← Фикх шафии

Фикх шафии · id 19230

التدريب في الفقه الشافعي

سراج الدين البلقيني

Полный текст (1 801 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب الحدود قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ الآيةَ، وصحَّ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "كلُّ شرابٍ أسكرَ كثيرُهُ فقليلُهُ حرامٌ" (١). عصير العنبِ الذي اشتدَّ وأسكرَ وقذفَ حرامٌ بالإجماعِ، ويفسَّقُ شاربُهُ المكلَّفُ المسلمُ المختارُ العارفُ بحالِهِ، ويلزمه الحدُّ، ويكفرُ مستحلُّه، وألحقَ بهِ البغويُّ عصيرَ الرطبِ النيئ، واختارَ الرُّويانِيُّ أنَّهُ كسائرِ الأشربةِ المسكر كثيرُها، وهي كلُّها عندنا محرَّمةٌ، يجبُ بها الحدُّ، لكنْ لا يكفرُ مستحلُّ ما فيهِ الخلافُ.

стр. 1542

ولا حدَّ على صبيٍّ ومجنونٍ وذميٍّ يشربُ خمرَ ولا غيرُه مما ذكرَ، ولا علَى مَن غُصَّ بلقمةٍ وتغيبت أساغها بما ذكر، بل تجبُ الإساغةُ لحفظِ الرُّوحِ، ويحرمُ التَّداوِي بِهَا وشربِها للعطشِ والجوع على ما صحَّحوهُ، ويحدُّ، والأرجحُ أنَّه إنْ كَانَ يدفعُ جوعًا ومعهُ فيها سائغٌ فلا يجوزُ ويحدُّ. أو عطشًا كذلكَ جازَ بلا حدٍّ كالإساغَةِ، ولا مَن أوجر سكرها، وكذا مَن أكرِهَ حتَّى شربَهُ على الأصحِّ. ولا حدَّ على مَن جهِلَ أنَّهَا خمرٌ، أو جهلَ التحريمِ لقرْبِ عهدِهِ بالإسلامِ، فإن علِمَ التحريمَ وجهلَ الحدَّ حُدَّ. ويحدُّ الحنفيُّ بشربِ النبيذِ الذي يعتقدُ إباحتَهُ ولا يفسَّقُ، ويحدُّ بشربِ الدردي والتخبُّز منهُ إذا أكلَهُ بخبزٍ، أو ثردَ فيهِ وأكلَ الثريدَ، أو طبخَ بهِ وأكلَ المَرَقَ لا باللحمِ المطبوخِ بِهِ، ولا بأكلٍ خبزٍ معجونٍ بِه على الأصحِّ، ولا بما استهلَكَ فيه الخمرَ، ولا يحدُّ بحقنَةٍ ولا سعوط، كما جزمَ بهِ ابنُ الصباغِ، وحكى غيرُهُ فيه وجهين وصححَ المتأخرونَ أنَّهُ لا يحدُّ. قال شيخُنا: والأرجحُ عندِي أنَّهُ يحدُّ إذا كانَ يحصلُ منهُ سكرُ بوجهٍ ما، كما في الشربِ، وكذلك لو جعلَ يسكر بوصولِهِ إلى جائفةٍ ومأمومةٍ، ولم يذكروه. وما يزيل العقلَ من غيرِ الأشربةِ المذكورَةِ يحرمُ تناوُلُه، ولا حدَّ فيهِ، وكذلكَ الحشيشةُ التي يحصُلُ منهَا التخدُّرُ. والحدُّ في هذا البابِ حتمًا على مَن تكملتْ فيهِ الحريَّةُ أربعون، وعلى مَن فيهِ رقٌّ عشرونَ بالسوطِ أو الأيدِي أو النعال أو أطرافِ الثِّيابِ. وفي وجهٍ أنَّه يتعيَّنُ ما عدا السوطِ من الأيدِي والنِّعال وأطرافِ الثِّيابِ، وفي وجهِ آخر أنَّه يتعينُ السوطُ، وهو أضعفُ منَ الأوَّل.

стр. 1543

ولو رأَى الإمامُ بلوغَه للحرِّ ثمانينَ جازَ علَى المنصوصِ، ولا يزيدُ على الثمانينَ بلا خلافٍ، والزيادةُ على الأربعينَ إلى الثمانينَ بغيرِ السوطِ تعزيراتٍ، وأمَّا الأربعونَ بالسوطِ فليستْ حدًّا، وأنَّه إذا ماتَ منها ضمنهُ الإمامُ علَى مقتضَى نصِّ الشافعيِّ ﵁: ولفظه: (وإذا ضربَهُ -يعني السلطانُ- في خمرٍ أو سكرٍ من شرابٍ بنعلينِ أو طرفِ ثوبٍ أو يدٍ ما أشبههُ ضربًا يحيطُ العلمُ أنَّهُ لا يبلغُ أربعينَ أو يبلغُها ولا يجاوزها فماتَ من ذلكَ فالحقُّ قتله، وما قلت: الحق قتله، فلا عقلَ فيهِ ولا قودَ ولا كفَّارَةَ على الإمامِ، ولا علَى الذي يلي ذلكَ من المضروبِ. ولو ضربَهُ بما وصفتُ أربعينَ أو نحوَهُ لم يؤد عليِه شيئًا فكذلكَ، ثم قال: فإنْ ضرَبَهُ أربعينَ أو أقلَّ منهَا بسوطٍ، أو ضربَهُ أكثرَ من أربعينَ بالنِّعالِ أو غيرِ ذلكَ فماتَ فديتُهُ على عاقلةِ الإمامِ، وفي وجهٍ أنَّها حدٌّ، وصاحبُ هذا الوجهِ وهو أبو إسحاق المروزي يقول: إنَّه لا يتحتَّمُ، وإنَّه يتعلَّقُ بالاجتهادِ وما كانَ كذلكَ كانَ مضمونًا على الإمامِ إذا حصلَ التلفُ به اتِّفاقًا. ويكفي في إقرارِ الشَّاربِ أَنْ يقولَ: شربتُ خمرًا، أو يقولُ: شربَ رجلٌ خمرًا، وهو أنَا. وأمَّا الشاهدُ فيقولُ: أشهدُ أنَّ هذا، أو: أنَّ فلانَ ابقَ فلانٍ -وينسبه بما يعرفُ به- شربَ الخمرِ المحرَّمةِ عليهِ من غيرِ أن يسيغَ بهَا ما غصَّ بهِ. ويقولُ في شربِ الشاربِ النبيذَ: أشهدُ أنَّهُ شربَ النبيذَ الذي يسكرُ كثيرُهُ. ولا يشترطُ أَنْ يقولَ: "وهو عالمٌ أنَّه مختار" على المنصوصِ، وفي وجهٍ يشترطُ. ولا يحدُّ في حالِ سكرِهِ، فلو حدَّ في تلكَ الحالةِ أجزأ على أصحِّ الوجهينِ، ويكونُ السوطُ المجلود بِهِ بينَ الرطبِ واليابس، ويفرِّقُهُ على الأعضاءِ إلَّا

стр. 1544

المَقَاتِلَ، والوجه والرأس على المنصوصِ في البويطي، ولا نصَّ له يخالفة، فهو المعتمدُ خلافًا لما في "المنهاج" (١) تبعًا لأصلِه، من جعلِ استثناءِ الرأسِ وجهًا ضعيفًا، ولا تُشدُّ يدُ المجلود ولا يجرَّدُ عن ثيابِهِ، ويوالي الضربَ بحيثُ يحصلُ الزجرُ والتنكيلُ. * * * فصل يعزرُ في كلِّ معصيةٍ لا حدَّ فيها (٢) من لم يكنْ أصلًا في حقِّ فرعِهِ ولا ذا هيئةٍ في عترتِهِ ولا مخاصمًا لخصمِه في حالِ المخاصمةِ أنَّه ظالمٌ أو فاجرٌ، ويحتملُ ذلكَ منهُ ولا من ارتدَّ أوَّلَ مرَّةٍ ثم أسلمَ، ولا من وطئَ زوجتَهُ في دبرها أوَّلَ مرَّةٍ على النصِّ. ويعزَّرُ الصبيُّ والمجنونُ، وإن لم يكنْ فعلهما معصيةً على النصِّ، وقد يقعُ ما صورتُهُ صورةَ التعزيرِ، وإن لم توجَدِ المعصيةُ فحبسُ الحاكمِ من ثبتَ عليه الدينُ ولم يظهر منهُ تقصيرٌ، ولم يثبتْ ملاؤُهُ ولا مماطلته، وادَّعى الإعسارَ، ولم يثبتْ ما ادَّعاهُ نوعٌ فيه نظر، لأنَّ الحبسَ الذي تعلَّقَ ممنْ ظهرتْ ملاؤُهُ ومماطلتُه لهُ وجهٌ باعتبارِ معصيتهِ، وهذا متعذِّرٌ هنا، ولا وجهَ له إلَّا بأنْ يدعي أن هذا طريق في الظاهرِ بينَ الناس إلى خلاصِ الحقوقِ، فيفعلُ ذلك عملًا بأنَّ الظاهرَ الملاءَةُ؛ لأنَّ ثبوتَ الدينِ يقضيه المعاملة ونحوها يدلُّ على الملاءَةِ.

стр. 1545

ومما يقعُ في صورة التعزير ولا معصيةَ وذكر في "المنهاج" (١) تبعًا للمحرر بعد نفي الحدِّ نفي الكفارة فقالَ: يُعزرُ في كلِّ معصيةٍ لا حدَّ فيها ولا كفَّارة، ولم يذكر "ولا كفارة" جمع من الأصحابِ في الطريقينِ. ويستثنى من إطلاقِهِ "وإلَّا كفارةَ" مسائل يشرعُ فيها التعزيرُ والكفارةُ. فمنها إذا جامعَ زوجَتَهُ أو أمتَهُ في نهارِ رمضانَ الجماعَ الموجبَ للكفَّارَةِ، فإنَّه يجبُ عليه التعزيرُ على ما جزَمَ بِهِ صاحبُ التعجيز وادَّعى البغويُّ في "شرحِ السُّنَّةِ" إجماعَ الأمَّةِ عليه، ونازعَهُ شيخُنا في ذلك، وقال: إن الصحيحَ من الأوجُهِ أنَّهُ لا يعزَّرُ، وجزمَ ابنُ الرِّفعةِ بهذا، وهو المعتمدُ، وقالَ: ووهِمَ مَن جعلَهُ وجهًا. انتهَى. ومنها: إذا قتلَ منْ لا يقادُ بِهِ، فإنَّه يُعزَّرُ، معَ أنَّ الكفَّارَةَ واجبة. ومنها: اليمينُ الغموسُ، فإنَّ فيهَا الكفَّارَةَ والتعزيرَ، كما جَزَمَ بِهِ صاحبُ "المهذَّب" خلافًا لمنْ منع استثناءَها مِن ذلك. ويستثنى من قولِنا: "لا حدَّ فيهَا" ما لو جلدَ للزِّنا بشهادةٍ، ولم يؤثِّرْ فيهِ الجلدُ، ثمَّ رجعَ الشاهدُ فكذَّبَ نفسَهُ. ففي الكفاية عن الكافي أنَّهُ يحدُّ للقذفِ، ويعزَّرُ لاعترافِهِ بشهادةِ الزُّورِ. ومما يرد على العبارتينِ جميعًا ما إذا رأَى مَن زنَى بزوجتِهِ والزَّانِي محصنٌ فقتلَهُ، فلا تعزيرَ عليهِ، وإنِ افْتَاتَ على الإمامِ ويُعْذَرُ لأجلِ الحميَّةِ، ويحل لَه قتله فيما بينَهُ وبينَ اللَّهِ تعالى إذا لمْ تكُنْ بيِّنَة، وإنْ كانَ يُقادُ بِهِ في الظاهرِ كما نصَّ عليهِ.

стр. 1546

والتعزيرُ بالحبسِ أوِ الضربِ أو الصفعِ أو التوبيخِ، أو النَّفي (١)، وللإمامِ أَنْ يجمَعَ بين الحبسِ والضربِ والاقتصارِ على أحدِهِما، وعليهِ أَنْ يرَاعِي الترتيبَ والتدريجَ كمَا يراعيهِ دافعُ الصائل، فلا يرقَى إلى مرتبةٍ وهو يَرَى ما دونَهَا مؤثرًا كافيًا، ويجتهدُ في تركِهِ، فإنْ رأَى المصلحَةَ في العفوِ فلَهُ ذلكَ. ويجتهدُ في جنسِهِ بينَ الحبسِ أو الضربِ جلدًا أو صفعًا أو غيرَ ذلكَ منَ التَعازيرِ، وإذا رأَى التعزيرَ بالحبسِ فقالَ الزبيريُّ يتقدر بشهرٍ للاستبراء، أو للكشفِ، وستة أشهرٍ للتأدُّبِ والتقويمِ، والذي نصَّ عليه الشافعي -وهو المشهورُ- أنَّه لا يبلغُ بحبسِهِ سنةً. فإنْ جلَدَ وجبَ أن ينقصَ في عبدٍ عن عشرينَ، وحرٍّ حريةً مستقِرَّةً عن أربعينَ على ظاهرِ النَّصِّ، وفي وجهٍ عن عشرينَ، ويستوي في هذا جميعُ المعاصي على الأصحِّ. وإذا عفى مستحقُّ حدٍّ فلا تعزيرَ للإمامِ في الأصحِّ، أو عفَى مستحقُّ تعزيرٍ فللإمامِ التعزيرُ حينئذٍ على الأصحِّ. * * *

стр. 1547

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [كتابُ الصيال وضمان الولاة] (١) الصِّيالُ والمصاولةُ: المواثبة. والصائلُ: الظالمُ. واستؤنس للصيالِ بقولِهِ تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآيةَ. واحتج الشافعي ﵁: والأصحابُ بالحديثِ الصَّحيحِ: "مَن قُتِلَ دونَ مالِهِ فهو شهيدٌ" (٢) قالوا: والشهيدُ مَن كانَ لَهُ الصِّيالُ. وصحَّ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ

стр. 1548

قالَ: "انصُر أخَاكَ ظالمًا أو مظلومًا" (١) الحديثَ. مَن قصدَ التعرُّض لنفس شخصٍ معصومٍ أو عضو من أعضائِهِ أو لمالِ المعصومِ أو بضعٍ فهدرٌ إذا دُفِعَ وأتى الهلاكُ على نفسِهِ، وسواء كانَ ذلكَ القاصدُ كافرًا أو مسلمًا قريبًا أو أجنبيًّا حرًّا أو عبدًا (٢). وزوالُ العصمةِ قد يكونُ مطلقًا، وقد يكونُ مقيدًا، فالحربيُّ الذي ليسَ لَهُ ما يقتضي تأمينَه لا عصمَة له مطلقًا، فليسَ لَهُ دفعُ مسلمٍ ولا ذميٍّ ولا مرتدٍّ إذا صالوا عليهِ. والمرتدُّ معصومٌ على مرتدٍّ مثلهُ، فيدفعُ المرتدَّ إذا صالَ عليه، والزاني المحصن إذا صالَ عليهِ مَن لا يقتلُ بِهِ فليسَ لهُ دفعُه بالقتلِ، وكذلك تاركُ الصلاةِ ومَن تحتمُ قتلُهُ في قطعِ الطريقِ، ومن عليهِ قصاصٌ لا يدفع مستحقه بالقتلِ إذا صالَ عليهِ. وأمَّا الصائلُ على الطرفِ من مسلمٍ أو ذمِّيٍّ أو مرتدٍّ فإنَّه ليسَ للمصولِ عليهِ الحربي دفعُهُ؛ لأنَّ نفسَهُ مهدرةٌ، وأطرافَهُ غيرُ معصومةٍ، وإذا صالَ على طرفِ المرتدِّ مسلمٌ أو ذميٌّ فله الدفع عن طرفه على أرجح الاحتمالاتِ؛ لأنَّ الحقَّ لهُ في ذلكَ بخلافِ النفسِ، وكذلك ممن يسوغُ قتلُه دون قطع طرفه، وإذا صال على مال الحربي مسلمٌ أو ذميٌّ فليسَ له الدفعُ، فإن صالَ عليهِ مرتدٌّ احتملَ أنَّ لَهُ دفعُهُ؛ لأنَّ المرتدَّ لا يملكُ في حالِ الردَّةِ، واحتملَ أَنْ لا يدفعَهُ -وهو الأقربُ- لأنَّ الخمسَ ينتقلُ باستسلامِهِ لأهلِ الخُمسِ قطعًا، وأمَّا الأخماسُ

стр. 1549

الأربعةُ فأعطي المِلْكُ فيها لأهلِ الفيءِ على المعتمدِ. وأمَّا مالُ المرتدِّ إذا صالَ عليهِ مسلمٌ أو ذميٌّ أو مرتدٌّ فللمرتدِّ دفعُه لبقاء علقته فيه، وأما غير المرتدِّ ممن يسوغُ قتلُهُ فإنَّه لا يزولُ ملكُهُ فله الدفعُ (١). ولو كانَ المالُ عبدًا مرتدًّا أو تحتَّمَ قتله بما صدَرَ منهُ من القتلِ في قطعِ الطَّريقِ أو تركِ صلاةٍ أو زنًا وهو محصنٌ، ثم طرأ عليهِ الرِّقُّ لنقضهِ العهدَ والتحاقِهِ بدارِ الحربِ فلسيِّدِهِ دفعُ الصائلِ عنْهُ إبقاءً لمالِهِ على الأقيسِ؛ لأنَّه يجوزُ لَهُ بيعُهُ، ولا يجبُ الدفعُ عنْ مالٍ إلَّا إذَا كانَ المالُ حيوانًا معصومًا، وأرادَ الصائلُ إتلافَهُ، فإنَّهُ يجبُ عليه دَفْعُه. ولو رأَى أجنبيٌّ إنسانًا يتلفُ حيوانَ نفسِهِ إتلافًا محرَّمًا فإنَّهُ يجبُ على الأجنبيِّ أَنْ يدفعَهُ عنهُ على الأصحِّ. ويجبُ الدفعُ عن البضعِ إذَا لم يخفْ علَى نفسِهِ، ويجبُ عنِ النفسِ إذا قصدَهَا كافرٌ أو بهيمةٌ، وكانَ المصولُ عليهِ مسلمًا، فإنْ كانَ كافرًا فلا يجبُ عليهِ الدفعُ إذا قصدَهُ كافرٌ، لكنْ يجوزُ. ولا يجبُ الدفعُ إذا قصَدَهُ مسلمٌ، لكن يجوزُ إلَّا أن يكونَ المسلمُ الصائلُ غيرَ محقونِ الدَّمِ وقد صالَ على محقونِ الدَّمِ فيجبُ على المسلمِ الدفعُ عن نفسِهِ المحقونةِ قطعًا، وكذلكَ إذا قصَدَ المسلمَ المعصومَ مسلمٌ غيرُ مكلَّفٍ فإنَّهُ يجبُ الدفعُ حينئذٍ على أصحِّ الطريقينِ، وإنْ أمكَنَ المصولُ عليهِ دفعَ الصائلِ المسلمِ بغيرِ القتلِ وجَبَ حينئذٍ. وحكمُ الدفعِ عنْ غيرِهِ كحكمِ الدفعِ عنْ نفسِهِ فيما تقدَّمَ، وقيلَ يجبُ قطعًا، وقيلَ لا يجبُ قطعًا.

стр. 1550

ولو سقطَتْ جرَّةٌ ولم تندفعْ عنْهُ إلَّا بكسرِهِا وكانتْ على روشنٍ أو لم تكن على روشنٍ، ولكن وضعها واضعُها مائلةً أو على وجهٍ يغلبُ على الظنِّ سقوطُها، فلا ضمانَ على كاسرها حينئذٍ قطعًا، وإنْ لمْ تكنْ كذلَك فلا ضمانَ على كاسرِها على الأصحِّ عندَ شيخِنَا خلافًا لما صحَّحهُ في "المنهاجِ" (١) تبعًا لأصلِهِ. ويُدفَعُ الصائلُ المعصومُ بالأخفِّ، فإنْ كانَ غيرَ معصومٍ فلا يجبُ على الدافعِ مراعاةُ الأخفِّ، وله العدولُ إلى القتلِ، وإذا أمكَنَ دفعُ المعصومِ بكلامٍ واستغاثَةٍ فيحرمُ الضربُ، أو يضربُ بيدٍ حَرُمَ سوط، أو بسوطٍ حَرُمَ عصا، أو بقطع عضوٍ حرُمَ قتلٌ، فإن أمكنَ هربٌ فالأظهرُ وجوبُهُ. وتحريم القتال إن لم يكنِ الصائلُ حربيًّا، ولا مرتدًّا، فإن كانَ كذلكَ لم يجبِ الهربُ، بلْ يجوزُ في الحالةِ التي يحرمُ فيها الفرارُ، كما سيأتِي في الجِهَادِ إن شاء اللَّهُ تعالى. ولو عضَّ يدَهُ خلَّصَهَا بالأسهلِ من فكِّ لحييهِ، وضرب شدقيهِ، وكذا بعج بطنه وعصر خصْيةٍ على الصحيحِ، فإن عجَزَ فسلها فندرت أسنانُه فهدر إن كانَ المعضوضُ معصومًا، فإن لم يكنْ معصومًا فليسَ لَهُ أَنْ يفعلَ بالعاضِّ ما يؤدي إلى أن تندر أسنانُهُ فإن فعلَ ذلكَ ضمنَ أسنانَهُ. قال شيخُنا: وهذا لا توقف عندي فيه، وإن وقفَ مَن وقفَ فيه. انتهى. ومن نظرَ إلى حُرمةٍ في دارِهِ مِن كوةٍ أو ثقبٍ غير واسعين فرماهُ بخفيفٍ كحصاةٍ فأعماهُ أو أصابَ قربَ عينيهِ فجرحَهُ فماتَ فهدرٌ، بشرطِ عدمِ محرم وزوجةٍ للناظرِ، وكذا لو كانَ المنظورُ إليهَا أمةً يقصد ابتياعَها، ولم ينظرْ إليهَا

стр. 1551

النظرَ الممتنع، وهو ما بينَ السُّرَّةِ والرُّكبةِ، فلا يجوزُ رميُهُ، والأظهَرُ أنَّهُ لا فرقَ بين أن تكونَ الحُرَمُ في الدَّارِ متستراتٍ أو متكشفاتٍ، وأنَّهُ لا يجبُ تقديمُ الإنذارِ على الرَّمي. ولو عزر وليٌّ ووالٍ وزوجٌ ومعلمٌ فمضمونٌ إذا كانَ التعزيرُ لهُ مدخل في الإهلاكِ ولم يحضرْ مَن عليهِ التعزيرُ إلى الوالِي فيعترفُ بمَا يقتضي التَّعزيرُ، ويطلبُ من الوالي أَنْ يعزِّرَهُ فعزَّرَهُ بطلبِه ولم يعزرِ الزوجُ زوجتَهُ الأمة بإذنِ مالكِها، ولم يعزر المعلمُ العبد أو الأمة بإذن المالك، ولو حدَّ فلا ضمَانَ. ولو ضُرب شاربٌ بنعالٍ وثيابٍ فلا ضمانَ على المنصوصِ، فإنْ ضرَبَهُ أربعينَ سوطًا ضمنَ على النصِّ خلافًا لما في "المنهاج" (١) تبعًا لأصلِهِ أو أكثرُ فالأصحُّ بمقتضَى النصِّ إيجابُ نصفِ الدية خلافًا لما في "المنهاجِ" (٢) تبعًا لأصلِهِ. وإذا جلدَ في القذفِ إحدى وثمانينَ فماتَ منها ففيهِ قولانِ: أحدُهما: نصفُ دِيَةٍ، والآخرُ: جزءٌ منْ واحدٍ وثمانينَ. هذا إذا ضربه الزائدَ مع بقاء ألمِ ضربِ الحدِّ الكاملِ، فإن ضربَهُ الحدَّ كاملًا وزال ألمُ الضربِ، ثم ضربَهُ الزائدَ فإنَّه يضمنُ ديتَهُ كلها بلا خلافَ. وللمستقل بنفسِهِ، وهو المكلَّفُ الحرُّ أو الرَّقيق الذي يكونُ كسبُهُ له قطع سَلْعَة غير مخوفة، فإن كانتْ مخوفةَ القطعِ ولا خطَرَ في التركِ، أو كانَ في كلٍّ مَنَ التركِ والقطعِ خطرٌ، لكن الخطرَ في القطعِ أكثرُ، واستوَى الأمرانِ، فليسَ لَهُ القطعُ في ذلك، خلافًا لمَا صحَّحهُ في "الروضةِ" (٣) تبعًا لأصلِها من الجوازِ

стр. 1552

في الاستواءِ، ثم محل الجوازِ فيما تقدَّم ما إذَا لمْ يَكُنِ الخوفُ في التركِ أكثر، فإن كانَ أكثر وقالَ الأطباءُ: إن لم تقطعْ حصلَ أمرٌ يفضي إلى الهلاكِ، فإنَّه يجبُ حنيئذٍ، كما يجبُ دفعُ المهلكاتِ، ويتحمل الاستحبابُ. وللأب والجد قطع السَّلعةِ من غيرِ مكلَّفٍ مع الخطرِ إن زادَ خطرُ التركُ وليس للسلطانِ ذلك، ولهما وللسلطانِ قطعها بلا خطرٍ، وفصد وحِجَامة، فلو مَاتَ بجائزٍ مِن هذا، فلا ضمانَ علَى الصَّحيحِ، وإذا فعلَ السلطانُ بصبيٍّ ما يقعُ منهُ من ذلكَ فعليهِ ديةٌ مغلَّظَةٌ مالِهِ حيثُ لمْ يكُنِ الخوفُ في القطعِ أكثرَ من التركِ، فإن كانَ أكثرَ فعليهِ القصاصُ قطعًا. ولو فعلَ الأبُ والجدُّ ما مُنع منهُ فتجبُ الديةُ في مالِهِ على الأصحِّ، وقيلَ لا يجبُ عليه، وقيلَ على عاقلتِهِ، والضمانُ الواجبُ بخطأ الإمام في حدٍّ أو حكمٍ على عاقلتِهِ على المنصوصِ. ولو حدَّهُ ببينةٍ، فبانَ فيها أو في بعضِهَا مانعٌ من قبولِ الشهادَةِ، فإنْ قصَّرَ في الاختبارِ، فالضمانُ عليهِ إذا تعمَّدَ، فإنْ لم يتعمَّدْ تعلَّقَ بالعاقلةِ لا يثبت المال، وإن لم يقصِّر، فمذهبُ الشافعيِّ المقطوع به أنَّ ذلكَ على عاقلتِهِ، فإنْ ضمنا عاقلة أو بيت مالٍ فلا رجوع على مَنْ بِه مانع كالذميين والعبدين والمراهقين على الصحيح. ومن حجمَ أو فصدَ بإذنِ مَن لَهُ ذلكَ لم يضمنْ، وقتلُ الجلادِ وضربُهُ بأمرِ الإمامِ كمباشرةِ الإمامِ إنْ جَهلَ ظلمَهُ وخطأَهُ، وإلَّا فالقصاصُ والضمانُ على الجلادِ وحدَهُ، فإن كانَ مُكرهًا فعلى ما سبقَ. ويجبُ ختانُ المرأةِ (١) بجزءٍ من اللحمةِ بأعلى الفرجِ، والرجلُ بقطعِ ما

стр. 1553

يغطِّي حشفتهُ بعدَ التكليفِ، ويندبُ تعجيلهُ في سابعِ ولادتِهِ، فإنْ ضعفَ عَنِ احتمالِه أخِّرَ، ومن ختنهُ في سنٍّ لا يحتمله لزمَهُ قصاصٌ إن كانَ ممن يعقلُ به، وإلَّا فدية، فإن احتملَهُ وختنَهُ وليٌّ فلا ضمانَ على الأصحِّ. وإن ختنَهُ أجنبيٌّ فعليهِ القصاصُ، حيثُ سرَى الجرحُ العمدُ إلى النفسِ. وأجرةٌ الختانِ في مالِ المختونِ. * * * فصل (١) مَن كانَ معَ دابَّةٍ أو دوابٍّ وهو مكلفٌ ملتزمٌ للأحكامِ، ولم يصدر من غيره فعل بغيرِ إذنِهِ أقوى من ركوبِهِ، والدابَّةُ حيَّة، ولم يكن معه في مسكنه ضمنَ إتلافَها كما لو أتلَفَهُ هو، ولو بالَتْ أو راثَتْ بطريقٍ فتلف (٢) [بطريقٍ فتلفتْ به نفسٌ أو مالٌ فلا ضمانَ، ويحترزُ عما لا يعتادُ كركضٍ شديدٍ في وحل، فإن خالف ضمن ما تولد منه، ومَن حمل حطبًا على ظهره أو بَهيمة فحك بناءً فسقط ضمنه، فإن دخل سوقًا فتلف به نفسٌ أو مالٌ ضمن إن كان زحامٌ، فإن لم يكن وتمزق ثوبٌ فلا، إلا ثوب أعمى ومستدبر لبهيمةٍ فيجبُ تنبيهُه، وإنما يضمنه إذا لم يقصر صاحبُ المال، فإن قصَّر بأن وضحه بطريقٍ أو عرضه للدابة فلا، وإن كانت الدابةُ وحدها فأتلفت زرعًا أو غيره نهارًا لم يضمن صاحبُها أو ليلًا ضمن إلا أن لا يفرط في ربطها، أو حضر

стр. 1554

صاحب الزرع وتهاون في دفعها، وكذا إن كان الزرع في محوطٍ له بابٌ تركه مفتوحًا في الأصح، وهرة تتلف طيرًا أو طعامًا إن عهد ذلك منها ضمن مالكها في الأصح ليلًا ونهارًا وإلا فلا في الأصح]. * * *

стр. 1555

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [كتاب الجهاد] [كان الجهادُ في عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ فرضَ كفايةٍ، وقيل: عين، وأما بعدهُ فللكفارِ حالان: أحدُهما: يكونون ببلادِهِم ففرضُ كفايةٍ إذا فعلهُ مَن فيهم كفايةٌ سقط الحرجُ عن الباقين. ومِن فرضِ الكفايةِ: القيامُ بإقامة الحجج وحلِّ المُشكلاتِ في الدِّينِ وبعلومِ الشرعِ كتفسيرٍ وحديثٍ، والفروع بحيثُ يصلحُ للقضاءِ، والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر وإحياءُ الكعبة كلَّ سنة بالزيارة، ودفعُ ضرر المسلمين: ككسوة عارٍ، وإطعامٍ جائعٍ إذا لم يندفعْ بزكاة وبيت مال، وتحملُ الشهادة وأداؤها، والحرفُ، والصنائعُ، وما تتم به المعايشُ، وجوابُ سلام على جماعة، ويسنُّ ابتداؤها لا على قاضي حاجةٍ، وآكلٍ، وفي حمامٍ، ولا جوابَ عليهم. ولا جهادَ على صبيٍّ، ومجنونٍ، وامرأةٍ، ومريضٍ، وذي عرجٍ بيِّن، وأقطع،

стр. 1556

وأشلَّ، وعبدٍ، وعادِمِ أُهبة قِتالٍ. وكلُّ عذرٍ منع وجوبَ الحج منَعَ الجهادَ إلا خوفَ طريقٍ من كفار، وكذا من لصوصِ المسلمين على الصحيح. والدَّيْنُ الحالُّ يحرمُ سفرَ جهادِهِ وغيرِهِ إلا بإذنِ غريمِهِ، والمؤجَّلُ لا، وقيل: يمنع سفرًا مخوفًا. ويحرم جهادُ إلا بإذن أبويه إن كانا مُسلمين، وعبد بلا إذن] (١) سيده بما فيهِ من الرِّقِّ، فإنِ اجتمعُوا على الإذنِ جاهَدَ، وإنْ افترقوا فيه امتنعَ، فإن سافر يعلم فرض عينٍ أو كفايةٍ، والطريق غير مخوفٍ، فلا يحتاج إلى إذنِ أصولِهِ أو أصلِهِ المسلمين فيها، وفيه وجه في فرضِ الكفايةِ أنَّه يحتاج إلى إذنِ الأصلِ المسلمِ، هذا إذا لم يكن نفقة أصولِهِ أو أحدهمْ لازمةً لَهُ، فإنْ كانتُ ولم يستنبْ في الإنفاقِ علَى مَن ذُكِرَ من الأصولِ فإنَّه يجبُ استئذانُهُ حينئذٍ كصاحبِ الدَّينِ، لأنَّ وجوبَ نفقةِ مَن ذكر كالدَّينِ للمنفق عليه، وسواء كان مَن يلزمُهُ نفقتُهُ ممن ذكرَ مسلمًا أو كافر. فإن أذنَ أبواهُ والغريمُ، ثم رجعُوا وجبَ الرجوعُ إنْ لمْ يحضرِ الصَّفَّ ولا خيفَ انكسارٌ على المسلمين، ولا كان خروجُهُ بجُعلٍ مع سلطان، فإن التقى الفريقانِ حرمَ الانصراف على الأصحِّ، فإن خشي انكسارَ المسلمين حرمَ الانصرافُ قطعًا. الحالُ الثاني: أن يدخلوا بلدةً لنَا أو وصلوا إليها ولم يدخلُوا، أو نزلُوا على خرابٍ أو جبلٍ في دارِ الإسلامِ بعيد عن البلدانِ والأوطانِ، فيلزمُ أهلُها الدفعُ بالممكنِ، فإن أمكنَ تأهُّب لقتالٍ لعيالٍ وجبَ الممكنُ، ولا يجبُ على

стр. 1557

فقيرٍ ولا ولد مدين ولا عبدٍ بلا إذنٍ على النصِّ خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصلِهِ. والمعتمدُ في الفتوَى وهو مقتضَى النصِّ أنَّهُ إنْ حصلتْ مقاومة بأحرار اشترط إذن السيِّدِ خلافًا لما جعله في "المنهاجِ" وجهًا ضعيفًا. وإن لم يمكنِ التأهُّبِ للقتالِ، فمن قُصد دفع عن نفسِه بالممكنِ إن علم أنَّه إن أخذ قتلَ، أو علمتِ المرأةُ أنَّها لو أسرتْ امتدَّتْ إليها الأيدي، فعليها أن تدفعْ، وإن كانت تقتلُ، ويستوي في الدفعِ حينئذٍ كلُّ مكان، وإن جوَّز الأمر فلهُ أن يستسلمَ. ولو امتنعَ لقتلَ، فأمَّا إذا كان يجوزُ الأمر، ولو امتنعَ لا يقتلُ فلا يجوزُ لهُ أن يستسلمَ. وأمَّا من ليسَ له من أهلِ تلك الناحيةِ (١) فإنْ كانَ في أهلِها كفاية، فالذين قربوا منهم، وكانُوا دونَ مسافةِ القصرِ ينزلون إن وجدوا الزادَ بمنزلةِ أهلِ الناحيةِ إذا قامَ بالدفعِ مَن فيهِ الكفايةُ، وإن لم يكنْ في أهلِ الناحيةِ كفايةٌ فيتعيَّنُ على الأقربينَ أَنْ يطيرُوا إليهم. ومن على المسافةِ قيلَ يلزمُهُم الأقربُ فالأقربُ، والأصحُّ إنْ كَفَى أهلُهَا لم يلزمْهم، ولو أسروا مسلمًا وجبَ النُّهوضُ إليهم لخلاصِهِ إن توقعناه. يكره الغزوُ بغيرِ إذنِ الإمامِ أو نائبِهِ إلَّا إذَا كانَ من يريدُ الغزوَ لو ذَهَبَ إلى الاستئذانِ فاتهُ المقصودُ، وإلَّا إذا عطَّلَ الإمامُ الغزوَ وأقبلَ هو وجندُهُ على أمورِ الدُّنيا وغير ذلك، وإلَّا إذا كانَ مَن يريدُ الغزوَ لا يقدِرُ على الاستئذانِ ويغلبُ على ظنِّهِ أنَّهُ لو استأذَنَ لم يؤذنْ لَهُ فلا كراهَةَ في هذهِ الصور. ويندبُ لَهُ إذا بعثَ سريةً أَنْ يؤمِّرَ عليهم، ويأخذُ البيعةَ بالثباتِ، ولَهُ

стр. 1558

الاستعانَةُ بكفارٍ، ويشترطُ أن يؤمِّنَ حياتَهُمْ، وأن يعرفَ الإمامُ حسنَ رأيهم في المسلمينَ، وأن يكثرَ المسلمونَ بحيثُ لو انحازَ المستعانُ بهم وانضمُّوا إلى الذين يغزونهم لأمكننا مقاومَتُهم جميعًا، وأن يكونَ في المسَلمينَ قلَّة، وتمسُّ الحاجةُ إلى الاستعانةِ. وله الاستعانةُ بعبيدٍ بإذنِ السَّادَةِ، ومراهقينَ أقوياء ليس لهمْ أصلٌ حيٌّ مسلمٌ، وإذا حصلتْ من المميزِ غير المراهقِ إعانةٌ، ورأى الإمامُ استصحابه بما يعتبر في غيرِهِ جازَ. فإن كانَ العبدُ موصًى بمنفعتِهِ لبيتِ المالِ أو مكاتبًا كتابةً صحيحةً فللإمامِ الاستعانةُ بهمَا، والسفر بهما بغير إذنِ سيِّدِهما، وله بدل الأهبةِ والسلاحِ من بيتِ المالِ، ومِن مالِهِ. ولا يصحُّ استئجارُ مسلمٍ للجهادِ إلَّا إذا كانَ عبدًا وأجرة مالكه للجهادِ، ووقعتِ الإجارةُ مع الإمامِ، وإلَّا إذا كانَ الحرُّ المسلمُ غيرَ بالغٍ وأجرة وليِّه للإمامِ لأجلِ الجهاد. * ضابطٌ: ليسَ لنَا مسلمٌ يصحُّ استئجارُهُ للجهادِ إلَّا في هذينِ الموضعينِ. ويصحُّ للإمامِ استئجارُ ذميٍّ ومعاهَدٍ للجهادِ بالشروطِ السابقةِ في الاستعانةِ من خُمُسِ الخمسِ على النصِّ، فإن أسلمَ في أثناءِ العقدِ انفسختِ الإجارةُ كما تنفسخُ بإعتاقِ العبدِ البالغِ، وبلوغُ الصبي المسلمَيْنِ المستأجرينَ للجهادِ، ولا يجوزُ لغيرِ الإمامِ من آحادِ المسلمينَ استئجارُ ذميٍّ للجهادِ على النصِّ. وفيه وجهٌ أنَّهُ يجوزُ. ويكرهُ للنصارَى قتلُ القريب، وقتلُ المَحْرَمِ أشدُّ كراهةً من القريبِ غيره إلَّا أن يسمعَهُ يسبُّ اللَّهَ تعالَى، أَو يسبُّ رسولَهُ ﷺ ، فلا كراهةَ قطعًا.

стр. 1559

ويحرمُ صبيٍّ (١) ومجنونٍ وامرأةٍ وخنثى مشكِلٍ إلَّا أن يقاتلوا فيجوزُ قتلُهُم حينئذٍ على المنصوصِ. ويحلُّ قتلُ راهبٍ على الأظهرِ سواءٌ كانَ فيه قتالٌ أو رأي، أو لم يكنْ، ويحلُّ قتلُ الأجيرِ على المذهبِ المقطوعِ بِهِ، وهو المعتمدُ خلافًا لمنْ أثبتَ خلافًا في ذلك، ويحلُّ قتلُ الشيخِ الضعيفِ والأعمَى والزَّمِن الذينَ لا قتالَ فيهم ولا رأيٍ على الأظهرِ، فإن كانَ منهم رأيٌ قُتلوا قطعًا، وإذا جوزنَا قتلَهُم فيسترقُّونَ وتُسبَى نساؤُهم وتغنم أموالُهُم، وإن قُلنا بالمنعِ فالمذهبُ أنَّهم يسترقونَ بنفسِ الأمرِ كالنساءِ والصِّبيانِ، وتُسبَى نساؤُهم وتُغنمُ أموالُهم. ويجوزُ حصارُ الكفَّارِ في البلادِ والقِلاع، وإرسالُ الماءِ عليهم، ورميهم بنارٍ، ومنجنيقٍ إلَّا في مكَّةَ المشرَّفَةِ، فإنَّه لو تحصَّنَ بِهَا أو بموضعٍ من حرمِهَا طائفةٌ من الكفَّارِ الحربيينَ لم يجُزْ قتالُهُم بما يعمُّ كالمنجنيقِ وغيرِهِ إذا أمكَنَ إصلاحُ الحالِ بدونِ ذلك. ولا نصبُ الحربِ عليها كغيرِها. نصَّ على هذا الأخيرِ الشافعيُّ ﵁. وإذا لم يكنْ بالإمامِ حاجةً إلى نصبِ المنجنيقِ عليهم وفيهم نساؤهم وذراريهم يكرَهُ نصبُ المنجنيق عليهم، لأنَّهُ ربمَا يصيبُ مَن لا يحلُّ قتلُهُ، والإمامُ مستغنٍ عن ذلكَ. وأمَّا التحريقُ والتغريقُ، فإنْ كانُوا كلُّهم مُقاتِلةً فلا بأسَ بِهِ، وإن كانَ فيهم نساؤُهم وذرارِيهم كان أشدَّ منعًا من نصبِ المنجنيقِ. ويجوزُ للإمامِ تبييتُهم في غفلةٍ بلا كراهةٍ إذا كانَ لَهُ بالتبييتِ حاجةٌ. ولو كانَ في البلدِ أو القلعةِ مسلمٌ أسيرٌ أو تاجرٌ مستأمنٌ أو طائفةٌ من هؤلاءِ

стр. 1560

فيجوزُ قصدُ أهلِها بالنارِ والمنجنيقِ وما في معناهُما قطعًا إنْ كانتِ ضرورةً كخوفِ ضررهم أو لم يحصل فتح القلعةِ إلَّا بِهِ، وإن لم يكنْ ضرورةً كُره ولا يحرمُ على الأظهرِ. ولو التحمَ حربٌ فتترسُّوا بنساء وصبيانٍ جاز رميُهم عندَ الضرورةِ، وإلَّا فالأظهرُ تركُهُم. وإن تترَّسُوا بالمسلمينَ، ولم تدعُ ضرورةٌ إلى رميهِم تركناهم، وإن دعتِ جازَ رميهم على المنصوصِ. ويحرمُ الانصرافُ عنِ الصفِّ إذا لم يزدِ عددُ الكفَّارِ على عددِ المسلمينَ مائة ضعفًا من مائتين من أبطالهم، أو مائة وتسعة وتسعين من أبطالهم، في الأصحِّ. ولا يحرمُ انصرافُ متحرِّفٍ لقتالٍ أو متحيِّزٍ إلى فئةٍ يستنجدُ بِهَا وهو في حالِ القدرةِ. وأمَّا مَن عجَزَ بمرضٍ ونحوِهِ أو لم يبقَ معهُ سلاح فلَهُ الإنصرافُ بكلِّ حالٍ. ولو ماتَ فرسُهُ ولا يقدرُ على القتالِ راجلًا فلَهُ الانصرافُ. والعبدُ إذَا شهِدَ القتالَ بغيرِ إذنِ سيِّد لا يحرمُ عليهِ الانصرافُ، وكذلكَ النساءُ إذا شهدنَ القتالَ ثم ولينَ فإنهنَ لا يأثَمْنَ بالتوليةِ. نصَّ عليه الشافعيُّ ﵁ (١). ويجوزُ إلى فئةٍ بعيدةٍ على النصِّ، إن غلبَ على الظن أنَّ العدوَّ بقبلِهِم، فان فرُّوا كلُّهم إلى الفئةِ البعيدةِ ليدفعوا عنهم ما غلبَ على ظنِّهم من القتلِ

стр. 1561

فيحصلُ لهم العونُ، وإذا اتفقَ لهمْ ذلك عادوا لجهادِ عدوِّهم، جازَ. وكذلك يجوز لبعضهم أن ينصرفَ متحيزًا إلى الفئةِ البعيدةِ، لوجودِ ما حصلَ من غلبةِ الظنِّ على الأرجحِ، ومحل الجواز إذا لم يجد من جوزنا له ذلك فئةً قريبةً يتحيزُ إليها للعونِ على الجهادِ، فإنْ وجدَ امتنعَ التحيزُ إلى الفئةِ البعيدةِ قطعًا. ثم المتحيزُ إلى الفئةِ البعيدةِ لا يشاركُ الغانمينَ فيما يغنمونَهُ بعد المفارقةِ، ولا المتحيزُ إلى الفئة القريبةِ على النصِّ، خلافًا لما في "المنهاجِ" (١) تبعًا لأصلِهِ. فإنْ زادوا على المثلين جازَ الانصرافُ، إلَّا أَنْ يغلبَ على ظنِّ المسلمينَ أنَّهم يغلبونَ عدوَّهُم فظاهرُ المذهبِ وجوبُ المصابرةِ. وتجوزُ المبارزةُ، فإنْ طلبَهَا كافرٌ استحبَّ الخروجُ إليهِ، وإنما يحسنُ ممنْ جرَّبَ نفسَهُ وعرفَ قوَّتَهُ وجرأتَهُ بإذنِ الإمامِ أو أميرِ الجيشِ، وتجوزُ بغيرِ الإذنِ في الأصحِّ، وأن لا يدخلَ بقتل المبارزِ ضررٌ على المسلمينَ بهزيمةٍ تحصلُ لَهُم، إمَّا لأنَّهُ كبيرهم، أو لأنَّه أَميرُهم الذي تختلُّ بعقده أمورهم. فإن كانَ كذلكَ لمْ يجُزْ أن يبارِزَ. ولا يستحسنُ المبارزةُ من العبدِ بغيرِ إذنِ سيِّدِه، ولا منَ الولدِ بغيرِ إذنِ أصلِهِ المسلمِ. ويجوزُ إتلافُ نباتِهم وشجرِهم لحاجةِ القتالِ، والظفرِ بهم، فإنْ علِمنَا أنَّا لا نصلُ إلى الظفرِ بهم إلَّا بفعلِ ذلكِ وجبَ فعلُهُ، كما جزَمَ بِه الماورديُّ، وهو صوابٌ.

стр. 1562

وإن لم يحتج إلى ذلكَ نظر؛ إنْ لم يغلبْ على الظنِّ حصولُهُ للمسلمين جاز إتلافُهُ مغايظةً لهم وتشديدًا عليهم، وإن غلب على الظنِّ حصولُهُ فيستحبُّ التركُ على النصِّ، ويحرمُ إتلافُ الحيوانِ إلَّا ما يقاتلونُ عليهِ، فيعقرُهُ للدفعِ أو الظفرِ، وأمَّا الذي غنمناهُ وخفنا رجوعَهُ إليهم وضرره، فإنَّا نذبحُهُ للأكلِ، إن كانَ مأكولًا، وإن لم يكن مأكولًا لم نذبحْهُ. وإن كان مأكولًا ولم نتمكَّنْ من ذبحِهِ لم نتلفهُ بغيرِ الذَّبحِ، ولو خفنا رجوعَهُ إليهم وضررهِ. هذا مذهبُ الشافعيِّ الذي ذكرَهُ في كتبِهِ وجرى عليه أصحابُهُ، وما وقعَ في "المنهاجِ" (١) تبعًا لأصلِهِ مما يخالفُ ذلكَ ليسَ بمعتمدٍ. * * * فصل نساءُ الكفَّارِ الكافراتِ الأصليَّاتِ غير المكلفينَ منهم إذا أُسرُوا رقوا، وكذا الخناثى، فأمَّا المرأةُ الحربيةُ إذا قتلتْ مسلمًا ثم ظفرنا بها فإنَّهُ يجوزُ للإمامِ قتلُها كما تقدَّمَ، وكذلك حكمُ مَن ذكرنا بعد النساءِ من غيرِ المكلَّفينَ، والخُنثَى إذا قاتلُوا كمَا تقدَّمَ. وأمَّا العبيدُ الكفَّارُ إذا وقعوا في الأسرِ كانُوا كسائرِ أموالِ الغنيمةِ. فالحاصلُ لهُم استمرارُ رِقٍّ لا رقٌّ جديدٌ. وعبيدُ الحربيين يجري عليهم رقُّنا وإن كانوا مسلمين أو مرتدين، والعبيد الحربيون إذا قتلوا في حالِ حرابتهم مسلمين ثم ظفرنا بهم وهم كفار جاز لنا قتلُهم، ويجتهدُ الإمامُ في الأحرارِ الكاملينَ، ويفعلُ الأحظَّ للمسلمينَ استحبابًا من قتل ومن فداءٍ بأسرى مسلمينَ أو مالٍ واسترقاقٍ. فإن

стр. 1563

خفيَ الأحظُّ اختارَ ما شاءَ تفريعًا على النصِّ أن فعل الأحظِّ مستحبٌّ كما تقدَّم. وفي وجهٍ لا يسترقُّ وثنيٌّ، ولا يجري رق على عربيٍّ في القديمِ، ولو أسلمَ أسيرٌ عصم دمَهُ وبقيَ الخيارُ في الباقي إنْ لم يخترِ الإمامُ فيه قبلَ إسلامِهِ المنَّ أو الفداءَ، فإنِ اختارَ ذلكَ ثُمَّ أسلمَ لم يتخير في الباقي، بل يتعيَّنُ ما اختارَهُ الإمامُ، ومحل اختيارِهِ الفداءُ الذي هو من جملة الباقي ما إذا فادى وأقام في بلادِ الإسلامِ، فأمَّا إذا فادَى به ليأخذَهُ المشركونَ ولم يكنْ له هناكَ عشيرةٌ تمنعهم منهُ فلا يجوزُ اختيارُ الفداءِ حينئذٍ. نصَّ عليهِ في الأمِّ، وجرى عليه الأصحابُ. وإسلامُ الكافرِ قبلَ الظفرِ به يعصمُ دمَهُ ومالَهُ وصغارَ ولدِهِ، وكذلكَ المجانين البالغين سواءٌ بلغوا مجانينَ أو بلغوا عقلاءَ (١) ثمَّ جُنُّوا بعدَ ذلكَ على الأصحِ. وإذا أسلمَ الجدُّ للأبِ عصمَ صغارَ ولدِ ولدِهِ ومجانينهم على الأصحِّ كالأبِ. وإذا أسلمتِ الأمُّ قبلَ الظفرَ بها عصمتِ صغارَ أولادِها على المشهورِ، ولو أسلمتِ الجدَّةُ فكإسلامِ الأمِّ. ولا يعصمُ زوجتَهُ على المذهبِ، فإن قلنَا: "لا يعصمها"، فبمجرَّد وقوعِها في السبي صارتْ رقيقةً، وانقطعَ نكاحُها في الحالِ، وقيل: إن كانَ بعد دخولٍ وقلنا: "تعتدُّ" استبرأتْ بعد دخولٍ فلعلهُ يحدثُ منها ما يحلُّها. وترقُّ زوجةُ الذِّميِّ وكذلك عتيقُهُ على المنصوصِ، لا عتيقَ مسلمٍ سواء

стр. 1564

أسلمَ قبلَ الأسرِ أو بعدَهُ، والمذهبُ المعتمدُ أنَّهُ لا فرقَ بين زوجةِ مَن أسلمَ قبلَ الأسرِ ومَن كان مسلمًا وله زوجةٌ حربيَّةٌ وقعتْ في الأسرِ في أنَّ كلًّا منهما لا يعصم إسلامُهُ زوجتَهُ منَ الحكمِ برقِّهَا بمجردِ السَّبي خلافًا لما في "المنهاجِ" (١) تبعًا لأصلِهِ. وإذا سُبِيَ الزوجانِ أو أحدُهما وكان الزوجُ غيرَ مكلَّفٍ أو مكلَّفًا وأرقَّهُ الإمامُ انفسخَ النكاحُ إن كانا حُرَّين أو كانَ أحدهما حرًّا فإن كانا رقيقينِ فالأصحُّ عند شيخنا بمقتضى إطلاقِ الأخبارِ وإطلاق نصوص الشافعيِّ أنَّ النكاحَ ينفسخُ بسبيهما، وبسبي الزوجةِ، وما وقعَ في "المنهاجِ" (٢) تبعًا لأصلِهِ مما يخالفُ ذلكَ ليسَ بمعتمدٍ. وإذا أرق وعليه دينٌ لمسلمٍ أو ذميٍّ لم يسقط فيقضي من مالِه إن غنم بعد إرقاقهِ، فإن عتقَ ولم يغنم ماله وأخذه فإنَّه يقضي منه الدين المذكور، وكذلك إن غنم ماله مع إرقاقه فإنه يقضي منه الدين المذكور على الأرجحِ. ولو ثبت لحربيٍّ على حربيٍّ مطالبة بقرضٍ أو ببيع جائز عندنا، ثم أسلما أو قبلا جزية، أو أسلمَ صاحبُ الحقِّ أو قبل الجزية دام الحق، وكذا لو أسلمَ المديونُ أو قبل الجزيةَ على الأرجحِ. ولو أتلفَ عليه شيئًا يضمنونَهُ على اعتقادهم فأسلما أو أحدهما، فلا ضمانَ على الصحيحِ، وإن كانوا لا يضمنونَهُ فلا ضمانَ بلا خلافٍ، وإن لم يسلمْ واحدٌ منهما فالذي قالَهُ شيخُنا أنَّه إنْ تحاكَمُوا إلينا بعدَ الأمانِ جاء الخلافُ، وإلَّا لم نتعرَّضْ لهم.

стр. 1565

والمالُ المأخوذُ من حربيين قهرًا بإيجاف خيلٍ أو ركابٍ، والموجفُ من المسلمين غنيمة، وكذلك إذا أخذَهُ مشاةٌ مسلمون، وكذا حكمُ الذي أخذهُ واحدٌ أو جمعٌ من دارِ الحربِ سرقةً أو وجد كهيئةِ اللُّقطَةِ على المنصوصِ إن لم يؤخذ بالقهرِ والغلبةِ وإلَّا فهوَ غنيمة قطعًا، وأن لا يؤخذ بقوةِ الجندِ فإنْ كانَ مأخوذًا بقوتهم فهو فيءٌ قطعًا، فإنْ أمكَنَ كونُهُ لمسلمٍ وجبَ تعريفُهُ ثم بعدَ التعريفِ تجيءُ فيهِ الأحوالُ الثلاثُ. فإن كانَ الانجلاءُ عنهُ بالإيجافِ فهو غنيمةٌ قطعًا أو بالإرهابِ والإرعابِ من غيرِ قتالٍ ففيءٌ قطعًا، وإنْ انتفى الأمرُ إن كانَ فيئًا على الأرجحِ، ولا تعرفُ سنه على المعتمدِ عند شيخنا، بل يكفي أن يعرفه المسلمونَ الذينَ هناك، كما نصَّ عليهِ الشافعيُّ. فإذا لمْ يعرفوهُ ردَّ إلى المغنَمِ، وعلى هذا تُستثنى هذه الصورة من إطلاقِ التعريفِ سنة في غيرِ الحقير. * ضابطٌ: ليس لنا لقطةٌ غيرُ حقيرةٍ لا يجبُ فيهَا التعريفُ سنةً إلَّا في هذا الموضعِ. ولأهلِ التبسُّطِ في الغنيمةِ على الوجهِ الذي ذكرَهُ الشافعي حيثُ قالَ (١): (ولا يجوزُ لأحدٍ من الجيشِ أَنْ يأخذَ شيئًا دونَ الجيشِ مما يتمولُهُ العدوُّ إلَّا الطعامَ خاصَّةً، فالطعامُ كلُّهُ سواءٌ، وفي معناهُ الشرابُ، فلمنْ قدَرَ منهم على شيءٍ (٢) أَنْ يأكلَهُ ويُشرِبَهُ ويُعلفَهُ ويُطْعِمُه غيرَهُ ويُسِقيه ويَعْلِفَ له) هذا نصُّهُ. ولم يخصصْ ذلك بالفاتحين الذين لهم سهم، والذين لهم رضْخٌ لكن

стр. 1566

مقتضَى نصِّه وقواعدِهِ أنَّ الذِّمِّيَّ ليسَ له التبسُّط. ولهم ذبحُ مأكولٍ للحمِهِ عندَ الاضطرارِ، والأرجحُ جوازُ الفاكهةِ، وأنَّهُ لا يجبُ قيمةُ المذبوحِ، وأنَّه لا يختصُّ الجوازُ بمن ليس معه ما يقوم بما يحتاجُ إليهِ منَ الطعامِ والعلفِ وأنَه لا يجوزُ ذلكَ لمن لحقَ الجيشَ بعدَ الحربِ والحيازَةِ، ومن رجعَ إلى دارِ الإسلامِ ومعه بقية لزمه ردُّها إلى المغنمِ على النصِّ. وموضع التبسُّط دارِهِم حيثُ كانَ الجهادُ في دارهم، وكذا موضعُ القتالِ في دارِ الإسلامِ عندَ الحاجَةِ، وفي الأوَّلِ يستمرُّ التبسُّطُ على الأصحِّ إلى وجودِ عمارةِ المسلمينَ أو هدنتهم يُباعُ فيها ما يحتاجونَ إليهِ. ولغانِمٍ مكلَّفٍ ولو كان محجورًا عليهِ بفلسٍ أو سفهٍ على المذهبِ المعتمدِ أو كانَ مريضًا حرًّا كانَ أوْ مكَاتَبًا أو مبعضًا الإعراضُ عنِ الغنيمةِ قبلَ القسمةِ وقبلَ اختيارِ التملُّكِ، ويكونُ إعراضُ المبعَّضِ في نوبةِ الحرية عند المهايأة، وإن لم تكن مهايأة فالأقيسُ تبعيضُ الحالِ في المستحقِّ، والمنصوصُ جوازهُ بعد فرز الخمسِ. والأصحُّ إبطالُ إعراض الكل دفعة واحدةً، فإن أعرضوا مُرَتَّبين صحَّ الإعراضُ إلى أن يبقى واحدٌ فلا يصحُّ إعراضُهُ، ويبطلُ إعراضُ ذوي القُربَى وإعراضُ بعضهم أيضًا، ويبطلُ إعراضُ من أعرضَ عن السَّلَبِ المتعين له، والمعرض كمن لم يحضر، ومن مات منهم فحقه لوارثه، ولا الغنيمة إلَّا بالقسمة، ومن اختارَ ملك نصيبِهِ قبلَ القسمةِ ملكه على الإبهامِ حتى لا يصحَّ إعراضُه على الأصحِّ، ويملكُ العقارَ بما يملكُ به المنقولُ. ولو كانَ في الغنيمةِ كلبٌ أو كلابٌ تنفع فالذي أطلقه الشافعيُّ وقدماء العراقيينَ تفويض ذلكَ إلى رأي الإمامِ، يخصُّ بِهِ من شاءَ من الغانمينَ لما

стр. 1567

يظهرُ لهُ، فإن لم يردهُ أحدٌ من الغانمينَ أعطاهُ لبعضِ أهلِ الخمسِ، فإن لم يردَّهُ أحدٌ منهم خلَّاهُ أو قتلَهُ على النصِّ. والمنصوصُ أن سوادَ العراقِ منحَ عنوةً، والمشهورُ أنَّ عمرَ ﵁ قسمها بين الغانمينَ، ولم يخصصها بأهلِ الخمسِ، ثم استطابَ قلوبَهم واستردَّها. والمنصوصُ أنَّه وقفهَا على المسلمينَ وآجرَها من ساكنيها، والخراجُ المضروبُ عليها أجرةٌ منجَّمةٌ تؤدَّى كلُّ سنةٍ، وتصرفُ إلى مصالحِ المسلمين. وأمَّا حدُّ السواد فأطلقَ جماعةٌ أنَّه من عبادان إلى مدينةِ الموصلِ طولًا، ومن القادسيةِ إلى حلوانِ عرضًا، وقيدَ الماورديُّ والرويانيُّ مبدأ هذا الحد فقالا: هو من مدينة القادسية، وذكرَ ابنُ الصباغ حده في العرض من مسطحِ الجبالِ بحلوان إلى طرفِ القادسيةِ المتصل بالمدينة من أرضِ الغرب، ومن نجوم الموصل إلى ساحل البحر بلاد عبادان من شرقي دجلة، وأما البصرةُ وإن كانت داخلةً في حدِّ السوادِ فليسَ لهَا حكمٌ إلَّا في موضعٍ من شرقي دجلتها يبيعها أهل البصرةِ الفرات، وموضع من غربي دجلتها تعرفُ بنهرِ الصَّراة، والذي نصَّ عليهِ الشافعيُّ أنَّ الدُّورَ والمساكنَ التي في السوادِ، ووقع الفتحُ وهي موجودةٌ لا يجوز بيعُها (١)، خلافًا لما في "المنهاجِ". وأما المشكوكُ فيه من ذلك فظاهر اليد بدل على الملكِ، فيجوزُ بيعُهُ حينئذٍ. ومكةُ فُتحتْ قهرًا بغيرِ قتالٍ، وذاكَ القتالُ الذي وقَعَ في أسفلِهَا لم يكنْ لَهُ

стр. 1568

أثرٌ في فتحِها لحصولِ فتحِها من غيرِ احتياجٍ إلى ما صدرَ في أسفَلِها، ويجوزُ بيعٌ دورِها وأراضيها المحياة المملوكة لملاكها. * * *

стр. 1569

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الأمان يصحُّ من كلِّ مسلمٍ مكلَّفٍ مختارٍ أمانُ حربيٍّ قبلَ أسرِهِ، وعدد محصورٌ فقط كعشرةٍ ومائةٍ، إن لم يؤدِّ ذلك إلى انسدادِ الجهادِ، أو بعصابةٍ نقصانًا لَهُ وقع. والأسيرُ المقهورُ في أيدي الكفَّارِ إذَا أمنَ بعضهم مكرهًا لم يصحّ، وإن أمنهُ مختارًا لم يصح أيضًا على الأصحِّ إذا لمْ يَكُنْ في أمانٍ، ممن هو في أسره، فإنْ كانَ في أمانٍ منهُ صحَّ أمانُهُ إياهُ إذا صارَ منهُ ذلكَ مع معرفتِهِ وجه النظر. وينعقدُ الأمانُ بكلِّ لفط يفيدُ الغرضَ صريحًا أو كنايةً مع نيةٍ، وبالكناية مع النيةِ، وبالرِّسالةِ فإنْ كانَ المرسلُ بهِ فيها صريحًا فذاكَ وإنْ كانَ كنايةً فلا بدَّ منَ النيَّةِ كما سبقَ. ومحلُّ اعتبارِ الصريح أو اعتبار ما يحتاج غيره إلى النيةِ ممَّا يقدمُ ما لم يدخل الحربي دار الإسلامِ رسولًا أو دخل ليسمعَ الذِّكر وينقادَ للحقِّ إذا ظهرَ لَهُ، فإنْ

стр. 1570

دخَلَ كذلكَ لم يحتجْ إلى ما ذكر، وكذلكَ إذ دخَلَ مستحق المال الذي نقضَ العهدَ والتحقَ بدارِ الحربِ لطلبِ ماله الذي بقي في حكمِ الأمانِ على الصحيحِ لا يحتاجُ إلَى ما ذكر. ولا يشترطُ علمُ الكافرِ بالأمانِ على النصِّ وجرى على عدمِ اعتبارِهِ العراقيونَ وجمع من المراوزةِ، خلافًا لمنِ اعتبرر فإنْ ردَّهُ بطلَ. ولا يشترطُ قبولُ الكافرِ الأمان على المنصوصِ فلو سكتَ لم يبطلِ الأمانُ. وتكفي إشارةٌ مفهمةٌ للقبولِ، أو أَنْ تبدو عليه مخايل القبول. وإن كان الذي أمَّنَهُ يا دخولِه رجلًا من المسلمين كانَ أمانُهُ مقصورًا على حقنِ دمِهِ ومالِهِ دونَ مقامه، ونظر الإمامُ في حالِهِ، فإن كانَ من المصلحةِ إقرارُهُ أقرَّهُ على الأمانِ، وقررَ لَهُ مدَّةَ مقامِهِ، ولم يكُنْ لمنْ أمَّنَهُ من المسلمين تقدير مدته. ويجوزُ أَنْ تؤمَّنَ المرأةُ والعددُ من النساء من غيرِ تقييدٍ بأربعةِ أشهرٍ ولا دونَ السَّنَةِ على النصِّ، ولا يجوزُ أمانٌ من الإمامٍ إلَّا بالنظرِ للمسلمين، وإنما يجوزُ أمانُ الواحدِ من المسلمينَ من كانَ إذا اتَّصل بالمصلحةِ على الأرجحِ كما نقلَهُ القاضي حسين عن الأصحابِ. وعقدُ الأمانِ جائزٌ من جهةِ المؤمَّنِ له بيده متى شاء، ويصير حربًا لنا يبلغ المأمن، ولازم من جهة المؤمِّن لا يجوزُ له نبذه إلَّا بأنْ يظهرَ منه خيانةٌ فينبذه حينئذٍ ويقتضي إطلاق نصوص الشافعي حصول الأمان في المالِ حيثُ كانَ، ولا يدخلُ الأصلُ في الأمانِ إلَّا. . . (١). والمسلمُ بدارِ الحرب إنْ أمكَنَهُ إظهارَ دينِهِ ولم يرج ظهور الإسلام هناك

стр. 1571

بمقامِهِ يستحبُّ لَهُ الهجرةُ فإنْ رجَا فالأفضل أن يُقيمَ (١). وإنْ قدَرَ على الامتناعِ في دارِ الحربِ والاعتزال وجبَ عليهِ المقامُ بها، وإن لم يمكنْهُ ما تقدَّمَ، ولم يكن في مقامِهِ مصلحةٌ للمسلمينَ وجبتِ الهجرةُ إنْ أطاقَهَا، وإذَا قَدَرَ الأسيرُ عَلى الهَرَبِ لزمَهُ وإنْ أطلَقُوهُ بلا شرطٍ فلهُ اغتيالُهُم، أو على أنَّهم في أمانِهِ حرُم اغتيالُهُم، وكذلك الحكمُ إذا أطلقوهُ على أنَّهُ في أمانِهِم على النصِّ فإنْ تَبِعَهُ قومٌ فليدفعْهم ولو بِقتلهم. ولو شرطوا أن لا يخرج من دارهم لم يجزِ الوفاء إذا لم يمكنْهُ إظهارَ دينِهِ فإنْ أمكنَهُ لم يحرُم الوفاء. ولو عاقدَ الإمامَ مَن يدله على قلعة كذا، وله منها جارية جازَ، فإنْ فُتحت بدلالتِهِ عَنْوَة أعطيها، وإن فتحت صلحًا وكانتِ الجاريةُ المشروطةُ خارجةً عَنِ الأمانِ، وكان الصلحُ على أمانِ صاحبِ القلعةِ وأهله ولم تكنِ الجارية من أهلِه سلِّمتْ إليهِ، وإن كانتْ داخلةً في الأمانِ أعلمنا صاحبَ القلعةِ بشرطِنَا معهُ، وقُلنَا لَهُ إن رضيتَ بتسليمِها إليهِ غرمنا لك قيمتها وأمضينا الصلحَ، وتكونُ القيمةُ من بيتِ المال وإن لمْ يرضَ راجعناهُ فإنْ رضِيَ بقيمتِها أو بجاريةٍ أخرى فذاك، وإلَّا قلنا لصاحبِ القلعَةِ إن لم تسلمْها فسخنا الصلحَ ونبذنا عهدك، فإنِ امتنعَ رددناهُ إلى القلعةِ واستأنفنَا القتالَ، وإنْ لمْ يفتحِ بدلالته أعطيها على المنصوصِ (٢)؛ خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصلِهِ، فإنْ لم يفتحْ فلا شيءَ لَهُ. وقيل: إنْ لم يعلَّقِ الجعلُ بالفتحِ فلَهُ أجرةُ مثلٍ، فإنْ لم يكنْ فيها جارية أو

стр. 1572

ماتتْ قبل العقدِ فلا شيءَ له، أو بعدَ الظفرِ قبلَ التسليمِ وجبَ بدل، أو قبلَ ظفر فكذا على المذهبِ المنصوصِ خلافًا لمن صحَّحَ عدمَ الوجوبِ. وإن أسلمتْ ولم ينزلْ عليها رقٌّ وجبَ البدلُ، وإن كانتْ رقيقةً أخذها الدَّالُّ إلَّا إنْ كانَ كافرًا وأسلمَتْ قبلَ الظفرِ فلَهُ البدلُ، فإن أسلمَتْ بعدَ الظفرِ أمِرَ بإزالةِ ملكِهِ عنها، والبدلُ قيمتها على المنصوصِ، وقيلَ أجرة مثل. * * * فصل في قسمِ الفيء والغنيمة إنما ذكرناهُ هُنَا لأنَّ شيخَنا ﵁ وعدَ في آخرِ كتابِ قسم الصدقاتِ أن يذكره هنا. القسمُ بالفتح مصدر قسمتُ الشيءُ والفيء؛ مصدر فاء يفيءُ، إذا رجعَ، ثم اسْتُعْمِلَ في المالِ الراجعِ إلينَا من الكفَّارِ من استعمالِ المصدرِ في اسمِ الفاعلِ واسمِ المفعولِ؛ لأنَّهُ مردودٌ على المسلمينَ. قال القفالُ (١) في "المحاسن" سُمِّيَ الفيءُ به لأنَّ اللَّهَ تعالى خَلَقَ الدنيا وما فيها للاستعانةِ على طاعتهِ، فمَنْ خَالفَهُ فقد عَصَاهُ، وسبيلُهُ الردُّ إلى مَن يطيعُهُ. والغنيمَةُ فعيلةٌ منَ المغنَمِ وهو الرِّبحُ؛ لأنَّها فائدَة محقَّقَة. قال اللَّهُ تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآيتين. الفيء (٢) ما أخذ من الكفَّارِ من غيرِ قتالٍ أو إيجافِ خيلٍ، أو ركابٍ كجزية

стр. 1573

وعُشْر تجارة، وما جَلَوْا عنه، ومال مرتدٍّ، قتل أو ماتَ على الردَّةِ، وذميٍّ ماتَ بلا وارثٍ. ويقسمُ ذلك خمسهُ أسهم متساوية: أحدها: مصالحُ المسلمينَ كالثغورِ والقضاةِ والعلماءِ، ونعني بالقضاةِ قضاة البلادِ، وأما قضاةُ العسكرِ الذينَ يحكمونَ بين أهلِ الفيءِ في مغزاهُم فإنَّما يُرزقَونَ في الأخماسِ الأربعةِ. . قالهُ الماورديُّ وغيرهُ (١)، والمرادُ بالعلماءِ أصحابُ العلومِ المتعلِّقَةِ بمصالحِ المسلمينَ، يقدَّمُ الأهمُّ فالأهمِّ وجوبًا. والثاني (٢): بنو هاشمٍ وبنو المطلب، فيشتركُ فيه الغنيُّ والفقيرُ، والذَّكرُ والأُنثى، ويفضَّلُ الذَّكرُ على الأنثى كالإرثِ. الثالثُ (٣): اليتامَى: واليتيمُ الصغيرُ الذي لا أبَ لهُ، ويشترطُ فقرُهُ على المشهورِ. والرابعُ والخامسُ (٤): المساكينُ وأبناءُ السبيل -وقد ذكرهما شيخُنا في قسم الصدقاتِ، ويعمُّ الأصنافَ الأربعةَ المتأخِّرةَ بالعطاءِ- الغائبُ عن موضعِ الفيءِ والحاضرُ على الأظهرِ. وأمَّا الأخماسُ الأربعةِ التي كانتْ لرسولِ اللَّهِ ﷺ في حياتِهِ فالأظهَرُ أنَّها

стр. 1574

للمرتزقةِ المرصدينَ للجهادِ، وبتعيينِ الإمامِ، وأبنائهم في الديوانِ (١). وينبغي للإمامِ أن يضعَ ديوانًا (٢)، وينصبَ لكلِّ قبيلةٍ أو جماعةٍ عَرِيفًا، ويبحثَ عن حالِ كلِّ واحدٍ وعياله وما يكفيهم، فيعطيه كفايتهم، ويقدِّم في إثباتِ الاسمِ وفي العطاءِ قريشًا استحبابًا، وهم ولد النَّضرِ بن كنانةَ، ويقدِّم منهم بني هاشمٍ، والمطلب، ثم بني عبد شمس، ثم نوفل، ثم بني عبد العزَّى، ثم سائر البطون الأقرب فالأقرب إلى رسول اللَّه ﷺ ، ثم الأنصار، ثم ربيعة، ثم جميع ولد عدنان، ثم قحطان، ثم العجم (٣)، والتقديم من العجم بالسنِّ والفضيلةِ لا بالنسبِ. ولا يثبتُ في الديوانِ [أعمى] (٤) ولا زمِنًا ولا من لا يصلحُ للغزوِ، وإن مرضَ بعضُهم أو جنَّ ورُجِيَ زوالُه وإن طالَ أعطي، ويبقى اسمُهُ في الديوانِ وإن لم يرجَ، فهل يعطى؟ وكذا هل تعطى زوجتُهُ وأولادُه إذا مات؟ فيه قولان، أظهرهما نعم، وتعطى الزوجةُ إلى أن تنكِحَ، والأولادُ حتَّى يستقلُّوا (٥). وإذا فضلتْ الأخماسُ الأربعةُ عن حاجاتِ المرتزقةِ وزعَ عليهم على قدرِ مؤنتِهم، لأنَّهُ حقُّهم، والأصحُّ أنَّه يصرفُ بعض هذا الفاضل عن حاجاتهم في إصلاحِ الثُّغورِ والسلاحِ والكراعِ (٦).

стр. 1575

وجميعِ ما ذكرنا في منقولاتِ أموالِ الفيء، فأمَّا الدُّورُ والأراضي: فالمذهبُ أنَّها تُجعلُ وقفًا، وتقسم غلَّتُها كذلك (١). والغنيمةُ ما حصلَ من الكفَّارِ بقتالٍ وإيجافِ خيلٍ أو ركابٍ، وكذا المأخوذُ بقتالِ الرجالة، وفي السُّفنِ، وكذا إذا التقَى الصفَّانِ وانهَزَمَ الكفَّارُ قبل شهرِ السِّلاحِ وتركوا أموالَهُم، فإنَّها غنيمةٌ (٢). والمأخوذُ على وجهِ السرقَةِ غنيمةٌ مخمَّسةٌ، وكذا ما أهدوه والحربُ قائمةٌ، وكذا ما يعطونَهُ بطيبِ نفسٍ كالهديةِ في غيرِ الحربِ، والمرادُ بالمالِ هو الذي كانوا يملكونَهُ، فإنْ كانُوا أخذُوهُ من المسلمينَ أو الذِّميينَ واستولوا عليه وجبَ ردُّهُ إلى أصحابِهِ، وليسَ بغنيمةٍ بناء على مذهبنا، أنهُم لا يملكونَهُ، فيُقدَّم من أصلِ مالِ الغنيمةِ السَّلَبُ للقاتلِ -وهو ثيابُ القتيلِ التي عليهِ، والخفُّ والزادُ وآلاتُ الحربِ كالدِّرعِ والسِّلاحِ والركوب-، سواء كان يقاتِلُ عليهِ أو ماسكًا بعنانِهِ، وهو يقاتِلُ وما علَى المركوبِ كسرجٍ ولجامٍ. والأظهَرُ عدُّ السِّوارِ والمنطقِ والخاتَمِ وما مَعَهُ من دراهِمَ النفقَةِ والجَنِيبَةِ التي تعادُ معهُ من السَّلَبِ، لا حقيبةً مشدودةً على الفرسِ على المذهبِ (٣). وإنما يستحقُّ السلبَ بركوبٍ غرر يكفي شر كافرٍ أصليٍّ في حالِ الحربِ، فلو رمي من حصنٍ أو من الصفِّ أو قتل نائمًا أو أسيرًا أو قتلهُ وقد انهزَمَ الكفَّارُ بالكليةِ لم يستحقَّ السلبَ، وكفاية شرِّه بأن يقتلَهُ أو يزيلَ امتناعَهُ بأنْ يفقأَ عينيهِ

стр. 1576

أو يقطعَ يديهِ ورجليهِ، وكذا لو أسرَهُ أو قطعَ يديهِ أو رجليهِ على الأظهرِ. ولا يخمَّسُ السلبُ على المشهورِ (١)، ثم بعد السلب يخرج مؤنة الحفظ والنقل وغير ذلكَ من المؤنِ اللازمةِ كأجرةِ الجمالِ والزراع ونحوه (٢)، فيخاصمه إليها، ثم يخمَّسُ الباقي، فيجعلُ خمسةَ أقسامٍ متساويةٍ: فخمسه لأهلِ خمس الفيءِ، يقسَّمُ كما سبَقَ، والأصحُّ أنَّ النفلَ يكونُ من خمسِ الخمسِ المرصدِ للمصالِحِ إذا نقلَ الإمامُ ممَّا سيغنمُ في هذا القتالِ، ويجوزُ أن ينفلَ منْ مالِ المصالحِ الحاصلِ عندَهُ في بيتِ المالِ، والنفل زيادة يشرطُهَا الإمامُ، أو الأمير لمن يفعل ما فيهِ نكايةٌ في الكُفَّارِ كالتقدُّمِ طليعةً أو الهجومِ على قلعةٍ أو الدلالةِ عليها، وكحفظِ مكمنٍ. ومنهُ أَنْ ينفل من صدَرَ منهُ أمرٌ محمودٌ بمبادرةٍ وحسنِ إقدام، لكنْ هذا يتعيَّنُ من منهم المصالح مما عنده، أو من هذهِ الغنيمةِ، وإنَّما يكونَّ النفلُ إذَا مسَّتِ الحاجةُ إليهِ لكثرةِ العدوِّ وقفَةِ المسلمينَ، واقتضى الرأيُ بعثَ السرايا وحفظ المكامِنِ، ويجهد الإمامُ في قدره بحسب قلة العمل وكثرته، وخطره وضدِّه. والأخماسُ الأربعةُ (٣) عقارُها ومنقولُها للغانمين، وهم الذين شهدُوا الوقعةَ على نيّةِ القتالِ -وإن لم يُقاتِلُوا- إلَّا المخذَّلَ والمُرْجِفَ إذا فرضتْ النية مع التخذيل والإرجافِ، فلا يستحقان سهمًا ولا رَضْخًا. ولو دخَلَ الإمامُ أو نائبُه دارَ الحربِ بجيشٍ، فوقعتْ سريةٌ في ناحيته

стр. 1577

فغنمتْ شاركَها الخمسُ، وبالعكسِ، لاستظهارِ كلٍّ منهما بالآخرِ. ولو بعثَ سريتين إلى جهة اشتركَ الجميعُ فيما تقسم كل واحدةٍ منهما، وكذا لو بعثهما إلى جهتينِ، وإن ساعدتا في الأصحِّ. ولو بعثَ جاسوسًا فغنمَ الجيشُ قبلَ رجوعِهِ شارَكَهُم في الأصحِّ. ولو أخَّر في العسكرِ من يحرسُهُ من هجومِ العدوِّ أو أفردَهُ من الجيشِ كمينًا أسهم له، وإن لم يشهدِ الوقعةَ ذكرَهُ الماورديُّ (١) وغيرُه. ولا شيءَ لمنْ حضرَ بعدَ انقضاءِ القتالِ، ولو ماتَ بعدَ انقضاءِ القتالِ والجنازَةِ فحقُّه لوارِثِهِ، وكذا بعدَ الانقضاء، وقبلَ الجنازَةِ على الأصحِّ، ولو ماتَ في أثناءِ القتالِ بالمنصوصِ أنَّهُ لا شيءَ لهُ (٢). وأمَّا الأجيرُ لسياسةِ الدَّوابِّ وحفظِ الأمتعةِ والمتاجر، والمحترفُ كالحنَّاطِ والبقَّالِ فيستحقونَ السَّهمَ إذا قاتلوا على الأظهرِ. ويعطَى الرَّاجلُ سهمًا، والفارسُ ثلاثة أسهمٍ، ولا يعطَي إلَّا لفرسٍ واحدٍ عربيًّا كان الفرسُ أو غيرَهُ، ولا يعطَي لبعيرٍ وغيرِهِ، ولا يعطَي لفرس أعجفَ، وما لا غناءَ فيه، وفي قولٍ يعطَى إن لم يعلمْ نهيَ الأميرِ عن إحضارِهِ (٣). ويرضخ للعبيدِ والنساءِ والصبيانِ، وأهلِ الذمَّةِ إذا حضروا، وهو دونَ سهمِ راجلٍ، يجتهد الإمامُ في قدرِه ومحله الأخماس الأربعة على الأظهرِ،

стр. 1578

وإيما يرضح لذمِّيٍّ حضرَ بلا أجرَةٍ، وبإذنِ الإمامِ على الصَّحيحِ (١)، وأن يكونَ مختارًا كما ذكرَهُ الماورديُّ (٢). * * *

стр. 1579

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بابُ الجزية هي لغةً: اسمٌ لما يؤخذُ من أهلِ الذِّمَّةِ، والجمع الجِزى بكسرِ الجيمِ، وهي مشتقَّةٌ من الجزاء، كأنَّه جزاء دمائهم وأموالِهم ومقربوهم. ويقالُ: من قتلهم جزا يجزي إذا قضا. وشرعًا: مالٌ يؤخذُ من أهلِ الذِّمَّةِ بعقدٍ مخصوصٍ على وجهٍ مخصوصٍ، وهل هو جزاء مقامهم بدارِ الإسلامِ، أو جزاءُ حقنِ الدَّمِ، أو جزاءُ كفِّنا عن قتالِهم في دارِ الإسلامِ سنة، أو جزاء كفنا عن قتالِهم، وتمكينهم من الإقامَةِ بدارنا سنة؟ خلافٌ، الأصحُّ عند شيخنا هذا الأخير. * ضابطٌ: العقود التي تفيد الأمنَ للكفارِ ثلاثةٌ: الأمانُ -وقد سبق- وعقد الجزية، وعقد الهدنة. وأهلُ الجزية من الكتاب قولُه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ

стр. 1580

صَاغِرُونَ﴾، وصحَّت الأحاديثُ بأخذ النبي ﷺ الجزية، وأجمع العلماء عليها في الجملة، ولا يعقدها إلَّا الإمام أو مأذونه، وفي الآحادِ وجهٌ شاذٌّ عن كتاب ابن كجٍّ. وصورة عقدها لمن يريد الإقامة بدار الإسلامِ (١): "أقررتُكُم آمنينَ بدارِ الإسلامِ". أو: "أذنتُ لكم بالإقامةِ في دارِنا غيرَ الحجازِ، على أن تبذلُوا الجزيةَ" ويعيِّنُها رأسَ كلِّ سنةٍ من تاريخِ هذا العقدِ، "وتنقادوا لحكم الإسلامِ الذي نرَاهُ يلزمكم". ولو أتى بمضارعٍ نحوَ: "أقرُّكُم" وانسلخَ عنِ الوعدِ كفى، ومن يريدُ الإقامةِ ببلادِهِ التي هي في وسطِ بلادِ الحربِ إذا سألُوا عقد الذِّمَّةِ على إقامتِهم عاقدهم عليها، وليسَ عليهِ حينئذٍ منعُهم من الحرمينِ. ولو عقدَ لنصارَى بلدٍ وليسُوا حاضِرينَ فبلغَهُمُ الخبرُ فرضُوا بذلكَ جازَ، ولو قالَ الكافرُ الذِي يحوزُ بفرسِه بالجزيةِ: "سألتُك أَنْ تؤمنني على كذا" فأمَّنَهُ الإمامُ كفى ذلك. ولو وُجد كافرٌ بدارِنَا فقالَ: دخلته لسماعِ كلامِ اللَّهِ تعالى، أو رسولِه، أو بأمانِ مسلمٍ؛ صُدِّقَ إذَا ادّعى ذلكَ قبلَ أن يَصيرَ في قبضتِنَا أسيرًا، فإنْ ادَّعاهُ بعدَ أن صَارَ في قبضتِنَا أسيرًا لم يقبلْ إلَّا ببينةٍ. وعلى الإمامِ الإجابةُ إذَا طَلَبُوا إلَّا مَن كانَ أسيرًا حرًّا مكلَّفًا كتابيًّا أو من يلحقُ به على المنصوصِ؛ لأنَّهم صارُوا غنيمةً أو فيئًا، وإلَّا عندَ خوفِ غائلةٍ فيمتنع ولا يعقدُ إلَّا ليهوديٍّ أو نصرانيٍّ أو مجوسيٍّ إن دخل هو أو أحد أصولِهِ في التهوُّدِ أو التنصُّرِ قبلَ الفسخِ، أو شككنا في وقته. ولا جزيةَ على امرأةٍ وخُنثَى مشكلٍ لم تتبينْ ذكورَتُه، فإنْ بانتْ بعد أن
следующие страницы →