← Фикх шафии

Фикх шафии · id 19230

التدريب في الفقه الشافعي

سراج الدين البلقيني

Полный текст (1 801 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

أو يقطعَ يديهِ ورجليهِ، وكذا لو أسرَهُ أو قطعَ يديهِ أو رجليهِ على الأظهرِ. ولا يخمَّسُ السلبُ على المشهورِ (١)، ثم بعد السلب يخرج مؤنة الحفظ والنقل وغير ذلكَ من المؤنِ اللازمةِ كأجرةِ الجمالِ والزراع ونحوه (٢)، فيخاصمه إليها، ثم يخمَّسُ الباقي، فيجعلُ خمسةَ أقسامٍ متساويةٍ: فخمسه لأهلِ خمس الفيءِ، يقسَّمُ كما سبَقَ، والأصحُّ أنَّ النفلَ يكونُ من خمسِ الخمسِ المرصدِ للمصالِحِ إذا نقلَ الإمامُ ممَّا سيغنمُ في هذا القتالِ، ويجوزُ أن ينفلَ منْ مالِ المصالحِ الحاصلِ عندَهُ في بيتِ المالِ، والنفل زيادة يشرطُهَا الإمامُ، أو الأمير لمن يفعل ما فيهِ نكايةٌ في الكُفَّارِ كالتقدُّمِ طليعةً أو الهجومِ على قلعةٍ أو الدلالةِ عليها، وكحفظِ مكمنٍ. ومنهُ أَنْ ينفل من صدَرَ منهُ أمرٌ محمودٌ بمبادرةٍ وحسنِ إقدام، لكنْ هذا يتعيَّنُ من منهم المصالح مما عنده، أو من هذهِ الغنيمةِ، وإنَّما يكونَّ النفلُ إذَا مسَّتِ الحاجةُ إليهِ لكثرةِ العدوِّ وقفَةِ المسلمينَ، واقتضى الرأيُ بعثَ السرايا وحفظ المكامِنِ، ويجهد الإمامُ في قدره بحسب قلة العمل وكثرته، وخطره وضدِّه. والأخماسُ الأربعةُ (٣) عقارُها ومنقولُها للغانمين، وهم الذين شهدُوا الوقعةَ على نيّةِ القتالِ -وإن لم يُقاتِلُوا- إلَّا المخذَّلَ والمُرْجِفَ إذا فرضتْ النية مع التخذيل والإرجافِ، فلا يستحقان سهمًا ولا رَضْخًا. ولو دخَلَ الإمامُ أو نائبُه دارَ الحربِ بجيشٍ، فوقعتْ سريةٌ في ناحيته

стр. 1577

فغنمتْ شاركَها الخمسُ، وبالعكسِ، لاستظهارِ كلٍّ منهما بالآخرِ. ولو بعثَ سريتين إلى جهة اشتركَ الجميعُ فيما تقسم كل واحدةٍ منهما، وكذا لو بعثهما إلى جهتينِ، وإن ساعدتا في الأصحِّ. ولو بعثَ جاسوسًا فغنمَ الجيشُ قبلَ رجوعِهِ شارَكَهُم في الأصحِّ. ولو أخَّر في العسكرِ من يحرسُهُ من هجومِ العدوِّ أو أفردَهُ من الجيشِ كمينًا أسهم له، وإن لم يشهدِ الوقعةَ ذكرَهُ الماورديُّ (١) وغيرُه. ولا شيءَ لمنْ حضرَ بعدَ انقضاءِ القتالِ، ولو ماتَ بعدَ انقضاءِ القتالِ والجنازَةِ فحقُّه لوارِثِهِ، وكذا بعدَ الانقضاء، وقبلَ الجنازَةِ على الأصحِّ، ولو ماتَ في أثناءِ القتالِ بالمنصوصِ أنَّهُ لا شيءَ لهُ (٢). وأمَّا الأجيرُ لسياسةِ الدَّوابِّ وحفظِ الأمتعةِ والمتاجر، والمحترفُ كالحنَّاطِ والبقَّالِ فيستحقونَ السَّهمَ إذا قاتلوا على الأظهرِ. ويعطَى الرَّاجلُ سهمًا، والفارسُ ثلاثة أسهمٍ، ولا يعطَي إلَّا لفرسٍ واحدٍ عربيًّا كان الفرسُ أو غيرَهُ، ولا يعطَي لبعيرٍ وغيرِهِ، ولا يعطَي لفرس أعجفَ، وما لا غناءَ فيه، وفي قولٍ يعطَى إن لم يعلمْ نهيَ الأميرِ عن إحضارِهِ (٣). ويرضخ للعبيدِ والنساءِ والصبيانِ، وأهلِ الذمَّةِ إذا حضروا، وهو دونَ سهمِ راجلٍ، يجتهد الإمامُ في قدرِه ومحله الأخماس الأربعة على الأظهرِ،

стр. 1578

وإيما يرضح لذمِّيٍّ حضرَ بلا أجرَةٍ، وبإذنِ الإمامِ على الصَّحيحِ (١)، وأن يكونَ مختارًا كما ذكرَهُ الماورديُّ (٢). * * *

стр. 1579

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بابُ الجزية هي لغةً: اسمٌ لما يؤخذُ من أهلِ الذِّمَّةِ، والجمع الجِزى بكسرِ الجيمِ، وهي مشتقَّةٌ من الجزاء، كأنَّه جزاء دمائهم وأموالِهم ومقربوهم. ويقالُ: من قتلهم جزا يجزي إذا قضا. وشرعًا: مالٌ يؤخذُ من أهلِ الذِّمَّةِ بعقدٍ مخصوصٍ على وجهٍ مخصوصٍ، وهل هو جزاء مقامهم بدارِ الإسلامِ، أو جزاءُ حقنِ الدَّمِ، أو جزاءُ كفِّنا عن قتالِهم في دارِ الإسلامِ سنة، أو جزاء كفنا عن قتالِهم، وتمكينهم من الإقامَةِ بدارنا سنة؟ خلافٌ، الأصحُّ عند شيخنا هذا الأخير. * ضابطٌ: العقود التي تفيد الأمنَ للكفارِ ثلاثةٌ: الأمانُ -وقد سبق- وعقد الجزية، وعقد الهدنة. وأهلُ الجزية من الكتاب قولُه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ

стр. 1580

صَاغِرُونَ﴾، وصحَّت الأحاديثُ بأخذ النبي ﷺ الجزية، وأجمع العلماء عليها في الجملة، ولا يعقدها إلَّا الإمام أو مأذونه، وفي الآحادِ وجهٌ شاذٌّ عن كتاب ابن كجٍّ. وصورة عقدها لمن يريد الإقامة بدار الإسلامِ (١): "أقررتُكُم آمنينَ بدارِ الإسلامِ". أو: "أذنتُ لكم بالإقامةِ في دارِنا غيرَ الحجازِ، على أن تبذلُوا الجزيةَ" ويعيِّنُها رأسَ كلِّ سنةٍ من تاريخِ هذا العقدِ، "وتنقادوا لحكم الإسلامِ الذي نرَاهُ يلزمكم". ولو أتى بمضارعٍ نحوَ: "أقرُّكُم" وانسلخَ عنِ الوعدِ كفى، ومن يريدُ الإقامةِ ببلادِهِ التي هي في وسطِ بلادِ الحربِ إذا سألُوا عقد الذِّمَّةِ على إقامتِهم عاقدهم عليها، وليسَ عليهِ حينئذٍ منعُهم من الحرمينِ. ولو عقدَ لنصارَى بلدٍ وليسُوا حاضِرينَ فبلغَهُمُ الخبرُ فرضُوا بذلكَ جازَ، ولو قالَ الكافرُ الذِي يحوزُ بفرسِه بالجزيةِ: "سألتُك أَنْ تؤمنني على كذا" فأمَّنَهُ الإمامُ كفى ذلك. ولو وُجد كافرٌ بدارِنَا فقالَ: دخلته لسماعِ كلامِ اللَّهِ تعالى، أو رسولِه، أو بأمانِ مسلمٍ؛ صُدِّقَ إذَا ادّعى ذلكَ قبلَ أن يَصيرَ في قبضتِنَا أسيرًا، فإنْ ادَّعاهُ بعدَ أن صَارَ في قبضتِنَا أسيرًا لم يقبلْ إلَّا ببينةٍ. وعلى الإمامِ الإجابةُ إذَا طَلَبُوا إلَّا مَن كانَ أسيرًا حرًّا مكلَّفًا كتابيًّا أو من يلحقُ به على المنصوصِ؛ لأنَّهم صارُوا غنيمةً أو فيئًا، وإلَّا عندَ خوفِ غائلةٍ فيمتنع ولا يعقدُ إلَّا ليهوديٍّ أو نصرانيٍّ أو مجوسيٍّ إن دخل هو أو أحد أصولِهِ في التهوُّدِ أو التنصُّرِ قبلَ الفسخِ، أو شككنا في وقته. ولا جزيةَ على امرأةٍ وخُنثَى مشكلٍ لم تتبينْ ذكورَتُه، فإنْ بانتْ بعد أن

стр. 1581

فرضَ أنَّه صدرَ العقد معه في حالِ الخنوثةِ أخذَ منهُ جزيةَ ما مضَى من السِّنينِ لظهورِ العملِ بالبراءةِ. ولا جزيةَ على مَن فيهِ رقٌّ، وصبيٍّ، ومجنونٍ، فإنِ انقطعَ جنُونُهُ وجبتْ من غيرِ تلفيقٍ على النصِّ. ولو بلغَ ابن ذمِّيٍّ ولم يبذلْ جزيةً أُلْحِقَ بمأمنِهِ وإن بذلها عقد له، ولو كان سفيهًا ولكن لا يعقدُ إلَّا إذا امتنعَ وليُّه من ذلكَ كمَا نصَّ عليهِ، ويعقدُ بدينارٍ فقط. والأظهرُ وجوبُها على راهبٍ وغيرِ ذي رأيٍ من شيخٍ وزَمِنٍ وأعمَى وأجير بناءً على جواز قتلِهم، ومقتضى النصِّ يقتلونَ قطعًا، وعلى فقيرٍ عجزَ عن كسبٍ على المشهورِ. والحجازُ غير حرم مكَّة يمنعُ الكافرُ الأصليُّ منَ الإقامَةِ بهِ، والحجازُ: الحرمانِ واليمامةُ وقُرَاهُنَّ وأرضُ ذَلِكَ كلِّه. وأمَّا حَرَمُ مكَّة فيمنعُ مِن دخُولِهِ، وفي وجهِ ضعيفٍ له الإقامةُ بالمواضع التي بينَ البلاد، وليست بموضع إقامة عادةً، إلَّا الحربيُّ فلا يمكَّن من الإقامةِ في هذه المواضعِ بلا خلافٍ. ولو دخَلَ كافرٌ الحجازَ بغيرِ إذنِ الإمامِ أخرجهُ، وعزَّرَه إن علمَ أنَّهُ ممنوعٌ. فإنِ استأذَنَ في الدخولِ لغير حرمِ مكَّةَ أُذِنَ لَهُ إن كانَ فيه مصلحةٌ للمسلمينَ كرسالةٍ وحملِ ما يحتاجُ إليهِ، فإن كانَ لتجارةٍ ليسَ فيها كبير حاجةٍ -والتاجرُ ذِميٌّ- لم يأذن إلَّا بشرطِ أخذِ شيءٍ منها، ولا يقيمُ في كلِّ بلدٍ من بلادِ الحجازِ غير حرم مكَّةَ إلَّا ثلاثة أيامٍ، وإنْ كانَ حربيًّا فلا يُمكَّنُ من دخولِ الحجازِ للتجارَةِ أصلًا، وحكمُ المرأةِ الذِّميَّةِ في التجارةِ كالذميِّ التاجرِ فيما تقدَّم.

стр. 1582

وإذا جاءَ الكافرُ رسولًا والإمامُ في حرمِ مكَّةَ خرجَ إليهِ أو نائبُهُ يسمعُهُ، وإن مرضَ فيه نُقِلَ، وإن خِيفَ موتُهُ فإن ماتَ لم يُدفَنْ فيهِ، فإن دُفِنَ نُبشَ وأخرجَ إذا لم يتقطَّع، فإنْ تقطّعْ لم ينبشْ على النصِّ. وإن مرضَ في غيرِهِ من الحجازِ وعظمتِ المشقّةُ في نقلِهِ تُركَ، وإلَّا نُقلَ، فإن ماتَ وتعذَّرَ نقله، دفنَ هناكَ إنْ كانَ ذِميًّا. فإن كان حربيًّا فلا يجبُ دفنُهُ، بل يجوزُ إغراء الكلابِ عليهِ، فإنْ دُفِنَ فلئلّا يتأذَّى الناسُ بريحِهِ، وهذا يوارَى مواراة الجيفِ، والمرتدُّ كالحربي (١). * * * فصل أقلُّ الجزيةِ دينارٌ لكلِّ سنة (٢)، ولا يتغيَّر ذلك، فلو عقدَ على المتقومات والمِثلياتِ جازَ إذَا كانَت قيمتها لا تنقص عن دينارٍ خالصٍ مضروبٍ. ويستثنى من ذلكَ صورةٌ واحدة، وهي محتملة أن لا جزيةَ فيهَا مع الإقامةِ سنة فأكثر، في دار الإسلام. وفيها جزيةٌ مشطورةٌ في مقابلة العمل الذي جعل شطر الثمرة والزرع مع الجزية في مقابله، وهي ما إذا افتتحَ الإمامُ أرضًا عَنْوةً أو صلحًا على أنَّ الأرضَ للمسلمينَ وللأرض أهلٌ ممن يقرُّونَ بالجزيةِ، فَمَنَّ على الرجالِ في صورةِ العَنْوة، وعاملهم في صورة العنوةِ أو في صورةِ الصُّلحِ عندَ الحاجةِ إلى ذلكَ بمساقاةٍ على الشجرِ وما يتبعها، فإنَّهُ يجوزُ أن يُقيموا في تلك الأرضِ سنينَ بلا جزيةٍ أو بجزيةٍ مشطورة مع الشطرِ من الثمرِ والزرعِ في مقابلةِ

стр. 1583

العملِ. ولا يشترطُ في هذه الجزيةِ أَنْ تبلغَ دينارًا لكلِّ رأسٍ، وذلكَ مستنبطٌ من قضيةِ خيبرٍ، وقد أشارَ إلى ذلكَ الشافعيُّ في "الأمِّ". * ضابطٌ: ليس لنا ذِمِّيونَ مُقيمونَ في بلادِ الإسلامِ سنةً فأكثر لا تلزمُهم الجزيةُ الواجبةُ في كلِّ سنةٍ إلَّا هذَا. ويُستحبُّ للإمامِ مماكسة (١) حتَّى يعقد على صفة التوسُّط بدينارين، وعلى صفة الغنى بأربعة، فيأخذ عند تمامِ الحولِ منهم ما عقدَ عليه إن وجدتِ الصِّفة آخر الحول. ولو عقدتْ بأكثر ثم امتنعوا من بَذْلِ الزَّائدِ لزمَهُم ما التزَمُوه، فإنْ أبوا، فالنصُّ أنَّهم ناقضُونَ، ومحلُّ نقضهم العهد بالإباءِ من بَذْلِ الزيادَةِ على الدِّينارِ في غيرَ ما دفع باسمِ الصدقةِ (٢). ولو أسلَمَ ذميٌّ بعدَ سنةٍ أو مَاتَ لم تسقُطْ، ويؤخذُ ما مضَى من السَّنَةِ والسنين، ولا تداخل. ويسوى بين الجزيةِ وبين دين الآدمي على المذهَبِ (٣). ولو أسلَمَ أو مَاتَ أو أفلسَ أو جُنَّ في خلالِ سنةٍ فقسطٌ، وفي قولٍ لا شيءَ فيها إذا ماتَ أو أسلَمَ في خلالِ السنَةِ. وتؤخذُ الجزيةُ بإجمالٍ، كما نصَّ عليه الشافعيُّ ﵁: حيث قال (٤): (وإذا

стр. 1584

أخذَ منهُمُ الجزيةَ -يعني الإمامَ- أخذَهَا بإجمالٍ، ولم يضربْ منهُم أحدًا، ولم ينلهُ بقولٍ قبيحً، والصَّغارُ أَنْ يُجْرِيَ عليهُمُ الحكمَ لا أَنْ يُضرَبُوا ولا يؤذُوا). ويستحبُّ للإمامِ إذا أمكنَهُ أن يشرطَ عليهم إذا صُولِحُوا في بلدِهِم ضيافَةَ من يمرُّ بِهم من المسلمينَ زائدًا على أقلِّ جزيةٍ على النصِّ (١)، وقيل منها، وتجعلُ على غنيٍّ ومتوسطٍ لا فقيرٍ على المنصوصِ -والفقيرُ في هذا البابِ من لا يملِكُ فاضلًا عن قوتِ يومِهِ آخر الحولِ ما يقدره على أداءِ الجزيةِ- ويذكرُ عددَ الضِّفيانِ، فعلى الموسع أن ينزل كلَّ مَن مرَّ به ما بين ثلاثة إلى ستة، لا يزيدونَ على ذلكَ، وعلى المتوسِّطِ أن ينزلَ كلَّ مَن مرَّ بِهِ رجلينِ أو ثلاثة لا يزيد عليهِم، كما نصَّ عليه. ويذكر جنسَ الطَّعامِ، والأدم من نفقةٍ عامَّة أهله، مثل الخبزِ والخلِّ والزيتِ والجبنِ واللبنِ والحيتانِ، والبقول المطبوخةِ، وعلف دابة كلِّ واحدٍ تبنًا أو ما يقومُ مقامه في مكانه. ومنزل الضِّيفانِ من كنيسةٍ وفاضلِ مسكنٍ، فإن كثرَ الجيشُ حتَّى لا تحتملُ منازِلُهُم أهلَ الغنَى ولا يجدُونَ منزلًا أنزلهُم أهلُ الحاجةِ في فضلِ مساكِنِهمْ، وليستْ عليهم ضيافةٌ (٢). ومدَّة الإقامَةِ، ولا (٣) تزيدُ على ثلاثةِ أيَّامٍ، وإذا قالَ قومٌ نؤدِّي الجزيةَ باسم صدقةٍ لا جزية، فللإمام إجابتهم إذا رأى، ويُضَعِّفُ عليهم الزكاة في الأموال

стр. 1585

الزكويَّةِ، فيأخذُ مثلي ما يجبُ في الزَّكاةِ. ولو وجبَ بنتا مخاضٍ (١) مع جُبرانين لم يضعفا على النصِّ، ولو كانَ بعضُ نصابٍ لم يجب قسطُه على المشهورِ، ثمَّ المأخوذ جزية فلا يؤخذُ من مال من لا جزيةَ عليه، ولا يجوزُ أن ينقص عن دينارٍ لكلِّ رأسٍ، ولا يمنع التضعيفُ في التجارَةِ أخذ عشرَ تجارتهم بالحجاز أو بغيره. * * * فصلٌ يلزمنا الكفُّ عنهم، وضمانُ ما نتلفه عليهم نفسًا ومالًا، ودفع أهلِ الحربِ عنهم إذا لم ينفردُوا ببلدٍ وسطَ دارِ الحربِ، وفي وجهٍ لا يلزمُنا الدَّفعَ عنهم بشرطِ أن يفردوا ببلدٍ في جوارِ دارِ المُسلمينَ، وأن يجري العقدُ مطلقًا، وأن لا يمرَّ أهلُ الحربِ بشيءٍ من دارِ الإسلامِ، وأن لا يكون هناك مالٌ لمسلمٍ (٢). ونمنعهم من إحداثِ كنيسةٍ في بلدٍ أحدثناهُ (٣)، أو أسلَمَ أهلُهُ عليهِ، وما فُتحَ عَنوة لا يحدثونها فيها، ويقرُّون على كنيسةٍ كانت فيه على المنصوصِ. وإن فتح صلحًا بشرطِ الأرضِ لنا وشرطِ إسكانِهم وإبقاءِ الكنائس جاز، وإن أطلق فالأصحُّ المنعُ، أو لهمْ قُرِّرَتْ ولهم الإحداث على النصِّ (٤). ويُمنعون وجوبًا -وقيل ندبًا- من رفعِ بناءٍ علي بناءِ جارٍ مسلمٍ، وفي

стр. 1586

الرَّفعِ قولٌ أنَّه لا يمنعُ منهُ، والمنصوصُ عدمُ المنعِ من المساواةِ وجوبًا، والأحبُّ إلى الشافعيِّ المنعُ من المساواة -يعني: استحبابًا (١). ومحلُّ المنعِ من الرَّفعِ ومن المساواة إن قيل به إذا كان بناءُ المسلمِ مما يُعتادُ للسُّكنَى، فلو كانَ جدارُ المسلمِ قصيرًا لا يعتادُ للسُّكنَى؛ إمَّا لأنَّهُ بناهُ كذلك، ولم يتمَّ بناءَهُ، أو لأنَّه هَدَمَهُ، أو انهدَمَ إلى أَنْ صارَ إلَى ما ذكرنَاهُ، فإنَّه لا يمنعُ الذِّميُّ من بناءِ جدارِهِ علَى أقلَّ ما يعتادُ للسُّكنَى لئلَّا يتعطَّلُ عليه حقُّ السُّكَنى الذي عطَّلَهُ المسلمُ باختيارِهِ أو تعطَّلَ عليهِ لإعسارِهِ. ثم إنْ بنَى المسلمُ أرفعَ مِن بناءِ الكافرِ فلا كلامَ، وإنْ بنى دونَهُ مما لا يعتاد للسُّكنَى، فلا يكلَّفُ الذِّميُّ أن ينقصَ عنهُ؛ لأنَّ المسلمَ لم يبنِ المعتادَ، وإن بناهُ أقلَّ ما يعتادُ للسُّكنَى قلنا للمسلمِ: لا تُكلِّف الذِّميَّ أن ينقصَ عن أقلَّ ما يعتادُ، فإمَّا أن ترفعَ بناءَك، وإما أن تتركَه. ولا يكلَّفُ الذِّميُّ دونَ ذلكَ. وظاهرُ نصِّ الشافعيِّ منعهم منْ رفعِ البناءِ في دارِ الإسلامِ، ولو كانُوا مُنفردِينَ بمحلَّةٍ أو قريةٍ، وهذا هو المُعتمَدُ في الفتوى، خلافًا لمنْ صحَّحَ خلافَ ذلكَ (٢). ويمنعُ الذميُّ من ركوبِ الخيلِ لا حميرَ وبغالَ، إلَّا أن تكونَ البغالُ نفيسةً فيُمنعونَ من ركوبِها في هذا الزمانِ؛ لأنَّ الغالبَ فيهِ أنَّه لا يركبُها إلَّا الأعيانُ من المسلمين، أو من يتشبَّهُ بهم منهم (٣). ويَركبُ بالإكافِ عرضًا، وهو أَنْ يجعلَ الراكبُ رجليهِ من جانبٍ ويركبُ

стр. 1587

بركابٍ خشبٍ خسيسٍ لا حديدٍ ولا سَرْجٍ، ويلجأ إلى أضيقِ الطُّرقِ، ولا يوقَّرُ ولا يصدَّرُ في مجلسٍ، ويؤمرُ بالتمييز في اللباسِ بأنْ يلبسوا الغيار، وهو أن يحيطَ على ثيابِهِ الظَّاهِرَةَ ما يخالفُ لونُه لونَها، وإذا دخَلَ حمَّامًا فيه مسلمون أو تجرَّدَ عن ثيابِه جعلَ عليهِ جلاجل، أو في عنقِهِ خاتمٌ من حديدٍ أو رصاص (١). ويمنعون من إسماعِ المسلمينَ شركًا، وقولهم في عزيرٍ والمسيحِ، ويمنعونَ من إظهارِ خمرٍ وخنزيرٍ وناقوسٍ وعيدٍ (٢)؛ إذا كانوا في أمصارِ المسلمين، فإنْ كانُوا في قريةٍ منفردةٍ يملكونها فلا منعَ من ذلكَ. نصَّ عليه. ولو شُرطتْ هذه الأمورُ التي ذكرناها وشرط عليهم الانتقاضُ بها، فخالفُوا انتقضَ العهدُ عملًا بمقتضَى الشرطِ، هذا مقتضَى النصِّ (٣). ولو قاتلونَا أوِ امتنعُوا من الجزيةِ أو من إجراءِ حُكمِ الإسلامِ انتقضَ. ولو زَنَى ذميٌّ بمسلمةٍ أو أصابَها بنكاحٍ قد عقدَهُ عليها في حال إسلامِها، أو علمَ إسلامهَا حالة الإصابَةِ أو دلَّ أهلَ الحربِ على عورةِ المسلمينَ أو فتنَ مُسلمًا عن دينِهِ بأنْ دعاهُ إليهِ، وزيّنَهُ لهُ، أوْ طعنَ في الإسلامِ، أو القرآنِ، أو ذكرَ رسولَ اللَّهِ ﷺ بسوءٍ، فأصحُّ القولينِ؛ أنَّه إن شُرط انتقاضُ العهدِ بها انتقضَ، وإلَّا فلَا (٤). ويُقامُ عليهِ حدُّ الزِّنا، سواءٌ قلنَا ينتقضُ عهدُهُ أمْ لَا، ثم بعدَ إقامةَ الحدِّ يجري عليه مقتضى الانتقاضِ، إذا حكمنا بالانتقاضِ، فإذا قتلَ لزناهُ وهو

стр. 1588

محصنٌ صارَ مالُهُ فيئًا على الأصحِّ، لأنَّه حربيٌّ مقتولٌ، ومالُهُ تحتَ أيدينا. ومَنِ انتقضَ عهدُهُ بقتالٍ، وجبَ دفعُهُ وقتالُهُ، أو بغيرِهِ لم يجبْ إبلاغُهُ المأمنَ على الأظهَرِ، بل يخيَّرُ الإمامُ فيهِ بين القتلِ والرِّقِّ والمنِّ والفداءِ، فإن أسلمَ قبلَ الاختيارِ امتنعَ الرِّقُّ، إلَّا إن نصبُوا القتالَ وصاروا حربًا لنا، وقاتلونا وقاتلناهم، فأخذنَاهم أسِرَّاءَ، فإنَّهُ يجرِي عليهم حكمُ الأسراءِ قطعًا، بل همْ أسراءُ، وإذا بطَل أمانُ رجالٍ لم يبطلْ أمانُ نسائهم، ولا الصِّبيانِ على الأصحِّ، وإذا اختارَ ذميٌّ نبذَ العهدِ واللحوقَ بدارِ الحربِ بُلِّغَ المأمنَ (١). * * *

стр. 1589

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب الهُدنَةِ هي لغةً: المُصالحَةُ. وشرعًا: المصالحةُ معَ الكُفَّارِ بعوضٍ أو غيرِهِ، ويسمَّى هذا العقدُ مهادنةً (١)، ومعاهدةً، ومسالمةً، وموادعةً. وقَد هادَنَ النبيُّ ﷺ قريشًا عامَ الحديبيةِ عشرَ سنينَ، ووادعَ اليهودَ على غيرِ جزيةٍ لمَّا نَزَلَ المدينةَ حينَ كانَ في المسلمينَ قلَّةٌ. والأصلُ في البابِ قبلَ الإجماعِ قولُهُ تعالَى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى

стр. 1590

قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ أي: كونوا آمنينَ فيها هذه الأشهرِ، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾. المهادنة معَ الكُفَّارِ مطلقًا، أو معَ أهلِ إقليمٍ لا يعقدُهَا إلَّا الإمامُ (١)، ويجوزُ لوالي الإقليمِ المفوض إليهِ القيامُ بمصالحِ البلدِ من غيرِ تقييدٍ المهادنةُ معَ أهلِ قريةٍ أو بلدةٍ في إقليمِهِ للمصلحةِ، أو بلادٍ في إقليمِهِ دعتِ الحاجةُ إلى مهادنةِ أهلِها، وظهرتِ المصلحةُ في ذلكَ، وكذا لو كانتِ البلدَةُ مجاورةً لإقليمِهِ وظهرتِ الحاجةُ لذلكَ، ورأَى المصلحةَ لأهلِ إقليمِهِ في ذلكَ أو القريةِ أو القُرَى أو البلادِ المجاوِرَةِ لإقليمِهِ؛ من جهةِ أنّهُ مفوَّضٌ إليهِ القيامُ بمصالِحِ إقليمِهِ. وهذا من جملةِ المصالحِ، وإنَّمَا تعقد لحاجَةِ الضعفِ مع مصلحةٍ منتظرَةٍ، وتحصيل أُهْبةٍ، وتعقدُ مع القوَّةِ للمصلحةِ، وإذا لمْ يَكُنِ بالمسلمينَ ضعفٌ لم تجُزِ المهادَنةُ سنةً على المذهبِ، وتجوزُ أربعةَ أشهرٍ، ولا تجوزُ دونَ سنة بمدَّةٍ يمكنُ الخروجُ في ذلك الدونِ على الأظهرِ، ويضعف تجويزٌ بحسب الحاجةِ، ولا يُزاد على عشرٍ (٢). ويستثنى من المدتينِ المذكورتينِ الهدنةُ مع النساءِ خاصَّةً، فإنهنَّ يجوزُ أَنْ يعقد لهنَّ الهدنةُ من غيرِ تقييدٍ. وقد سبَقَ شيءٌ من هذا في الأمانِ.

стр. 1591

ومتى زادَ على الجائِزِ في حالِ القوَّةِ فقولا تفريقُ الصفقةِ (١) وفي حالةِ الضعفِ ينقضُ العقدُ كلُّه، وإطلاق العقدِ مفسدةٌ على الصَّحيحِ (٢). وفيه وجهٌ أنَّهُ يُنزل عندَ ضعفِ المسلمينِ على عشرٍ، وعند القوَّة قولانِ: أحدهما: يتركُ على سنة. والثاني: على أربعةِ أشهرٍ. والشرطُ الفاسدُ يفسدُه على المنصوصِ بأن شرط منعَ فكِّ أسرانا، أو تركِ مالِنا لهم، أو لنعقدَ لهم ذمَّةً بدون دينارٍ، أو بدفعِ مالٍ إليهم، فإن دعتْ ضرورةٌ إلى بذلِ مالٍ؛ بأن كانوا يُعدِمونَ الأسرَى في أيديهم، فديناهم، أو أحاطُوا بنَا وخفنا الاصطدامَ، فيجوزُ بذلُ المالَ، ودفع أعظمِ الضررينِ بأخفِّهِما، بل يجبُ البذلُ هُنا للضرورةِ على الأصحِّ. وتصحُّ الهدنَةُ على أَنْ ينقُضَهَا الإمامُ متَى شاءَ (٣)، ويصحُّ عقدُها إذا قالَ الإمامُ: هادنتكم على أنَّ لفلانٍ نقضَها متَى شاءَ، وكان فلانٌ مسلمًا عدلًا ذا رأيٍ، والأمر في نقضِهِ كما في الإمامِ. ومتَى صحَّتْ وجبَ الكفُّ عنهُم حتَّى تنقضِيَ أو ينقضوهَا (٤)، أو يشاءُ الإمامُ نقضَهَا في صورةِ عقدِها على ذلك، أو يشاءُ نقضَها المسلمُ الذي شُرِطَ

стр. 1592

لَهُ ذلكَ بصريحٍ، أو قتالنا، أو مكاتبةِ أهلِ الحربِ بعورةٍ لنا، أو قتْلِ مسلمٍ أو ذميٍّ، أو معاهَدٍ، أو أخذوا مالًا، أو سبُّوا رسولَ اللَّهِ ﷺ . وإذا انتقضتْ (١) جازتِ الإغارةُ عليهم، وبياتِهم إذا كانُوا في بلادِهم، وعلموا أنَّ الذي فعلوه ناقضٌ، فإن لم يعلموا أو كان الغالبُ أنَّ ذلكَ مما تعرفُ الأنفسُ أنها خالفتْ ما صدرَ منهَا، فإنَّه ينتقضُ بهِ العهدُ (٢). فإنْ لم يعلموه لأنهم مقصرُّون بإقدامهم عليه، ولكن ينذرون، فإن قالوا: نجدد صلحًا، أجابهم إليه. ومن دخل دارَ الإسلامِ بهدنةٍ وأمانٍ، فإنَّه يغتالُ إذا انتقض عهدُهُ على النصِّ المعتمدِ، خلافًا لما في "الروضة" تبعًا للشرح، من أنَّه يبلَّغُ المأمنَ. ولو نقضَ بعضُهم، ولم ينكرِ الباقونَ بقولٍ ولا فعلٍ انتقضَ فيهم أيضًا، وإن أنكروا باعتزَالِهم أو إعلامِ الإمامِ ببقائهم على العهد فلا، ولو خافَ جنابَهم، فلهُ نبذُ عهدهم إليهم، ويبلغهم المأمنَ (٣). ولا ينبذ عقدَ الذِّمَّةِ بتهمةٍ، ولا يجوزُ شرطُ ردِّ مسلمةٍ تأتينا منهم، فإن شرط فسد الشرطُ (٤)، وكذا العقدُ على النصِّ، وإن شرطَ ردَّ النساءِ فجاءتِ امرأةٌ مسلمةٌ، لم يجبْ دفعُ مهرٍ إلى زوجِها إذا طلبَها بنفسِهِ أو بوكيلِه، وجاءتِ المرأةُ بلد الإمامِ أو نائبِهِ، وهي في العدَّةِ ولم يطلِّقْها ثلاثًا في العدَّةِ

стр. 1593

وكانتْ حيَّةً عندَ الطَّلَبِ، على الأظهرِ في ذلكَ (١). ولا يردُّ صبيٌّ ومجنونٌ، وكذَا عبدٌ وحرٌّ لا عشيرَةَ لَهُ، ويغلبُ على الظَّنِّ أنَّه يُذلُّ ويُهانُ على الأصحِّ. ويردُّ مَن له عشيرةٌ طلبَتْهُ إليهَا لا إلَى غيرِها، فلا يردُّ إلى غيرِ عشيرتِهِ. ولو قدَرَ على قهرِ الطالبِ والهربِ منه؛ لأنَّ ذلكَ قد لا يتفقُ، هذا هو المعتمدُ خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصلِهِ. ومعنى الرَّدِّ أَنْ يخلَّى بينهُ وبينَ طالبِهِ، ولا يجبرُ على الرُّجوعِ، ولا يلزمُهُ الرُّجوعُ، ولهُ قتلُ الطالبِ في غيرِ حضرَةِ الإمامِ، ولنا التعريضُ لَهُ بهِ في غيرِ حضرَةِ الإمامِ، وليسَ لنَا التّصريحُ مطلقًا. ولو شُرِط أَنْ يردُّوا مَن جاءَهم مرتدًّا منَّا لزمهمُ الوفاءُ، والمشهورُ جوازُ شرطِ أن لا يردُّوا مَن جاءَهم مرتدًّا إلَّا الإناثَ والعبيدَ، ومَن جُنَّ بعدَ الرِّدَّةِ فعليهم ردهم، ولو أطلقُوا الشرط. * * *

стр. 1594

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتابُ الصيدِ والذبائح الصيدُ مصدرُ صادَ يصيدُ صيدًا، ثم أُطلقَ على الصَّيدِ، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. والأصلُ في البابِ قولُهُ تعالَى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، وقولُهُ تعالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾، ومفهومها على حِلِّ صيدِ البَرِّ في حالةِ عدمِ الإحرامِ. والذَّبائحُ جمع ذبيحةٍ، وأصلُها قولُهُ تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ والمذكَّى منها. ومن السُّنَّةِ ما رواهُ الدارقطنيُّ والبيهقيُّ عن أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ بعثَ بُدَيْلِ بنِ ورقاءَ يَصِيحُ فِي فجاجِ مِنى: "ألَّا إنَّ الذَّكاةَ في الحلقِ واللُّبَّةِ" (١). ورواهُ

стр. 1595

الشافعي موقوفًا على ابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ، وهو أصحُّ من رفعِهِ (١). وأجمعتِ الأُمَّةُ على حلها. والحيوانُ المأكولُ المقدورِ عليهِ ذكَاتُهُ بالذَّبحِ في حلقٍ أو لبةٍ، وغير المقدورِ عليهِ يُعقَرُ مرهقٌ في أيِّ موضعٍ كانَ (٢). والجنينُ الذي يوجدُ في بطنِ أمِّهِ المذكَّاةِ ميتًا، ذكاتُهُ بطريقِ التَّبعيَّةِ لذكاةِ أمِّه. وشرطُ ذابحٍ وصائدٍ يحلُّ صيدُهُ بتذكيتِهِ حلُّ مناكحتنا لهُ، وتحلُّ ذكاةُ أمةٍ كتابيَّةٍ. ويعتبرُ في ذابحِ المتوحِّشِ أو ما في أصلِه متوحِّشٌ أو صائِدِهِ [أَنْ] (٣) لا يكونَ محرمًا بعمرةٍ ولا بحجٍّ لم يتحلَّل منهُ التَّحلُّلَ الأوَّلَ، وأن لا يكونَ في حرمِ مكَّةَ شرَّفها اللَّهُ تعالى. ولو شاركَ مجوسيٌّ مسلمًا في ذبحٍ أو الاصطيادِ الذي به التذكية حرم (٤)، ولو أرسلا سهمينِ أو كلبينِ، أو سهمًا وكلبًا، فإن سبقَ آلةُ المسلمِ بقتلٍ أو أنهاهُ إلى حركةِ مذبوحٍ حلَّ، ولو انعكسَ حرُمِ (٥). وكذلكَ يحرمُ، إذا سبقَ كلبُ المجوسيِّ فأمسكَ ولم يقتل، ولا جرحَهُ لأنَّهُ لمَّا أمسكَهُ كلبُ المجوسيِّ فأمسكَ ولم يقتُلْ ولا جرحه، فقد صارَ مقدورًا عليهِ، فلا يحلُّ بأن يقتُلَهُ كلبُ المسلمِ، وإن جرحاهُ معًا أو جهل أو

стр. 1596

مرتبًا ولم يذفِّفْ أحدُهما، وهلكَ بهما حرمَ (١). ويحلُّ ذبحُ صبيٍّ مميَّزٍ، وكذا غيرُ مميزٍ إذا أطاقَ ذلك، ومجنونٍ وسكرانٍ على المذهبِ، ويكرَهُ كالأعمَى، ويحرمُ صيدُ الأعمَى الذي يحصلُ به الذَّكاةُ برمي، وكلبٍ على مقتضَى النصِّ (٢). وتحلُّ ميتةُ السَّمكِ والجرادِ، ولو قتلهما مجوسيٌّ، إلَّا إذا وجدتْ ميتةُ السمكِ متقطعةً صغيرةً في بطنِ سمكةٍ أخرَى فلا تحلُّ على الأصحِّ، فإنْ وُجدَتْ متقطعةً في بطنِ حيوانٍ آخر غيرَ مأكولٍ قطعَ بتحريمِها؛ لأنَّ رجيعَ غيرَ المأكولِ نجسٌ قطعًا (٣). ويحلُّ الدودُ المتولِّدُ من طعامٍ كخلٍّ وفاكهةٍ، إذا أُكل معهُ من غيرِ نقلِهِ اختيارًا إلى موضعٍ آخر من الطَّعامِ، أو سحبِه من موضعٍ من الطعامِ إلى آخر من غيرِ نقلٍ على الأصحِّ. ولا تقطع بعضُ سمكةٍ حيَّةٍ، فإن فعلَ مع بقاءِ الحياةِ في الباقي حلَّ المقطوعُ منها على النصِّ (٤). ويحلُّ ابتلاع السَّمكةِ حيَّةً على الأصحِّ، وهي حلالٌ في نفسِها، وإنما الخلافُ في أنَّ هذا الفعلَ هل يحرُمُ أمْ لا (٥). وإذا رمى صيدًا متوحِّشًا أو بعيرًا ندَّ أو شاةً شردتْ بسهمٍ فيه نصلٌ من الحد وذات الجارحة أو بسهمٍ لا نصلَ فيه، ولكن له حدٌّ يمورُ مورَ السلاحِ،

стр. 1597

أو بسيفٍ أو سكِّينٍ، أو رمحٍ أو مزراقٍ، أو أرسلَ إليهِ جارحةً، فأصابَ شيئًا من بدنِهِ وماتَ في الحالِ أو تحاملتِ الجارِحَةُ عليه فقتلتْهُ بثقلِها، حلَّ في الأظهَرِ، فإنْ جرحتْهُ حلَّ قطعًا (١)، ولو تردَّى بعيرٌ ونحوُه ولم يمكنْ قطعُ حلقومِهِ فكنادٍّ (٢). ومتى تيسَّرَ لحوقُهُ بعَدْوٍ أو استعانةٍ ممن يستقبله فمقدورٌ عليه، فإنْ تحقَّقَ العجزُ عنهُ في الحالِ فغير مقدورٍ عليه. ويكفي في النَّادِّ والمتردِّي والصيدِ جرحٌ يُفضي إلى الزُّهوقِ. وقيل في السِّهمِ في المتردِّي: يشترطُ تذفيف، ويترتبُ النادّ والصيد عليه، وأولى أن لا يشترطُ، وإذا أرسل سهمًا أو جارحةً على صيدٍ فماتَ بإصابَتِهِ، فإن لم يدركْ فيه حياةً مستقرَّةً أو أدركها، وتعذَّرَ ذبحُه بلا تقصيرٍ، كأنَ سل السكين فماتَ قبلَ إمكانٍ، أو استعمل بتوجيهه إلى القبلةِ أو امتنع بقوته، وماتَ قبلَ القدرةِ حلَّ، وإنْ ماتَ بتقصيرِهِ كأن لا يكون معه سكينٌ أو عصبت أو نشبتْ في الغمد حرم. فلو اتخذ قرابًا معتادًا، فنسيت لعارضٍ فإنَّهُ يحلُّ، ولو رماهُ فقدَّه قطعتين بحيث إنَّه لا تبقَى في واحدةٍ منها حياةٌ مستقرَّةٌ حلَّتا. ولو أبانَ منه عضوًا بجرحٍ مذففٍ حلَّ العضوُ والبدنُ، أو بغير مذففٍ ثمَّ ذبحَه أو جرحَه جرحًا آخر مذففًا حرم العضو وحلَّ الباقي، فإن لم يتمكَّنْ من ذبحِهِ وماتَ بالجرحِ حلَّ ما عدا العضو المبان على الصحيحِ؛ لأنَّه عضو أبينَ

стр. 1598

من هذا الحيوانِ وهو حيٌّ، فيكونُ ميتًا بخلاف ما إذا أُبِين بجرحٍ مذففٍ فإنَّ العضوَ يكونُ حلالًا حينئذٍ. وذكاةُ كلِّ حيوانٍ قُدرَ عليهِ بقطعِ كلِّ الحُلْقُومِ -وهو مخرجُ النَّفَسِ- والمرِّيءِ، وهو مجرَى الطَّعامِ، ويستحبُّ قطعُ الودجَينِ، وهما عرقانِ في صفحتَي العنقِ. ولو ذبحَهُ من قفاهُ عصى، فإنْ أسرعَ فوصلَ إلى الحلقومِ والمريءِ وفيه حياةٌ مستقرَّةٌ حلَّ، وإلَّا فلا. وكذا إدخالُ سكينٍ بأذنِ ثعلبٍ (١)، إذا وصلَ إلى الحلقومِ والمريء وفيه حياةٌ مستقرِّةٌ. ويسنُّ نحرُ إبلٍ وذبحُ بقرٍ وغنمٍ، ويجوزُ عكسُهُ، ولكنْ يُكرَهُ على النصِّ. ويسنُّ أَنْ يكونَ البعيرُ قائمًا معقولَ ركبتِهِ اليُسرى، والبقرةُ والشاةُ مضجعةٌ لجنبها الأيسر، ويتركُ رجلَها اليمنَى ويشُدُّ باقي القوائم، وأن يَحُدَّ شفرته ويوجِّهَ بذبحها إلى القبلة، ويقولَ: بسم اللَّه. والأحبُّ إلى الشافعيِّ أن يصلي على النبي ﷺ ، ولا يقول: باسم اللَّه، واسم محمد. فإنْ أرادَ: أذبحُ باسم اللَّهِ، وأتبرَّكُ باسم محمد ﷺ ، فينبغي أن لا تحرَّم كما قالَهُ في "الرَّوضة" (٢) تبعًا للشرحِ.

стр. 1599

* ضابطٌ: يحلُّ ذبحُ مقدورٍ عليه وجرح غيره بكلِّ محدَّدٍ يجرحُ، كحديدٍ ونُحاسٍ ورصاصٍ، وذهبٍ وفضَّةٍ وخشبٍ وقصبٍ، وحجرٍ، وزجاجٍ، إلَّا ظفرًا وسنًّا. ويحل الذبحُ بالعظمِ غير السنِّ على النصِّ. ولو قتل بمثقِّلٍ وثِقَلِ محددٍ؛ كبندقة وسوط وسهم بلا نصلٍ ولا حد، أو سهم وبندقة حرم (١). وإن جرحه نصل وأثَّرَ فيه عرض السهم، فلا يحرمُ على المعتمدِ؛ لأنَّه إذا جرحَهُ النصلُ ثم مرَّ السهمُ وأثر فيه عرضُهُ كان ذلك من ضرورة الرَّمي، فأشبه ما لو خرقَهُ بالنصلِ، ونفذَ السهمُ من ذلكَ الخرقِ، فإنْ مثل هذا لا يؤثرُ قطعًا، وإذا انخنقَ بأحبولةٍ أو أصابَهُ سهمٌ فوقعَ على طرفِ سطحٍ، ثم سقطَ منهُ، أو على جبلٍ ثمَّ سقطَ منه وفيه حياةٌ مستقرَّةٌ حرمَ. ولو أصابَهُ سهمٌ بالهواءِ فسقطَ بأرضٍ، أو في ماءٍ أو على شجرةٍ، أو غير ذلك، وماتَ حلَّ إن كان الذي وقعَ في الماء طير الماء وهو على وجهِ الماءِ فأصابَهُ وماتَ. وكذلكَ يحلُّ الطيرُ الذي وقعَ على شجرةٍ ولم يسقطْ من غصنٍ إلى غصنٍ ففيهِ ما سبقَ في الساقطِ من الجبلِ. وأمَّا الساقطُ في النارِ فهو حرامٌ كما ذكرَهُ الماورديُّ إنْ لم ينتَهِ إلى حالِ المذبوحِ كما سبقَ (٢). * * *

стр. 1600

ويحلُّ الاصطيادُ الذي تحصلُ به الذكاةُ بجوارِحِ السِّباعِ والطيرِ ككلبٍ وفهدٍ وبازٍ وشاهين، ويشترطُ كونها معلَّمَةً بأنْ ينزجر جارحةُ السِّباعِ بزجرِ صاحبِهِ، ويسترسلَ بإرسالِهِ، ويمسكُ الصيدَ ولا يأكُلُ منهُ عقبَ القتلِ، أو قبله، مع حصولِ القتلِ على المشهورِ (١). ويشترطُ في جارحةِ الطيرِ أن يدعَى فيجيبَ، ويُسْتَشْلَى فيطيرُ، ويأخذ فيحبس مرَّة بعد مرَّة، كما نصَّ عليه الشافعيُّ (٢). ويشترطُ تركُ الأكلِ في جارحةِ الطيرِ على الصَّحيحِ، ويشترطُ تكرُّرِ هذه الأمورِ، بحيثُ يُظنُّ تأدُّبَ الجارحةِ. وإذا ظهرَ كونُهُ معلَّمًا، ثم أَكلَ من صيدٍ غيرَ شعرِهِ لم يحلَّ ذلكَ الصيدُ على الأظهرِ إذا قتلَ الصيدَ وأكلَ منهُ عقبَ القتلِ، وكذلك إذا أكلَ من صيدٍ آخر عقبَ القتلِ، فإنَّه يحرمُ على الأرجحِ، إلَّا أن يصيرَ الأكلُ له عادةً فيحرمُ الأخيرُ بلا خلافٍ. وفي تحريمِ الصيود تبعًا لأصلِهِ، وحيث قلنا بتحريمِ ذلك الصيد -وهو الأظهرُ- فيشترطُ تعليمٌ جديدٌ، ومعضُّ الكلبِ منَ الصيدِ نجسٌ عَلَى المذهبِ، والأصحُّ أنَّهُ لا يعفَى عنهُ، وأنَّه يكفي غسلُهُ بماءٍ وترابٍ، ولا يجبُ أَنْ يفورَ ويطرح. ولو جرحتِ الجارحةُ صيدًا ثمَّ تحاملتْ عليهِ وقتلتهُ، فإنَّه يحلُّ في الأظهر (٣).

стр. 1601

فإنْ تحامَلَتْ عليهِ من غيرِ جرحٍ فقتلتهُ بثقلِها، لم يحلَّ على المنصوصِ في البويطي المجزوم به، خلافًا لما في "المنهاجِ" (١) تبعًا لأصلِهِ. ولو كان بيدهِ سكينٌ فسقطَ وانجرحَ به صيدٌ أو احتكت به شاةٌ وهي في يدِهِ فانقطعَ حلقومُها، ومر بها، أو استرسلَ كلبٌ بنفسِه فقتَلَ، لم يحلَّ، وكذا لو استرسلَ فأغراهُ صاحبُهُ فزادَ عدوُهُ ولم ينفرج على النصَّ فإنِ انفرجَ فإنَّه يحلُّ ما قتلَهُ. نصَّ عليه. ولو أصابَهُ سهمٌ بإعانةِ ريحٍ حلَّ، ولو أرسلَ سهمًا لا يقصدُ الصيدَ فقتلَ صيدًا حرمَ على النصِّ، ولو رمى صيدًا سربَ ظباءٍ فأصابَ واحدةً حلَّت، وإن قصدَ واحدةً فأصابَ غيرَها حلَّتْ على المنصوصِ. ولو غابَ عنه الكلبُ أو الصيدُ، ثم وجدَهُ ميتًا حرمَ على الأظهرِ إذا لم ينهه الجرح إلى حركة المذبوح، ولكن وجدَهُ في ماء أو وجدَ عليه أثر صدمةٍ أو جراحةِ آخرَ، فإنَّهُ لا يحلُّ بلا خلافٍ. * * * فصل يملكُ الصيدَ بضبطِهِ بيدِهِ (٢)، وبجرحٍ مذففٍ، وبإزمانٍ (٣) وكسر جناح عجز معه عن الطيران، والعدو، ويكفي للملك إبطال شدة العدوِ، وصيرورته بحيث يسهلُ لحاقه، وبوقوعه في شبكةٍ نصبها للصيدِ ولم يقدرْ على الخلاصِ منها، وبإلجائه إلى مضيقٍ لا يفلتُ منهُ، ويستثنى من ذلكَ صيد الحرمين؛

стр. 1602

مكَّة والمدينة، فإنَّه لا يملكه الصَّائدُ سواء كانَ حلالًا أم محرمًا. ويستثنى المحرِمُ في الصيد خارج الحرم، فإنَّه لا يملكه، ويستثنى المرتدُّ تفريعًا على ما قاله الشافعيُّ: أن ملكه يزولُ بالرِّدَّةِ، هو أشبهُ الأقوالِ، وبهِ نَقُولُ، فيبقى على الإباحةِ كما ذكَرَهُ المتولي، أو يثبتُ الملكُ فيه لأهلِ الفيءِ، كما قالَ صاحبُ النهايةِ أنَّهُ ظاهرُ القياسُ. وإن قُلنا نقول للوقفِ كما صحَّحَهُ النوويُّ تبعًا للرافعيِّ، فيبقَى ملك الصيد موقوفًا، فإنْ عادَ إلى الإسلامِ بانَ أنَّه ملكه من حينِ الأخذِ، وإن ماتَ مرتدًّا فهو لأهلِ البغي على المعتمدِ. ولو وقعَ صيدٌ في ملكِه أو مستأجَرٍ أو مستعارٍ أو مغصوبٍ، وصار مقدورًا عليه بتوحُّل وغيره لم يَملِكْهُ على الأرجح إذا لم يقصد بذلك التوحُّل الاصطياد، فإن كان مما يقصد به الاصطياد فهو كنصبِ الشبكة للصيدِ، فيملكهُ قطعًا، ومتى ملكَهُ لم يزُلْ مِلْكُه بانفلاتِه، ويزول بإرسال المالك لهُ على المنصوصِ إذا قصدَ إخراجَهُ من ملكِه خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصلِهِ (١). ولو تحوَّلَ حمامه من برجِهِ إلى برجِ غيرِهِ، فأخذَهُ ذلكَ الغيرُ، فعليهِ ردُّهُ. فإنِ انتقلَ من حمامِ كلِّ واحدٍ منها إلى برجِ صاحبِهِ واختلطَ وعَسُرَ التمييز لم يصح بيع أحدهما، وهبته شيئًا منه لثالث إذا باع أو وهبَ شيئًا معينًا بالشخصِ، ثم لم يظهر أنَّه ملكه، فأمَّا إذا باع شيئًا معينًا بالجزء كنصفِ ما ملكه أو ثلث ما ملكه، أو باع جميع ما يملكه، وفي كلِّ الصُّورِ الثمنُ معلومٌ، فإنَّه يصحُّ إذا رأى المشتري جميع الحمام كما ذكرَ شيخُنَا. وكما لا يصحُّ بيعُ الشيءِ المعيَّنِ بالشخصِ ولا هبته لثالثٍ، لا يجوز لصاحبِهِ على الأرجحِ لما تقرَّرَ خلافًا لمن قالَ بخلافِهِ، فإن باعاهُ والعددُ

стр. 1603

معلومٌ والصحَّةُ سواءٌ صحَّ، وإن لم يكن كذلك فلا يصحُّ إلَّا إذا قالَ: كلُّ واحدٍ منهما بعتكُ الحمامُ الذي لي بكذا، أو عيَّن الثمنَ فيصحُّ حينئذٍ. وإذا جرحَ الصيدَ اثنانِ متعاقبانِ، فإن لم يكن الأوَّلُ مذففًا ولا مزمنًا، والثاني مذفف أو مزمن فهو للثاني، وإن ذفف الأوَّل فله أو أزمنَ فله، ثم إن ذففَ الثانِي بقطعِ حلقومٍ ومري؛ فهو حلالٌ، إذا كانتْ فيهِ حياةٌ مستقرِّةٌ، وعليه للأوَّلِ ما نقصَ بالذبحِ. وإن جرحَا معًا وذففا أو أزمنا فهو لهما، وإن ذفف أحدهما وأزمنَ دونَ الآخرِ فلهُ، وإن ذفف أحدهما وأزمن الآخر، فهو بينهما على النصِّ. وإن احتملَ أن يكونَ الإزمان بهما أو بأحدهما، فهو بينهما في ظاهرِ الحُكمِ، وإنْ ذففَ واحدٌ لا بقطعِ الحلقومِ والمريءِ وأزمن الآخرُ، وجُهِلَ السابقُ حرم على المذهب (١). * * *

стр. 1604

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتابُ الأضحيةِ هي بضمِّ الهمزةِ وكسرِها وتشدَّدُ ياؤُها وتخفَّفُ، ويقال: ضحيِّةٌ وجمعُها ضحايَا، وهي ما يُذبَحُ من النَّعمِ تقرُّبًا إلى اللَّهِ تعالى يومَ عيدِ النَّحرِ وأيامَ التَّشريقِ بقصدِ التضحية. قال إبراهيم المَرْوَرُّوذيُّ: وهي مشتقَّةٌ من الضحوةِ، وهي اسمٌ لزمانٍ يعقبُ طلوعَ الشمسِ وارَتفاعِها، وقيل: مشتقة من الضحى، وهو مكانُ ذبحِها. وقيل: إنَّما سُمِّيتْ أضحيةً لأنَّها تُذبحُ وقتَ شروقِ الشَّمسِ. انتهى. والأصل في الباب قبل الإجماعِ قولُه تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ على أشهرِ الأقوال، وثبتتْ فيه أحاديث في الصحيحين وغيرهما. هي سُنَّةُ كفايةٍ لغيرِ الحمل، وإنَّما تتعلقُ هذه السنة بالحرِّ المسلمِ القادرِ

стр. 1605

عليها، ويعتَبَرُ اليسارُ عندَ جوازِ الذَّبحِ في يوم العيدِ. ولا تلزمُ الأضحيةُ إلَّا بالنذرِ، بأن يقول: "جعلتُ هذه الشاةَ ضحيةً". فإن قال: "الأضحية لازمة لي"، أو: "التزمتُ الأضحية" كانَ كفاية قطعًا، ولا تلزم إلَّا بالنيةِ. ويكرهُ لمريدها إذا دخلَ عشر ذي الحجة، أو أرادها في أثناء العشرِ أن يزيل شعره أو ظفره أو شيئًا من بدنِه من جلدة ونحوها لغير حاجةٍ، بعذر، تشبُّهًا، حتى يضحِّي، وسُنَّ أن يذبحَها بنفسه إن أحسنَ الذبحَ، وإلَّا فليشهدها، ولا تصحُّ إلّا بالحيوان الزكوي، وهو الإبلُ، والبقرُ، والغنمُ (١). وشرطُ الإجزاء في الإبلِ أن تَطْعَنُ في السادسةِ، وبقرٍ ومعز في الثالثة، وضأنٍ في الثانيةِ ما لم تجذع قبل ذلك، فإن أجذع قبل ذلك كان كافيًا، ويصحُّ بالذكرِ والأنثى والخصي. ويجزئ البعيرُ عن سبعةٍ، والبقرةُ عن سبعةٍ، والشاةُ عن واحدٍ، وأفضلُها الإبلِ، ثم البقر، ثم الضأن، ثم المعز (٢). والتضحيةُ بسبع شياه أفضلُ من بدنةٍ أو بقرةٍ، وشاةٌ أفضلُ من الشركة فيها. وشرطُها سلامةٌ من عيبٍ يفسدُ اللحمِ، وينقصُ الثَّمن، فلا تجزئ العجفاءُ ولا مقطوعةُ بعضِ الأذنِ، ولا بعضُ الذنبِ، ولا بعضُ الضرعِ، ولا بعضُ الأليةِ، ولا بعضُ اللسانِ، ولا التي خُلِقتْ بلا أُذُنٍ (٣). ويستثنى منه ما إذا قُطِعَ بعضُ الأذنِ وبقيَ متدليًا، فإنَّه لا يمنعُ على

стр. 1606

الأصحِّ. ولا تجزئُ العرجاءُ البينُ عرجُها، والعوراءُ البينُ عورُها بذهابِ الحدقةِ، أو النور كله أو غطَى البياضُ أكثرَ الحدقةِ. فأما ضعفُ البصرِ فلا يمنعُ. ولا تجزئُ المريضةُ البيِّنُ مرضُها، ولا الجرباءُ البيِّنُ جربُها، كثيرًا كانَ الجربُ أو قليلًا. وأمَّا التَّولاءُ، وهو المجنونةُ فإنْ كانتْ هزيلةً امتنعتِ الأضحيةُ بِها، إلحاقًا لها بالعجفاء. وتجزئُ الأضحيةُ بالحامل على المنصوصِ ما لم يحصُل نقصٌ فاحشٌ، فإنْ نهكها الحملُ وتفاحشَ نقصان اللحمِ فهذه يمتنع الأضحية بِها. ولا يضرُّ فقدُ قرونٍ، وكذا شقُّ أذنٍ وخَرْقُها وثقبُها في الأصحِّ، فإنِ انكسرَ القرنُ وأثَّرَ الانكسارُ في اللحمِ كانَ كالجربِ. ويدخلُ وقتُ التضحيةِ إذا طلعتِ الشَّمْسُ بائنة يومَ النحرِ، ثم مضى قدرُ ركعتين وخُطبتين خفيفات، ويبقى حتى تغربَ آخرَ التشريقٍ، والسنَّةُ عندَ الشافعيِّ ﵁ التَّعجيلُ في صلاةِ النحرِ (١). وإذا نذرَ بمعينة مُجزئة عن الأضحيةِ أو غير مجزئة، فقال: "للَّه عليَّ أَنْ أضحي بهذه" لزمَهُ ذبحها في هذا الوقتِ، وبعد أيام التشريقِ إذا أخَّرها عن هذا الوقت على النصِّ، فإن تلفت قبله فلا شيء عليه، وإن أتلفها لزمه أكثر الأمرين من قيمتها، وتحصيلُ مثلِها، ويذبَحُها فِي ذلكَ الوقتِ أو بعدَهُ إذا فاتَ كما تقدَّم (٢).

стр. 1607

وإن نذرَ في ذمتهِ لربِّه ذبحه فيه عيَّن أم لم يعيِّن، فإن فاتَ الوقتُ ضحَّى بعد ذلك الذي عيَّنه عن نذرِهِ الذي كانَ في الذِّمَّةِ، فإنْ بلغتْ قبلَ الذبحِ بقي الأصلُ عليهِ علَى المذهبِ، وإنْ تلفتْ بعد أيامِ التشريقِ مع إمكانِ الذَّبحِ في وقتِهِ فإنَّه يبقى الأصلُ قطعًا. وتشترطُ النيةُ عندَ الذَّبحِ (١) إنْ لم يسبقْ تعيينٌ غيرُ موجبٍ، فإن سبقَ جازَ تقديمُ النيةِ على الذبحِ على الأصحِّ، وإن سبقَ تعيينٌ موجبٌ، لم يغنِ عن النيةِ على الأصحِّ، ويجوز بعدَهُ تقديمُ النيَّةِ على الذبحِ على الأصحِّ، ولو وكَّلَ بالذبحِ نوى عند إعطاءِ الوكيلِ أو ذبحه. ويجوزُ من الوكيلِ ولو فوضَ النيةَ إلى الوكيلِ المسلمِ العاقلِ المميزِ الضَّاحي جاز. وله الأكلُ من أضحيةِ التطوُّعِ، إذا لم يرتدَّ، فإن أرتدَّ لم يكنْ لهُ أَنْ يأكُلَ من أضحيتِهِ التي تطوَّع بِها قبلَ الرِّدَّةِ شيئًا، وله إطعامُ الأغنياء المسلمين ولا يمتنعُ تمليكُهم على ظاهرِ النصِّ (٢). وأما الأضحيةُ الواجبةُ بالنذرِ غير المجازاة في معين، فيجوزُ الأكلُ منها على قولِ أكثرِ الأصحابِ، وقال في "العدة" أنَّه المذهبُ. ويأكُلُ المسلمُ من أضحيتِهِ التي تطوَّعَ بها ثلثها على الجديدِ، ونقلَ الماورديُّ عنِ القديمِ أنَّه يأكُلُ ويدَّخِرُ ويُهدي النصف، ويتصدَّقُ على الفقراءِ بالنصفِ.

стр. 1608

وأظهَرُ القولينِ: وجوب التصدُّق ببعضِها (١)، وهو الذي ينطلقُ عليه الاسمُ من اللحمِ لا الشيء التافه، والأفضلُ أن يتصدَّقَ بكلِّها إلَّا لُقَمًا يتبرَّكُ بأكلها، ويتصدَّقُ بجلدها أو ينتفعُ به. وولد الأضحيةِ الواجبةِ بذبحٍ ولهُ أكلُ كلِّهِ، وإن منعنا الأكل من أمِّه؛ لأنَّه ليس بأضحيةٍ مستقلَّةٍ، والنذرُ إنَّما يتوجَّهُ إلى الأمِّ، وله شُرْبُ فاضلِ لبنِها، أي عن ولدِها، وعن القدر الذي ينهك لحمها، ولا يجوزُ للعبدِ ولا للمُدَبَّر ولا للمستولَدةِ الأضحية، فإن أذنَ السيِّدُ وقعتِ التضحيةُ عنهُ. ولا يضحِّي المكاتَبُ بلا إذنٍ، ويضحي المبعَّضُ من الذي ملكه ببعضه الحرِّ. ولا تضحية عن الغير بغير إذنِهِ إلا في مسائل: أحدها: إذا كانتِ الشاةُ معيَّنةً بالنذرِ فذبحها أجنبيٌّ في وقتِ التضحيةِ، فالمشهورُ أنَّهُ تقعُ الموقعَ، فيأخذُ صاحبُ الأضحيةِ لحمها ويفرِّقُه، ولا يشترطُ ذبحُه؛ لأنَّ الذبحَ لا يفتقرُ إلى النيَّةِ. الثانية: الولي إذا ضحَّى من مالِهِ عن الذي تحتَ حجرِهِ من الأطفالِ والسُّفهاءِ، والمجانين، فمقتضى نصِّ الشافعيِّ في "الأمِّ" الجوازُ (٢). الثالثةُ: الأضحيةُ الواقعةُ من واحدٍ في البيتِ، تحصلُ بها سنة الكتابة لأهلِ البيت، وإن لم يصدر من بقيةِ أهلِ البيتِ إذنٌ. الرابعةُ: الإمامُ يضحِّي عن المسلمينَ من بيتِ مالِهِم، كما صرَّحَ به الماورديُّ.

стр. 1609

ولا تضحيةَ عن الميتِ مطلقًا على الأرجحِ الذي يقتضيه مذهبُ الشافعيِّ سواءٌ أوصَى بها أم لم يوصِ، خلافًا لما في "المنهاجِ" (١) تبعًا لأصلِهِ. * * * فرع: العقيقةُ في اللغةِ كما قَالَ الأصمعيُّ: اسمٌ للشعرِ على رأسِ المولودِ، قال أبو عبيدٍ: وكذلك كلُّ مولودٍ من البهائمِ، فإنَّ الشعرَ الذي يكونُ عليهِ حينَ يولدُ يُسمَّى عقيقةً. وهي في الشَّرعِ: اسمٌ لما يذبحُ يومَ حلقَ رأسِهِ تسميةً لها باسمِ ما يقارنها. والأصلُ في العقيقةِ قولُهُ ﷺ : "عن الغلامِ شاتانِ وعنِ الجاريَةِ شاةٌ" رواهُ أصحابُ السُّننِ الأربعةِ، وصحَّحه الحاكمُ وابنُ حبَّان (٢). والسُّنَّةُ أن يعقَّ الأصلُ عن فرعِهِ بشاتينِ (٣)، إن كانَ المولودُ ذكرًا، أو بشاةٍ عن الأنثى، وأولى الأصولِ بالفرعِ الأبُ، ثم أبوهُ، ثم الجدُّ للأمِّ. ولو ذبحَ الأبعدُ معَ وجودِ الأقربِ ويسارِهِ وقعَ ذلك الموقع، ولو كان الأصلُ كافرًا والمولود مسلمًا بإسلامِ أمِّهِ مثلًا، أو كانَ الجدُّ قد أسلَمَ وله ولدٌ بالغٌ لم يُسلمْ، ثم حصلَ للولدِ الكافرِ ولدٌ، فإنَّه يتبعُ الجدَّ في الإسلامِ، ويُسنَّ لأبيهِ أن يعقَّ عنهُ كما يتعلَّقُ به إخراج زكاةِ الفطرِ عنهُ على الأصحِّ. ولا بدَّ في المولودِ أن يكون حرًّا ينسبُ إلى أصلِهِ، فلو كان رقيقًا فلا تتعلَّق سنَّةُ العقيقةِ لوالدِهِ؛ لأنَّه لا تلزمهُ نَفَقَتُهُ ولا بمالكهِ؛ لأنَّه لا ينتسبُ لصاحبِ

стр. 1610

الفراشِ، فلا تسنُّ فيهِ عقيقةٌ لصاحبِ الفراشِ فلا يسنُّ ولكن يسنُّ لأمِّه أن تعقَّ عنهُ إذا كانتْ نفقته تلزمها. ولو عقَّ عنِ الغلامَ بشاةٍ كانَ آتيًا بأصلِ السُّنَّةِ، والسنةُ في الشاتينِ أن تكونَا متكافئتين، وينبغي أن تتأدَّى السُّنةُ بسُبْعِ بقرةٍ، أو بدنةٍ. والقولُ في سنِّ الشاةِ وسلامَتِها والأكلِ والتصدُّقِ منها، كما في الأضحيةِ، لكنْ يستحبُّ إعطاءُ الرِّجْلِ للقابلةِ، ويُعطَى منها للجزَّارِ، ويملِكُ الأغنياءُ ما يهدى لهم من العقيقة، بخلافِ الأضحية، فخرجتِ العقيقةُ عنِ الأضحيةِ في التثليثِ والأكلِ، وفيما ذُكرَ. ويسنُّ أن يطبخُ من لحمها طبخًا حلوًا تفاؤلًا بحلاوةِ أخلاقِ الولدِ، ولا تكسرُ عظامُها تفاؤلًا بسلامةِ أعصابِهِ. ويسنُّ أن تذبحَ يومَ سابعِ ولادتِهِ (١)، فإنْ وُلدَ قبلَ الفجرِ فذلك اليومُ يحسبُ، وإن ولدَ بعد الفجرِ فلا يحسبُ، ويسمَّى في السَّابعِ من ولادتِهِ، ويستحبُّ أَنْ يبدأ بحلقِ رأسِهِ فيه، ثم يذبحُ على المنصوصِ. وقطعَ به جماعةٌ، فهو المذهبُ. ويسنَّ أن يتصدَّقَ بزنةِ شعرِهِ ذهبًا أو ورِقًا (٢) وأن يؤذَّنَ في أذنِهِ اليمنى حينَ يولد، ويقيم في اليُسرَى، ويحنَّكَ بتمرٍ، فإن لم يكنْ تمرٌ فشيء آخرُ حلوٌ ولو قيل: إن وجد رطبًا حنَّك به، لكان مناسبًا، كحال الصائم، والتحنيكُ مختصٌّ بالصِّبيانِ، فلم يجئ في السُّنَّةِ تحنيكُ الإناثِ.

стр. 1611

ويستحبُّ (١) أن يكونَ التَّحنيكُ بوترٍ من واحدةٍ أو ثلاث، وأن يكونَ المحنِّكُ من الصالحينَ، فإن لم يكنْ رجلٌ فامرأةٌ صالحةٌ. * * *

стр. 1612

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتابُ الأطعمةِ هي جمعُ طعامٍ، والمرادُ بيانُ ما يُباحُ أكلُهُ وشُربُهُ من المطعومِ والمشروبِ، وللإنسانِ في ذلك حالتا اختيار واضطرار، فلذلك انعقدَ هذا الكتاب. والأصلُ فيهِ قولُه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ الآية، والمرادُ بالطيباتِ هنا ما تستطيبُهُ النُّفوسُ وتشتهيه. حيوان البحرِ الذي لا يعيشُ إلَّا في الماءِ سواءٌ كان ببحرٍ أو نهرٍ، والسمكُ منه حلالٌ حيًّا كانَ أو ميتًا، وكذا غيره على المنصوص (١). وفي قولٍ: لا يحلُّ إذا كانَ ميتًا فإن ذُكِّي حلَّ، وفي قولٍ: إن أُكل مثلُهُ في البرِّ حلَّ، وإلَّا فلا إلّا من السمكِ ما لا نظيرَ له في البِرِّ حلالٌ أيضًا.

стр. 1613

وحمارُ البحر حلالٌ، ولا اعتبارٌ باشتراكِ الاسمِ، بدليل اشتراك الحمار الأهلي المحرَّم بالوحشي المباح؛ لأنَّ هذا وحشيٌّ أيضًا، فإلحاقُ الوحشي بالوحشي أولى. والذي يعيشُ في البرِّ والبحرِ كضفدعٍ وسرطانٍ وتمساحٍ حرامٌ، والحيةُ ذاتُ السُّمِّ حرامٌ؛ لأنّها لا تمكثُ في الماءِ بخلافِ التي لا تعيشُ إلَّا في البحرِ، فإنَّها حلالٌ (١) كما تقدَّم. ويحرمُ البغلُ والحمارُ الأهلي، وأكلُ ذي نابِ من السباع، ومخلبٍ من الطيرِ، كالأسدِ والنمرِ والذئبِ والدُّبِّ والقردِ والبازِ والشاهينَ والَصقرِ والنسرِ والعُقابِ، وكذا الفيلُ وابن آوى، والهرة على الأصحِّ (٢). ويحرُمُ ما نُدِبَ قتلُهُ (٣)، كحيةٍ وعقربٍ، وغرابٍ أبقعَ، وحدأةٍ، وفأرةٍ، وكل سبع ضارٍ، وكذا رخمة، وبغاثة، والأصحُّ حلُّ غراب زرعٍ، والغراب الأسود الرمادي الذي يقالُ له: الغداق الصغير، لأنَّه يلقطُ الحبَّ. وتحريم ببغاء وطاووسٍ، وتحلُّ النعامةُ والكُركيُّ والدجاجُ والحمامُ، وهو كلُّ ما عَبَّ وهدر، وما على شكلِ عصفورٍ وإنِ اختلَفَ لونُهُ ونوعُهُ كالعندليبِ، والصعوةِ (٤) والزُّرْزُورِ، ويحرمُ الخطافُ والنملُ والنحلُ والذبابُ والحشراتُ، وكذا ما تولَّد من مأكولٍ وغيرِهِ كالسبعِ فإنه متولد من الذئبِ والضبع، وما ليس فيه نصُّ تحريمٍ ولا تحليلٍ من ذواتِ الأرواحِ (٥)

стр. 1614

فقال الشافعيُّ (١): (انظر هل كانت العربُ تأكلُهُ، فإن كانتْ تأكلُه ولم يكنْ فيهِ نصُّ تحريمٍ فأكُلْهُ، فإنَّه داخلٌ في جملةِ الحلالِ والطيبات عندَهُم، لأنَّهم كانوا يحلون ما يستطيبونُ وما لم تكن تأكلْهُ تحريمًا له باستقذاره فحرمته لأنَّه داخلٌ في معنى الخبائثِ التي حرموا على أنفسهم فأثبت عليهم تحريمها). انتهى. والجلَّالة التي تأكلُ العذِرة، إذا ظهرَ النتنُ والتغيُّرُ في لحمها، وكذلك في عرقها، أو أوجد ريح النجاسة، فيحرمُ أكلُها على ظاهرِ النصِّ، خلافًا لما صحَّحه في "المنهاجِ" (٢) من الكراهةِ، فإنْ عُلِفتْ طاهرًا فطابَ لحمُها بزوالِ الرائحةِ من عرقِها حلَّ. وكذا لو مرَّ عليها الزمانُ في حياتها من غير أن تعلفَ الطاهرَ بحيث زالتِ الرائحةُ فإنَّ لحمها يحلُّ حينئذٍ، وحكم لبنها وبيضها حكم لحمها حرمةً وحِلًا. ويحرمُ أكلُ نَجِسِ العينِ والمتنجس كالدِّبْسِ (٣) والخلِّ واللبنِ والدُّهنِ. وما كُسِبَ بمخامرةِ نجِسٍ كحجامةٍ وكنْسٍ مكروةٌ للحرِّ، وكلُّ ما فيه دناءةٌ فكسبه يكره للحرِّ ويكرَهُ أن يأكُلَهُ، ويجوزُ أَنْ يُطعمَهُ رقيقَهُ، وناضحه (٤). ومحلُّ جنينٍ وجد ميتًا أو في حكمِ الميتِ في بطنِ المذكاةِ إذا ظهرتْ صورة الحيوانية فيه ولم يوجد قبلَ الذبح سببٌ يحالُ عليه موتُهُ، ولو بقي زمانًا طويلًا بعدَ الذبحِ يضطربُ ويتحرَّك ثم سكنَ، فإن أحيل الاضطراب

стр. 1615

على حركة خروجِ الرُّوحِ بسببِ ذبحِ الأمِّ الذي أثَّر فيهِ حلَّ حينئذٍ، وإن لم يحلَّ على ذلك حرمَ على الصحيحِ. ومَن خافَ على نفسِهِ موتًا أو مرضًا مخوفًا، أو طولَ المرضِ أو عِيلَ صَبْرُهُ، أو جهدَهُ الجوعُ أو خافَ الهلاكَ على نفسِهِ، لو لم يأكل أن يضعفَ عن المشي، أو عنِ الرُّكوبِ، وينقطع عن الرفقةِ ويضيعُ لعدمِ المأكولِ الحلالِ، ولم يكن مُراقَ الدمِ ولم يشرِفْ على الموتِ لزمه أكل سدِّ الرمق على الأصحِّ إذا لم يخف الهلاكَ، لو تركَ الشِّبع، فإنْ خافَهُ، لزمهُ الشبع على الأصحِّ، وإذا توقَّعَ حلالًا قريبًا فلهُ أن يأكُلَ ما يردُّ به نفسَه، ويخرجُ به من الاضطرارِ على النصِّ، وإن لم يتوقَّع الحلالَ عن قربٍ، فالأحبُّ إلى الشافعيِّ أن يكونَ أكلُهُ على ما يقطعُ عنهُ الجوعَ، وأنَّه لا يتبيَّنُ له تحريمُ الشبع (١). وله أكلُ آدميٍّ ميتٍ، إلَّا أن يكونَ نبيًّا أو مسلمًا وكان المضطرُّ ذميًّا، ولا يأكلُ من الآدميِّ غير منَ ذكر إلَّا سد الرَّمق، ويأكله نيئًا، ولا بدَّ مِن فقدِ الميتةِ ونحوِها، وله قتلُ مرتدٍّ عاقلٍ وحربيٍّ لا ذميٍّ ومستأمَنٍ وصبيٍّ وامرأة حربيين. ولو وجدَ طعام غائبٍ غيرَ مضطرٍ يحضرُ عن قريبٍ أكلَ وغرِمَ قيمتَهُ إن كانَ مُتقوَّمًا، أو مثلهُ إنْ كانَ مثليًّا، ووجدَ المثلَ في غيرِ موضعِ التلفِ، وكانتْ قيمتُهُ في بلدِ التلفِ أكثر، فإن لم يكنْ كذلِكَ غرمَ المثل. ولو وجدَ طعام حاضرٍ مضطرٍّ لم يلزمه بدله إنْ لم يفضل عنه، إلَّا إذا كان المضطرُّ نبيًّا فإنَّه يجبُ على المالكِ بدلَهُ.
следующие страницы →