ويستحبُّ (١) أن يكونَ التَّحنيكُ بوترٍ من واحدةٍ أو ثلاث، وأن يكونَ المحنِّكُ من الصالحينَ، فإن لم يكنْ رجلٌ فامرأةٌ صالحةٌ.
* * *
стр. 1612
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتابُ الأطعمةِ
هي جمعُ طعامٍ، والمرادُ بيانُ ما يُباحُ أكلُهُ وشُربُهُ من المطعومِ والمشروبِ، وللإنسانِ في ذلك حالتا اختيار واضطرار، فلذلك انعقدَ هذا الكتاب.
والأصلُ فيهِ قولُه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ الآية، والمرادُ بالطيباتِ هنا ما تستطيبُهُ النُّفوسُ وتشتهيه.
حيوان البحرِ الذي لا يعيشُ إلَّا في الماءِ سواءٌ كان ببحرٍ أو نهرٍ، والسمكُ منه حلالٌ حيًّا كانَ أو ميتًا، وكذا غيره على المنصوص (١). وفي قولٍ: لا يحلُّ إذا كانَ ميتًا فإن ذُكِّي حلَّ، وفي قولٍ: إن أُكل مثلُهُ في البرِّ حلَّ، وإلَّا فلا إلّا من السمكِ ما لا نظيرَ له في البِرِّ حلالٌ أيضًا.
стр. 1613
وحمارُ البحر حلالٌ، ولا اعتبارٌ باشتراكِ الاسمِ، بدليل اشتراك الحمار الأهلي المحرَّم بالوحشي المباح؛ لأنَّ هذا وحشيٌّ أيضًا، فإلحاقُ الوحشي بالوحشي أولى.
والذي يعيشُ في البرِّ والبحرِ كضفدعٍ وسرطانٍ وتمساحٍ حرامٌ، والحيةُ ذاتُ السُّمِّ حرامٌ؛ لأنّها لا تمكثُ في الماءِ بخلافِ التي لا تعيشُ إلَّا في البحرِ، فإنَّها حلالٌ (١) كما تقدَّم.
ويحرمُ البغلُ والحمارُ الأهلي، وأكلُ ذي نابِ من السباع، ومخلبٍ من الطيرِ، كالأسدِ والنمرِ والذئبِ والدُّبِّ والقردِ والبازِ والشاهينَ والَصقرِ والنسرِ والعُقابِ، وكذا الفيلُ وابن آوى، والهرة على الأصحِّ (٢).
ويحرُمُ ما نُدِبَ قتلُهُ (٣)، كحيةٍ وعقربٍ، وغرابٍ أبقعَ، وحدأةٍ، وفأرةٍ، وكل سبع ضارٍ، وكذا رخمة، وبغاثة، والأصحُّ حلُّ غراب زرعٍ، والغراب الأسود الرمادي الذي يقالُ له: الغداق الصغير، لأنَّه يلقطُ الحبَّ.
وتحريم ببغاء وطاووسٍ، وتحلُّ النعامةُ والكُركيُّ والدجاجُ والحمامُ، وهو كلُّ ما عَبَّ وهدر، وما على شكلِ عصفورٍ وإنِ اختلَفَ لونُهُ ونوعُهُ كالعندليبِ، والصعوةِ (٤) والزُّرْزُورِ، ويحرمُ الخطافُ والنملُ والنحلُ والذبابُ والحشراتُ، وكذا ما تولَّد من مأكولٍ وغيرِهِ كالسبعِ فإنه متولد من الذئبِ والضبع، وما ليس فيه نصُّ تحريمٍ ولا تحليلٍ من ذواتِ الأرواحِ (٥)
стр. 1614
فقال الشافعيُّ (١): (انظر هل كانت العربُ تأكلُهُ، فإن كانتْ تأكلُه ولم يكنْ فيهِ نصُّ تحريمٍ فأكُلْهُ، فإنَّه داخلٌ في جملةِ الحلالِ والطيبات عندَهُم، لأنَّهم كانوا يحلون ما يستطيبونُ وما لم تكن تأكلْهُ تحريمًا له باستقذاره فحرمته لأنَّه داخلٌ في معنى الخبائثِ التي حرموا على أنفسهم فأثبت عليهم تحريمها). انتهى.
والجلَّالة التي تأكلُ العذِرة، إذا ظهرَ النتنُ والتغيُّرُ في لحمها، وكذلك في عرقها، أو أوجد ريح النجاسة، فيحرمُ أكلُها على ظاهرِ النصِّ، خلافًا لما صحَّحه في "المنهاجِ" (٢) من الكراهةِ، فإنْ عُلِفتْ طاهرًا فطابَ لحمُها بزوالِ الرائحةِ من عرقِها حلَّ.
وكذا لو مرَّ عليها الزمانُ في حياتها من غير أن تعلفَ الطاهرَ بحيث زالتِ الرائحةُ فإنَّ لحمها يحلُّ حينئذٍ، وحكم لبنها وبيضها حكم لحمها حرمةً وحِلًا.
ويحرمُ أكلُ نَجِسِ العينِ والمتنجس كالدِّبْسِ (٣) والخلِّ واللبنِ والدُّهنِ.
وما كُسِبَ بمخامرةِ نجِسٍ كحجامةٍ وكنْسٍ مكروةٌ للحرِّ، وكلُّ ما فيه دناءةٌ فكسبه يكره للحرِّ ويكرَهُ أن يأكُلَهُ، ويجوزُ أَنْ يُطعمَهُ رقيقَهُ، وناضحه (٤).
ومحلُّ جنينٍ وجد ميتًا أو في حكمِ الميتِ في بطنِ المذكاةِ إذا ظهرتْ صورة الحيوانية فيه ولم يوجد قبلَ الذبح سببٌ يحالُ عليه موتُهُ، ولو بقي زمانًا طويلًا بعدَ الذبحِ يضطربُ ويتحرَّك ثم سكنَ، فإن أحيل الاضطراب
стр. 1615
على حركة خروجِ الرُّوحِ بسببِ ذبحِ الأمِّ الذي أثَّر فيهِ حلَّ حينئذٍ، وإن لم يحلَّ على ذلك حرمَ على الصحيحِ.
ومَن خافَ على نفسِهِ موتًا أو مرضًا مخوفًا، أو طولَ المرضِ أو عِيلَ صَبْرُهُ، أو جهدَهُ الجوعُ أو خافَ الهلاكَ على نفسِهِ، لو لم يأكل أن يضعفَ عن المشي، أو عنِ الرُّكوبِ، وينقطع عن الرفقةِ ويضيعُ لعدمِ المأكولِ الحلالِ، ولم يكن مُراقَ الدمِ ولم يشرِفْ على الموتِ لزمه أكل سدِّ الرمق على الأصحِّ إذا لم يخف الهلاكَ، لو تركَ الشِّبع، فإنْ خافَهُ، لزمهُ الشبع على الأصحِّ، وإذا توقَّعَ حلالًا قريبًا فلهُ أن يأكُلَ ما يردُّ به نفسَه، ويخرجُ به من الاضطرارِ على النصِّ، وإن لم يتوقَّع الحلالَ عن قربٍ، فالأحبُّ إلى الشافعيِّ أن يكونَ أكلُهُ على ما يقطعُ عنهُ الجوعَ، وأنَّه لا يتبيَّنُ له تحريمُ الشبع (١).
وله أكلُ آدميٍّ ميتٍ، إلَّا أن يكونَ نبيًّا أو مسلمًا وكان المضطرُّ ذميًّا، ولا يأكلُ من الآدميِّ غير منَ ذكر إلَّا سد الرَّمق، ويأكله نيئًا، ولا بدَّ مِن فقدِ الميتةِ ونحوِها، وله قتلُ مرتدٍّ عاقلٍ وحربيٍّ لا ذميٍّ ومستأمَنٍ وصبيٍّ وامرأة حربيين.
ولو وجدَ طعام غائبٍ غيرَ مضطرٍ يحضرُ عن قريبٍ أكلَ وغرِمَ قيمتَهُ إن كانَ مُتقوَّمًا، أو مثلهُ إنْ كانَ مثليًّا، ووجدَ المثلَ في غيرِ موضعِ التلفِ، وكانتْ قيمتُهُ في بلدِ التلفِ أكثر، فإن لم يكنْ كذلِكَ غرمَ المثل.
ولو وجدَ طعام حاضرٍ مضطرٍّ لم يلزمه بدله إنْ لم يفضل عنه، إلَّا إذا كان المضطرُّ نبيًّا فإنَّه يجبُ على المالكِ بدلَهُ.
стр. 1616
فإنْ أثر مسلمًا غيرَ مراقِ الدَّمِ شرعًا، ولو كانَ المضطَّرُّ مستأمنًا فكالذِّميِّ.
ولو كانَ صبيًّا من أهلِ الحربِ أو امرأةً منهم أو خُنثى أو مجنونًا، فالقياسُ كمَا قالَ شيخُنا أنَّه يلزمُهُ إطعامُهُم، فإنِ استولَى عليهم بحيثُ رُقُّوا لزمَهُ ذلكَ لهُمْ قطعًا.
ويلزمُهُ إطعامُ المرتدِّ المجنونِ، وحيثُ تعدَّى المالكُ بالمنعِ فللمضطرِّ قهرُهُ، وإن أتَى على نفسِهِ، وإنَّما يلزمُهُ بعوضٍ ناجزٍ إن حضر واحتملَ الحالُ التأخيرَ حتَّى يقعُ الاتفاقُ على العوضِ، فإنْ لمْ يحتملِ الحالُ التأخيرَ وجبَ على صاحبِ المالِ أَنْ يطعمَهُ على الفورِ، ولا يلزمُهُ العوضُ.
ثمَّ إنْ لم يقدر العوض لزمَ المضطرُّ قيمة ما أكَلَ في ذلكَ الزّمانِ والمكانِ، وفيهِ ما يقدم من قولنا، وغرم قيمته إلى آخره.
وإن قدره ولم يفردْ مَا أكلَهُ فالحكمُ كما لو لمْ يقدر.
وإن أفردَهُ فإنْ كانَ المقدَّرُ عن المثلِ أو دونَهُ صحَّ البيعُ، وللمضطرِّ ما فضل، وإن كانَ أكثرَ والتزمَهُ ففيما يلزمه أوجه: أقيسها -وهو الأصحُّ عند القاضي أبي الطيب-: المسمَّى، والثاني -وهو الأصحُّ عند الرويانيِّ-: ثمن المثل في ذلك المكانِ والزمانِ، وفيهِ ما تقدَّم، وهو اختيارُ صاحبِ "الحاوي" إن كانتِ الزِّيادَةُ لا تشقُّ على المضطرِّ ليسارِه لزمته، وإلَّا فلا.
وإن لم يكنْ لَهُ مالٌ ماضٍ لزمه التزامه في ذمَّتِهِ؛ سواء أكانَ لهُ مالٌ غائبٌ أم لا، ويلزمُ المالكُ في هذا الحالِ البيع بنسيئة، ففي حالة أن يكون له مال غائب ينبغي أن يكونَ الأجلُ ممتدًّا إلى وصولِهِ لبلدِ ماله بمقتضَى العادةِ.
وفي حالةِ مَا إذا لم يكنْ لَهُ مالٌ معيَّنٌ أن يكونَ المرادُ بالنسيئة مجرد التأخيرِ، والرِّضَا بالذمة.
стр. 1617
وإذا أطعمَهُ ولم يذكر عوضًا فلا عوضَ على الأصحِّ، وإنْ ظَهَرَ ما يدلُّ على عدَمِ العِوَضِ من قرينةِ إباحةٍ أو تصدُّقٍ ونحوهما، فلا عوضَ قطعًا.
وإذا وجدَ المضطرُّ ميتةً وطعامَ غيرِهِ، فإنْ كانَ المالكُ حاضرًا أو بذلَهُ بلا عوضَ أو بثمنٍ مثلِهِ أو بزيادةٍ لا يتغابنُ الناسُ بمثلِها، ومعه ثمنه أو رضي بذمته لزمه القبولُ.
وإنْ لم يبعْهُ إلَّا بزيادةٍ كبيرةً فلا يلزمُهُ شراؤُه على المذهبِ، ويعدلِ إلى الميتةِ.
وإنْ كانَ المالكُ غائبًا، وجبَ أكلُ الميتةَ على الأصحِّ.
وإذا وجدَ المُحْرِمُ المضطرُّ ميتةً وصيدًا أكلها على المذهبِ إذَا لم يجدْ المحرم حلالًا يذبحُهُ. فإنْ وجَدَ حلالًا يذبحُهُ لا للمحرمِ أو للمحرمِ المضطرِّ، يعني: على المضطر الأكل منه، ويحرمُ عليهِ الميتةَ بلا خلافٍ.
وإنْ ذبَحَهُ الحلال للمحرمِ فهو حرامٌ على المحرمِ خاصَّةً، ولا يحرمُ على غيرِهِ، وحينئذٍ يتعيَّنُ على المحرمِ المضطَّرِّ الأكلُ منهُ، ولا يحلُّ لَهُ أكلُ الميتةَ.
والمرادُ بالصيدِ البريُّ لا البحريُّ، ويستثنَى من البريِّ غيرُ المأكولِ كالمتولِّدِ من الذئب والضبع، فإنَّه لو وجدَهُ المحرمُ المضطرُّ ووجدَ الميتةَ قدَّم الميتةَ بلا خلافٍ.
ويحرم قطعُ بعضِهِ لأكلِهِ على الأصحِّ، ومحلُّ الخلافِ في غيرِ ما يجوزُ قطعُهُ كسليمه، وأن تفقد الميتةُ ونحوها، وأن يكون الخوف في قطعهِ أقل، والأصحُّ جوازُهُ بقدرِ ما يدفعُ المخوف.
ويحرمُ قطعَ بعضِهِ لغيرِهِ، والحضو المعصوم من غيره (١).
стр. 1618
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب المسابقةِ والمناضلةِ
المسابقةُ مفاعلة من السبقِ، بسكون الباءِ، وهو يطلقُ على الاستباقِ بالخيلِ، وبالسهامِ.
والمناضلَةُ المغالبةُ في رمي السهامِ على وجهٍ مخصوصٍ، والأصلُ في جوازهما قبل الإجماعِ، قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الآية.
وفي "صحيح مسلم" (١) عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: "ألَا إنَّ القوَّةَ الرَّميُّ" ثلاثًا.
وفي "الصحيحين" (٢): أن النبيَّ ﷺ أجرى مَا ضُمِّرَ مِنَ الخَيْلِ مِنَ الحَفْيَاءِ
стр. 1619
إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ، وَأَجْرَى مَا لَمْ يُضَمَّرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ.
والمسابقةُ والمُناضلةُ مستحبَّانِ للرجالِ، يقصدِ التَّأهُّبِ بهما للجهادِ.
ويكرَهُ لمن علم الرمي تركهُ كراهةً شديدةً، لما ثبتَ في "صحيح مسلمٍ" (١) أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "مَن علم الرمي ثمَّ ترَكَهُ فليسَ منَّا" قال شيخنا: والذي نقولُهُ أنَّهما من فروضِ الكفايةِ لأنَّهُما متعلِّقَانِ بالجهادِ الذي هو فرضٌ على الكفايةِ.
ويحلُ أخذُ عوضٍ عليهما، وسيأتِي تفصيلُهُ.
وتجوزُ المناضلةُ على السهامِ العربيةِ والعجميةِ، وهي النُّشَّابِ، وعلى جميعِ أنواعِ القسيِّ حتَّى يجوزُ الرَّمي بالمسلَّاتِ إذَا كانَ يحصلُ برميهَا النكايةُ الحاصلةُ من السَّهمِ.
وأمَّا الإبرُ فجوَّزَ في "الروضةِ" تبعًا لأصلها النكل بها، وقال شيخُنا: الذي يظهرُ امتناعُ ذلك في الإبرِ.
وتحلُّ المناضلةُ بالمزاريقِ، والرميُّ بالأحجارِ، والمنجنيقِ على المذهبِ.
وكلُّ نافعٍ في الحربِ ونكايتُهُ كنكايةِ السهمِ. وبالرِّماحِ على الأصحَّ في ذلك.
لا كرة صولجان، ورمي بندقٍ باليدِ، وسباحةٍ، وشطرنج، وخاتم، ووقوفٍ على رجلٍ، ومعرفةِ ما في يدِهِ من شفعٍ أو وترٍ.
وأمَّا المناضلةُ على قسي البندقِ فجائزةٌ على الأرجحِ.
وتصحُّ المسابقةُ على خيلٍ يعتاد المسابقةُ بهَا، وكذا على بغلٍ وحمارٍ على
стр. 1620
الأظهرِ، لا على فيلٍ على المنصوصِ. وهو المعتمدُ في المذهب.
ولا طيرٍ وصراعٍ على النصِّ، والأظهرُ أنَّ عقدَهما لازمٌ على من التزمَ المالَ، وجائزٌ ممنْ لم يلتزِمْ قطعًا.
وحيثُ كانَ العقدُ لازمًا من الجانبينِ، فليسَ لأحدِهمَا فسخُهُ، فإنْ كانَ لازمًا من جانِبٍ واحدٍ فليسَ لملتزمِ المالِ فسخُهُ، وإذا فسخَ من لمْ يلتزمْ ارتفعَ العقدُ، كما لو فسَخَ المرتهن الرهنَ، أو العبدُ المكاتبُ الكتابةَ.
ولا يترك العمل قبلَ شروعٍ وبعدهُ في حقِّ من التزمَ المالَ، أمَّا مَن لم يلتزمْ فلَهُ ذلكَ كما تقدَّمَ في الفسخِ، ولا زيادة ونقص في العملِ بالنسبةِ إلى من التزمَ المالَ من المتعاقدين.
فأمَّا مَن لم يلتزمْ فيجوزُ لهُ ذلكَ، إذا طلبه ورضيَ بذلكَ الملتزمُ، وليسَ لهُمَا زيادةٌ ونقصٌ في المالِ.
وشرطُ المسابقةِ: علمُ الموقفِ والغايةِ التي يعتبَرُ السَّبقُ عندها، ولو تعددتْ، كما لو عيَّنَا غايةً وقالا: إنِ اتَّفَقَ السَّبقُ عندها فذاكَ، وإلَّا تعدَّينَا إلى غايةٍ أُخْرَى -اتفقَا عليها-، فإنَّه يجوزُ على الأصحِّ.
ويشترطُ مساوتهما فيها، وتعيينُ الفرسينِ ولو بالوصفِ على الأصحِّ.
ويتعينانِ فيمنع إبدالُهما، وإمكان سَبْقِ كلِّ واحدٍ الإمكانَ الغالبَ، وأنْ تكونَ المسافةُ بحيثُ يمكنُ الفرسينِ قطعها ولا ينقطعانِ، فإن كان بحيث لا يصلان غايتهما إلَّا بانقطاعٍ وتعبٍ فالعقدُ باطلٌ.
وأن يَتسابقَا على الدابَّتينِ، فلو شرطا إرسالهما لتجريا بأنفسهما، فالعقدُ باطلٌ، ولا ينبغِي أن يعدَّ هنا من الشروطِ اجتناب الشروط الفاسدة، فإنَّ الشروطَ ما يعتبرُ وجودها للصحة، وهذا عدمٌ. نبَّه على ذلك شيخُنَا.
стр. 1621
وشرطُ مُخْرِجِ المالِ أَنْ يكونَ مطلقَ التصرُّفٍ، وأمَّا الذي لم يُخْرِج شيئًا فيجوزُ أَنْ يكونَ سفيهًا؛ لأنَّه إمَّا آخذ أو غير غارمٍ، وذلكَ لا يُمنعُ منه السَّفيهُ.
ويشترطُ في العِوضِ أن يكونَ معلومًا، وفي المتَّعاقدِينِ الإسلامُ على الأرجحِ كمَا قالَ شيخُنا؛ لأنَّ هذا العقدُ أبيحَ للمسلمينَ ليتقووا على قتالِ الكُفَّارِ.
ويجوزُ شرطُ المالِ من غيرِهما ممن يكونُ عالمًا بالأمورِ التي سبقَ اعتبار العلم بها للمتسابقينَ، بأن يقولُ الإمامُ أو أحدُ الرَّعيَّةِ: عاقدتكُما أو عاقدتكم على المسابقةِ المعلومةِ بينهم على أنَّ مَن سبقَ منكُمَا أو منكُم فلَهُ في بيتِ المالِ من مالِ المصالحِ أو على كذا أو يجوزُ من أحدِهما فيقولُ: إن سبقتَني فلكَ عليَّ كذا، وإن سبقتكَ فلا شيءَ عليكَ.
فإن شرطَ أنَّ من سبقَ منهما فلَهُ على الآخرِ كذا، لم يصحَّ إلَّا بمحلِّلٍ فرسُه كفْءٌ لفرسهما.
وكذا لو شرطَ أنَّ من سبقَ منهما فلَهُ على الآخرِ كذا، وللمسبوقِ منهما على السَّابقِ دونَ ما شرطَ للسابقِ على المسبوقِ فلا بدَّ من المحللِ، فإن سبقهما أخذ المالينِ، وإن سبقاهُ وجاءَا معًا فلا شيءَ لأحدٍ، وإن جاءَ مع أحدهما فمال هذا لنفسه، ومال الآخر للمحلِّلِ وللذي معه. وفي وجهٍ للمحلِّل فقط، وإن جاء أحدهما ثمَّ المحلِّلُ، ثم الآخرُ فمالُ الآخر للأوَّلِ على النصَّ (١).
وإن تسابقَ ثلاثةٌ، فصاعدًا، وشرطَ للثاني مثل الأولِ، فالمعتمدُ أنَّه يفسدُ من المسمَّى للثاني، بحيثُ يجعلُ له من المسمَّى ما يسمَّى الثاني غالبًا ناقصًا
стр. 1622
عن الذي للأوَّلِ، ولا يطلقُ الفسادُ كما أطلقَهُ في "المنهاجِ" (١) تبعًا للمحررِ، ودونه يجوز على الأصحِّ.
وأقلُّ السبقِ في الإبل بالكتِدِ أو بعضه -والكتدُ ما بينَ الكاهلِ إلى الظهرِ-. وأقلُّ السبقِ في الخيلِ بالهادي، أو بعضه -والهادي هو العنقُ- إن كانتْ تمد أعناقَها، فإن كانتْ ترفعُ أعناقَهَا عند العدوِ، فالاعتبارُ في سبقِها بالكتدِ (٢).
وإن كانَ للرُّماةِ عرفٌ في المناضلةِ، فينزلُ الإطلاقُ عليهِ، وإن لم يكنْ لهمْ عرفٌ في ذلكَ فلا بدَّ من التعيينِ، والمذهبُ اشتراطُ ذكر الأرشاقِ، وبيانِ عددها في المبادرة والمحاطة لكونِ العملِ ضبط (٣).
والأرشاقُ في المناضلةِ كالميدانِ في المسابقةِ.
والمبادرةُ، أن يبدرَ أحدُهما بإصابةِ العددِ المشروطِ بشرطِ اعتبارِ ذكر عدد الرمي كما تقدَّم.
والمحاطة أن يقابل إصاباتهما ويطرح المشترك، فمن زاد بعدد كذا فأفضلُ، بشرطِ اعتبارِ ذكر عدد الرمي، كما تقدَّم.
ويشترطُ بيان المسافةِ التي يرميانِ فيها، وهي التي يمكن الإصابة فيها بغيرِ نُدرة، ويستثنى من ذلك ما إذا تناضلا على أن يكونَ السبقُ لأبعدِهمَا رميًا ولم يقصدا غرضًا، فإنَّهُ يصحُّ العقدُ على الأصحِّ.
ويشترطُ بيانُ قدرِ الغرضِ طولًا وعرضًا، إلَّا أن يعقدَ بموضع فيه غرض
стр. 1623
معلوم فيحملُ المطلقُ عليهِ.
ولا يشترطُ حينئذٍ بيانُ مسافةِ الرَّمي، ولا قدرَ الغرضِ طولًا وعرضًا.
ولا بدَّ من الإعلامِ بالانخفاضِ والارتفاعِ، إذا لم يكنْ هناكَ عادةٌ. وليتبينا صفة الإصابة مِنْ قَرْعِ وهو إصابةُ السنِّ بلا خدشٍ أو خرقٍ، وهو أن يثقبه، ولا يثبت فيه، أو خسق وهو أن يثبت السن، ثم يثبت، ولو ثبت ثم سقط حسب خاسقًا كما لو نزعَهُ غيرُهُ، ولو لم يثقبه ولكن وقَعَ في خرمٍ هناك وثبتَ فإنَّهُ يحسبُ خاسقًا على الأصحِّ، وكذا لو لم يثقب السنِّ، ولكن أصابَ السهمُ طرفَ الغرضِ فخرمه، وثبت هناك، فأظهرُ القولينِ أنَّهُ يحسبُ خاسقًا.
ولا يتعين القرع إذا شرطاه، بل يغني عنهُ ما بعدهُ، وما حسبَ خاسقًا على الأصحِّ في صورة إصابةِ الطرف يُحسب فارغًا على الأصحِّ.
وإذا شرطا الخرقَ لم يغنِ عنهُ القرع، ويغني عنهُ ما بعدَهُ.
وإذا شرطَا الخسقَ لم يغنِ عنه ما قبلَهُ، ويغني عنهُ ما بعدَهُ وهو المرقُ على النصِّ، أو مرق إن اعتبرناه في الرمي، فيشترطُ بيانه في صفةِ الإصابةِ، وهو عبارة عن أن يخرجَ من الجانبِ الآخرِ ويقعُ منهُ.
وما ذكرناهُ من بيانِ صفةِ الإصابةِ من قرعٍ ونحوه هو فيما إذا أرادا ذلكَ، فإنْ أطلقَا العقدَ المذكورَ فيه الإصابة حُملَ على القرعِ؛ لأنَّه المتعارفُ (١).
ومِن شُروطِ المُناضلةِ: اتحادُ جنسِ ما يُرمَى بهِ، فإنِ اختلفَ كالسهامِ مع المزاريقِ، لم يصحَّ على الأصحِّ، ولو اختلفَ أنواعُ القسيِّ والسهامِ جازَ.
ومنها: أَنْ تكونَ الإصابةُ المشروطةُ ممكنةً، لا ممتنعة عادةً، ولا منتفيةً
стр. 1624
ولا نادرةً.
ومنها: تعيينُ الموقفِ، وتساوي المناضلينَ فيهِ.
* * *
ويجوزُ عوضُ المناضلةِ من حيثُ يجوزُ عوضُ المسابقةِ، ولا يشترطُ تعيينُ قوسٍ وسهمٍ، فإن عين لغا، وجاز إبدالُهُ بمثلِ المعين. والمرادُ مثلُهُ من نوعِهِ.
ومحلُّ هذا إذا عينا في عقدِ المناضلةِ نوعه، فإنْ لم يعينا نوعهُ فالأصحُّ أنَّهُ لا يقومُ هنا تعيينُ القوسِ مقامَ تعيينِ النوعِ، وحينئذٍ فيئول الحالُ إلى أنَّ العقدَ يُطلقُ، فإن كانَ في الناحيةِ عرف رميهم بنوعٍ واحدٍ من القسيِّ، حملَ المطلقُ عليهِ، وجازَ إبدالُ القوسِ بغيرِ مثله، إذا كان النوع المتعارف غير نوعِ القوسِ المعيَّن، فإن لم يكنْ في الناحيةِ عرفٌ مطردٌ في نوعٍ واحدٍ فلا بدَّ من تعيينِ نوع القوس على الأصحِّ عند شيخِنا، واختارَهُ صاحِبُ "التقريبِ"، فإن شرطَ منع إبدالِهِ فسدَ العقدُ.
وإذا لم يعينا البادي بالرمي صحَّ العقدُ، ويقرعُ على النصِّ، وهو المعتمدُ، ولو حضرَ جمعٌ للمناضلةِ فانتصَبَ زعيمانِ يختارانِ أصحابًا قبل العقدِ جازَ، إذا اختارَ زعيمٌ واحدًا، ثم الزعيمُ الآخرُ في مقابِلِهِ واحدًا، ثم الأوَّلُ واحدًا، ثم الثَّانِي واحدًا، وهكذا حتى يستوعبوا.
ولا يجوزُ أن يختارَ واحدٌ جميعَ الحزبِ أولًا؛ لأنَّهُ لا يؤمنُ أَنْ يستوعِبَ الحذَّاقَ في جانبٍ، فيفوتُ مقصودُ المناضلَةِ.
وقطعَ صاحبُ "المهذَّب" و"التهذيب" باشتراطِ استواءِ الحزبينِ في الرءوسِ، وأما استواءُ الحزبينِ في عددِ الأرشاقِ والإصاباتِ فمعتبرٌ قطعًا.
стр. 1625
وذكَرَ الماورديُّ أنَّهم إذا سارعُوا في الاختبارِ قبلَ العقدِ فعدلُوا إلى القرعةِ في التقدُّمِ بالاختيارِ جازَ؛ لأنَّها قرعةٌ في الاختيارِ لا في العقدِ.
فإنِ اختارَ ظنَّهُ راميًا فبانَ أنَّهُ لا يحسنُ الرَّمي أصلًا بطل العقدُ، أمَّا لو بانَ أنَّهُ ليسَ معدودًا من الرماةِ ولكنَّه يحسنُ شيئًا منَ الرمي معَ ضعفٍ أو كثرة خطأٍ، فهذا لا يبطلُ العقدَ فيهِ على المذهبِ المنصوصِ.
ويبطلُ العقدُ في الذي عيَّنه الزعيمُ في مقابلته، وفي الباقي قولا تفريق الصفقةِ، فإنْ صححنا فلهم جميعًا الخيارُ، فإن أجازوا فالمعتمدُ أنَّه يسقطُ واحدٌ معيَّنٌ من الجانبِ الآخرِ كما تقدَّم.
وإذا نضلَ حزبٌ، وكان يخرجُ المالَ الإمامُ أو آحادُ الرَّعية غير الحزبين، وقالَ من نضلَ من الحزبينِ الحزب الآخر: فلَهُ كذا، فالأصحُّ أنَّ المالَ مقسومٌ على عددِ الإصاباتِ.
وإنْ كانَ المخرجُ للمالِ أحدَ الحزبينِ فإنَّه يقسمُ المالُ على المناضلينَ، على عددِ الإصاباتِ أيضًا.
وإن كان المخرجُ الحزبينِ فهذا يحتاجُ إلى محلِّلٍ، وإذا وُجِدَ ونضلَ أحدُ الحزبينِ الحِزْبَ الآخرَ والحزبَ المُحَلِّلَ فإنَّه يحرز الحزب المناضل ما أخرجوه، ويقسم عليهم السبقُ الذي أخرجه الحزبُ الآخر على عددِ رءوسِهم.
ويشترطُ في الإصابةِ المشروطةِ أَنْ تحصُلَ بالنصلِ، فلو تلفَ وترٌ أو قوسٌ أو غرضٌ بشيء انصدمَ به السهمُ، وأصابَ حُسِبَ لهُ، وإلَّا لم يحسَبْ عليهِ، إلَّا إذا كانَ التلفُ بتقصيرِهِ وسوءِ رميهِ، فإنَّهُ يحسبُ عليهِ.
ولو نقلتِ الرِّيحُ الغرضَ فأصابَ موضعَهُ لا يحسبُ له على النصِّ، وإلَّا
стр. 1626
فيحسبُ عليهِ.
ولو شُرِطَ خسقٌ فثقبَ وثبتَ ثم سقطَ، أو لقي صلابةً زائدةً على الصُّلْب المعتاد، وخدشَ النَّصلُ موضِعَ الإصابةِ وخرقَهُ بحيثُ يثبتُ فيهِ مثلُ هذا السهمِ، لكنَّه رجعَ لوجودِ المانِعِ من حصاةٍ ونواةٍ ونحوِهما، حُسِبَ لهُ.
* * *
стр. 1627
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتابُ الأيمان
هي جمعُ يمينٍ، وهو والحلفُ والإيلاءُ والقَسَمُ ألفاظٌ مترادِفَةٌ.
وأصلُها في اللغةِ: اليدُ اليُمنَى، وأطلقتْ على الحلِفِ لأنَّهُم كانُوا إذا تحالَفُوا أخذَ كلٌّ يمينَ صاحبِهِ. وقيل: لأنَّهَا تحفظُ الشيءَ على الحالِفِ كما تحفظُ اليدُ.
وهي في الشَّرعِ: تحقيقُ ما يحتملُ المخالفةَ، أو تأكيدُهُ بذكرِ اسمِ اللَّهِ تعالَى أو صفةٍ من صفاتِهِ.
والأصلُ في البابِ قولُهُ تعالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية، ﴿وَلَا تَجْعَلُوا عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ والعرضةُ في الأيمانِ أَنْ يحلفَ بِهِ في كلِّ حقٍّ وباطلٍ.
وفي البخاريِّ عن ابنِ عمرَ: أكثرُ ما كانَ النَّبيُّ ﷺ يحلفُ: "لا ومقلِّبِ
стр. 1628
القلوبِ" (١).
واجتمعتِ الأمَّةُ على انعقادِ اليمينِ وتعلُّقِ الكفَّارَةِ بهَا.
لا ينعقدُ اليمينُ إلَّا بالحلفِ بِما يُفْهِمُ ذاتَ اللَّهِ تعالى، كقولِهِ: "والذي أعبدُ"، أو"نفسي بيده". أو باسمٍ من أسمائِهِ، أو صفةٍ من صفاتِهِ.
فمن الاسمِ المختص: "اللَّهُ رب العالمين"، و"الحيُّ الذي لا يموت". ولا يقبلُ قولُهُ لم أردْ بِهِ اليمين.
وما لم يختصُّ ولكن يقبلُ إطلاقُهُ في حقِّ اللَّهِ تعالى بحيثُ ينصرفُ إليِهِ عندَ الإطلاقِ كالرحيم، والخالق، والرازق، والربِّ ينعقدُ به اليمينُ، سواء قصدَ أو أطلقَ، إلَّا أَنْ يريدَ غيرُهُ.
وما استعملَ فيه وفي غيرِه سواء فإن كانَ المذكورُ اسمًا يعمُّ الواجبَ والممكنَ وليس فيه صفةُ مدحٍ كالشيء، والموجودِ، فهذا لا يكونُ يمينًا، وإنْ نوَى به اللَّهَ تعالَى، وألحق الإمامُ بذلك الحق.
وإن ذكرَ اسمًا يختصُّ بأولي العلمِ كالعالمِ والعليمِ والحكيمِ والحليمِ. فإنْ نَوَى بهِ اللَّهَ كانَ يمينًا.
وإن ذكرَ اسمًا لا يختصُّ بأولي العلمِ، ولكنَّه أخصُّ من النبيِّ ويعمُّ أولي العلمِ وغيرهم كالحيِّ والمتكلِّم، فإن نوى به اللَّهَ كانَ مترتبًا على ما قبلَهُ، وأولَى بأن لا يكون يمينًا.
والصفةُ كـ (وعظمة اللَّه، وعزته وكبريائه وعلمه وقدرته ومشيئته) يمينٌ، إلَّا أن ينوي بذلك ما يتعلَّقُ بالمخلوقِ.
стр. 1629
ومن الصفةِ: كلام اللَّه، وحق اللَّه. إلَّا أن يريدَ بالحقِّ العباداتِ.
وحروفُ القسمِ المشهورةِ (باء، وواو، وتاء) كـ (باللَّه، وواللَّه، وتاللَّه)، ولا تختصُّ التاء باللَّهِ، على معنى أنَّه لا يصحُّ القسمُ شرعًا إلَّا إنْ دخلتْ على اللَّهِ، فلو قالَ: (تالرحمن) انعقدتْ يمينهُ وغايتُهُ أنَّه استعمالٌ شاذًّا.
وكذا لو قالَ: تحياة اللَّهِ، ولو قال: تالرحمن، أو غير ذلك مما سبق، انعقدت يمينه على ما سبقَ نبَّه على ذلك شيخُنا.
ولو قالَ: "اللَّه" ورفع أو نصبَ أو جرَّ فليسَ بيمينٍ، إلَّا بنيَّةٍ، وإذا قالَ: أقسمتُ باللَّه، أو أقسمُ باللَّهِ، أو حلفتُ باللَّهِ، أو أحلفُ باللَّهِ لأفعلنَّ كذا، فيمينٌ إن نواها، أو أطلق، فإن قال: قصدتُ خبرًا ماضيًا أو مستقبلًا يصدَّق باطنًا، ويصدَّقُ ظاهرًا على الأظهرِ إذا لم يُعرف له يمينٌ ماضيةٌ، فإن عُرِف، قُبِل قوله في الظاهر أيضًا بلا خلافٍ.
وإنْ قالَ: لغيرِه: أقسمُ عليه باللَّه ليفعلنَّ كذا، فيمينٌ عندَ الإطلاقِ على الأظهرِ، وإن قال: أسألُك باللَّهِ لتفعلنَّ، وأرادَ يمينَ نفسِهِ فيمينٌ، وإلَّا فلا، وإذا قالَ: إنْ فعلتُ كذا فأنا يهوديٌّ، أو بريءٌ من الإسلامِ، فليسَ بيمينٍ.
ومن سبقَ لسانُهُ إلى لفظِها بلا قصدٍ لم ينعقدْ، ويصحُّ اليمينُ على ماضٍ ومستقبلٍ لا يمنعُ الحنثَ فيه، كقوله: واللَّهِ لا أصعدُ إلى السماء. فلا ينعقد اليمين حينئذٍ على الأصحِّ.
وتكرهُ اليمينُ إلَّا في طاعةٍ، وإلَّا في الأيمانِ الواقعةِ في الدعاوَى، إذا كانتْ صادقة، وإلَّا إذا دعتْ إليهِ حاجةٌ كتوكيدِ كلامٍ وتعظيمِ أمرٍ، ومن ذلك لو ظُنَّ بهِ أو بغيرِهِ سوءٌ، أو جنايةٌ، أو ركوبُ فاحشةٍ، وهو يعلمُ براءتَهُ فحلفَ على نفي ذلك فلا يكرَهُ، بل ينبغي استحبابُ الحلفِ إذا كان يُصَدَّق فيه ليدفعَ ظنَّ السوءِ عن نفسِهِ وعن عِرضِ أخيهِ.
стр. 1630
فإنْ حلَفَ على أن يتركَ واجبًا أو يفعلَ حرامًا عصى ولزمَهُ الحنثُ، والكفَّارَةُ، ويستثنى من الواجبِ الذي يعْصِي بتركِه الواجبُ الذي يمكنُ سقوطُهُ، فإنَّ الإنسانَ إذا حلفَ على تركِهِ لا يعصي لقصَّةِ أنس بن النضرِ، فإنَّه بعدَ قضاء النبي ﷺ بالقصاصِ في ثنيَّةِ الرُّبيعِ قالَ أنسُ بن النَّضرِ: "واللَّهِ لا تكسرُ ثنيَّةِ الرُّبيع" فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا أنسُ، كتابُ اللَّهِ القصاص" فرضوا بأرشٍ أخذُوه، فتعجَّبَ النبيُّ ﷺ وقال: "إنَّ من عبادِ اللَّهِ مَن لو أقسَم على اللَّهِ لأبرَّهُ" (١) فلم يذكرِ النبيُّ ﷺ لأنسِ بن النضرِ ولا لأمِّ الرُّبيعِ التي حلفتْ كأنسٍ في بعضِ الرِّواياتِ عصيانًا، ولا ما يدلُّ عليهِ، وجعلهما من عبادِ اللَّهِ الذينِ يبر اللَّهُ قسمهم.
ووجهُ ذلكَ أنَّ القصاصَ مما يمكنُ سقوطُهُ فلا إثمَ عليهِ في الحَلِفِ على عدَمِ وقوعِ ذلكَ إمَّا لثقتِهِ بفضلِ اللَّهِ ولطفِهِ أنَّهُ لا يحنثُه، أو رغبةً إلى مستحقِّ القصاصِ بالعفو، وعلى هذا فلا فرقَ بينَ الجانِي وغيرِهِ.
وإذا حلفَ الإنسانُ على تركِ الواجبِ على الكفايةِ، لم يعصِ؛ لأنَّ الفرضَ لم يتوجَّهْ إليهِ بخصوصِهِ، نبَّه على ذلكَ شيخُنا، ولو حلفَ على تركِ مندوبٍ أو فعلِ مكروهٍ، فيسنُّ حنثُهُ وعليهِ الكفَّارَةُ.
أو تركِ مباع أو فعلِهِ، وكان ذلك المباحُ مما لا يتعلَّقُ به غرضٌ في الامتناعِ منهُ، فالأفضلُ تركَ الحنثِ، ونقلَ الإمامُ عن قطع العراقيين أن الأفضلَ الحنثَ، واختارَهُ والدُهُ، وممن جزَمَ بِه الفورانيُّ في العمد.
ولو حلفَ أن يفعلَ واجبًا أو يترك محرَّمًا فالأفضلُ البقاءُ على اليمينِ، والحنثُ فيهِ مع العلمِ بالحالِ حرامٌ، وعليه الكفَّارةُ إذا حنثَ، والأفضلُ
стр. 1631
البقاءُ على اليمينِ أيضًا إذا حلَفَ أن يفعلَ مندوبًا أو يتركَ مكروهًا، ولا يحرمُ الحنثُ. ومتَى حنث لزمت الكفارةُ.
وللحالفِ تقديمُ الكفَّارَةِ بغيرِ الصَّومِ على حنثٍ جائزٍ، وكذا حرام على الأصحِّ، وله تقديمُ كفارةِ ظهارٍ على العود وقتلٍ على الزهوق بعد حصول الجرحِ، ولا يجوزُ تقديمُ الكفارةِ على الجرح بحالٍ، وفيه احتمالٌ لابن أبي سلمةَ تنزيلًا للعصمة منزلة أحد السببين.
والمنذور يجوزُ تعجيله أيضًا قبل وجود المعلق عليه إن كان ماليًّا، مثل أن يقول: إن شفا اللَّهُ مريضي فلله عليَّ أن أعتقَ عبدًا، أو أتصدَّقَ بكذا، وإن كانَ بدنيًّا فلا يجوزُ.
* * *
فرع: يُخَيَّرُ الحالفُ الرشيدُ غيرُ المُفلسِ، والمريضُ في كفَّارةِ اليمينِ بينَ عتقٍ كالظِّهارِ، وبينَ إطعامِ عشرةِ مساكينَ مسلمينَ أحرارٍ غيرِ الهاشِميينَ والمُطَّلبيين ومواليهم، لكلِّ مسكينٍ مُدٌّ من غالبِ قوتِ بلدِهِ كما في الفطرةِ. وبين كِسوتِهم بِما يُسمَّى كسوَةً، كقميصٍ، أو عمامَةٍ أو إزارٍ أو منديلٍ. ولا يُجْزئ الخفُّ ولا القُفَّازانِ، ولا المنطقةِ.
ويشترطُ صلاحيةُ المدفوعِ إليهِ على ظاهِرِ النَّصِّ خلافًا في "المنهاجِ" تبعًا لأصلِهِ، وأما جنسُ الكسوةِ فيجزئ المتخذُ من صوفٍ وشعرٍ وقطنٍ، وكتَّانٍ وقزٍّ وإبريسم، وأمَّا لباسُ الجلودِ والفِرَى فإنْ كانَ في بلدٍ يلبسُ أهلُهُ ذلكَ أجزأَهُ، وإنْ كانَ في بلدٍ لا يلبسُهُ أهلُهُ جازَ على أصحِّ الوجهينِ، فإنْ عجَزَ عنِ الثَّلاثَةِ لزِمَهُ صومُ ثلاثةِ أيامٍ، والأظهَرُ عدمُ وجوبِ تتابعِها، هذا حكمُ الرَّشيدِ غيرُ المفلسِ، والمريضِ.
стр. 1632
فأمَّا السَّفيهُ، فالمنصوصُ أنَّهُ كالمعسِرِ، يكفِّرُ بالصَّومِ، ولو أنَّ رشيدًا حلفَ وحنثَ، ثُمَّ حُجِرَ عليه بالسفَّهِ، فيخرجُ الوليُّ عنهُ، ولو حلفَ وهو رشيدٌ، ثمَّ حُجِرَ عليهِ بالسَّفَهِ ثم حنثَ، فهي مرتَّبةٌ على ما قبلها، وأولى بالمنعِ.
ولو أنَّ العاقلَ الرشيدَ حلفَ وحنثَ ثمَّ جُنَّ، فيخرجُ وليهُ عنهُ من مالِهِ الكفَّارةَ.
وأمَّا المحجورُ عليه بالفلسِ إذا حنثَ لا يتخيَّرُ، بل حكمُهُ حكمُ المُعسرِ، فلهُ الانتقالُ إلى الصَّومِ، إذا أرادَ ذلك، فإنِ انفكَّ الحجرُ ولم يصم وأيسَرَ فالنظرُ إلى حالِ الأداءِ على الأصحِّ، فيثبتُ التخيير حينئذٍ.
وأمَّا المريضُ المرض المخوف إذا حلفَ وحنثَ، فإنْ أخرَجَ الكفَّارَةَ في حياتِهِ بمقتضَى خيرتِه، فلا حجرَ للورثَةِ عليهِ في ذلكَ، وإذا أعتقَ عبدًا عن كفارتِه قيمتُهُ ثلاثمائة درهمٍ مثلًا، ثمَّ ماتَ، وكانَ ثلثُ مالِهِ مائتي درهمٍ مثلًا، قالَ شيخُنا: فإن قلنا يحسبُ من الثلثِ لم يعتَقْ إلَّا ثُلثا العبدِ، ولا يفيدُ الميتَ ذلكَ في خلاصِ ذِمَّتِهِ من الكفَّارَةِ، ولا سبيلَ إلى إبطالِ عتق كلِّه والانتقالِ إلى ما يخرجُ من الثُّلثِ من الخصالِ؛ لأنَّهُ أمرٌ لا نظيرَ له، فاحتجنا إلى تنفيذِ ما فعلَهُ المريضُ لهذهِ الضَّرورةِ، وقُلنا يحسبُ عن رأسِ المالِ لما يلزمُ مِن حسابِهِ مِنَ الثُّلثِ من المحذورِ المذكورِ. ولمْ أَرَ مَن تعرَّضَ لذلكَ. انتهى.
وإنْ ماتَ هذا الحالِفُ في المرضِ الحانِثِ فيهِ، ولم يكنْ قد فعلَ شيئًا من الخصالِ المذكورةِ، ولكن أوصَى بفعلٍ معيَّنٍ منها فهذا يمكن اعتبارُهُ من الثُّلثِ، فإن لم يخرجْ من الثُّلثِ ولم تحصل إجازة عدلَ إلى ما خرَجَ من الثُّلثِ.
وإن صدرَ الحنثُ في الصحَّةِ، وقلنا إنَّ المعتَبَرَ في اليسارِ والإعسارِ بحالةِ
стр. 1633
الأداءِ، وهو الأصحُّ، فهو معسرٌ إلَّا في الثلثِ، فيعتبَرُ الكلُّ من الثُّلُثِ، ويحتملُ أَنْ يُقالَ القدرُ المشتركُ بين الخصالِ الثلاثِ يعتبرُ من رأسِ المالِ، والزَّائدُ من الثلثِ، وإذا غابَ مالُ الحالِفِ الحانِثِ إلى مكانٍ لا يعدُّ به معسرًا انتظرَهُ ولم يصم.
وإن غابَ إلى مسافةِ القصْرِ فما فوقَها بحيثُ يعدُّ معسرًا جازَ لَهُ أن يُكَفِّرَ بالصَّومِ.
ولا يكفِّرُ عبدٌ غيرُ المكاتبِ بمالٍ إلَّا إذا ملكَهُ سيِّدُهُ طعامًا أو كسوةً، وقلنا يملكُ به وأذنَ لهُ أَنْ يُكفرَ بِهِ، وإلَّا إذا ملكَهُ مالًا وأذن لَهُ أن يشتريَ بِهِ طعامًا أو كسوةً فَفَعَلَ، وأذن له أَنْ يُكفِّرَ بِه فكفَّرَ جازَ.
ولو ماتَ العبدُ وعليهِ كفَّارَةُ يمينٍ، فللسيدِ أَنْ يُكفِّرَ عنهُ بالإطعامِ أو الكسوةِ، وإنْ قُلنا لا يملكُ بالتمليكِ؛ لأنَّ التكفيرَ عنهُ في الحياةِ بنفسِ دُخولِهِ في ملكِه، والتكفيرُ بعدَ الموتِ لا يستدعِي ذلك، ومحلُّ هذا لو أعتقَ عنهُ لم يجزئه على الأصحِّ لإشكالِ الولاء، وحيثُ قُلنا لا يكفِّرُ عبدٌ بمالٍ في غيرِ ما استثني فكفَّرَ بالصومِ، فإنْ ضرَّه، وكانَ حلفَ وحنثَ بإذنِ السَّيدِ صامَ بلا إذنٍ، وإن وجدا بلا إذنٍ لم يصم إلَّا بإذنٍ، وإن أذن في أحدهما، فإن كانَ قد أذنَ في الحلفِ فقط وحنثَ بغيرِ إذنِهِ لم يستقلَّ بالصومِ على الأصحِّ، بل لا بدَّ من إذنِ السَّيدِ في ذلكَ، وفي عكسِهِ وهو الحنثُ بالإذنِ يستقلُّ بالصومِ على المذهبِ.
ومَن بعضُهُ حرٌّ وله مالٌ يكفِّرُ بالإطعامِ أو الكسوةَ لا بالإعتاقِ إلَّا في صورةٍ واحدةٍ وهيَ ما إذا قالَ لَهُ مالكُ بعضِهِ إذا أعتقتَ عنْ كفَّارتِكَ فنصيبِي منكَ حرٌّ قبلَ إعتاقِكَ عنِ الكفَّارَةِ، فنصيبي حرٌّ مع إعتاقكَ عنِ الكفَّارَةِ، فإنَّهُ في الأولى يصحُّ إعتاقُهُ عنْ كفَّارَتِهِ قطعًا، وكذا في الثانيةِ على الأصحِّ.
стр. 1634
* ضابطٌ: ليسَ لنا مبعَّضٌ يكفرُ بالإعتاقِ إلَّا هذا.
* * *
فصل
حلفَ لا يسكُنُها، أو لا يقيمُ فيها، فليخرجْ في الحالِ من بابِها إن أمكنَهُ، فلو لم يمكنهُ أن يخرجَ مِن بابِها لم يحنثْ بالصُّعودِ للخروجِ، ولو كانَ لها بابانِ لم يحنَثْ بالخروجِ من أحدهما؛ لأنّه أخذَ في الخُروجِ، وإن بَعُدَ مسلكُهُ، فإنْ مكثَ بلا عذرٍ حسِّيٍّ بأنْ أغلقَ عليه البابَ أو منعَ من الخُروجِ، أو خافَ على نفسِهِ أو مالِهِ لو خرَجَ، أو كانَ مريضًا أو زَمِنًا لا يقدرُ على الخروجِ ولم يجدْ من يخرجُهُ أو مرضَ وعجزَ بعد الحلفِ على الأصحِّ من قولي المكره.
أو شرعيٌّ كما لو ضاقَ عليهِ وقتُ الصَّلاةِ، ويعلمُ أنَّه إنْ خرَجَ منهَا فاتتهُ، فإنَّهُ يحنثُ لعدمِ عذرِهِ، ولا يحنَثُ بوجودِ عذرٍ مما تقدَّمَ.
وإن اشتغلَ بأسبابِ الخروجِ كجمعِ متاعٍ، ولبس ثوبٍ، وإخراج أهلٍ لم يحنَثْ، ولا يمكثُ في عود لِنقلِ متاعٍ، أو زيارة، أو عيادة، أو عمارة، ولو حلفَ لا يساكنه في هذه الدارِ فكالتي قبلَهَا، وغير الحالفِ لو خرجَ في الحالِ فلا حنثَ، ولو بني بينهما حائلٌ من طينٍ أو غيرِهِ فالأصحُّ عندَ الجمهورِ يحنثُ، لحصولِ المساكنَةِ إلى تمامِ البناءِ، هذا إذا كانَ البناءُ بفعلِ الحالفِ أو بأمرِهِ أو بفعلِهما أو بأحدِهما.
فأمَّا لو كان البناءُ بأمرِ غيرِ الحالفِ إمَّا المحلوفِ عليهِ أو غيره، فإنَّه يحنثُ الحالِفُ قطعًا؛ لأنَّه لم يفعلْ ولم يأمُرْ بالبناء، لم يكن مشتغلًا برفعِ المُساكنَةِ، فتوجَّهَ إليه الحنثُ قطعًا.
стр. 1635
ولو حلفَ لا يدخلُها وهو فيها، فلا حنثَ بالإقامةِ فيها، أو لا يخرج منها وليس فيها، فلا حنثَ إلَّا بخروجٍ منها بعد دخولِها.
وإن حلفَ لا يتزوجُ، أو لا يتطهَّرُ أو لا يلبسُ أو لا يركبُ، أو لا يقعدُ، فاستدام هذه الأحوالَ حنثَ إلَّا في التزوجِ والتطهُّرِ فلا يحنثُ باستدامتهما.
ولا يحنثُ إذا حلفَ لا يتطيب واستدامه على الأصحِّ، ويحنث باستدامة الوطء والصوم والصلاة على الأصحِّ خلافًا في "المنهاجِ".
وإذا حلفَ لا يدخلُ دارَ كذا، حيث بأن يصيرَ داخل محوط الدارِ بأي وجهٍ كانَ باختيارِهِ، إلَّا في الحجرةِ التي باجها خارجَ الدَّارِ وهي فوقَ الدارِ، ولا يحنثُ بالسطحِ غيرِ المحوطِ، وكذا المحوط من جانبين أو ثلاثةٍ أو أربعةٍ على الأصحِّ بتحويط مانع نيئًا أو خشب ونبق، فأمّا ما ليس بمانع كالقصب وما ضعفُ من الخشبِ فلا يحنثُ بمصيره فيه قطعًا.
فإن كان المحوطُ سقفًا كلُّه حنثَ قطعًا، إذا كانَ يصعدُ إليهِ من الدَّارِ، وكذا إن كان مسقفًا بعضُهُ وصارَ الحالفُ تحتَ المسقفة، فإن صارَ في المكشوفِ من السطح بالتسور أو بالنزولِ من دار الجارِ مثلًا، فإنَّهُ لا يحنثُ.
ولا يحنثُ بدخولِ طاقٍ قدام البابِ على الأصحِّ، ولا يحنثُ بدخولِ يدهِ أو رأسِهِ أو رجلِهِ التي إنْ وضعَ رجلَهُ فيها معتمدًا عليها، وباقي بدنِهِ خارجها حنثَ.
وإذا انهدمَتِ وبقي منها شيءٌ فإن منعَ الهدمُ من سُكنَى الباقي وسكنى المنهدم لم يحنثْ بدخولِ الباقي، ولا بدخولِ المستهدمِ، وإن نفع من سكنى المستهدم دون الباقي على عمارتِه لم يحنثْ بدخول المستهدمِ منها، ويحنثُ بدخولِ الباقي من عمارتِها.
стр. 1636
ولو انهدمت بيوتها وبقي سورها، وهو مانعٌ لعلوِّه، فإنَّ الحالفَ يحنثُ بدخولِهِ، وإن كانَ غيرَ مانعٍ لِقصرِهِ فلا يحنثُ بدخولِهِ على الصحيحِ، ولا يحنثُ إذا صارتْ فضاءً، أو جُعلتْ مسجدًا أو حمًّامًا أو بستانًا بعدما انهدمت.
وإذا حلفَ لا يدخلُ دار زيدٍ، حنثَ بدخولِ ما ملكَهُ، وإن لم يسكنْهُ، إلَّا أن يريدَ مسكنَهُ.
وإن حلفَ لا يدخلُ دارَ زيدٍ، أو لا يكلِّمُ عبدَهُ أو زوجتَهُ فباعهما، وزالَ ملك البائعِ عنهما، أو طلَّقهَا بائنًا، لم يحنَثْ.
فلو قالَ دارُهُ هذهِ، أو زوجتُهُ هذه، أو عبدُهُ هذا، فيحنثُ، إلَّا أن يريدَ ما دامَ ملكَهُ، ولا يحنثُ إذا كلَّمهما بعد البيعِ وزوالِ الملكِ عنهما، أو كلمهما بعدَ الطلاقِ البائنِ.
وإن حلفَ لا يدخلها من ذا البابِ، فنُزع ونُصبَ في موضعٍ آخرَ منها حنث بالأوَّلِ على النصِّ دونَ الثَّاني. وقيل: لا يحنثُ بواحدٍ منهما.
ولو حلفَ لا يدخلُ بيتًا حنثَ بكلِّ بيتٍ من طينٍ أو حجرٍ أو آجرٍّ أو خشبٍ أو خيمةٍ إذا كانَ الحالفُ عربيًّا، فأمَّا العجميُّ إذا قال بالفارسيَّةِ "درخانة نشوم" (١) فعنِ القفَّالِ أنَّه لا يحنثُ بالخيمةِ، ولا ببيتِ الشعرِ؛ لأنَّ العجمَ لا يطلقونَ هذا الاسمَ عليها، بل على المبنيِّ، وعلى هذا جرَى الإمامُ والغزاليُّ والرُّويانيُّ وغيرُهم، ورجَّحَهُ الرَّافعيُّ في "الشرحِ الصغيرِ".
ولا يحنثُ بمسجدٍ وكنيسةٍ وغار جبلٍ لم يتَّخذْ مسكنًا، فأما ما اتُّخذَ من ذلك مسكنًا فإنَّه يحنثُ به على أصلِ الشافعيِّ ﵁.
стр. 1637
ولو حلفَ لا يدخلُ على زيدٍ، فدخلَ بيتًا فيه زيدٌ وغيرُهُ حنثَ على. . . (١) الطريقين، فلو جهل حضورَهُ فخلاف حنث الجاهل، ولو حلفَ لا يسلِّم عليه فسلَّمَ على قومٍ هو منهم واستثناهُ لم يحنثْ، وإن أطلقَ حنث على المذهب، إلَّا أَنْ يُسلِّمَ الحالفُ من الصَّلاةِ فلا يحنثُ سواء أكانَ إمامًا، أو مأمومًا، أَو منفردًا، والمحلوفُ عليه هناك غير مصلٍّ؛ لأنَّ الذي يحلفُ عليه الإنسانُ أنَّه لا يسلِّمُ إنما هو السَّلامُ الخاصُّ الذي يحصُلُ به الأنسُ، وزوالُ الهُجرانِ، وهذا إنَّما يكون في السلامِ في غيرِ الصَّلاةِ، فإنَّهُ هو الذي يحلفُ على تركه (٢).
* * *
فصل
حلف لا يأكلُ الرءوسَ، ولم يكن له نية، فإنَّه يحنثُ برءوسٍ تُباع وحدها عادةً، ولا يحنثُ بالطَّيرِ والحوتِ والصيدِ إلَّا ببلدٍ تباعُ فيه منفردةً، وكانَ الحالفُ من أهلِ تلك البلد.
فإن كانَ من غيرِ أهلِ البلدِ وحلفَ ولم يبلغه عرفُ تلكَ البلدِ ثمَّ جاءَ إليها، فإنَّه لا يحنثُ بذلكَ.
والبيضُ يُحملُ على مُزايلِ بايضِهِ في الحياة كدجاجٍ ونعامة وحمامٍ، ويحنثُ بأكلِ البيضةِ المتصلةِ التي خرجتْ مِنَ الدَّجاجَةِ بعدَ موتِها على أرجحِ الوجهينِ، لا سمك وجراد (٣).
واللحمُ على لحمِ نعمٍ وخيلٍ ووحشٍ وطيرٍ، إذا كانَ مُذَكًّا، فأمَّا لحمُ
стр. 1638
الميتةِ منه فالأرجحُ عدمُ الحنثِ (١).
وإذا اصطادَ الحلالُ لأجلِ المحرمِ الاصطيادَ بالجرحِ الذي يكونُ به حلالًا، فإنَّه يحرمُ على المحرمِ خاصَّةً، فلو حلَفَ هذا المحرمُ أن لا يأكُلَ لحمًا حنثَ بأكلِ هذا اللحمِ على الأقوى؛ لأنَّ هذا الحل لغيرِهِ في حالِ الاختيارِ، بخلافِ الميتةِ فإنَّها لا تحلُّ لأحدٍ في حالِ الاختيارِ.
ويتناولُ اللحمُ لحمَ الرَّأسِ واللسانِ على المذهبِ (٢)، ولا يتناولُ شحمَ الظَّهرِ والجَنبِ، ولا الشحم الذي يتخلل اللحم على الأصحِّ في الجميعِ عندَ شيخِنَا خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصلِهِ، ولا يتناولُ الكرشَ والكبدَ والطِّحالَ والقلبَ على الأصحِّ.
وأن الأليةَ والسنامَ ليستا شحمًا ولا لحمًا، والدسمُ يتناولُهما، وشحم الظهر والبطنِ وكل دهن مأكول، ولحم البقرِ لا يتناولُ الجاموس على الأصحِّ عند شيخِنا، إلَّا أن يكونَ الحالفُ قد بلغَهُ الأمرُ الشَّرعي في أنَّ هذا بقرٌ شرعًا في الزَّكاةِ والأضحيةُ والهدايا وفدية الجماعِ، فيكون الحلفُ منصبًّا إليهِ حينئذٍ.
وإذا قالَ مُشيرًا إلى حنطَةٍ: لا آكلُ هذه، حنثَ بأكلِها على هيئتها وبطحينها وخبزها، ولو قال: لا آكلُ هذه الحنطةَ حنثَ بها نيَّة ومقلية ومطبوخة (٣).
والحنطةُ باقيةٌ مع الطبخِ، ولا يحنثُ بها مطبوخة وزالَ اسمُ الحنطةِ عنها على النصِّ، ولا بطحينها وسويقها وعجينها وخبزها.
стр. 1639
ولا يتناول رطبٌ تمرًا ولا بُسْرًا ولا عنبٌ زبيبًا، وكذا السكوتِي.
ولو قالَ لا آكلُ هذا الرطب بتمرٍ فأكلَهُ أو: لا أكلِّمُ ذا الصبيَّ، فكلَّمه شابًّا أو شيخًا حنثَ على النصِّ (١).
والخبزُ يتناولُ كلَّ خبزٍ يسمَّى خبزًا لغةً، ولا يحنثُ بأكلِ الخبزِ الذي يحرُمُ أكلُهُ شرعًا، وهو خبزُ الحشيشة المفترة.
ولو حلفَ لا يأكلُ السويقَ فسفَّهُ، حنثَ إنْ لاكَه ثم ازدردَهُ، فأمَّا لو ابتلعَهُ من غيرِ أَنْ يلوكَهُ فإنَّه لا يُسمَّى أكلًا على الأصحِّ، فلا يحنثُ به حينئذٍ على الأصحِّ، وإن تناولَهُ بإصبعٍ ولاكَهُ ثم ابتلعه حنثَ كما في السَّفِّ، وإلَّا فلا، وإن جعلَهُ في ماءٍ فشربَهُ فلا حنثَ، أو لا يشربه فبالعكس (٢). أو لا يأكلُ لبنًا أو مائعًا آخرَ فأكلَهُ بخبزٍ حنثَ، وإن شربَهُ فلا، أو لا يشربُه فبالعكسِ.
أو لا يأكلُ سمنًا، فأكلَ جامدًا أو ذائبًا بخبزٍ حنثَ، وإن شربًا ذائبًا فلا حنثَ، وإن أكلَهُ في عصيدةً، حَنَثَ، إن فاتَ عنه ظاهره (٣).
ويدخل في فاكهةٍ بسرٌ، ومنصف، ورطب، ورمان إن وصل إلى حال نضجه، وأترج صلح للتفكُّه، وما أطلق عليه فاكهة في حال رطوبته، فإنَّه يستمرٌّ عليه ذلك الاسم ولو يبس (٤).
ونبق وكذا بطيخ أصفر وأخضر، وهو الهنديُّ (٥)، وإن أطلق بطيخٌ دخل الهنديُّ إن كان الحالف بالديار المصرية، كما قالَهُ شيخُنا، ولب الفستقِ
стр. 1640
والبندقِ وغيرهما على الأصحِّ.
ويدخل فيه القِثَّاء والخيار على النصِّ، ولا يدخلُ الليمون خلافًا لما في "المنهاجِ" (١) لأنَّه يصلح به بعض الأطعمةِ كالملحِ، وليس هو من الفاكهةِ، ولا النارنج كما ذكره شيخنا، ويدخلُ في الثِّمارِ اليابسُ لغةً وعرفًا، ولو أطلق تمر وجوز لم يدخل الهنديُّ فيهما (٢).
والطعامُ يتناولُ عُرفَ أهلِ بلدِ الحالفِ، فمن كانَ عُرفُ بلدِهِ الطعامُ المطبوخُ كعرفِ الدِّيارِ المصريَّةِ حملَ عليه، ومن كانَ عُرفُهم أنَّ الطَّعامَ هو البرُّ كأهلِ الحجَازِ حمِلَ عليهِ، فلا يحنثُ أحد إلَّا بما يفهمه، ويكونُ ما أطلقَ لغةً وشرعًا إنَّما يلزمُهُ بهِ حِنثٌ بلغَةِ ذلكَ الإطلاقِ وفهمه، هكذا ذكرَ شيخُنا.
ولو قالَ: لا آكلُ من هذه البقرةِ، يتناولُ لحمَهَا وشحمَهَا ومُخَّها، وما ليسَ بلحمٍ ولا شحمٍ كالقلبِ وشحمة العينِ، ونحو ذلك مما يؤكَلُ من الحيوانِ إذا ذكي دونَ ولدٍ ولبنٍ، ولو قالَ: لا آكلُ من هذه الشجرةِ، فتمرٌ وجُمَّارٌ دونَ ورق لم يؤكلْ عادةً، وطرف غصنٍ.
* * *
فصل
حلفَ لا يأكلُ هذه التمرةَ (٣)، فاختلطتْ بتمرٍ فأكلَهُ إلَّا بعضَ تمرِةٍ لم يحنَثْ، وكذلك الحكمُ لو ضاعَ من الجميعِ تمرةٌ وأخذها طائرٌ، وجاز أنها
стр. 1641
المحلوفُ عليها، هذا إذا لم يتيقن أنَّه أكلها، فإنْ تيقَّنَ أنَّه أكلَها (١) أكل المحلوفَ عليها حنثَ جزمًا.
ويحنثُ بآخرِ تمرة يأكُلُها إذا أكلَ الكُلَّ، كما قالَهُ القَفَّالُ، حتَّى لو كانَ الحلفُ بالطلاقِ، فالعدَّةُ من حينئذٍ لا من وقتِ الاشتغالِ بالأكلِ.
ولو حلفَ ليأكلنَّها، فاختلطتْ لم يبرَّ إلَّا بالجميعِ إن لم يتيقَّنْ إلَّا بذلك، فإن تيقَّنَ بدونِهِ كأنْ وقعتِ التمرةُ في جانبِهِ من الصبرةِ ولا تغُص فيها، وأَكَلَ الحالفُ من ذلكِ الجانب الذي وقعتْ التمرةُ عليهِ فلا حنثَ، حيثُ تيقَّنَ أنَّه أتى عليها.
أو ليأكلنَّ هذه الرُّمَّانة، لم يبرَّ إلَّا بجميعِ حبِّها ولا يحنثُ بتركِهِ قشرها وشحمها.
وإن حلفَ لا يأكُلُ هذه التَّمرةَ فأكلَهَا إلَّا قُمعها أو شيئًا بقي عليها مما جرَتِ العادةُ بتركِهِ فقد حنثَ. قالَهُ الضمريُّ.
أو لا يلبس هذين، أو لا يلبسُ هذا وهذا لم يحنثْ بأحدهما، أو لا ألبسُ هذا ولا هذا، حنثَ بأحدهِما، وتبقى اليمينُ منعقدةً على الفعلِ الآخرِ على أصحِّ الوجهينِ، حتَّى إذا وجدَ يكفِّرُ أخرَى.
وإن حلفَ ليأكلنَّ هذا الطَّعامَ غدًا فماتَ قبلَهُ من غيرِ أن يقتلَ نفسَهُ فلا شيءَ عليهِ على المذهبِ، وإنْ مَاتَ أو تلفَ الطعامُ في غدٍ بعدَ غلته من أكلِهِ لا يحنثُ على النصِّ مع بقاءِ الوقتِ الذي يمكنُ فيهِ البرُّ لو بقيَ الطَّعامُ. قال شيخنا: وهو المذهبُ المعتمدُ.
ولو قتلَ نفسَهُ بعدَ مجيءِ الغدِ، فإنَّه يحنَثُ، كما إذا قتَلَ نفسَهُ قبلَ الغدِ،
стр. 1642
وإن ماتَ قبلَ التَّمكُّنِ من غيرِ قتلِ نفسِهِ أو تلفَ الطَّعامُ قَبلَهُ بغيرِ تقصيرٍ منهُ ففيهِ قولَانِ؛ لأنَّهُ كالمُكرهِ، والأظهرُ عدمُ الحنثِ. وإنْ أتلفَهُ بأكلٍ أو غيرِهِ مختارًا ذاكرًا لحلفِهِ حنثَ، وإن تلفَ بغيرِ تقصيرٍ منه، أو أتلفَهُ أجنبيٌّ ولم يمكنْهُ دفعُهُ فلا يحنثُ على الأصحِّ كالمكرهِ.
وإن حلفَ ليقضينَّ حقَّه عندَ رأسِ الهلالِ، فليأخذ في القضاءِ عندَ دخولِ الشهرِ، ويكفي في ذلك أَنْ يشرعَ في أسبابِ القضاءِ من ذلكَ الوقتِ، فإذا أخذَ في إحضارِ المالِ ذلك الوقتِ وورثه كان ذلك مقتضيًا لبرِّة، وإن لم توجدْ حقيقة قضاء الدَّينِ عند رأسِ الهلالِ، ولهذا لو احتاجَ إلى زمانٍ طويلٍ في الكيلِ أو الوزنِ لم يحنثْ بعدَ الشُّروعِ في ذلكِ من أوَّلِ جزءٍ من تلكَ الليلةِ، فإنْ قدم القضاء على الوقتِ أو مضى بعد الغروبِ قدر إمكانِ ولم يفعلْ ما تقدَّم حنث.
ولو حلفَ لا يتكلَّمَ فسبَّحَ حنثَ على الأرجحِ؛ لأنَّهُ تكلَّمَ، ولكنَّه لم يكلِّمِ النَّاسَ، وهو لم يحلِفْ على أن لا يكلِّمَ النَاسَ، ولا يحنثُ إذا قرأ القرآنَ.
وإن حلفَ أَنْ لا يكلمه، فسلَّمِ عليه في غيرِ الصلاةِ حنثَ. وإن كاتَبَهُ أو راسلَهُ أو أشارَ إليه بيدِهِ أو غيرها فلا يحنثُ على الأظهرِ.
وإنْ قرأ آيةً وقعدا لِقراه، أو أطلقَ لم يحنثْ، وإلَّا حنثَ.
وإن حلفَ لا مالَ لهُ حنثَ بكلِّ نوعٍ من مالٍ، وإن قلَّ، بحيثُ يكونُ متمولًا حتى ثوبَ بدنِهِ، ومدبَّره، ومعلق عتقه على صفة في حياةِ المعلَّق، وأم ولدِهِ، ومقضي به كذلكَ، ودين حالّ، ومؤجَّلٌ في الأصحِّ، إلَّا الدين الذي للسَّيِّدِ على المكاتب، وإلَّا إذا مات المديون ولم يخلفْ تركة وليسرَ بالدينِ ضامنٌ لأنَّ الدينَ حينئذٍ صارَ في حكمِ العدمِ، لا مكاتبَ كتابةً صحيحةً على الأظهرِ.
стр. 1643
وإن حلفَ ليضربنَّه، فالبرُّ بِمَا يُسمَّى ضربًا، ولا يشترطُ الإيلامُ، إلَّا أن يقولَ: ضربًا شديدًا، فيشترطُ الإيلامُ مع ضربٍ تطلقُ اللغةُ عليه شديدًا، ولا يكفي وضع سوطٍ عليهِ، وعضٌّ، وخنقٌ، ونتفُ شعرٍ؛ لأنَّ ذلكَ لا يسمَّى ضربًا. وأمَّا اللطمُ والوكزُ فيكفيانِ في البرِّ إذا حلفَ على الضربِ على الأصحِّ.
ولو حلفَ ليضربنَّه مائة سوطٍ، أو خشبةٍ، فشدَّ مائة مما سمَّاهُ، وضربَهُ بها ضربةً، أو بعثكالٍ عليهِ مائة شمراخٍ برَّ بالشدِّ فيما سمَّاه ولا يبرُّ بالعثكالِ فيما إذا حلفَ ليضربنَّه مائة سوطٍ على الصحيحِ، خلافًا لما في "المنهاجِ" (١)، وإنَّما يبرُّ فيما تقدَّمَ إذا أصابَهُ الكلُّ أو تراكمَ بعضٌ على بعضٍ، فوصلَ إليهِ ثقلُ الكُلِّ.
ولو شكَّ في إصابةِ الجميعِ برَّ على النصِّ، إذا كانَ الضربُ بحيثُ يغلبُ على الظنِّ وصولُ الجميعِ، إنِ اعتبرنا المماسَّةَ، أو ثقلَ الجميعِ، إنِ اكتفينا بالانكباسِ، وأن لا يغلبَ على ظنِّ الحالفِ أنَّه لم يصل الجميع، بل يكونُ على خلافِ ذلك واحدٌ من أمرين: إمَّا بأن يغلبَ على ظنِّه إصابةُ الجميع، وإمَّا بأن يشكَّ شكًّا مستويًا.
ولو حلفَ ليضربنَّهُ مائةَ مرَّةٍ، لم يبرَّ بذلك، وإن قالَ: لا أفارقَكَ حتى أستوفي حقِّي منكَ، فهربَ قبلَ استيفاءِ المحلوف على استيفائِهِ، وكانَا ماشيينِ، ولم يقصِّرِ الحالفُ في الخُطَى، ولم يقفْ، أو واقفين ولم يمكنهُ اتباعه لم يحنثْ، وكذا إن أمكنَهُ على الصحيحِ، وإن فارقَهُ أو وقفَ حتَّى ذهبَ وكانَا ماشيينِ، أو أبرأهُ أو احتالَ على غريمٍ ثم فارقَهُ، أو اعتبرَ مفارقة
стр. 1644
ليوسر حنثَ. وإنِ استوفَى وفارقَهُ فوجدَه ناقصًا، إن كانَ من جنسِ حقِّه لكنَّه أردأ لم يحنثْ، وإن لم يكنْ من جنسِ حقِّهِ حنثَ إن كانَ عالمًا، وإلَّا فعلى الخلافِ في حنثِ النَّاسِي.
وإذا حلفَ لا يرى منكرًا إلَّا رفعهُ إلى القاضي، فرأى وتمكَّن ولم يرفعْ حتَّى ماتَ الحالفُ حنثَ، ويحملُ على قاضي البلدِ، فإن عزلَ فالبرُّ بالرفعِ إلى القاضِي، وإن قال: لأرفعنَّه إلى قاضٍ، برَّ بكلِّ قاضٍ. أو لأرفعنَّه إلى القاضي فلان، فرآه ثم عزل، فإن نوى ما دام قاضيًا حنثَ إن أمكنَهُ رفعُهُ فتركَهُ، وإن لم يمكنْهُ فكمكرهٍ، وإن لم ينوِ بَرَّ بالرفعِ إليهِ بعدَ عزلِهِ، ومحلُّ حنثِهِ جزمًا في صورة موتِ الحالفِ، وفيما إذا أمكنَهُ رفعُهُ إلى القاضي ما دامَ قاضيًا فتركَهُ ما إذا لم يرَ المنكرَ بين يدي القاضِي الذي يبرُّ بالرفعِ إليه، فإن رآهُ فإنما يحصل البرُّ بأن يخبره به كما قاله المتولي.
ولو رأَى المنكرَ بعدَ اطلاع القاضي عليهِ، فالأصحُّ -وبه أجابَ البغويُّ- أنَّه يبرُّ بالإخبارِ وصورةِ الرفعِ.
وقد نصَّ في "الأمِّ" (١) على نحو ما قالَ المتولِّي، وعلى ما يساعد هذا التصحيح الذي أجابَ به البغويُّ، ولفظُه: وإن علماهُ جميعًا فعليهِ أن يخبرَهُ إنْ كانَ ذلك مجلسًا واحدًا. انتهى. وهو المعتمدُ.
* * *
فرع (٢): حلفَ لا يبيعُ ولا يشتري، فعقدَ لنفسِهِ أو غيرِهِ حنثَ، ولا يحنثُ بعقدِ وكيلِهِ لَهُ.
стр. 1645
وإن حلفَ أن لا يزوجَ أو لا يطلقَ أو لا يعتقَ أو لا يضربَ، فوكَّلَ من فعلَ ذلكَ لا يحنثُ إلَّا أَنْ يُريدَ أن لا يفعلَ هو ولا غيرُه.
وإن حلفَ أن لا ينكِحَ فلا يحنثُ بعقدِ وكيلِهِ لَهُ على مقتضَى النصِّ، وقالَ به أكثرُ الأصحابِ، وهو المعتمدُ في الفتوَى، خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصلِهِ، وكذا لا يحنثُ بقبولِهِ هو لغيرِهِ.
وإن حلفَ لا يبيعَ مال زيدٍ فباعَهُ بيعًا صحيحًا حنثَ، وإلَّا فلا، وإن حلفَ أن لا يهبَ لَهُ فأوجبَ لَهُ فلم يقبلْ لم يحنثْ على الأرجَحِ، وإنْ قبلَ ولم يقبضْ حنثَ على المعتمدِ في الفتوى.
ويحنثُ بعمرَى، ورُقبى، وهبة تقديريَّة، كقولِه: أعتق عبدك عنِّي مجانًا، وصدقة تطوع.
ولا يحنثُ بالإعارةِ والوصيةِ والوقفِ الذي لا يكونُ في الموقوف حال الوقف عين يملكها الموقوف عليه، وإن حلفَ لا يتصدَّقُ فلا يحنثُ بالهبةِ على الأصحِّ.
وإن حلفَ أن لا يأكلَ طعامًا اشتراهُ زيدٌ، فاشتراهُ زيدٌ وغيرُهُ لم يحنثْ على النصِّ فيهما، ويحنثُ بما اشتراهُ سلمًا.
ولو اختلطَ ما اشترَاهُ بمشترى غيرِهِ لم يحنثْ حتَّى يأكُلَ قدرًا يعتقدُ أنَّهُ أكلَ من المختلطِ وإن لم يبلغْ مقدارَ طعامِهِ فيحنثُ حينئذٍ.
وإن حلفَ لا يدخلُ دارًا اشتراهَا زيدٌ، لم يحنَثْ بدارٍ ملكَ بعضَها بشفعةٍ.
* * *
стр. 1646
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتابُ النذر
جمعهُ نذور، ويقالُ نذر ينذرُ بكسر الذال المعجمة في المضارعِ وضمها لغتانِ.
وهو في اللغةِ: الوعدُ بخيرٍ أو شرٍّ.
وفي الشرع: الوعدُ بالخيرِ دونَ الشَّرِّ.
وحدَّهُ بعضُهم بأنَّه التزامُ قربةٍ غير لازمةٍ بأصلِ الشَّرعِ.
وأصلُ البابِ قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾، وقوله ﷺ : "مَن نذَرَ أَنْ يطيعَ اللَّهَ فلْيُطِعْهُ، ومن نذَرَ أن يعصيَهُ فلا يعصِه" رواهُ البخاريُّ (١) وغيرُهُ.
وأركانُهُ ثلاثةٌ: الناذِرُ، والصيغةُ، والمنذور:
فأمَّا الناذرُ: فشرطُهُ أَنْ يكونَ مسلمًا مُكلَّفًا، مختارًا، مطلقَ التَّصرُّفِ فيما نذَرَهُ، ونذرُ العبدِ والزوجَةِ متوقفٌ على إذنِ السيِّدِ والزوجِ.
стр. 1647
وأمَّا الصيغةُ: فيشترطُ اللفظُ من الناطقِ، ويشترطُ فيه التنجيز.
والنذرُ ضربان (١):
(١) نذرُ لجاجٍ، وهو أن يمنعَ نفسَهُ من شيءٍ أو يجبرها عليهِ، على وجهِ اللجاجِ والغضبِ، بالتزامِ قربةٍ كإن كلمَّته أو إن لم أخرج من البلدِ فلله عليَّ عتقٌ أو صومٌ. وفيه كفَّارَهُ يمينٍ على أظهرِ الأقوالِ؛ لأنَّهُ هو الذي أفتى به الشافعيُّ، والصحابةُ قبلهُ، والتابعونَ، ورجَّحه جمعٌ كثيرٌ من أصحابِهِ، فهو المعتمدُ في الفتوى، وعليه لو أرادَ المكلفُ أن يفعلَ ما التزمَهُ من القربِ أجزأهُ ذلكَ، بل هو أفضلُ إن كانَ أكثر من الكفَّارَةِ، وإن قال: إن دخلتُ الدارَ فعليَّ كفارةُ يمينٍ، أو نذرٌ لزمتهُ كفارةٌ بالدُّخولِ.
(٢) الضربُ الثَّاني: نذرُ التبَرُّر، بأن يلتزمَ قربةً إن حدثَتْ نعمةٌ، أو ذهبتْ نِقمةٌ، مثلَ أن يقول: إن شفى اللَّهُ مريضي للَّه عليَّ أَنْ أفعلَ كذا. فيلزمَهُ ذلك إذا حصل المعلَّقُ عليه في حياةِ النَّاذرِ، سواء أكانتْ القربةُ ماليَّةً أو غيرها، وإن كانتِ القُربةُ ماليَّة فتعتبَرُ مع حياةِ الناذِرِ أن يكونَ أهلًا للملكِ، ولم يكنْ عليهِ حجرُ سفهٍ، وإن لم يعلقه بشيءٍ كـ "للَّه عليَّ عتقُ رقبةٍ لما أنعمَ اللَّهُ عليَّ من شفاءِ مريضي"، فإنَّه يلزمُهُ الوفاءُ بالمنذورِ قولًا واحدًا. ذكرَهُ القاضي الحسينُ في "تعليقِهِ"، وهو حسنٌ.
ولا يصحُّ نذر معصيةٍ، ولا واجب العينِ على طريقِ التخصيص، فأمَّا واجبُ الكفايةِ الذي يحتاجُ في أدائها إلى بذلِ مالٍ، ومزيدِ مشقَّةٍ كالجهادِ وتجهيزِ الموتَى، فإنَّه لازمٌ.
وأمَّا واجبُ العينِ على طريقِ العمومِ كما إذا نذرَ الوضوءَ لكلِّ صلاةٍ، فإذا
стр. 1648
توضّأ لصلاةٍ عن حدثٍ خرجَ به عن واجبي الشَّرع والنَّذرِ.
ولو نذرَ صومَ أيامٍ غيرَ مؤقَّتة ندب تعجيلها، إن لم يكنْ عليه صومُ كفَّارةٍ سبقتْ النذرَ، وهي على التراخِي، فإن كانَ عليه كفَّارَةٌ سبقتِ النَّذرَ ندب تعجيلها، وتقدمُ على تعجيلِ النَّذْرِ.
وأمَّا الكفَّارَةُ على الفورِ فإنَّه يجبُ تعجيلُها، ولا توقف في تقديمِ الواجبِ على المندوبِ، ولو كانَ عليه نذرُ أيامٍ سبقتْ هذا النذرَ ندبَ تعجيلُ الأوَّلِ قبلَ الثَّانِي، وإن قيَّدَ بتفريقٍ أو موالاةٍ جازَ التتابع، ولا يجبُ على الأصحِّ.
ولو نذَرَ ما هو مندوبٌ إليهِ شرعًا، كصومِ يومين ويومٍ، أو يومٍ ويومٍ، فإنَّهُ يجبُ التفريقُ حينئذ.
وكذا لو قالَ: "للَّه عليَّ أن أصومَ يومَ الاثنينِ من هذا الأسبوعِ، ويوم الأربعاءِ من الأسبوعِ المذكورِ"، فإنَّه يجبُ التفريقُ، لأنَّه يتعينُ اليومُ المعين للصومِ بالنذرِ على الأصحِّ.
وإنْ نذرَ صومَ سنةٍ معيَّنةٍ، صامها وأفطر العيد والتشريقَ، وصام رمضانَ عنه ولا قضاء.
وإن أفطرتْ بحيضٍ أو نفاسٍ وجبَ القضاءُ على الأصحِّ إذا أفطرتْ في غير شهرِ رمضانَ، فأمَّا أيامُ الحيضِ الواقعةِ في رمضانَ فإنَّها لا تقضيها إلَّا عن رمضانَ فقطْ، لا عنِ النَّذرِ بلا خلافٍ، ولا عنه وحدَهُ وعن النذرِ وحدَهُ، ولو أفطرَ يومًا بلا عذرٍ أو بعذرِ المرضِ أو السفرِ وجبَ قضاؤُه، ولا يجبُ استئنافُ ما مضَى، فإن شرطَ التتابع لم يجبْ على الأصحِّ، أو غير معيَّنة غير المبهمةِ بإحدى ونحوه، وشرط التتابع لم يجب كالمعيَّنة.
وإذا نذرَ صومَ سنةٍ مطلقةٍ متتابعة، وصام رمضان عنه، وأفطر العيدين
стр. 1649
وأيام التشريق، وأفطرت المرأةُ بالحيض لم ينقطع التتابع بذلك؛ لأنَّه لا يمكنُ صومُ سنةٍ متتابعةٍ ليس فيها رمضانُ والعيدانِ، وأيامِ التشريقِ، ولا يمكنُ صومُها عن الحيضِ، ولكن يلزمها قضاء ذلك متتابعًا؛ لأنَّه قضاءٌ عن صومٍ متتابعٍ، فيقضِي النَّاذِرُ ما ذكر متصلًا بآخرِ السنةِ متتابعًا كما تقدَّمَ.
وإن لم يشترطَ التتابعِ لم يجبْ، فإن صامَ سنةً متواليةً فقد بقيَ عليه من نذرِهِ نظير أيَّامِ رمضانَ والعيدينِ والتَّشريقِ وأيامِ الحيضِ، إن كانَ الناذِرُ امرأةً، وكذا أيامِ النِّفاسِ، وأيامِ الجنونِ، وأيامِ الإغماءِ، وأيامِ المرضِ الذي أفطرَ فيهِ، وأيامِ السفرِ الذي يُفطر فيه.
وإن نذرَ صومَ يوم الاثنين أبدًا، لم يقضِ أثاني رمضانَ الأربعةِ التي لا يخلو عنها الشَّهرُ، فلو جاءَ فيه خامسٌ لم يقضِهِ على الأرجحِ، وإذا وقعَ يوم عيدٍ في يوم الاثنين، أو في أيامِ التشريقِ، قضى على الأظهرِ، وصححهُ الشيخُ أبو حامدٍ وغيرهُ.
وإذا لزمَهُ صومُ شهرينِ متتابعينِ لكفَّارةٍ، وسبقتِ الكفارَةُ النذرَ فإنَّهُ يجبُ قضاءُ الأثانين الواقعة في شهري صومِ الكفَّارَةِ على المنصوصِ.
وإن سبقَ النذرُ الكَفَّارَةَ قضى الأثانين الواقعةِ في الشهرينِ؛ لأنَّه أدخلَ على نفسِهِ صومَ الشَّهرينِ.
وإن نذرَ أن يصومَ يومًا معيَّنًا بعينِهِ، كيومِ اثنين حادي عشرَ الشهرِ ونحوهِ، أو بوصفِهِ، كـ "للَّهِ على صوم الاثنين أبدًا". أو ما أبهم فيه، كـ "للَّهِ عليَّ أن أصومَ أحد يومين أول الشهرِ" لم يصم قبله وبعده يكون قضاء.
ولو نذرَ صوم يوم من أسبوعٍ ثم نسيه صام آخره، وهو الجمعة، فإذا لم يكن هو وقعَ قضاء.
стр. 1650
ومَن شرعَ في صومِ تطوُّعٍ، ثم نذرَ إتمامه لزمَهُ إتمامُهُ والقضاء لو أفطرَ فيهِ، ومحلُّ لزومِ الإتمامِ إذا نوَى من الليلِ، فإنْ نوَى قبلَ الزَّوالِ ثمَّ نذرَ إتمامَهُ لم يلزمه الوفاءُ على الصَّحيحِ.
ولو نذرَ بعضَ يومٍ غيرَ اليومِ الذي هو فيهِ لم ينعقدْ، وقيلَ ينعقدُ ويلزمه يوم، وقيلَ ينعقدُ ويلزمُهُ صومُ بعض يومٍ إمَّا بالإمساكِ قبله، وإمَّا مطلقًا، فلو نذرَ صوم بقيَّة اليومِ الذي هو فيهِ، ولم يكن أكلَ، وكانَ قبلَ الزَّوالِ، فإنَّ فيه وجهين:
أحدُهما: يجزئه، وصححهُ الإمامُ، وخالفهُ شيخُنا في "التصحيحِ".
والثاني: لا يجزئه، وليس فيه وجهٌ أنَّه يلزمه صوم يومٍ كاملٍ، ولكن فيه وجه آخر، أنَّه تجزئه تلك البقيَّةُ.
ولو نذرَ صومَ يومِ قدومِ زيدٍ، فالأظهرُ انعقادُهُ، فإنْ قدِمَ ليلًا، أو يومَ عيدٍ، أو يوم تشريقٍ، أو في رمضانَ فلا شيءَ عليهِ، ونهارًا وهو مفطر أو صائمٌ قضى، أو نذرًا وَجَبَ يومٌ آخرُ عَن هذَا، أو وهو صائمٌ نفلًا، فكذلك، وقيلَ يجبُ تتميمه، ويكفيه، ولو تبيَّنَ للناذرِ أنَّ فلانًا يقدُمُ غدًا، فنوى الصومَ من الليلِ، ثم قدمَ زيدٌ غدًا، أو الناذرُ صائمٌ بتبييت النيَّةِ فإنَّه يجزئهُ عن نذرِهِ على الصحيحِ، ويكونُ أداءً.
* * *
فرع (١): نَذَرَ المشيَ إلى بيتِ اللَّهِ الحرام، أو إتيانَهُ، أو نذرَ المشي فقط، ونوى بيتَ اللَّهِ الحرام، فالمذهبُ وجوبُ إتيانِهِ بحجٍّ أو عمرةٍ، وكذا لو نذرَ المشيَ إلى مكَّةَ أو إلى الحرمِ، أو ذكرَ بقعةً من بقاعِ الحرمِ كالصفا، والمروةَ،