стр. 561
← Фикх шафии следующие страницы →
Фикх шафии · id 19230
التدريب في الفقه الشافعي
سراج الدين البلقيني
Полный текст (1 801 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 562
باب الشركة
هي بكسْرِ الشِّين وإسكانِ الرَّاء.
وأصلُها قبلَ الإجماع: ما صحَّ مِن تقريرِهِ ﷺ لذلك.
وعن أبي هريرة ﵁ يرفعُهُ قال: "إنَّ اللَّه يقولُ: أنا ثالثُ الشَّريكينِ ما لم يَخُنْ أحدُهُما صاحبَه، فإنْ خانَهُ خرَجْتُ مِن بينِهِما" رواهُ أبو داود فِي "سننه" (١).
стр. 563
الشِّرْكةُ لغةُ: الاختلاطُ والامتزاجُ شيوعًا أو مجاورةً.
وفِي الشرع: ثبوتُ (١) الحقِّ فِي الشيءِ الواحِدِ لمتعدِّدٍ.
ثم قد تكونُ قهرًا كما فِي الإرْثِ.
وقد تكونُ اختيارًا كما فِي الابتياع والإيهابِ (٢) ونحوِهِما (٣).
وقد تكونُ (٤) فِي الأعيانِ والمنافِع.
وقد تكونُ فِي مجرَّدِ الحقوقِ عامًّا كالشوارع ونحوِها مِن المُسبَّلاتِ للعُمُوم، وقد تكونُ خاصًّا (٥) كحَقِّ (٦) التَّحَجُّرِ، والشُّفعةِ، وحدِّ القذْفِ والقِصاصِ.
وفِي المُقتنياتِ (٧): كالكلبِ الذي يُقتنى، وجِلدِ ميتةٍ لم يُدبغْ (٨) ونحوِها.
стр. 564
وبعضُها يقبلُ الإسقاطَ، وبعضُها لا يقبلُهُ.
والذي يقبلُهُ منهُ (١) ما إذا أسقط واحدٌ حقَّه سَقَطَ الكُلُّ، وهو القِصاصُ، ومنه ما إذا أُسْقِط بَقِي (٢) للباقِي الكُلُّ، وهو الشُّفعةُ، وحَدُّ القذْفِ.
وليس لنا مِنَ الحقوقِ ما يبقى فيهِ القِسْطُ بعد إسقاطِ واحدٍ حقَّه إلَّا فِي حقِّ التَّحَجُّرِ -قلتُهُ تخريجًا- وحدُّ القذْفِ على وَجْهٍ.
* * *
ثُم الشركةُ منها: حرامٌ، ومنها: مكروهٌ، ومنها: مستحبٌّ، ومنها: جائزٌ:
فالحرامُ: الشركةُ فِي الأمور المُحَرَّمةِ كالخمرِ والأموالِ المُحَرَّمةِ.
ويُذكر مع هذا: ما لا يجوز من الشِّرْكة:
* كـ "شركةِ المُفاوضة"، وهي أَنْ يشتَرِكا ليكونَ بينهُما ما يحصلُ مِن غُنْم (٣)، وعليهما ما يلزمُ مِن غُرْم (٤).
стр. 565
* و"شركةِ الأبدانِ"، كشركةِ المُحترفةِ (١)، ليكون الكسبُ بينهم (٢).
* و"شركة الوجوه" (٣)، إمَّا بينَ وجيهينِ، أو بينَ وجيهٍ وخاملٍ للبيع، لِيحصُلَ الرِّبحُ بالوَجاهةِ (٤).
والمكروهةُ: مشاركةُ مَن لا يحترِزُ مِن الرِّبا والمَكْسِ (٥) ونحوهما (٦).
والمستحبةُ: اشتراكُ المُسافِرِينَ فِي الزَّادِ مجلسًا مجلسًا.
والجائزةُ: شركةُ العَنَان (٧)، وهي مقصودُ الباب، ولا تصحُّ إلا بخمسِ شرائِطَ (٨):
стр. 566
١ - أن يكونَ المالانِ مِثْلِيَّيْن، ولو دراهمَ مغشوشةً على الأصحِّ.
٢ - وأن يكونَ المالانِ مِن جنسٍ واحدٍ، بصفةٍ واحدةٍ، بحيث تتفِقُ القيمةُ، خِلافًا لما نُقل عن العِراقِيينَ فِي قَفِيزينِ (١) مُختلِفَي القِيمةِ.
٣ - وأن يُخلطَا بحيثُ لا يمكِنُ تمييزُهُما.
٤ - وأن يسبقَ الخلطُ العقدَ.
٥ - وأن لا يُشترطَ الربحُ والخُسرانُ إلَّا على قَدْرِ المالَيْنِ.
ولا بُدَّ مِن الإيجابِ والقبولِ والإذنِ فِى التصرُّفِ، لا مجردَ "اشتركنا"، وكلٌّ منهما وكيلٌ فِي نصيبِ صاحِبِهِ.
ومتى فسدتْ لم يرجِعْ أحدُهما على الآخَرِ بأُجرةِ عملٍ، إلَّا إذا شُرِط لأحدهما زيادةٌ فِي الرِّبح، لاشتراطِ (٢) زيادةٍ فِي العملِ، وزاد عملُهُ فيرجِعُ، لَا إنْ زاد عملُ الآخَرِ على الأصحِّ.
وكلٌّ مِن الشريكين أمينٌ، والقولُ قولُهُ فِي: "اشتريْتُ هذا للشركةِ" أو "لنفسي".
وفِي الرِّبحِ والخُسرانِ وفِي التلفِ والردِّ، إلَّا إذا ادَّعى ردَّ الكُلِّ، وأراد طَلَبَ نصيبِهِ، فلا يكونُ القولُ قولَه، فِي طَلَبِ نصيبِهِ، ولا يُقبلُ قولُ أحدِهما فِي أنه قَسْمٌ.
стр. 567
باب الوكالة
هي بفتح الواو وكسرها: التفويضُ، وتقعُ على الحِفظِ.
وفِي الشرع: تفويضُ أمرٍ يقبلُ النيابةَ مِن أهلِهِ لأهلها على وجهٍ مخصوصٍ.
وهي مجمعٌ عليها.
وقد صَحَّتْ مِن فِعْل النبيِّ ﷺ فِي أمورٍ كثيرةٍ.
وقد وَكَّل عُروةَ البارقيَّ فِي شراءِ شاةٍ، أخرجه البخاريُّ (١)، وليس على شرطِهِ، بل لإيراد (٢) حديثِ: "الخيلُ مَعقُودٌ فِي نواصِيهِا الخيْرُ (٣) " (٤)، لأنه سمعه ضِمْنه، وقد أخرجهُ الترمذيُّ بإسنادٍ حسنٍ.
* * *
стр. 568
وللوكالةِ ثلاثُ قواعِدَ:
* الأولى:
اعتبارُ ما تدخُلُه النيابةُ، والعباداتُ لا تقبلُ النيابةَ إلَّا فِي نحْوِ (١) أن يوضِّئَهُ أو يُتمِّمَه، أو يطلبَ له الماء، أو يُحضرَ له السُّترةَ أو يظهرَ له ما يتعلَّقُ بالصَّلاةِ، ونحو ذلك.
والصلاةُ نفسُها لا تقبلُ النيابةَ إلَّا فِي صورةٍ واحدةٍ وهي: ركعتا الطوافِ تبعًا للحجِّ.
والزكاةُ تقبلُ النيابةَ فِي التفريقِ، والنيةُ يُفوضها إليه، ونيةُ السُّلطان فِي الزكاةِ عنِ المُمتنع نيابةٌ شرعيةٌ.
والصومُ لا يقبلُ النيابةَ فِي حياةِ الأصل إلَّا فِي وجهٍ عندَ اليأس، ولكن بعدَ وفاتِهِ بإذْنِ الشَّرع للولِيِّ على أرجح القوْلَينِ، وهُو كُلُّ قريبٍ على المختارِ، ولِلولِيِّ أَنْ يأذَنَ.
والاعتكافُ (٢) كالصوم على قول.
والحجُّ قابلٌ أن يُنيبَ فِيهِ (٣) فِي الحياةِ للعاجِزِ الآيِس، وبعدَ الوفاةِ للولِيِّ، وإن لم يُوصِ بإذنِ الشَّرع، ولِلوليِّ أن يأذنَ، ولِلأجنبيِّ أن يستقِلَّ بذلك على
стр. 569
وجهٍ، ولا يستنابُ لِفعل يكونُ فِي الحجِّ إلَّا الرميَّ للعاجِزِ، وأمرُ (١) الصبِيِّ تقدم فِي الحَجِّ.
ومِن قابِل النيابةِ: ذبْحُ الهَدْي والأُضحيةِ وتفرقتُهُما والنيةُ فيهما، وتفرقةُ الكفَّارةِ، والتَّطوع، والمنذورة (٢)، وحملُهُ إلى موضِع تَعَيَّنَ (٣) بالنَّذر، والعِتقِ والكِتابةِ، وإنَّما لم يُستثنَ مع ما يُشبِهُهُ؛ لأنَّ نيةَ العبادةِ فيه غيرُ مُعتبرةٍ فِي حصولِهِ كما يصِحُّ التوكيلُ بالوقْفِ قطْعًا، وكذا الوصيَّةُ على الأصَحِّ، وينبغِي أن يطرد خلافيهما (٤) فِي الوَقْفِ والعِتْقِ للقُربةِ، وجزموا فِي طَرَفِ النِّكاح بالجوازِ مع أنَّه مندوبٌ إليه، ولكِنْ (٥) قد يتخلفُ الندبُ لمانع، وإنَّما جاء وجهٌ فِي الرجعةِ للاستدامةِ (٦)، وإنَّما لم يُستثن القضاء، لأنَّ النيابةَ فِيهِ لِلعموم لَا بِخُصُوصِ (٧) الأصْلِ.
والعقودُ كلُّها قابلةٌ للنيابةِ حتَّى القرضُ والضمانُ والوكالةُ، والمُعْتبَرُ إذنُهُ يُوَكِّلُ فيه حيثُ لم يتعيَّنْ (٨) هو، والمرأةُ توكِّلُ فِي إذنِها فِي النِّكاح، ولم يتعرَّضوا له.
стр. 570
ومن قابل النيابةِ الفسوخُ، وذلك يشملُ ما مَكَّنَ القاضي المرأةَ فيه مِن الفسخِ بإعسارٍ أو عيبٍ، أو الزوجَ بعيبٍ، وفيه نظرٌ.
ولا يصحُّ بالاختيار لمن أسلم على أكثرَ مِن أربع نِسوةٍ، ولا بتعيينِ (١) طلاقٍ أو عتقٍ مُبهم.
ويصحُّ فِي الخُلع وتنجيزِ الطلاقِ وقبْضِ الدُّيونِ وإقباضِها والحُقوقِ، فمُوكَّلُ أصنافِ الزكاة مَنْ يقبِضُها لهم، والمتصدَّق عليه تطوعًا مَن يَقْبِض له ولم يذكرُوهُ.
وفِي العقُوباتِ: الإمامُ والسيدُ، ولِلْمستحَقِّ فِي قِصاصٍ وَحَدِّ قذفٍ ويستوفى ولو فِي غَيبةِ الموكِّل على الأظهرِ.
وفِي الخصومةِ وإنْ لم يَرْضَ الخصمُ، وإثباتِ الحُقوقِ لا إثباتَ حدٍّ للَّه .
ويوكَّلُ فِي تملُّكِ المباح (٢) بإحياءٍ أو اصطيادٍ أو احتِطابٍ، وسواءً كان بأجرةٍ أم بِغيرِها، ولا يصِحُّ فِي الالتِقاطِ على أقوى الطرِيقينِ كالاغتِنام.
والمعاصي لا يُوكَّلُ فِيها قطْعًا إلَّا إذا كان هناك ما يُوصف بالصِّحةِ كبيع الحاضِرِ للبادِي، ووقتِ النداءِ لِمن تجِبُ عليه الجُمعةُ، فإنه يصِحُّ.
وقياسُهُ: صحةُ التَّوكيلِ بالطلاقِ فِي الحيضِ والظهارِ معصيةٌ.
стр. 571
وفِي التوكيل فيه (١) وجهانِ صحَّح المتولِّي صحةَ التَّوكيلِ نظرًا إلى تغليبِ شَبهِ الطَّلاقِ، وهو أرجحُ، وغيْرُهُ المَنْع، نظرًا إلى تغْليبِ شَبَهِ الأَيْمانِ، وهي لا تقبلُ النِّيابةَ.
ومِن الأيمانِ تحريمُ الزوجةِ، واللِّعانِ، والتَّعليقِ المقتضِي للحَلِفِ فِي طلاقٍ وعتقٍ.
فأما تعليقٌ مجردٌ فالأرجحُ صحةُ التوكيل فِيهِ فِي الطلاقِ والعتقِ، وعلى هذا يصِحُّ التَّوكيلُ فِي التَّدبيرِ خِلافًا لِما صحَّحوهُ، ولَا يصِحُّ التوكيلُ فِي الإقْرارِ، ويصيرُ مُقِرًّا، خِلافًا لِمَا صحَّحه البغويُّ.
ولو قال: "أَقِرَّ عنِّي لفلانٍ بألفٍ له عليَّ"، فمقرٌّ قطعًا.
* * *
* القاعدة الثانية:
اعتبارُ العلمِ بما يُوَكَّلُ فِيه مِن بعضِ الوجوهِ، كبيعِ أموالِهِ، وإعتاقِ أرقائِهِ، وخصومةِ خصمائِهِ، بِخلافِ التَّوكيل بِكُل قليلٍ وكثيرٍ، أو بِجمِيع الأشياءِ، أو بِكُلِّ شيءٍ، أو فِيما هو لِي مِمَّا يقبلُ التوكيلَ، أو "تصرَّفْ فِي المالِ كيفِ شِئْتَ"، فإنَّه باطِلٌ، وفِي الأخيرةِ (٢) نظرٌ.
ومِنَ المجهولِ: "بِعْ (٣) بعضَ مالِي".
стр. 572
وفِي الشِّراءِ لَا بُدَّ أَنْ يُعينَ ما يُشترى كعبدٍ ونوعِهِ.
وكذا صِنْفَهُ (١) إنِ اختلفتِ الأصنافُ اختِلافًا ظاهِرًا عندَ الشيخ أبي محمدٍ.
ولَا يُعتَبَرُ استقصاءُ أوصافِ السَّلم قطْعًا، ولَا التعرُّضُ لقدْرِ الثمنِ على الأصحِّ.
وفِي الدَّارِ: لابُدَّ مِن بيانِ المحلَّةِ والسِّكَّةِ، وفِي الحانوتِ بِذِكْرِ السُّوقِ.
وفِي إبراءِ (٢) فُلانٍ مِمَّا لِي عليه يُعتَبَرُ عِلْمُ المُوَكَّلِ بقدرِهِ، وكذا الوكيلُ على الأرجح؛ خِلافًا لِمن صحَّح خِلافَ هذا (٣).
* * *
* القاعدة الثالثة:
مراعاةُ لفظِ المُوَكِّل وغرضِهِ، والمصلحةِ، والعُرْفِ فيما يُذْكر.
فمِن (٤) اللفظِ المُجردِ: "بِعْ مِن زيدٍ، لا تَبعْ مِن غيرِهِ، ولو مِن وكيلِ زيدٍ"، بِخلافِ: "زَوِّجْ مِنْ زيدٍ"، فيزَوِّجُ مِن وكيلِهِ، و"بِعْ فِي وقتِ كذا لا تبيعُ (٥) قبلَهُ، ولا بعدَهُ".
стр. 573
وقال الدَّارَكِيُّ (١) فِي الطلاقِ: تَطْلُقُ بعدَهُ (٢)، ويلزمُهُ أن يطْرُدَه فِي غيرِهِ أو يُفَرِّقَ، وله التفاتٌ على أنَّ القضاءَ بالأمرِ الأوَّلِ، واشتَرِ بالعينِ لا (٣) تشتري فِي الذمة، وكذا عكسُهُ.
ولو عَيَّن السوقَ تَعَيَّنَ إن كان هناك غرضٌ، وكذا إن لمْ يكُنْ على الأصحِّ.
وإن عَيَّنَ معه الثَّمنَ فقد ظَهَرَ الغرضُ، فإذا باعهُ بِهِ فِي غيرِهِ صحَّ، إن لم يكن (٤) يَنْهَ عن غيرِ المُعيَّن، وبِعْ (٥) بِمائةِ دِرْهَم (٦) لا تَبيع بدونِها، ويبيع بالأكثرِ مع تحصيلِ المِائةِ دراهِم لا دَنَانِيرَ ما لم يَنْهَ عنِ الزيادةِ، أو يُعينُ المشترى بِخلاف "خالِعْها بمائة"، فإنه لا تَمتنع الزيادةُ لبُعد قصدِ المحاباة، و"اشتَرِ لِي عبدَ فلانٍ بمائةٍ" له أَنْ يشتَرِيَ بدونِها؛ لأنَّ غرضَ تعيينِ العبدِ استدعى تعيينَ السيِّدِ، ومثلُه فِي الخُلْع.
стр. 574
وقال المرعشيُّ: كلُّ تقييدٍ أَمَرَ بِهِ وكيلُهُ فخالَفَهُ لَا يجوزُ إلَّا "بِعْ، وأشْهِدْ" فإنَّه إذا باع ولم يُشْهِدْ جاز، وما قاله فِي الإشْهادِ ممنوعٌ، والتقييدُ عليه فِي غيرِهِ يظهرُ حكمُهُ مما (١) قررناه.
وكُلُّ موضِع خالف فِيهِ الوكيلُ فإنْ كان الشِّراءُ بِالعينِ فالعقدُ باطلٌ، وإنْ كان الشِّرَاءُ فِي الذِّمةِ وَقَعَ العقدُ للوكِيلِ، ولو سَمَّى المُوَكِّلَ (٢) على الأصَحِّ.
والمرادُ تسميةً لا تُخرج الصفةَ (٣) عن التَّخاطُبِ (٤) بأن يقول: "بعتُك"، فيقولُ: "اشتريتُ لِموكِّلِي" أو: "بعتُك لموكِّلِك" فيقول: "اشتريتُ له" أو يقولُ: "اشتريتُ"، فإن خرجتَ عنِ التَّخاطُبِ فالعقدُ باطِلٌ (٥)، ولو مع موافقةِ المُوَكِّل كـ "بِعْتُ مُوَكِّلَكَ بهِ (٦) " فيقولُ: "اشتريتُ له"، وما بَطَلَ فِي البيع هو المتعيِّنُ فِي النِّكاح؛ لأنَّ الوكيلَ فِيهِ سفيرٌ مَحْضٌ (٧).
وأمَّا الهِبةُ ونحوُها فالخِطابُ مع الوكِيلِ، ويتعينُ أَنْ يُسَمِّي موكِّله، ولا ينصرفُ المِلْكُ بِالنيةِ لِلموَكِّلِ، ولو قال: "وهبتُ مُوَكِّلَكَ"، فقال: "قبلْتُ له"،
стр. 575
فمُقتضى كلامِهِم المنعُ، وفيه نظرٌ.
وكذا كُلُّ ما لَا عُهْدَةَ (١) فِيهِ مِن الرَّهنِ ونحوِهِ، ويُبدلُ الأجلُ بِالمصلحةِ، وفِي شِراءِ الشَّاةِ بدينارٍ إذا اشتَرَى شَاتَيْنِ (٢) به تُساوي واحدةٌ منهما (٣) دينارًا، فإنه يصحُّ.
ومِن المصلحةِ أَنْ لا يسلِّمِ الوكيلُ المبيعَ حتَّى يقبِضَ الثَّمَنَ، ولا يشترِيَ المعيبَ.
ومِنَ العُرْفِ المقيِّدِ للإطلاقِ: الأمرُ (٤) فِي الصيْفِ بِشراءِ الجَمْدِ لَا يُشترى فِي الشتاءِ، والمُعيَّنُ أو الحالُ لا إنْ أذِنَ لهُ، والوكيلُ بالبيع مُطلقًا لا يبيعُ بالنسيئة ولا بِغَبْنٍ فاحِشٍ، ولا [بثمنِ المِثْلِ وهناك راغبٌ بزيادةٍ، ولا] (٥) بِغيرِ نقدِ البلدِ، وعندَ اجتماع نقدَينِ يبيعُ (٦) بأغلبِهما، فإنْ غَلَبَا فإنهُ يتخيَّرُ، ولو باع بِهما صحَّ على المذهبِ مِن تَرَدُّدِهِم؛ قاله (٧) فِي "النهاية" وعند إطلاق الأجل يُتْبَعُ العُرْفُ، فإنْ لم يكُن عُرْفٌ راعى الأنْفَعَ.
стр. 576
والعُمومُ فِي لفظِ المُوَكِّل يُعملُ (١) به (٢)، بحسبِ الظُّهورِ.
ففِي "بِعْ بِكم شئْتَ" لهُ البيعُ بغبنٍ فاحِشٍ، و"بما شئتَ" له البيعُ بغيرِ نقْدِ البلدِ وبِـ "كيفَ شئتَ" له البيعُ بالنَّسيئةِ، و"بما عَزَّ وهان" لهُ البيع بالغبنِ عند المُتولِّي، وبالعَرَضِ أيضًا عند العبَّادِي.
ومن الحَذْفِ المُشْعِرِ بالتخييرِ على الأصحِّ أن يُسَلِّم إليه دراهِمَ ويقولُ (٣): "اشتِر (٤) بِها كذا" ولم يقل بِعَيْنِها ولا فِي الذِّمَّةِ.
وضابط (٥) الموكَّلِ: كُلُّ مَنْ مَلَكَ أن يتصرَّفَ تصرُّفًا قابِلًا للنيابةِ بأصالةِ أو ولايةٍ يجوزُ أن يوكَّلَ فيه، ومنهُ الوصيُّ خِلافًا لِمن قال هو كالوكِيل (٦).
والوكيلُ لا يوكِّلُ إلَّا بإذنِ أو قرينةٍ كما إذا عَجَزَ أو عادته أن لا يتولاه بنفسِهِ.
* ويُستثنى مما سَبَقَ مواضِعُ:
الأعمى، وأنه يُوكِّلُ فيما تعتبرُ فيه الرؤيةُ، وإن لم يتصرَّفْ فيه بنفسِهِ (٧).
стр. 577
والسفيهُ يأذنُ فِي التزويج، وإنْ لم يكُن هُو مالكَ الاستِقلالِ (١) بِهِ.
ومالكةُ الأمة (٢) توكِّلُ وَلِيَّها بتزويجِها، وإن لم تَمْلِكْ هي تزويجَهَا (٣)، وكذلك غير المخير (٤) فِي إذنها بتزويج نفسها فإنه توكيل (٥) للولي، نص عليه.
وضابِطُ الوكِيلِ: أَنْ يتمكَّنَ مِن إصدارِ ذلك التصرُّفِ لنفسِهِ، ولو بإذنٍ، فيكونُ الصَّبِيُّ وكيلًا فِي حجِّ التَّطوُّع وعمرتِهِ والذَّبْح، ولو فِي الأُضحيةِ، والسفيهُ وكيلًا فِي قبول النِّكاح، وكذا العبدُ، ولا حاجةَ إلى الإذْنِ، والمرأةُ فِي طلاقِ غيرِها، كما يفوَّضُ إليها طلاقُ نفسِها.
ولَا يكونُ الكافِرُ وكيلًا فِي قبول نِكاح مُسلمةٍ، ولا فِي الإيجابِ؛ خِلافًا لِمَا ادَّعى الإمامُ أنه المذهبُ، ولا فِي طلاقِها خِلافًا لما ذكره (٦) فِي الخُلْع، بِخِلاف الموسِرِ فِي قبولِ نِكاح الأَمَة والأخ ونحوِهِ فِي قبولِ نِكاح مَن تَحرُمُ عليه.
ويدُ الوكيلِ يدُ أمانةٍ، والقولُ قولُه فِي الرَّدِّ والتَّلفِ، وقولُ الموكِّلِ بيمينِهِ فِي الإذْنِ وصفتِهِ، وفِي (٧) قبْضِ الثَّمنِ، لَا إنْ كان بعد تسلِيم المبِيع فالقولُ لِلوكِيل.
стр. 578
وليسَ لِلوكِيل أَنْ يقولَ: لَا أردُّ المالَ إلَّا بإشهادٍ.
ومن قال: "وَكَّلني فلانٌ بقبْض مالِهِ عندك أو عليك" فصدَّقهُ جاز الدَّفْعُ، ولا يجِبُ وإنْ صدَّقَهُ على إرثٍ بشرطِهِ (١) أو حوالةٍ أو وصيةٍ أو وصايةٍ وَجَبَ.
* * *
стр. 579
باب الإقرار
هو لغة: الاعترافُ، وهو فِي الأصْلِ للإثباتُ (١) مِن قولِهِم: قَرَا الشيءُ، إذا ثَبَتَ.
وشرعًا: إخبارٌ عَن (٢) أمْرِ سابِقٍ يَقتضِي تعلُّقَ حُكمٍ بالمُقِرِّ.
وأصلُه: قولُه تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾.
وفُسرتْ شهادةُ الإنسانِ على نفسِهِ بالإقْرارِ.
وفِي "الصحيحين" تعليقُ الحُكْمِ (٣) على الاعترافِ فِي قولِهِ ﷺ : "واغْدُ يا أُنَيْسُ إلى امرأةِ هذا، فإنِ اعترفَتْ فارجُمْهَا" (٤).
стр. 580
وفِي حديثِ اليهوديِّ الذي رَضَّ رأْسَ الجارِيةِ (١) بينَ حجرينِ فجِيءَ بِهِ فاعترَفَ، فَرَضَّ رسولُ اللَّه ﷺ رأسَهُ بينَ حجرَيْنِ (٢).
والإجماعُ: على تعلُّقِ الحُكم بالإقرارِ المُعْتَبَرِ (٣).
يُعْتَبَرُ فِي المُقِرِّ التكليفُ إلَّا على رأيٍ ضعيفٍ فِي موضِع فِي المُراهِقِ، ومواضِعَ على رأي فِي المُميز سَبَقَتْ فِي الحَجْرِ والرُّشد إلَّا فِيما سبق فِي حَجْرِ السفِيهِ (٤).
ويصحُّ مِن المكلَّفةِ الإقرارُ بِالنكّاح ولو مع السَّفَهِ لَا مِن السفِيهِ كما سَبَقَ.
стр. 581
وينفذُ إقرارُ المُجْبَرِ فقط بنكاح مُجْبَرَتِهِ.
فإنْ تعارَضَ إقرارُهُما فوجهانِ فِي المقدَّم، كذا ذكروهُ، والصوابُ: تقديمُ السَّابِقِ.
فإنْ أقرَّا معًا: فالأرجحُ إقرارُ المرأةِ؛ لِتعلُّق ذلك ببدنِها وحقِّها.
ولو (١) أقرَّ وليُّ السفِيهِ بنكاحِهِ لم ينفُذْ إذ لا يستقِلُّ بِهِ.
وقياسُ طريقةِ العِراقِيينَ نفوذُهُ كما فِي المُجْبَرِ، وكما يُقِرُّ الولِيُّ بالبَيْع ونحوِهِ مِمَّا ينفُذُ منه، فيلزمُ إلَّا إذا قال فِي عينٍ لمحجورةِ زيدٍ: "هذه مِلْكُ عمرٍو"، فلا يُقبلُ ما لم يُعَيِّنِ السببَ (٢) على الأصحِّ فِي "التهذيب"، وفِيهِ نظرٌ.
ويُقبلُ إقرارُ المُفلِس بالنِّكاح، وبتصرُّفٍ سابقٍ على الحَجْرِ أو بعدَهُ، حيثُ ينفُذُ منهُ.
ويقبلُ إقرارُه بالعين، وبِدَيْنِ الجنايةِ، ولو بعدَ الحَجْرِ، وبدَيْنِ المُعاملةِ السابِقِ (٣)، فيزاحِمُ (٤) الغُرماءَ، وبالنسبِ، والأقربُ يُنفق عليه من مالِهِ بِخِلافِ حُقوقِ الزَّوجةِ الحادثةِ بعد الحَجْرِ.
وإقرارُ المُرتَدِّ بعد حَجْرِ القاضِي عليه (٥) بالعينِ والدَّينِ، ونحوهما، كإقرارِ المُفلِس على الأصحِّ.
стр. 582
ونصَّ فِي "الأم" على قبولِ إقرارِهِ حينئِذٍ بِالعينِ والدَّين، وأنهُ يسلمُ للمقرِّ له حالًّا، وأنه يُقْضَى عليه بحُرِّيَّةِ (١) مَن قال: "اشتريْتُهُ -أو: اتَّهبْتُهُ- فِي حالِ كونِهِ حُرًّا".
وكلُّ مَنْ حُجِرَ عليه فِي عينٍ كرهْنٍ وجِنايةٍ ونحوِهِما: لا يُقبلُ إقرارُهُ بِما يُخِلُّ بمقصودِ (٢) الحَجْرِ.
ويُقبلُ مِنَ الرَّقيقِ بِما يوجِبُ العقوبةَ خِلافًا لِلمُزنِيِّ لا بِالمال، فيتعلَّقُ بذمَّتِهِ، لا (٣) أَنْ يُصَدِّقَهُ السيِّدُ، أو تقومَ بيِّنةٌ، فيتعلَّقُ برقبتِهِ، وكذا لو أقَرَّ بِما يوجِبُ القِصاصَ، فَعَفَى المُستحِقُّ على مالٍ، فيتعلَّقُ برقبتِهِ على الأصحِّ المنصُوصِ.
ويُقبلُ إقرارُ المأذونِ بدَيْنِ المُعاملةِ المُتعلِّقةِ بالتِّجارةِ، لا إنْ حُجِر عليه، فلا يُقبلُ منهُ استنادُهُ (٤) على الأصحِّ، بِخِلافِ المُفلِس لِئَلَّا يؤدِّي إلى فواتِ حقِّ السيِّدِ (٥) بِخلافِ غُرماءِ المُفْلِس، إذ يبقى لهم الباقِي فِي ذِمَّةِ المفلِس، وفيه نظرٌ.
стр. 583
والمُبَعَّضُ (١) يتبعضُ حُكْمُ إقرارِهِ.
ولا يُقبلُ مِنَ السيِّدِ على عبدِهِ بما يوجِبُ عقوبةً، ويُقبل بِدَيْنِ جنايةٍ تتعلَّقُ برقبتِهِ، لا بِدَيْن (٢) المعاملةِ، كذا ذكروه.
والقياسُ قبولُهُ فيما يتعلَّق بمالِ السيِّدِ حيثُ لا حَجْرَ للغُرماءِ.
والمكاتبُ يُقبلُ إقرارُهُ فيما يستقلُّ به.
والمريضُ يصِحُّ إقرارُهُ، وينفُذُ ولو للوارِثِ والدَّين (٣) والعينِ إلَّا إذا تُحقق مِلْكه للعينِ إلى حالةِ مرضِ الموتِ، فإنَّه إذا أقرَّ بِها مُطلقًا، وقال بقيَّةِ الورثةِ: إقرارُهُ مستندُهُ (٤) الهبةُ، وقال المُقِرُّ لهُ: "بلْ عنْ مُعاوضةٍ لَا مُحاباةَ فِيها"، فالقولُ قولُ بقيةِ الورثةِ بِاليمينِ (٥)؛ لأنَّ الأصْلَ عدمُ المعاوضةِ؛ قلتُهُ تخريجًا مِن الأبِ يُقر لِفرعِهِ بشيء، ثُم يُفسرُهُ بِالهبةِ ليرجِعَ، فيُقبلُ على الأرْجَح.
ولو قال المريضُ: "كُنْتُ وهبْتُ وارِثِي هذِهِ وأقبضْتُهُ (٦) فِي الصِّحةِ" قُبل على الأرْجَح، خِلافًا للغزالِيِّ.
ويستَوِي فِي مُزاحمةِ الدُّيونِ: إقرارُ الصحةِ والمرضِ، والوارثِ والموروثِ، ودَيْنِ الجنايةِ السابقةِ والحادثةِ، ولو بَعْدَ الموتِ، ودينِ
стр. 584
المعاملةِ.
ويُقَدَّم الإقرارُ بِالعينِ على الدَّينِ.
ولا يُقبلُ إقرارُ الوكيلِ بالتَّصرفِ بعد العزْلِ ولا قَبلهُ -على الأصحِّ- إلَّا فِي قولِهِ: "قبضتُ الثَّمْنَ"، وكان بعد تسلِيم المَبِيع كما سَبَقَ.
وشرطُ المُقِرِّ فِي جَمِيع ذلك: الاختيارُ، فإقرارُ المكرَهِ باطلٌ، ولا تُقبلُ دعوى الإكراهِ إلَّا بِبيَّنةٍ، أو بقرينةِ ترسيمٍ ونحوِهِ، على الأرْجَح (١).
ونصَّ فِي "الأم" (٢) على قبول دَعْوى الإكراهِ مُطْلقًا، وقال بِهِ أبو حامِدٍ الإسْفرَايينِي، وقال الماوردِيُّ: مَنْ ضُرِبَ ليصدُقَ صَحَّ إقرارُهُ، وهو بعيدٌ (٣).
стр. 585
والإقرارُ بالنسبِ وبالرِّقِّ والحريةِ وإقرارُ اللَّقيطِ يأتِي كلُّ ذلك فِي بابِ اللَّقيطِ.
* * *
* وأما المُقَرُّ له فيُعْتَبَرُ فِيهِ (١) ثلاثةُ أُمور:
١ - أهلِيَّةُ استِحْقاقِ الحقِّ المُقَرِّ بِهِ.
٢ - وأنْ يكونَ مُعَيَّنًا نوع تعيينٍ بِحيثُ يُتوقَّعُ معه (٢) الطلبُ والدَّعوى.
٣ - وأن لا يكذِبَ، فلو أقَرَّ لعبدِهِ المُكاتَبِ (٣) بدينٍ أو عَينٍ صَحَّ، أو القِنِّ أو المُدَبَّرِ أو المستولَدَةِ بدَيْنٍ فِي ذِمَّتِه، فإنْ أسندهُ إلى معاملةٍ أو جنايةٍ فِي حالِ رِقِّهِ فيهم (٤) لم يَصِحَّ، أو إلى مُعاملةِ أو جنايةٍ قبل رِقِّهِ فِي حَالِ رقِّ غيرِهِ فهو إقرارٌ لعبدِ غيرِهِ، أو فِي حالِ (٥) حُريةِ المُقَرِّ له وكفرِهِ وإسلامِ المَديون (٦) أو ذمتهِ، صحَّ، فالحربِيُّ إذا استُرِقَّ وله دَيْنٌ على مسلمٍ أو ذِمِّيٍّ لا يسقُطُ.
стр. 586
وإنْ أطلقَ فإنْ تُحُقِّق عدمُ الحالةِ المُصححةُ بَطَلَ والإقرارانِ كالإقرارِ (١) المُطلقِ للحَمْلِ أرجحُهُما النُّفُوذُ.
وكذلك لو أقرَّ لهُ بعينٍ (٢)؛ قلتُ ذلك كلَّه تخرِيجًا.
وإنَّ أقرَّ بحملٍ وأسندَهُ إلى إرثٍ أو وصيَّةٍ صَحَّ، ثُمَّ إنْ انفصل لِمُدةٍ يظهرُ وجودُهُ عند موتِ المُوَرِّثِ (٣) أو عند الوصيَّةِ استحقَّ وإلَّا فَلَا، واعتِبارُ المُدةِ مِن حينِ الإقرارِ وَهْمٌ.
وإنْ أسندهُ لِجهةِ مُعاملةٍ مع الجهلِ (٤) بَطَلَ الإقرارُ على الأرْجَح، ويَصِحُّ للعبدِ ويكونُ لسيدِهِ. . كذا قالوا.
والصوابُ لا يُصرفُ للسيِّدِ إلَّا إذا تُحُقِّق استنادُهُ (٥) إلى أمرٍ فِي حالِ رِقِّ ذلك السيِّدِ، ويظهرُ تحقيقُ (٦) هذا مِمَّا سبق فِيما إذا أقرَّ لعبدِهِ (٧).
ولا يصِحُّ للدابَّةِ إلَّا أَنْ يقولَ لمالِكِها (٨) بِسببِها.
والإقرارُ للمسجِدِ والمقبرةِ والبِئرِ المُسَبَّلةِ، كالإقرارِ للحملِ.
стр. 587
والإقرارُ لغيرِ ذلك مِن الجماداتِ باطِلٌ، ولو كان وقْفًا (١).
وعندَ تكذيبِ المُقَرِّ له الذي يُعْتَبَرُ تكذيبُهُ يُتركُ المالُ عند المُقِرِّ، ولا يُحكمُ بِعتقِ العبدِ (٢) على الأصحِّ، ولو رَجَعَ المُقَرُّ له عنِ التَّكذيبِ فلا بُدَّ مِن إقرارٍ جديدٍ عندَ المُتَولِّي، ورُجِّح خلافًا للإمام والغزالِيِّ.
والأصحُّ خلافًا لهما قبولُ رُجُوعِ المُقِرِّ، و (٣) الحَدُّ والقِصاصُ يسقطُ بالتَّكذيبِ.
وأمَّا المُقَرُّ بِهِ فيجوزُ بالمجهولِ والمعلومِ.
فالمجهولُ الَّذِي لا يُعرفُ يُحْبَسُ لتفسيرِهِ (٤) على ما صُحِّح، والمختارُ أنهُ إنْ أمكنَ فصلُ القضيةِ بدعوى بِطريقِها فلَا يُحبسُ، وإنْ عُرِف بطريقٍ من طرقِ الحِسابِ لزِم مُقتضاه كـ: "لزيدٍ عليَّ (٥) ألفُ (٦) ونصفُ ما لعمرٍو، ولعمرٍو عليَّ (٧) ألفٌ ونصفُ ما لزيدٍ" فمُقتضى الحسابِ لكلٍّ ألفان، ثم المُفَسَّرُ أو المعلومُ إما عينٌ أو دينٌ.
* * *
стр. 588
* وقواعِدُ البابِ أربعٌ:
الأولى:
الإقرارُ لا يزولُ به مِلْكٌ، ولا اختصاصَ فِي عينٍ، ولا يلزمُ بهِ الدَّين (١)، بل هُو (٢) كاشفٌ عن أمرٍ ماضٍ لا يُعرفُ زمنُهُ مِن الإقرارِ المُجرَّد
فمِلْكي هذا لفلانٍ، كلامٌ لا يلزمُ بخروجِهِ عنِ القاعدةِ، ويُحمل على الوعدِ بالهبةِ وألحقوا به "داري لفلان"، والتحقيقُ لزومُ هذا، فلا تناقُضَ، إذ قولُه: "لفلان" يبينُ أنَّ الإضافةَ فِي دارِي لِنسبتِها (٣) إليه، ونحوُ ذلك حديثُ: "مَنْ بَاعَ عبْدًا ولَهُ مالٌ فمالُهُ لِبائِعِهِ" (٤) يؤيِّدُ ما حققناه مِن جهةِ أن اللامَ الثانيةَ بان
стр. 589
بِها أنَّ الأولى للاختِصاصِ، وعكسُهُ "أنتَ ومالُك لأبيك"، و"هذا لفلانٍ، وهو فِي مِلْكي إلى إقراري هذا": أوَّلُهُ إقرارٌ، وآخرُهُ لغوٌ، ولم يخرِّجوه على تعقيبِ الإقرارِ بِما يرفعُهُ؛ لادِّعائِهِ ذلكَ لنفسِهِ بعد إقرارِهِ، ولو شهدوا أنَّ فلانًا أقرَّ لفلانٍ بكذا، وكانتْ مِلْكَ المُقِرِّ إلى أَنْ أقرَّ بطلتْ شهادتُهم [نُقِل عن النصِّ.
والقواعدُ تشهدُ لإعمالِ شهادتِهِم] (١) فِي إقرارِهِ، ويُلغى ما شهِدُوا بِهِ مِن غيرِ دعوى.
стр. 590
والمُقِرُّ بِهِ (١) لا يصحُّ منهُ دعوى ذلك لعدم ذِكْرِ التَّلقِّي، و"دَينِي الذي على زيدٍ لبكرٍ"، باطِلٌ، وفيه ما تقدَّم "فِي دارِي".
ويؤيدُهُ صحةُ الذي لِي على زيدٍ لبكرٍ، واسْمي فِي الكتابِ عاريةٌ، والإقرارُ لغيرِهِ بدَينٍ لهُ فِي الظاهِرِ صحيحٌ، إلَّا ثلاثةَ دُيونٍ: الصَّداقُ وبذْلُ الخُلع وأرْشُ (٢) الجنايةِ فِي البدنِ.
قاله فِي "التلخيصِ".
والمُرادُ فِي الثلاثةِ أَنْ يكونَ مِن (٣) وجبتْ له حُرًّا، فأمَّا مجهولُ الحالِ (٤) يقِرُّ بِها لشخصٍ بأنَّه (٥) سيدُهُ فيلزمُ بِمُقتضى الإقرارِ بالرِّقِّ، ومَتَى احتملَ انتقالُ هذِهِ الدُّيون بِحوالةٍ صحَّ الإقرارُ (٦) بِها مُستنِدًا (٧) إلى الحوالَةِ، وكذا مُطلقًا على الأظهرِ، وليستْ سائِرُ الدُّيونِ (٨) كذلك، لاحتمالِ ثبوتِها ابتداءً
стр. 591
لغيرِ مَنْ هِي له فِي الظَّاهِرِ.
ولو أعتقَ عبدَهُ، ثُم أقرَّ له (١) هو أو غيرُهُ بدَينٍ أو عينٍ عقِبَ العِتقِ، صحَّ، إذا احتمَلَ ما يُصحِّحُ الإقرارَ للعبدِ كما تقدَّم، أو مضى زمانٌ يتأتَّى فيه ذلك، وإلَّا فلا، لأنَّ أهلية المِلْكِ لم تثبتْ له، فامتَنَعَ الإخبارُ عن سابقٍ، [وينبغي أَنْ يكونَ كالإقرارِ للعبدِ] (٢).
* * *
القاعدة الثانية
استعمالُ الصَّريحِ والظَّاهِرِ والعُرفِ ولازِمِ اللفظِ فِي صيغهِ الإقرارِ
فـ "فِي ذِمَّتي" صريحٌ فِي الدَّين و"عليَّ" ظاهِرٌ فيه، إلَّا إنْ وَصَلَه بقولِهِ: "وديعةٌ".
فإنْ فَصَلَه وأحضرَهُ فالقولُ قولُهُ على الأظهرِ.
وإنْ تلِفَ فهو مضمونٌ على المنْصوصِ خِلافًا للرافِعِيِّ، ومَن تَبِعه.
و"معي": صريحٌ فِي العينِ، و"عندي": ظاهِرٌ فِي ذلك، و"قِبَلِي": كـ "عليَّ"؛ على النصِّ.
و"نَعَمْ" و"بَلَى" لِجوابِ: "لي عَلَيكَ" إقرارٌ.
وكذا: "أَجَلْ" و: "صدقْتَ" وكذا: "لَعَمْرِي"، إن كان العُرْفُ يقتضِيهِ.
стр. 592
ولجوابِ: "أليس لِي عَلَيك كذا": "بَلَى"، وكَذَا "نَعَم"، حَمْلًا على العُرفِ، لا على دقائِقِ العربِيةِ.
ويلزمُ فِي قولِهِ: "أنا مُقِرٌّ بِهِ"، أو: "لسْتُ مُنْكِرًا له"، ولو أسقط به أوْ لَهُ، فليس بِإقرارٍ، وكذا: "لا أُنكرُ أَنْ يكونَ مُحِقًّا".
ولو قال: "أنا أُقِرُّ لك بِهِ"، فوجهانِ؛ الأرجحُ (١) عدمُ اللُّزومِ.
ومِن لازِم اللفظِ: "أبرأتَنِي" و"قضْيتُهُ" (٢)، ولا يَتخرَّجُ على تعقيبِ الإقرارِ بما يرفعُهُ لانتِظام اللفظِ هُنا ظاهرًا (٣)، ولا نَظَرَ إلى التَّقريرِ.
و"اشْتَرِ مِنِّي عبْدِي"، فيقولُ: "نَعَم"، فيكونُ أقرَّ له (٤) بالمِلْك، وكذا "بِعْنِي الذي تدَّعي" لا "صالِحْنِي"، لِظهورِ إرادةِ قَطْع المُنازعةِ.
و"أعتقتَ نصيبَك"، والمقولُ له موسِرٌ منكرٌ، وحلف، يَعْتِقُ نصيبُ القائِل بلازِم ما ذكره ويتحاسَبُ.
و"عسى" و"لعلَّ" و"أظنُّ": ليس بإقرارٍ لعدم ما فِي أولِ القاعدةِ (٥).
стр. 593
ومنه: "لفلانٍ عليَّ أكثرُ مِما لك"، لا يكونُ مقرًّا لواحِدٍ مِنهما، وفيه نظرٌ.
وما ظَهَرَ فِيهِ الاستهزاءُ لا يلزمُ مِثلُ: "زِنْ" و"خُذْ" و"اتَّزِنْ" و"شلْ فِي هِمْيَانِك، واختِمْ عليه".
فإن وُجِدتْ قرائِنُ الاستهزاءِ كتحريكِ الرأسِ ونحوِهِ وما يلزمُ (١) لولا القرائِنُ، فالأقربُ ليس بإقرارٍ.
ولو شَهِد عليه واحِدٌ، فقال: "هو صادقٌ، أو عدلٌ"، فليس (٢) بإقرارٍ، فإنْ أضاف إلى ذلك فيمَا شَهِد به، فإقرارٌ إلَّا أَنْ يظهرَ الاستهزاءُ.
وإن شَهِد عليَّ شاهدانِ بكذا فهُما صادقان، فإقرارٌ، وإنْ لم يشهَدَا على ما صححوه، والأرجَحُ خِلافُهُ.
وإن قال: "صدَّقْتُهما" فليس بإقرارٍ قطْعًا؛ لأنَّ غيرَ الصَّادِقِ قد يصدُقُ.
* * *
القاعدة الثالثة (٣):
المُقَرُّ بِهِ لا يلزمُ فيه إلَّا اليقينُ
قال الشافعِيُّ ﵁: "أصلُ ما أبْنِي عليهِ الإقرارَ أنِّي ألزمُ الناسَ أبدًا (٤) اليقينَ، وأطرحُ عنهُمُ الشَّك، ولا أستعملُ عليهمُ الأغلَبَ".
стр. 594
واعتمَدَ ذلك أصحابُهُ إلَّا فِي يسيرٍ، فشيءٌ (١) يفسَّرُ بما لا يُتمولُ، ونَجِسٌ يُقتنى، وينجُسُ مُطلقًا فِي: "غصبتُ منه شيئًا" وأمَّا (٢): "غصبتُك" أو: "عصيتُك ما تعلم"، فلا يلزمُهُ شيءٌ؛ لأنَّه قد يغصِبُه نفسَه.
وكذا كـ"شيءٍ"، و"مالٍ (٣) عظيم" أو كثيرٍ، ونحوِ ذلِك، أو أكثرَ مِمَّا لفلانٍ (٤) أو مِمَّا شهِد (٥) بِهِ الشهودُ على فلانٍ يُقبلُ بأقلَّ متمولٍ لاحتمالِ إرادةِ عظيمٍ خطرُهُ، ونحو ذلك.
وكذا ثمرةٌ ومستولدةٌ، وفِي الوقتِ (٦) احتمالٌ.
وكذا درهمًا يلزمه درهمٌ.
وكذا لو خَفَّض الدرهَمَ أو رفَعَهُ أو وَقَفَ عليه، أو كرَّر كذا مِن غيرِ عطْفٍ، فإنْ عَطَفَ بالواوِ أو بِـ "ثُم" (٧) ونَصَبَ درهمًا، فدرهمان، وإن لم ينصبه فدرهمٌ، وألفٌ ودرهمٌ لَزِمَهُ أن (٨) يفسر الألف بالفلوس والزبيب وغيرهما، وخمسَةَ عَشَرَ دِرْهمًا الكلُّ دراهِم.
وكذا خمسةٌ وعشرونَ دِرهمًا على ما صحَّحوه، ودِرهمٌ ونصفٌ النصفُ
стр. 595
غيرُ مبهم حمْلًا فِيهما على الغالِبِ فِي الاستعمالِ، وهُو مخالِفٌ للقاعِدةِ.
وفِي نصفٍ ودرهمٍ النصفُ مبهمُ، والدرهمُ ستةُ دَوَانِقَ، كلُّ دانِقٍ ثمانِ حبَّاتٍ وخُمُسَا حَبَّةٍ، فالدِّرهمُ خمسون حَبَّةٍ وخُمُسَا حبةٍ مِن شَعيرٍ متوسِّطٍ، لم يُقَشَّرْ وقُطِع مِن طرفيْهِ ما دَقَّ وطال، ولو فَسِّرَ الدِّرْهَمُ ولو مُصَغَّرًا بناقِصٍ أو مغشوشٍ قِيلَ إنِ اتَّصل، وكذا إنِ انفَصَل، ولكن يتعارفُ، ودراهِمُ تُفَسَّرُ بثلاثةٍ.
وجَمعُ (١) الكثرة وإنِ اقتضى أحَدَ عَشَرَ إلَّا أنه يُستعملُ فيما دُون ذلك، والأصلُ براءةُ الذِّمَّةِ.
ومِن درهمٍ إلى عشرةٍ تسعةٌ كما سبق إنْ لمْ يُرد مدلولاتِهِ أسماءُ الأعدادِ، فإن أراد ذلك فخمسَةٌ وخمسونَ.
ومَا بين درهمٍ إلى عشرةٍ أو عشرةٍ ثمانيةٌ.
ولو (٢) أقَرَّ بظرْفٍ لا يلزمُهُ المظرُوفُ، أو بِمظروفٍ لا يلزمُهُ الظَّرفُ، ولو قال: "دابَّةٌ بِسرجِها" لزِمَهُ كلاهُما.
وكذا ثوبٌ مُطَرَّزٌ فإنْ كان مُرَكبًا فخلافٌ.
والرجوعُ إلى القاعِدةِ يقتضِي أن لا يلزمَهُ الطُّرْزُ حينئِذٍ، خلافُ ما صحَّحوه.
وبِالجارِيةِ لا يتناولُ الحمْلَ، وكذا بِالشجرةِ لا يتناولُ الثَّمرةَ.
стр. 596
وعليَّ ألفٌ فِي هذا الكِيسِ يلزمُ (١) وإنْ لم يكُنْ فِيهِ شيءٌ، وكذا التَّمامُ إنْ نَقَصَ.
وعليَّ الألْفُ الذِي فِي الكِيسِ لا يلزمُ التَّمامُ ولا الكُلُّ، إنْ لم يكُن فِيهِ شيْءٌ على الأرجَح.
وعليَّ (٢) ألْفٌ فِي هذا العبدِ يُفَسَّر بِجنايةٍ (٣) تعلَّقتْ به، وكذا بِرهْنِهِ على الأصح، وبأنَّه أوصى لهُ مِن ثَمَنِهِ بألفٍ، وبأنَّه أقرضنِي ألفًا فصرفتُهُ فِي ثمنِهِ، وبأنَّه اشترى عَشَرةً بِهِ.
ومتى (٤) قال: "على ألفٌ فِي هذا العبدِ" فهو التِزامٌ بالألْفِ (٥).
و"فِي مِيراثِ أبِي ألْفٌ": إقرارٌ بالدَّينِ على أبِيهِ، ولم يحمِلُوه على الوَصِيَّة، مع أنَّها قد تتعلقُ بِالميراثِ فيما زاد على الثُّلثِ للأجنبِيِّ سِوى الوارِثِ (٦) مُطلقًا.
و"فِي ميراثِي مِن أبي": وعْدٌ بِهَبةٍ، والإقرارُ بالهِبةِ لا يقتضِي قَبْضَها.
стр. 597
و"دِرهَمٌ فِي عشرة" يلزمُه درهمٌ إنْ أطْلق، وإنْ أراد الحِسابِ فعشرَةٌ (١) أو المعيةَ فأحَدَ عَشَرَ (٢)؛ كذا قالوا، وهُو مُخالِفٌ لِمَا سيأتِي فِي درهمٍ مع درهمٍ، وكأنَّ المُرادَ هنا انتِفاءُ الظَّرفيةِ والمُصَاحَبَةِ، فيلزمُ أحَدَ عَشَرَ.
وما تكرَّرَ بغيرِ عطْفٍ وإنْ كثُرَ لا يَلزمُ بِهِ إلَّا واحِدٌ.
وكذا إنْ عَطَفَ بِـ "بَلْ" أو "لكِنْ".
وفِي "دِرهمٍ ودِرهمٍ"، أو "ثُمُنِ درهمٍ"، يلزمُهُ دِرْهمان.
وفِي "درهمٍ ودرهمٍ" إن أراد العطف فدِرْهمان، وإلَّا فدرهمٌ.
ودِرْهمٌ مع دِرهمٍ أو معهُ أو فوقَ أو فوقَه أو تحتَ أو تحتَهُ أو على أو عليهِ: يَلزمُ فِي الكُلِّ درهمٌ.
وقبلُ وبعدُ أو قبلَه أو بعدَه: لَزِمَهُ درهمانِ على النَّص، وهو مُقتضى استِعمالِ الظُّهورِ، وهو خِلافُ القاعِدةِ.
ودِرهمٌ بلْ دينارٌ: يَلزمانِ.
ومَن أقرَّ بقدرٍ فِي تاريخَيْنِ أو بِلُغَتينِ أو بِمُطلقٍ ومُضافٍ: لا يلزمُهُ إلَّا واحِدٌ، وإنِ اختَلَفَا لزِمَ الأكثَرُ، فإنْ وَصَفَهما بِصِفتينِ (٣) مُختلفتَيْنِ أو أضافهما إلى سببينِ مُختلِفينِ: لَزِمَا، ويُلَفَّقُ مِنْ شَاهِدَي إقرارٍ فِي تارِيخَيْنِ المتفقُ عليه لا (٤) فِي الإنشاءِ.
стр. 598
القاعدة الرابعة:
يلزمُ العملُ بِمُقتضى الإقرارِ الصَّحِيح، ولَا يصِحُّ الرُّجوعُ عن جميعِهِ عقبَهُ ولا بعدَهُ، إلَّا فِي حدودِ اللَّه تعالى؛ كالزِّنا والسرقَةِ
ويصِحُّ اتِّصالُهُ برفْع بعضِهِ أو صفتِهِ، فـ: "لهُ عليَّ ألفٌ" (١) لا يلزمُ قطعًا (٢)، و: "مِن ثَمَنِ خَمْرٍ" ونحوه، يلزمُ على الأظهرِ إنْ أُخِّر الرَّافِعُ، وإلَّا فلا يلزمُ.
ويلزمُ فِي: "عليَّ ألفٌ قضيتُه، أو (٣) أبرأتَنِي منهُ" و: "عليَّ ألفٌ مُؤَجَّلٌ (٤) إلى وقتِ كذا" يُقبل إنْ ذكرهُ مُتَّصِلًا لَا فِيما لا يَقبلُ التَّأجيلَ، [كمَا تقدَّم فِي السَّلم، وإنْ ذكرَهُ مُنفصِلًا فلَا، إلَّا فِيما يتعيَّنُ (٥) فيهِ التأجِيلُ] (٦).
ولا يصِحُّ الإقرارُ المعلَّق كـ: "لهُ عليَّ ألفٌ إن شاء اللَّه تعالى"، أو: "إنْ شاء اللَّه لهُ عليَّ ألفٌ"، فلا يلزمُ العملُ بِهِ.
و"غصبتُ هذِهِ الدَّارَ من زيدٍ، بل مِن بكرٍ"، سُلِّمَتْ لزيدٍ، ويَغْرَمُ قيمتُها لبكرٍ على الأظهر لِلْحيلولةِ القوليةِ، واللَّه تعالى أعلم.
* * *
стр. 599
* ضابطٌ:
كلُّ حيلولةٍ قوليةٍ فِي الغُرم بها قولان: الأظهرُ الغُرْمُ إلَّا فِي الشُّهودِ الراجعينَ بعدَ الحُكم فِي الطلاقِ البائِنِ، فإنَّهم يَغْرَمون قطْعًا، إذْ لا مُسْتَدْرِك له، ذكره فِي "النهاية" فِي النكاح.
وكلُّ حيلولةٍ قوليةٍ يَغْرَمُ المُحِيلُ فيها (١) إلا فِي صورٍ:
منها: اعترافُ السَّيِّدِ لمُدَّعِي المِلْكِ فِي عبدِهِ (٢) بالمِلْكِ، ثُم يعترفُ للعبدِ بالعِتْقِ.
ومنها: لو قال بالِغٌ: "هذا أبي" (٣)، ثُم قال لغيرِهِ: "بل هذا أبي"، ومثلُهُ يَعْتَرِفُ (٤) بالولاءِ لشخصٍ ثُم لغيرِهِ (٥).
ومنها: يُقِرَّ بالسَّبْقِ لبعض ثلاثةٍ (٦)، ثُم يقرُّ بالسبقِ لآخَرَ.
* * *
стр. 600
ولو قال: "غصبتُ هذِهِ الدارَ مِن زيدٍ (١)، ومِلْكُهَا لبكرٍ" لم يَغْرَمْ لبكرٍ على المذهبِ.
وأما رَفْعُ بعضِ (٢) المُقِرِّ بِهِ بالاستثناءِ فجائِزٌ إنِ اتَّصل، فالمستغرِقُ باطلٌ إلَّا إن أعقبه باستثناءٍ ناقِصٍ كعشرةٍ (٣) إلَّا عشرةً إلَّا أربعةً، فيلزمُهُ أربعةٌ على الأقْيَسِ، وإنَّما يبطلُ المستغرَقُ (٤) إذا كان باستثناءٍ واحدٍ؛ فأمَّا باستثنائَيْنِ (٥) فيبطُلُ الأخيرُ (٦) كعشرَةٍ (٧) إلَّا خمسةً وإلَّا (٨) خمسةً.
ولا يُجمع المُفرَّقُ فِي المعطوفِ فِي المُستثى منهُ ولَا فِي المُستثنى إلَّا إذا كان المُستثنى لو جُمِع مُفَرَّقُهُ (٩) لم يستغرقْ، كثلاثةِ دَرَاهِمَ إلَّا دِرْهمًا ودِرْهمًا، فإنَّه يلزمُهُ درهمٌ.
والاستثناءُ مِن النَّفْي إثباتٌ، ومِنَ الإثباتِ نفيٌ، ونفيُ النَّفِي إثباتٌ.