كتاب الأَيمان
واليمين التي تجب بها الكفارة هي اليمين بالله تعالى أو صفة من صفاته.
وأسماء الله تعالى قسمان:
أحدهما ما لا يسمى به غيره نحو: والله والقديم الأزلي، والأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء وخالق الخلق، ورازق العالمين، فهذا القسم به يمين بكل حال.
والثاني ما يسمى به غيره وإِطلاقه ينصرف إِلى الله سبحانه: كالرحمن والرحيم والعظيم والقادر والرب والمولى والرزاق (١) ونحوه، فهذا إِن نوى بالقسم به اسم الله أو أطلق فهو يمين، وإِن نوى غيره فليس بيمين.
وأما ما لا يعد من أسمائه كالشيء والموجود فإِن لم ينو به الله تعالى لم يكن يميناً، وإِن نواه كان يميناً وقال القاضي (٢): لا يكون (٣) يميناً أيضاً.
وإِن قال وحق الله، وعهد الله، وايم الله، وأمانة الله، وميثاقه،
стр. 457
وقدرته، وعظمته، وكبريائه، وجلاله، وعزته، ونحو ذلك فهو يمين، وإِن قال والعهد والميثاق وسائر ذلك ولم يضفه إِلى الله تعالى لم يكن يميناً إِلا أن ينوي به صفة الله تعالئ، وعنه يكون يميناً.
وإِن قال لعمر الله كان يميناً، وقال أبو بكر: لا يكون يميناً إِلا أن ينوي.
وإِن حلف بكلام الله أو بالمصحف أو بالقرآن فهو يمين فيها كفارة واحدة وعنه، عليه بكل آية كفارة.
وإِن قال أحلف بالله أو أشهد بالله، أو أقسم بالله، أو أعزم بالله، كان يميناً، وإِن لم يذكر اسم الله لم يكن يميناً إِلا أن ينوي، وعنه يكون يميناً.
فصل
وحروف القسم: الباء والواو والتاء في اسم الله تعالى خاصة، ويجوز القسم بغير حرف القسم فيقول: اللهَ لأفعلن بالجر والنصب: فإِن قال: الله لأفعلن مرفوعاً كان يميناً إِلا أن يكون من أهل العربية ولا ينوي اليمين.
ويكره الحلف بغير الله تعالى ويحتمل أن يكون محرماً، ولا تجب الكفارة باليمين به، سواء أضافه إِلى الله تعالى مثل قوله: ومعلوم الله، وخلقه، ورزقه، وبيته، أو لم يضفه مثل: والكعبة، وأبي، قال أصحابنا تجب الكفارة بالحلف برسول الله ﷺ خاصة.
فصل
ويشترط لوجوب الكفارة ثلاثة شروط:
أحدها: أن تكون اليمين منعقدة، وهي التي يمكن فيها البر والحنث، وذلك الحلف على مستقبل ممكن، فأما اليمين على الماضي فليست منعقدة، وهي نوعان:
стр. 458
يمين الغموس، وهي التي يحلف بها عالماً بكذبه، وعنه فيها الكفارة، ومثلها الحلف على مستحيل كقتل الميت وإِحيائه وشرب ماء الكوز ولا ماء فيه.
الثاني لغو اليمين: وهي أن يحلف على شيء يظنه فيبين بخلافه فلا كفارة فيها.
فصل
الثاني (١): أن يحلف مختاراً: فإِن حلف مكرهاً لم تنعقد يمينه، وإِن سبقت اليمين على لسانه من غير قصد إِليها كقوله: لا والله، وبلى والله، في عرض حديثه فلا كفارة عليه.
فصل
الثالث (٢): الحنث في يمينه بأن يفعل ما حلف على تركه أو يترك ما حلف على فعله مختاراً ذاكراً، وإِن فعله مكرهاً أو ناسياً فلا كفارة عليه وعنه على الناسي كفارة. وإِن حلف فقال إِن شاء الله لم يحنث فعل أو ترك إِذا كان متصلًا باليمين، وإِذا حلف ليفعلن شيئاً ونوى وقتاً بعينه تقيد به وإِن لم ينو لم يحنث حتى ييئس من فعله إِما بتلف المحلوف عليه أو موت الحالف ونحو ذلك.
وإِذا حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها استحب له الحنث والتكفير.
стр. 459
ولا يستحب تكرار الحلف، وإِن دعي إِلى الحلف عند الحاكم وهو محق استحب له افتداء يمينه فإِن حلف فلا بأس.
فصل
وإِن حرَّم أمته أو شيئاً من الحلال لم يحرم وعليه كفارة يمين إِن فعله، ويحتمل إِن يحرم تحريماً تزيله الكفارة. وإِن قال هو يهودي، أو كافر، أو برئ من الله تعالى أو الإِسلام أو القرآن أو النبي ﵇ إِن فعل ذلك، فقد فعل محرماً وعليه كفارة إِن فعل في إِحدى الروايتين. وإِن قال: أنا أستحل الزنا أو نحوه فعلى وجهين، وإِن قال عصيت الله، أو أنا أعصي الله في كل ما أمرني به، أو محوت المصحف إِن فعلت كذا؛ فلا كفارة فيه، وإِن قال عبد فلان حر لأفعلن فليس بشيء، وعنه عليه كفارة إِن حنث.
وإِن قال: أيمان البيعة تلزمني فهي يمين رتبها الحجاج تشتمل على اليمين بالله تعالى والطلاق والعتاق وصدقة المال، فإِن كان الحالف يعرفها ونواها انعقدت يمينه بما فيها، وإِلا فلا شيء عليه، ويحتمل أن لا تنعقد بحال إِلا في الطلاق والعتاق، وإِن قال علي نذر أو يمين إِن فعلت كذا وفعله، فقال أصحابنا عليه كفارة يمين.
فصل
في كفارة اليمين
وهي تجمع تخييراً أو ترتيباً فيخير فيها بين ثلاثة أشياء:
إِطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة. والكسوة للرجل ثوب يجزئه أن يصلي فيه وللمرأة درع وخمار، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام
стр. 460
متتابعة إِن شاء قبل الحنث وإِن شاء بعده، ولا يجوز تقديمها على اليمين. ومن كرر أيماناً قبل التكفير فعليه كفارة واحدة، وعنه لكل يمين كفارة، والظاهر أنها إِن كانت على فعل واحد فكفارة واحدة، وإِن كانت على أفعال فعليه لكل يمين كفارة، وإِن كانت الأيمان مختلفة الكفارة: كالظهار واليمين بالله تعالى فلكل يمين كفارتها. وكفارة العبد الصيام وليس لسيده منعه منه. ومن نصفه حر فحكمه في الكفارة حكم الأحرار.
باب جامع الأيمان
ويرجع في الأيمان إِلى النية، فإِن لم يكن فيها نية رجع إِلى سبب اليمين وما هيَّجها: فإِذا حلف لَيَقْضِيَنَّه حقه غداً فقضاه قبله لم يحنث إِذا قصد أن لا يتجاوزه أو كان السبب يقتضيه، وإِن حلف لا يبيع ثوبه إِلا بمائه فباعه بأكثر لم يحنث وإِن باعه بأقل حنث، وإِن حلف لا يدخل داراً ونوى اليوم لم يحنث بالدخول في غيره.
وإِن دعي إِلى غداء فحلف لا يتغدى اختصت يمينه به إِذا قصد، وإِن حلف لا يشرب له الماء من العطش يقصد قطع المِنَّةِ حنث بأكل خبزه واستعارة دابته وكل ما فيه المنة.
وإِن حلف لا يلبس ثوباً من غزلها يقصد قطع مِنَّتِها فباعه واشترى بثمنه ثوباً فلبسه حنث وكذلك إِن انتفع بثمنه.
وإِن حلف لا يأوي معها في دار يريد جفاءها ولم يكن لدار سبب هيج يمينه فأوى معها في غيرها حنث، وإِن حلف لعامل لا يخرج إِلا بإِذنه فعزل، أو على زوجته فطلقها، أو على عبده فأعتقه ونحوه، يريد ما دام كذلك انحلت يمينه، وإِن لم تكن له نية انحلت أيضاً، ذكره القاضي لأن الحال تصرف اليمين إِليه، وذكر في موضع آخر: أن السبب إِذا كان يقتضي التعميم عممناها به، وإِن اقتضى الخصوص مثل: من نذر
стр. 461
لا يدخل بلداً لظلم رآه فيه فزال الظلم فقال أحمد النذر يُوَفَّى به، والأول أولى لأن السبب يدل على إِرادته فصار كالمنوي سواء، وإِن حلف لا رأيت منكراً إِلا رفعته إِلى فلان القاضي فعزل انحلت يمينه إِن نوى ما دام قاضياً، وإِن لم ينو احتمل وجهين.
فصل
فإِن عدم ذلك رجع إِلى التعيين: فإِذا حلف لا يدخل دار فلان هذه فدخلها وقد صارت فضاءً أو حماماً، أو مسجداً، أو باعها فلان، أو لا لبِسْتُ هذا القميص فجعله سراويل أو رداء أو عمامة ولبسه، أو لا كلمت هذا الصبي فصار شيخاً، أو امرأة فلان، أو صديقة فلاناً، أو غلامه سعداً: فطلقت الزوجة، وزالت الصداقة، وعتق العبد فكلمهم، أو لا أكلت لحم هذا الحمل فصار كبشاً، أو لا أكلت هذا الرطب فصار تمراً أو دبساً أو خلًا، أو لا أكلت هذا اللبن فتغير وعمل منه شيء فأكله، حنث في ذلك كله ويحتمل أن لا يحنث.
فصل
فإِن عُدم ذلك رجعنا إِلى ما يتناوله الاسم. والأسماء تنقسم ثلاثة أقسام:
شرعية.
وحقيقية.
وعرفية.
فأما الشرعية: فهي أسماء لها موضوع في الشرع وموضوع في اللغة كالصلاة والصوم والزكاة والحج ونحوه، واليمين المطلقة تنصرف إِلى
стр. 462
الموضوع الشرعي وتتناول الصحيح منه؛ فإِذا حلف لا يبيع فباع بيعاً فاسداً، أو لا ينكح فنكح نكاحاً فاسداً لم يحنث إِلا أن يضيف اليمين إِلى شيء لا يتصور فيه الصحة مثل: أن يحلف لا يبيع الخمر أو الحر فيحنث بصورة البيع، وذكر القاضي فيمن قال لامرأته: إِن سرقت مني شيئاً وبعتنيه فأنت طالق ففعلت لم تطلق والأول أولى.
وإِن حلف لا يصوم لم يحنث حتى يصوم يوماً، وإِن حلف لا يصلي لم يحنث حتى يصلي ركعة، وقال القاضي إِن حلف لا صليت صلاة لم يحنث حتى يفرغ مما يقع عليه اسم الصلاة، وإِن حلف لا يصلي حنث بالتكبير.
وإِن حلف لا يهب زيداً شيئاً ولا يوصي له، ولا يتصدق عليه، ففعل ولم يقبل زيد حنث، وإِن حلف لا يتصدق عليه فوهبه لم يحنث، وإِن حلف لا يهبه فتصدق عليه حنث، وقال أبو الخطاب لا يحنث وإِن أعاره لم يحنث إِلا عند أبي الخطاب، وإِن وقف عليه حنث، وإِن وصّى له لم يحنث، وإِن باعه وحاباه حنث، ويحتمل أن لا يحنث.
فصل
القسم الثاني الأسماء الحقيقية: إِذا حلف لا يأكل اللحم فأكل الشحم أو المخ أو الكبد أو الطحال أو القلب أو الكرش أو المصران أو الإِلية والدماغ والقانصة لم يحنث، وإِن أكل المرق لم يحنث وقد قال أحمد: لا يعجبني، قال أبو الخطاب: هذا على سبيل الورع وإِن حلف لا يأكل الشحم فأكل شحم الظهر حنث، وإِن حلف لا يأكل لبناً فأكل زبداً أو سمناً أو كشكاً أو مصلاً أو جبناً لم يحنث، وإِن حلف على الزبد والسمن فأكل لبناً لم يحنث.
وإِن حلف على الفاكهة فأكل من ثمر الشجر كالجوز (١) واللوز والتمر
стр. 463
والرمان حنث، وإِن أكل البطيخ حنث، ويحتمل أن لا يحنث، ولا يحنث بأكل القثاء والخيار، وإِن حلف لا يأكل رطباً فأكل مذنباً حنث، وإِن أكل تمراً أو بُسْراً، أو حلف لا يأكل تمراً فأكل رطباً (١) أو دبساً أو ناطفاً لم يحنث، وإِن حلف لا يأكل أدماً حنث بأكل الشواء والبيض والجبن والملح والزيتون واللبن وسائر ما يصطبغ به، وفي التمر وجهان.
وإِن حلف لا يلبس شيئاً فلبس ثوباً أو درعاً أو جوشناً أو خفاً أو نعلاً حنث، وإِن حلف لا يلبس حلياً فلبس حلية ذهب أو فضة أو جوهر حنث، وإِن لبس عقيقاً أو سَبَجاً لم يحنث، وإِن لبس الدراهم والدنانير في مرسلة فعلى وجهين.
وإِن حلف لا يركب دابة فلان ولا يلبس ثوبه ولا يدخل داره فركب دابة عبده ولبس ثوبه ودخل داره أو فعل ذلك فيما استأجره فلان حنث. وإِن ركب دابة استعارها لم يحنث، وإِن حلف لا يركب دابة عبده فركب دابة جعلت برسمه حنث.
وإِن حلف لا يدخل داراً فدخل سطحها، حنث وإن دخل طاق الباب احتمل وجهين.
وإِن حلف لا يكلم إِنساناً حنث بكلام كل إِنسان، وِإن زجره فقال تنح أو اسكت حنث، وإِن حلف لا يبتديه بكلام فتكلما معاً حنث، وإِن حلف لا يكلمه حيناً فذلك ستة أشهر، نص عليه، وإِن قال زمناً أو دهراً أو بعيداً أو ملياً أو الزمان، رجع إِلى أقل ما يتناوله اللفظ، وإِن قال عمراً احتمل ذلك واحتمل (٢) أن يكون أربعين (٣) عاماً. وقال القاضي هذه الألفاظ
стр. 464
كلها مثل الحين إِلا بعيداً وملياً فإِنه على أكثر من شهر، وإِن قال الأبد والدهر فذلك على الزمان كله.
والحُقْبُ ثمانون سنة، والشهور اثنا عشر شهراً عند القاضي، وعند أبي الخطاب ثلاثة كالأشهر والأيام ثلاثة، وإِن حلف لا يدخل باب هذه الدار فحول فدخله حنث، وإِن حلف لا يكلمه إِلى حين الحصاد انتهت يمينه بأوله، ويحتمل أن يتناول جميع مدته، وإِن حلف لا مال له، وله مال غير زكوي، أو دين على الناس حنث، وإِذا حلف لا يفعل شيئاً فوكل من يفعله حنث إِلا أن ينوي.
فصل
فأما الأسماء العرفية: فهي أسماء اشتهر مجازها حتى غلب على الحقيقة: كالرواية والظعينة والدابة والغائط والعذرة ونحوها، فتتعلق اليمين بالعرف دون الحقيقة، وإِن حلف على وطء امرأة تعلقت يمينه بجماعها، وإِن حلف على وطء دار تعلقت بدخولها راكباً أو ماشياً أو حافياً أو منتعلاً.
وإِن حلف لا يشم الريحان فشم الورد والبنفسج والياسمين أو لا يشم الورد والبنفسج فشم دهنهما أو ماء الورد، فالقياس أنه لا يحنث، وقال بعض أصحابنا يحنث.
وإِن حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً حنث عند الخرقي. ولم يحنث عند ابن أبي موسى، وإِن حلف لا يأكل راساً ولا بيضاً حنث بأكل رؤوس الطيور والسمك وبيض السمك والجراد عند القاضي، وعند أبي الخطاب لا يحنث إِلا بأكل رأس جرت العادة بأكله منفرداً، أو بيض يزايل بائضه حال الحياة.
وإِن حلف لا يدخل بيتاً فدخل مسجداً أو حماماً أو بيت شَعْرِ أو أُدْمٍ، أو لا يركب فركب سفينة، حنث عند أصحابنا ويحتمل أن لا يحنث، وإِن
стр. 465
حلف لا يتكلم فقرأ أو سبح أو ذكر الله تعالى لم يحنث، وإِن دق عليه إِنسان فقال: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]. يقصد تنبيهه، لَمْ يحنث وإِن حلف لا يضرب امرأته فخنقها أو نتف شعرها أو عضها حنث، وإِن حلف ليضربنه مائة سوط فجمعها فضربه بها ضربة واحدة لم يبرَّ في يمينه.
فصل
وإِن حلف لا يأكل شيئاً فأكله مستهلكاً في غيره مثل: أن لا يأكل لبناً فأكل زبداً، أو لا يأكل سمناً فأكل خبيصاً فيه سمن لا يظهر طعمه، أو لا يأكل بيضاً فأكل ناطفاً، أو لا يأكل شحماً فأكل اللحم الأحمر، أو لا يأكل شعيراً فأكل حنطة فيها حبات شعير لم يحنث، وإِن ظهر طعم السمن أو طعم شيء من المحلوف عليه حنث، وقال الخرقي: يحنث بأكل اللحم الأحمر وحده، وقال غيره: يحنث بأكل حنطة فيها حبات شعير.
فصل
وإِن حلف لا يأكل سويقاً فشربه، أو لا يشربه فأكله، فقال الخرقي: يحنث، وقال أحمد فيمن حلف لا يشرب نبيذاً فثرد فيه وأكله لا يحنث، فيخرج في كل ما حلف لا يأكله فشربه أو لا يشربه فأكله وجهان، وقال القاضي: إِن عيَّن المحلوف عليه حنث، وإِن لم يعينه لم يحنث، وإِن حلف لا يطعمه حنث بأكله وشربه، وإِن ذاقه ولم يبتلعه لم يحنث، وإِن حلف لا يأكل مائعاً فأكله بالخبز حنث.
فصل
وإِن حلف لا يتزوج ولا يتطهر ولا يتطيب فاستدام ذلك لم يحنث، وِإن حلف لا يركب ولا يلبس فاستدام ذلك حنث، وإِن حلف لا يدخل
стр. 466
داراً هو داخلها فأقام فيها حنث عند القاضي، ولم يحنث عند أبي الخطاب، وإِن حلف لا يدخل على فلان بيتاً فدخل فلان عليه فأقام معه فعلى الوجهين، وإِن حلف لا يسكن داراً ولا يساكن فلاناً وهو مساكنه فلم يخرج في الحال حنث، إِلا أن يقيم لنقل متاعه أو يخشى على نفسه الخروج فيقيم إِلى أن يمكنه، فإِن خرج دون متاعه وأهله حنث إِلا أن يودع متاعه أو يعيره وتأبى امرأته الخروج معه ولا يمكنه إِكراهها فيخرج وحده فلا يحنث، وإِن حلف لا يساكن فلاناً فبنيا بينهما حائطاً وهما متساكنان حنث، وإِن كان في الدار حجرتان كل حجرة تختص ببنائها ومرافقها (١) فسكن كل واحد حجرة لم يحنث.
وإِن حلف ليخرجن من هذه البلدة فخرج وحده دون أهله بَرَّ، وإِن حلف ليخرجن من الدار فخرج دون أهله لم يبر، وإِن حلف ليخرجن من هذه البلدة (٢) أو ليرحلن عن هذه الدار ففعل، فهل له العود إِليها؟ على روايتين.
فصل
إِذا حلف لا يدخل داراً فحمل فأُدْخِلَها ويمكنه الامتناع فلم يمتنع، أو حلف لا يستخدم رَجُلاً فخدمه وهو ساكت، فقال القاضي: يحنث، ويحتمل أن لا يحنث.
وإِن حلف ليشربن الماء، أو ليضربن غلامه غداً، فتلف المحلوف عليه قبل الغد حنث عند الخرقي، ويحتمل أن لا يحنث، وإِن مات الحالف لم يحنث.
وإِن حلف ليقضينه حقه فأبرأه فهل يحنث؟ على وجهين. وإِن مات
стр. 467
المستحق فقضى ورثته لم يحنث، وقال القاضي: يحنث، وإِن باعه بحقه عَرَضاً لم يحنث عند ابن حامد، وحنث عند القاضي، وإِن حلف ليقضينه حقه عند رأس الهلال فقضاه عند غروب الشمس في أول الشهر برَّ.
وإِن حلف لا فارقته حتى أستوفي حقي فهرب منه حنث، نص عليه، وقال الخرقي لا يحنث، وإِن فَلَّسه الحاكم فحكم عليه بفراقه خرج على الروايتين، وإِن حلف لا افترقنا فهرب منه حنث (١)، وقدر الفراق ما عده الناس فراقاً، كفرقة البيع والله أعلم (٢).
باب النذر
وهو أن يُلْزِم نفسه لله تعالى شيئاً. ولا يصح إِلا من مكلف مسلماً كان أو كافراً، ولا يصح إِلا بالقول، فإِن نواه من غير قول لم يصح، ولا يصح في مُحالٍ ولا واجبٍ: فلو قال لله عليّ صوم أمس، أو صوم رمضان لم ينعقد.
والنذر المنعقد على خمسة أقسام:
أحدها النذر المطلق: وهو أن يقول: لله عليّ نذر. فيجب به كفارة يمين. الثاني نذر اللَّجاج والغضب: وهو ما يقصد به المنع من شيءٍ غَيْرَه (٣)، أو الحمل عليه، كقوله إِن كلمتك فلله علي الحج، أو صوم سنة، أو عتق عبدي، أو الصدقة بمالي [فهذا يمين يتخير بين فعله والتكفير (٤)].
стр. 468
الثالث نذر المباح كقوله: لله عليّ أن ألبس ثوبي، أو أركب دابتي، فهذا كاليمين يتخير بين فعله وبين كفارة اليمين، فإِن نذر مكروهاً كالطلاق استُحِبَّ أن يكفر ولا يفعله.
الرابع نذر المعصية: كشرب الخمر، وصوم يوم الحيض ويوم النحر، فلا يجوز الوفاء به ويكفر، إِلا أن ينذر نحر ولده ففيه روايتان: إِحداهما أنه كذلك. والثانية يلزمه ذبح كبش.
ويحتمل أن لا ينعقد النذر المباح ولا المعصية ولا يجب به كفارة، ولهذا قال أصحابنا لو نذر الصلاة أو الاعتكاف في مكان معين فله فعله في غيره ولا كفارة عليه. ولو نذر الصدقة بكل ماله فله الصدقة بثلثه ولا كفارة عليه، وإِن نذر الصدقة بألف لزمه جميعه وعنه يجزئه ثلثه.
فصل
الخامس نذر التبرر: كنذر الصلاة والصيام والصدقة والاعتكاف والحج والعمرة ونحوها من القُرَب. على وجه التقرُّب سواء نذره مطلقاً أو علقه بشرط يرجوه، فقال: إِن شفى الله مريضي، أو سلَّم الله مالي فلله علي كذا فمتى وجد شرطه انعقد نذره ولزمه فعله.
وإِن نذر صوم سنة لم يدخل في نذره رمضان ويوما العيدين، وفي أيام التشريق روايتان، وعنه ما يدل على أنه يقضي يومي العيدين وأيام التشريق، وإِذا نذر صوم يوم الخميس فوافق يوم عيد أو حيض، أفطر وقضى وكفر، وعنه يكفر من غير قضاء، ونُقل عنه ما يدل على أنه إِن صام يوم العيد صح صومه، وإِن وافق أيام التشريق فهل يصومه؟ على روايتين.
وإِذا نذر صوم يوم يَقْدُم فلان فقدم ليلاً فلا شيء عليه، وإِن قدم نهاراً فعنه ما يدل على أنه لا ينعقد نذره، ولا يلزمه إِلا إِتمام صيام ذلك اليوم إِن
стр. 469
لم يكن أفطر، وعنه أنه يقضي ويكفر سواء قدم وهو مفطر أو صائم، وإِن وافق قدومه يوماً من رمضان فقال الخرقي: يجزئه صيامه لرمضان ونذره، وقال غيره: عليه القضاء، وفي الكفارة روايتان.
وإِن وافق يوم نذره وهو مجنون فلا قضاء عليه ولا كفارة.
وإِن نذر صوم شهر معين فلم يصمه لغير عذر فعليه القضاء وكفارة يمين، وإِن لم يصمه لعذر فعليه القضاء، وفي الكفارة روايتان، وإِن صام قبله لم يجزئه، وإِن أفطر في بعضه لغير عذر لزمه استئنافه ويكفر، ويحتمل أن يتم باقيه ويقضي ويكفر.
وإِذا نذر صوم شهر لزمه التتابع، وإِن نذر صيام أيام معدودة لم يلزمه التتابع إِلا أن يشترطه.
وإِن نذر صياماً مُتتابعاً فأفطر لمرض أو حيض قضى لا غير، وإِن أفطر لغير عذر لزمه الاستئناف، وإِن أفطر لسفر أو ما يبيح الفطر فعلى وجهين.
وإِن نذر صياماً فعجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أطعم عنه لكل يوم مسكيناً، ويحتمل أن يكفر ولا شيء عليه.
وِإن نذر المشي إِلى بيت الله الحرام أو موضع من الحرم لم يجزئه إِلا أن يمشي في حج أو عمرة، فإِن ترك المشي لعجز أو غيره فعليه كفارة يمين، وعنه عليه دم، وإِن نذر الركوب فمشى ففيه الروايتان، وإِن نذر رقبة فهي التي تجزئ عن الواجب، إِلا أن ينوي رقبة بعينها، وإِن نذر الطواف على أربع طاف طوافين نص عليه (١).
* * *
стр. 470
كتاب القَضَاء
وهو فرض كفاية. قال أحمد رحمه الله تعالى: لا بُدَّ للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟ فيجب على الإِمام أن ينصب في كل إِقليم قاضياً، ويختار لذلك أفضل من يجد وأورعهم، ويأمرهم بتقوى الله، وإِيثار طاعته في سره وعلانيته، وتحري العدل، والاجتهاد في إِقامة الحق، وأن يستخلف في كل صقع أصلح من يقدر عليه لهم.
ويجب على من يصلح له إِذا طلب ولم يوجد غيره ممن يوثق به الدخول فيه، وعنه أنه سئل هل يأثم القاضي بالامتناع إِذا لم يوجد غيره [ممن يوثق به؟ (١)] قال: لا يأثم، وهذا يدل على أنه ليس بواجب، فإِن وجد غيره كُرِه له طلبه بغير خلاف في المذهب، وإِن طُلِبَ فالأفضل له أن لا يجيب إِليه في ظاهر كلام أحمد، وقال ابن حامد: الأفضل الإِجابة إِليه إِذا أَمِنَ نفسه.
ولا تثبت ولاية القضاء إِلا بتولية الإِمام أو نائبه، ومن شرط صحتها:
معرفة المولي كون المُوَلَّى على صفة تصلح للقضاء.
وتعيين (٢) ما يُوَلِّيه الحكم فيه من الأعمال والبلدان.
ومشافهته بالولاية أو مكاتبته (٣) بها.
стр. 471
وإِشهاد شاهدين على توليته.
وقال القاضي تثبت بالاستفاضة إِذا كان بلده قريباً تستفيض فيه أخبار بلد الإِمام، وهل تشترط عدالة المولى؟ على روايتين.
وألفاظ التولية الصريحة سبعة: وليتك الحكم. وقلدتك.
واستنبتك. واستخلفتك. ورددت إِليك. وفوضت إِليك. وجعلت لك الحكم.
فإِذا وُجد لفظ منها والقبول من المُوَلّى انعقدت الولاية.
والكناية نحو: اعتمدت عليك. أو عولت عليك (١). ووكلت إِليك. وأسندت إِليك الحكم.
فلا ينعقد بها حتى يقترن بها قرينة نحو: فاحكم، أو فتولَّ ما عَوَّلْتُ عليك فيه وما أشبهه.
فصل
وإِذا ثبتت الولاية وكانت عَامَّة استفاد بها النظر في عشرة أشياء:
فصل الخصوات، واستيفاء الحق ممن هو عليه ودفعه إِلى ربه.
والنظر في أموال اليتامى والمجانين والسفهاء.
والحجر (٢) على من يرى الحجر عليه لسفه أو فَلَس.
والنظر في الوقوف في عمله، بإِجرائها على شرط الواقف.
وتنفيذ الوصايا.
وتزويج النساء اللاتي لا ولي لهن.
стр. 472
وإِقامة الحدود.
وإقامة الجمعة.
والنظر في مصالح عمله بكف الأذى عن طريق المسلمين (١) وأفنيتهم.
وتصفح حال شهوده وأمنائه، والاستبدال بمن ثبت جرحه منهم.
فأما جباية الخراج وأخذ الصدقة فعلى وجهين. وَلَهُ طلب الرزق لنفسه وأمنائه وخلفائه (٢) مع الحاجة، فأما مع عدمها فعلى وجهين.
فصل
ويجوز أن يوليه عموم النظر في عموم العمل، ويجوز أن يوليه خاصاً في أحدهما أو فيهما: فيوليه عموم النظر في بلد أو محلة خاصة فينفذ قضاؤه في أهله ومن طرأ إِليه، ويجعل إِليه الحكم في المداينات خاصة، أو في قدر من المال لا يتجاوزه، أو يفوض إِليه عقود الأنكحة دون غيرها، ويجوز أن يولي قاضيين أو أكثر في بلد واحد: يجعل إِلى كل واحد منهما (٣) عملاً، فيجعل إِلى أحدهما الحكم بين الناس، وإِلى الآخر عقود الأنكحة دون غيرها (٤)، فإِن جعل إِليهما عملاً واحداً جاز. وعند القاضي (٥) لا يجوز.
وإِن مات المولِّي أو عُزِل المُوَلّى مع صلاحيته لم تبطل ولايته في أحد الوجهين، وتبطل في الآخر، وهل ينعزل قبل العلم بالعزل؟ على وجهين
стр. 473
بناءً على الوكيل، وإِذا قال المُوَلّي من نظر في الحكم في البلد الفلاني من فلان وفلان فهو خليفتي أو قد وليته لم تنعقد الولاية لمن ينظر، وإِن قال وليت فلاناً وفلاناً فمن نظر منهم فهو خليفتي انعقدت الولاية.
فصل
ويشترط في القاضي عشر صفات: أن يكون: بالغاً، عاقلاً، ذكراً، حراً، مسلماً، عدلاً، سميعاً، بصيراً، متكلماً، مجتهداً. وهل يشترط كونه كاتباً؟ على وجهين.
والمجتهد من يعرف من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵇: الحقيقة والمجاز، والأمر والنهي، والمجمل والمبين، والمحكم والمتشابه، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، والمستثنى والمستثنى منه.
ويعرف من السنة: صحيحها من سقيمها، وتواترها من آحادها، ومرسلها ومتصلها، ومسندها ومنقطعها، مما له تعلق بالأحكام خاصة.
ويعرف ما أُجْمِع عليه مما اختلف فيه، والقياس وحدوده وشروطه وكيفية استنباطه، والعربية المتداولة بالحجاز والشام والعراق وما يواليهم، وكل ذلك مذكور في أصول الفقه وفروعه، فمن وقف عليه ورزق فهمه صلح للقضاء والفتيا وبالله التوفيق.
فصل
وإِن تحاكم رجلان إِلى رجل يصلح للقضاء فَحَكَّماه بينهما فحكم، نفذ حُكْمه في المال، وينفذ في القصاص (١). والحد والنكاح واللعان في
стр. 474
ظاهر كلامه، ذكره أبو الخطاب، وقال القاضي: لا ينفذ إِلا في الأموال خاصة.
باب أدب القاضي
ينبغي أن يكون قوياً من غير عنف، ليناً من غير ضعف، حليماً ذا أناة وفطنة، بصيراً بأحكام الحُكَّامِ قبله.
وإِذا وُلِّي في غير بلده سأل عن من فيه من الفقهاء والفضلاء والعدول، وينفذ عند مسيره من يعلمهم يوم دخوله ليتلقوه، ويدخل البلد يوم الاثنين أو الخميس أو السبت لابساً أجمل ثيابه، فيأتي الجامع فيصلي فيه ركعتين ويجلس مستقبل القبلة، فإِذا اجتمع الناس أمر بعهده فقرئ عليهم، وأمر من ينادي من له حاجة فليحضر يوم كذا ثم يمضي إِلى منزله، وينفذ؛ فيتسلم ديوان الحكم من الذي كان قبله، ثم يخرج في اليوم الذي وعد بالجلوس فيه على أعدل أحواله: غير غضبان، ولا جائع، ولا شبعان، ولا حاقن، ولا مهموم بأمر يشغله عن الفهم، فيسلم على من يمر به، ثم يسلم على من في مجلسه، ويصلي تحية المسجد إِن كان في مسجد، ويجلس على بساط، ويستعين بالله ويتوكل عليه ويدعوه سراً أن يعصمه من الزلل ويوفقه للصواب ولما يرضيه من القول والعمل.
ويجعل مجلسه في مكان فسيح كالجامع والفضاء والدار الواسعة في وسط البلد إِن أمكن. ولا يتخذ حاجباً ولا بواباً إِلا في غير مجلس الحكم إِن شاء.
ويعرض القصص فيبدأ بالأول فالأول، ولا يقدم السابق في أكثر من حكومة واحدة، فإِن حضروا دفعة واحدة وتشاحوا قدم أحدهم بالقرعة.
стр. 475
ويعدل بين الخصمين في لحظه ولفظه ومجلسه والدخول عليه، إِلا أن يكون أحدهما كافراً فيقدم المسلم عليه في الدخول، ويرفعه في الجلوس وقيل يسوي بينهما، ولا يسار أحدهما، ولا يلقنه حجة، ولا يعلمه كيف يدعي في أحد الوجهين، وفي الآخر يجوز له تحرير الدعوى له إِذا لم يحسن تحريرها، وله أن يشفع إِلى خصمه ليُنْظِرَهُ أو ليضَعَ عنه أو يزن (١) عنه.
وينبغي أن يحضر مجلسه الفقهاء من كل مذهب إِن أمكن ويشاورهم فيما يشكل عليه، فإِن اتضح له حكم وإِلا أَخَّرَهُ، ولا يقلد غيره وإِن كان أعلم منه، ولا يقضي وهو غضبان ولا حاقن ولا في شدة الجوع والعطش والهم والوجع والنعاس والبرد المؤلم والحر المزعج، فإِن خالف وحكم فوافق الحق نفذ حكمه، وقال القاضي لا ينفذ، وقيل إِن عرض ذلك بعد فهم الحكم جاز وإِلا فلا.
ولا يحل له أن يرتشي، ولا يقبل الهدية إِلا ممن كان يهدي إِليه قبل ولايته بشرط أن لا يكون له حكومة.
ويكره أن يتولى البيع والشراء بنفسه ويستحب أن يوكل في ذلك من لا يُعْرف أنه وكيله.
ويستحب له عيادة المرضى وشهود الجنائز ما لم يشغله عن الحكم، وله حضور الولائم فإِن كثرت تركها كلها ولم يجب بعضهم دون بعض.
ويوصي الوكلاء والأعوان على بابه بالرفق بالخصوم، وقلة الطمع، ويجتهد أن يكونوا شيوخاً أو كهولاً من أهل الدين والعفة والصيانة.
ويتخذ كاتباً مسلماً مكلفاً عدلاً حافظاً عالماً يجلسه بحيث يشاهد ما يكتبه، ويجعل القمطر مختوماً بين يديه.
стр. 476
ويستحب أن لا يحكم إِلا بحضرة الشهود، ولا يحكم لنفسه، ولا لمن لا تقبل شهادته له، ويحكم بينهم بعض خلفائه وقال أبو بكر يجوز ذلك.
فصل
وأول ما ينظر فيه أمر المحبسين، فيبعث ثقة إِلى الحبس فيكتب اسم كل محبوس ومن حبسه وفيم حبسه في رقعة منفردة، ثم يُنادى في البلد أن القاضي ينظر في أمر المحبسين غداً فمن له منهم خصم فليحضر، فإِذا كان الغد وحضر القاضي أحضر رقعة فقال هذه رقعة فلان ابن فلان فمن خصمة؟ فإِن حضر خصمه نظر بينهما، وإِن كان حبس في تهمة أو افتئات على القاضي قبله خلى سبيله. وإِن لم يحضر له خصم وقال حبست ظلماً ولا حق علي ولا خصم لي نادى بذلك ثلاثاً فإِن حضر له خصم وإِلا أَحْلَفَه وخلّى سبيله.
ثم ينظر في أمر الأيتام والمجانين والوقوف. ثم في حال القاضي قبله: فإِن كان ممن يصلح للقضاء لم ينقض من أحكامه إِلا ما خالف نص كتاب أو سنة أو إِجماعاً، وإِن كان ممن لا يصلح نقض أحكامه وإِن وافقت الصحيح، ويحتمل أن لا ينقض الصواب منها.
وإِن استعداه أحد على خصم له أحضره وعنه لا يحضره حتى يعلم أن لما ادعى أصلاً. وإِن استعداه على القاضي قبله سأله عما يدعيه: فإِن قال لي عليه دين معاملة أو رشوة راسله، فإِن اعترف بذلك أمره بالخروج منه، وإِن أنكر وقال إِنما يريد تبذيلي فإِن عرف أن لما ادعاه أصلاً أحضره وإِلا فلا يحضره؟ على روايتين. وإِن قال حكم علي بشهادة فاسقين فأنكر فالقول قوله بغير يمين. وإِن قال الحاكم المعزول كنت حكمت في ولايتي لفلان على فلان بحق قُبِلَ قوله، ويحتمل أن لا يقبل قوله، وإِن ادعى على
стр. 477
امرأة غير برزة لم يحضرها وأمرها بالتوكيل وإِن وجبت عليها اليمين أرسل إِليها من يحلفها.
وإِذا ادعي على غائب عن البلد في موضع لا حاكم فيه كتب إِلى ثقات من أهل ذلك الموضع ليتوسطوا بينهما، فإِن لم يقبلوا قيل للخصم حقق ما تدعيه، ثم يحضره وإِن بعدت المسافة.
باب طريق الحكم وصفته
إِذا جلس إِليه خصمان فله أن يقول: من المدعي منكما، وله أن يسكت حتى يبتدئا، فإِن سبق أحدهما بالدعوى قدمه، وإِن ادعيا معاً قدم أحدهما بالقرعة فإِذا انقضت حكومته سمع دعوى الآخر، ثم يقول للخصم ما تقول فيما ادعاه، ويحتمل أن لا يملك سؤاله حتى يقول المدعي أسألُ سُؤَالَه عن ذلك، فإِن أقرَّ له لم يحكم حتى يطالبه المدعي بالحكم، وإِن أنكر مثل أن يقول المدعي: أقرضته ألفاً أو بعته. فيقول: ما أقرضني ولا باعني، أو ما يستحق علي ما ادعاه ولا شيئاً منه، أو لا حق له علي صح الجواب، وللمدعي أن يقول لي بينة، فإِن لم يقل قال الحاكم ألك بينة؟ فإِن قال: لي بينة، أمره بإِحضارها فإِن أحضرها سمعها الحاكم وحكم بها إِذا سأله المدعي.
ولا خلاف في أنه يجوز له الحكم بالإِقرار والبينة في مجلسه إِذا سمعه معه شاهدان، فإِن لم يسمعه معه أحد أو سمعه معه شاهد واحد فله الحكم، به نص عليه، وقال القاضي: لا يحكم به وليس له الحكم بعلمه مما رآه وسمعه، نص عليه. وهو اختيار الأصحاب. وعنه ما يدل على جواز ذلك سواء كان في حَدٍّ أو غيره.
وإِن قال المدعي مالي بينة فالقول قول المنكر مع يمينه، فيعلمه أن له اليمين على خصمه وإِن سأل إِحْلاَفه أحلفه وخلى سبيله وإِن أحلفه أو
стр. 478
حلف هو من غير سؤال المدعي يعتد بيمينه (١)، وإِن نكل قضى عليه بالنكول، نص عليه واختاره عامة شيوخنا، فيقول له: إِن حلفت وإِلا قضيت عليك ثلاثاً، فإِن لم يحلف قضى عليه إِذا سأل المدعي ذلك، وعند أبي الخطاب: تُرَدُّ اليمين على المدعي، وقال: قد صوبه أحمد. وقال: ما هو ببعيد يحلف ويأخذ، فيقال للناكل: لك رد اليمين على المدعي فإِن ردَّها حلف المدعي وحكم له، وإِن نكل أيضاً صرفهما، فإِن عاد أحدهما فبذل اليمين لم يسمعها في ذلك حتى يحتكما في مجلس آخر.
وإِن قال المدعي: لي بينة بعد قوله ما لي بيِّنة لم تُسْمَعْ، ذكره الخرقي، ويحتمل أن تسمع. وإِن قال ما أعلم لي بينة ثم قال قد علمت لي بينة سُمِعَتْ. وإِن قال شاهدان: نحن نشهد لك، فقال: هذان بينتي سُمِعَتْ، وإِن قال: ما أريد أن تشهدا لي لم يكلف إِقامة البينة، وإِن قال لي بينة وأريد يمينه فإِن كانت غائبة فله إِحلافه، وإِن كانت حاضرة فهل له ذلك؟ على وجهين. وإِن حلف المنكر ثم أحضر المدعي بينة حكم بها ولم تكن اليمين مزيلة للحق.
وإِن سكت المدعى عليه فلم يقر ولم ينكر قال له القاضي: إِن أجبت وإِلا جعلتك ناكلاً وقضيت عليك، وقيل يحبسه حتى يجيب، وإِن قال لي مخرج مما ادعاه لم يكن مجيباً، وإِن قال لي حساب أريد أن أنظر فيه (٢) لم يلزم المدعي إِنظاره، وإِن قال قد قضيته أو أبرأني ولي بينة بالقضاء أو الإِبراء وسأل الإِنظار أنظر ثلاثاً، وللمدعي ملازمته فإِن عجز حلف المدعي على نفي ما ادعاه واستحق، فإِن ادعى عليه عيناً في يده فأقر بها لغيره جعل
стр. 479
الخصم فيها وهل يحلف المدَّعى عليه؟ على وجهين. فإِن كان المقر له حاضراً مكلفاً سئل فإِن ادعاها لنفسه ولم تكن بينة حلف وأخذها، وإِن أقر بها للمدعي سلمت إِليه، وإِن قال ليست لي ولا أعلم لمن هي سلمت إلى المدعي في أحد الوجهين، وفي الآخر لا تسلم إِليه إِلا ببينة ويجعلها الحاكم عند أمين. وإِن أقر بها الغائب أو صبي أو مجنون سقطت عنه الدعوى. ثم إِن كان للمدعي بينة سلمت إِليه وهل يحلف؟ على وجهين. وإِن لم يكن له بينة حلف المُدَّعى عليه أنه لا يلزمه تسلميها إِليه، وأُقرت في يده إِلا أن يقيم بينة أنها لمن سمى فلا يحلف. وإِن أقر بها لمجهول قيل له إِما أن تعرفه أو نجعلك ناكلاً.
فصل
ولا تصح الدعوى إِلا محررة تحريراً يُعلَم بها المُدَّعى إِلا في الوصية والإِقرار فإِنها تجوز بالمجهول، فإِن كان المُدَّعى عيناً حاضرة عَيَّنها، وإِن كانت غائبة ذكر صفاتها إِن كانت تنضبط بها، والأولى ذكر قيمتها، وإِن كانت تالفة من ذوات الأمثال ذكر قدرها وجنسها وصفتها، وإِن ذكر قيمتها كان أولى، وإِن لم تنضبط بالصفات فلابد من ذكر قيمتها.
وإِن ادعى نكاحاً فلابد من ذكر المرأة بعينها إِن حضرت وإِلا ذكر اسمها ونسبها، وذكر شروط النكاح، وأنه تزوجها بولي مرشد وشاهدي عدل ورضاها في الصحيح من المذهب. وإِن ادعى بيعاً أو عقداً سواه فهل يشترط ذكر شروطه؟ يحتمل وجهين.
وإِن ادعت المرأة نكاحاً على رجل، وادعت معه نفقة أو مهراً سمعت دعواها، وإِن لم تَدَّع سوى النكاح فهل تسمع دعواها؟ على وجهين.
وإِن ادعى قتل موروثه ذكر القاتل، وأنه انفرد به أو شارك غيره، وأنه قتله عمداً أو خطأ أو شبه عمد. ويصفه، وإِن ادعى الإِرث ذكر سببه.
стр. 480
وإِن ادعى شيئاً محلى قوَّمه بغير جنس حليته: فإِن كان محلى بذهب وفضة قومه بما شاء منهما للحاجة.
فصل
ويعتبر في البينة العدالة ظاهراً وباطناً في اختيار أبي بكر والقاضي، وعنه تقبل شهادة كل مسلم لم تظهر منه ريبة، اختاره الخرقي، وإِن جهل إِسلامه رجع إِلى قوله والعمل على الأول.
وإِذا علم الحاكم عدالتهما عمل بعلمه وحكم بشهادتهما إِلا أن يرتاب بهما، فيفرقهما، ويسأل كل واحد: كيف تحملت؟ ومتى؟ وفي أي موضع؟ (١) وهل كنت وحدك أو أنت وصاحبك؟ فإِن اختلفا لم يقبلهما، وإِن اتفقا وعظهما وخوفهما، فإِن ثبتا حكم بهما إِذا سأله المدعي، فإِن جرحهما المشهود عليه كُلِّف البيِّنة بالجرح، فإِن سأل الإِنظار أُنظر ثلاثاً، وللمدعي ملازمته، فإِن لم يُقِمْ بينة حكم عليه، ولا يسمع الجرح إِلا مفسراً بما يقدح في العدالة إِما أن يراه أو يستفيض عنه. وعنه أنه يكفي أن يشهد أنه فاسق وليس بعدل، وإِن شهد عنده فاسق يعرف حاله قال للمدعي زدني شهوداً، وإِن جهل حاله طالب المدعي بتزكيته، ويكفي في التزكية شاهدان يشهدان أنه عدلٌ مرضيٌّ ولا يحتاج أن يقول عليّ ولي. وإِن عدَّله اثنان وجرحه اثنان فالجرح أولى، وإِن سأل المُدَّعِي حبس المشهود عليه حتى يزكى شُهُودَهُ، فهل يحبس؟ على وجهين. وإِن أقام شاهدًا وسأله حَبْسَهُ حتى يقيم الآخر حَبَسَهُ إِن كان في المال، وإِن كان في غيره فعلى وجهين.
وإِن حاكم إِليه من لا يعرف لسانه ترجم له من يعرف لسانه ولا يقبل في
стр. 481
الترجمة والجرح والتعديل والتعريف والرسالة إِلا قول عدلين، وعنه يقبل قول واحد، ومن ثبتت عدالته مرة فهل يحتاج إِلى تجديد البحث عن عدالته مرة أخرى؟ على وجهين.
فصل
وإِن ادعى على غائب أو مستتر في البلد أو ميت أو صبي أو مجنون وله بينة سمعها الحاكم وحكم بها. وهل يحلف المدعي أنه لم يبرأ إِليه منه ولا من شيء منه؟ على روايتين. ثم إِذا قدم الغائب أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون فهو على حجته. وِإن كان الخصم في البلد غائباً عن المجلس لم تسمع البينة حتى يحضر فإِن امتنع عن الحضور سمعت البينة وحكم بها في إِحدى الروايتين، والأخرى لا تسمع حتى يحضر، فإِن أبى بعث إِلى صاحب الشرطة ليحضره فإِن تكرر منه الاستتار أقعد على بابه من يضيق عليه في دخوله وخروجه حتى يحضر.
وإِن ادعى أن أباه مات عنه وعن أخ له غائب، وله مال في يد فلان أو دين عليه، فأقر المُدَّعى عليه أو ثبتت ببينة، سُلِّم إِلى المدعي نصيبه وأخذ الحاكم نصيب الغائب فيحفظه له، ويحتمل أنه إِذا كان المال ديناً أن يترك نصيب الغائب في ذمة الغريم حتى يقدم.
وإِن ادعى إِنسان أن الحاكم حكم له بحق فصدقه قبل قول الحاكم وحده، وإِن لم يذكر الحاكم ذلك، فشهد عدلان أنه حكم له به قبل شهادتهما وأمضى القضاء، وكذلك إِن شهدا أن فلاناً وفلاناً شهدا عندك بكذا قبل شهادتهما، وإِن لم يشهد به أحد لكن إِن (١) وجده في قمطره في صحيفة تحت ختمه بخطه فهل ينفذه؟ على روايتين. وكذلك الشاهد إِذا رأى خطه في كتاب بشهادة ولم يذكرها فهل له أن يشهد بها؟ على روايتين.
стр. 482
فصل
ومن كان له على إِنسان حق ولم يمكنه أخذه بالحاكم، وقدر له على مال لم يجز له أن يأخذ قدر حقه، نصَّ عليه، واختاره عامة شيوخنا، وذهب بعضهم من المُحْدثين إِلى جواز ذلك، فإِن قدر على جنس حقه أخذ قدر حقه وإِلا قومه وأخذ بقدر حقه متحريًا للعدل في ذلك لحديث هند:
"خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (١).
ولقوله ﵇:
"الرَّهْنُ مركوبٌ ومحلوب" (٢).
وحكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته في الباطن، وذكر ابن أبي موسى عنه رواية أنه يزيل العقود والفسوخ.
باب حكم (٣) كتاب القاضي إِلى القاضي
يقبل كتاب القاضي إِلى القاضي في المال وما يقصد به المال: كالقرض والغصب، والبيع، والإِجارة، والرهن، والصلح، والوصية له، والجناية الموجبة للمال، ولا يقبل في حد لله تعالى، وهل يقبل فيما
стр. 483
عدا ذلك: مثل القصاص، والنكاح، والطلاق، والخلع، والعتق، والنسب، والكتابة، والتوكيل، والوصية إِليه؟ على روايتين. فأما حد القذف فإِن قلنا هو لله تعالى فلا يقبل فيه، وإِن قلنا للآدمي فهو كالقصاص.
ويجوز كتاب القاضي فيما حكم به لينفذه في المسافة القريبة ومسافة القصر، ويجوز فيما ثبت عنده ليحكم به في المسافة البعيدة دون القريبة، ويجوز أن يكتب إِلى قاض معين، وإِلى من يصل إِليه كتابي هذا من قضاة المسلمين وحكامهم، ولا يقبل الكتاب إِلا أن يشهد به شاهدان يحضرهما القاضي الكاتب، فيقرأه عليهما، ثم يقول: أشهدكما أن هذا كتابي إِلى فلان ابن فلان ويدفعه إِليهما فإِذا وصلا إِلى المكتوب إِليه دفعا إِليه الكتاب وقالا: نشهد أن هذا كتاب فلان إِليك كتبه من عمله وأشهدنا عليه، والاحتياط أن يَشْهَدا عليه بما فيه ويختمه ولا يشترط ختمه.
وإِن كتب كتاباً وأدرجه وختمه وقال هذا كتابي إِلى فلان اشهدا علي بما فيه لم يصلح، لأن أحمد رحمه الله تعالى قال فيمن كتب وصية وختمها ثم اشهد على ما فيها: فلا حتى يعلمه ما فيها. ويتخرج الجواز لقوله: إِذا وجدت وصية الرجل مكتوبة عند رأسه من غير أن يكون أشهد أو أعلم بها أحداً عند موته وعرف خطه وكان مشهوراً فإِنه ينفذ ما فيها، وعلى هذا إِذا عرف المكتوب إِليه أنه خط القاضي الكاتب وختمه جاز قبوله، والعمل على الأول.
فإِذا وصل الكتاب فأحضر المتكوب إِليه الخصم المحكوم عليه في الكتاب فقال: لسْتُ فلانَ ابن فلان فالقول قوله مع يمينه إلا أن تقوم به بينه، فإن ثبت أنه فلان ابن فلان ببينة أو إِقرار فقال المحكوم عليه: غيري لم يقبل منه إِلا ببينة تشهد أن في البلد من يساويه فيما سُمِّيَ وَوُصِفَ به فيتوقف الحكم حتى يعلم من المحكوم عليه منهما، وإِن تغيرت حال القاضي الكاتب بعزل أو موت لم يقدح في كتابه، وإِن تغيرت بفسق لم
стр. 484
يقدح فيما حكم به، وبطل فيما ثبت عنده ليحكم به، وإِذا تغيرت حال المكتوب إِليه فلمن قام مقامه قبول الكتاب والعمل به.
فصل
وإِذا حكم عليه فقال: اكتب لي إِلى الحاكم الكاتب أنك حكمت علي حتى لا يحكم علي ثانياً لم يلزمه ذلك، ولكنه يكتب له محضراً بالقضية، وكل من ثبت له عند حاكم حق أو ثبتت براءته: مثل أن أنكر وحلفه الحاكم فسأل الحاكم أن يكتب له محضراً بما جرى ليثبت حقه أو براءته لزمه إِجابته. وإِن سال من ثبت محضره عند الحاكم أن يسجل له فعل ذلك وجعله نسختين نسخة يدفعها إِليه والأخرى يحبسها عنده، والورق من بيت المال فإِن لم يكن فمن مال المكتوب له. وصفة المحضر:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حضر القاضي فلان ابن فلان الفلاني قاضي عبد الله الإِمام على كذا وكذا، وإِن كان نائباً كتب: خليفة القاضي فلان قاضي عبد الله الإِمام في مجلس حكمه وقضائه بموضع كذا بموضع [مدعٍّ ذكر أنه فلان ابن فلان وأحضر معه مدعى عليه ذكر أنه فلان ابن فلان فادعى عليه كذا فأقر له أو فأنكر فقال القاضي للمدعي ألك بينة فقال نعم فأمره (١)] فأحضرها وسأله سماعها ففعل أو فأنكر ولم يقم له بينة، وسأل إِحلافه فأحلفه وإِن نكل عن اليمين ذكر ذلك وأنه حكم عليه بنكُوله، وإِن رد اليمين فحلفه حكى ذلك، وسأله أن يكتب له محضراً بما جرى فأجابه إِليه في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا، ويُعْلِمُ في الإِقرار والإِحلاف، جرى الأمر على ذلك وفي البينة شهد عندي بذلك.
стр. 485
وأما السجل فهو لإِنفاذ ما ثبت عنده والحكم به، وصفته أن يكتب:
هذا ما أشهد عليه القاضي فلان ابن فلان -ويذكر ما تقدم من حضره من الشهود- أشهدهم أنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان وقد عرفهما بما رأى معه قبول شهادتهما بمحضر من خَصْمَيْن يذكرهما إِن كانا معروفين وإِلا قال مدعٍ ومدعي عليه -جاز حضورهما: وسماع الدعوى من أحدهما على الآخر بمعرفة فلان ابن فلان، ويذكر المشهود عليه وإِقراره طوعاً (١) في صحة منه وسلامة (٢) وجواز أمر بجميع ما سمى ووصف به في كتاب نسخته كذا -وينسخ الكتاب المثبت أو المحضر جميعه حرفاً بحرف- فإِذا فرغ منه قال: وإِن القاضي أمضاه وحكم به على ما هو الواجب عليه في مثله بعد أن سأله ذلك، وإِلا شهد به الخصم المدعي ويذكر اسمه ونسبه ولم يدفعه الخصم الحاضر معه بحجة، وجعل كل ذي حجة على حجته، وأشهد القاضي فُلاَنٌ على إِنفاذه وحكمه وإِمضائه من حضره من الشهود في مجلس حكمه في اليوم المؤرخ في أعلاه، وأمر بكتب هذا السجل نسختين متساويتين: نسخة منهما بجلد ديوان الحكم، ويدفع الأخرى إِلى من كتبها له، وكل واحد منهما حجة ووثيقة فيما أنفذه فيهما.
وهذا يذكر للخروج من الخلاف.
ولو قال: إِنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان ما في كتاب نسخته كذا ولم يذكر بمحضر من الخصمين ساغ ذلك لجواز القضاء على الغائب.
وما يجتمع عنده من المحاضر والسجلات في كل أسبوع أو شهر على قلتها وكثرتها يضم بعضها إِلى بعض ويكتب عليها محاضر وقت كذا في سنة كذا.
стр. 486
باب القِسْمَةِ
وقسمة الأملاك جائزة، وهي نوعان: قسمة تراضٍ وهي ما فيها ضرر أو رد عوض من أحدهما: كالدور الصغار والحمام والعضائد المتلاصقة اللاتي لا يمكن قسمة كل عين مفردة، والأرض التي في بعضها بئر أو بناء ونحوه لا يمكن قسمته بالإِجزاء والتعديل إِذا رضوا بقسمتها أعياناً بالقيمة جاز، وهذه جارية مجرى البيع في أنه لا يجبر عليها الممتنع منها، ولا يجوز فيها إِلا ما يجوز في البيع.
والضرر المانع من القسمة هو نقص القيمة بالقسم في ظاهر كلامه، أو لا ينتفعان به مقسوماً في ظاهر كلام الخرقي. فإِن كان الضرر على أحدهما دون الآخر كرجلين: لأحدهما الثلثان وللآخر الثلث ينتفع صاحب الثلثين بقسمها ويتضرر الآخر فطلب من لا يتضرر القسم لم يجبر عليه الآخر وإِن طلبه الآخر أجبر الأول. وقال القاضي: إِن طلبه الأول أجبر الآخر، وإِن طلبه المضرور لم يجبر الآخر.
وإِن كان بينهما عبيد أو بهائم أو ثياب ونحوها فطلب أحدهما قسمها أعياناً بالقيمة لم يجبر الآخر عليه وقال القاضي يجبر.
وإِن كان بينهما حائط لم يجبر الممتنع من قسمه، وإِن استهدم لم يجبر على قسم عرصته، وقال أصحابنا إِن طلب قسمه طولاً بحيث يكون له نصف الطول في كمال العرض أجبر الممتنع، وإِن طلب قسمه عرضاً وكانت تسع حائطين أجبر وإِلا فلا، وإِن كان بينهما دار لها علو وسفل فطلب أحدهما قسمها لأحدهما العلو وللآخر السفل، أو كان بينهما منافع لم يجبر الممتنع من قسمها وإِن تراضيا على قسمها كذلك أو على قسم المنافع بالمهايأة جاز، وإِن كان بينهما أرض ذات زروع، فطلب أحدهما قسمها دون الزرع قسمت، وإِن طلب قسمها مع الزرع أو قسم الزرع مفرداً
стр. 487
لم يجبر الآخر، وإِن تراضوا عليه والزرع قصيل أو قطن جاز، وإِن كان بذراً أو سنابل قد اشتد حبها فهل يجوز؟ على وجهين. وقال القاضي يجوز في السنابل ولا يجوز في البذر.
وإِن كان بينهما نهر أو قناة أو عين ينبع ماؤها فالماء بينهما على ما اشْتَرَطَاهُ عند استخراج ذلك، وإِن اتفقا على قسمه بالمهايأة جاز، وإِن أراد قسم ذلك بنصب خشبة أو حجر مستوفى مصدم الماء، فيه ثقبان على قدر حق كل واحد منهما جاز، فإِن أراد أحدهما أن يسقي نصيبه أرضاً ليس لها رسم شرب من هذا النهر جاز، ويحتمل أن لا يجوز، ويجيء على أصلنا أن الماء لا يملك، وينتفع كل واحد منهما على قدر حاجته.
فصل
النوع الثاني قسمة الإِجبار: وهي ما لا ضرر فيها ولا رد عوض: كالأرض الواسعة، [والقرى، والبساتين، والدور الكبار، والدكاكين الواسعة (١)] والمكيلات والموزونات، من جنس واحد سواء كانت مما مسته النار كالدبس وخل التمر، أو لم تمسه كخل العنب والأدهان والألبان، فإِذا طلب أحدهما قسمه وأبى الآخر أجبر عليه، وهذه القسمة إِفراز حق أحدهما من الآخر في ظاهر المذهب وليست بيعاً، فتجوز قسمة الوقف وإِذا كان نصف العقار طَلْقاً ونصفه وقفاً جازت قسمته.
وتجوز قسمة الثمار خرصاً، وقسمة ما يكال وزناً، وما يوزن كيلاً، والتفرق في قسمة ذلك قبل القبض، وإِذا حلف لا يبيع فقسم لم يحنث. وحكي عن أبي عبد الله بن بطة (٢) ما يدل أنها كالبيع فلا يجوز فيها ذلك،
стр. 488
وإِن كان بينهما أرض بعضها يسقى سيحاً، وبعضها بعلاً، أو في بعضها نخل وفي بعضها شجر، فطلب أحدهما قسم كل عين على حدة، وطلب الآخر قسمها أعياناً بالقيمة، قسمت كل عين على حدة إِذا أمكن.
فصل
ويجوز للشركاء أن ينصبوا قاسماً يقسم بينهم، وأن يسألوا الحاكم نصب قاسم يقسم بينهم. ومِنْ شَرْطِ مَنْ يُنْصب أن يكون عدلاً عارفاً بالقسمة، فمتى عدلت السهام، وأخرجت القرعة لزمت القسمة، ويحتمل أن لا تلزم فيما فيه رد بخروج القرعة حتى يرضيا بذلك، وإِذا كان في القسمة تقويم لم يجز أقل من قاسمين وإِن خلت من تقويم أجزأ قاسم واحد، وإِذا سألوا الحاكم قسمة عقار لم يثبت عنده أنه لهم قسمه وذكر في كتاب القسمة أن قسمه بمجرد دعواهم، لا عن بينة شهدت لهم بملكهم، وإِن لم يتفقوا على طلب القسمة لم يقسمه.
فصل
ويعدل القاسم السهام بالأجزاء إِن كانت متساوية، وبالقيمة إِن كانت مختلفة، وبالرد إِن كانت تقتضيه، ثم يقرع بينهم فمن خرج له سهم صار له، وكيف ما أقرع جاز إِلا أن الأحوط: أن يكتب اسم كل واحد من الشركاء في رقعة، ثم يدرجها في بنادق شمع أو طين متساوية القدر والوزن، وتطرح في حِجْر من لم يحضر ذلك، ويقال له أخرج بندقة على هذا السهم فمن خرج اسمه كان له، ثم الثاني كذلك، والسهم الباقي للثالث إِذا كانوا ثلاثة وسهامهم متساوية.
وإِن كتب اسم كل سهم في رقعة وقال أخرج بندقة باسم فلان وأخرج الثانية بإسم الثاني والثالثة للثالث جاز.
стр. 489
وإِن كانت السهام مختلفة كثلاثة: لأحدهم النصف، وللآخر الثلث، وللآخر السدس، فإِنه يجزئها ستة أجزاء ويخرج الأسماء على السهام لا غير: فيكتب باسم صاحب النصف ثلاثاً وباسم صاحب الثلث اثنتين وباسم صاحب السدس واحدة، ويخرج بندقة على السهم الأول فإِن خرج اسم صاحب النصف أخذه والثاني والثالث، وإِن خرج اسم صاحب الثلث أخذه والثاني، ثم يقرع بين الآخرين والباقي للثالث.
فصل
إِن ادعى بعضهم غلطاً فيما تقاسموه بأنفسهم وأشهدوا على تراضيهم به لم يلتفت إِليه، وإِن كان فيما قسمه قاسم الحاكم فعلى المدعي البينة وإِلا فالقول قول المنكر مع يمينه. وإِن كان فيما قسمه قاسمهم الذي نصبوه وكان فيما اعتبرنا فيه الرضا بعد القرعة لم تسمع دعواه، وإِلا فهو كقاسم الحاكم، وإِن تقاسموا ثم استحق من حصة أحدهما شيء معين بطلت، وإِن كان شائعاً فيهما فهل تبطل القسمة؟ على وجهين.
وإِذا اقتسما دارين قسمة تراض فبنى أحدهما في نصيبه، ثم خرجت الدار مُسْتَحَقَّة ونُقِضَ بناؤه رجع بنصف قيمته على شريكه، وإِن خرج في نصيب أحدهما عيب فله فسخ القيمة.
وإِذا اقتسم الورثة العقار ثم ظهر على الميت دين: فإِن قلنا هي إِفراز حق لم تبطل القسمة، وإِن قلنا هي بيع انبنى على بيع التركة قبل قضاء الدين هل يجوز؟ على وجهين. وإِن اقتسما فحصلت الطريق في نصيب أحدهما ولا منفذ للآخر بطلت القسمة.
ويجوز للأب والوصي قسم مال المولى عليه مع شريكه.
стр. 490
باب الدعاوى والبينات
المدعي من إِذا سكت تُرِك، والمنكر من إِذا سكت لم يُتْرَكْ. ولا تصح الدعوى والإِنكار إِلا من جائز التصرف. وإِذا تداعيا عيناً لم تخل من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون في يد أحدهما [فهي له مع يمينه (١)] أنها له لا حق للآخر فيها إِذا لم يكن بينة، ولو تنازعا دابة: أحدهما راكبها، أو له عليها حمل، والآخر آخذ بزمامها فهي للأول، وإِن تنازعا قميصاً أحدهما لابسه والآخر آخذ بكمه فهو للابسه، وإِن تنازع صاحب الدار والخياط الإِبرة والمقص فهما للخياط، وإِن تنازع هو والقرَّاب القربة فهي للقرَّاب، وإِن تنازعا عرصة فيها شجر أو بناء لأحدهما فهي له، وإِن تنازعا حائطاً معقوداً ببناء أحدهما وحده أو متصلاً (٢) به اتصالاً لا يمكن إِحداثه: أو له عليه أزج فهو له، وإِن كان محلولاً من بنائهما أو معقوداً بهما فهو بينهما، ولا ترجح الدعوى بوضع خشب أحدهما عليه، ولا بوجوه الآجر والتزويق والتجصيص ومعاقد القمط في الخص.
وإِن تنازع صاحب العلو والسفل في سلم منصوب أو درجة، فهي لصاحب العلو إِلا أن يكون تحت الدرجة مسكن لصاحب السفل فيكون بينهما، وإِن تنازعا في السقف الذي بينهما فهو بينهما.
وإِن تنازع المؤجر والمستأجر في رف مقلوع، أو مصراع له شكل منصوب في الدار فهو لصاحبها، وإِلا فهو بينهما.
وإِن تنازعا داراً في يدهما فادعاها أحدهما وادعى الآخر نصفها جعلت بينهما نصفين واليمين على مدعي النصف.
стр. 491
وإِن تنازع الزوجان أو ورثتهما في قماش البيت: فما كان يصلح للرجل فهو للرجل، وما يصلح للنساء فهو للمرأة، وما يصلح لهما فهو بينهما.
وِإن اختلف صانعان في قماش دكان لهما، حكم بآلة كل صناعة لصاحبها في ظاهر كلام أحمد والخرقي ﵄، وقال القاضي: إِن كانت أيديهما عليه من طريق الحكم فكذلك، وإِن كانت من طريق المشاهدة فهو بينهما على كل حال، وكل من قلنا هو له فهو مع يمينه إِذا لم تكن بينة، فإِن كان لأحدهما بينة حكم له بها، وإِن كان لكل واحد منهما بينة حكم بها للمدعي في ظاهر المذهب، وعنه إِن شهدت بينة المُدَّعى عليه أنها له نتجت في ملكه، أو قطيعة من الإِمام، قدمت بينته، وإِلا فهي للمدعي ببينته، وقال القاضي: فيهما إِذا لم يكن مع بينة الداخل ترجيح لم يحكم بها رواية واحدة. وقال أبو الخطاب: فيه رواية أخرى: أنها مقدمة بكل حال فإن أقام الداخل بينة أنه اشتراها من الخارج، وأقام الخارج بينة أنه اشتراها (١) من الداخل فقال القاضي: تقدم بينة الداخل وقيل تقدم بينة الخارج.
فصل
القسم الثاني: أن تكون العين في يديهما: فيتحالفان وتقسم بينهما، وإِن تنازعا مسناة بين نهر أحدهما وأرض الآخر تحالفا وهي بينهما، وإِن تنازعا صبياً في يديهما فكذلك، وإِن كان مميزاً فقال إِني حر فهو حرٌ إِلا أن تقوم بينة برقه، ويحتمل أن يكون كالطفل: فإِن كان لأحدهما بينة حكم له
стр. 492
بها، وإِن كان لكل واحد بينة قدم أسبقهما تاريخاً، فإِن وقتت إِحداهما وأطلقت الأخرى فهما سواء، ويحتمل تقديم المطلقة وإِن شهدت إِحداهما بالملك، والأخرى بالملك والنتاج أو سبب من أسباب الملك فهل تقدم بذلك؟ على وجهين. ولا تقدم إِحداهما بكثرة العدد ولا اشتهار العدالة ولا الرجلان على الرجل والمرأتين، ويقدم الشاهدان على الشاهد واليمين في أحد الوجهين. وإِذا تساوتا تعارضتا وقسمت العين بينهما بغير يمين. وعنه أنهما يتحالفان كمن لا بينة لهما، وعنه أنه يقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وأخذها، فإِن ادعى أحدهما أنه اشتراها من زيد لم تسمع البينة على ذلك حتى يقول وهي ملكه وتشهد البينة به، فإِن ادعى أحدهما أنه اشتراها من زيد وهي ملكه وادعى الآخر أنه اشتراها من عمرو وهي ملكه وأقاما بذلك بينتين تعارضتا، وإِن أقام أحدهما بينة أنها ملكه وأقام الآخر بينة أنه اشتراها منه أو وقفها عليه، أو أعتقه قدمت بَيِّنته، ولو أقام رجل بينة أن هذه الدار لأبي خلَّفها تركة، وأقامت امرأته بينة أن أباه أصدقها إِياها فهي للمرأة.
فصل
القسم الثالث: تداعيا عيناً في يد غيرهما فإِنه يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف وأخذها، فإِن كان المدعى عبداً فأقر لأحدهما لم يرجح بإِقراره، وإِن كان لأحدهما بينة حكم له بها، وإِن كان لكل واحد بينة تعارضتا والحكم على ما تقدم: فإِن أقر صاحب اليد لأحدهما لم ترجح بذلك، وإِن ادعاها صاحب اليد لنفسه فقال القاضي: يحلف لكل واحد منهما وهي له، وقال أبو بكر: بل يقرع بين المدعيين فتكون لمن تخرج له القرعة.
وإِن كان في يد رجل عبدٌ فادعى أنه اشتراه من زيد وادعى العبد أن زيداً
стр. 493
أَعْتَقَهُ وأقام كل واحد بينة، انبنى على بينة الداخل والخارج، وإِن كان العبد في يد زيد فالحكم فيه حكم ما إِذا ادعيا عيناً في يد غيرهما.
وإِن كان في يده عبد فادعى عليه رجلان كل واحد منهما أنه اشتراه مني بثمن سماه فصدقهما لزمه الثمن لكل واحد منهما، وإِن أنكرهما حَلَفَ لهما وبرئ، فإِن صدق أحدهما لزمه ما ادعاه وحلف للآخر، وإِن كان لأحدهما بينة فله الثمن ويحلف للآخر، وإِن أقام كل واحد منهما بينة فأمكن صدقهما لاختلاف تاريخهما، أو إِطلاقهما، أو إِطلاق إِحداهما وتاريخ الأخرى، عمل بهما وإِن اتفق تاريخهما تعارضتا والحكم على ما تقدم.
وإِن ادعى كل واحد منهما أنه باعني إِياه بألف وأقام بينة قدم أسبقهما تاريخاً، فإِن لم تسبق إِحداهما تعارضتا، وإِن قال أحدهما غصبني إِياه، وقال الآخر ملَّكَنِيه أو أقر لي به، وأقام كل واحد بينة فهو للمغصوب منه. ولا يغرم للآخر شيئاً.
باب تعارض البينتين
إِذا قال لعبده متى قُتِلْتُ فأنت حر، فادعى العبد أنه قتل وأنكر الورثة فالقول قولهم (١) وإِن أقام كل واحد (٢) منهم بينة بما ادعاه فهل تقدم بينة العبد فيعتق أو يتعارضان ويبقى على الرق؟ فيه وجهان.
وإِن قال: إِن مت في المحرم فسالمٌ حرٌّ، وإِن مت في صفر فغانمٌ حرٌّ، فأقام كل واحد منهما بينة بموجب عتقه قدمت بينة سالم، وإِن قال إِن مت في مرضي هذا فسالم حر، وإِن برئت فغانم حرٌّ وأقاما بينتين تعارضتا وبقيا على الرق، ذكره أصحابنا والقياس أن يعتق أحدهما
стр. 494
بالقرعة، ويحتمل أن يعتق غانم وحده لأن بينته تشهد بزيادة.
وإِن أتلف ثوباً فشهدت بينة أن قيمته عشرون، وشهدت أخرى أن قيمته ثلاثون لزمه أقل القيمتين.
ولو ماتت امرأة وابنها فقال زوجها: ماتت فورثناها، ثم مات ابني فورثته، وقال أخوها: مات ابنها فورثته، ثم ماتت فورثناها ولا بينة، حلف كل واحد على إِبطال دعوى صاحبه، وكان ميراث الابن لأبيه وميراث المرأة لأخيها وزوجها نصفين، وإِن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه تعارضتا وسقطتا (١). وقياس مسائل الغرقى أن يجعل للأخ سدس مال الابن والباقي للزوج.
فصل
إِذا شهدت بينة على ميت أنه وَصَّى بعتق سالم وهو ثلث ماله، وشهدت أخرى أنه وصى بعتق غانم وهو ثلث ماله أقرع بينهما، فمن تقع له القرعة عتق دون صاحبه، إِلا أن يُجيز الورثة. وقال أبو بكر، وابن أبي موسى (٢)
: يعتق كل واحد نصفه بغير قرعة، وإِن شهدت بينة غانم أنه رجع عن عتق سالم، عتق غانم وحده سواء كانت بينته (٣) وارِثة أو لم تكن، وإِن كانت قيمة غانم سدس المال وبينته أجنبية قبلت، وإِن كانت وارثة عتق العبدان. وقال أبو بكر يحتمل أن يقرع بينهما: فإِن خرجت القرعة لسالم عتق وحده، وإِن خرجت لغانم عتق هو ونصف سالم، وإِن شهدت بينة أنه أعتق سالماً في مرضه، وشهدت الأخرى أنه وصى بعتق غانم وكل واحد
стр. 495
منهما ثلث المال، عتق سالم وحده، وإِن شهدت بينة غانم أنه أعتقه في مرضه أيضاً عتق أقدمهما تاريخاً، فإِن جهل السابق عتق أحدهما بالقرعة، فإِن كانت بينة أحدهما وارثة ولم تكذب الأجنبية فكذلك، وإِن قالت ما أعتق سالماً إِنما أعتق غانماً عتق غانم كله، وحكم سالم كحكمه لو لم يطعن في بينته في أنه يعتق إِن تقدم تاريخ عتقه أو خرجت له القرعة وإِلا فلا، وإِن كانت الوارثة فاسقة ولم تطعن في بينة سالم عتق سالم كله، [وينظر في غانم: فإِن كان تاريخ عتقه سابقاً أو خرجت القرعة له عتق كله، وإِن كان متأخراً أو خرجت القرعة لسالم لم يعتق منه شيء. وقال القاضي (١)]: يعتق من غانم نصفه، وإِن كُذِّبت بينة سالم عتق العبدان.
فصل
إِذا مات رجل وخلَّف ولدين مسلماً وكافراً، فادعى كل واحد منهما أنه مات على دينه، فإن عرف أصل دينه فالقول قول من يدعيه، وإِن لم يعرف فالميراث للكافر لأن المسلم لا يقر ولده على الكفر في دار الإِسلام، وإِن لم يعترف المسلم أنه أخوه ولم تقم به بينة فالميراث بينهما، ويحتمل أن يكون للمسلم لأن حكم الميت حكم المسلمين في غسله والصلاة عليه. وقال القاضي: القياس أن يقرع بينهما، ويحتمل أن يقف الأمر حتى يظهر أصل دينه، وإِن أقام كل واحد منهما بينة أنه مات على دينه تعارضتا، وإِن قال شاهدان نعرفه مسلماً، وقال شاهدان نعرفه كافراً، فالميراث للمسلم إِذا لم يؤرخ الشهود معرفتهم.
وإِن خَلَّف أبوين كافرين وابنين مسلمين فاختلفوا في دينه فالقول قول الأبوين ويحتمل أن القول قول الابنين، وإِن خَلَّف ابناً كافراً وأخاً وامرأةً