وإِن حمل السيل بذراً إِلى أرضٍ فنبت فيها فهو لصاحبه يبقى إِلى الحصاد بأجرة مثله، وقال القاضي لا أجرة له، ويحتمل أن لصاحب الأرض أخذه بقيمته، فإِن حمل غرس رجل فنبت في أرض غيره فهل يكون كغرس الشفيع أو كغرس الغاصب؟ على وجهين.
فصل
وحكم المستعير في استيفاء المنفعة حكم المستأجر، والعارية مضمونة بقيمتها يوم التلف وإِن شرط نفي ضمانها. وكل ما كان أمانة لا يصير مضموناً بشرطه، وما كان مضموناً لا ينتفي ضمانه بشرطه وعن أحمد رحمه الله تعالى أنه ذُكِرَ له ذلك فقال المسلمون على شروطهم، فيدل على نفي الضمان بشرطه، وإِن تلفت أجزاؤها بالاستعمال كخمل المنشفة فعلى وجهين.
وليس للمستعير أن يعير، فإِن فعل فَتَلِفَتْ عند الثاني فله تضمين أيهما شاء، ويستقر الضمان على الثاني. وعلى المستعير مؤنة رد العارية، فإِن رد الدابة إِلى اصطبل المالك أو غلامه لم يبرأ من الضمان إِلا أن يردها إِلى من جرت عادته بجريان ذلك على يده كالسائس ونحوه.
فصل
إِذا اختلفا: فقال: أجرتك. قال: بل أعرتني، عقيب العقد فالقول قول الراكب، وإِن كان بعد مضي مدة لها أجرة فالقول قول المالك فيما مضى من المدة دون ما بقي منها، وهل يستحق أجرة المثل أو المُدَّعى إِن زاد عليها؟ على وجهين. وإِن قال: أعرتك. قال: بل أجرتني والبهيمة تالفة فالقول قول المالك، وإِن قال أعرتني أو أجرتني قال بل غصبتني فالقول قول المالك وقيل قول الغاصب.
* * *
стр. 212
كتاب الغَصْبِ
وهو الاستيلاء على مال الغير قهراً بغير حق. وتضمن أم الولد والعقار بالغصب، وعنه ما يدل على أن العقار لا يضمن بالغصب، وإِن غصب كلباً فيه نفع أو خمر ذمي لزمه رده، وإِن أتلفه لم تلزمه قيمته، وإِن غصب جلد ميتة فهل يلزمه رده؟ على وجهين. فإِن دبغه وقلنا بطهارته لزمه رده. وإِن استولى على حر لم يضمنه بذلك إِلا أن يكون صغيراً ففيه وجهان، فإِن قلنا لا يضمنه فهل يضمن ثيابه وحليه؟ على وجهين. وإِن استعمل الحر كرهاً فعليه أجرته، وإِن حبسه مدة فهل تلزمه أجرته؟ على وجهين.
فصل
ويلزمُهُ (١) رد المغصوب إِن قدر على رده وإِن غرم عليه أضعاف قيمته، وإِن خلطه بما يتميز منه لزمه تخليصه ورده، وإِن بنى عليه لزمه رده إِلا أن يكون قد بلي، وإِن سمر بالمسامير باباً لزمه قلعها وردها.
وإِن زرع الأرض فردها بعد أخذ الزرع فعليه أجرتها، وإِن أدركها ربها والزرع قائم خير بين تركه إِلى الحصاد بأجرته وبين أخذه بعوضه، وهل ذلك قيمته أو نفقته؟ على وجهين. ويحتمل أن يكون الزرع للغاصب وعليه الأجرة، وإِن غرسها أو بنى فيها أخذ بقلع غرسه وبنائه وتسوية الأرض وأَرْش نقصها وأجرتها.
стр. 213
وإِن غصب لوحاً فرقع به سفينة لم يقلع حتى ترسي، وإِن غصب خيطاً فخاط به جرح حيوان وخيف عليه من قلعه فعليه قيمته، إِلا أن يكون الحيوان مأكولاً للغاصب فهل يلزمه رده ويذبح الحيوان؟ على وجهين. وإِن مات الحيوان لزمه رده إِلا أن يكون آدمياً.
فصل
وإِن زاد لزمه رده بزيادته سواء كانت متصلة كالسِّمَن وتعلم صنعة، أو منفصلة كالولد والكسب، ولو غصب جارحاً فصاد به أو شبكة أو شركاً فأمسك شيئاً أو فرساً فصاد عليه (١) أو غنم فهو لمالكه، وإِن غصب ثوباً فقصره، أو غزلاً فنسجه، أو فضة أو حديداً فضربه، أو خشباً فنجره، أو شاة فذبحها وشواها رد ذلك بزيادته وأَرْش نقصه ولا شيء له، وعنه يكون شريكاً بالزيادة، وقال أبو بكر يملكه وعليه قيمته.
وإِن غصب أرضاً فحفر فيها بئراً ووضع ترابها في أرض مالكها لم يملك طمها إِذا أبرأه المالك من ضمان ما يتلف بها في أحد الوجهين.
وإِن غصب حباً فزرعه أو بيضاً فصار فراخاً، أو نوىً فصار غَرْساً رده ولاشيء له، ويتخرج فيه مثل الذي قبله.
فصل
وإِن نقص لزمه ضمان نقصه بقيمته رقيقاً كان أو غيره، وعنه أن الرقيق يضمن مما يضمن به في الإِتلاف، ويتخرج أن يضمنه بأكثر الأمرين منهما، وإِن غصبه وجنى عليه ضمنه بأكثر الأمرين، وإِن جنى عليه غير الغاصب فله تضمين الغاصب بأكثر الأمرين ويرجع الغاصب على الجاني
стр. 214
بأرش الجناية، وله تضمين الجاني أَرْش الجناية وتضمين الغاصب ما بقي من النقص.
وإِن غصب عبداً فخصاه لزمه رده ورد قيمته، وعنه في عين الدابة من الخيل والبغال والحمير ربع قيمتها والأول أصح، وإِن نقصت العين لتغير الأسعار لم يضمن نص عليه، وإِن نقصت القيمة لمرض ثم عادت ببرئه لم يلزمه شيء. وإِن زاد من جهة أخرى مثل إِن تعلم صنعة فعادت القيمة ضمن النقص، وإِن زادت القيمة لسِمَن أو نحوه ثم نقصت ضمن الزيادة، وإِن عاد مثل الزيادة الأولى من جنسها لم يضمنها في أحد الوجهين، وإِن كانت من غير جنس الأولى لم يسقط ضمانها، وإِن غصب عبداً مفرطاً في السمن فهزل فزادت قيمته رده ولا شيء عليه، وإِن نقص المغصوب نقصاً غير مستقر [كحنطة ابتلت وعفنت (١)] خُيِّر بين أخذ مثلها وبين تركها حتى يستقر فسادها ويأخذها وأَرْش نقصها؛ وإِن جنى المغصوب فعليه أَرْش جنايته سواء أجنى على سيده أو غيره، وجنايته على الغاصب وعلى ماله هدر. ويضمن زوائد الغصب كالولد والثمرة إِذا تلفت أو نقصت كالأصل.
فصل
وإِن خلط المغصوب بماله على وجه لا يتميز منه مثل إِن خلط حنطة أو زيتاً بمثله لزمه مثله منه في أحد الوجهين، وفي الآخر يلزمه مثله من حيث شاء، وإِن خلطه بدونه أو خير منه أو بغير جنسه لزمه مثله في قياس التي قبلها، وظاهر كلامه أنهما شريكان بقدر ملكيهما.
وإِن غصب ثوباً فصبغه أو سويقاً فلته بزيت فنقصت قيمتها أو قيمة
стр. 215
أحدهما ضمن النقص، فإِن لم تنقص (ولم تزد) (١) أو زادت قيمتها فهما شريكان بقدر ملكيهما (٢)، وإِن زادت قيمة أحدهما فالزيادة لصاحبه، فإِن أراد أحدهما قلع الصبغ لم يجبر الآخر عليه ويحتمل أن يجبر إِذا ضمن الغاصب النقص، وإِن وهب الصبغ للمالك أو وهبه تزويق الدار ونحوها فهل يلزم المالك قبولها؟ على وجهين.
وإِن غصب صبغاً فصبغ به ثوباً أو زيتاً فلتَّ به سويقاً احتمل أن يكون كذلك واحتمل أن يلزمه قيمته أو مثله إِن كان مثلياً.
وإِن غصب ثوباً وصبغاً فصبغه به رده وأَرْش نقصه ولا شيء له في زيادته (ويتخرج فيه مثل الذي قبله) (٣).
فصل
وإِن وطئ الجارية فعليه الحد والمهر -وإِن كانت مطاوعة- وأرش البكارة، وعنه لا يلزمه مهر الثيب، وإِن ولدت فالولد رقيق للسيد ويضمن نقص الولادة، وإِن باعها [أو وهبها (٤)] لعالم بالغصب فوطئها فللمالك تضمين أيهما شاء نقصها ومهرها وأجرتها وقيمة ولدها إِن تلف، فإِن ضُمِّن الغاصب رجع على الآخر، ولا يرجع الآخر عليه، وإِن لم يعلما بالغصب فضمنهما رجعا على الغاصب، وإِن ولدت من أحدهما فالولد حر ويفديه بمثله في صفاته تقريباً ويحتمل أن يعتبر مثله في القيمة، وعنه يضمنه بقيمته (في صفاته) (٥) ويرجع به على الغاصب وإِن تلفت فعليه قيمتها، ولا
стр. 216
يرجع بها إِن كان مشترياً، ويرجع بها المنتهب وعنه أنّ ما حصلت له به منفعة كالأجرة والمهر وأرش البكارة لا يرجع به، وإِن ضمن الغاصب رجع على المشتري بما لا يرجع المشتري عليه (١)، وإِن ولدت من زوج فمات الولد ضَمِنَهُ بقيمته، وهل يرجعُ بها على الغاصب؟ على روايتين. وإِن أعارها فتلفت عند المستعير استقر ضمان قيمتها عليه وضمان الأجرة على الغاصب.
وإذا اشترى أرضاً فغرسها أو بنى فيها فخرجت مستحقه وقَلَعَ غرسَهُ وبناءه رجع المشتري على البائع بما غرمه. ذكره القاضي في القسمة.
وإِن أُطعم المغصوب لعالم بالغصب استقر الضمان عليه، وإِن لم يعلم وقال له الغاصب كله فإِنه طعامي استقر الضمان على الغاصب، وإِن لم يقل ففي أيِّهِمَا يستقر الضمان عليه؟ وجهان. وإِن أطعمه لمالكه ولم يعلم لم يبرأ، نص عليه في رجل له عند رجل تبعة فأوصلها إِليه على أنها صلة أو هدية ولم يعلم كيف هذا؟ يعني أنه لا يبرأ، وإِن رهنه عند مالكه أو أودعه إِياه أو أجره أو استأجره على قصارته وخياطته لم يبرأ إِلا أن يعلم، وإِن أعاره إِياه برئ علم أو لم يعلم.
ومن اشترى عبداً فأعتقه فادعى رجل أن البائع غصبه منه فصدَّقه أحدهما لم يقبل على الآخر، وإِن صدَّقاه مع العبد لم يبطل العتق ويستقر الضمان على المشتري، ويحتمل أن يبطل العتق إِذا صدقوه كلهم.
فصل
وإِن تلف المغصوب ضمنه بمثله إِن كان مكيلاً أو موزوناً إِلا الفاكهة الرطبة واللبن والصوف والشعر ونحوه فإِنه يضمنه بقيمته، وإِن أعوز المثل
стр. 217
فعليه قيمة مثله يوم إِعوازه، وقال القاضي يضمنه بقيمته يوم القبض، وعنه تلزمه قيمته يوم تلفه وإِن لم يكن مثلياً ضمنه بقيمته يوم تلفه في بلده من نقده، ويتخرج أن يضمنه بقيمته يوم غصبه، فإِن كان مصوغاً أو تبراً تخالف قيمته وزنه قومه بغير جنسه، فإِن كان محلى بالنقدين معاً قومه بما شاء منهما [وأعطاه بالقيمة عَرَضَاً (١)]، وإِن تلف بعض المغصوب فنقصت قيمة باقيه كزوجي خف تلف أحدهما فعليه رد الباقي وقيمة التالف وأَرْش النقص، وقيل لا يلزمه أَرْش النقص.
وإن غصب عبداً فأبِق أو فرساً فشرد أو شيئاً تعذر رّدُّه مع بقائه ضَمِنَ قيمته، فإِن قدر عليه بعدُ ردَّه وأخذ القيمة.
وإِن غصب عصيراً فتخمر فعليه قيمته، فإِن انقلب خلاً رده وما نقص من قيمة العصير.
فصل
وإِن كانت للمغصوب أجرة فعلى الغاصب أجرة مثله مدة مقامه في يده؛ وعنه التوقف عَنْ ذلك، وقال أبو بكر: هذا قول قديم رجع عنه.
وإِن تلف المغصوب فعليه أجرته إِلى وقت تلفه، وإِن غصب شيئاً فعجز عن رده فأدى قيمته فعليه أجرته إِلى وقت أداء القيمة، وفيما بعده وجهان.
فصل
وتصرفات الغاصب الحكمية كالحج وسائر العبادات والعقود كالبيع والنكاح ونحوها باطلة في إِحدى الروايتين، والأخرى صحيحة.
стр. 218
فإِن اتجر بالدراهم فالربح لمالكها، وإِن اشترى في ذمته ثم نقدها فكذلك، وعنه أنَّ الربح للمشتري، وإِن اختلفا في قيمة المغصوب أو قدره أو صناعة فيه فالقول قول الغاصب، وإِن اختلفا في رده أو عيب فالقول قول المالك، وإِن بقيت في يده غُصُوبٌ لا يعرف أربابها تصدق بها عنهم بشرط الضمان كاللقطة.
فصل
ومن أتلف مالاً محترماً لغيره ضمنه، وإِن فتح قفصاً عن طائره أو حل قيد عبده أو رباط فرسه أو وكاء زق مائع أو جامد فأذابته الشمس أو بقي بعد حله قاعداً فألقته الريح فاندفق ضمنه، وقال القاضي: لا يضمن ما ألقته الريح.
وإِن ربط دابة في طريق فأتلفت، أو اقتنى كلباً عقوراً فعقر، أو خرق ثوباً ضمن إِلا أن يكون دخل منزله بغير إِذنه، وقيل في الكلب روايتان في الجملة.
وإِن أجج ناراً في ملكه أو سقى أرضه فتعدى إِلى ملك غيره فأتلفه ضمن إِذا كان قد أسرف فيه أو فرط وإِلا فلا، وإِن حفر في فنائه بئراً لنفسه ضمن ما تلف بها، وإِن حفرها في سابلة لنفع المسلمين لم يضمن في أصح الروايتين، وإِن بسط في مسجد حصيراً أو علق فيه قنديلاً لم يضمن ما تلف به.
وإِن جلس في مسجد أو طريق واسع فعثر به حيوان لم يضمن في أحد الوجهين، وإِن أخرج جناحاً أو ميزاباً إِلى الطريق فسقط على شيء أتلفه ضمن.
وإِن مال حائطه فلم يهدمه حتى أتلف شيئاً لم يضمنه نصق عليه، وأومأ
стр. 219
في موضع أنه إِن تقدم إِليه بنقضه وأشهد عليه فلم يفعل ضمن، وما أتلفت البهيمة فلا ضمان على صاحبها إِلا أن تكون في يد إِنسان كالراكب والسائق والقائد فيضمن ما جنت يدها أو فمها دون ما جنت رجلها، وما أفسدت من الزرع والشجر ليلاً، ولا يضمن ما أفسدت من ذلك نهاراً، ومن صال عليه آدمي أو غيره فقتله دفعاً عن نفسه لم يضمنه، [وإِن اصطدم نفسان فماتا أو فارسان فماتت دابتاهما فعلى كل واحد دية الآخر وعليه قيمة دابة صاحبه (١)]، وإِن اصطدمت سفينتان فغرقتا ضمن كل واحد منهما سفينة الآخر وما فيها، فإِن كانت إِحداهما منحدرة فعلى صاحبها ضمان المصعدة إِلا أن يكون غلبه ريح (٢) فلم يقدر على ضبطها، ومن أتلف مزماراً أو طنبوراً أو صليباً أو كسر إِناء فضة أو ذهب أو إِناء خمر لم يضمنه، وعنه يضمن آنية الخمر إِن كان ينتفع بها في غيره.
باب الشُفْعَة
وهي استحقاق الإِنسان انتزاع حصة شريكة من يد مشتريها، ولا يحل الاحتيال لإِسقاطها. ولا تثبت إِلا بشروط خمسة:
أحدها: أن يكون (٣) مبيعاً، ولا شفعة فيما انتقل بغير عوض بحال، ولا فيما عوضه غير المال كالصداق، وعِوَض الخلع، والصلح عن دم العمد في أحد الوجهين.
стр. 220
فصل
الثاني: أن يكون شقصاً مشاعاً من عقار ينقسم، فأما المقسوم المحدد فلا شفعة لجاره فيه، ولا شفعة فيما لا تجب قسمته كالحمار الصغير والبئر والطرق والعراص الضيقة وما ليس بعقار كالشجر والحيوان والبناء المفرد في إِحدى الروايتين، إِلا أن البناء والغراس يؤخذ تبعاً للأرض، ولا تؤخذ الثمرة والزرع تبعاً في أحد الوجهين.
فصل
الثالث: المطالبة بها على الفور ساعة يعلم نص عليه، وقال القاضي له طلبها في المجلس وإِن طال، فإِن أخره سقطت شفعته إِلا أن يعلم وهو غائب فيشهد على الطلب بها، ثم إِن أخر الطلب بعد الإِشهاد عند إِمكانه أو لم يشهد ولكن سار في طلبها فعلى وجهين، وإِن ترك الطلب والإِشهاد لعجزه عنهما كالمريض والمحبوس ومن لا يجد من يشهده، أو لإِظهارهم زيادة في الثمن أو نقصاً في المبيع، أو أنه موهوب له، أو أن المشتري غيره، أو أخبره من لا يقبل خبره فلم يصدقه فهو على شفعته، وإِن أخبره من يقبل خبره فلم يصدقه أو قال للمشتري بعني ما اشتريت أو صالحني سقطت شفعته، وإِن دلّ في البيع أو توكل لأحد المتبايعين أو جعل له الخيار فاختار إِمضاء البيع فهو على شفعته، وإِن أسقط شفعته قبل البيع لم تسقط ويحتمل أن تسقط، وإِن ترك الولي شفعة للصبي فيها حظ لم تسقط وله الأخذ بها إِذا كبر، وإِن تركها لعدم الحظ فيها سقطت ذكره ابن حامد، وقال القاضي: يحتمل أن لا تسقط.
стр. 221
فصل
الرابع: أن يأخذ جميع المبيع، فإِن طلب أَخْذ البعض سقطت شفعته، فإِن كانا شفيعين فالشفعة بينهما على قدر ملكيهما، وعنه على عدد الرؤوس، فإِن ترك أحدهما شفعته لم يكن للآخر أن يأخذ إِلا الكل أو يترك، فإِن كان المشتري شريكاً فالشفعة بينه وبين الآخر، فإِن ترك شفعته ليوجب الكل على شريكه لم يكن له ذلك، وإِن كانت داراً بين اثنين فباع أحدهما نصيبه لأجنبي صفقتين ثم علم شريكه فله أن يأخذ بالبيعين، وله أن يأخذ بأحدهما فإِن أخذ بالثاني شاركه المشتري في شفعته في أحد الوجهين، فإِن أخذ بالأول لم يشاركه، وإِن أخذ بهما لم يشاركه في شفعة الأول، وهل يشاركه في شفعة الثاني؟ على وجهين.
وإِن اشترى اثنان حق واحد فللشفيع أخذ حق أحدهما، وإن باع شقصاً وسيفاً فللشفيع أخذ حق أحدهما، وإِن اشترى واحد حق اثنين أو اشترى واحد شقصين من أرضين صفقة واحدة فللشفيع أخذ أحدهما على أصح الوجهين، وإن باع شقصاً وسيفاً فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن، ويحتمل أن لا يجوز، وإِن تلف بعض المبيع فله أخذ الباقي بحصته من الثمن.
وقال ابن حامد: إِن كان تلفه بفعل الله تعالى فليس له أخذه إِلا بجميع الثمن.
فصل
الخامس: أن يكون للشفيع ملك سابق، فإِن اشترى اثنان داراً صفقة واحدة فلا شفعة لأحدهما على صاحبه، فإِن ادعى كل واحد منهما السبق فتحالفا أو تعارضت بيِّنَاتهما فلا شفعة لهما، ولا شفعة بشركة الوقف في أحد الوجهين.
стр. 222
فصل
وإِن تصرف المشتري في المبيع قبل الطلب بوقف أو هبة سقطت الشفعة نص عليها، وقال أبو بكر: لا تسقط.
وإِن باع فللشفيع الأخذ بأي البيعين شاء، فإِن أخذ بالأول رجع الثاني على الأول، وإِن فُسِخ البيع بعيب أو إِقالة أو تحالف فللشفيع أخذه، ويأخذه في التحالف بما حلف عليه البائع، وإِن أجره أخذه الشفيع وله الأجرة من يوم أخذه، وإِن استغله فالغلة له، وإِن أخذه الشفيع وفيه زرع أو ثمرة ظاهرة فهي للمشتري مبقاة إِلى الحصاد والجذاذ، وإِن قاسم المشتري وكيل الشفيع أو قاسم الشفيع لكونه أظهر له زيادة في الثمن أو نحوه وغرس أو بنى فللشفيع أن يدفع إِليه قيمة الغراس والبناء ويملكه أو يقلعه ويضمن النقص، فإِن اختار أخذه فأراد المشتري قلعه فله ذلك إِذا لم يكن فيه ضرر.
وإِن باع الشفيع ملكه قبل العلم لم تسقط شفعته في أحد الوجهين، وللمشتري الشفعة فيما باعه الشفيع في أصح الوجهين، وإِن مات الشفيع بطلت الشفعة إِلا أن يكون بعد طلبها فتكون لورثته (١).
فصل
ويأخذ الشفيع بالثمن الذي وقع العقد عليه، فإِن عجز عنه أو عن بعضه سقطت شفعته، وما يحط من الثمن أو يزاد فيه في مدة الخيار يلحق به، وما كان بعد ذلك لا يلحق به، وإِن كان مؤجلاً أخذه الشفيع بالأجل إِن كان مليئاً وإِلا أقام كفيلاً مليئاً وأخذ به، وإِن كان الثمن عَرَضاً أعطاه مثله إِن
стр. 223
كان ذا مثل وإِلا قيمته، وإِن اختلفا في قدر الثمن فالقول قول المشتري إِلا أن يكون للشفيع بينة، وإِن قال المشتري اشتريته بألف وأقام البائع بينة أنه باعه بألفين فللشفيع أخذه بألف، فإِن قال المشتري غلطت (١) فهل يقبل قوله مع يمينه؟ على وجهين. وإِن ادعى أنك اشتريته بألف قال بل اتهبته أو ورثته فالقول قوله مع يمينه، فإِن نكل عنها أو قامت للشفيع بينة فله أخذه ويقال للمشتري: إِما أن تقبل الثمن وإِما أن تبرئ منه، وإِن كان عِوَضاً في الخلع أو النِّكاح أو عن دم عمد فقال القاضي (٢): يأخذه بقيمته، وقال غيره: يأخذه بالدية ومهر المثل.
فصل
ولا شفعة في بيع الخيار قبل انقضائه نص عليه، ويحتمل أن يجب، وإِن أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري فهل تجب الشفعة؟ على وجهين.
وعهدة الشفيع على المشتري وعهدة المشتري على البائع، فإِن أبى المشتري قبض المبيع أجبره الحاكم عليه، وقال أبو الخطاب: قياس المذهب أن يأخذه الشفيع من يد البائع، وإِذا ورث اثنان شقصاً عن أبيهما فباع أحدهما نصيبه فالشفعة بين أخيه وشريك أبيه.
ولا شفعة لكافر على مسلم.
وهل تجب الشفعة للمضارب على رب المال أو لرب المال على المضارب فيما يشتريه للمضاربة؟ على وجهين.
стр. 224
باب الوديعة
وهي أمانة لا ضمان عليه فيها إِلا بعد أن يتعدى، وإِن تلفت من بين ماله لم يضمن في أصح الروايتين، ويلزمه حفظها في حرز مثلها فإِن عين صاحبها حرزاً فجعلها في دونه ضمن، وإِن أحرزها بمثله أو فوقه لم يضمن، وقيل يضمن إِلا أن يفعله لحاجة.
وإِن نهاه عن إِخراجها فأخرجها لغشيان شيء الغالب منه الثَّواء لم يضمن، وإِن تركها فتلفت ضمن وإِن أخرجها لغير خوف ضمن، فإِن قال لا تخرجها ولو خفت عليها فأخرجها عند الخوف أو تركها لم يضمن، ولو أودعه بهيمة فلم يعلفها حتى ماتت ضمن إِلا أن ينهاه المالك عن علفها.
فإِن قال اترك الوديعة في جيبك فتركها في كمه ضمن، وإِن قال اتركها في كمك فتركها في جيبه لم يضمن، فإِن تركها في يده احتمل وجهين.
وإِن دفع الوديعة إِلى من يحفظ ماله كزوجته وعبده لم يضمن، وإِن دفعها إِلى أجنبي أو حاكم ضمن وليس للمالك مطالبة الأجنبي، وقال القاضي له ذلك.
وإِن أراد سفراً أو خاف عليها عنده ردها إِلى مالكها، فإِن لم يجده حملها معه إِن كان أحفظ لها وإِلا دفعها إِلى الحاكم، فإِن تعذر ذلك أودعها ثقة أو دفنها وأعلم بها ثقة يسكن تلك الدار، فإِن دفنها ولم يُعْلِم بها أحداً أو أعلم بها من لا يسكن الدار ضمنها.
وإِن تعدى فيها فركب الدابة لغير نفعها ولبس الثوب وأخرج الدراهم لينفقها ثم ردها أو جحدها ثم أقر بها أو كسر ختم كيسها أو خلطها بما لا تتميز منه ضمنها، وإِن خلطها بمتميز أو ركب الدابة ليسقيها لم يضمن، وإِن أخذ درهماً ثم رده فضاع الكل ضمنه وحده، وعنه يضمن الجميع،
стр. 225
وإِن رد بدله متميزاً فكذلك، وإِن كان غير متميز ضمن الجميع، ويحتمل أن لا يضمن غيره.
وإِن أودعه صبيٌّ وديعة ضمنها ولم يبرأ إِلا بالتسليم إِلى وليه، وإِن أودع الصبيَّ وديعة فتلفت بتفريطه لم يضمن، وإِن أتلفها لم يضمن، وقال القاضي: يضمن، وإِن أودع عبداً وديعة فأتلفها ضمنها في رقبته.
فصل
والمودع أمين، والقول قوله فيما يدعيه من رد وتلف وإِذن في دفعها إِلى إِنسان وما يُدَّعى عليه من خيانة وتفريط، وإِن قال لم تودعني ثم أقر بها أو ثبتت ببينة فادعى الرد أو التلف لم يقبل وإِن أقام به بينة، ويحتمل أن تقبل ببينته. وإِن قال مالَكَ عندي شيء، قبل قوله في الرد والتلف.
وإِن مات المودع وادعى وارثه الرد لم يقبل إِلا ببينة، وإِن تلفت عنده قبل إِمكان ردها لم يضمنها، وبعده يضمنها في أحد الوجهين.
وإِذا ادعى الوديعة اثنان فأقر بها لأحدهما فهي له مع يمينه، ويحلف المودع أيضاً، وإِن أقر بها لهما فهي لهما ويحلف لكل واحد منهما، فإِن قال لا أعرف صاحبها حلف أنه لا يعلم ويقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وأخذها. وإن أودعه اثنان مكيلاً أو موزوناً فطلب أحدهما نصيبه سلمه إِليه، وإِن غصبت الوديعة فهل للمودع المطالبة بها؟ على وجهين.
* * *
стр. 226
باب إِحياء المَوَات
وهي الأرض الداثرة التي لا يعلم أنها ملكت، فإِن كان فيها آثار الملك ولا يعلم لها مالك فعلى روايتين. ومن أحيا أرضاً ميتة فهي له مسلماً كان أو كافراً بإِذن الإِمام وغير إِذنه في دار الإِسلام وغيرها؛ إِلا ما أحياه مسلم من أرض الكفار التي صولحوا عليها وما قرب من العامر وتعلق بمصالحه لم تملك بالإِحياء، وإِن لم يتعلق بمصالحه فعلى روايتين. ولا تملك المعادن الظاهرة كالملح والقار والنفط والكحل والجص بالإِحياء، وليس للإِمام إِقطاعه، فإِن كان بقرب الساحل موضع إِذا حصل فيه الماء صار ملحاً ملكه بالإِحياء وللإِمام إِقطاعه، وإِذا ملك المُحْيا ملكه بما فيه من المعادن الباطنة كمعادن الذهب والفضة، وإِن ظهر فيه عين ماء أو معدن جار أو كلأ أو شجر فهو أحق به، وهل يملكه؟ على روايتين. وما فضل من مائه لزمه بذله لبهائم غيره، وهل يلزمه بذله لزرع غيره؟ على روايتين.
فصل
وإِحياء الأرض أن يحوزها بحائط أو يجري لها ماء، وإِن حفر بئراً عادية ملك حريمها خمسين ذراعاً، وإِن لم تكن عادية فحريمها خمسة وعشرون ذراعاً، وعند القاضي حريمها قدر رشائها من كل جانب، (وقيل قدر ما يحتاج إِليه من نزفِ ما بها) (١)، وقيل إِحياء الأرض ما عُدَّ إِحياءً وهو عمارتها بما تتهيأ به لما يراد منها من زرع أو بناء، وقيل ما يتكرر
стр. 227
كل عام كالسقي والحرث فليس بإِحياء وما لا يتكرر فهو إِحياء.
ومن تحجَّر مواتاً لم يملكه وهو أحق به ووارثه من بعده ومن ينقله إِليه وليس له بيعه، وقيل له ذلك. فإِن لم يتم إِحياؤه قيل له إِما أن تحييه أو تتركه، فإِن طلب الإِمهال أمهل الشهرين والثلاثة، فإِن أحياه غيره فهل يملكه؟ على وجهين.
فصل
وللإِمام إِقطاع موات لمن يحييه، ولا يملكه بالإِقطاع بل يصير كالمتحجر الشارع في الإِحياء، وله إِقطاع الجلوس في الطرق الواسعة ورحاب المساجد ما لم يضيق على الناس، ولا يُملك ذلك بالإِحياء، ويكون المُقْطَعُ أحق بالجلوس فيها، فإِن لم يقطعها فلمن سبق إِلى (١) الجلوس فيها، ويكون أحق بها ما لم ينقل قماشه عنها، فإِن أطال الجلوس فيها فهل يزال؟ على وجهين.
فإِن سبق اثنان أقرع بينهما، وقيل يقدم الإِمام من رأى منهما، ومن سبق إِلى معدن فهو أحق بما ينال منه، وهل يمنع إِذا طال مقامه؟ على وجهين.
ومن سبق إِلى مباح كصيد وعنبر وحطب وثمر وما ينبذه الناس رغبة عنه فهو أحق به، وإِن سبق إِليه اثنان قُسِم بينهما.
وإِذا كان الماء في نهر غير مملوك كمياه الأمطار فلمن شقَّ (٢) في أعلاه أن يسقي ويحبس الماء حتى يصل إِلى كعبه ثم يرسل إِلى من يليه، فإِن
стр. 228
أراد إِنسان إِحياء أرض بسقيها منه جاز ما لم يضر بأهل الأرض الشاربة منه.
وللإِمام أن يحمي (١) أرضاً من الموات ترعى فيها دواب المسلمين التي يقوم بحفظها ما لم يضيق على الناس وليس ذلك لغيره، وما حماه النبي ﷺ فليس لأحد نقضه، وما حماه غيره من الأئمة فهل يجوز نقضه؟ على وجهين.
باب الجعالة
وهي أن يقول: من رد عبدي أو لقطتي أو بنى لي هذا الحائط فله كذا، فمن فعله بعد أن بلغه الجعل استحقه، وإِن فعله جماعة فهو بينهم، ومن فعله قبل ذلك لم يستحقه سواء أرده قبل بلوغ الجعل أو بعده، وتصح على مدة مجهولة وعمل (٢) مجهول إِذا كان العوض معلوماً، وهي عقد جائز لكل واحد منهما فسخها، فمتى فسخها العامل لم يستحق شيئاً، وإِن فسخها الجاعل بعد الشروع فعليه للعامل أجرة عمله، وإِن اختلفا في أصل الجعل أو قدره فالقول قول الجاعل، ومن عمل لغيره عملاً بغير جعل فلا شيء له إِلا في رد الآبق فإِن له بالشرع ديناراً أو اثني عشر درهماً، وعنه إِن رده من خارج المصر فله أربعون درهماً ويأخذ منه ما أنفق عليه في قوته، وإِن هرب منه في طريقه. فإِن مات السيد استحق ذلك في تركته.
стр. 229
باب اللقطة
وهي المال الضائع من ربه. وينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما لا تتبعه الهمة كالسوط والشسع والرغيف فيملك بأخذه بلا تعريف.
الثاني: الضوالّ التي تمتنع من صغار السباع: كالإِبل والبقر والخيل والبغال والظباء والطير والفهود ونحوها فلا يجوز التقاطها، ومن أخذها ضمنها، فإِن دفعها إِلى نائب الإِمام زال عنه الضمان.
الثالث: سائر الأموال كالأثمان والمتاع والغنم والفصلان والعجاجيل والأفلاء، فمن لا يأمن نفسه عليها ليس له أخذها، فإِن فعل ضمنها ولم يملكها وإِن عَرَّفها. ومن أمن نفسه عليها وقوي على تعريفها فله أخذها، والأفضل تركها. وعند أبي الخطاب رحمه الله تعالى إِن وجدها بمضيعة فالأفضل أخذها، ومتى أخذها ثم ردها إِلى موضعها أو فرط فيها ضمنها.
وهي على ثلاثة أضرب.
حيوان: فيتخير بين أكله وعليه قيمته، وبين بيعه وحفظ ثمنه، وبين حفظه والإِنفاق عليه من ماله. وهل يرجع بذلك؟ على وجهين.
الثاني: ما يخشى فساده فيتخير بين بيعه وأكله إِلا أن يمكن تجفيفه كالعنب فيفعل ما يرى الحظ فيه لمالكه وغرامة التجفيف منه، وعنه يبيع اليسير ويدفع الكثير إِلى الحاكم.
الثالث: سائر المال فيلزمه حفظه ويعرِّف الجميع بالنداء عليه في مجامع الناس كالأسواق وأبواب المساجد في أوقات الصلوات حولاً كاملاً: من ضاع منه شيء أو نفقة وأجرة المنادي عليه، وقال أبو الخطاب ما لا يملك بالتعريف وما يقصد حفظه لمالكه يرجع بالأجرة عليه، فإِن لم
стр. 230
يعرف دخل في ملكه بعد الحول حكماً كالميراث، وعند أبي الخطاب لا يملكه حتى يختار ذلك. وعن أحمد رحمه الله تعالى لا يملك إِلا الأثمان وهي ظاهر المذهب، وهل له الصدقة بغيرها؟ على روايتين. وعنه لا تملك لقطة الحرم بحال.
فصل
ولا يجوز له التصرف في اللقطة حتى يعرف وعاءها ووكاءها وقدرها وجنسها وصفتها (١) ويستحب ذلك عند وجدانها والإِشهاد عليها فمتى جاء طالبها فوصفها لزم دفعها إِليه بنمائها المتصل، وزيادتها المنفصلة لمالكها قبل الحول ولواجدها بعده في أصح الوجهين. وإِن تلفت أو نقصت قبل الحول لم يضمنها، وإِن كان بعده ضمنها. وإِن وصفها اثنان قسمت بينهما في أحد الوجهين، وفي الآخر يقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وأخذها، وإِن أقام آخر بينة أنها له أخذها من الواصف فإِن تلفت ضمنها من شاء من الواصف أو الدافع إِليه إِلا أن يدفعها بحكم حاكم فلا ضمان عليه، ومتى ضمن الدافع رجع على الواصف.
فصل
ولا فرق بين كون الملتقط: غنياً أو فقيراً، مسلماً أو كافراً، عدلاً أو فاسقاً يأمن نفسه عليها، وقيل يضم إِلى الفاسق أمين في تعريفها وحفظها.
وإِن وجدها صبيٌّ أو سفيه قام وليه بتعريفها. فإِذا عرفها فهي لواجدها، وإِن وجدها عبد فلسيده. أخذها منه وتركها معه يتولى تعريفها إِذا كان عدلاً، وإِن لم يأمن العبد سيده عليها لزمه سَتْرُها عنه، فإِن أتلفها
стр. 231
قبل الحول فهي في رقبته، وإِن أتلفها بعده فهي في ذمته والمكاتب كالحر، ومن بعضه حر فهي بينه وبين سيده إِلا أن يكون بينهما مهايأة فهل تدخل في المهايأة؟ على وجهين.
باب اللقيط
وهو الطفل المنبوذ. وهو حر ينفق عليه من بيت المال إِن لم يكن معه ما ينفق عليه.
ويحكم بإِسلامه إِلا أن يوجد في بلد الكفار ولا مسلم فيه فيكون كافراً، فإِن كان فيه مسلم فعلى وجهين.
وما وجد معه من فراش تحته أو ثياب أو مال في جيبه أو تحت فراشه أو حيوان مشدود بثيابه فهو له، وإِن كان مدفوناً أو مطروحاً قريباً منه فعلى وجهين.
وأولى الناس بحضانته واجده إِن كان أميناً، وله الإِنفاق عليه مما وجد معه بغير إِذن حاكم، وعنه ما يدل على أنه لا ينفق عليه إِلا بإِذنه. وإِن كان فاسقاً أو رقيقاً أو كافراً -واللقيط مسلم- أو بدوياً ينتقل في المواضع أو وجده في الحضر فأراد نقله إِلى البادية لم يقر في يده. [وإِن التقطه في البادية مقيم في حله أو من يريد نقله إِلى الحضر أُقر معه.
وإِن التقطه في الحضر من يريد النقلة إِلى بلد آخر فهل يقر في يده؟ على وجهين (١)].
وإِن التقطه اثنان قدم الموسر منهما على المعسر والمقيم على المسافر، فإِن تساويا وتشاحا أُقرع بينهما، فإِن اختلفا في الملتقط منهما
стр. 232
قدم من له بينة، فإِن لم يكن لهما بينة قدم صاحب اليد، فإِن كان في أيديهما أقرع بينهما، وإِن لم يكن لهما يد فوصفه أحدهما قدم وإِلا سلمه الحاكم إِلى من يرى منهما أو من غيرهما.
فصل
وميراث اللقيط وديته إِن قُتل لبيت المال. وإِن قَتَل عمداً فوليه الإِمام إِن شاء اقتص وإِن شاء أخذ الدية. وإِن قطع طرفه عمداً انتظر بلوغه إِلا أن يكون فقيراً مجنوناً فللإِمام العفو على مال ينفق عليه.
وإِن ادعى الجاني عليه أو قاذفه رقه وكذَّبه اللقيط بعد بلوغه فالقول قول اللقيط.
وإِن ادعى إِنسان أنه مملوك (١) لم يقبل إِلا ببينة تشهد أن أمته ولدته في ملكه ويحتمل أن لا يعتبر قولها في ملكه.
وإِن أقر بالرق بعد بلوغه لم يقبل، وعنه يقبل، وقال القاضي: يقبل فيما عليه رواية واحدة. وهل يقبل في غيره؟ على روايتين.
وإِن قال إِني كافر لم يقبل قوله وحكمه حكم المرتد، وقيل يقبل قوله إِلا أن يكون قد نطق بالإِسلام وهو يعقله.
فصل
وإِن أقر إِنسان أنه ولده ألحق به مسلماً أو كافراً رجلاً كان أو امرأة حياً كان اللقيط أو ميتاً، ولا يتبع الكافر في دينه إِلا أن يقيم بينة أنه ولد على فراشه، وعنه لا يلحق بامرأة ذات زوج، وعنه إِن كان لها إِخوة أو نسب معروف لم يلحق بها وإِلا لحق.
стр. 233
وإن ادعاه اثنان أو أكثر لأحدهم بينة قدم بها، وإِن تساووا في بَيِّنةٍ أو عدمها عُرِض معهما على القافة، أو مع أقاربهما إِن ماتا فإِن ألحقته بأحدهما لحق به، وإِن ألحقته بهما لحق بهما ولا يلحق بأكثر من أم واحدة، وإِن ادعاه أكثر من اثنين فألحق بهم لحق بهم وإِن كثروا، وقال ابن حامد لا يلحق بأكثر من اثنين، وإِن نفته القافة عنهم أو أشكل عليهم أو لم يوجد قافة ضاع نسبه في أحد الوجهين، وفي الآخر يترك حتى يبلغ فينتسب إِلى من شاء منهم أومأ إِليه أحمد ﵀.
وكذلك الحكم إِن وطئ اثنان امرأة بشبهة أو جارية مشتركة بينهما في طهر واحد أو وُطِئَتْ زوجة رجل أو أم ولده بشبهة وأتت بولد يمكن أن يكون منه فادعى الزوج أنه من الواطئ أُري القافة معهما، ولا يقبل قول القائف إِلا أن يكون ذكراً عدلاً مجرباً في الإِصابة.
* * *
стр. 234
كتاب الوقف
وهو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وفيه روايتان:
إِحداهما: أنه يحصل بالقول والفعل الدال عليه مثل أن يبني مسجداً ويأذن للناس في الصلاة فيه، أو يجعل أرضه مقبرة ويأذن لهم في الدفن فيها، أو سقاية ويشرعها لهم.
والأخرى لا يصح إِلا بالقول، وصريحه: وقفت، وحبَّست، وسبَّلت، وكنايته: تصدقت، وحرمت، وأبدت، فلا يصح الوقف بالكناية إِلا أن ينويه أو يقرن بها أحد الألفاظ الباقية، أو حكم الوقف فيقول: تصدقت صدقة موقوفة أو محبسة أو مسبلة أو محرمة أو مؤبدة أو لا تباع ولا توهب ولا تورث، ولا يصح إِلا بشروط أربعة:
أحدها: أن يكون في عين يجوز بيعها ويمكن الانتفاع بها دائماً مع بقاء عينها: كالعقار، والحيوان، والأثاث، والسلاح. ويصح وقف المشاع، ويصح وقف الحلي على اللبس والعارية، وعنه لا يصح. ولا يصح الوقف في الذمة كعبد ودار، ولا غير معين كأحد هذين، ولا وقف ما لا يجوز بيعه كأم الولد والكلب، ولا ما لا ينتفع به مع بقائه دائماً كالأثمار (١) والمطعوم والرياحين.
الثاني: أن يكون على بر كالمساكين والمساجد والقناطر والأقارب مسلمين كانوا أو من أهل الذمة، ولا يصح على الكنائس وبيوت النار
стр. 235
وكتابة التوراة والإِنجيل، ولا على حربي ولا مرتد، ولا يصح على نفسه في إِحدى الروايتين.
وإِن وقف على غيره واستثنى الأكل منه مدة حياته صح (١).
الثالث: أن يقف على معين يملك، ولا يصح على مجهول كرجل ومسجد، ولا على حيوان لا يملك كالعبد والحَمْل والملك والبهيمة.
الرابع: أن يقف ناجزاً فإِن علقه على شرط لم يصح إِلا أن يقول: هو وقف بعد موتي فيصح في قول الخرقي، وقال أبو الخطاب لا يصح.
فصل
ولا يشترط القبول إِلا أن يكون على آدمي ومعين ففيه وجهان:
أحدهما: يشترط ذلك فإِن لم يقبله أورده بطل في حقه دون من بعده وكان كما لو وقف على من لا يجوز ثم على من يجوز يصرف في الحال إِلى من بعده.
وفيه وجه آخر أنه إِن كان من لا يجوز يعرف انقراضه كرجل معين صرف إِلى مصرف الوقف المنقطع إِلى أن ينقرض ثم يصرف إِلى من بعده، وإِن وقف على جهة تنقطع ولم يذكر له مالاً، أو على من يجوز، ثم على من لا يجوز أو قال: وقفت وسكت، انصرف بعد انقراض من يجوز الوقف عليه إِلى ورثة الواقف وقفا عليهم في إِحدى الروايتين، والأخرى إِلى أقرب عصبته، وهل يختص به فقراؤهم؟ على وجهين. وقال القاضي في موضع يكون وقفاً على المساكين، وإِن قال وقفته سنة لم يصح،
стр. 236
ويحتمل أن يصح ويصرف بعدها مصرف المنقطع. ولا يشترط إِخراج الوقف عن يده في إِحدى الروايتين.
فصل
ويملك الموقوف عليه الوقف. وعنه لا يملكه ويملك صوفه ولبنه وثمرته ونفعه. وليس له وطء الجارية فإِن فعل فلا حد عليه ولا مهر، وإِن أتت بولد فهو حر وعليه قيمته يشتري بها ما يقوم مقامه وتصير أم ولده تعتق بموته وتجب قيمتها في تركته ويشتري بها مثلها تكون وقفاً.
وإِن وطئها أجنبي بشبهة فأتت بولد فالولد (١) حر وعليه المهر لأهل الوقف وقيمة الولد، وإِن تلفت فعليه قيمتها يشتري بها مثلهما، ويحتمل أن يملك قيمة الولد ههنا ولا يلزمه قيمته إِن أولدها.
وله تزويج الجارية وأخذ مهرها، وولدها وقف معها ويحتمل أن يملكه.
وإِن جنى الوقف خطأ فالأرْش على الموقوف عليه ويحتمل أن يكون في كسبه. وإِذا وقف على ثلاثة، ثم على المساكين، فمن مات منهم رجع نصيبه إِلى الآخرين.
فصل
ويرجع إِلى شرط الواقف في قَسْمِهِ على الموقوف عليه، وفي التقديم والتأخير، والجمع والترتيب، والتسوية والتفضيل، وإِخراج من شاء بصفة وإِدخاله بصفة، وفي الناظر فيه، والإِنفاق عليه، وسائر أحواله، فإِن لم يشترط ناظراً فالنظر للموقوف عليه وقيل للحاكم، وينفق عليه من
стр. 237
غلته وإِن وقف على ولده ثم على المساكين فهو لولده الذكور والإِناث بالسَّوِيَّةِ ولا يدخل فيه ولد البنات. وهل يدخل فيه ولد البنين؟ على روايتين. وإِن وقف على عقبه أو ولد ولده أو ذريته دخل فيه ولد البنين، ونقل عنه لا يدخل فيه ولد البنات، ونقل عنه في الوصية يدخلون فيه، وذهب إِليه بعض أصحابنا وهذا مثله. وقال أبو بكر وابن حامد رحمهما الله تعالى: يدخلون في الوقف إِلا أن يقول على ولد ولدي لصلبي فلا يدخلون، وإِن وقف على بنيه أو بني فلان فهو للذكور خاصة إِلا أن يكونوا قبيلة فيدخل فيه النساء دون أولادهن من غيرهم.
وإِن وقف على قرابته أو قرابة فلان فهو للذكر والأنثى من أولاده وأولاد أبيه وجد أبيه لأن النبي ﷺ لم يُجاوز بسهم ذوي القربى بني هاشم (١). وعنه إِن كان يصل قرابته من قِبَل أمهُ في حياته صُرف إِليهم وإِلا فلا، وأهل بيته بمنزلة قرابته، وقال الخرقي: يعطى من قبل أبيه وأمه، وقومه ونسباؤه كقرابته.
والعترة هم العشيرة.
وذوو رحمه كل قرابة له من جهة الآباء والأمهات.
والأيامى والعُزَّاب من لا زوج له من الرجال والنساء، ويحتمل أن يختص الأيامى بالنساء والعُزَّاب بالرجال.
فأما الأرامل فهن النساء اللاتي فارقهن أزواجهن، وقيل هو للرجال والنساء.
وإِن وقف على أهل قريته أو قرابته لم يدخل فيهم من يخالف دينه، وفيه وجه آخر أن المسلم يدخل وإِن كان الواقف كافراً.
стр. 238
وإِن وقف على مواليه وله موالٍ من فوق ومن أسفلَ تناول جميعهم، وقال ابن حامد: يختص الموالي من فوق، وإِذا وقف على جماعة يمكن حصرهم واستيعابهم وجب تعميمهم والتسوية بينهم وَإلاَّ جَازَ تفضيل بعضهم على بعض والاقتصار على واحد منهم ويحتمل أن لا يجزئه أقل من ثلاثة، [فإِن كانوا من أهل الزكاة (١)] لم يدفع إِلى واحد منهم أكثر من القدر الذي يدفع إِليه من الزكاة [إِذا كان الوقف على صنف من أصناف الزكاة (٢)] والوصية كالوقف في هذا الفصل.
فصل
والوقف عقد لازم لا يجوز فسخه بإِقالة ولا غيرها، ولا يجوز بيعه إِلا أن تتعطل منافعه فيباع ويصرف ثمنه في مثله. وكذلك الفرس الحبيس إِذا لم يصلح للغزو بيع واشتُرِيَ بثمنه ما يصلح للجهاد وكذلك المسجد إِذا لم ينتفع به في موضعه، وعنه لا تباع المساجد لكن تنقل آلتها إِلى مسجد آخر ويجوز بيع بعض آلته وصرفها في عمارتها، وما فضل من حصره وزيته جاز صرفه إِلى مسجد آخر والصدقة به على فقراء المسلمين.
ولا يجوز غرس شجرة في المسجد، فإِن كانت مغروسة فيه جاز الأكل منها، قال أبو الخطاب ﵀ إِذا لم يكن بالمسجد حاجة إِلى ثمنها، فإِن احتاج صرف ذلك في عمارته.
стр. 239
باب الهبة والعطية
وهي تمليك في حياته بغير عوض، فإِن شرط فيها عوضاً معلوماً صارت بيعاً، وعنه يغلب فيها حكم الهبة. وإِن شرط ثواباً مجهولاً لم يصح.
وعنه أنه قال يرضيه بشيء. فعلى هذا إِن لم يرض فله الرجوع فيها أو في عوضها إِن كانت تالفة.
وتحصل الهبة بما يتعارفه الناس هبة من الإِيجاب والقبول والمعاطاة المقترنة بما يدل عليها، وتلزم بالقبض، وعنه تلزم في غير المكيل والموزون بمجرد الهبة. ولا يصح القبض إِلا بإذن الواهب إِلا ما كان في يد المتهب فيكفي مضي زمن يتأتى قبضه فيه (١)، وعنه لايصح حتى (٢) يأذن في القبض. وإِن مات الواهب قام وارثه مقامه في الإِذن والرجوع.
وإِن أبرأ (٣) الغريم غريمه من دينه أو وهبه له، أو أحله منه، برئت ذمته وإِن رد ذلك ولم يقبله.
وتصح هبة المشاع وكل ما يجوز بيعه، ولا تصح هبة المجهول ولا
ما لا يقدر على تسليمه. ولا يجوز تعليقها على شرط، ولا شرط ما ينافي
стр. 240
مقتضاها نحو أن لا يبيعها ولا يهبها، ولا توقيتها كقوله وهبتك هذا سنة إِلا في العُمْرِي وهو أن يقول أعمرتك هذه الدار أو أرقبتكها أو جعلتها لك عمرك أو حياتك فإِنه يصح وتكون للمعمر ولورثته من بعده. وإِن شرط رجوعها إِلى المعمر عند موته أو قال هي لآخرنا موتاً صح الشرط، وعنه لا يصح وتكون للمعمر ولورثته.
فصل
والمشروع في عطية الأولاد القسمة بينهم على قدر ميراثهم فإِن خص بعضهم أو فضله فعليه التسوية بالرجوع أو إِعطاء الآخر حتى يستووا، فإِن مات قبل ذلك ثبت للمعطى، وعنه لا يثبت وللباقين الرجوع اختاره أبو عبد الله بن بطة (١).
وإِن سوى بينهم في الوقف أو وقف ثلثه في مرضه على بعضهم جاز، نص عليه. وقياس المذهب أن لا يجوز.
ولا يجوز لواهب أن يرجع في هبته إِلا الأب، وعنه ليس له الرجوع، وعنه له الرجوع إِلا أن يتعلق به (٢) حق أو رغبة نحو أن يتزوج الولد أو يفلس، وإِن نقصت العين أو زادت زيادة منفصلة لم تمنع الرجوع والزيادة للابن ويحتمل أنها للأب، وهل تمنع المتصلة الرجوع؟ على روايتين.
وإِن باعه المتهب ثم رجع إِليه بفسخ أو إِقالة فهل له الرجوع؟ على وجهين. وإِن رجع إِليه ببيع أو هبة لم يملك الرجوع، وإِن وهبه المتهب
стр. 241
لابنه لم يملك أبوه الرجوع إِلا أن يرجع هو، وإِن كاتَبَهُ أو رهنه لم يملك الرجوع إِلا أن ينفك الرهن وتنفسخ الكتابة.
وعن أحمد رحمه الله تعالى في المرأة تهب زوجها مهرها إِن كان سألها ذلك، رده إِليها رضيت أو كرهت، لأنها لا تهب له إِلا مخافة غضبه أو إِضرار بها بأن يتزوج عليها.
فصل
وللأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء ويتملكه مع حاجته وعدمها في صغر الابن وكبره إِذا لم تتعلق حاجة الابن به، وإِن تصرف فيه قبل تملكه ببيع أو عتق أو إِبراء من دين لم يصح تصرفه، وإِن وطئ جارية ابنه فأحبلها صارت أم ولد له وولده حر لا تلزمه قيمته ولا مهر ولا حد، وفي التعزير وجهان. وليس للابن مطالبة أبيه بدين ولا قيمة متلف ولا أرْش جناية ولا غير ذلك، والهدية والصدقة نوعان من الهبة.
فصل في عطية المريض
أما المريض غير مرض الموت أو مرضاً غير مخوف: كالرمد، ووجع الضرس، والصداع ونحوه، فعطاياه كعطايا الصحيح سواء تصح في جميع ماله، وإِن كان مرض الموت المخوف: كالبرسام وذات الجنب، والرعاف الدائم، والقيام المتدارك، والفالج في ابتدائه والسل في انتهائه، وما قال عدلان من أهل الطب إِنه مخوف، فعطاياه كالوصية في أنها لا تجوز لوارث ولا تجوز لأجنبي بزيادة على الثلث إِلا بإِجازة الورثة، مثل الهبة والعتق والكتابة والمحاباة.
فأما الأمراض الممتدة كالسل والجذام والفالج في دوامه: فإِن صار
стр. 242
صاحبها صاحب فراش فهي مخوفة وإِلا فلا، وقال أبو بكر فيه وجه آخر أن عطيته من الثلث.
ومن كان بين الصفين عند التحام الحرب أو في لجة البحر عند هيجانه، أو وقع الطاعون ببلده، أو قُدِّم ليقتص منه، أو الحامل عند المخاض فهو كالمريض، قال الخرقي: وكذلك الحامل إِذا صار لها ستة أشهر، وقيل عن أحمد رحمه الله تعالى ما يدل على أن عطايا هؤلاء من المال كله.
وإِن عجز الثلث عن التبرعات المنجزة بدئ بالأول فالأول منها، فإِن تساوت قسم بين الجميع بالحصص، وعنه يقدم العتق.
وأما معاوضة المريض بثمن المثل فتصح من رأس المال وإِن كانت مع وارث، ويحتمل أن لا تصح لوارث، وإِن حابى وارثه فقال القاضي يبطل في قدر ما حاباه ويصح فيما عداه، وللمشتري الخيار، لأن الصفقة تبعضت في حقه، فإِن كان له شفيع فله أخذه فإِن أخذه فلا خيار للمشتري، وإِن باع المريض أجنبياً، وحاباه (١) وكان شفيعه وارثاً فله الأخذ بالشفعة لأن المحاباة لغيره، ويعتبر الثلث عند الموت، فلو أعتق عبداً لا يملك غيره ثم ملك ما لا يخرج من ثلثه تبين أنه عتق كله، وإِن صار عليه دين يستغرقه لم يعتق منه شيء.
فصل
وتفارق العطية الوصية في أربعة أشياء:
أحدها: أنه يبدأ بالأول فالأول منها، والوصايا يسوَّى بين المتقدم والمتأخر منها.
والثاني: أنه لا يملك الرجوع في العطية بخلاف الوصية.
стр. 243
الثالث: أنه يعتبر قبوله للعطية عند وجودها والوصية بخلافه.
الرابع: أن المُلْك يثبت في العطية من حينها ويكون مراعى، فإِذا خرج من الثلث عند الموت تبين أن الملك كان ثابتاً من حينه، فلو أعتق في مرضه عبداً أو وهبه لإِنسان ثم كسب في حياة سيده شيئاً ثم مات سيده فخرج من الثلث كان كسبه له إِن كان معتقاً وللموهوب له إِن كان موهوباً، وإِن خرج بعضه فلهما من كسبه بقدر ذلك، فلو أعتق عبداً لا مال له سِوَاهُ فكسب مثل قيمته قبل موت سيده فقد عتق منه شيء، وله من كسبه شيء، ولورثة سيده شيئان، فصار العبد وكسبه نصفين يعتق منه نصفه وله نصف كسبه ولورثته نصفهما، وإِن كسب مِثْلَيْ قيمته صار له شيئان، وعتق منه شيء، وللورثة شيئان، فيعتق ثلاثة أخماسه، وله ثلاثة أخماس كسبه والباقي للورثة، وإِن كسب نصف قيمته عتق منه شيء وله نصف شيء من كسبه وللورثة شيئان فيعتق منه ثلاثة أسباعه وله ثلاثة أسباع كسبه والباقي للورثة، وإِن كان موهوباً لإِنسان فله من العبد بقدر ما عتق منه وبقدره من كسبه.
وإِن أعتق جارية ثم وطئها وَمَهْرُ مثلها نصف قيمتها فهو كما لو كسبت نصف قيمتها، يعتق منها ثلاثة أسباعها، ولو وهبها مريضاً آخر لا مال (١) له أيضاً فوهبها الثاني للأول وصحت هبة الأول في شيء وعاد إِليه بالهبة الثانية ثلثه بقي لورثة الآخر ثلثا شيء، وللأول شيئان فلهم ثلاثة أرباعها ولورثة الثاني ربعها.
وإِن باع مريض قفيزاً لا يملك غيره يساوي ثلاثين بقفيز يساوي عشرة فاسقط قيمة الرديء من قيمة الجيد، ثم انسبْ الثلث إِلى الباقي وهو عشرة من عشرين، تجده نصفها، فيصح البيع في نصف الجيد، بنصف الرديء، ويبطل فيما بقي.
стр. 244
وإِن أصدق امرأة عشرة لا مال له غيرها وصداق مثلها خمسة فماتت قبله ثم مات فلها بالصداق خمسة وشيء بالمحاباة رجع إِليه نصف ذلك بموتها صار له سبعة ونصف إِلا نصف شيء يعدل شيئين، اجبرها بنصف شيء، وقابل يخرج الشيء ثلاثة، فلورثته ستة ولورثتها أربعة، وإِن مات قبلها ورثته وسقطت المحاباة نص عليه، وعنه تعتبر المحاباة من الثلث؛ وقال أبو بكر: هذا قول قديم رجع عنه.
فصل
ولو ملك ابن عمه فأقر في مرضه أنه أعتقه في صحته عتق ولم يرثه، ذكره أبو الخطاب لأنه لو ورثه كان إِقرارُه لوارث وكذلك على قياسه لو اشترى ذا رحمه المحرم في مرضه، وهو وارثه أو وصّى له به، أو وهب له فقبله في مرضه. وقال القاضي يعتق ويرث.
ولو أعتق أمته وتزوجها في مرضه لم ترثه على قياس الأول، وقال القاضي: ترثه. ولو أعتقها وقيمتها مئة ثم تزوجها وأصدقها مئتين لا مال له سواهما، وهي مهر مثلها، ثم مات، صح العتق، ولم تستحق الصداق لئلا يفضي إِلى بطلان عتقها ثم يبطل صداقها.
وقال القاضي تستحق المئتين.
ولو تبرع بثلث ماله ثم اشترى أباه من الثلثين فقال القاضي يصح الشراء ولا يعتق، فإِذا مات عتق على الورثة إِن كانوا ممن يعتق عليهم، ولا يرث لأنه لم يعتق في حياته.
* * *
стр. 245
كتاب الوَصَايا
وهي الأمر بالتصرف بعد الموت. والوصية بالمال هي التبرع به بعد الموت. وتصح من البالغ الرشيد عدلاً كان أو فاسقاً، رجلاً أو امرأة، مسلماً أو كافراً ومن السفيه في أصح الوجهين، ومن الصبي العاقل إِذا جاوز العشر، ولا تصح ممن له دون السبع وفيما بينهما (١) روايتان، ولا تصح من غير عاقل كالطفل والمجنون والمبرسم وفي السكران وجهان، وتصح وصية الأخرس بالإِشارة، ولا تصح وصية ممن (٢) اعتقل لسانه بها، ويحتمل أن تصح.
وإِن وجدت وصية بخطه صحت ويحتمل أن لا تصح حتى يشهد عليها.
فصل
والوصية مستحبة لمن ترك خيراً وهو المال الكثير بخمس ماله، ويكره لغيره إِن كان له ورثة، فأما من لاَ وَارِثَ له فتجوز وصيته بجميع ماله، وعنه لا يجوز إِلا الثلث. ولا تجوز لمن له وارث (٣) بزيادة على الثلث لأجنبي، ولا لوارثه بشيء إِلا بإِجازة الورثة (٤)، إِلا أن يوصى لكل وارث
стр. 246
بمعين بقدر ميراثه فهل يصح؟ على وجهين. وإِن لم يف الثلث بالوصايا تحاصوا فيه وأدخل النقص على كل واحد بقدر وصيته، وعنه يقدم العتق.
وإِن أجاز الورثة الوصية جازت، وإِجازتهم تنفيذ في الصحيح من المذهب، لا تفتقر إِلى (١) شروط الهبة، ولا تثبت أحكامها فيها، فلو كان المجيز أباً للمجاز له لم يكن له الرجوع فيه، ولو كان المجاز عتقاً كان الولاء للموصي يختص به عصبته، ولو كان وقفاً على المجيزين صح، وعنه ما يدل على أن الإِجازة هبة فتنعكس هذه الأحكام، ومن أُوصِيَ له وهو في الظاهر وارث فصار عند الموت غير وارث صحت الوصية له، وإِن أوصي له وهو غير وارث فصار وارثاً بطلت لأن اعتبار الوصية بالموت، ولا تصح إِجازتهم وردهم إِلا بعد موت الموصي وما قَبْلَ ذلك لا عبرة به، ومن أجاز الوصية ثم قال إِنما أجزت لأنني ظننت المال قليلاً فالقول قوله مع يمينه وله الرجوع بما زاد على ما ظنه في أظهر الوجهين إِلا أن يقوم عليه بينة، وإِن كان المجاز عيناً فقال ظننت باقي المال كثيراً لم يقبل قوله في أظهر الوجهين.
ولا يثبت الملك للمُوصى له إِلا بالقبول بعد الموت، فأما قبوله ورده قبل الموت فلا عبرة به، فإِن مات المُوصى له قبل موت الموصي بطلت الوصية، وإِن ردها بعد موته بطلت أيضاً، وإِن مات بعده وقبل الرد والقبول قام وارثه مقامه، ذكره الخرقي، وقال القاضي: تبطل الوصية على قياس قوله، وإِن قبلها بعد الموت ثبت الملك حين القبول في الصحيح، فما حدث قبله من نماء منفصل فهو للورثة، وإِن كان متصلاً تبعها.
وإِن كانت الوصية بأمة فوطئها الوارث قبل القبول وأولدها صارت أم
стр. 247
ولد له ولا مهر عليه وولده حرّ لا تلزمه قيمته وعليه قيمتها لِلْمُوصى له (١)، وإِن وصَّى له بزوجته فأولدها قبل القبول لم تصر أم ولد له وولده رقيق، ومن أوصى له بأبيه فمات قبل القبول فقبل ابنه عتق المُوصى به حينئذ ولم يرث شيئاً، ويحتمل أن يثبت الملك من حين الموت فتنعكس هذه الأحكام.
فصل
ويجوز الرجوع في الوصية، فإِذا قال قد رجعت في وصيتي أو أبطلتها ونحو ذلك بطلت، وإِن قال في المُوصى به هذا لورثتي، أو ما أوصيت به لفلان فهو لفلان كان رجوعاً، وإِن وصى به لآخر ولم يقبل ذلك فهو بينهما، وإِن باعه أو وهبه أو رهنه كان رجوعاً، وإِن كاتبه أو دبّره أو جحد الوصية فعلى وجهين، وإِن خلطه بغيره على وجه لا يتميز منه أو أزال اسمه فطحن الحنطة أو خبز الدقيق أو جعل الخبز فتيتاً أو نسج الغزل أو نجر الخشبة باباً ونحوه أو انهدمت الدار وزال اسمها فقال القاضي هو رجوع، وذكر أبو الخطاب فيه وجهين.
وإِن وصى له بقفيز من صبرة ثم خلط الصبرة بأخرى لم يكن رجوعاً.
وإِن زاد في الدار عمارة أو انهدم بعضها فهل يستحقه الموصى له؟ على وجهين.
وإِن وصى لرجل ثم قال إِن قدم فلان فهو له فقدم في حياة الموصي فهو له، وإِن قدم بعد موته فهو للأول في أحد الوجهين وفي الآخر هو للقادم.
стр. 248
فصل
وتخرج الواجبات من رأس المال أوصى بها أو لم يوص بها، فإِن وَصَّى معها بتبرع اعتبر الثلث من الباقي، وإِن قال أخرجوا الواجب من ثلثي فقال القاضي يبدأ به فإِن فضل من الثلث شيء فهو لصاحب التبرع وإِلا بطلت وصيته، وقال أبو الخطاب يزاحم به أصحاب الوصايا، فيحتمل على هذا أن يقسم الثلث بينهما أو يتمم الواجب من رأس المال فيدخله الدور، فلو كان المال ثلاثين، والواجب عشرة، والوصية عشرة، جُعِلت تتمة الواجب شيئاً، يكن (١) الثلث عشرة إِلا ثلث شيء بينهما للواجب خمسة إِلا سدس شيء يضم إِليه شيئاً يكن (٢) عشرة فتجبر الخمسة بسدس شيء من الشيء يبقى خمسة أسداس شيء يعدل خمسة فالشيء ستة ويحصل للوصي الآخر أربعة.
باب الموصى له
تصح الوصية لكل من يصح تمليكه من مسلم وذمي ومرتد وحربي، وقال ابن أبي موسى: لا تصح لمرتد وتصح لمكاتبه ومدبره وأم ولده وتصح لعبد غيره، فإِذا قبلها فهي لسيده، وتصح لعبده بمشاع كثلثه، فإِذا وصى له بثلثه عُتِقَ وأخذ فاضل الثلث وإِن لم يخرج من الثلث عتق منه بقدر الثلث، وإِن وصى له بمعين أو بمائة لم يصح، وحكى عنه أنه يصح.
وتصح للحمل إِذا علم أنه كان موجوداً حين الوصية بأن تضعه لأقل من ستة أشهر إِن كانت ذات زوج أو سيد يطأها، أو لأقل من أربع سنين إِن لم يكن كذلك في أحد الوجهين، وإِن وصى لمن تحمل هذه المرأة لم يصح (٣)، وإِن قتل الوصي الموصي بطلت وصيته وإِن جرحه ثم أوصى له
стр. 249
فمات من الجرح لم تبطل الوصية في ظاهر كلامه، وقال أصحابنا في الوصية للقاتل روايتان.
وإِن وصى لصنف من أصناف الزكاة أو لجميع الأصناف صح، ويعطى كل واحد منهم القدر الذي يُعْطَاهُ من الزكاة، فإِن وصى لِكَتْبِ القرآن أو العلم أو لمسجد أو لفرس حبيس ينفق عليه (١) صح، وإِن مات الفرس رد الموصى به أو باقيه إِلى الورثة.
وإِن وصى في أبواب البر صرف في القُرَب، وقيل عنه يصرف في أربع جهات: في أقاربه، والمساكين، والحج، والجهاد، وعنه في فداء الأسرى مكان الحج.
وإِن وصى أن يحج عنه بألف صرف في حجة بعد أخرى حتى ينفد ويدفع إِلى كل واحد قدر ما يحج به، وإِن قال حجوا عني حجة بألف دفع الكل إِلى من يحج به، فإِن عيَّنه في الوصية فقال يحج عني فلان بألف فأبى الحج وقال اصرفوا لي الفضل لم يعطه وبطلت الوصية في حقه.
وإِن وصَّى لأهل سِكَّتِهِ فهو لأهل دَرْبِهِ، وإِن وصَّى لجيرانه تناول أربعين داراً من كل جانب، وقال أبو بكر مستدار أربعين داراً.
وإِن وصى لأقرب قرابته وله أب وابن فهما سواء، والأخ والجد سواء، ويحتمل تقديم الابن على الأب والأخ على الجد والأخ من الأب والأخ من الأم سواء والأخ من الأبوين أحق منهما.
فصل
ولا تصح الوصية لكنيسة، ولا لبيت نار، ولا لِكْتَبِ التوراة والإِنجيل، ولا لملك، ولا لميت ولا بهيمة، وإِن وَصَّى لحي وميت يعلم
стр. 250
موته فالكل للحي ويحتمل أن لا يكون له إِلا النِّصف فإِن لم يعلم فللحي نصف المُوصى به.
وإِن وصى لوارثه وأجنبي بثلث ماله فرد الورثة فللأجنبي السدس، وإِن وصى لهما بثلثي ماله فكذلك عند القاضي، وعند أبي الخطاب له الثلث كله، وإِن وصى بماله لابنيه وأجنبي فردا وصيته فله التسع عند القاضي وعند أبي الخطاب له الثلث، وإِن وصى لزيد وللفقراء والمساكين بثلثه فلزيد التسع.
باب الموصى به
تصح الوصية بما لا يقدر على تسليمه: كالآبق، والشارد، والطير في الهواء، والحمل في البطن، واللبن في الضرع، وبالمعدوم: كالذي تحمل أمته، أو شجرته أبداً أو في مدة معينة، فإِن حصل منه شيء فهو له وإِلا بطلت الوصية.
وإِن وصى له بمائة لا يملكها صح، فإِن قدر عليها عند الموت أو على شيء منها وإِلا بطنت الوصية (١).
وتصح بما فيه نفع مباح من غير المال كالكلب والزيت النجس، فإِن لم يكن للموصى مال فللمُوصى له ثلث ذلك وإِن كان له مال فجميع ذلك للموصى له وإِن قل المال في أحد الوجهين، وفي الآخر له ثلثه، وإِن لم يكن له كلب لم تصح الوصية به.
ولا تصح الوصية بما لا نفع فيه كالخمر والميتة ونحوهما.
وتصح الوصية بالمجهول كعبد وشاة، ويُعْطى ما يقع عليه الاسم، فإِن اختلف الاسم بالحقيقة والعرف كالشاة [في العرف للأنثى (٢)]، والبعير