أو ذهب بالسراية صارا موضحة واحدة، وإِن خرقه المجني عليه أو أجنبي فهي ثَلاثُ مَوَاضِح، وإِن اختلفا فيمن خرقه فالقول قول المجني عليه، ومثله لو قطع ثلاث أصابع امرأة فعليه ثلاثون من الإِبل، فإِن قطع الرابعة عاد إِلى عشرين، فإِن اختلفا في قاطعها فالقول قول المجني عليه.
وإِن خرق ما بين الموضحتين في الباطن فهل هي موضحة أو موضحتان؟ على وجهين.
وإِن شج جميع رأسه سمحاقاً إِلا موضعاً منه أوضحه فعليه أرْش موضحة.
ثم الهاشمة وهي التي توضح العظم وتهشمه ففيها عشر من الإِبل، فإِن ضربه بمثقل فهشمه من غير أن يوضحه ففيه حكومة، وقيل يلزمه خمس من الإِبل.
ثم المنقلة وهي التي توضح العظم وتهشم وتُنْقل عظامها، ففيها خمس عشرة من الإِبل.
ثم المأمومة وهي التي تصل إِلى جلدة الدماغ وتسمى أم الدماغ، وتسمى المأمومة آمة، ففيها ثلث الدية.
ثم الدامغة وهي التي تخرق الجلدة ففيها ما في المأمومة.
فصل
وفي الجَائِفَةِ ثلث الدية، وهي التي تصل إِلى باطن الجوف من بطن أو ظهر أو صدر أو نحر، فإِن خرقه من جانب فخرج من جانب آخر فهي جائفتان، وإِن طعنه في خده فوصل إِلى فمه ففيه حكومة، ويحتمل أن تكون جائفة، فإِن جرحه في وركه فوصِل الجُرْحُ إلى جوفه أو أوضحه فوصل الجرح إِلى قفاه، فعليه دية جَائِفةٍ ومُوضَحَةٍ وحكومة لجرح القفاء
стр. 422
والورك، وإِن أجافه ووسع آخر الجرح فهي جائفتان. وإِن وسَّع ظاهره دون باطنه، أو باطنه دون ظاهره فعليه حكومة، وإِن التحمت الجائفة ففتحها آخر فهي جائفة أخرى.
فصل
وفي الضَّلْع بعير، وفي التَّرقُوتَيْن بعيران، وفي كل واحد من الذراع والزند والفخذ والعضد والساق بعيران، وما عدا ما ذكرنا من الجروح وكسر العظام مثل: خرزة الصلب، والعصعص، ففيه حكومة. والحكومة إِن يقوم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به ثم يقوم وهي به قد برأت فما نقص من القيمة فله مثله من الدية، فإِن كان قيمته وهو صحيح عشرين، وقيمته وبه الجناية تسعة عشر، ففيه نصف عشر ديته، إِلا أن تكون الحكومة في شيء فيه مقدر، فلا يبلغ به أرش المقدر، فإِذا كانت في الشجاج التي دون المُوضِّحةِ لم يبلغ بها أرْش المُوضِّحَةِ، وإِن كانت في أُصْبُع لم يبلغ بها دية الأُصْبُعِ، وإِن كانت في أنملة لم يبلغ بها ديتها، وإِن كانت مما لا تنقص شيئاً بعد الاندمال قومت حال جريان الدم: فإِن لم تنقص شيئاً بحال أو زادته حسناً فلا شيء فيها. والله أعلم.
باب العاقلة وما تحمله
عاقلة الإِنسان عَصَبَاتُهُ كلهم قريبهم وبعيدهم من النسب والولاء، إِلا عمودي النسبة: آباؤه وأبناؤه. وعنه أنهم من العاقلة أيضاً.
وليس على فقير، ولا صبي، ولا زائل العقل، ولا امرأة، ولا خنثى مشكل، ولا رقيق، ولا مخالف لدين الجاني حمل شيء، وعنه أن الفقير يحمل من العقل، ويحمل الغائب كما يحمل الحاضر.
стр. 423
وخطأ الإمام والحاكم في أحكامه في بيت المال، وعنه على عاقلته.
وهل يتعاقل أهل الذمة؟ على روايتين. ولا يعقل ذمي عن حربي، ولا حربي عن ذمي.
ومن لا عاقلة له أو لم تكن له عاقلة تحمل الجميع: فالدية أو باقيها عليه إِن كان ذمياً، وإِن كان مسلماً أخذ من بيت المال فإِن لم يمكن فلا شيء على القاتل، ويحتمل أن تجب في مال القاتل وهو أولى، كما قالوا في المرتد يجب أرْش خطئه في ماله، ولو رمى وهو مسلم فلم يصب السهم حتى ارتد كان عليه في ماله ولو رمى الكافر سهماً ثم أسلم، ثم قتل السهم إِنساناً فديته في ماله، ولو جنى ابن المعتقة ثم انجر ولاؤه، ثم سرت جنايته، فأرْش الجناية في ماله لتعذر حمل العاقلة فكذا هذا.
فصل
ولا تحمل العاقلة: عمداً، ولا عبداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً، ولا ما دون ثلث الدية، ويكون ذلك في مال الجاني حَالاً، إِلَّا غرة الجنين إِذا مات مع أمه فإِن العاقلة تحملها مع دية أمه وإِن ماتا منفردين لم تحملها العاقلة لنقصها عن الثلث، وتحمل جناية الخطأ على الحر إِذا بلغت الثلث، قال أبو بكر: ولا تحمل شبه العبد ويكون في مال القاتل في ثلاث سنين، وقال الخرقي تحمله العاقلة.
وما يحمله كل واحد من العاقلة غير مقدر لكن يرجع فيه إِلى اجتهاد الحاكم: فيحمل كل إِنسان منهم ما يسهل ولا يشق، وقال أبو بكر: يجعل على الموسر نصف دينار، وعلى المتوسط ربعاً، وهل يتكرر ذلك في الأحوال الثلاثة أو لا؟ على وجهين.
ويبدأ بالأقرب فالأقرب فمتى اتسعت أموال الأقربين لها لم
стр. 424
يتجاوزهم، وإِلا انتقل إِلى من يليهم فإِن تساوى جماعة في القرب وزع القدر الذي يلزمهم بينهم.
فصل
وما تحمله العاقلة يجب مؤجلاً في ثلاث سنين: في كل سنة ثلثه إِن كان دية كاملة، وإِن كان الواجب ثلث الدية كأرْش الجائفة وجب في رأس الحول، [وإِن كان نصفها كدية اليد، وجب في رأس الحول (١)] الأول الثلث، وباقيه في رأس الحول الثاني، وإِن كان دية امرأة أو كتابي فكذلك، ويحتمل أن يقسم في ثلاث سنين، وإِن كان أكثر من دية: كما لو جنى عليه فأذهب سمعه وبصره، لم يزد في كل حول على الثلث.
وابتداء الحول في الجرح من حين الاندمال، وفي القتل من حين الموت، وقال القاضي: إِن لم يسر الجرح إِلى شيء فحوله من حين القطع.
ومن مات من العاقلة قبل الحول أو افتقر سقط ما عليه، وإِن مات بعد الحول لم يسقط ما عليه.
وعَمْدُ الصبي والمجنون خطأ تحمله العاقلة، وعنه في الصبي العاقل أن عمده في ماله.
باب كَفَّارة القتل
من قتل نفساً مُحَرَّمَةً خطأ، أو ما أُجري مجراه أو شارك فيها، أو ضرب بطن امرأة فألقت جنيناً ميتاً أو حياً ثم مات، فعليه الكفارة مسلماً كان المقتول أو كافراً، حراً أو عبداً، وسواء كان القاتل كبيراً عاقلاً أو صبياً أو مجنوناً حراً أو عبداً.
стр. 425
ويكفر العبد بالصيام وعنه أن على المشتركين كفارة واحدة.
وأما القتل المباح كالقصاص والحد وقتل الباغي والصائل فلا كفارة فيه، وفي قتل العمد روايتان:
- إِحداهما لا كفارة فيه اختارها أبو بكر والقاضي.
- والأخرى فيه الكفارة.
باب القسامة
وهي الأيمان المكررة في دعوى القتل. ولا تثبت إِلا بشروط أربعة:
أحدها: دعوى القتل، ذكراً كان المقتول أو أنثى، حراً أو عبداً، مسلماً أو ذمياً، فأما الجراح فلا قسامة فيه.
الثاني: اللوث: وهو العداوة الظاهرة كنحو ما كان بين الأنصار وأهل خيبر، وكما بين القبائل التي يطلب بعضها بعضاً بثأر في ظاهر المذهب، وعنه ما يدل على أنه ما يغلب على الظن صحة الدعوى: كتفرق جماعة عن قتيل، ووجود قتيل عند من معه سيف ملطخ بدم، وشهادة جماعة ممن لا يثبت القتل بشهادتهم: كالنساء والصبيان ونحو ذلك، فأما قول القتيل فلان قتلني فليس بلوث. ومتى ادعي القتل مع عدم اللوث عمداً فقال الخرقي لا يحكم له بيمين ولا غيرها، وعن أحمد ﵁ أنه يحلف يميناً واحدة وهي الأولى، وإِن كان خطأ حلف يميناً واحدة.
الثالث: اتفاق الأولياء في الدعوى، فإِن ادعى بعضهم وأنكر بعض لم تثبت القسامة.
الرابع: أن يكون في المدعين رجال عقلاء. ولا مدخل للنساء والصبيان والمجانين في القسامة عمداً كان القتل أو خطأً. فإِن كانا اثنين أحدهما غائب أو غير مكلف فللحاضر المكلف أن يحلف ويستحق نصيبه
стр. 426
من الدية وهل يحلف خمسين أو خمساً وعشرين؟ على وجهين. وإِذا قدم الغائب أو بلغ الصبي حلف خمساً وعشرين وله بقيتها.
[والأولى عندي أنه لا يستحق شيئاً حتى يحلف الآخر (١)]، وذكر الخرقي من شروط القسامة أن تكون الدعوى عمداً توجب القصاص إِذا ثبت القتل، وأن تكون الدعوى على واحد، وقال غيره ليس بشرط، لكن إِن كانت الدعوى عمداً محضاً لم يقسموا إِلا على واحد معين، ويستحقون دمه، وإِن كانت خطأ أو شبه عمد فلهم القسامة على جماعة معينين ويستحقون الدية.
فصل
ويبدأ في القسامة بأيمان المدعين فيحلفون خمسين يميناً، ويختص ذلك بالوُرّاث، وتقسم الأيمان بين الرجال منهم على قدر ميراثهم، فإِن كان الوارث واحداً حلفها، وإِن كانوا جماعة قسمت عليهم على قدر ميراثهم، فإِن كان فيها كسر جُبِر عليهم مثل زوج وابن يحلف الزوج ثلاثة عشر يميناً والابن [ثمانية وثلاثين. وإِن خلف ثلاثة بنين حلف كل واحد سبع عشرة يميناً (٢)]، وعنه يحلف من العصبة الوارث منهم وغير الوارث خمسون رجلاً كل واحد يميناً، وإِن لم يحلفوا حلف المُدَّعى عليه خمسين يميناً وبرئ.
وإِن لم يحلف المُدَّعون ولم يرضوا بيمين المُدعى عليه فداه الإِمام من بيت المال، وإِن طلبوا أيمانهم فنكلوا لم يحبسوا وهل تلزمهم الدية أو تكون في بيت المال؟ على روايتين.
* * *
стр. 427
كتاب الحدود
لا يجب الحد إِلا على بالغ عاقل عالم بالتحريم، ولا يجوز أن يقيم الحد إِلا الإِمام أو نائبه، إِلا السيد فإن له إِقامة الحد بالجلد خاصة على رقيقه القن. وهل له القتل في الرِّدة والقطع في السَّرقة؟ على روايتين. ولا يملك إِقامته على: مكاتبه، ولا على من بعضه حر، ولا أمته المزوجة، فإِن كان السيد فاسقاً أو امرأة، فله إِقامته في ظاهر كلامه، ويحتمل أن لا يملكه ولا يملكه المكاتب، ويحتمل أن يملكه، وسواء ثبت ببينة أو إِقرار، وإِن ثبت بعلمه فله إِقامته نص عليه، ويحتمل أن لا يملكه كالإِمام. ولا يقيم الإمام الحد بعلمه ولا يقيم الحدود في المساجد.
ويضرب الرجل في الحد قائماً بسوط لا جديد ولا خلق، ولا يمد، ولا يربط، ولا يجرد، بل يكون عليه القميص والقميصان ولا يبالغ في ضربه بحيث يشق الجلد، ويفرق الضرب على أعضائه إِلا الرأس والوجه والفرج وموضع المقتل، والمرأة كذلك، إِلا أنها تضرب جالسة، ويشد عليها ثيابها وتمسك يداها لئلا تنكشف.
والجلد في الزنا أشد الجلد، ثم جلد القذف، ثم الشرب، ثم التعزير. وإِن رأى الإمام الضرب في حد الخمر بالجريد والنعال فله ذلك.
وقال أصحابنا ولا يؤخر الحد للمرض؛ فإِن كان جُلِدَ، أو خشي عليه من السوط، أقيم بأطراف الثياب والعثكول، ويحتمل أن يؤخر في المرض المرجو زواله. وإِذا مات المحدود في الجلد فالحق قتله، وإِن زاد سوطاً
стр. 428
أو أكثر فتلف ضمنه، وهل يضمن جميعه أو نصف الدية؟ على وجهين. وإِذا كان الحد رجماً لم يحفر له رجلاً كان أو امرأةً في أحد الوجهين، وفي الآخر: إِن ثبت على المرأة بإِقرارها لم يحفر لها (١)، وإِن ثبت ببينة حفر لها إِلى الصدر، ويستحب أن يبدأ الشهود بالرجم، وإِن ثبت بالإِقرار استحب أن يبدأ الإِمام، ومتى رجع المقر بالحد عن إِقراره قبل منه، وإِن رجع في أثناء الحد لم يتمم، وإِن رجم ببينة فهرب لم يترك، وإِن كان بإِقرار ترك.
فصل
وإِن اجتمعت حدود لله فيها قتل استوفى وسقط سائرها، وإِن لم يكن فيها قتل: فإِن كانت من جنس مثل أن زنى أو سرَقَ أو شرِب مراراً أجزأ حد واحد، وإِن كانت من أجناس استوفيت كلها. ويبدأ بالأخف فالأخف.
وأما حقوق الآدميين فتستوفى كلها، سواء كان فيها قتل أو لم يكن، ويبدأ بغير القتل، وإِن اجتمعت مع حدود الله تعالى بدئ بها: فإِذا زنى وشرب وقذف وقطع يداً قطعت يده أولاً، ثم حد للقذف ثم للشرب ثم للزنى، ولا يستوفى حد حتى يبرأ من الذي قبله.
فصل
ومن قتل أو أتى حداً خارج الحرم ثم لجأ إِليه لم يستوف منه فيه، ولكن لا يبايع ولا يشارى حتى يخرج فيقام عليه، وإِن فعل ذلك في الحرم استوفى منه فيه، وإِن أتى حداً في الغزو لم يستوف منه في أرض العدو حتى يرجع إِلى دار الإسلام فيقام عليه.
стр. 429
باب حَدُّ الزِّنا
إِذا زنى الحر المحصن فحده الرجم حتى يموت. وهل يجلد قبل الرجم؟ على روايتين.
والمحصن من وطئ امرأته في قبلها في نكاح صحيح وهما بالغان عاقلان حران، فإِن اختل شرط من ذلك في أحدهما فلا إِحصان لواحدٍ منهما.
ولا يثبت الإِحصان بالوطء بملك اليمين، ولا في نكاح فاسدٍ، ويثبت الإِحصان للذميين، وهل تحصن الذمية مسلماً؟ على روايتين.
ولو كان لرجل ولد من امرأته فقال ما وطئتها لم يثبت إِحصانه.
وإِن زنى الحر غير المحصن جلد مائة جلدة، وغرب عاماً إِلى مسافة القصر، وعنه أن المرأة تنفى إِلى دون مسافة القصر ويخرج معها محرمها، فإِن أراد أجرة بذلت من مالها، فإِن تعذر فمن بيت المال، فإن أبى الخروج معها استؤجرت امرأة ثقة، فإِن تعذر نفيت بغير محرم، ويحتمل أن يقسط النفي.
وإِن كان الزاني رقيقاً فحده خمسون جلدة بكل حال. ولا يغرب، وإِن كان نصفه حراً فحده خمس وسبعون جلدة وتغريب نصف عام، ويحتمل ألا يغرب.
وحد اللوطي كحد الزاني سواء، وعنه حده الرجم بكل حال.
ومن أتى بهيمة فعليه حد اللوطي عند القاضي، واختار الخرقي وأبو بكر أنه يعزر وتقتل البهيمة، وكره أحمد ﵁ أكل لحمها، وهل تحرم؟ على وجهين.
стр. 430
فصل
ولا يجب الحد إِلا بشروط ثلاثة:
أحدها: أن يطأ في الفرج سواء كان قبلاً أو دبراً، وأقل ذلك تغييب الحشفة في الفرج فإن وطئ دون الفرج، أو أتت المرأة المرأة فلا حد عليهما.
فصل
الثاني: انتفاء الشبهة: فإِن وطئ جارية ولده، أو جارية له فيها شرك، أو لولده، أو وجد امرأة على فراشه ظنها امرأته أو جاريته، أو دعا الضرير امرأته أو جاريته فأجابه غيرها فوطئها، أو وطئ في نكاح مختلف في صحته، أو وطئ امرأته في دبرها أو حيضها أو نفاسها، أو لم يعلم بالتحريم (١) لحداثة عهده بالإِسلام، أو نشوئه ببادية بعيدة، أو أكره على الزنا فلا حد فيه، وقال أصحابنا إِن أكره الرجل فزنى حُدَّ، وإِن وطئ ميتة أو ملك أمَّه أو أخته من الرضاع فوطئها فهل يحد أو يعزر؟ على وجهين.
وإِن وطئ في نكاح مجمع على بطلانه: كنكاح المزوجة، والمعتدة، والخامسة وذوات المحارم من النسب والرضاع، أو استأجر امرأة للزنا أو لغيره وزنى بها، أو زنى بامرأة له عليها القصاص، أو بصغيرة، أو مجنونة، أو بامرأة ثم تزوجها، أو بأمة ثم اشتراها، أو أمكنت العاقلة من نفسها مجنوناً أو صغيراً فوطئها فعليهم الحد.
стр. 431
فصل
الثالث: أن يثبت الزنا. ولا يثبت إِلا بشيئين:
أحدهما: أن يُقِرَّ أربع مرات في مجلس أو مجالس، وهو بالغ عاقل، ويصرح بذكر حقيقة الوطء ولا ينزع عن إِقراره حتى يتم الحد.
الثاني أن يشهد عليه أربعة رجال أحرار عدول، يصفون الزنا، ويجيئون في مجلس واحد سواء جاؤا متفرقين أو مجتمعين؛ فإِن جاء بعضهم بعد أن قام الحاكِمُ، أو شهد ثلاثة وامتنع الرابع من الشهادة أو لم يكملها فهم قذفة وعليهم الحد، وإِن كانوا فُسَّاقاً أو عمياناً أو بعضهم فعليهم الحد، وعنه لا حد عليهم، وإِن كان أحدهم زوجاً حد الثلاثة ولاعن الزوج إِن شاء.
وإِن شهد اثنان أنه زنى بها في بيت أو بلد، واثنان أنه زنى بها في بيت أو بلد آخر، فهم قذفة وعليهم الحد، وعنه يحد المشهود عليه، وهو بعيد، وإِن شهد أنه زنى بها في زاوية بيت وشهد الآخران أنه زنى بها في زاويته الأخرى، أو شهدا أنه زنى بها في قميص أبيض وشهد الآخران أنه زنى بها في قميص أحمر كملت شهادتهم، ويحتمل أن لا تكمل كالتي قبلها.
وإِن شهدا أنه زنى بها مطاوعة وشهد الآخران أنه زنى بها مكرهة لم تكمل شهادتهم وهل يُحَدُّ الجميع أو شاهدا المطاوعة؟ على وجهين. وعند أبي الخطاب يحد الزاني المشهود عليه دون المرأة والشهود.
وإِن شهد أربعة فرجع أحدهم قبل الحد فلا شيء على الراجع ويحد الثلاثة، وإِن كان رجوعه بعد الحد فلا حد على الثلاثة ويغرم الراجع ربع ما أتلفوه.
стр. 432
وإِن شهد أربعة بالزنا بامرأة فشهد ثقات من النساء أنها عذراء فلا حد عليها ولا على الشهود، نص عليه.
وإن شهد أربعة على رجل أنه زنى بامرأة فشهد أربعة آخرون على الشهود أنهم هم الزناة بها لم يحد المشهود عليه، وهل يحد الشهود الأولون حد الزنا؛ على روايتين. وإِن حملت امرأة لا زوج لها ولا سيد لم تحد بذلك بمجرده.
باب القذف (١)
وهو الرمي بالزنا، ومن قذف محصناً فعليه جلد ثمانين جلدة إِن كان القاذف حراً، وأربعين إِن كان عبداً. [وهل حد القذف حق لله تعالى أو للآدمي؟ على روايتين (٢)]. وقذف غير المحصن يوجب التعزير.
والمحصن هو الحر المسلم العاقل العفيف الذي يجامع مثله وهل يشترط البلوغ؟ على روايتين.
وإِن قال زنيت وأنت صغيرة وفسره بصغرٍ عن تسع سنين لم يحد وإِلا خرج على الروايتين.
وإِن قال لحرة مسلمة زنيت وأنت نصرانية أو أمة، ولم تكن كذلك، فعليه الحد، وإِن كانت كذلك وقالت أردت قذفي في الحال فأنكرها فعلى وجهين. ومن قذف محصناً فزال إِحصانه قبل إِقامة الحد لم يسقط الحد عن القاذف.
стр. 433
فصل
والقذف محرم إِلا في موضعين:
أحدهما: أن يرى امرأته (١) تزني في طهر لم يصبها فيه فيعتزلها وتأتي بولد يمكن أن يكون من الزاني، فيجب عليه قذفها ونفي ولدها.
والثاني: أن لا تأتي بولد يجب نفيه، أو استفاض زناها في الناس، أو أخبره به ثقة، ورأى رجلاً يعرف بالفجور يدخل إِليها فيباح قذفها ولا يجب، وإِن أتت بولد يخالف لونه لونهما لم يبح نفيه بذلك، وقال أبو الخطاب ظاهر كلامه إِباحته.
فصل
وألفاظ القذف (٢) تنقسم إِلى صريح وكناية:
فالصريح قوله: يا زاني، يا عاهر زنى فرجك ونحوه مما لا يحتمل غير القذف فلا يقبل قوله بما يحيله. وإِن قال يا لوطي، يا معفوج فهو صريح. وقال الخرقي إِذا قال: أردت أنك من قوم لوط، فلا حد عليه وهو بعيد، وإِن قال أردت أنك تعمل عمل قوم لوط غير إِتيان الرِّجال احتمل وجهين، وإِن قال لست بولد فلان فقد قذف أمه وإِن قال لست بولدي فعلى وجهين، وإِن قال أنت أزنى الناس أو أزنى من فلانة، أو قال لرجل يا زانية أو لامرأة يا زاني، أو قال زنت يداك ورجلاك فهو صريح في القذف في قول أبي بكر، وليس بصريح عند ابن حامد.
стр. 434
وإِن قال زنأت في الجبل مهموزاً فهو صريح عند أبي بكر، وقال ابن حامد: إِن كان يعرف العربية لم يكن صريحاً. وإِن لم يقل في الجبل فهل هو صريح أو كالتي قبلها؟ على وجهين.
والكناية نحو قوله لامرأته: قد فضحتيه، وغطيت أو نكست رأسه، وجعلت له قروناً، وعلقت عليه أولاداً من غيره، وأفسدت فراشه، أو يقول لمن يخاصمه: يا حلال ابن الحلال ما يعرفك الناس بالزنا والفجور (١) يا عفيف، أو يا فاجرة، يا قحبة، يا خبيثة، أو يقول لعربي: يا نبطي يا فارسي يا رومي، أو يسمع رجلاً يقذف رجلاً فيقول صدقت، أو أخبرني فلان أنك زنيت وكذَّبه الآخر فهذا كناية، إِن فسره بما يحتمله غير القذف قُبل قوله في أحد الوجهين، وفي الآخر جميعه صريح.
وإِن قذف أهل بلدة أو جماعة لا يتصور الزنا من جميعهم عزر ولم يحد، وإِن قال لرجل اقذفني فقذفه فهل يحد؟ على وجهين، وإِن قال لامرأته يا زانية قالت بك زنيت لم تكن قاذفة ويسقط عنه الحد بتصديقها.
وإِذا قذفت المرأة لم يكن لولدها المطالبة إِذا كانت الأم في الحياة، وإِن قذفت وهي ميتة مسلمة كانت أو كافرة، حرة أو أمة، حُدَّ القاذف إِذا طالب الابن، وكان حراً مسلماً، ذكره الخرقي، وقال أبو بكر لا يجب الحد بقذف ميتة.
وإِن مات المقذوف سقط الحد، ومن قذف أم النبي ﷺ قتل، مسلماً كان أو كافراً. وإِن قذف الجماعة بكلمة واحدة فحدٌّ واحدٌ إِذا طالبوا أو واحدٌ منهم، وعنه إِن طالبوا متفرقين حد لكلٍّ واحدٍ حداً [وإِن قذفهم
стр. 435
بكلمات حُدَّ لكل واحد حداً، وإِن حُدَّ للقذف فأعاده لم يُعَد عليه الحد] (١).
باب حَدّ المسكر (٢)
كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام من أي شيء كان، ويسمى خمراً ولا يحل شربه للذة ولا للتداوي، ولا لعطش، ولا غيره، إِلا أن يضطر إِليه لدفع لقمةٍ غص بها فيجوز. ومن شربه مختاراً عالماً أن كثيره يسكر قليلاً كان أو كثيراً فعليه الحد ثمانون جلدة، وعنه أربعون إِن كان حراً، والرقيق على النصف من ذلك، إِلا الذمي فإِنه لا يُحَدُّ بشربه في الصحيح من المذهب، وهل يجب الحد بوجود الرائحة؟ على روايتين.
والعصير إِذا أتت عليه ثلاثة أيام حَرُمَ، إِلا أن يُغْلى قبل ذلك فيحرم نص عليه، وعند أبي الخطاب (٣) أن هذا محمول على عصير يتخمر في ثلاث غالباً.
ولا يكره أن يترك في الماء تمراً أو زبيباً ونحوه ليأخذ ملوحته ما لم يشتد أو يأتي عليه ثلاث.
ولا يكره الانتباذ في الدُّباء والحنتم والنقير والمزفت، وعنه يكره، ويكره الخليطان، وهو: أن ينتبذ شيئين كالتمر والزبيب ولا بأس بالفُقَّاع.
стр. 436
باب التّعزير
وهو التأديب. وهو واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ كالاستمتاع الذي لا يوجب الحد، وإِتيان المرأة المرأة، وسرقة ما لا يوجب القطع، والجناية على الناس بما لا قصاص فيه، والقذف بغير الزنا ونحوه.
ومن وطئ أمة امرأته فعليه الحد، إِلا أن تكون أحلتها له فيجلد مائة، وهل يلحقه نسب ولدها؟ على روايتين. ولا يسقط الحد بالإِباحة في غير هذا الموضع. ولا يزاد في التعزير على عشر جلدات في غير هذا الموضع، لقول النبي ﷺ : "لا يجلد أحد فوق عشر جلدات إِلا في حد من حدود الله" (١). وعنه ما كان سببه الوطء كوطء جاريته المشتركة والمزوجة ونحوه، ضرب مائة ويسقط عنه النفي، وكذلك يتخرج فيمن أتى بهيمة، وغير الوطء لا يبلغ به أدنى الحدود، ومن استمنى بيده لغير حاجة عُزِّر، وإِن فعله خوفاً من الزنا فلا شيء عليه.
باب القطع في السرقة
ولا يجب إِلا بسبعة أشياء:
أحدها: السرقة: وهي أخذ المال على جهة الاختفاء. ولا قطع على منتهب، ولا مختلس، ولا غاصب، ولا خائن، ولا جاحد وديعة ولا عارية، [وعنه يقطع جاحد العارية أيضاً (٢)]، ويقطع الطرار وهو الذي يبط الجيب وغيره ويأخذ منه، وعنه لا يقطع.
стр. 437
فصل
الثاني: أن يكون المسروق مالًا محترماً، سواء كان مما يسرع إِليه الفساد كالفاكهة، والبطيخ أو لا، وسواء كان ثميناً كالمتاع والذهب، أو غير ثمين كالخشب والقصب.
ويقطع بسرقة العبد الصغير ولا يقطع بسرقة حُرٍّ وإِن كان صغيراً، وعنه أنه يقطع بسرقة الصغير، فإِن قلنا لا يقطع فسَرَقَهُ وعليه حلي فهل يقطع؟ على وجهين.
ولا يقطع بسرقة مصحف، وعند أبي الخطاب يقطع، ويقطع بسرقة سائر كتب العلم.
ولا يقطع بسرقة آلة لهو، ولا محرم كالخمر، وإِن سرق آنية فيها الخمر أو صليباً أو صنم ذهب لم يقطع، وعند أبي الخطاب يقطع.
فصل
الثالث: أن يسرق نصاباً وهو ثلاثة دراهم، أو قيمة ذلك من الذهب والعروض، وعنه أنه ثلاثة دراهم أو ربع دينار، أو ما يبلغ قيمة أحدهما من غيرهما، وعنه لا تُقَوَّم العَرُوض إِلا بالدراهم، وإِذا سرق نصاباً ثم نقصت قيمته، أو ملكه ببيع أو هبة أو غيرها لم يسقط القطع.
وإِن دخل الحرز فذبح شاة قيمتها نصاب فنقصت عن النصاب ثم أخرجها لم يقطع.
وإِن سَرَقَ فَرْدَ خُفٍّ قيمته منفرداً درهمان وقيمته مع الآخر أربعة لم يقطع. وإِن اشترك جماعة في سرقة نصاب قطعوا سواء أخرجوه جملة أو أخرج كل واحد جزءاً.
стр. 438
وإِن هتك اثنان حرزاً ودخلاه فأخرج أحدهما نصاباً وحده، أو دخل أحدهما فقدمه إِلى باب النقب، وأدخل الآخر يده فأخرجَهُ قُطِعا، وإِن رماه الداخل إِلى خارج وأخذه الآخر فالقطع على الداخل وحده، وإِن نقب أحدهما ودخل الآخر فأخرجه فلا قطع عليهما، ويحتمل أن يقطعا إِلا أن ينقب أحدهما ويذهب فيأتي الآخر من غير علم فيسرق فلا قطع.
فصل
الرابع: أن يخرجه من الحرز، فإِن سرق من غير حرز أو دخل الحرز فأتلفه فيه فلا قطع عليه.
وإِن ابتلع جوهراً أو ذهباً وخرج به، أو نقب ودخل فترك المتاع على بهيمة فخرجت به، أو في ماء جار فأخرجه، أو قال لصغير أو معتوه ادخل فأخرجه ففعل فعليه القطع.
وحرز المال ما جرت العادة بحفظه فيه، ويختلف باختلاف الأموال والبلدان وعدل السلطان وجوره وقوته وضعفه: فحرز الأثمان والجواهر والقماش في الدور والدكاكين في العمران، وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة، وحرز البقل والباقلا ونحوه وقدوره وراء الشرايج إِذا كان في السوق حارس، وحرز الحطب والخشب الحظائر، وحرز المواشي الصِّير، وحرزها في المرعى بالراعي ونظره إِليها، وحرز حمولة الإِبل بتقطيرها وقائدها وسائقها إِذا كان يراها، وحرز الثياب في الحمام بالحافظ، وحرز الكفن في القبر على الميت؛ فلو نبش قبراً وأخذ الكفن قطع، وحرز الباب تركيبه في موضعه، فلو سرق رتاج الكعبة أو باب مسجد أو تأزيره قطع، ولا يقطع بسرقة ستائرها، وقال القاضي: يقطع بسرقة المخيطة عليها، وإِن سرق قناديل المسجد أو حصره فعلى وجهين.
стр. 439
وإِن نام إِنسان على ردائه في المسجد فسرق سارق قُطِع، وإِن مال رأسه عنه لم يقطع بسرقته.
وإِن سرق من السوق غزلاً وثمَّ حافظ قُطِع، وإِلا فلا.
ومن سرق من النخل والشجر من غير حرز فلا قطع عليه ويضمن عوضهما مرتين، وقال أبو بكر: ما كان حرزاً لمال فهو حرز لمال آخر.
فصل
الخامس: انتفاء الشبهة فلا يقطع بالسرقة من مال ابنه وإِن سفل، ولا الولد من مال أبيه وإِن علا، والأب والأم في هذا سواء، ولا العبد (١) بالسرقة من مال سيده، ولا مسلم بالسرقة من بيت المال ولا من مال له فيه شركة، أو لأحد ممَّن لا يقطع بالسرقة منه، ومن سرق من الغنيمة ممن له فيها حق أو لِوَلَدِهِ (٢) أو لسيده لم يقطع، وهل يقطع أحد الزوجين بالسرقة من مال الآخر المحرز عنه؟ على روايتين.
ويقطع سائر الأقارب بالسرقة من مال أقاربهم، ويقطع المسلم بالسرقة من مال الذمي والمستأمن، ويقطعان بسرقة ماله.
ومن سرق عيناً وادعى أنها ملكه لم يقطع، وعنه يقطع، وعنه لا يقطع إِلا أن يكون معروفاً بالسرقة.
وإِذا سرق المسروق منه مال السارق، أو المغصوب منه مال الغاصب من الحرز الذي فيه العين المسروقة أو المغصوبة لم يقطع، وإِن سرق من غير ذلك الحرز، أو سرق من مال من له عليه دين قطع إِلا أن يعجز عن أخذه فيسرق قدر حقه فلا يقطع، وقال القاضي يقطع.
стр. 440
ومن قطع بسرقة عين ثم عاد فسرقها قطع.
ومن أجَّر داره أو أعارها ثم سرق منها مال المستعير أو المستأجر قطع.
فصل
السادس: ثبوت السرقة بشهادة عدلين، أو إِقرار مرتين. ولا ينزع عن إِقراره حتى يقطع.
السابع: مطالبة المسروق منه بماله. وقال أبو بكر: ليس ذلك بشرط.
فصل
وإِذا وجب القطع قطعت يده اليمنى من مفصل الكف وحسمت، وهو أن تغمس في زيت مغلي، فإِن عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب وحسمت، فإِن عاد حبس ولم يقطع، وعنه أنه تقطع يده اليسرى في الثالثة والرجل اليمنى في الرابعة.
ومن سرق وليس له يد يمنى قطعت رجله اليسرى وإن سرق وله يمنى فذهبت سقط القطع، وإِن ذهبت يده اليسرى لم تقطع اليمنى على الرواية الأولى، وتقطع على الأخرى، وإِن وجب قطع يمناه فقطع القاطع يسراه عمداً فعليه القود، إِن قطعها خطأ فعليه ديتها، وفي قطع يمين السارق وجهان.
ويجتمع القطع والضمان فيرد العين المسروقة إِلى مالكها، وإِن كانت تالفة غرم قيمتها وقطع، وهل يجب الزيت الذي يحسم به من بيت المال أو من مال السارق؟ على وجهين.
стр. 441
باب حدّ المحاربين
وهم قطاع الطريق، وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء فيغصبونهم المال مجاهرة، فأما من يأخذه سرقة فليس بمحارب. وإِن فعلوا ذلك في البنيان (١) لم يكونوا محاربين في قول الخرقي، وقال أبو بكر حكمهم في المصر والصحراء واحد.
وإِذا قدر عليهم فمن كان منهم قد قَتَل من يكافئه وأخذ المال قتل حتماً وصلب حتى يشتهر، وقال أبو بكر: يصلب قدر ما يقع عليه اسم الصلب، وعن أحمد أنه يقطع من ذلك. وإِن قتل من لا يكافئه فهل يقتل؟ على روايتين.
وإِن جنى جناية توجب القصاص فيما دون النفس فهل يتحتم استيفاؤه؟ على وجهين، وحكم الرِّدْءِ حكم المباشر.
ومن قتل ولم يأخذ المال قتل، وهل يصلب؟ على روايتين.
ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد وحُسِمَتَا وخلي، ولا يقطع منهم إِلا من أخذ ما يُقطع السّارق في مثله، وإِن كانت يمينه مقطوعة أو مستحقة في قصاص أو شلاء قطعت رجله اليسرى، وهل تقطع يسرى يديه؟ ينبني على الروايتين في قطع يسرى السارق في المرة الثالثة.
ومن لم يقتل ولا أخذ المال، نُفي وشُرد ولا يترك يأوي إِلى بلد، وعنه أن نفيه تعزيره بما يردعه.
ومن تاب منهم قبل القدرة عليه سقطت عنه حدود الله من الصلب
стр. 442
والقطع والنفي وانحتام القتل، وأخذ بحقوق الآدميين: من الأنفس، والجراح، والأموال، إِلا أن يُعفى له عنها.
ومن وجب عليه حد لله سوى ذلك فتاب قبل إِقامته لم يسقط، وعنه أنه يسقط بمجرد التوبة قبل إِصلاح العمل، ومن مات وعليه حد سقط عنه.
فصل
ومن أُريدت نفسه، أو حرمته، أو ماله، فله الدفع عن ذلك بأسهل ما يعلم دفعه به، فإِن لم يحصل إِلا بالقتل فله ذلك ولا شيء عليه، وإِن قُتِل كان شهيداً، وهل يجب عليه الدفع عن نفسه؟ على روايتين. وسواء كان الصائل آدمياً أو بهيمة، وإِذا دخل رجل منزله متلصصاً أو صائلاً فحكمه حكم ما ذكرنا.
وإِن عضَّ إِنسانٌ إِنساناً فانتزع يده من فيه فسقطت ثناياه ذهبت هدراً.
وإِن نظر في بيته من خصاص الباب أو نحوه، فَخَذَفَ عينه ففقأها فلا شيء عليه.
باب قتال أهل البغي
وهم القوم الذين يخرجون على الإمام بتأويل سائغ، ولهم منعة وشوكة، وعلى الإِمام أن يراسلهم، ويسألهم ما ينقمون منه، ويزيل ما يذكرونه من مظلمة، ويكشف ما يدعونه من شبهة، فإِن فاؤوا وإِلا قاتلهم، وعلى رعيته معونته على حربهم، فإِن استنظروه مدة رجاء رجوعهم فيها أنظرهم، وإِن ظن أنها مكيدة لم ينظرهم وقاتلهم.
ولا يقاتلهم بما يعم إِتلافه كالمنجنيق والنار إِلا لضرورة، ولا يستعين في حربهم بكافر، وهل يجوز أن يستعين عليهم بسلاحهم وكراعهم؟ على
стр. 443
وجهين. ولا يتبع لهم مُدْبِرٌ، ولا يُجْهِزُ لهم على جريح، ولا يغنم لهم مال، ولا تسبى لهم ذرية، ومن أسر من رجالهم حبس حتى تنقضي الحرب ثم يرسل.
وِإن أسر صبي أو امرأة فهل يفعل به ذلك أو يخلى في الحال؟ يحتمل وجهين.
وإِذا انقضى الحرب فمن وجد منهم ماله في يد إِنسان أخذه، ولا يضمن أهل العدل ما أتلفوا عليهم حال الحرب من نفس أو مال، وهل يلزم (١) البغاة ما أتلفوه على أهل العدل في الحرب؟ على روايتين.
ومن أتلف في غير حال الحرب شيئاً ضمنه، وما أخذوا في حال امتناعهم من زكاة أو خراج أو جزية لم يعد عليهم ولا على صاحبه، ومن ادعى دفع زكاته إِليهم قبل بغير يمين، وإِن ادعى ذمي دفع جزيته إِليهم لم يقبل إِلا ببينة، وإِن ادعى إِنسان دفع خراجه إِليهم فهل يقبل بغير بينة؟ على وجهين. وتجوز شهادتهم، ولا يُنقض من حكم حاكمهم إِلا ما يُنقض من حكم غيره.
وإِن استعانوا بأهل الذمة فأعانوهم انتقض عهدهم، إِلا أن يدّعوا أنهم ظنوا أنه يجب عليهم معونة من استعان بهم من المسلمين ونحو ذلك فلا ينتقض عهدهم ويغرمون ما أتلفوه من نفس ومال.
وإِن استعانوا بأهل الحرب وآمنوهم لم يصح أمانهم وأبيح قتلهم.
وإِن أظهر قوم رأي الخوارج ولم يجتمعوا لحرب لم يتعرض لهم، فإِن سَبُّوا الإمام عزرهم، وإِن جنوا جناية أو أتوا حداً أقامه عليهم، وإِن اقتتلت طائفتان لعصبية أو طلب رئاسة فهما ظالمتان، وتضمن كل واحدة ما أتلفت على الأخرى.
стр. 444
باب حكم المرتد
وهو الذي يَكْفُرُ بعد إِسلامه. فمن أشرك بالله أو جحد ربوبيته أو وحدانيته أو صفة من صفاته، أو اتخذ لله صاحبة أو ولداً، أو جحد نبياً أو كتاباً من كتب الله تعالى أو شيئاً منه، أو سبَّ الله تعالى أو رسوله كُفِّر.
ومن جحد وجوب العبادات الخمس أو شيئاً منها، أو أحل الزنا أو الخمر أو شيئاً من المحرمات الظاهرة المجمع عليها لجهل عُرِّف ذلك، وإِن كان ممن لا يجهل ذلك كُفِّرَ.
وإِن ترك شيئاً من العبادات الخمس تهاوناً لم يُكَفَّرْ، وعنه (١) يُكَفَّرُ إِلا الحج لا يكفر بتأخيره بحال. فمن ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وهو بالغ عاقل دعى إِليه ثلاثة أيام وضيق عليه، فإِن لم يتب قتل، وعنه لا تجب استتابته بل تستحب ويجوز قتله في الحال.
ويقتل بالسيف، ولا يقتله إِلا الإمام أو نائبه فإِن قتله غيره بغير إِذنه أساء وعزر ولا ضمان عليه سواء قتله قبل الاستتابة أو بعدها.
وإِن عقل الصبي الإِسلام صَحَّ إِسلامه وردته، وعنه يصح إِسلامه دون ردته، وعنه لا يصح شيء منهما حتى يبلغ، والمذهب الأول، وإِن أسلم ثم قال لم أدر ما قلت لم يلتفت إِلى قوله وأجبر على الإِسلام ولا يقتل حتى يبلغ ويجاوز ثلاثة أيام من وقت بلوغه، فإِن ثبت على كفره قتل.
стр. 445
ومن ارتد وهو سكران لم يقتل حتى يصحو وتتم له ثلاثة أيام من وقت ردته، فإِن مات في سكره مات كافراً. وعنه لا تصح ردته وهل تقبل توبة الزنديق ومن تكررت ردته أو من سب الله تعالى أو رسوله والساحر؟ على روايتين:
إِحداهما لا تقبل توبته ويقتل بكل حال.
والأخرى تقبل توبته كغيره.
وتوبة المرتد إِسلامه، وهو: أن يشهد أن لا إِله إِلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إِلا أن تكون ردَّته بإِنكار فرض أو إِحلال محرم أو جحد نبي أو كتاب، أو إِلى دين من يعتقد أن محمداً بعث إِلى العرب خاصة فلا يصح إِسلامه حتى يقر بما جحده ويشهد أن محمداً بعث إِلى العالمين أو يقول أنا بريء من كل دين يخالف دين الإِسلام.
وإِذا مات المرتد فأقام وارثه بينة أنه صلى بعد الردة حكم بإِسلامه.
ولا يبطل إِحصان المسلم بردته ولا عبادته التي فعلها في إِسلامه إِذا عاد إِلى الإِسلام.
فصل
ومن ارتد لم يُزلْ ملكه بل يكون ملكه موقوفاً، وتصرفاته موقوفة، فإِن أسلم ثبت ملكه وتصرفاته وإِلا بطلت، وتُقضى ديونه وأُروش جناياته وينفق عليه وعلى من تلزمه مؤنته وما أتلف من شيء ضمنه، ويتخرج في الجماعة الممتنعة أن لا تضمن ما أتلفته، وقال أبو بكر: يزول ملكه بردته ولا يصح تصرفه، وإِن أسلم رد إِليه تمليكاً مستأنفاً.
وإِذا أسلم فهل يلزمه قضاء ما ترك من العبادات؟ على روايتين. وإِذا ارتد الزوجان ولحقا بدار الحرب ثم قدر عليهما لم يجز استرقاقهما ولا
стр. 446
استرقاق أولادهما الذين ولدوا في دار الإِسلام، ومن لم يسلم منهم قتل ويجوز استرقاق من ولد بعد الردة، وهل يُقَرُّون على كفرهم؟ على روايتين.
فصل
والساحر الذي يركب المكنسة وتسير به في الهواء ونحوه يُكَفَّرُ ويُقْتَلُ، فأما الذي يسحر بالأدوية والتدخين وسقي شيء يضر، فلا يُكَفَّرُ ولا يُقتل ولكن يعزر ويقتص منه إِن فعل ما يوجب القصاص، فأما الذي يعزم على الجن، ويزعم أنه يجمعها فتطيعه فلا يكفر ولا يقتل، وذكره أبو الخطاب في السحرة الذين يقتلون.
* * *
стр. 447
كتاب الأطمعة
والأصل فيها الحل فيحل كل طعام طاهر لا مضرة فيه من الحبوب والثمار وغيرها. فأما النجاسات كالميتة والدم وغيرهما وما فيه مضرة من السموم ونحوها فمحرمة.
والحيوانات مباحة إِلا الحمر الأهلية وما له ناب يفرس به كالأسد والنمر والذئب والفهد والكلب والخنزير وابن آوى والسنور وابن عرس والنمس والقرد إِلا الضبع، وما له مخلب من الطير يصيد به كالعقاب والبازي والصقر والشاهين والحدأة والبومة، وما يأكل الجيف كالنسر والرخم واللقلق وغراب البين والأبقع، وما يستخبث كالقنفذ والفأر والحيات والعقارب والحشرات كلها، وما تولد من مأكول وغيره كالبغل والسمع ولد الضبع من الذئب، والعسار ولد الذئبة من الذيخ، وفي الثعلب والوبر وسنور البر واليربوع روايتان. وما عدا هذا مباح كبهيمة الأنعام، والخيل والدجاج، والوحشي من البقر، والظباء والحمر، والزرافة، والنعامة، والأرنب، وسائر الوحش، والضبع والضب والزاغ وغراب الزرع وسائر الطير وجميع حيوان البحر، إِلا الضفدع والحية والتمساح، وقال ابن حامد: وإِلا الكوسج وقال أبو علي النجاد (١): لا يباح من البحري ما يحرم نظيره في البر كخنزير الماء وإِنسانه.
وتحرم الجلاَّلة التي أكثر علفها النجاسة ولبنها وبيضها حتى تحبس،
стр. 448
وعنه تكره ولا تحرم، وتحبس ثلاثاً، وعنه يحبس الطائر ثلاثاً والشاة سبعاً، وما عدا ذلك أربعين، يوماً.
وما سقيه بالماء النجس من الزرع والثمر محرم، فإِن سقي بالطاهر طَهُر وحلَّ، وقال ابن عقيل: ليس ينجس ولا محرم بل يطهر بالاستحالة كالدم يصير لبناً.
فصل
ومن اضطر إِلى محرم مما ذكرنا حل له منه ما يسد رمقه وهل له الشبع؟ على روايتين.
فإِن وجد طعاماً لا يعرف مالكه وميتة أو صيداً وهو محرم فقال أصحابنا ياكل الميتة ويحتمل أن يحل له الطعام والصيد إِذا لم تقبل نفسه الميتة، وإِن لم يجد إِلا طعاماً لم يبذله مالكه، فإِن كان صاحبه مضطراً إِليه فهو أحق به وإِلا لزمه بذله بقيمته، فإِن أبى فللمضطر أخذه قهراً ويعطيه قيمته، فإن منعه فله قتاله على ما يسد رمقه أو قدر شبعه على اختلاف الروايتين، فإِن قُتِل صاحب الطعام لم يجب ضمانه، وإِن قتل المضطر فعليه ضمانه، فإِن لم يجد إِلا آدمياً مباح الدم كالحربي والزاني المحصن حل قتله وأكله، وإِن وجد معصوماً ميتاً ففي جواز أكله وجهان.
فصل
ومن مر بثمر في شجره لا حائط عليه ولا ناظر، فله أن يأكل منه ولا يحمل، وعنه لا يحل ذلك إِلا لحاجة، وفي الزرع وشرب لبن الماشية روايتان.
ويجب على المسلم ضيافة المسلم المجتاز به يوماً وليلة فإِن أبى فللضيف طلبه به عند الحاكم، وتستحب ضيافته ثلاثاً فما زاد فهو صدقة، ولا يجب عليه إِنزاله في بيته إِلا أن لا يجد مسجداً أو رباطاً يبيت فيه.
стр. 449
باب الذكاة
لا يباح شيء من الحيوانات المقدور عليه بغير ذكاته إِلا الجراد وشبهه، والسمك وسائر ما لا يعيش إِلا في الماء فلا ذكاة له، وعنه في السرطان وسائر البحري أنه يحل بلا ذكاة وعنه في الجراد لا يؤكل إِلا أن يموت بسبب ككبسه وتغريقه.
ويشترط للذكاة شروط أربعة:
أحدها: أهلية الذابح وهو: أن يكون عاقلاً مسلماً أو كتابياً فتباح ذبيحته، ذكراً كان أو أنثى، وعنه لا تباح ذبيحة نصارى بني تغلب، ولا مَنْ أَحدُ أبويه غير كتابي، ولا تباح ذكاة مجنون، ولا سكران، ولا طفل غير مميز، ولا وثني، ولا مجوسي، ولا مرتد.
فصل
الثاني: الآلة وهو: أن يذبح بمحدد سواء كان من حديد أو حجر أو قصب أو غيره إِلا السن والظفر لقول النبي ﷺ : "ما أنهرَ الَّدمَ فَكُلْ إِلا السِّنَ والظُّفْرَ" (١).
فإِن ذبح بآلة مغصوبة حل في أصح الوجهين.
стр. 450
فصل
الثالث: أن يقطع الحلقوم والمريء، وعنه يشترط مع ذلك قطع الودجين، وإِن نحره أجزأه وهو: أن يطعنه بمحدد في لبته (١)، والمستحب أن يُنحر البعير ويُذبح ما سواه، فإِن عجز عن ذلك: مثل أن يند البعير، أو يتردى في بئر، فلا يقدر على ذبحه صار كالصيد إِذا جرحه في أي موضع أمكنه فقتله حل أكله، إِلا أن يموت بغيره مثل أن يكون رأسه في الماء فلا يباح، وإِن ذبحها من قفاها وهو مخطئ فأتت السكين على موضع ذبحها وهي في الحياة أكلت، وإِن فعله عمداً فعلى وجهين. وكل ما وجد فيه سبب الموت كالمنخنقة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع إِذا أدرك ذكاتها وفيها حياة مستقرة أكثر من حركة المذبوح حلت، وإِن صارت حركتها كحركة المذبوح لم تحل.
فصل
الرابع: أن يذكر اسم الله عند الذبح، وهو أن يقول: بسم الله لا يقوم غيرها مقامها إِلا الأخرس فإِنه يومئ إِلى السماء فإِن ترك التسمية عمداً لم تبح وإِن تركها ساهياً أبيحت، وعنه تباح في الحالين، وعنه لا تباح فيهما.
وتحصل ذكاة الجنين بذكاة أمه إِذا خرج ميتاً أو متحركاً كحركة المذبوح، وإِن كانت (٢) فيه حياة مستقرة لم يبح إِلا بذبحه، وسواء أشعر أو لم يشعر.
стр. 451
فصل
ويكره: توجيه الذبيحة إِلى غير القبلة، والذبح بآلة كَالَّةٍ، وأن يحد السكين والحيوان يبصره، وأن يكسر عنق الحيوان أو يسلخه حتى يبرد، فإِن فعل أساء وأكلت؟ وإِذا ذُبِحَ الحيوان ثم غَرِق في ماء أو وَطِئَ عليه شيءٌ يقتله مثله فهل يحل؟ على روايتين.
وإِذا ذبح الكتابي ما يحرم عليه كذي الظفر لم يحرم علينا، وإِن ذبح حيواناً غيره لم تحرم علينا الشحوم المحرمة عليهم، وهو: شحم الثرب والكليتين في ظاهر كلام أحمد ﵀، واختاره ابن حامد، وحكاه عن الخرقي في كلام مفرد، واختار أبو الحسن التميمي والقاضي تحريمه، وإِن ذبح لعيده أو ليتقرب به إِلى شيء مما يعظمونه لم يحرم، نص عليه.
ومن ذبح حيواناً فوجد في بطنه جراداً، أو طائراً فوجد في حوصلته حباً أو وجد الحب في بعر الجمل، لم يحرم، وعنه يحرم.
* * *
стр. 452
كتاب الصَّيد
ومن صاد صيداً فأدركه حياً حياة مستقرة لم يحل إِلا بالذكاة، فإِن خشي موته ولم يجد ما يذكيه به ارسل الصائد له عليه حتى يقتله في إِحدى الروايتين، واختاره الخرقي، فإِن لم يفعل وتركه حتى مات لم يحل، وقال القاضي: يحل والرواية الأخرى لا يحل إِلاَّ أن يذكيه.
وإِن رمى صيداً فأثبته، ثم رماه آخر فقتله لم يحل، ولمن أثبته قيمته مجروحاً على قاتله إِلا أن يصيب الأول مقتله دون الثاني أو يصيب الثاني مذبحه فيحل، وعلى الثاني ما خرق من جلده.
وإِن أدرك الصيد متحركاً كحركة المذبوح فهو كالميتة (١)، ومتى أدركه ميتاً حل بشروط أربعة:
أحدها أن يكون الصائد من أهل الذكاة، فإِن رمى مسلمٌ ومجوسيٌّ صيداً أو أرسلا عليه جارحاً أو شارك كلب المجوسي كلب المسلم في قتله لم يحل، وإِن أصاب سهم أحدهما المقتل دون الآخر فالحكم له، ويحتمل أن لا يحل، وإِن رد كلب المجوسي الصيد على كلب المسلم فقتله حل، وإِن صاد المسلم بكلب المجوسي حل، وعنه لا يحل، وإِن صاد المجوسي بكلب مسلم لم يحل، وإِن أرسل المسلم كلباً فزجره المجوسي حل صيده، وإِن أرسله مجوسي فزجره مسلم لم يحل.
стр. 453
فصل
الثاني: الآلة: وهو نوعان:
محدد فيشترط له ما يشترط لآلة الذكاة ولا بد من جرحه به، فإِن قتله بثقله لم يبح، وإِن صاد بالمعراض أكل ما قتل بحده دون عَرْضِهِ، وإِن نصب مناجل أو سكاكين وسمى عند نصبها فقتلت صيداً أبيح، وإِن قتل بسهم مسموم لم يبح، إِذا غلب على الظن أن السم أعان على قتله، ولو رماه فوقع في ماءٍ أو تردى من جبل، أو وطئ عليه شيء فقتله لم يحل إِلا أن يكون الجرح موحياً كالذكاة فهل يحل؟ على روايتين. وإِن رماه في الهواء فوقع على الأرض فمات حل، وإِن رمى صيداً فغاب عنه ثم وجده ميتاً لا أثر به غير سهمه حل، وعنه إِن كانت الجراح موحية حل وإِلا فلا، وعنه إِن وجده في يومه حل وإِلا فلا، وإِن وجد به غير أثر سهمه مما يحتمل أن يكون أعان على قتله لم يبح، وإِن ضربه فأبان منه عضواً وبقيت فيه حياة مستقرة لم يبح ما بان منه، وإِن بقي معلقاً بجلدة حل، وإِن أبانه ومات في الحال حل الجميع، وعنه لا يباح ما أبان منه.
وإِن أخذ قطعة من حوت وأفلت حياً أبيح ما أخذ منه، وأما ما ليس بمحدد كالبندق والحجر والعصا والشبكة والفخ فلا يباح ما قتل به لأنه وقيذ.
النوع الثاني: الجارحة فيباح ما قتلته إِذا كانت معلمة إِلا الكلب الأسود البهيم فلا يباح صيده.
والجوارح نوعان:
ما يصيد بنابه كالكلب والفهد، فتعليمه بثلاثة أشياء:
أن يسترسل إِذا أُرسل.
وينزجر إِذا زُجر.
стр. 454
وإِذا أمسك لم يأكل، ولا يعتبر تكرر ذلك منه فإِن أكل بعد تعلمه لم يحرم ما تقدم من صيده ولم يبح ما أكل منه في إِحدى الروايتين والأخرى يحل.
والثاني ذو المخلب كالبازي والصقر والعقاب والشاهين فتعليمه بأن
يسترسل إِذا أرسل ويجيب إِذا دعي، ولا يعتبر ترك الأكل.
ولابُدَّ أن يجرح الصيد، فإِن قتله بصدمته أو خنقه لم يُبَحْ، وقال ابن حامد يباح، وما أصابه فم الكلب هل يجب غسله؟ على وجهين.
فصل
الثالث: إِرسال الآلة قاصدًا للصيد: فإِن استرسل الكلب بنفسه أو غيره لم يبح صيده، وإن زجره إِلا أن يزيد عدوه بزجره فيحل. وإِن أرسل كلبه أو سهمه إِلى هدف فقتل صيداً، أو أرسله يريد الصيد ولا يرى صيداً لم يحل صيده إِذا قتله، وإِن رمى حجراً يظنه صيداً فأصاب صيداً لم يحل، ويحتمل أن يحل.
وإِن رمى صيداً فأصاب غيره أو رمى صيداً فقتل جماعة حل. وإِن أرسل سهمه على صيد فأعانته الريح فقتله ولولاها ما وصل حل. وإِن رمى صيداً فأثبته حلّ، فإِن تحامل فأخذه غيره لزمه رده، وإِن لم يثبته فدخل خيمة إِنسان فأخذه فهو لآخذه، ولو وقع في شبكته صيد فخرقها وذهب بها فصاده آخر فهو للثاني.
وإِن كان في سفينة فوثبت سمكة فوقعت في حجره فهي له دون صاحب السفينة. وإِن صنع بركة ليصيد بها السمك فما حصل فيها ملكه وإِن لم يقصد بها ذلك لم يملكه وكذلك إِن حصل في أرضه سمك أو عشش فيها طائر لم يملكه ولغيره أخذه ويكره صيد السمك بالنجاسة وصيد الطير
стр. 455
بالشباك (١)، وإِذا أرسل صيداً وقال أَعْتَقْتُكَ لم يَزُلْ مُلْكُهُ عنه، ويُحْتَمَلُ أن يزول ويملكه من أَخَذَهُ.
فصل
الرابع: التسمية عند إِرسال السَّهْمِ أو الجَارِحَةِ، فإِن تركها لم يُبَحْ سواء تركها عمداً أو سهواً في ظاهر المذهب، وعنه إِن نسيها على السهم أُبِيحَ وإِن نسيها على الجارحة لم يُبَحْ.
* * *
стр. 456
كتاب الأَيمان
واليمين التي تجب بها الكفارة هي اليمين بالله تعالى أو صفة من صفاته.
وأسماء الله تعالى قسمان:
أحدهما ما لا يسمى به غيره نحو: والله والقديم الأزلي، والأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء وخالق الخلق، ورازق العالمين، فهذا القسم به يمين بكل حال.
والثاني ما يسمى به غيره وإِطلاقه ينصرف إِلى الله سبحانه: كالرحمن والرحيم والعظيم والقادر والرب والمولى والرزاق (١) ونحوه، فهذا إِن نوى بالقسم به اسم الله أو أطلق فهو يمين، وإِن نوى غيره فليس بيمين.
وأما ما لا يعد من أسمائه كالشيء والموجود فإِن لم ينو به الله تعالى لم يكن يميناً، وإِن نواه كان يميناً وقال القاضي (٢): لا يكون (٣) يميناً أيضاً.
وإِن قال وحق الله، وعهد الله، وايم الله، وأمانة الله، وميثاقه،
стр. 457
وقدرته، وعظمته، وكبريائه، وجلاله، وعزته، ونحو ذلك فهو يمين، وإِن قال والعهد والميثاق وسائر ذلك ولم يضفه إِلى الله تعالى لم يكن يميناً إِلا أن ينوي به صفة الله تعالئ، وعنه يكون يميناً.
وإِن قال لعمر الله كان يميناً، وقال أبو بكر: لا يكون يميناً إِلا أن ينوي.
وإِن حلف بكلام الله أو بالمصحف أو بالقرآن فهو يمين فيها كفارة واحدة وعنه، عليه بكل آية كفارة.
وإِن قال أحلف بالله أو أشهد بالله، أو أقسم بالله، أو أعزم بالله، كان يميناً، وإِن لم يذكر اسم الله لم يكن يميناً إِلا أن ينوي، وعنه يكون يميناً.
فصل
وحروف القسم: الباء والواو والتاء في اسم الله تعالى خاصة، ويجوز القسم بغير حرف القسم فيقول: اللهَ لأفعلن بالجر والنصب: فإِن قال: الله لأفعلن مرفوعاً كان يميناً إِلا أن يكون من أهل العربية ولا ينوي اليمين.
ويكره الحلف بغير الله تعالى ويحتمل أن يكون محرماً، ولا تجب الكفارة باليمين به، سواء أضافه إِلى الله تعالى مثل قوله: ومعلوم الله، وخلقه، ورزقه، وبيته، أو لم يضفه مثل: والكعبة، وأبي، قال أصحابنا تجب الكفارة بالحلف برسول الله ﷺ خاصة.
فصل
ويشترط لوجوب الكفارة ثلاثة شروط:
أحدها: أن تكون اليمين منعقدة، وهي التي يمكن فيها البر والحنث، وذلك الحلف على مستقبل ممكن، فأما اليمين على الماضي فليست منعقدة، وهي نوعان:
стр. 458
يمين الغموس، وهي التي يحلف بها عالماً بكذبه، وعنه فيها الكفارة، ومثلها الحلف على مستحيل كقتل الميت وإِحيائه وشرب ماء الكوز ولا ماء فيه.
الثاني لغو اليمين: وهي أن يحلف على شيء يظنه فيبين بخلافه فلا كفارة فيها.
فصل
الثاني (١): أن يحلف مختاراً: فإِن حلف مكرهاً لم تنعقد يمينه، وإِن سبقت اليمين على لسانه من غير قصد إِليها كقوله: لا والله، وبلى والله، في عرض حديثه فلا كفارة عليه.
فصل
الثالث (٢): الحنث في يمينه بأن يفعل ما حلف على تركه أو يترك ما حلف على فعله مختاراً ذاكراً، وإِن فعله مكرهاً أو ناسياً فلا كفارة عليه وعنه على الناسي كفارة. وإِن حلف فقال إِن شاء الله لم يحنث فعل أو ترك إِذا كان متصلًا باليمين، وإِذا حلف ليفعلن شيئاً ونوى وقتاً بعينه تقيد به وإِن لم ينو لم يحنث حتى ييئس من فعله إِما بتلف المحلوف عليه أو موت الحالف ونحو ذلك.
وإِذا حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها استحب له الحنث والتكفير.
стр. 459
ولا يستحب تكرار الحلف، وإِن دعي إِلى الحلف عند الحاكم وهو محق استحب له افتداء يمينه فإِن حلف فلا بأس.
فصل
وإِن حرَّم أمته أو شيئاً من الحلال لم يحرم وعليه كفارة يمين إِن فعله، ويحتمل إِن يحرم تحريماً تزيله الكفارة. وإِن قال هو يهودي، أو كافر، أو برئ من الله تعالى أو الإِسلام أو القرآن أو النبي ﵇ إِن فعل ذلك، فقد فعل محرماً وعليه كفارة إِن فعل في إِحدى الروايتين. وإِن قال: أنا أستحل الزنا أو نحوه فعلى وجهين، وإِن قال عصيت الله، أو أنا أعصي الله في كل ما أمرني به، أو محوت المصحف إِن فعلت كذا؛ فلا كفارة فيه، وإِن قال عبد فلان حر لأفعلن فليس بشيء، وعنه عليه كفارة إِن حنث.
وإِن قال: أيمان البيعة تلزمني فهي يمين رتبها الحجاج تشتمل على اليمين بالله تعالى والطلاق والعتاق وصدقة المال، فإِن كان الحالف يعرفها ونواها انعقدت يمينه بما فيها، وإِلا فلا شيء عليه، ويحتمل أن لا تنعقد بحال إِلا في الطلاق والعتاق، وإِن قال علي نذر أو يمين إِن فعلت كذا وفعله، فقال أصحابنا عليه كفارة يمين.
فصل
في كفارة اليمين
وهي تجمع تخييراً أو ترتيباً فيخير فيها بين ثلاثة أشياء:
إِطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة. والكسوة للرجل ثوب يجزئه أن يصلي فيه وللمرأة درع وخمار، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام
стр. 460
متتابعة إِن شاء قبل الحنث وإِن شاء بعده، ولا يجوز تقديمها على اليمين. ومن كرر أيماناً قبل التكفير فعليه كفارة واحدة، وعنه لكل يمين كفارة، والظاهر أنها إِن كانت على فعل واحد فكفارة واحدة، وإِن كانت على أفعال فعليه لكل يمين كفارة، وإِن كانت الأيمان مختلفة الكفارة: كالظهار واليمين بالله تعالى فلكل يمين كفارتها. وكفارة العبد الصيام وليس لسيده منعه منه. ومن نصفه حر فحكمه في الكفارة حكم الأحرار.
باب جامع الأيمان
ويرجع في الأيمان إِلى النية، فإِن لم يكن فيها نية رجع إِلى سبب اليمين وما هيَّجها: فإِذا حلف لَيَقْضِيَنَّه حقه غداً فقضاه قبله لم يحنث إِذا قصد أن لا يتجاوزه أو كان السبب يقتضيه، وإِن حلف لا يبيع ثوبه إِلا بمائه فباعه بأكثر لم يحنث وإِن باعه بأقل حنث، وإِن حلف لا يدخل داراً ونوى اليوم لم يحنث بالدخول في غيره.
وإِن دعي إِلى غداء فحلف لا يتغدى اختصت يمينه به إِذا قصد، وإِن حلف لا يشرب له الماء من العطش يقصد قطع المِنَّةِ حنث بأكل خبزه واستعارة دابته وكل ما فيه المنة.
وإِن حلف لا يلبس ثوباً من غزلها يقصد قطع مِنَّتِها فباعه واشترى بثمنه ثوباً فلبسه حنث وكذلك إِن انتفع بثمنه.
وإِن حلف لا يأوي معها في دار يريد جفاءها ولم يكن لدار سبب هيج يمينه فأوى معها في غيرها حنث، وإِن حلف لعامل لا يخرج إِلا بإِذنه فعزل، أو على زوجته فطلقها، أو على عبده فأعتقه ونحوه، يريد ما دام كذلك انحلت يمينه، وإِن لم تكن له نية انحلت أيضاً، ذكره القاضي لأن الحال تصرف اليمين إِليه، وذكر في موضع آخر: أن السبب إِذا كان يقتضي التعميم عممناها به، وإِن اقتضى الخصوص مثل: من نذر