← Фикх шафии

Фикх шафии · id 19230

التدريب في الفقه الشافعي

سراج الدين البلقيني

Полный текст (1 801 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

باب الوقف هُو لُغةً: تَرْكُ تَصرُّفٍ (١) بِمعنى التَّحبِيسِ والتَسبيلِ، يقال: "وقَفْتُ كذا وحبَّستُه"، و"حبَّستُ": أكثرُ استعمالًا، ويقالُ: "أوْقفْتُه" فِي لُغةٍ رَديئةٍ. وشَرْعًا: تحبيسُ مالٍ يمكنُ الانتفاعُ به مع بقاءِ عَينِه، بقَطْعِ التصرُّفِ فِي رقَبتِه على مَصرِفٍ مُباحٍ مَوجودٍ. ومَنْ يَعتبِرُ اتصالَه يَزيدُ فيهِ "بِما يَقتضِيه" ومَنْ يَعتبِرُ القُرْبةَ يزيدُ فيهِ "تَقرُّبًا إلى اللَّه تعالى". وأصلُه: ما روا ابنُ عُمرَ ﵄ أنَّ (٢) عُمَرَ بْنَ الخطابِ ﵁ أَصابَ أرضًا بِخيْبَرَ فأتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي أَصبْتُ أرْضًا بَخَيبَرَ لَم أُصِبْ مالًا قَطُّ هُو عِندي أنفسَ مِنْه فما تأمُرنِي؛ قال له النبيَّ ﷺ : "إنْ شِئْتَ حبَّستَ أصلَها وتصدَّقتَ" قال: فتَصدَّق بِها عُمَرُ أنه لا يُباعُ أصْلُها ولا يُورَثُ ولا

стр. 702

يُوهَبُ، وذكرَ مَصارِفَها. أخرجَه الصحيحانِ (١). وفِي روايةٍ للبخاريِّ (٢) قال النبيُّ ﷺ : "تصدَّقْ بأصلِهِ لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورثُ، ولَكِنْ تُنفَقُ ثَمرتُهُ" (٣). وفِي "الصحيحينِ" مِن طَريقِ أبي هُريرةَ ﵁ أَنَّ النبيَّ ﷺ فِي حقِّ خالدٍ أنَّه احتَبسَ أدْراعَهُ وأَعْتادَهُ فِي سَبيلِ اللَّهِ (٤). وفِي "صحيحِ مسلمِ" عَنْ أبي هريرَةَ ﵁ عَنِ النبيِّ ﷺ أنه قالَ: "إذَا ماتَ الإنسانُ انقطعَ عملُهُ إلا مِن ثلاثٍ: مِن (٥) صَدقةٍ جَاريةٍ، أوْ عِلْمٍ يُنتفعُ به، أوْ ولَدٍ صَالحٍ يَدعو لَه" (٦). والصدقةُ الجاريةُ مَحمولةٌ عِندَ العُلَماءِ على الوقْفِ.

стр. 703

وذَكَرَ المَحَامِلِيُّ أنَّ التبرُّعاتِ ستة: ١ - الصدَقةُ. ٢ - والوَقْفُ. ٣ - والهِبةُ. ٤ - والعُمْرَى. ٥ - والرُّقبى. ٦ - والوَصيةُ. ويُزادُ عليه: الإباحةُ. والمرادُ التبرعُ بالأعيانِ غَيرِ (١) العِتْقِ ومُقدِّماتِه. * * * ويُعتَبَرُ فِي الوقْفِ أَنْ يَصدُرَ مِنْ مالكٍ مُطْلَقِ التصرُّفِ أوْ وَكيلِه إلا فِي خَمْسِ صُوَرٍ: ١ - إحداها: ما يقِفُه الإمامُ مِنْ أملاكِ بيْتِ المَالِ على ما يَقتضِيه النَّظرُ، صرَّحَ به القَاضِي الحُسَينُ، والنَّصُّ فيما بعدَها يَشهَدُ لَه. ٢ - الثانيةُ: ما يقِفُه الإمامُ مِنْ رِقابِ أراضِي الفَيْءِ، نَصَّ عليه وأَخذَ بِه الجُمهورُ.

стр. 704

٣ - الثالثةُ (١): ما يقِفُه الحاكِمُ مِن بَدَلِ الوَقْفِ المُتْلَفِ المُبتاعِ بِقِيمتِه. ٤ - الرابعةُ (٢): ما يقفُه الحاكمُ مِن رِيْعٍ اشَترَطَ أنه يُشترِى به ويوقَفُ. ٥ - الخامسةُ (٣): ما يقِفُه مَن شُرِطَ له ذلك مِن ناظِرٍ أوْ وصِيٍّ، وإنْ لَمْ يَكنْ حاكمًا، وما شُرِط أَنْ يُشتَرَى ويَكونَ وَقفًا، أوْ له حُكمُ الوَقفِ، لا يَحتاجُ إلى لَفْظٍ. * * * ولا بُدَّ لِلْوقْفِ مِنَ الصِّيغةِ فِي غَيرِ هذه، إلا فيما سَبقَ فِي إحياءِ المَواتِ، وفيما يَأخذُه الإنسانُ مِنَ الناسِ لِيَبنِيَ بِه زَاوِيةً أوْ رِباطًا، فإنه إذا بنَى يَصيرُ وقْفًا على ما كان يَأخُذُ له، ذَكرَ ذلك الشيخُ أبو مُحمَّدٍ على طَريقةِ ابْنِ سُريجٍ، وذَكرَ الإمامُ أنه لا حاجةَ إلى لَفْظٍ فِي مَصيرِ ما يُجعَلُ شَارعًا. ومِن صَرائحِ الصِّيغةِ: "وقفْتُ" أو "حَبَّسْتُ" أو "سَبَّلْتُ" أو "تصدَّقتُ به صدقة مُحرَّمةً أو مَوْقوفةً، أوْ لا تُباعُ ولا تُوهَبُ". ومِن الكِنايةِ: "حرَّمْتُ" أو "أبَّدْتُ". ويحتاجُ إلى (٤) نِيةِ الوَقفِ. و"تصدقْتُ" إنْ نَوى بِه وَقْفًا على جِهَةِ عامَّهٍ، صحَّ، وإنْ نَواه على مُعيَّنٍ لَمْ

стр. 705

يَكنْ وقْفًا، بلْ هو تَمليكٌ، ولا يَحتاجُ إلى قَبولٍ إذا وقَفَ على غَيرِ مُعيَّنٍ (١)، ولا (٢) على المُعيَّنِ على ظَاهرِ النَّصِّ المُختارِ، وقَطَعَ بِه جَماعةٌ (٣)، خِلافًا لِما صَحَّحه فِي "المحرَّرِ" (٤)، تَبَعًا لِلْإمامِ وغيرِه. وعلى الوَجْهَينِ: إذا ردَّ بَطَلَ حقُّه، خِلَافًا للبَغويِّ، وما قاله حَسَنٌ، ولو ردَّه ثم رَجَعَ قَبْلَ حُكمِ الحاكِمِ بِرَدِّه كان له ذلكَ، قالَه الرُّويانيُّ، وفيهِ نَظرٌ. ولا يُشتَرَطُ قَبولُ النَّظرِ (٥) الثاني، ولا عَدَمُ رَدِّهِم على الأرْجَحِ. ولا أَنْ يَقولَ الواقِفُ: أخرجْتُه مِنْ مِلْكي، علَئ المَشهورِ، ولا أن يَقبِضَه المَوقُوفُ عليه قَطْعًا، خِلافًا لِما (٦) شذَّ به المَرْعَشيُّ والجُرجانيُّ. وإذا بَطَلَ بالردِّ فهو مِن صُوَرِ مُنقطِعِ الأَوَّلِ، وهو بَاطلٌ على الأصَحِّ، ويَصِحُّ مُنقطِعُ الوسطِ، والآخِرِ على الأصحِّ. ويُعتبَرُ فِي المَوقُوفِ أن يكونَ عَينًا مُعينةً مَمْلوكةً قابلةً للنَّقْلِ تُعَدُّ (٧) عَيْنًا كثمرةٍ أوْ مَنفعةٍ تُستعارُ لها، كفَحلٍ لِضِرابٍ، وإنْ كانتْ مُنتظَرةً كما فِي العَبدِ والجَحْشِ الصغِيرَيْنِ، والمُؤْجَرِ.

стр. 706

ولا يصحُّ وقفُ الكلْبِ والمُستولَدةِ والمُكاتَبِ، ولا الحُرِّ نفسَهُ. ويصحُّ فِي المُدَبَّرِ ومعلِّقٍ للعِتْقِ. ولا يَبطُلُ الوَقْفُ عِندَ وُجودِ الصِّفةِ فيهما على الأصحِّ، خِلَافًا لِلْبغَويِّ والرَّافِعِيِّ ومَن تَبِعَهما، لِخُروجِه عَن مِلْكِ الواقِفِ قَبْلَ وُجودِ الصِّفةِ. ويصحُّ وقْفُ البِناءِ والغِراسِ وإنْ لَمْ تَكنِ الأرضُ مَمْلوكةً لِمالِكِهما (١)، ووقْفُ (٢) مَا لَمْ يَرَهُ على الأصحِّ فَيهما، ولا خِيارَ له عِندَ الرُّؤيةِ. ويُعتبَرُ فِي المَوقوفِ عليه المعيَّنِ أن يكونَ أهلًا للمِلْكِ غيرَ مستحِقٍّ القْتلَ لِحَقِّ اللَّهِ تعالى، فلا يَصحُّ على الجَنينِ (٣) خِلافًا لِما جَزمَ به الزازُ، ولا على العَبْدِ نفْسَه (٤) ولَوْ مُكاتَبًا، خِلافًا لِلْمُتولِّي ولا على مُرتدٍّ وحربيٍّ (٥)، على الأصحِّ فِي الثلاثةِ. وقياسُهُ: أن لا يصحَّ على زانٍ محصَنٍ وتاركِ صلاةٍ، وإنْ أطْلَقَ الوقْفَ على العبدِ (٦) كانَ وقْفًا على سيِّدِه، والوَقْفُ على البَهيمةِ لاغٍ، وإنْ أطْلَقَه. ويَبْطُلُ وَقْفُ الإنسانِ علَى نفْسِه على الأصحِّ المَنصوصِ، ولأ يُستثْنَى مِنْ ذلك ما ذَكرَه ابنُ يُونُسَ ومَن تَبِعه: مِن (٧) أَنْ يَقِفَ ذلك على صِفَةٍ تَنْحصِرُ فيه

стр. 707

كالأفْقَهِ مِنْ بَنِي فُلانٍ؛ لأنَّه لَو وَقفَ على وَلَدِه، ثُمَّ مِنْ بَعْدِ ولَدِه على وَارثِه، وكان بَعْدَ وَلدِه هو أحَدُ ورَثتِه ففِيها وجْهانِ: فابنُ سُريجٍ والزُّبيرِيُّ (١) المُجيزانِ وقْفَ الإنسانِ على نفْسِه، قالَا: يأْخُذُ قَدْرَ إرْثِه وقْفًا، ومُخالِفُوهُما مَنعُوا ذلك، ذَكرَه المَاورْدِيُّ. والإبْطالُ فِي صُورةِ ابْنِ يُونُسَ أوْلَى، نَعَمْ يُستثْنَى مِن ذلك ما إذَا وَقفَ الإمامُ مِن بَيتِ المَالِ أرْضًا لِجَامِكيةِ الإمامةِ مَثلًا، فإنَّه يَصحُّ، قُلْتُه تَخريجًا. ولَو شَرطَ مَن وقَفَ مِلْكَه النَّظرَ لِنفْسِه وأُجْرةً (٢) على النَّظرِ غَيرُ زَائدةٍ علَى أُجْرَةِ المِثْلِ جَازَ على الأصحِّ (٣)، ولَو وقَفَ وَقْفًا (٤) على الفُقَراءِ ثُمَّ صارَ فقِيرًا جازَ أَنْ يَأخُذَ مِنه، وكذا لَو كانَ فَقِيرًا عنْدَ الوقْفِ، قُلتُه تخْريجًا. * * * * ومدارُ الوَقفِ على الشُّروطِ المُعتبرَةِ: - ومِنها: أَنْ يَشرُطَ صَرْفَ الرِّيعِ لِقَومٍ سَنَةً ثُمَّ لآخَرِينَ. - ومِنها: شَرَطَ أن لا يُؤجَّرَ أوْ لا يُؤَجَّرَ (٥) إلا كذا. - ومِنْها: شَرَطَ اخْتصاصَ المَسجدِ لِطائفةٍ على ما صحَّحَه فِي

стр. 708

"المُحررِ" (١)، وليس مِنْها شَرْطُ الخِيارِ، ولا أن يَبيعَه مَتى شَاءَ أوْ يَرْجعَ فِيه، بلْ يَبْطُلُ الوَقْفُ بذلكَ. وقاعدةُ البابِ: العَملُ لِلظُّهورِ (٢) والاتِّصالِ مَا أمْكنَا، وعنْدَ الانقطاعِ فِي غَيرِ الأوَّلِ يُصرَفُ لِفُقَراءِ أقْرَبِ الوَاقفِ لِمِلْكِه ولَو بوَكيلِه، وكذا إنْ تَعذَّرَ معرفةُ تصرُّفِه (٣). والحقيقةُ مقدَّمةٌ، وقد يُصارُ إلى المَجازِ عند تعينِهِ، ويُحمَلُ المُشترَكُ على جَميعِ مَعانِيهِ. والذِي (٤) صَرَّحَ فيه بالتَّرتيبِ أوْ بالتشريكِ تَسويةً أو تفصيلًا يُعمَلُ به، وكذا مِن جِهَةِ الظُّهورِ كـ "ثم" لِلترتِيبِ و"الواو" لِلتشْريكِ. وفِي قولِه: "بَطنًا بَعْدَ بَطْنٍ"، ونحوِه، تردُّدٌ، والأرجحُ: التشريكُ خِلافًا لِمَنْ رَجَّح الترتيبَ فيه وفِي: "طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ". والوقْفُ على الأوْلادِ لا يَتناولُ أولادَهم، إلا إذا لَمْ يَكنْ هُناكَ غيرُهُم، فيَتعينُ المَجازُ للتَّصحيحِ. . قالَه المُتولِّي. ولو وَقَفَ على وَرَثَةِ زَيْدٍ وهو حيٌّ لَمْ يَصِحَّ، ويَتعيَّنُ (٥) المَجازُ. . قالَه المَاوَرْدِيُّ؛ لِإمْكانِ وُجودِ الحَقيقةِ فيها بِخِلافِ أوْلادِ الأوْلادِ.

стр. 709

والوقفُ على المَوالِي (١) يُقسَّمُ بَيْنَ الأَعْلَى والأسْفَلِ المُوجُودِينَ حَمْلًا لِلْمشترَكِ على جَميعِ مَعانِيه. وما يَعْقُبُ الجُمَلَ أو المُفْرداتِ يعودُ إلى الكُلِّ مَا لَمْ يَظهر الانقطاعُ بِطُولٍ أوْ عَطفِه بـ "ثُم"، ونَحوِه، وعلى زيدٍ وعَمْرٍو، ثُم مِن (٢) بَعدِهِما لِلْفُقراءِ نَصيبُ مَنْ مَاتَ لِلآخَرِ. والتَّوليةُ لِمَنْ شَرَطَ، فإنْ سَكتَ عنه فلِلْحاكِمِ، وليس لِلْمَوقُوفِ عليه أَنْ يؤجِّرَ إلا إذا شَرَطَ له ذلك. * * *

стр. 710

باب الهبة هي لُغةً: "إعطاءُ شَيْءٍ (١) بِلَا عِوَضٍ". يُقالُ: وَهَبْتُ له (٢)، ووُهِبْتُ مِنْه، والأوَّلُ أجْوَدُ، وَهَبًا وَوُهْبَانًا -بإسكانِ الهَاءِ وفَتْحِها- وهِبةً، فالمَصادرُ ثلاثةٌ. والاسمُ الموهِب والموهِبة (٣): بكسر الهاء (٤) فيهما. والاتِّهابُ: قَبولُ الهِبةِ، والاستيهابُ سُؤَالُها. ووهَّابٌ ووهَّابةٌ: كَثيرُ الهِبةِ. وشَرعًا: "تَمْليكٌ صادرٌ مِنْ أهْلِه فِي الحَياةِ، غيرُ واجبٍ على شَيْءٍ مَخْصوصٍ بِلَا عِوَضٍ". فتَخرُجُ الوَصيةُ، إذِ التَّمليكُ فيها بعْدَ المَوتِ، ويَخرجُ الواجِبُ مِن زَكاةٍ أوْ نَفقَةٍ أوْ فِدْيةٍ أو كَفَّارةٍ أوْ نَذْرٍ، فإنه لا يُسمَّى هبةً.

стр. 711

وأصلُها -قَبْلَ الإجْماعِ- قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. وفِي حديثِ وفْدِ هَوازِنَ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إنِّي رَأيتُ أَنْ أَرُدَّ إلَيهِم سبيَهُمْ، فمَنْ أحَبَّ مِنْكمْ أَنْ يُطيِّبَ ذلك فلْيَفْعَلْ" أخرجهُ البخاريُّ مطوَّلًا (١). والأحاديثُ فِي الهَديةِ والصَّدقةِ والعُمْرَى والرُّقبى كثيرةٌ. والهبةُ تَعُمُّ الكُلَّ. وتمتازُ الهديةُ بالنَّقْلِ إكْرامًا. ويَحصُلُ (٢) المِلْكُ فيها بالبَعثِ والقَبْضِ إلَّا فِيمَا يُهدَى لِغنيٍّ (٣) مِنْ لحْمِ تَطوُّعِ أُضحيةٍ، أو هَدْيٍ، أوْ عَقيقةٍ، فإنَّه لا يمْلِكُه وإنْ جَازَ له الأكْلُ (٤). وتَمتازُ الصَّدقةُ بالدَّفعِ للمُحْتاجِ طَلَبًا لِثَوابِ الآخِرةِ. وقدْ تكونُ بالمُختصاتِ كجِلْدِ مَيتةٍ لَمْ يُدبَغْ ونَحوِه. وكذا الهِبةُ على رأيٍ سيأتِي. والعُمْرَى والرُّقبى يُحكمُ فِيها بِحُكمِ الهِبةِ، وإنْ زادَ فِي العُمْرَى: "إذا مِتُّ

стр. 712

عادَتْ إليَّ أوْ إلَى ورَثَتِي"، وفِي الرُّقبى: "إنْ مِتَّ قَبْلِي عادَتْ إليَّ، وإنْ مِتُّ قَبلَكَ (١) استقرَّتْ علَيْكَ". ويفسدُ الشَّرْط علَى الأصَحِّ. * * * * ضابطٌ: ليس لَنا شَرطٌ فاسِدٌ مُنافٍ لِمُقتضَى الحالِ يَصحُّ العَقْدُ مَع وُجودِه إلَّا فِي العُمْرى والرُّقبى. * * * وقال الغزَّاليُّ: المالُ إنْ بُذِلَ لِغَرضٍ آجِلٍ فَهُوَ صَدَقَةٌ، أوْ عَاجلٍ، فهُو هِبةٌ بثَوابٍ مَشروطٍ، أو مُتوقَّعٍ، أوْ للتَّودُّدِ، فهُو هَديةٌ، أو عَلى عَمَلٍ فاسِدٍ، أوْ شَرْطٍ مُحرَّمٍ فَهُوَ رِشْوةٌ. ومَا ذَكرَهُ فِي الهِبةِ بالثَّوابِ المَشروطِ المَعْلومِ، مُخالِفٌ لِلْأَصحِّ أنها بَيْعٌ، وعنْدَ جَهالةِ المَشروطِ تَفسُدُ الهِبةُ على الأصحِّ، وما ذَكرَهُ فِي الهَديةِ (٢) يَشمَلُ غَيْرَ المَنقولِ. ويُعتبَرُ الإيجابُ والقَبولُ فِي الهِبةِ خَاصةً، والمَوهُوبُ يكونُ عَينًا ودَيْنًا (٣) ومَنْفعةً وحقًّا.

стр. 713

والدَّيْنُ لا يُوهَبُ لِغَيرِ مَن عليه، وهِبَتُهُ مِمَّنْ (١) علَيه اِبْراءٌ لَه والمَنافِعُ تقدمتْ فِي "العارِيةِ" والحَقُّ فِي القَسْمِ يأتي فِي "عِشْرَةِ النِّساءِ" إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى. * * * وكل عَينٍ جَازَ بَيْعُها يَجوزُ هبتُها، وما لا يَجوزُ بَيعُهُ لا يَجُوزُ هبتُهُ إلا فِي خَمْسِ صُوَرٍ، يَصحُّ فيها الهِبةُ دُونَ البَيعِ: ١ - مَا لا يُتموَّلُ، لِقِلَّتِه على الأرْجحِ. ٢ - والثِّمارُ قَبْلَ بُدُوِّ الصلاحِ، والزَّرعُ قَبْلَ اشتِدادِ الحَحث مِنْ غَيرِ شَرْطِ القَطْعِ فِيهِما. ٣ - وهِبَةُ الكَلْبِ الذي يُقتَنى على النَّصِّ فِي "الأُمِّ"، خَلافَ ما صحَّحُوه. ٤ - وجلدُ المَيْتةِ -على رأيٍ مَجزومٍ به (٢) فِي الأَوانِي فِي "الرَّوضةِ" (٣)، خِلافَ ما صُحِّحَ (٤) فِي الهِبة (٥)؛ تَبَعًا لِأصْلِه. ٥ - والخَمْرةُ المُحتَرَمةُ على رأيٍ قَويٍّ. * * *

стр. 714

ومَدارُ البابِ على ثَلاثةِ أشياءَ: أحدُها: حُصولُ المِلْكِ بالقَبضِ المُعتَبَرِ إلَّا فيما تَقدَّمَ في (١) المُختصاتِ، ولا بُدَّ مِن إِذْنِ الواهِبِ فِي القَبْضِ، ولو مَاتَ أحدُهما قَبْلَ القَبضِ لَمْ يَنفسِخْ على الأصحِّ، ويَتخيرُ الوارِثُ. الثاني: لا يَجِبُ الثوابُ فِي غَيرِ المَشروطِ ولَو وَهَبَ لِلْأَعلَى (٢). الثالثُ: يَرجعُ قَبْلَ القَبضِ مُطْلَقًا (٣) وبَعْدَ القَبضِ فِي غَيرِ الفَرعِ بالتَّقَايُلِ (٤) جَزْمًا، والفسخِ على رأيٍ والعكس (٥).

стр. 715

وأمَّا الرُّجوعُ قَهْرًا فلا يَثبُتُ إلا لِلأَصْلِ مع فرعِهِ (١) لقوله ﷺ : "لا يَحلُّ لِمَنْ أَعْطَى عَطيةً أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا إلَّا فِيمَا أعْطاهُ الوالِدُ لِوَلدِهِ" حديثٌ حَسنٌ أوْ صحيحٌ (٢). وإذا رَجعَ الأصْلُ فله الزائدُ المتصِلُ فَقط. ويرجعُ فِي بَيْضٍ تفرَّخَ وبِذْرٍ زُرعَ، ويَمتنِعُ الرُّجوعُ بعد زَوالِ المِلْكِ بِغَيرِ التَّحرُّم (٣)، ولا يَعودُ بِعَودِه على الأصحِّ بِخِلافِ الفَلَسِ والرَّد (٤) بالعَيبِ

стр. 716

لِتقصيرِ الوَالدِ بِتَرْكِ الرُّجوعِ (١). وكذا يَمتنِعُ بِحَجْرِ الفَلَسِ (٢) على الفَرعِ وارتِدادِهِ ورَهنِ المَوهُوبِ مَقبوضًا وكتابتِه لا إنْ زَالَ المَانعُ (٣). ويَحصُلُ الرُّجوعُ بقولِه: "رَجعْتُ" ونحوِه لا بِالبَيعِ، والعِتْقِ، والوَطْءِ. ويَنبغِي العَدْلُ بَيْنَ الأوْلادِ فِي الهِبَةِ، وترْكُهُ مَكروهٌ لا كَراهةً (٤) شَديدةً، ويُسَوَّى بيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثَى على الأصحِّ. * * *

стр. 717

باب اللقطة هِيَ بِفتحِ القَافِ -على المشهُورِ- وقياسُ ذلك لِكَثيرِ الالتِقاطِ، وقال الخليلُ: هِيَ بإِسْكانِها. وهيَ لُغةً: الشيءُ المَلْقُوطُ، ويقالُ أيضًا: "لُقاطة" بِضَمِّ اللَّامِ، ولَقَطٌ بفَتْحِ اللامِ والقَافِ، ولِلْمُلتقِطِ: لُقَطةٌ -بِفَتحِ القَافِ. وشرْعًا: ما وُجِدَ مِنْ مَالٍ أوْ مُختَصٍّ ضَائعٍ لِغَيرِ حَربيٍّ ليس بمُحْرَزٍ، ولا مُمْتنِع بِقوَّتِه، لا يَعرِفُ الواجدُ مَالكَه (١)، ويُفارقُهُ الضائعُ الذي لا يَجرِي عليه حُكْمُ اللُّقَطةِ بأنه المُحْرَزُ الذي لا يُعرَفُ مَالكُه، ويَلحَقُ به المُمتنِعُ لقوتِهِ. ولُقَطةُ الحَرَمِ، كما تقدَّمَ عنْ زيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنيِّ ﵁ قال: جَاءَ رَجلٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فسألَه عنِ اللُّقَطةِ، فقالَ: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا ووِكاءَهَا، ثُمَّ عرِّفْها سَنَةً، فإنْ جَاءَ صاحِبُها وإلا فشأنَكَ بِهَا" قالَ: فضالَّةُ الغَنَمِ؟ فقال (٢): "هِيَ لَكَ، أوْ لِأخيكَ، أوْ للذِّئبِ" قالَ: فضالَّةُ الإِبِلِ؟ فقالَ (٣): "مالَكَ ولَها؟! معَها سِقاؤُها

стр. 718

وحِذاؤُها، ترِدُ الماءَ وتأكُلُ الشجَرَ حتى يلْقَاهَا ربُّها" أخرجَه الصحيحانِ (١). وفِي لَفْظٍ لِمُسلمٍ: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ عَن لُقَطةِ الذَّهبِ والورِقِ، قال: "اعرِفْ عِفَاصَهَا ووكاءَها ثُم عرِّفْها سَنةً، فإنْ لَمْ تُعْرَفْ فاستنْفِقْهَا، ولْتكُنْ وديعةً عِندَك، فإنْ جاءَ طَالبُها يَومًا (٢) مِنَ الدَّهْرِ فأدِّها إلَيْه" (٣). وفِي لَفْظٍ لِمُسلِمٍ: "فإنْ جَاءَ صاحبُها يعرِفُ (٤) عِفاصَهَا وعدَدَها ووكاءَها فأعطِهَا إياه، وإلا فَهِيَ لَكَ" (٥). لا يَجِبُ الالتقاطُ على الأظْهَرِ، والمُختارُ عِنْدَ عِلَّة (٦) الضَّياعِ: الوُجوبُ. وقدْ (٧) يَتعيَّنُ فِي الرَّقيقِ إذا تعيَّنَ طَريقًا لِحِفْظِ رُوحِهِ، ولَمْ يَذكرُوه. وحيْثُ لَمْ يَجِبْ يُستحبُّ (٨) لِمَنْ يثِقُ بِنَفْسِه، ويُكرَهُ لِلْفاسِقِ، ولا يجبُ الإشهادُ على الأصحِّ ويُستحَبُّ. والشيءُ الملْقُوطُ الذي يُمْلَكُ بشَرْطِهِ (٩): جَمادٌ، وحَيوانٌ ممتنِعٌ وغَيرُ

стр. 719

مُمتنِعٍ، ومِنْه رَقيقٌ غَيرُ مُميِّزٍ، وكذا مُميِّزٌ زَمنَ (١) نَهْبٍ. وأمَّا المُمتنِع (٢) بقُوَّتِهِ كالإبِلِ أو بعَدْوِهِ أو بطَيَرانِهِ (٣) فيُلتَقطُ لِلْحِفظِ، لا للتملُّكِ والتصرُّفِ فيه، إلَّا فِي صُورةٍ واحدةٍ، وهي ما إذا وَجَدَ بَعِيرًا فِي أيَّام مِنًى مُتَقَلَّدًا فِي الصَّحْراءِ تقْليدَ الهدَايَا، فيعرِّفُه (٤) أيامَ مِنًى. فإنْ خافَ فَوْتَ وقتِ النَّحْرِ نَحَرَهُ، على النَّصِّ، وفِي قولٍ: يَرْفعُ الأمرَ إلى الحاكِمِ (٥). * * * ومَدارُ اللُّقَطةِ على أربعةِ أشياءَ: ١ - أولُها: الأمانةُ. ٢ - وثانيها: التعريفُ المعتبَرُ (٦). ٣ - وثالثُها: التملُّكُ بَعْدَه.

стр. 720

٤ - ورابعُها: إجْراءُ حُكمِ القَرْضِ على التَّملُّكِ (١) المَذكورِ. * * * * والمُغلَّبُ فيها الاكتسابُ (٢) للنَّفسِ على الأصحِّ، فيَلْتَقِطُ (٣) الفاسِقُ، والذِّميُّ، والصَّبيُّ، وكذا المَجنونُ -صرَّحَ بِه المَحَامِلِيُّ (٤) - والمكاتَبُ، والمُبَعَّضُ، وهي لَه، ولِسيِّدِه، إن (٥) لَمْ يَكنْ بينَهما مُهايَأَةٌ، فإنْ كانَتْ مُهايَأَةٌ فلِمَنِ التُقِطَتْ فِي نَوبَتِه (٦). ولا يصِحُّ التقاطُ المَملوكِ إلا فيما سَبقَ، وتُرعى شَائبةُ الأمَانةِ، فتُنزَعُ مِنَ الفاسِقِ، وتُوضَعُ عِنْدَ عَدْلٍ، وكذا الذِّميُّ عِنْدَ البَغوِيِّ.

стр. 721

وفِي نَزْعِها مِنَ العَدْلِ فِي دِينِهِ نظرٌ، ويَنتزعُها (١) الوليُّ مِن مَحجُورِه (٢)، ويَضمَنُ إذَا قَصَّرَ فِي الانتِزاعِ حتى تَلِفَتْ فِي يَدِ مَحجورِه. والعَبْدُ ضامِنٌ، ولَو أَخذَها السيدُ مِنه أوْ أجْنَبيُّ (٣) كانَ لَيْطًا مُسْقِطًا للضَّمانِ، ولَمْ يَجعلُوهُ فِي يَدِ العَبدِ مُحرَّزًا، إلا فِي رأيٍ قويٍّ، فعَلَيهِ لا (٤) يَلتقِطُ. ومَنْ أَخذَها بِقصدِ الخِيانَةِ فهو ضَامِنٌ، ولا يَتملَّكُ. وحيثُ ثبتَتِ الأمانةُ فهِيَ مُستمرِّةٌ إلى التملُّكِ، ولا يَضرُّ فِي الأثناءِ قصْدُ الخِيانةِ على الأصحِّ. * الثانِي: التعريفُ وهو واجِبٌ، وما يَفسُدُ كالهَريسةِ إنْ (٥) شاءَ أَكَلَه أوْ باعَه وحفِظَ ثَمنَه. وفِي الشَّاةِ والكَسيرِ مِنْ (٦) غَيرِها إنْ شاءَ أمْسكَ (٧) أوْ باعَ وحفِظَ الثَّمنَ، أوْ أكلَ، فإنْ وَجَدَ ذلك فِي العُمرانِ فلَيْسَ له الأكْلُ لِنَدارَتِه (٨).

стр. 722

واستثْنَى الإمامُ مِنْ وُجوبِ التعريفِ ما (١) وُجِدَ مِنَ (٢) الهَريسةِ ونَحوِها فِي الصَحراءِ إذا أَكَلَ. ويَنبعِي (٣) لِلْملتقِطِ أن يَفهَمَ عِفاصها -وهو وِعاؤُها مِنْ جِلدٍ أوْ خِرقَةٍ- ووِكاءَها وهو الخَيْطُ الذي تُشَدُّ به، وجِنْسُها ونَوْعُها. ويُستحبُّ تقييدُها بِالكِتابةِ. ثم يُعرِّفُها سَنَةً بِحسَبِ العَادةِ إلا فِيما لا يُتموَّلُ، فيَستقِلُّ به فِي الحالِ. وفِي المُتموَّلِ القَليلِ الذي يَغلِبُ على الظنِّ أن فاقِدَهُ لا يَكثُرُ أسفُهُ (٤) عليه، يُعرِّفُه قَدْرًا يَغْلِبُ على الظَّنِّ إعراضُه عنه، ويُعرِّفُه فِي الأسواقِ، وأبْوابِ المساجِدِ ونحوِها، فِي كُلِّ يَومٍ مَرَّتينِ، ثُم مرَّةً، [ثم فِي كلِّ أُسبوعٍ مرَّتَينِ] (٥)، ثُمَ مَرَةً، ثُم فِي كُلِّ شَهْرٍ. ولْيكُنِ التعريفُ بالبُقعةِ التي وُجِدَ فِيها، وفِي الصَّحراءِ إنْ كانَتْ هُناكَ قافِلةٌ تَبِعَهُم وإلا فَيُعرِّفُه فِي البَلَدِ التِي (٦) تَقصِدُها. ومُؤنةُ التعريفِ على المُلتقِطِ القاصِدِ للتَّملُّكِ، وفِي الفاسِقِ ونحوِه يُضَمُّ إلَيْهِ مَنْ يُراقِبُه.

стр. 723

وفِي لَقْطِ المَحْجُورِ يُعَرِّفُ الوَليُّ. * الثالثُ: إذَا مَضَى التعريفُ المُعتبَرُ يَمْلِكُ المُلتقِطُ ما التقَطَه بنَحْو "تملَّكْتُ" ومَا أشْبَهَه. وفِي المُختَصاتِ ككَلْبٍ يُقتَنى ونحوِه يُنقَلُ الاختِصاصُ إلَيه (١) بلَفظٍ دالٍّ عليه، ولَمْ يَذكرُوه. * الرابعُ: إجراءُ حُكمِ القَرْضِ [على المُتمَلَّكِ] (٢) المَذكورِ، فلا يَتملَّكُ أمَةً تحِلُّ له، ويتملَّكُ الوليُّ لِمَحجُورِه حيثُ يَجوزُ الاستِقراضُ له. وإذَا ظَهرَ المَالِكُ قَبْلَ التَّملُّكِ رُدَّتْ عليه بِزِيادَتِها [المُتصلةِ والمُنفصلةِ. وإنْ تلِفَتْ على حُكْمِ الأمانةِ فلا ضَمانَ] (٣)، وإنْ ظَهرَ (٤) بعْدَ التملُّكِ رُدَّتْ عليه بزِيادَتِها المتصلةِ دُونَ المنفصلةِ الحادِثَةِ على مِلْكِ المُلتقِطِ. فإنْ تلِفتْ بعْدَ التَّملُّكِ أوْ خَرجَتْ عَن مِلْكِ المُلتقِطِ بِبَيعٍ (٥) ونحوِه رَدَّ المِثْلَ (٦) فِي المِثْليِّ، والقِيمةَ فِي المتقوَّمِ باعْتبارِ قِيمةِ وقْتِ التملُّكِ. . كذا قالُوه (٧).

стр. 724

وقياسُ القَرْضِ أَنْ يغرمَ المِثْلَ مِن حيثُ الصُّورةُ وإنْ وَجَدَها ناقِصةً فلَه الأَرْشُ، ومَتَى وصَفَها حتَّى غَلَبَ على الظَّنِّ صِدقُه جَازَ دَفْعُها إليه، ولا يَجِبُ على الأصحِّ. فإنْ دَفَعها بالوَصفِ فجاءَ آخَرُ، وأقامَ بيِّنةً حُوِّلتْ إليه، فإنْ تلِفتْ عنْدَ الآخِذِ (١)، فصاحبُ البيِّنةِ يُضمِّنُ مَن شاءَ مِنْهُما، والقَرارُ على الآخِذِ بالوصفِ. * * *

стр. 725

باب اللقيط هو لُغةً: الصغيرُ الذِي يُوجَدُ ضَائعًا لا كَافِلَ له، وهو بِمَعنى مَلقُوط، ويقالُ: مَنبوذٌ، وهو المَطْروحُ. وشرْعًا كاللُّغةِ بِزيادة: أنه لا يُعرَفُ نَسبُه ولا رِقُّه. وهو مُحتاجٌ إلى الكَفالةِ، وهو قَبْلَ (١) التَّمييزِ، واستأْنَسُوا له مِن القُرآن بقولِه (٢) تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. وروى مالكٌ فِي "الموطأ" (٣) عَنْ سُنين (٤) أبي جَمِيلةَ (٥) ﵁ أنَّه وَجَدَ مَنبوذًا (٦) فِي زَمنِ عُمرَ بْنِ الخطابِ ﵁ قال: فَجِئْتُ به إلى عُمرَ بنِ

стр. 726

الخطَّابِ] (١)، قال: مَا حملَكَ على أخْذِ هذه النَّسمةِ؟ فقالَ (٢): وجدتُها ضائعةً فأخذتُها، فقال عريفُهُ (٣): يا أميرَ المؤمنِينَ، إنَّه رجُلٌ صالحٌ، فقال: إنَّه لكَ (٤). قال: نَعمْ، قالَ عُمَرُ: اذْهَبْ فهُو حُرٌّ، ولَك ولاؤُهُ، وعليْنَا نفَقتُه (٥).

стр. 727

وفِي رِوايةِ الطبَرانِيِّ: "ونفقتُه مِنْ بَيْتِ المالِ" (١). التقاطُ المَنبوذِ فَرْضُ كِفايةٍ (٢)، ويَجِبُ الإشْهادُ علَيه، وعلَى ما مَعَهُ، على النَّصِّ. ولَمْ يَتعرَّضُوا لِلْبالِغِ المَجنونِ الضائعِ، وفِي إلحاقِهِ بالصغيرِ المذكورِ نظرٌ. وهذا الالتقاطُ مَحْضُ وِلايةٍ، فلا يَثبُتُ لِغَيرِ مُكلَّفٍ، ولا لِعَبدٍ ولَوْ مُكَاتَبًا أو مُبَعَّضًا على الأرْجَحِ، ولا لِمَحجُورٍ عليه بِسَفَهٍ. والكافِرُ يَلْتقِطُ الكافِرَ إذا لَمْ يَكنْ فاسقًا فِي دِينِه، [ويتبرَّعُ مِن غَيرِ أهلِهِ] (٣). وإنِ ازْدحَمَ اثنانِ على الأَخْذِ جَعلَهُ الحاكِمُ عنْدَ مَنْ يَراهُ مِنْهُما أوْ مِن غيرِهما.

стр. 728

والسابقُ إلى الأخْذِ مُقدَّمٌ. وإنْ أخذَاه (١) مَعًا قُدِّمَ الغَنيُّ علَى الفَقيرِ. وظَاهرُ العَدَالَةِ على المَستورِ، والبلديُّ أو القرويُّ على البَدَوِيِّ فِيمَنْ لَمْ يُوجَدْ فِي البادِيةِ، فإنِ استوَيَا أُقرِعَ بينهُما. * * * ومَدارُ البابِ على تعريفِ أرْبعةِ أُمورٍ: (١) دِينُ اللَّقيطِ. (٢) وحُرِّيتُه. (٣) وحِفْظُه مع ما يتعلقُ بِمالِه. (٤) وأمرُ نَسبِه. * * * ١ - أمَّا الأولُ: فهُو مُسلِمٌ [إنْ وُجِدَ حيثُ سَكَنُ مُسلِمٍ] (٢)، كذَا قالُوه (٣) (٤)، والمرَادُ عِنْدَ الإِمكانِ أَنْ يَكونَ مِنْه، وهذَا إذَا لَمْ يُقِمْ ذِمِّيٌ بيِّنةً على نَسبِه، فإنِ استلْحَقَه بِلَا بيِّنةٍ لَحِقَه فِي النَّسَبِ بِشُروطِه الآتيةِ، ولا يُحكَمُ بِكُفرِه، والمَوجودُ فِي دَارِ كُفرٍ لا مُسلِمَ فيها كافرٌ، وهذه تُعرَفُ بتَبَعِيَّةِ الدَّارِ.

стр. 729

ولِلتَبَعِيَّةِ (١) فِي الإسلامِ غيرَها (٢) جهتانِ: * إحداهما: تَبَعيةُ غَيرِ المُكلَّفِ -ولو جُنَّ (٣) بَعْدَ البُلوغِ- أحدُ أصولِهِ فِي الإسلامِ، ولَو حدَثَ بَعْدَ إسلامِ جَدَّةٍ مِن كافِرَيْنِ؛ قلتُه تخريجًا. * الثانيةُ: غَيرُ (٤) المكلَّفِ إذا سبَاهُ مُسلِمٌ، وليْسَ فِي العَسكرِ أحَدُ أبَويْهِ، فهُو مُسلِمٌ، ومَن كَفَرَ بعد التَّكليفِ مِن التابِعينَ، فهُو مُرتَدٌ إلا تَاجَ الدارِ، فإنه يكونُ أصْليًّا. * * * ٢ - وأمَّا الأمْرُ الثاني: فهُو حُرٌّ (٥)، إلا فِي صُورةٍ واحدةٍ، قلتُها تخْريجًا، وهِيَ ما لَو وُجِدَ فِي دارِ الحَرْبِ ولا مُسْلمَ فِيها، ولا ذِمِّيَّ، فإنه يكونُ رَقِيقًا بِأخْذِ المُلتقِطِ له، ولَوْ يكونُ الآخِذُ حَربيًّا على وَجْهِ القَهْرِ، ثُم يَجرِي علَى حُكْمِ الغَنيمةِ أوِ الفَيْءِ إنْ كانَ الآخِذُ (٦) لَه مُسْلمًا. ومَتى أقامَ أحَدٌ ولَوِ المُلتقِطُ بيِّنةً على رِقِّ مَن قُلْنا "إنه حُرٌّ" وَثَبَتَ (٧) النسبُ فهو مِلْكُهُ.

стр. 730

فإنْ لَمْ يَتبيَّنِ السببُ، فقَولانِ مُرَجَّحانِ، أرْجَحُهُما: لا يَكفِي. ولَوِ ادَّعى مُدَّعٍ رِقَّهُ مَعَ يَدٍ لا يُعرَفُ استنادُها (١) لِلالتِقاطِ فهُوَ رَقيقُه إنْ كان غَيرَ بالغٍ، ولَوْ بلَغَ فأَنكَرَ، لَمْ يُؤثِّرْ إنْكارُه. ويُقبَلُ إقْرارُ المكلَّفِ بالرِّقِّ (٢)، إذا لَمْ يَثبُتْ رِقُّه لِغَيْرِ المُقرِّ لَه، ولَمْ يَسبِقْ مِنْه إقْرارٌ بِالحرِّيةِ، ولا إقراٌ بالرِّقِّ لِمَنْ كذبَه. ولا يُمنَعُ الإقْرارُ بِمُجرَّدِ (٣) تصرُّفٍ سابقٍ، ويُعمَلُ (٤) حِينئِذٍ بالإقْرارِ فِي المُستقبَلِ، لا فيما يَضُرُّ بِغيرِ مُنكرٍ فِي تصرُّفٍ سابِقٍ. وإنْ (٥) كانَتِ امرأةٌ زُوِّجَتْ (٦) ثُمَّ أقرَّتْ بالرِّقِّ؛ فأوْلادُها قبْلَ الإقْرارِ أحْرارٌ، وتَعتدُّ بثلاثةِ قُروءٍ للطلاقِ ونحوِه، وبشَهريْنِ وخَمسةِ أيامٍ لِلْموتِ؛ لأنَّ عِدةَ الوَفاةِ لا تتوقفُ على الوَطْءِ، فلَمْ يُؤثِّرْ ظَنُّ الحُرِّيَّةِ فِي زِيادتِها، وتُسلَّمُ (٧) لَيْلًا ونَهارًا كالحُرَّةِ، ويُسافَرُ (٨) بها بِغَيرِ إذْنِ مَالِكِها. وفِي ذلك أبْياتٌ مَشهورَةٌ وهيَ هذِه (٩):

стр. 731

سلِ الحَبْرَ عن حُرٍّ (١) تزوَّج حُرَّةً ... حَصَانًا تُريك الشَّمسَ مِن طلعةِ البدْرِ بتوليةِ القاضِي على مَهْرِ مِثلِها ... ومَن طَلَبَ الحسناءَ لم يَغْلُ بالمَهْرِ فأولدَهَا حُرًّا وعبدًا وحرًّة ... على نسْقٍ فِي عقدِها السابِقِ الذِّكْرِ على أنه ذو الطَّول واليُسر والغِنى ... ولَلْموتُ خيرٌ من حياةٍ على فقْرِ وعدَّتُها لو طُلِّقتْ وهْيَ حائلٌ (٢) ... ثلاثةُ أقراءٍ عِدَّةُ الكامِلِ الحُرِّ على أنه لو مات عنها تفجَّعتْ ... بخمسةِ أيامٍ وشهرٍ إلى شهْرِ وقيل بقَرْءٍ واحدٍ وهي حيضةٌ ... وذلك من ذاتِ الرقيقة تستبْرِ نعم وله (٣) تسليمُها دُونَ حِرْفةٍ ... نهارًا وليلا باتفاق أولي الأمْر وبوطئِهَا (٤) شرقَ البلادِ وغربِها ... بدون إذْنِ مولى نافِذِ النَّهي والأمْرِ ولا عجبَ إن أعوز الحبرَ حكمُها ... فإنَّ خفايا الشرعِ تنبو عن الحصْرِ * * * ٣ - وأما الثالثُ: فيَلزمُ الملتقِطَ حفظُ اللَّقيطِ، ورِعايتُه، وحفظُ مالِه استقلالًا مِنْ غَيرِ إذْنِ الحَاكمِ. ويحرُمُ عليه نبذُهُ، وليس له تسليمُهُ (٥) للحاكمِ.

стр. 732

وليس له نقلُ اللَّقيطِ المَوجودِ فِي بَلدةٍ أوْ قريةٍ إلى باديةٍ لِخُشونةِ العَيْشِ، وفَواتِ تَعلُّمِه ما ينْفَعُه (١). ويُنقَلُ مِنْ بَلَدٍ (٢) إلى أُخْرَى لا إلى قَريةٍ، ويُنقَلُ مِنْها إلى البلَدِ، ومِن مالِه وثيابِهِ وما لُفَّ علَيه أو جُعِلَ فِي جَيْبِه ويَدِه وفَرْشُه وما غُطِّيَ بِه ودَابةٌ عَنانُها بِيَدِه أوْ مَشدودةٌ فِي وسَطِه أوْ ثِيابِه أوْ دَنانيرُ مَنثورَةٌ (٣) فَوْقَه أوْ مَصبوبةٌ تَحْتَه، وخَيمةٌ أوْ دَارٌ هو فيها وَحْدَهُ (٤) لَا الضَّيْعةُ ولا ما قَرُبَ مِنه، أو دُفِنَ تَحْتَه. ونَفقَتُه فِي مَالِه، ويُنفَقُ مِنْه بإِذْنِ الحَاكِم، فإنْ لَمْ يُعرَفْ له مَالٌ فنَفقَتُه فِي بَيْتِ المَالِ. فإنْ لَمْ يَكُنْ فيهِ شَيْءٌ أوْ كانَ هُناكَ ما يُصرَفُ لِأَهَمَّ (٥) مِنْه قَامَ (٦) المسلمونَ بِكِفايَتِه وهُو فَرْضٌ. فإنْ تَيسَّرَ اقْتراضٌ فُعِلَ وإلَّا قَسَّطَ الإمامُ نفَقَتَه على مُوسِرِي (٧) النَّفَقةِ، فإنْ كَثُروا فالتَّعيينُ (٨) إلى رأيهِ، فإنِ استَوَوا تَخيَّرَ (٩).

стр. 733

٤ - وأمَّا الرَّابعُ: فاللَّقِيطُ فِي النَّسبِ كسائِرِ المَجهولِينَ. وكلٌّ مِنَ اللَّقيطِ ومَجهولِ النَّسبِ يُلحَقُ بغَيرِ بيِّنةٍ (١) إذا استَلْحَقَه (٢) بأنَّه ولدُهُ المكلَّفُ الذَّكَرُ بِشَرْطِ الإمْكانِ، وأنْ يُصدِّقَه إنْ (٣) كان مُكلَّفًا حيًّا، وإلا فلا حاجَةَ إلى تصْدِيقِهِ، ولا يؤثِّرُ إنكارُهُ لو صارَ مُكلَّفًا. ويصِحُّ (٤) استِلْحاقُ الصغيرِ (٥) بعْدَ مَوتِهِ، وكذا البالِغُ على الأصحِّ. ومِنَ الشُّروطِ أن لا يَكونَ المَجْهولُ مَنْفيًّا باللِّعانِ عَنْ فِراشِ نِكاحٍ صَحيحٍ لِغَيرِ المُستلْحِقِ. * * * * ضابطٌ: ليس لنا مَجهولٌ لا يَستلْحِقُهُ إلَّا واحدٌ معيَّنٌ غَيرَ هذَا. * * * ومِنَ الشُّروطِ أَنْ يكونَ كلٌّ مِنَ المُستلحِقِ والمستلحَقِ حُرًّا (٦) لا (٧) وَلاءَ عليه، فلَوِ استلحَقَ مَن عليه ولاءٌ مَجهولًا لَمْ يَلْحَقْ (٨) بغَيرِ بيِّنةٍ على النصِّ،

стр. 734

في (١) "المُختصَرِ"، وهُو المعتبَرُ عنْدَ الأكْثَرِ، خِلافًا لِما اقتضاهُ إيرادُ "الشرْحِ" و"الرَّوضةِ". وحُكْمُ العَبْدِ كذلك على مُقتضَى النصِّ خِلافَ مَا صحَّحُوه. ولَوِ استلحَقَ حُرٌّ لا ولاءَ عليه عبْدَ غيرِهِ أو عَتيقَ غَيرِهِ لَمْ يَلْحَقْ إنْ كان صغيرًا، وكذا إنْ كان كَبيرًا وصدَّقَه على الأرجَحِ. وفِي الجَميعِ لو صدَّق المَولَى، وَ (٢) أقامَ بيِّنةً لَحِقَ. والمرأةُ لَوِ استَلْحَقَتْ بِبَيِّنةٍ لَحِقَها، ولَحِقَ زوجَها عنْدَ الإمكانِ إنْ أقامَتْ بيِّنةً أنَّها ولدتْهُ على فراشِهِ. ومَن قال: "هذا أَبِي"، فلا بُدَّ مِن تَصديقِ الأبِ العاقِلِ، فإنْ كان مَجنونًا، فينبعِي (٣) أن يَصِحَّ. وإنِ استلحَقَ اثنانِ بالغًا تعيَّنَ (٤) نَسَبُهُ مِمنْ صدَّقَه. وإنْ كان صغيرًا واستلحَقاهُ (٥) معًا، أوْ أقامَا بَيِّنَتَيْنِ عُرِضَ على القائفِ كما سيأتِي فِي بابِه.

стр. 735

وحيث لَمْ يَظهَرْ مِن جهَةِ القائِفِ (١) يَنتسِبُ (٢) الوَلدُ بعْدَ التَّكليفِ. وإنْ أَلْحَقَ النَّسَبَ بغَيرِهِ كأخِي أوْ عمِّي -والمُلْحَقُ به مَيِّتٌ- فَلَابُدَّ مِنَ الشُّروطِ السابقةِ إلا الذُّكورةَ (٣)، فإنَّها لا تُشْتَرَطُ، بلْ تَصِحُّ هنا، إذا وُجِدَ فيها الشَّرْطُ الزائِدُ هنا، وهو صُدورُ الإقرارِ مِن الوارِثِ الحائِزِ بأن يكونَ مُعتِقَهُ. ويَثْبُتُ بإقرارِ غَيرِ الحائِزِ (٤) [مُوافقَةُ مَن تَجوزُ مَعها، ولَوْ] (٥) بِمُوافقةِ الإمامِ على الأصحِّ. ويَثْبُتُ النَّسَبُ بإِلْحاقِ الإمَامِ فيمَنْ لا وارِثَ لَهُ، واللَّه أَعلَمُ. * * *

стр. 736

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الفرائض هو جَمْعُ فريضةٍ بمعنى (١) مَفروضةٍ، على غيرِ قياسٍ (٢). والفرضُ لغةً: التقديرُ. وشرْعًا هُنا: نَصِيبٌ مُقدَّرٌ شَرْعًا لمُستحِقِّه. وآياتُ الموارِيثِ: ١ - [قولُه ] (٣): ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ (٤)﴾.

стр. 737

٢ - ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾. ٣ - ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾. ٤ - وآيةُ الصيفِ (١) ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ إلى آخرها. وفِي "الصحيحين" (٢): عن ابنِ عبَّاس ﵄ أن النبيَّ ﷺ قال: "ألحِقُوا الفرائِضَ بأهلِها، فما بقِيَ فهو لِأوْلَى رجلٍ ذَكَرٍ" (٣). وعن أَبي هُريرةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "يا أبا (٤) هُريرةَ، تعلَّموا الفرائضَ وعلِّموهُ، فإنَّه نِصْفُ العِلمِ (٥)، وهو يُنْسى، وهو أوَّلُ شَيْءٍ يُنزعُ (٦) مِنْ أُمتِي". رواهُ ابنُ ماجَه (٧) بإسنادٍ فيه حفصُ بنُ عُمَرَ بنِ أَبِي العَطَّافِ، وقدْ

стр. 738

ضُعِّفَ (١). وعَن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو ﵄ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "العِلْمُ ثلاثةٌ، وما سِوى ذلك فهو (٢) فضْلٌ، آية محكمةٌ، أو سُنةٌ قائمةٌ، أو فريضةٌ عادلةٌ" (٣). رواه أبو داود بإسنادٍ فيه لِينٌ (٤).

стр. 739

والأحاديثُ فِي أحكامِ البابِ كثيرةٌ (١). مَن مات غيرَ الأنبياءِ عليهم الصلاةُ والسلامُ (٢) -ولو حُكْمًا فِي المفقودُ كما سَيأتي- ولَهُ مالٌ أو حقٌّ: لا يرتفعُ بالموتِ (٣). فذلك المالُ أو الحقُّ -غيرَ النسبِ والولاءِ ونحوِهِما- لوارثِهِ، كالأعيانِ، والمنافِعِ، والقِصاصِ، وحدِّ القذْفِ، والتعزيرِ (٤)، وحقِّ الشُّفْعةِ (٥)،

стр. 740

واللقطةِ القابلةِ للتملكِ (١)، وخيارِ المجلِسِ والشرطِ للمالِكِ، والسِّرجِين (٢)، والخمرةِ المحترمةِ، وجِلدِ ميتة لم يُدْبغ، وكلْبٍ يُقتنى، ونحوِها مِن الحقوقِ؛ حتَّى ما يكفَّنُ بِهِ مِن تركتِهِ لا كالمستولدةِ؛ لارتفاعِ المِلكِ فيها بالموتِ. وكذا المُدَبَّرُ إذا خرجَ مِن الثُّلثِ، أو بالإجارةِ، أو الذي عتقَ (٣) مِن رأْسِ المالِ بالتعْليقِ على المَوتِ بقلبِهِ (٤)، لا مَرض فيها، والمُوصَى بِه إذا قَبِل المُوصَى له حيثُ ينفذُ. وكذا الحقوقُ المرتفعةُ بالموتِ، كعمَلِ المساقاةِ والإجارةِ (٥) الواردتَينِ على العَيْنِ والجِعالةِ والعاريةِ والنكاحِ، وما يترتبُ عليهِ. والأوْقافُ، والأنظارُ، والوِلاياتُ، ونحوُها مِن وَكالةٍ وأمانةٍ حتى ولايةِ اللقيطِ. وأما المُرتدُّ فمالُه فَيْءٌ (٦). وكذا الذِّمِّيُّ الذي لا وارثَ له.
следующие страницы →