← Фикх шафии

Фикх шафии · id 19230

التدريب في الفقه الشافعي

سراج الدين البلقيني

Полный текст (1 801 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

باب الإجارة (١) هي لغةً: اسمٌ للأُجرةِ، وهي بكسرِ الهمزةِ، وشذَّ مَن حَكَى ضمَّها. وشرعًا: عقدٌ يشتملُ (٢) على نَقْلِ منفعةٍ متقوَّمَةٍ مباحةٍ معلومةٍ (٣) خاليةٍ من مانِعٍ بِمقابِل مُتموَّلٍ (٤) مَعلومٍ أو منفعةٍ كذلك على وجهٍ مخصوصٍ. ويُقالُ: آجَرَه -بِالمَدِّ- يؤجِرُهُ إيجارًا ومُؤاجرةً فاستأجَرَ. والموجِبُ مُؤْجِرٌ، والقابِل مستأجِرٌ (٥)، ومؤاجِرٌ -بكسر الجيم فيهما- والعين مؤجَرَةٌ، والعبدُ مؤجَرٌ (٦)، بِفتح الجِيم. ويُقالُ: أجرَه، غيرَ ممدودٍ -قيل: وهو أكثرُ- يأجُرُهُ بِضمِّ الجِيم وكسرِها

стр. 667

أجرًا إذا أعطاه أجرهُ. ويقال: بِضَم الجِيم فِي المضارع إذا أجَرَه شيئًا أو صار أجِيرًا، ومِنه قولُهُ تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾. وإذا استأجرتَ أجيرًا لِعملٍ فأنت آجِرٌ بالمعنى الأولِ، لأنَّك تُعطي الأجرةَ، وهو أجيرٌ بالمعنى الثانِي. والأجيرُ فعيلٌ بمعنى مؤاجِر، أو أجر. ويُقالُ مِن المقصورِ لِما يُستأجرُ: مأجورٌ. والأصلُ فيها: قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١). وقد استأجَرَ رسولُ اللَّه ﷺ وأبو بكر الصديقُ ﵁ رجلًا من بَنِي الدِّيل. رواه البخاريُّ فِي "صحيحِهِ" (٢) من طريقِ عائشةَ ﵂. وعن ثابِتِ بنِ الضَّحاكِ ﵁ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نَهى عنِ المُزارعةِ وأَمَرَ

стр. 668

بِالمؤاجرةِ، وقال: لَا بَأسَ بِها. [رواهُ مُسلِم فِي صحِيحِهِ (١). وأمَّا حديثُ: "أعْطُوا الأجِيْرَ حَقَّهُ قبْلَ أَنْ صطَّ عَرَقَهُ" فرواه ابنُ ماجة مِن حديثِ] (٢) ابنِ عُمرَ بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ (٣).

стр. 669

والأحاديثُ فيها كثيرةٌ (١). وقال بها (٢) العلماء كافةً، إلا مَن لا يعتدُّ بخلافِهِ (٣).

стр. 670

ولا بُدَّ لَهَا مِن الصِّيغةِ (١) إيجابًا وقبولًا مُتَّصِلًا (٢). والإيجابُ (٣): "أجرتُك بكذا" (٤)، أو "أكريتُك كذا" (٥) أو "ملكتُك أو بِعْتُكَ مَنْفعتَهُ" (٦) [لا "بعتُ منفعته" على الأصح] (٧) و"أجرتُ منفعته"، صحيحٌ على

стр. 671

الأصح؛ إذ موردُها المنفعةُ على المشهور، وقال أبو إسحاق: العينُ لتُستوفَى مِنها المنفعةُ (١) (٢). * * * * ضابطٌ: لا يكونُ فِي الإجارةِ استيفاءُ عينٍ مستحقَّةٍ للمؤجر (٣) إلَّا تابعةً لمنفعةٍ فِي عشرِ صورٍ للحاجةِ: ١ - المرأةُ للإرضاع. ٢ - والبئرُ لِيستقى ماؤُها. ٣ - والعقارُ مِن بستانٍ أو دارٌ أو حَمَّامٌ يُستأجَرُ، وفيه بئرٌ فيُسقى منها. ٤ - وكذا الأرضُ للزراعةِ (٤) ولها شِرْبٌ، استمرَّتِ العادةُ بإجارتِها معه، وإلَّا فلابُدَّ مِن شرطِهِ.

стр. 672

٥ - والقناةُ للزِّراعةِ (١) بمائِها. ٦ - وكذا عند العادةِ: الحِبْرُ على النَّاسِخ، والخيطُ على الخيَّاطِ، والمِرْوَدُ (٢) على الكحَّال. ٧ - والمرهمُ وتابعه عل الجرائِحِيِّ ونحوِهِ. ٨ - والصبغُ على الصبَّاغ. ٩ - ويُقاس عليه: الغسَّالُ والقصَّارُ. ١٠ - والطَّلْعُ على المُلقِحِ. فإنِ اضطرَبَتْ وَجَبَ البيانُ، فإنْ لم يُبين بطلتِ الإجارةُ، وألحقوا بذلك على وجهٍ: الدُّهنَ على المرضِعَةِ، إنْ جرى عُرْفُ البلدِ بِهِ. ولا يُستأجر فحْلٌ لضرابِهِ (٣) على الأصحِّ. ولا بِرْكةُ حيتانِ لأخْذِ السمكِ منها؛ على النصِّ فِي "الإملاء" فإن استأجَرَهَا لِيحبِسَ (٤) فِيها الماءَ، فيَجتمِعَ السمكُ فيأخُذَه، صحَّ على الصحيح، كاستِئْجارِ شبكةٍ للصيدِ ونحو ذلك مِمَّا يقعُ على منفعتِهِ، ويأخذ بِها (٥) مباحًا. والموجِر (٦) لنفسِهِ أو بوكيلِهِ هو المالِكُ للمنفعةِ الرشيدُ، إلَّا فِي عشرةِ

стр. 673

مواضِعَ: ١ - المبيعُ قبل القبضِ ونحوِهِ. ٢ - والمؤجِرُ قبل القبضِ مِن غيرِ المؤجِرِ. ٣ - والمرهونُ مع حلول الدَّينِ بِغير إذنِ المرتَهِنِ. ٤ - والعبدُ الذي تعلَّقتِ الجنايةُ برقبتِهِ كذلك. ٥ - ومِلْكُ المُفلس. ٦ - والمغصوبُ حيثُ لَا قُدرة للعاقِدِ على الانتِزاع. ٧ - والآبِقُ. ٨ - والزوجةُ الحرةُ بغير إذنِ الزوج. ٩ - والمستأجرُ فِي إجارةِ الذِّمةِ. ١٠ - والموقوفُ عليه إذا كان الناظِرُ غيرَهُ. * * * ولا يمتنعُ على الموصَى له بالمنفعةِ حياتَهُ أن يؤجِّرَه؛ خِلافًا لما فِي الرافعيِّ، ومَن تبِعَه. وللمقطِع أَنْ يؤجِّرَ إقطاعَه خِلافًا لمن منع. والحُرُّ الرشيدُ يؤجرُ نفسَه، وكذا يؤجِرُ مستأجِرَه على الأصحِّ. * * *

стр. 674

* ضابطٌ: لا يقابَلُ شيءٌ مما يتعلَّقُ ببدن الحُرِّ بالعِوض اختيارًا إلَّا فِي ثلاثِ صورٍ: ١ - منفعتُه. ٢ - ولبنُ المرأةِ، وبُضْعُها. ٣ - وإجارةُ العبدِ نفسَهُ تقدمتْ فِي بيع العبدِ المأذونِ. * * * والإمامُ أو نائبُهُ يؤجِّرُ ما تعلَّق ببيتِ المال، أو المصالِح أو الذِي لَا يتعيَّنُ مالِكُهُ أو لا يُعرف، أو ما يتعلَّق (١) بِمحجورٍ (٢) تحتَ نظرِهِ أو غائِبٍ، وعند النِّزاع بينَ الشَّريكينِ المُفضِي للتَّعطيل، أو (٣) موقوفِ المُفلس، ومستولدتِهِ عندَ امتناع المُفلس، ومستولَدَةِ الكافِرِ المُسلِمةِ، والوقف الذِي لا ناظِرَ لهُ أو شَرْطُ نظرِه له، والولِي يؤجِّرُ عن محجورِه، وكذا ناظِر الوقفِ الخاصِّ. والمستأجِرُ مَن صَحَّ تصرُّفُه فيما يستأجِرُهُ بإطلاقِ تصرفٍ أو وِلايةٍ. والإجارةُ وإن وردتْ على المنفعةِ فقد تكونُ على العينِ كالدَّارِ والدابَّةِ المُعينةِ، واستأجرتُك لِتعمَلَ بِهِ كذا (٤). ولا يُشتَرَطُ تسليمُ الأُجرةِ [فِي هذِهِ.

стр. 675

وتكونُ عَيْنًا ودَيْنًا ومنفعةً، وقد تكونُ فِي الذِّمة] (١)، كإلزام ذِمَّةِ غيْرِهِ خياطةً أو بناءً أو كُحْلًا (٢) بلفظ السَّلَم أو (٣) الإجارةِ؛ كاستئِجارِ دابةٍ موصوفةٍ لِحمْلٍ. ولا بُدَّ مِن قَبْضِ الأُجرة فِي المجلِسِ، وحكمُها كرأسِ مالِ السَّلم (٤). ولا يجوزُ أن تُجعلَ الأجرةُ شيئًا يحصلُ بعمل الأجِيرِ كاستِئْجارِ سلَّاخ بِجلدِ ما يسلخُهُ، أو طحانٍ بِجزءٍ مِن دقيقِ ما يطحنُهُ، أو بنخالتِهِ، أو المرضعةِ بحصَّةٍ مِن الرقيقِ المُرضعِ بعد فِطامِهِ (٥)، وأمَّا فِي الحال فيجوزُ ولو لشريكِهِ (٦). * * *

стр. 676

* قاعدتان: * إحداهما: لا تصِحُّ إجارةُ (١) العين لزمانٍ غير الزمان الذى يتصلُ بالعقدِ، إلا فِي أربع صورٍ: ١ - إحداها: إجارتُها مِن المستأجِرِ مُدَّةً تلِي (٢) مُدةَ إجارتِهِ والعِبْرَةُ بِمن يدُهُ مستمرةٌ لا بمن وقَعَ العقدُ معه؛ خِلافًا للقفَّالِ. ٢ - الثانية: كِراءُ العقِبِ على الأصحِّ. ٣ - الثالثة: الأجيرُ المعينُ للحجِّ غيرِ (٣) المَكيِّ فِي غيْرِ أشهُر الحجِّ فتقدمُ (٤) إجارتُه عند جماعةٍ على خروج النَّاسِ (٥) وإن بعُد ذلك وينتظرُ خُروجهم، وعند الكثيرِ لا تصحُّ إلَّا وقتَ إمكانِ الخُروج، والسيرِ على العادةِ، أو الاشتغالِ بأسبابِهِ، وبِمكةَ لا يستأجِرُ إلَّا فِي أشهُر الحجِّ، وفِي غيرها يجوزُ فِي غيرِ أشهُر الحجِّ قطْعًا. ٤ - الرابعة: استأجَرَ عبدًا أو بَهيمة لعملٍ مدة على أن ينتفعَ بِهما الأيامَ دونَ الليالي؛ يصحُّ بخلافِ الحانوتِ؛ لانه إجارةُ مستقبَلٍ واغتُفِرَ (٦) فِي الحيوانِ؛

стр. 677

لأنه (١) لا يُطيقُ دوامَ العملِ. والأقربُ أن الإجارةَ غيرُ منقطعةٍ، واغتُفِر (٢) الاستثناءُ؛ لأنهُ تصريحٌ بمقتضى الإطلاقِ، وكذلك ما جرتْ فيهِ العادةُ ينقطعُ لقضاءِ حاجةٍ أو استراحةٍ ونحوهِما، كما يكونُ فِي (٣) زمنِ الطهارةِ، وصلاةِ الفرضِ والنافلةِ (٤) فيُستثنى (٥) من إجارةِ العملِ (٦) مُدَّة. والسبتُ فِي استئجار اليهوديِّ مستنثى إن اطرد عُرْفهم به (٧) كما أفتى به الغزاليُّ، ويقاس عليه الأحدُ للنصرانِي. * * * والإجارةُ التي يتصلُ زمنُها بالعقد لابُدَّ من إمكان الانتِفاع بالعينِ عُقيب العقدِ إلَّا فِي صورتين: - الأولى (٨): الدارُ المشحونةُ بالأمتعةِ إذا لم يمضِ فِي التفريغ زمنٌ لمثلِهِ أجرةٌ.

стр. 678

- الثانية: الأرضُ للزَّرع وعليها (١) الماءُ الذِي ينحسرُ فِي وقتِ الزَّرع عادةً، وأما استئجارُ الأرضِ بمصرِ التِي لَا ماءَ لها إلَّا النيلُ الغالِبُ قبلَ الزيادةِ أو بعد الزيادةِ وقبل الرأي، فظاهِرُ النصِّ إبطالُ إجارتِها للزِّراعة، وأخَذَ بهِ بعضُهُم، وأجاز الماوردِيُّ فِي الثانيةِ. وصحتُها (٢) يلزمُ منهُ تأخيرُ (٣) المنفعةِ المستأجَرِ لها عن العقدِ، فإنِ اغتُفِر ذلك كان مُستثنى وهُو الأصلحُ، والأحوطُ أن توقَعَ الإجارةُ فِي ذلك على أن ينتفع بِها ما شاء (٤). وأما الأرضُ التي لا ماء لها إلَّا فِي (٥) الغالِبِ (٦) فإنَّهُ إذا أَجَرَها أرضًا بيضاءَ لا ماءَ لَها يصنعُ بِها المستأجِرُ ما يشاءُ غيرَ البناءِ والغِراسِ، فإنهُ يصحُّ وتلزمُهُ الأجرةُ إذا استولى، زَرَعَ أو لم يزرعْ، وله الزرعُ إن أمكنَهُ، نَصَّ على ذلك كله. * * *

стр. 679

القاعدةُ الثانيةُ: المعجوزُ عنهُ شرْعًا مطلقًا أو نيابةً، كالمعجوز عنه حسًّا. فلا يصحُّ الاستئجارُ لقَلْع سِنٍّ صحيحةٍ. أو استئجارُ حائضٍ إجارة عينٍ لأمورِ فِي المسجِدِ ممتنعةٍ عليها، حتى لو استأجَرَ عينَها لأمورٍ تحتاجُ إلى مُكْثٍ فِي المسجِدِ، أو تردد فيه فحاضتْ، انفسخ العقْدُ. ولو استأجَرَ لِقلْعِ سِنٍّ متألمةٍ (١)، فَسَكَنَ الوجَعُ انفسخَتِ الإجارةُ. وما لا تدخُلُهُ النيابةُ مِن القُرَبِ المُفتقرةِ إلى النية لا يصحُّ الاستئجارُ عليه كالإمامةِ لصلاةٍ مفروضةٍ أو نافلةٍ. ويستأجِرُ لفرضِ الكفايةِ [وإن تعيَّن على الأصحِّ، كتعليم مُعين وتجهيزِ ميتٍ، ولا يستأجِرُ لفرض الكفاية] (٢) شائعًا: كالجِهادِ، فلا يُستأجرُ المسلمَ له. والقضاءُ والتدريسُ والإقراءُ تصدِّيًا فهما (٣) لغيرِ مُعين. وأما الشِّعارُ غيرُ الفرضِ كالأذانِ، فيستأجِرُ له الإمامُ وغيرُهُ مِن المسلمين، ثُم إنِ استأجَرَ الإمامُ مِن بيتِ المالِ لم يفتقِرْ إلى بيانِ المُدةِ. . ذكره البغوِيُّ. وليس لنا موضعٌ يُستأجَرُ فيه لعمل بِلا نِهايةٍ ولا مُدَّة إلا هذا، إذ الإجارةُ تُقَدَّر بعملٍ لهُ نِهاية كخياطةٍ أو بناءٍ أو بزمانٍ معينٍ، لكنْ لا يزيدُ على مدة بقاءِ

стр. 680

ذلك الشيء غالبًا. وتنفسِخُ الإجارةُ بانْهِدام الدَّار. ويثبتُ الخيارُ بانقطاع ماءِ الأرضِ المستأْجَرةِ للزِّراعةِ وبالغصبِ والإباقِ، وإن سَكَتَ وانقضَتِ المُدَّةُ لزمتِ الأجرةُ فِي الانقِطاع دون غيرِهِ، وكذا حُكْم بعضِها، وليس الخيارُ فِي ذلك ونحوِهِ على الفورِ. ولا تنفسِخُ (١) الإجارةُ بالأعذارِ -كما إذا استأجر دابةً ليركَبَ عليها فمرِضَ- ولا بموتِ أحدِ العاقِدينِ إلَّا فِي أربعِ صورٍ: ١ - الموقوفُ عليه المؤجِرُ بطريقِ النظرِ المشروطِ له فِيما يتعلَّق بِهِ. ٢ - والمُقْطعُ. ٣ - والموصى له بالمنفعةِ حياتَهُ. ٤ - والأجيرُ المُعينُ. والمستأجرُ أمينٌ كالأجيرِ والحَمَّام. وتستقرُّ الأجرةُ بالتَّسليم مَعَ (٢) مُضيِّ المُدة، أو إمكانِ العملِ فِي إجارةِ الذِّمة أو الأجِيرِ للعمل (٣). وتستقِرُّ أُجرةُ المِثلِ فِي الفاسِدةِ، بما يستقِرُّ بِهِ (٤) المُسمَّى فِي الصحيحةِ.

стр. 681

وإذا خاط قَبَاء وقال: "أذِنْتَ لي هكذا"، وقال صاحِبُهُ: "بل أذنتُ فِي قميصٍ"، فالقولُ لِصاحِبِهِ بيمينِهِ، فإذا حَلَفَ فلا أُجرةَ عليه، وعلى الخَيَّاطِ أرْشُ النقصِ. * * * * ضابط فِي الإبدال: مُتَعَلِّقاتُ الإجارة مستوفٍ، ومستوفًى منه، ومستوفَى به (١): * فالمستوفِي: يجوزُ إبدالُهُ بِمِثلِهِ وبأخفِّ منهُ. * والمستوفَى منه: المعين لا يُبدلُ وفِي الذِّمةِ يُبدل، وفِي الدابَّةِ المُعينة عما فِي الذمة تُبدلُ بالعيبِ والتوقُّف (٢)، وليس للمؤجِرِ الانفرادُ بذلك على ما صححوه، والنصُّ فِي "الأم": له ذلك، وهو الأرجحُ. ويجرِي ذلك فِي تقدُّم المستأجِرِ بمنفعتِها عند الفَلَس. وجزموا بجوازِ إجارتِهِ إياها، وبالاعتِياضِ (٣) عن منفعتِها بعد تسلُّمِها (٤)، وقواعِدُ المذهبِ شاهدةٌ بمنعِهما. * والمستوفَى به: كالصبيِّ المُعَيَّنِ لِلإرْضاعِ لا يُبدلُ على النَّصِّ، ويَنفرِدُ

стр. 682

على هذا بالمِنْفعةِ دُونَ الورَثةِ لو ماتَ أبُوه المُستأجِرُ له المُرضعةَ، وقِيل: تكونُ مُوروثةً. وقد صرَّحَ بالخلافِ فِي ذلك فِي نظيرِهِ فِي الخُلْعِ: المَاورْدِيُّ، واللَّه أعلم. * * *

стр. 683

باب الجِعالة هي بكسرِ الجِيمِ. وهي لُغةً: اسمٌ لِمَا يُجعَلُ للإنسانِ على شيْءٍ يَفعلُهُ، وكذا الجُعْلُ والجَعِيلةُ. وشرْعًا: التزامُ مُطلَقِ التصرُّفِ عِوَضًا مَعْلُومًا، قابِلًا للمُعاوضةِ، على عَملٍ مُعيَّنٍ مَعلومٍ (١)، أو مَجهولٍ، لِمُعيَّنٍ أوْ غيرِ مُعيَّنٍ. وأصلُها مِنَ القُرآنِ قولُه تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٢)﴾ (٣) بناءً على أن شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا مَا لَمْ يَرِدْ ناسخٌ، وفيه اختلافُ تَرجيحٍ. ومِنَ السُنةِ: حديثُ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ ﵁ فِي رُقيةِ اللَّدِيغِ بالجُعْلِ على قَطيعٍ مِنَ

стр. 684

الغَنمِ، وأنَّه رَقاهُ بالفَاتحةِ مِرارًا حتى بَرِئَ، وأَعطَوْهُم جُعْلَهم، وأنَّهم لَمْ يَقسمُوه (١) حتى أتَوُا النبيَّ ﷺ وأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لهم: "قدْ أصبْتُمْ، اقسِمُوا (٢) واضْرِبُوا لِيْ مَعَكُمْ سَهْمًا" رواهُ الصحيحانِ (٣) وغيرُهما (٤). ويُستنبَطُ مِنه جَوازُ الجِعالةِ على ما يَنتفِعُ به المَريضُ مِن دَواءٍ أوْ رُقيةٍ ولَمْ أرَ مَنْ صرَّحَ بِه. وأصلُ الجِعالةِ مُتفقٌ علَيه. ومِنْ صُورِها (٥): "مَن ردَّ عَبدِي"، أو: "بَنى لِي حَائطًا"، أوْ: "دَلَّنِي على مالِي" أوْ: "أخبَرَنِي بكذا" -عند القَفَّالِ خِلافًا لِلْبَغوِيِّ- أوْ: "رَدَّ عَبْدَ فُلانٍ":

стр. 685

فلَهُ عليَّ كذا. ولا بُدَّ فِي الكُلِّ (١) أَنْ يكونَ العِوَضُ مَعْلُومًا (٢) إلا فِي صُورةِ العِلْجِ، فسيَأتِي فِي السِّيَرِ. وإنما يَستحِقُّ الجُعْلَ أو (٣) حِصَّةً مِنَ المَردودِ عِنْدَ المُتولِّي مَن سَمِعَ النِّداءَ مِن المُلتزِمِ أوْ مِمَّنْ أَخبَرَ عنه إنْ صدَّقَه الأصْلُ (٤). ولَو كانَ السامِعُ صغيرًا أو مَجنونًا إذا عَمِلَ السامعُ العَملَ المَقصودَ بنَفْسِه أو بِوَكيلِه أوْ بِعَبْدِه أوْ بِمُعاوِنِهِ لَه خاصةً [مَعَ بَقاءِ العَقْدِ، ولا بَرَأَةَ بالقِراضِ إلا إذا سلَّمَ المضمونُ ثَمنَ ما اشْتراهُ على الأرْجَحِ] (٥) ولو ردَّهُ (٦) مَنْ كانَ فِي يَدِه كالآبِقِ لا كالدَّراهِمِ ونحوِها، أوْ دلَّه مَنْ ليس فِي يَدِه فِي صُورةِ مَنْ دلَّنِي. ولَوْ عَمِلَ جَماعةٌ سامِعُونَ فهُو بَيْنَهم، فإنْ تَفاوَتَ جُعْلُهم، فلِكُلِّ قِسْطٍ جُعْلُهُ. * * *

стр. 686

* ويَستحِقُّ القِسْطَ مِن المُسمَّى فِي خَمْسِ صُورٍ: ١ - إحداها: إذا عاوَنَ (١) المعيَّنُ غيرَه، ولمْ يَقصِدْ (٢) العمَلَ للْمُعيَّنِ. ٢ - الثانيةُ: رَدَّهُ (٣) مِن مَكانٍ أقْربَ مِن المُعينِ، ولا يُريدُ إنْ زَادَ. ٣ - الثالثةُ: قال فِي عَبدَيْنِ: "مَنْ ردَّهُما فلَهُ كذا" فَردَّ واحدًا مِنْهُما، فلَهُ النِّصْفُ. ٤ - الرابعةُ: خَاطَ نِصْفَ الثَّوبِ، ثُم احْتَرَقَ وهو فِي يَدِ المَالِكِ، فإنه يَستحِقُّ نِصْفَ المَشْروطِ. صرَّحَ به ابنُ الصَّباغِ. وقياسُه فِي الصبيِّ يُعلمُ بعضَ المَطْلوبِ، ثُم يَموتُ الصبيُّ أنه يَستحِقُّ القِسْطَ مِن المُسَمَّى خِلافًا لِقَوْلِهم: "يَستحِقُّ أُجْرةَ مِثْلِ (٤) ما عَمِلَ". ٥ - الخامسةُ: ماتَ العبدُ (٥) أو المَالِكُ فِي أَثناءِ العَملِ، فالمُستحَقُّ القِسطُ حتى فِي ردِّ بَعضِ المَسافةِ إذا تَمكَّنَ صاحبُه منهُ بِسبَبِ ما سَبقَ مِنَ العَملِ. وقِياسُه فِي المَالكِ إذا فَسَخَ فِي أثْناءِ العَملِ أنَّ العَاملَ يَستحِقُّ (٦) القِسْطَ لِما مَضى، خِلافًا لِقَوْلِهم: "يَستحِقُّ أُجرةَ المِثْلِ". وأمَّا فِي المُستقبَلِ، فلا شَيْءَ إن عَلِمَ بَالفَسخِ، ثُم عَمِلَ، وإنْ لَمْ يَعْلمْ حتَّى

стр. 687

تَمَّمَ (١) العَملَ، فإنْ كانَ مُعيَّنًا استحَقَّ على الأرْجحِ، وإنْ كانَ غَيرَ مُعيَّنِ وأَعلَنَ المَالِكُ النِّداءَ بالرُّجوعِ، فلا شَيْءَ لَه، وإلَّا فَلَهُ. ذكرَهُ المَاورْديُّ والرُّويانيُّ. وكذا الحُكْمُ فيما قَبْلَ العَملِ؛ خِلافَا لِمَا وقَعَ فِي" الشرحِ" (٢) و"الرَّوضةِ" (٣). ويَستحِقُّ أُجرةَ المِثْلِ عِندَ فَسادِ العِوَضِ (٤) أو (٥) ذِكْرِ المُدةِ أو الفَسخِ بالتحالُفِ لِلاخْتلافِ فِي قَدْرِ المَشروطِ، والقَوْلُ لِلْعامِل بِيَمينِه فِي أنه سمِعَ النِّداءَ، والقَولُ لِلْمالكِ فِي أنَّه لَمْ يَعملْ، وأنَّ المَردودَ ليس هو المعيَّنَ، وأنه لَمْ يَشْتَرِطْ (٦) شَيئًا، والمردودُ أمانة، ولو اتفقَ العامِل عليه لَمْ يَرجعْ. والتحقيقُ: أنَّه يرجعُ إذا استأذَنَ الحاكِمَ أو ما فِي مَعناهُ، ومَتى رَفعَ يَدَه باختِيارِه عَنِ الضالَّةِ قَبْلَ التَّسليمِ ضَمِنَ، واللَّهُ أعلَمُ. * * *

стр. 688

باب إحياء الموات والحقوق المشتركة العامة وما يتبعها المَواتُ والمَوَتانُ: بفَتحِ المِيمِ والواوِ، والميتُ والميتةُ: الأرضُ التي لَم تُعمَرْ قَطُّ (١)، ويُطلَقُ الميتُ والميتةُ على التي لَمْ يُصبْها ماءٌ (٢). ومقصودُ البابِ الأولُ (٣)، والترجمةُ فيها مَجازٌ مِن جِهَةِ الإحْياءِ والمَواتِ. عن عائشةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَن أَعْمَرَ أرْضًا لَيْسَتْ لِأحَدٍ، فَهُو أحَقُّ

стр. 689

بِهِ (١) " (٢). رواه البخاريُّ. وعن سَعيدِ بنِ زيدٍ (٣) ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ : "مَن أحْيَا أرْضًا مَيِّتةً فهِيَ له، وليْسَ لِعِرْقٍ ظالِمٍ حقٌّ". رواهُ أصحابُ السُّننِ إلَّا ابنَ ماجه، وقال الترمِذِيُّ: حديثٌ حَسنٌ غريبٌ (٤).

стр. 690

وعنْ جابرٍ ﵁: عن النبيِّ ﷺ : "مَنْ أَحْيَا أرضًا مَيِّتةً فَهِي لَهُ". رواه الترمذيُّ. وقال: حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، والنسائيُّ (١). وفِي البابِ أحاديثُ غَيرُ هذِه عَن جَماعةٍ مِنَ الصحابةِ رضي اللَّه تعالى عنهم. وفِي رواية لِجابرٍ: "مَنْ أحْيَا أرضًا ميتةً فلَه بِهَا أجْرٌ" (٢). رواهُ أحمدُ وهو

стр. 691

يدلُّ على استِحبابِ الإحْياءِ، وفِي رِوايةِ الشافعيِّ مِن حَديثِ طُاوسٍ مُرسلًا: "هذه (١) الأرضُ للَّه ولرَسولِهِ، ثُمَّ هِي لكُم منِّي" (٢). وهذا خِطَابٌ لِلْمُسلمِينَ. * * * الأرضُ قِسمانِ: أرضُ مُسلمِينَ وأرْضُ كفَّارٍ . ١ - القسمُ الأولُ: عَامِرٌ وغَيْرُ عَامرٍ: فالعامرُ: مَمْلوك، أوْ مَوقوفٌ. وغيرُ العامِرِ: إنْ (٣) لَمْ يُعمَرْ قَطُّ، ولمْ يَتعلَّقْ به حَقٌّ يَملِكُه المُسلمُ بالإحياءِ، وكذا إنْ عَمَرَ جَاهليةً على ما رجَّحُوهُ، وإذا (٤) لَمْ يُعْلَمْ كَيفيةُ استيلاءِ المُسلمِينَ علَيهِ، فإنْ عُلِمَ عُمِلَ بِمُقتضاه مِنْ غَنيمةٍ أو فَيْءٍ.

стр. 692

والتحقيقُ لا يُملَكُ بالإحياءِ مُطْلَقًا لِتَحقُّقِ سَبْقِ المِلْكِ (١). ويَمْلِكُ المُسلِمُ ما عَمَّرَهُ كافرٌ فِي مَواتِ الإِسْلامِ، إذا نَقَلَ مالَه، وإنْ لَمْ يأذنِ الإمامُ فِي الصُّورِ كُلِّها (٢). * وليْسَ لَنا مَوضِعٌ يُعتبَرُ فيه إذنُ الإمامِ فِي الإحياءِ [فِي غيرِ الحِمى، لأنَّه نقضٌ] (٣) إلا فِي صُورتَينِ على وجهٍ ضعيفٍ (٤): * إحداهُما: فِي عِمارَةِ الكافرِ إنْ بَقِيَ أثَرُها. * الثانيةُ: إحياءُ ذِي العهْدِ فِي بِلادِ الإسْلامِ. ٢ - القسمُ الثاني: أرضُ الكفارِ ، ما كان مَعمُورًا منها مِلْكٌ لا مَدخَلَ للإحياءِ فيه ومَا لَمْ يَكنْ (٥) مَعمُورًا قَطُّ يملِكُه الكَافرُ بالإحْياءِ، وكذا المُسلِمُ، فيما لَم يَذُبَّ عنه المُسلمِينَ. وما استولَيْنَا علَيه مِن مَواتِهم بِقِتالٍ، فأصحابُ الغَنيمةِ أحقُّ بإحيائِه، أو بِصلْحٍ فأهْلُ الفَيءِ أحَقُّ بإِحيائِه يُحْيِيهِ الإمامُ لَهم. وما صُولِح الكفَّارُ عليه على أنَّ البَلَدَ لَهُم، فيَختصُّونَ بإِحياءِ مَواتِه، وإنْ لَمْ

стр. 693

يُشرَطْ فِي الصُّلحِ على الأصحِّ إذا كان مِن مَرافقِهم. وضَبَطَه بعْضُهم بأنْ يَذبُّوا عنه، وفيهِ نَظرٌ. ولا يُمْلَكُ بالإحياءِ ما تَعلَّقَ به حَقٌّ خاصٌّ أو عامٌّ، كحَرِيمِ الدَّارِ، وهو مِلْكٌ لِصاحِبِها على الأصحِّ، ولا يُفرَدُ بالبَيعِ كشِرْبِ الأرضِ، وهو مَوضِعُ مَطْرَحِ (١) الترابِ ونحوِه، والمَمرِّ فِي جِهَةِ الباب وكَحَريمِ البِئْرِ نَحوِ مَوْضِعِ الدُّولابِ (٢)، ومُتردِّدِ البَهيمةِ ووُقوفِ النَّازِحِ، وصَبِّ (٣) الماءِ ونحوِه. وحُريمُ القَناةِ الذي لو حُفِر لَنَقصَ مَاؤُها أو خِيفَ انهيارُها (٤). وحَريمُ القريةِ مُجتمَعُ النادِي ومُرتكَضُ الخَيلِ ومَناخُ الإبِلِ، ومَطْرَحُ الرَّمادِ، ونحوه، وما قَرُبَ مِن المَرعى المستقلِّ بِه، وكذا المحتطَبُ، وكلّ ذلك فِي حَريمِ الأملاكِ بالمَواتِ (٥). والدارُ المَحفوفة (٦) بالمَساكِنِ لا حَريمَ لَها (٧). * ومِنَ الحُقوقِ العامَّةِ: الطُرُقُ والمُصلَّى خَارِجَ البَلَدِ، ومنه عَرفاتٌ، فلا

стр. 694

تُملَكُ بالإحياءِ على الأصحِّ (١)، وأَلْحَقَ صاحبُ "الرَّوضةِ" (٢) فِيها، وفِي "المنهاجِ" (٣): مِنًى ومُزدلِفَةَ (٤) بِعَرفاتٍ. وفِي نَصِّ الشافعيِّ ﵁ نقَلَه الحاكِمُ والبَيهقِيُّ فِي "مناقبِه" (٥) -يَدُلُّ على جَوازِ البِناءِ بِمنًى، وقدْ جَرى على ذلك عَملُ الناسِ. * ومِن الحُقوقِ العامَّةِ التي لا تُملَكُ بالإحياءِ: المَعادِنُ الظاهرةُ كالنَّفْطِ ونحوِها (٦). * ومنها: حافَّاتُ الأنْهارِ، وأما المعدِنُ الباطِنُ فلا يُملَك بمُجرَّدِ الحَفْرِ والعَملِ على الأظْهرِ، لكنْ مَنْ أحيَا مَواتًا، فظَهرَ فيه مَعدِنٌ باطنٌ يَملِكُه قَطْعًا. ولَيس مِن الحقِّ المَانعِ مِنَ الإحياءِ (٧) تحجُّرٌ بِبَعضِ عَمَلٍ، ولا أعلامٌ بنَصْبِ أحْجارٍ، وهو أحَقُّ به ما لَمْ يطُلْ، ولا يصِحُّ بيعُه، ويَنقُلُه لِغَيرِه ويُورَثُ

стр. 695

عَنه. فإنْ طَالتِ المُدَّةُ أمَرَهُ السُّلطانُ بالإحياءِ أو (١) التركِ، فإنِ استَمْهلَ أمْهلَه مَا يَرَاهُ مِن القريبِ (٢)، ولا يُتقدَّرُ بثلاثةِ أيامٍ فإذا مَضى بَطَلَ حقُّه. وما أقْطَعَه الإمامُ مِنَ المَواتِ ولَمْ يُقدَرْ (٣) على إِحيائِه يَصيرُ المُقْطَعُ أحَقَّ به، ولَو أحْياهُ غيرُه مَلَكَهُ. * * * ومدارُ الإحياءِ على القصْدِ والعُرْفِ (٤)، فمَن قَصدَ مسجِدًا أوْ عَمَرَهُ على العادةِ فِي مِثْلِ ذلك صارَ مَسجِدًا مِن غَيرِ احتياجٍ إلى تَلفظٍ بِوَقْفٍ لاقْتِرانِ الفِعلِ بالقَصدِ ويَزولُ مِلْكُه عنِ الآلةِ، باستِقْرارِها فِي مَواضعِها وكذا قَبْلَ استِقْرارِها إذا صَرَّحَ بأنها للْمَسجدِ، نقَلَ ذلك المَاوَرْديُّ فِي الوَقْفِ. وفيما ذَكَرَ (٥) فِي الآلةِ قَبْلَ استِقرارِها نَظرٌ. والظاهرُ: أنه لا يملِكُ البُقْعةَ (٦) تَقديرًا، ويَجرِي مِثلُ ذلك فِي البِئْرِ المَحفورةِ فِي المَواتِ للسَّبيلِ وما يُحيى بِقَصْدِ (٧) المَقبرةِ المُسَبَّلةِ ونحوِ

стр. 696

ذلك (١)، قلتُه تَخريجًا. والحافِرُ للارْتِفاقِ أحَقُّ إلى أن يَرتَحِلَ، ويَجِبُ بَذْلُ الفاضِلِ عن شُرْبِه، وشُرْبِ آدَميٍّ مُحْترَمٍ مَعه لِمَنِ احْتاجَ إلَيهِ لِشُرْبِ آدَمِيٍّ مُحْترَمٍ، وعَنْ شُرْبِه ومَواشِيه وزَرْعِه لِماشِيَةِ غَيرِه. والمَحفورةُ للمِلْكِ مَمْلُوكةٌ، وكذا ماؤُها على الأصحِّ. ويَجِبُ بَذْلُ الفاضِل فِي مُستقَرِّهِ للرُّعاةِ، وكذا لِلْماشِيةِ إذا لَمْ يَجِدْ صاحبُها ماءً مُباحًا، وكانَ هُناكَ (٢) كَلأٌ يُرعَى مِنه، ولا يَأخُذُ عِوَضَه على الأصحِّ. والمَحفُورةُ بِلَا قَصْدٍ مَمْلوكةٌ على الأصحِّ. ومِن ذلك يُعلَمُ (٣) أنَّ القَصْدَ غَيرُ مُعتَبَرٍ فِي حُصولِ المِلْكِ، وإنَّما يُعتبَرُ فِي تَعيِينِ (٤) ما قُصِدَ، فيُعتبَرُ فيه حِينئذٍ العُرْفُ، وإنَّما يَحصُلُ فِي الصُّوَرِ كلِّها الإحياءُ فِي البِئْرِ إذا وَصلَ إلى الماءِ. ولا بُدَّ مِنَ البِناءِ المُعتادِ إنْ كانَتِ الأرضُ حفرةً (٥). ويُعتبَرُ فِي القَناةِ مَع الحَفْرِ وخُروجِ المَاءِ جَريانُه. وفِي حَفْرِ النَّهرِ إذا انْتَهى إلى القَدِيمِ مِن غَيرِ أَنْ يَجرِيَ الماءُ كفَى عِندَ المُتوَلِّي، وهُوَ الأقْوَى، خِلافًا لِلبغَوِيِّ.

стр. 697

وفِي المُزارَعةِ: تُعتبَرُ تَسويةُ الأرضِ، وجَمْعُ تُرابٍ، أوْ نَصْبُ حَجَرٍ، أوْ شَوكٍ حَوْلَها، وتَرتيبُ ماءٍ إنِ احْتيجَ إلَيه. وفِي المَسْكَن: يُعْتَبَرُ التَّحويطُ، وتَسقيفُ بعْضِه، ونَصْبُ البابِ. وفِي الزَّريبةِ: التَّحويطُ، ونصْبُ البابِ، ويُعتبَرانِ فِي البُستانِ مَع غَرْسِه، وتَرتيبُ ماءٍ إنِ احتيجَ إليه، وحيثُ اعتِيدَ تَرْكُ تَحْويطِه يَكفِي جَمْعُ تُرابٍ ونَحوِه حَوْلَه، واللَّهُ أَعْلَمُ. * * *

стр. 698

فصل (١) منفعةُ الشَّارعِ الأصليةِ السُّلوكُ، ويَجوزُ الوقوفُ فيه، والجُلوسُ، لاستِراحةٍ (٢) ونحوِها، وكذا المُعامَلةُ إنْ لَمْ يُضيِّقْ على المارَّةِ (٣). ولَه أن يُظلِّلَ عليه بِمَا لا يَضرُّ، والسابِقُ أَحَقُّ، وإنْ طَالَ عُكوفُه حتى يَتْرُكَ الحِرْفةَ (٤) أوْ يَنتقِلَ أوْ يُفارِقَ بِحيثُ تَنقطِعُ عنه (٥) الآفَةُ (٦). ولا يَبنِي فِي الشارعِ دِكَّةً، ولا يَغرِسُ شَجرةً، وإنْ لَمْ يَضُرَّ على الأصحِّ. ويُقْطِعُ الإمامُ مِنَ الشارعِ لِلارتِفاقِ ما يَراه بِلَا عِوَضٍ (٧). وجَوَّزَ أبو إسحاقَ أخْذَ العِوَضِ عَن مَقاعِدِ الأسواقِ، وقال: خَالفتُ (٨) أصحابِي فِيه، وفِي أخْذِ العِوَضِ عن حَدِّ القَذْفِ وحَقِّ الشُّفعةِ. وليس لِلمُقْطَعِ أَنْ يَبنِيَ فيه، ولَا يَتملَّكَه؛ خِلافًا لِمَا فِي "الشرحِ"

стр. 699

و"الرَّوضةِ" (١) فِي الدِّيَاتِ. ويَجوزُ أن يَبنيَ فيه مَسجِدًا لا يَضرُّ بالمارَّةِ. كذا قالُوه (٢)، والقِياسُ: منعُه. ويَشرَعُ فيه المسلمُ الجَنَاحَ بِحَيثُ لا يَضرُّ. والزُّقاقُ غَيرُ النافِذِ مَمْلوكٌ لِأهلِه، وشِركَةُ كُلِّ أَحَدٍ تَختضُ بما بيْنَ رأسِ الدَّرْبِ، وبابِ دَارِه، ومَن (٣) فتحَ فيه بابًا مَنْ لا بَابَ لَه فِي الدَّربِ، فلَهم (٤) مَنعُه، ولَو كانَ هُناكَ مَسجدٌ أوْ بئرٌ مُسبَّلةٌ عُلِمَ سَبْقُ المِلْكِ فِيهِما. ولَو قالَ المُلاصِقُ "افتَحْهُ (٥) وأسْمِرْهُ"، مُنِعَ على الأَفْقَهِ، خِلافًا لِما صحَّحَه فِي "المُحرَّرِ" (٦). ومَنْ فَتحَ فيه (٧) مِنْ أهْلِه بابًا وسَدَّ القَديمَ لَمْ يُمنعْ إنْ كانَ الحَادِثُ إلى رأسِ السِّكَّةِ أقْربَ، وإلا مَنَعَهُ مَنْ له منعُهُ شِركةٌ، وكذا يَمْنعُه مِن إشْراعِ الجَناحِ، وإنْ لَمْ يَضرُّ، ولا يُمنعُ مِن فَتْحِ بابٍ مِن إحدى دَارَيْهِ لِلْأُخْرَى، ولَو كانَا فِي دَرْبَينِ غَيرِ نَافِذَيْنِ على الأصحِّ. والمَنفعَةُ فِي المَسجدِ للصلاةِ، والاعتكافِ، وتعْلِيمِ القُرْآنِ، والعِلْمِ، والفتوى، وهو أحقُّ فِي التَّعلِيمِ.

стр. 700

والفَتْوى (١) فِي ذلك المَوضِعِ كما فِي الجَالِسِ (٢) فِي الشَّارعِ لِلْمعامَلةِ، خِلافًا لِنَقْلِ (٣) المَاوَرْديِّ فِي جَعْلِهِ كالجَالسِ للصلاةِ يَصيرُ أحَقَّ بِه فِي مرَّةِ السَّبقِ، إلا إنْ فَارقَ بغَيرِ عُذْرٍ. وفِي مَعْدِنٍ ظاهرٍ يُقدَّمُ السابقِ بِقدْرِ الحَاجةِ عادةً. وإنْ ازْدَحمَ اثنانِ فِي الصُّوَرِ كلِّها أُقْرِعَ. والأعلى يَستقِي مِن ماءٍ جَرَى بِنفْسِه إلى الكَعْبِ، ويُمنَعُ مَن قَطَعَ مِنْه، والمُحرزُ منه فِي طرفٍ مَمْلوكٍ على الأصحِّ. ويَحمِي الإمامُ والوُلاةُ فِي النَّواحِي لِنَحْوِ نَعَمٍ الصَّدقةِ بِمَا لا ضَررَ فيه، ولِغَيرِه مِنَ الأَئِمةِ نقْضُهُ بالمَصْلحةِ، لا النَّقيع -بالنون (٤) - حِمَى النبيِّ ﷺ لأنَّه نصٌّ. ويَتصرَّفُ كُلُّ أَحَدٍ فِي مِلْكِه بالعَادةِ (٥)، وبِخلافِها إذَا احْتاطَ، وأَحْكمَ، ولَمْ يَضرَّ بِدقٍّ مُزعجٍ، ولا دُخَانٍ ونحوِه. ويُمنَعُ الذِّمِّيُّ مِن بِناءٍ مُساوٍ لِبناءِ جِيرانِهِ المُسلِمينَ. * * *

стр. 701

باب الوقف هُو لُغةً: تَرْكُ تَصرُّفٍ (١) بِمعنى التَّحبِيسِ والتَسبيلِ، يقال: "وقَفْتُ كذا وحبَّستُه"، و"حبَّستُ": أكثرُ استعمالًا، ويقالُ: "أوْقفْتُه" فِي لُغةٍ رَديئةٍ. وشَرْعًا: تحبيسُ مالٍ يمكنُ الانتفاعُ به مع بقاءِ عَينِه، بقَطْعِ التصرُّفِ فِي رقَبتِه على مَصرِفٍ مُباحٍ مَوجودٍ. ومَنْ يَعتبِرُ اتصالَه يَزيدُ فيهِ "بِما يَقتضِيه" ومَنْ يَعتبِرُ القُرْبةَ يزيدُ فيهِ "تَقرُّبًا إلى اللَّه تعالى". وأصلُه: ما روا ابنُ عُمرَ ﵄ أنَّ (٢) عُمَرَ بْنَ الخطابِ ﵁ أَصابَ أرضًا بِخيْبَرَ فأتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي أَصبْتُ أرْضًا بَخَيبَرَ لَم أُصِبْ مالًا قَطُّ هُو عِندي أنفسَ مِنْه فما تأمُرنِي؛ قال له النبيَّ ﷺ : "إنْ شِئْتَ حبَّستَ أصلَها وتصدَّقتَ" قال: فتَصدَّق بِها عُمَرُ أنه لا يُباعُ أصْلُها ولا يُورَثُ ولا

стр. 702

يُوهَبُ، وذكرَ مَصارِفَها. أخرجَه الصحيحانِ (١). وفِي روايةٍ للبخاريِّ (٢) قال النبيُّ ﷺ : "تصدَّقْ بأصلِهِ لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورثُ، ولَكِنْ تُنفَقُ ثَمرتُهُ" (٣). وفِي "الصحيحينِ" مِن طَريقِ أبي هُريرةَ ﵁ أَنَّ النبيَّ ﷺ فِي حقِّ خالدٍ أنَّه احتَبسَ أدْراعَهُ وأَعْتادَهُ فِي سَبيلِ اللَّهِ (٤). وفِي "صحيحِ مسلمِ" عَنْ أبي هريرَةَ ﵁ عَنِ النبيِّ ﷺ أنه قالَ: "إذَا ماتَ الإنسانُ انقطعَ عملُهُ إلا مِن ثلاثٍ: مِن (٥) صَدقةٍ جَاريةٍ، أوْ عِلْمٍ يُنتفعُ به، أوْ ولَدٍ صَالحٍ يَدعو لَه" (٦). والصدقةُ الجاريةُ مَحمولةٌ عِندَ العُلَماءِ على الوقْفِ.

стр. 703

وذَكَرَ المَحَامِلِيُّ أنَّ التبرُّعاتِ ستة: ١ - الصدَقةُ. ٢ - والوَقْفُ. ٣ - والهِبةُ. ٤ - والعُمْرَى. ٥ - والرُّقبى. ٦ - والوَصيةُ. ويُزادُ عليه: الإباحةُ. والمرادُ التبرعُ بالأعيانِ غَيرِ (١) العِتْقِ ومُقدِّماتِه. * * * ويُعتَبَرُ فِي الوقْفِ أَنْ يَصدُرَ مِنْ مالكٍ مُطْلَقِ التصرُّفِ أوْ وَكيلِه إلا فِي خَمْسِ صُوَرٍ: ١ - إحداها: ما يقِفُه الإمامُ مِنْ أملاكِ بيْتِ المَالِ على ما يَقتضِيه النَّظرُ، صرَّحَ به القَاضِي الحُسَينُ، والنَّصُّ فيما بعدَها يَشهَدُ لَه. ٢ - الثانيةُ: ما يقِفُه الإمامُ مِنْ رِقابِ أراضِي الفَيْءِ، نَصَّ عليه وأَخذَ بِه الجُمهورُ.

стр. 704

٣ - الثالثةُ (١): ما يقِفُه الحاكِمُ مِن بَدَلِ الوَقْفِ المُتْلَفِ المُبتاعِ بِقِيمتِه. ٤ - الرابعةُ (٢): ما يقفُه الحاكمُ مِن رِيْعٍ اشَترَطَ أنه يُشترِى به ويوقَفُ. ٥ - الخامسةُ (٣): ما يقِفُه مَن شُرِطَ له ذلك مِن ناظِرٍ أوْ وصِيٍّ، وإنْ لَمْ يَكنْ حاكمًا، وما شُرِط أَنْ يُشتَرَى ويَكونَ وَقفًا، أوْ له حُكمُ الوَقفِ، لا يَحتاجُ إلى لَفْظٍ. * * * ولا بُدَّ لِلْوقْفِ مِنَ الصِّيغةِ فِي غَيرِ هذه، إلا فيما سَبقَ فِي إحياءِ المَواتِ، وفيما يَأخذُه الإنسانُ مِنَ الناسِ لِيَبنِيَ بِه زَاوِيةً أوْ رِباطًا، فإنه إذا بنَى يَصيرُ وقْفًا على ما كان يَأخُذُ له، ذَكرَ ذلك الشيخُ أبو مُحمَّدٍ على طَريقةِ ابْنِ سُريجٍ، وذَكرَ الإمامُ أنه لا حاجةَ إلى لَفْظٍ فِي مَصيرِ ما يُجعَلُ شَارعًا. ومِن صَرائحِ الصِّيغةِ: "وقفْتُ" أو "حَبَّسْتُ" أو "سَبَّلْتُ" أو "تصدَّقتُ به صدقة مُحرَّمةً أو مَوْقوفةً، أوْ لا تُباعُ ولا تُوهَبُ". ومِن الكِنايةِ: "حرَّمْتُ" أو "أبَّدْتُ". ويحتاجُ إلى (٤) نِيةِ الوَقفِ. و"تصدقْتُ" إنْ نَوى بِه وَقْفًا على جِهَةِ عامَّهٍ، صحَّ، وإنْ نَواه على مُعيَّنٍ لَمْ

стр. 705

يَكنْ وقْفًا، بلْ هو تَمليكٌ، ولا يَحتاجُ إلى قَبولٍ إذا وقَفَ على غَيرِ مُعيَّنٍ (١)، ولا (٢) على المُعيَّنِ على ظَاهرِ النَّصِّ المُختارِ، وقَطَعَ بِه جَماعةٌ (٣)، خِلافًا لِما صَحَّحه فِي "المحرَّرِ" (٤)، تَبَعًا لِلْإمامِ وغيرِه. وعلى الوَجْهَينِ: إذا ردَّ بَطَلَ حقُّه، خِلَافًا للبَغويِّ، وما قاله حَسَنٌ، ولو ردَّه ثم رَجَعَ قَبْلَ حُكمِ الحاكِمِ بِرَدِّه كان له ذلكَ، قالَه الرُّويانيُّ، وفيهِ نَظرٌ. ولا يُشتَرَطُ قَبولُ النَّظرِ (٥) الثاني، ولا عَدَمُ رَدِّهِم على الأرْجَحِ. ولا أَنْ يَقولَ الواقِفُ: أخرجْتُه مِنْ مِلْكي، علَئ المَشهورِ، ولا أن يَقبِضَه المَوقُوفُ عليه قَطْعًا، خِلافًا لِما (٦) شذَّ به المَرْعَشيُّ والجُرجانيُّ. وإذا بَطَلَ بالردِّ فهو مِن صُوَرِ مُنقطِعِ الأَوَّلِ، وهو بَاطلٌ على الأصَحِّ، ويَصِحُّ مُنقطِعُ الوسطِ، والآخِرِ على الأصحِّ. ويُعتبَرُ فِي المَوقُوفِ أن يكونَ عَينًا مُعينةً مَمْلوكةً قابلةً للنَّقْلِ تُعَدُّ (٧) عَيْنًا كثمرةٍ أوْ مَنفعةٍ تُستعارُ لها، كفَحلٍ لِضِرابٍ، وإنْ كانتْ مُنتظَرةً كما فِي العَبدِ والجَحْشِ الصغِيرَيْنِ، والمُؤْجَرِ.
следующие страницы →