا: "الواجبُ القصاصُ" فالأصحُّ الصحةُ. * * * فصل لو قال حرٌّ مكلَّفٌ لغيرِهِ: "اقطعْ يدي"، فقطعها لمْ يلزمْهُ قصاصٌ، ولا ديةٌ، فإن سَرَى القطعُ أو قَالَ: "اقتلْنِي" فقتَلَهُ لم يجبِ القصاصُ ولا الديةُ على أظهرِ القولينِ، ولو قطعَ عضوًا من إنسانٍ فعفا المجنِيُّ عليهِ عنِ موجبِ تلكَ الجنايةِ أرشًا وقودًا، فإن لم تتعدَ الجنايةُ محلَّها فلا قصاصَ ولا أرشَ، وإن سرتْ إلى النَّفس فلا قصاصَ.

стр. 1433

ولا يجبُ أرشُ العضوِ وتجبُ الزيادةُ عليه إلى تمامِ الديةِ، وفِي قولٍ: إن تعرَّضَ فِي عفوِهِ لما يحدُثُ منها سقطتْ، ولو لم يتحَرَّ عفوًا ولا إبِراءً بل قال: أوصيتُ لهُ بأرشِ هذِهِ الجنايةِ فوصيةٌ لقاتلٍ، والأصحُّ فيها الصحةُ. وإذا سرى القطعُ إلى عضوٍ آخرَ، كما إذا قَطَعَ أصبعًا فأكل الكفَّ فالأصحُّ وجوبُ ضمانِ السراية. وإذا استحقَّ الوليُّ قصاص النفسِ فقطع الطرفَ فعفَى عن قصاصِ النفسِ، فلِهُ قطعُ الطرفِ على مقتضى النصِّ، وهو المعتمدُ، وبه صرَّحَ الغزاليُّ فِي "البسيط"، وهو مقتضى كلامِ "النهاية"، خلافًا لما فِي "المنهاج" تبعًا لأصله. ولو قطعَهُ ثم عفى عن النفسِ فإن سرى بان بطلانُ العفوِ بناءً على أنَّهُ يقعُ قصاصًا، وإلَّا فيصحُّ ولو وَكَّلَ باستيفاءِ القصاصِ ثُمَّ عفَى وقتل الوكيلُ الجاني جاهلًا بالعفوِ، فلا قصاص عليه، وأظهرُ القولينِ: وجوب ديةٍ على الوكيلِ إن كان على مسافةٍ بحيثُ يمكنُ إعلامُ الوكيلِ بالعفوِ فيها. وإنْ كانَ على مسافةٍ لا يمكنُ إعلامُ الوكيلِ فيها، كأنْ يكونَ الوكيلُ على مسافةِ عشرةِ أيامٍ، ويعفو الموكلُ قبلَ القصاصِ بخمسةِ أيامٍ، فإنَّه يكونُ عفوُ الموكلِ باطلًا لا حكمَ لهُ، ووضعُهُ هذا أن لا يجبَ على الوكيلِ الديةُ قطعًا. ذكَرَ هذَا القيدَ الماورديُّ، وفِي تعليلِ الأصحابِ ما يُرشدُ إليهِ. وحيثُ وجبتِ الديةُ فهي على الوكيلِ لا على عامليهِ، على الأصحِّ، وأنَّهُ إذا غرمَ لا يرجعُ بها على العافِي على الأرجحِ، إذا لم ينسبِ الموكلُ إلى تقصير فِي الإعلامِ، فإن نُسبَ إلى تقصيرٍ فالأرجحُ أن الوكيلَ يرجعُ عليه؛

стр. 1434

لأنَّ الوكيلَ لم ينتفعْ بشيءٍ. ولو استحقَّ القصاص على امرأةٍ فنكحَهَا عليه جازَ، وكذلكَ الحكمُ لو وجبَ له على عبد المرأةِ فنكحَهَا عليهِ، أو أصدقَ الأمةَ القصاصَ الواجبَ له على سيدِهَا أيضًا وسقط القصاصُ. وإذا طلقَهَا قبلَ الدخولِ رجعَ عليها بنصفِ الأرشٍ قطعًا على المنصوصِ. وشذَّ البغويُّ ومنْ تبَعُه بحكايةِ قولٍ: أنَّه يرجعُ عليهَا بنصفِ مهرِ المثل؛ لأنَّهُ غريبٌ خارجٌ عن قاعدةِ المذهبِ، وذلك أنَّ المستحقَ للزوجِ عند الفراقِ وقبلَ الدخولِ إنَّما هو بدلُ التالفِ لا بدل البضعِ، والمستحقُّ لبدلِ البُضع إنَّما هو الزوجةُ أو سيدُها وحينئذٍ فالجاري على القواعدِ القطع بأنهُ يرجعُ عليها بنصفِ الأرشِ كما تقدَّم، واللَّهُ أعلمُ. * * *

стр. 1435

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الديات (١) هي جمعُ ديةٍ، وأصلُها وَدْيةٌ، فالهاء عوضٌ من الواوِ، وهي مشتقةٌ من الودي، وهو دفعُ الديةِ كالزِّنةِ من الوزنِ، يقول: وديتُ القتيلَ ودْيًا وديةً، أعطيتُ دِيَتَهُ، واتديتُ إذا أخذتُ ديتَهُ. والديةُ مصدرٌ واسمٌ للمالِ المأخوذِ عن النفسِ الحرةِ المقتولةِ، وأطرافِها المجنيِّ عليها، هذَا هوَ المدلولُ اللغويُّ. وهي في الشرعِ كذلكَ مع اعتدادِ أَنْ يكونَ تلكَ النفسُ وأطرافُها مضمونةً

стр. 1436

على الجاني، واختُصَّ ما يجبُ في الجنينِ باسم الغرَّةِ وما يجبُ في العبدِ وأطرافِهِ بالقيمةِ. والأصلُ فيها من الكتابِ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ الآية. ومن السُّنَّةِ ما رواهُ النسائيُّ والحاكمُ وابنُ حبَّانَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه كتبَ لعمرِو بنِ حزمٍ كتابًا إلى أهلِ اليمنِ فيهِ ذكر الفرائضِ والدياتِ (١). والإجماعُ منعقدٌ على تعلُّق الديةِ بالقتلِ، يجبُ في قتلِ الحرِّ المستقرّ حريتُهُ، المسلم بنفسِهِ أو بالتبعيةِ، الذكرُ المضمونُ مائةٌ من الإبل مثلثةٌ في العمدِ، إذا لم يكنْ في قاتلِهِ رقٌّ، فإنْ كانَ رقيقا أو مبغَضًا لم يكنْ في قتلِ الحرِّ المسلمِ حينئذٍ مائةٌ من الإبلِ، بل الواجبُ إذا قتلهُ رقيقٌ لغيرهِ أقل الأمرينِ من قيمةِ الرقيقِ، والديةُ على أظهرِ القولينِ وكذا مكاتبُ غيرِه ومكاتبُ نفسهِ فإذا كانت القيمةُ أقلُّ من الديةِ لم تجبِ الديةُ. وأمَّا المبعضُ المملوكُ باقِيهِ لغير القتيل وأنه يجب على المبعض لجهة الحرية القدر الَّذي يناسب الحريةُ من نصفٍ أو ثلثٍ، وأما القدرُ الرقيقُ فيتعلقُ بهِ بقدرِةِ أقلُ الأمرينِ من الحصةِ من الديةِ، والحصة من القيمةِ، فإذا كانت الحصةُ من القيمةِ أقلَّ فَهوَ الواجبُ، وأما إذا كانَ القاتلُ عبدَ القتيلِ، فلا يجبُ عليه شيءٌ منَ المالِ، ولا يتعلقُ بهِ، ولو كان مرهونًا على الأظهرِ.

стр. 1437

ولو أنَّ إنسانًا أعتقَ في مرضِ موتِهِ عبدًا، ثمَّ إنَّ المريضَ قتلَ العتيقَ ثم ماتَ المريضُ، ولو أوجبنا دية القتيلِ فَخَرج عنْ أن يُعتقَ شيءٌ منه، فههنا لا تجبُ الديةُ للدَّوْرِ، فيخرجُ بذلكَ من أن يكونَ مضمونًا على المريضِ في هذهِ الحالةِ. وكلُّ من لم يكنْ مضمونًا على قاتلِهِ لا ضمانَ عليهِ، كالباغي إذا قتلَ العادلَ فِيِ حالِ القتالِ كالذي له شوكةٌ بلا تأويل، والمُرتدون الذينَ لهم شوكة كا لك على ما رَجَّحَهُ بعضهم خِلافًا للبغويِّ. وقولُنا "المستقرُّ حريُتُه": أخرجنا به من حُكِمَ بحريتِهِ ظاهرًا كالعتيقٍ في مرضِ الموتِ، فإنه محكوم بحريته الآنَ ظاهرًا. وإذا قتلَهُ قاتلٌ بعدَ موتِ السيدِ، ثم لم يحصلْ عتقُ شيءٍ منه لوجودِ الدَّيْنِ وعدمِ الإجازةِ من أصحابِ الديونِ، أو لم يحصُلْ عتقَ كله لعدمِ إجازةِ الوارثِ في الزائدِ على الثلثِ ونحو ذلك، أو قتل قبلَ موتِ السيدِ، وفرَّعنا على أن العتيق في المرضِ إذا لم يملك غيره إذا مات قبل موتِ المعتِقِ يكونُ رقيقًا أو مبعضًا، فلا تجبُ الديةُ في هذه الأحوالِ. فإن قلنا: "يموت حرًّا كلُّهُ" تكمَّلتْ فيه الديةُ. واللقيطُ محكومٌ بحريتهِ بمقتضَى الظاهرِ، فإذا قتلَهُ قاتلٌ وآل الحالُ إلى المالِ وجبت عليه الديةُ الكاملةُ على المذهبِ. وقولنا: "الذَّكرُ": يخرجُ به الأنثى والخنثى، وسيأتي ذكرُهما. وقولنا: "المضمون": أخرجنا غيرَ المضمونِ، وقد سبقَ. وقولنا: "مثلثة في العمد": أردنا به حيثُ لم يجبِ القصاصُ ووجبَ

стр. 1438

المالُ، أو سقطَ ووجبَ المالُ، ولا يختصُّ التثليثُ بالنفسِ بل الأطراف يأتي فيها عندَ العمدِ المحض. . . (١) القصاص التثليثُ نصَّ عليه الشافعيُّ في "الأم"، و"مختصر المزني"، واتفق عليه الأصحاب. والتثليثُ ثلاثون حقةً وثلاثون جذعةً وأربعون خَلِفةً، يعني حاملًا، هذا في العمدِ، فأمَّا في الخطأ فتكونُ مخمسةً على العاقلةِ، عشرونَ بنتُ مخاضٍ، وعشرون ابنَ مخاضٍ، كما هو المختارُ على أصلِ الشافعيِّ في ذلك أن التخميسَ ببني المخاض موضعُ بني اللَّبُون، ثم بعدها عشرون بنت لبون، وعشرون حقةً، وعشرون جذعةً، إلَّا أن يقعَ القتلُ الخطأ في حرمِ مكةَ، سواء أكانا فيه أو كانَ أحدُهُما فيه والآخرُ خارجُهُ، كجزاءِ الصيدِ، فتثليثُ الديةِ على العاقلةِ، ويلتحقُ بذلك ما إذا جرحَهُ والمجروحُ في الحرم، فخرجَ المجروحُ إلى الحلِّ وماتَ، وكذلك تثليثُ الديةِ على العاقلةِ إذَا وقعَ القتلُ الخطأُ في الأشهرِ الحرمِ، وهي: ذو القعدةِ وذو الحجةِ ومحرمُ ورجب، أو قتلَ خطأً ذا رحمٍ. وإن لم يكنْ مُحْرِمًا كما نصَّ عليهِ الشافعيُّ في "الأمِّ" (٢) حيثُ قالَ: (وَتَغْلِيظُ الدِّيَةِ في الْعَمْدِ وَالْعَمْدِ الْخَطَأِ وَالْقَتْلِ في الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْبَلَدِ الْحَرَامِ وَقَتْلِ ذِي الرَّحِمِ كَمَا تَقَدَّمَ في الْعَمْدِ غَيْرِ الْخَطَأِ لَا تَخْتَلِفُ). انتهى. وهذا هو المعتمدُ خلافًا لما في "المنهاج" تبعًا للمحرر.

стр. 1439

وإذا وجبتْ على العاقلةِ ديةُ الخطأِ مخمسةً (١) أو مثلثةً كما تقدَّم فتجبُ عليهم مؤجلةً. وإذا كانَ القتلُ عمدًا فالواجبُ الديةُ المثلثةُ، وتكونُ على الجاني معجَّلةً، وفِي شبهِ العمدِ تجبُ الديةُ المثلثةُ لكن على عاقلةِ الجاني مؤجَّلة. ولا يؤخذُ في الديةِ مريضٌ ولا معيبٌ إلَّا أن يرضى المستحقُّ ويرجعُ في الخلفاتِ إلى قولِ أهلِ الخبرةِ، إنْ أنكرَ المستحقُّ، وأصحُّ القولينِ أن التي حملتْ قبلَ خمسِ سنين تجزئُ. ومن لزمتهُ الديةُ من العاقلةِ أو الجاني إنْ لم يملكْ إبلًا لزمهُ تحصيلها من غالبِ إبل، البلدةِ أو القبيلةِ إن كانَ من أهلِ الباديةِ. وإن لم يكن في البلدةِ أو القبيلة إبلٌ اعتبرَ إبلُ أقربِ البلادِ إلى بلد القاتلِ، إذا قرُبتِ، المسافةُ، ولم تعظُمْ مؤنْةُ النقل، فإنْ بعدتْ وعظمتِ المؤنةُ والمشقةُ لم يلزمْهُ، وسقطتِ المطالبةُ بالإبلِ، فذاكَ وإلَّا فالمنصوصُ وهوَ الذِي أورده أكثرُ الأصحابِ أنَّ الديةَ تؤخذُ من الصنفِ الذِي يملكُهُ المستحقُّ عليه. وإذا تعيَّنَ نوعٌ فلا يعدل إلى غيره إلَّا بالتراضي، نظرًا إلى أن هذا استيفاء بصفةٍ زائدةٍ لا معاوضةَ. وإذا لم توجدِ الإبلُ هناك نَقَل الأصحاب عن القديمِ: أنَّ الرجوعَ إلى ألفِ دينارٍ أو اثني عشرَ ألفَ درهمٍ، والذِي نقلهُ المزنيُّ عنِ القديمِ ليسَ فيهِ التصريحُ بذلكَ، وأنَّ كلامَهُ يشعرُ به لذكره صورةَ الإعوازِ أولًا، وساقَ فيها

стр. 1440

الجديدَ، ثم ذكرَ القديمَ. قالَ شيخُنا: وقد وقعَ في خاطرِي من كلامِ المزني ما يقتضي أن القديمَ يوجبُ ما ذُكرَ منْ غيرِ نظرٍ إلى إعوازٍ ونحوِهِ، فإنَّ المزنِيُّ قال: (وَقَوْلُهُ الْقَدِيمُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَرُجُوعُهُ عَنْ الْقَدِيمِ رَغْبَةٌ عَنْهُ إلَى الْجَدِيدِ وَهُوَ أَشْبَهُ بِالسُّنَّةِ) (١)، فكانَ نقلُ المزنيِّ يقتضي أن القديمَ مقتضاهُ التيسرُ، فعلى أهلِ الذهبِ ذهبٌ، وعلى أهلِ الورقِ ورقٌ من غيرِ اعتبارِ العجزِ عن الإبلِ. انتهى. والجديدُ أنَّه يرجَعُ إلى قيمةِ الإبلِ بالغةً ما بلغت، وتقوَّمُ بغالبِ نقدِ بلد العدم، إما العدمُ الحسيِّ، أو وجدَها تُباعُ بأكثرَ من ثمن المثلِ في بلدِهِ أو في بلدٍ قريبٍ من البلد أو في أقربِ البلادِ إلى بلدِه، ففِي هذه الصورِ يعدلُ (٢) إلى القيمةِ، أمَّا إذا وجدَ النوعَ الغالبَ في البلدِ يباعُ في بلدٍ قريبٍ من البلدِ بثمنِ المثلِ فإنَّه تجبُ عليهِ الإبلُ من النوعِ الغالبِ في البلدِ حينئذٍ، ولا يعدلُ إلى القيمةِ. وإذا وجدَ بعض الإبلِ الواجبة أخذ الموجودَ وقيمةَ الباقي. وديةُ المرأةِ على النصفِ من ديةِ الرَّجلِ (٣)، وكذا ديةُ أطرافِها وجراحاتها على النصفِ من ديةِ أطرافِ الرجلِ وجراحاته. والخنثى المشكلُ كالمرأةِ. وديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ الثابت له ذلكَ بطريقِهِ ثلثُ ديةِ المسلمِ، وهي
следующие страницы →