كتاب الجنائز
يستحب عيادة المريض، وتذكيره التوبة والوصية، فإِذا نزل به تعاهد بلَّ حلقه بماء أو شراب وندَّى شفتيه بقطنة ولقنه قول لا إِله إِلا الله مرة ولم يزد على ثلاث إِلا أن يتكلم بعده فيعيد تلقينه بلطف ومداراة. ويقرأ عنده سورة يس، ويوجهه إِلى القبلة، فإِذا مات أغمض عينيه وشد لحييه وليَّن مفاصله وخلع ثيابه، وسجاه بثوب يستره، وجعل على بطنه مرآة أو نحوها ووضعه على سرير غسله متوجهاً منحدراً نحو رجليه، ويسارع في قضاء دينه، وتفريق وصيته وتجهيزه، إِذا تيقن موته بانخساف صدغيه وميل أنفه وانفصال كفيه واسترخاء رجليه.
فصل في غَسْل الميّت (١)
غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فرض كفاية، وأولى الناس به وصيه ثم أبوه ثم جده ثم الأقرب فالأقرب من عصباته ثم ذوو أرحامه إِلا الصلاة فإِن الأمير أحق بها بعد وصيه.
وغسل المرأة أحق الناس به الأقرب فالأقرب من نسائها. ولكل واحد من الزوجين غسل صاحبه في أصح الروايتين وكذلك السيد مع سريته. وللرجل والمرأة غسل من له دون سبع (٢) سنين، وفيمن زاد على ذلك قبل البلوغ (٣) وفي ابن السبع وجهان.
стр. 72
وِإن مات رجل بين نسوة أو امرأة بين رجال أو خنثى مشكل يمم في أصح الروايتين وفي الأخرى يصب عليه الماء من فوق القميص ولا يمس.
ولا يغسل مسلم كافراً ولا يدفنه إِلا أن لا يجد من يواريه غيره. وإِذا أخذ في غسله ستر عورته وجرده وقال القاضي يغسله في قميص خفيف واسع الكمين.
ويستر الميت عن العيون ولا يحضره إِلا من يعين في غسله، ثم يرفع رأسه برفق إِلى قريب من الجلوس ويعصر بطنه عصراً رفيقاً، ويكثر صب الماء حينئذ ثم يلف على يده خرقة فينجيه بها (١). ولا يحل مس عورته. ويستحب أن لا يمس سائر بدنه إِلا بخرقة، ثم ينوي غسله ويسمى ويدخل إِصبعيه مبلولتين بالماء بين شفتيه فيمسح أسنانه، وفي منخريه فينظفهما ويوضؤه، ولا يدخل الماء في فيه، ولا أنفه، ويضرب السدر فيغسل برغوته رأسه وليحته وسائر بدنه، ثم يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر ثم يفيض الماء على جميع بدنه يفعل ذلك ثلاثاً يمر في كل مرة يده. فإِن لم ينق بالثلاث أو خرج منه شيء غسله إِلى خمس، فإِن زاد فإِلى سبع، ويجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً، والماء الحار والخلال والأشنان يستعمل إِن احتيج إِليه، ويقص شاربه ويقلم أظفاره ولا يسرح شعره ولا لحيته. ويضفر شعر المرأة ثلاثة قرون ويسدل من ورائها، ثم ينشفه بثوب فإِن خرج منه شيء بعد السبع حشاه بالقطن، فإِن لم يستمسك فبالطين الحر، ثم يغسل المحل ويوضأ، وإِن خرج منه شيء بعد وضعه في أكفانه لم يعد إِلى الغسل.
стр. 73
ويغسل المحرم بماء وسدر ولا يلبس المخيط ولا يخمر رأسه ولا يقرب طيباً. والشهيد لا يغسل إِلا أن يكون جنباً، بل ينزع عنه السلاح والجلود ويزمل في ثيابه. وإِن أَحَبَّ كفنه بغيرها، ولا يصلى عليه في أصح الروايتين، وإِن سقط من دابته، أو وجد ميتاً ولا أثر به، أو حمل فأكل أو طال بقاؤه غسل وصلي عليه.
ومن قتل مظلوماً فهل يُلحق بالشهيد؟ على روايتين.
وإِذا ولد السقط لأكثر من أربعة أشهر غسل وصلي عليه ومن تعذر غسله يمم.
وعلى الغاسل ستر ما وراءه إِن لم يكن حسناً.
فصل في الكفن (١)
ويجب كفن الميت في ماله مقدماً على الدين وغيره، فإِن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته إِلا الزوج لا يلزمه كفن امرأته. ويستحب تكفين الرجل في ثلاث لفائف بيض يبسط بعضها فوق بعض بعد تجميرها ثم يوضع عليها مستلقياً ويجعل الحنوط فيما بينها ويجعل منه في قطن يجعل منه بين إِليتيه ويشد فوقه خرقة مشقوقة الطرف كالتبَّان تجمع إِليتيه ومثانته ويجعل الباقي على منافذ وجهه ومواضع سجوده. وإِن طيب جميع بدنه كان حسناً، ثم يرد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن ويرد طرفها الآخر فوقه، ثم يفعل بالثانية والثالثة كذلك ويجعل ما عند رأسه أكثر مما عند رجليه ثم يعقدها. وتحل العقد في القبر ولا يخرق الكفن. وإِن كفن في قميص ومئزر ولفافة جاز.
стр. 74
وتكفن المرأة في خمسة أثواب إِزار، وخمار، وقميص، ولفافتين، والواجب من ذلك ثوب يستر جميعه.
فصل في الصلاة على الميِّت (١)
السنة أن يقوم الإِمام عند رأس الرجل ووسط المرأة ويقدم إِلى الإمام أفضلهم ويجعل وسط المرأة حذاء رأس الرجل. وقال القاضي: يسوي بين رؤَوسهم ويكبر أربع تكبيرات يقرأ في الأولى الفاتحة، ويصلي على النبي ﷺ في الثانية، ويدعو في الثالثة فيقول:
اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، إِنك تعلم منقلبنا ومثوانا، وأنت على كل شيء قدير. اللهم من أحييته منا فأحيه على الإِسلام والسنة، ومن توفيته فتوفه عليهما، اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله وأوسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله داراً خيراً من داره وزوجاً خيراً من زوجه وأدخله الجنة وأعِذْهُ من عذاب القبر وعذاب النار وافسح له في قبره ونور له فيه.
وإِن كان صبياً قال:
اللهم اجعله ذخراً لوالديه وفَرَطاً وأجْراً وشفيعاً مُجاباً. اللهم ثقل به موازينهما وأعظم به أجورهما وألحقه بصالح سلف المؤمنين واجعله في كفالة إِبراهيم وقه برحمتك عذاب الجحيم.
ويقف بعد الرابعة قليلًا ويسلم تسليمة واحدة عن يمينه، ويرفع يديه مع كل تكبيرة.
стр. 75
والواجب من ذلك القيام والتكبيرات والفاتحة والصلاة على النبي ﷺ وأدنى دعاء للميت والسلام.
وإِن كبر الإِمام خمساً كبر بتكبيره. وعنه لا يتابع في زيادة على أربع. وعنه يتابع إِلى سبع. ومن فاته شيء من التكبير قضاه على صفته، وقال الخرقي يقضيه متتابعاً فإِن سلم ولم يقضه فعلى روايتين. ومن فاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر إِلى شهر ويُصَلَّى على الغائب بالنية، فإِن كان في أحد جانبي البلد لم يصل عليه بالنية في أصح الوجهين.
ولا يصلي الإِمام على الغالّ، ولا على من قتل نفسه.
وإِن وجد بعض الميت غُسل وصلي عليه. وعنه لا يُصلى على الجوارح، وإِن اختلط من يصلي عليه بمن لا يصلي عليه صلي على الجميع ينوي من يُصلى عليه.
ولا بأس بالصلاة على الميت في المسجد وإِن لم يحضره غير النساء صلين عليه.
فصل في حمل الميّت ودفنه (١)
يستحب التربيع في حمله، وهو أن يضع قائمة السرير اليسرى المقدمة على كتفه اليمنى، ثم ينتقل إِلى المؤخرة، ثم يضع قائمة اليمنى المقدمة على كتفه اليسرى ثم ينتقل إِلى المؤخرة، وإِن حمل بين العمودين فحسن.
ويستحب الإِسراع بها ويكون المشاة أمامها والركبان خلفها، ولا يجلس من تبعها حتى توضع وإِن جاءت وهو جالس لم يقم لها، ويدخل
стр. 76
قبره من عند رجل القبر إِن كان أسهل عليهم، ولا يُسَجّى القبر إِلا أن يكون لامرأة. ويلحد له لحداً ويُنْصَبُ عليه اللبن نصباً ولا يدخله خشباً ولا شيئاً مسَّته النار. ويقول الذي يدخله:
"بسم الله وعلى ملة رسول الله".
ويضعه في لحده على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، ويحثي التراب في القبر ثلاث حثيات ويهال عليه التراب. ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر مُسَنَّماً ويُرش عليه الماء، ولا بأس بتطيينه ويكره تجصيصه والبناء والكتابة عليه والجلوس والوطء عليه والاتكاء إِليه، ولا يدفن فيه اثنان إِلا لضرورة ويقدم الأفضل إِلى القبلة ويجعل بين كل اثنين حاجز من التراب.
وِإن وقع في القبر ماله قيمة نبش وأخذ. وإِن كفن بثوب غصب أو بلع مال غيره غرم ذلك من تركته، وقيل ينبش ويؤخذ الكفن ويشق جوفه فيخرج.
وِإن ماتت حامل لم يشق بطنها وتسطو عليه القوابل فيخرجنه، ويحتمل أن يشق بطنها إِذا غلب على الظن أنه يحيا.
وِإن ماتت ذمية حامل من مسلم دفنت وحدها ويجعل ظهرها إِلى القبلة.
ولا تكره القراءة على القبر في أصح الروايتين. وأي قُرْبَةٍ فعلها وجعلها للميت المسلم نفعه ذلك.
ويستحب أن يصلح لأهل الميت طعام يبعث إِليهم، ولا يُصْلحون هم طعاماً للناس.
стр. 77
فصل (١)
ويستحب للرجال زيارة القبور. وهل تكره للنساء؟ على روايتين.
ويقول إِذا زارها أو مر بها:
سلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإِنا إِن شاء الله بكم لاحقون (٢)، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم،.
ويستحب تعزية أهل الميت، ويكره الجلوس لها. ويقول في تعزية المسلم:
"أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك".
وفي تعزيته عن كافر:
" أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك".
وفي تعزية الكافر بمسلم:
"أحسن الله عزاءك وغفر لميتك".
وفي تعزيته عن كافر:
" أخلف الله عليك ولا نقص عددك".
ويجوز البكاء على الميت وأن يجعل المصاب على رأسه ثوباً يعرف به.
ولا يجوز الندب ولا النياحة ولا شق الثياب ولطم الخدود وما أشبه ذلك.
* * *
стр. 78
كتاب الزكاة (١)
تجب الزكاة في أربعة أصناف من المال:
السائمة.
وبهيمة الأنعام.
والخارج من الأرض.
والأثمان وعروض التجارة. ولا تجب في غير ذلك.
وقال أصحابنا تجب في المتولد بين الوحشي والأهلي، وفي بقر الوحش روايتان.
ولا تجب إِلا بشروط خمسة:
الأول: الإِسلام.
الثاني: والحرية.
فلا تجب على كافر ولا عبد ولا مكاتب، فإِن ملَّك السيد عبده مالًا وقلنا إِنه يملكه فلا زكاة فيه، وإِن قلنا لا يملكه فزكاته على السيد.
الثالث: ملك نصاب فإِن نقص عنه (٢) فلا زكاة فيه إِلا أن يكون نقصاً يسيراً كالحبة والحبتين. وتجب فيما زاد على النصاب بالحساب إِلا في السائمة.
стр. 79
الرابع: تمام الملك فلا زكاة في دين الكتابة، لا في السائمة الموقوفة، ولا في حصة المضارب من الربح قبل القسمة على أحد الوجهين فيهما، ومن كان له دين على مليء من صداق أو غيره زَكَّاهُ إِذا قبضه لما مضى، وفي الدين على غير المليء والمؤجل والمجحود والمغصوب والضائع روايتان:
إِحداهما: هو كالدين على المليء.
والثانية: لا زكاة فيه، قال الخرقي: واللقطة إِذا جاء ربها زكاها للحول الذي كان الملتقط ممنوعاً منها، ولا زكاة في مال مَنْ عليه دين ينقص النصاب إِلا في المواشي والحبوب في إِحدى الروايتين، والكفارة كالدين في أحد الوجهين.
الخامس: مضي الحول شرط إِلا في الخارج من الأرض، فإِذا استفاد مالاً فلا زكاة فيه حتى يتم عليه الحول إِلا نتاج السائمة وربح التجارة فإن حوله حول أصله إِن كان نصاباً، وإِن لم يكن نصاباً فحوله من حين كمل (١) النصاب.
وِإن ملك نصاباً صغاراً انعقد عليه الحول من حين ملكه، وعنه لا ينعقد حتى يبلغ سناً يجزئ مثله في الزكاة.
ومتى نقص النصاب في بعض الحول أو باعه أو أبدله بغير جنسه انقطع الحول، إِلا أن يقصد بذلك الفرار من الزكاة عند قرب وجوبها فلا تسقط، وإِن أبدله بنصاب من جنسه بنى على حوله، ويتخرج أن ينقطع.
وإِذا تم الحول وجبت الزكاة في عين المال، وعنه تجب في الذمة.
ولا يعتبر في وجوبها إِمكان الأداء ولا تسقط بتلف المال، وعنه: أنها تسقط إِذا لم يفرط.
стр. 80
وإِذا مضى حولان على نصاب لم يؤد زكاتهما فعليه زكاة واحدة إِن قلنا تجب في العين وزكاتان إِن قلنا تجب في الذمة إِلا ما كان زكاته الغنم من الإِبل فإِنّ عليه لكل حول زكاة، وِإن كان أكثر من نصاب فعليه زكاة جميعه لكل حول إِن قلنا تجب في الذمة وإِن قلنا تجب في العين نقص من زكاته في كل حول بقدر نقصه بها.
وإِذا مات من عليه الزكاة أخذت من تركته، فإِن كان عليه دين اقتسموا بالحصص والله أعلم (١).
باب زكاة بهيمة الأنعام (٢)
ولا تجب إِلا في السائمة (٣)، وهي التي ترعى في أكثر الحول وهي ثلاثة أنواع:
أحدها الإِبل: فلا زكاة فيها حتى تبلغ خمساً فتجب فيها شاة، فإِن أخرج بعيراً لم يجزئه، وفي العشر شاتان وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه، فإِذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض: وهي التي لها سنة فإِن عدمها أجزأه ابن لبون وهو الذي له سنتان فإِن عدمه أيضاً لزمه بنت مخاض، وفي ست وثلاثين بنت لبون، وفي ست وأربعين حُقَّة، وهي التي لها ثلاث سنين، وفي إِحدى وستين جذعة، وهي التي لها أربع سنين، وفي ست وسبعين بنْتَا لبون، وفي إِحدى وتسعين حقتان إِلى عشرين ومائة، فإِذا زادت واحدة ففيها ثلاث بنات لبون، ثم في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، فإِذا بلغت مائتين اتفق الفرضان:
стр. 81
فإِن شاء أخرج أربع حقاق، وإِن شاء خمس بنات لبون، والمنصوص أنه يخرج الحقاق، وليس فيما بين الفريضتين شيء.
[ومن وجبت عليه سن فعدمها أخرج سناً أسفل منها ومعها شاتان أو عشرون درهماً وإِن شاء أخرج أعلى منها وأخذ مثل ذلك من الساعي، فإِن عدم السن التي تليها انتقل إِلى الأخرى وجبرها بأربع شياه أو أربعين درهماً، وقال أبو الخطاب: لا ينتقل إِلا إِلى سن تلي الواجب، ولا مدخل للجبران في غير الإِبل (١)].
فصل (٢)
النوع الثاني: البقر ولا شيء فيها حتى تبلغ ثلاثين فيجب فيها تبيع أو تبيعة: وهي التي لها سنة. وفي أربعين مُسِنَّةٌ. وهي التي لها سنتان، وفي الستين تبيعان، ثم في كل ثلاثين تبيع، ثم في كل أربعين مُسِنَّةٌ. ولا يجزئ الذكر في الزكاة في غير هذا إِلا ابن لبون مكان بنت مخاض إِذا عدمها، إِلا أن يكون النصاب كله ذكوراً فيجزئ الذكور في الغنم وجهاً واحداً، وفي الإبل والبقر في أحد الوجهين. ويؤخذ من الصغار صغيرة ومن المراض مريضة. وقال أبو بكر لا تؤخذ إِلا كبيرة صحيحة على قدر قيمة المالين (٣)، فإِن اجتمع صغار وكبار وصحاح ومراض وذكور وإِناث لم يؤخذ إِلا أنثى كبيرة صحيحة على قدر قيمة المالين.
وإِن كانا نوعين كالبخاتي والعراب والبقر والجواميس والضأن والمعز أو كان فيه كرام ولئام وسمان ومهازيل أخذت الفريضة من أحدهما على قدر قيمة المالين.
стр. 82
فصل (١)
النوع الثالث: الغنم ولا زكاة فيها حتى تبلغ أربعين فتجب فيها شاة إِلى عشرين ومائة، فإِذا زادت واحدة ففيها شاتان إِلى مائتين، فإِذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه ثم في كل مائة شاة شاةٌ ويؤخذ من المعز الثني ومن الضأن الجذع، ولا يؤخذ تيس ولا هرمة ولا ذات عوار وهي المعيبة، ولا الرباء وهي التي تربي ولدها ولا الحامل ولا كرائم المال إِلا أن يشاء ربه. ولا يجوز إِخراج القيمة، وعنه يجوز، وإِن أخرج سناً أعلى من الفرض من جنسه جاز.
فصل في الخلطة (٢)
وإِذا اختلط نفسان أو أكثر من أهل الزكاة في نصاب من الماشية حولاً لم يثبت لهما حكم الانفراد في بعض الحول (٣) فحكمهما في الزكاة حكم الواحد سواء كانت خلطة أعيان: بأن يكون مشاعاً بينهما أو خلطة أوصاف بأن يكون مال كلِّ منهما متميزاً فخلطاه واشتركا في المُراح والمسرح والمشرب والمحلب والراعي والفحل فإِن اختل شرط منها أو ثبت لهما حكم الانفراد في بعض الحول زكيا زكاة المنفردين فيه، وإِن ثبت لأحدهما حكم الانفراد وحده فعليه زكاة المنفرد وعلى الآخر زكاة الخلطة، ثم يزكيان فيما بعد ذلك الحول زكاة الخلطة كلما تم حول أحدهما فعليه بقدر ماله منها.
стр. 83
ولو ملك رجل نصاباً شهراً ثم باع نصفه مشاعاً أو أعلم على بعضه وباعه مختلطاً فقال أبو بكر ينقطع الحول ويستأنفانه من حيث البيع، وقال ابن حامد لا ينقطع حول البائع وعليه إِذا تم حوله زكاة حصته، فإِن أخرجها من المال انقطع حول المشتري لنقصان النصاب وإِن أخرجها من غيره وقلنا الزكاة في العين: فكذلك، وإن قلنا في الذِّمة: فعليه عند تمام حوله زكاة نصيبه. وإِن أفرد بعضه وباعه ثم اختلطا انقطع الحول، وقال القاضي: يحتمل أن لا ينقطع إِذا كان زمناً يسيراً.
وإِن ملك نصابين شهراً ثم باع أحدهما مشاعاً فعلى قياس قول أبي بكر يثبت للبائع حكم الانفراد وعليه عند تمام حوله زكاة المنفرد، وعلى قياس قول ابن حامد عليه زكاة خليط. فإِذا تم حول المشتري فعليه زكاة خليط وجهاً واحداً.
وإِذا ملك نصاباً شهراً ثم ملك آخر لا يتغير به الفرض مثل أن يملك أربعين شاة في المحرم وأربعين في صفر فعليه زكاة الأول عند تمام حوله ولا شيء عليه في الثاني في أحد الوجهين، وفي الآخر عليه للثاني زكاة خلطة كالأجنبي في التي قبلها. وإِن كان الثاني يتغير به الفرض مثل أن تكون مائة شاة فعليه زكاته إِذا تم حوله وجهاً واحداً، وإِن كان الثاني يتغير به الفرض ولا يبلغ نصاباً مثل أن يملك ثلاثين من البقر في المحرم وعشراً في صفر فعليه في العشر إِذا تم حولها ربع مسنة، وإِن ملك مالًا يغير الفرض كخَمْس فلا شيء فيها في أحد الوجهين، وفي الثاني عليه سبع تبيع إِذا تم حولها.
وإِذا كان لرجل ستون شاة كل عشرين خلطة مع عشرين لرجل آخر فعلى الجميع شاة نصفها على صاحب الستين ونصفها على خلطائه على كل واحد سدس شاة. وإِن كانت كل عشر منها مختلطة بعشر لآخر فعليه شاة ولا شيء على خلطائه لأنهم لم يختلطوا في نصاب.
стр. 84
وإِذا كانت ماشية الرجل مفترقة في بلدين لا تقصر بينهما الصلاة فهي كالمجتمعة وإِن كان بينهما مسافة القصر فكذلك عند أبي الخطاب. والمنصوص أن لكل مال حكم نفسه كما لو كانا لرجلين. ولا تؤثر الخلطة في غير السائمة، وعنه أنها تؤثر ويجوز للساعي أخذ الفرض من مال أي الخليطين شاء مع الحاجة وعدمها. ويرجع المأخوذ منه على خليطه بحصته من القيمة، فإِن اختلفا في القيمة فالقول قول المرجوع عليه إِذا عدمت البينة.
وإِذا أخذ الساعي أكثر من الفرض ظلماً لم يرجع بالزيادة على خليطه، وإِن أخذه بقول بعض العلماء رجع عليه.
باب زكاة الخارج من الأرض
تجب الزكاة في الحبوب كلها، وفي كل ثمر يكال ويدخر كالتمر والزبيب واللوز والفستق والبندق.
ولا تجب في سائر الثمر ولا في الخضر والبقول والزهر. وعنه أنها تجب في الزيتون وفي القطن والزعفران إِذا بلغا بالوزن نصاباً. وقال ابن حامد لا زكاة في حب البقول كحب الرشاد والأبازير كالكسفرة والكمون وبزر القثاء والخيار ونحوه.
ويعتبر لوجوبها شرطان:
أحدهما (١): أن تبلغ نصاباً قدره بعد التصفية في الحبوب والجفاف في الثمار خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً، والصاع خمسة أرطال وثلث بالعراقي، فيكون ذلك ألفاً وستمائة رطل. إِلا الأرز والعلس نوع
стр. 85
من الحنطة يدخر في قشره فإِن نصاب (١) كل واحد منهما مع قشره عشرة أوسق. وعنه أنه يعتبر نصاب ثمرة النخل والكرم رطباً ثم يؤخذ عشره يابساً، وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إِلى بعض في تكميل النصاب، فإِن كان له نخل يحمل في السنة حملين ضم أحدهما إِلى الآخر، وقال القاضي لا يضم. ولا يضم جنس إِلى آخر في تكميل النصاب، وعنه أن الحبوب يضم بعضها إِلى بعض، وعنه تضم الحنطة إِلى الشعير والقطنيات بعضها إِلى بعض.
الثاني: أن يكون النصاب (٢) مملوكاً له وقت وجوب الزكاة، ولا تجب فيما يكتسبه اللقاط، أو يأخذه بحصاده ولا فيما يجتنيه من المباح كالبطم والزعبل (٣) وبزر قطونا ونحوه: وقال القاضي فيه الزكاة إِذا ثبت في أرضه.
فصل
ويجب العشر فيما سقي بغير مؤنة كالغيث والسيوح وما يشرب بعروقه. ونصف العشر فيما سقي بكلفة كالدوالي والنواضح. فإِن سقي نصف السنة بهذا ونصفها بهذا ففيه ثلاثة أرباع العشر. وإِن سقي بأحدهما أكثر من الآخر اعتبر أكثرهما نص عليه. وقال ابن حامد يؤخذ بالقسط. فإِن جهل المقدار وجب العشر.
وإِذا اشتد الحب وبدا صلاح (٤) الثمر وجبت الزكاة فإِن قطعها قبله فلا
стр. 86
زكاة فيه إِلا أن يقطعها فراراً من الزكاة فتلزمه. ولا يستقر الوجوب إِلا بجعلها في الجرين فإِن تلفت قبله بغير تعدٍّ منه سقطت الزكاة سواء كانت قد خرصت أو لم تخرص. وإِذا ادعى تلفها قبل قوله بغير يمين.
ويجب إِخراج زكاة الحب مصفى والثمر يابساً، فإِن احتيج إِلى قطعه قبل كماله لضعف الأصل ونحوه أو كان رطباً لا يجيء منه تمر أو عنباً لا يجيء منه زبيب، أخرج منه عنباً ورطباً. وقال القاضي يخير الساعي بين قسمه (١) مع رب المال قبل الجذاذ وبعده وبين بيعه منه أو من غيره. والمنصوص أنه لا يخرج إِلا يابساً وأنه لا يجوز شري (٢) زكاته.
وينبغي أن يبعث الإِمام ساعياً إِذا بدا الصلاح في (٣) الثمر فيخرصه عليهم ليتصرفوا فيه. فإِن كان أنواعاً خرص كل نوع وحده وإِن كان نوعاً واحداً فله خرص كل شجرة وحدها، وله خرص الجميع دفعة واحدة.
ويجب أن يترك في الخرص لرب المال الثلث أو الربع، فإِن لم يفعل فلرب المال الأكل بقدر ذلك ولا يحسب عليه. ويؤخذ العشر من كل نوع على حدته فإِن شق ذلك أخذ من الوسط.
ويجب العشر على المستأجر دون المالك. ويجتمع العشر والخراج في كل أرض فتحت عنوة.
ويجوز لأهل الذمة شري الأرض العشرية ولا عشر عليهم. وعنه عليهم عشران يسقط أحدهما بالإِسلام.
стр. 87
فصل
وفي العسل العشر سواء أخذه من موات أو من ملكه. ونصابه عشرة أفراق كل فرق ستون رطلاً.
فصل في المعدن
ومن استخرج من معدن نصاباً من الأثمان أو ما قيمته نصاب من الجواهر والزئبق والصفر والقار والنفط والكحل والزرنيخ وسائر ما يسمى معدناً ففيه الزكاة في الحال ربع العشر من قيمته أو من عينها إِن كانت أثماناً. سواء استخرجه في دفعة أو دفعات لم يترك العمل بينها ترك إِهمال. ولا يجوز إِخراجها إِذا كانت أثماناً إِلا بعد السبك والتصفية.
ولا زكاة فيما يخرج من البحر من اللؤلؤ والمرجان والعنبر ونحوه. وعنه فيه الزكاة.
فصل
وفي الركاز الخمس أي نوع كان من المال قل أو كثر لأهل الفيء. وعنه أنه زكاة وباقيه لواجده إِن وجده في موات أو أرض لا يعلم مالكها، وإِن علم مالكها أو كانت منتقلة إِليه فهو له أيضاً. وعنه أنه لمالكها أو لمن انتقلت عنه إِن اعترف به وإِلا فهو لأول مالك. وإِن وجده في أرض حربي ملكه، إِلا أن لا يقدر عليه إِلا بجماعة (من) (١) المسلمين فيكون غنيمة.
стр. 88
والرِّكاز ما وجد من دفن الجاهلية عليه علامتهم، فإِن كانت عليه علامة المسلمين أو لم تكن عليه علامة فهو لقطة.
باب زكاة الأثمان
وهي الذهب والفضة. ولا زكاة في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالًا فيجب فيه نصف مثقال، ولا في الفضة حتى تبلغ مائتي درهم فيجب فيها خمسة دراهم. ولا زكاة في مغشوشهما حتى يبلغ قدر ما فيه نصاباً، فإِن شك فيه خير بين سبكه وبين الإِخراج. ويخرج عن الجيد الصحيح من جنسه فإِن أخرج مكسراً أو بهرجاً زاد قدر ما بينهما من الفضل نص عليه. وهل يضم الذهب إِلى الفضة في تكميل النصاب أو يخرج أحدهما عن الآخر؟ على روايتين. ويكون الضم بالأجزاء، وقيل بالقيمة فيما فيه الحظ للمساكين، وتضم قيمة العروض إِلى كل واحد منهما.
فصل
ولا زكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال في ظاهر المذهب. فأما الحلي المحرم والآنية وما أعد للكراء أو النفقة ففيه الزكاة إِذا بلغ نصاباً والاعتبار بوزنه، إِلا ما كان مباح الصناعة فإِن الاعتبار في النصاب بوزنه وفي الإِخراج بقيمته.
ويباح للرجال من الفضة الخاتم (١) وقبيعة السيف، وفي حلية المنطقة روايتان، وعلى قياسها الجوشن والخوذة والخف والران والحمائل، ومن الذهب قبيعة السيف وما دعت إِليه الضرورة كالأنف وما ربط به أسنانه.
стр. 89
وقال أبو بكر يباح يسير الذهب. ويباح للنساء من الذهب والفضة كل ما جرت عادتهن بلبسه قل أو كثر. وقال ابن حامد: إِن بلغ ألف مثقال حرم، وفيه الزكاة.
باب زكاة العُرُوض
تجب الزكاة في عروض التجارة إِذا بلغت قيمتها نصاباً، ويؤخذ منها لا من العروض، ولا تصير للتجارة إِلا أن يملكها بفعله بنية التجارة بها، فإِن ملكها بإِرث أو ملكها بفعله بغير نية ثم نوى التجارة بها لم تصر للتجارة، وِإن كان عنده عرض للتجارة فنواه للقنية ثم نواه للتجارة لم يصر للتجارة، وعنه أن الْعَرُوضَ تَصير (١) للتجارة بمجرد النية. وتقوَّم العروض عند الحول بما هو أحظُّ للمساكين من عين أو ورق. ولا يعتبر ما اشتريت به وإِن اشترى عرضاً بنصاب من الأثمان أو من العروض بنى على حوله. وإِن اشتراه بنصاب من السائمة لم يبن علي حوله، وإِن ملك نصاباً من السائمة للتجارة فعليه زكاة التجارة دون السوم، فإِن لم تبلغ قيمتها نصاب التجارة فعليه زكاة السوم.
وإِن اشترى أرضاً أو نخلاً للتجارة فأثمرت النخل وزرعت الأرض فعليه فيهما العشر ويزكي الأصل للتجارة. وقال القاضي يزكي الجميع زكاة القيمة ولا عشر عليه إِلا أن يسبق وجوب العشر حول التجارة فيخرجه.
وإِذا أذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في إِخراج زكاته فأخرجاها معاً ضمن كل واحد نصيب صاحبه، وإِن أخرجها أحدهما قبل الآخر ضمن الثاني نصيب الأول علم أو لم يعلم، ويتخرج أن لا ضمان عليه إِذا لم يعلم.
стр. 90
باب زكاة الفطر
وهي واجبة على كل مسلم تلزمه مؤنة نفسه إِذا فضل عنده عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته صاع، وإِن كان مكاتباً، وإِن فضل بعض صاع فهل يلزمه إِخراجه؟ على روايتين.
وتلزمه فطرة من يمونه من المسلمين فإِن لم يجد ما يؤدي عن جميعهم بدأ بنفسه ثم بامرأته ثم برفيقه ثم بولده ثم بأمه ثم بأبيه ثم بالأقرب فالأقرب (على ترتيب الميراث) (١).
ويستحب أن يخرج عن الجنين ولا يجب، ومن تكفل بمؤنة شخص في رمضان لم تلزمه فطرته عند أبي الخطاب. والمنصوص أنها تلزمه.
وإِذا كان العبد بين شركاء فعليهم صاع، وعنه: على كل واحد صاع، وكذلك الحكم فيمن بعضه حر، وإِن عجز زوج المرأة عن فطرتها فعليها، أو على سيدها إِن كانت أمة فطرتها، ويحتمل أن لا تجب، ومن كان له غائب أو آبق فعليه فطرته إِلا أن يشك في حياته فتسقط، وإِن علم حياته بعد ذلك أخرج لما مضى. ولا تلزم الزوج فطرة الناشز وقال أبو الخطاب تلزمه. ومن لزم غيره فطرته فأخرج عن نفسه بغير إِذنه فهل يجزئه؟ على وجهين. ولا يمنع الدَّين وجوب الفطرة إِلا أن يكون مطالباً به.
ويجب بغروب الشمس من ليلة الفطر فمن أسلم بعد ذلك أو ملك عبداً أو زوجة أو ولد له ولد لم تلزمه فطرته، وإِن وجد ذلك قبل الغروب وجبت.
ويجوز إِخراجها قبل العيد بيومين، والأفضل إِخراجها يوم العيد قبل الصلاة، وتجوز في سائر اليوم فإِن أخرها عنه أتم وعليه القضاء.
стр. 91
فصل
والواجب في الفطرة: صاع من البر، أو الشعير، أو دقيقهما وسويقهما، والتمر والزبيب، ومن الأقط في إِحدى الروايتين، ولا يجزئ غير ذلك إِلا أن يعدمه فيخرج مما يقتات عند ابن حامد، وعند أبي بكر يخرج ما يقوم مقام المنصوص، ولا يخرج حباً معيباً ولا خبزاً. ويجزئ إِخراج صاع من أجناس.
وأفضل المخرج التمر ثم ما هو أنفع للفقراء بعده، ويجوز أن يعطي الجماعة ما يلزم الواحد والواحد ما يلزم الجماعة.
باب إِخراج الزكاة
لا يجوز تأخيرها عن وقت وجوبها مع إِمكانه إِلا لضرر: مثل أن يخشى رجوع الساعي عليه ونحو ذلك، فإِن جحد وجوبها جهلًا به عرّف ذلك، فإِن أصر كفر وأخذت منه واستتيب ثلاثاً فإِن لم يتب قتل. ومن منعها بخلاً بها (١) أخذت منه وعزر، فإِن غيَّب ماله أو كتمه أو قاتل دونها وأمكن أخذها أخذت من غير زيادة، وقال أبو بكر يأخذها وشطر ماله، وإِن لم يمكن أخذها استتيب ثلاثاً فإِن تاب وأخرج وإِلا قتل وأخذت من تركته، وقال بعض أصحابنا إِن قاتل عليها كفر، وِإن ادعى ما يمنع وجوب الزكاة من نقصان الحول أو النصاب أو انتقاله عنه في بعض الحول ونحوه قبل قوله من غير يمين نص عليه.
والصبي والمجنون يخرج عنهما وليهما.
стр. 92
ويستحب للإِنسان تفرقة زكاته بنفسه، وله دفعها إِلى الساعي (١)، وعنه يستحب أن يدفع إِليه العشر ويتولى هو تفريق الباقي، وعند أبي الخطاب دفعها إِلى الإِمام العادل أفضل.
ولا يجوز إِخراجها إِلا بنية، إِلا أن يأخذها الإِمام (منه) (٢) قهراً، وقال أبو الخطاب لا تجزئه أيضاً من غير نية؛ وإِن دفعها إِلى وكيله اعتبرت النية في (٣) الموكل دون الوكيل.
ويستحب أن يقول عند دفعها:
" اللهم اجعلها مغنماً، ولا تجعلها مغرماً".
ويقول الآخذ "آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهوراً".
ولا يجوز نقلها إِلى بلد تقصر إِليه الصلاة فإِن فعل فهل تجزئه؟ على روايتين. إِلا أن يكون في بلد (٤) لا فقراء فيه فيفرقها في أقرب البلاد إِليه، فإِن كان في بلد وماله في آخر أخرج زكاة المال في بلده وفطرته في البلد الذي هو فيه.
وإِذا حصل عند الإِمام ماشية استحب له وسم الإِبل في أفخاذها والغنم في آذانها، فإِن كانت زكاة كتب "لله" أو "زكاة". وإِن كانت جزية كتبت: "صغار" أو "جزية".
стр. 93
فصل
ويجوز تعجيل الزكاة عن الحول إِذا كمل النصاب، ولا يجوز قبل ذلك. وفي تعجيلها لأكثر من حول (١) روايتان. وإِن عجَّلها عن النصاب وما يستفيده أجزأ (٢) عن النصاب دون الزيادة، وإِن عجل عشر الثمرة قبل طلوغ الطلع والحصرم لم يجزئه. وإِن عجل زكاة النصاب فتم الحول وهو ناقص قدر ما عجله جاز، وإِذا عجل زكاة المائتين فنتجت عند الحول سخلة لزمته شاة ثالثة، وإِن عجلها فدفعها إِلى مستحقها فمات أو ارتد أو استغنى أجزأت عنه وإِن دفعها إِلى غني فافتقر عند الوجوب لم تجزئه، وإِن عجلها ثم هلك المال قبل الحول لم يرجع على المسكين، وقال ابن حامد: إِن كان الدافع الساعي أو أعلمه أنها زكاة معجلة رجع عليه.
باب ذكر أهل الزكاة
وهم ثمانية أصناف:
الأول: الفقراء: وهم الذين لا يجدون ما يقع موقعاً من كفايتهم.
الثاني: المساكين: وهم الذين يجدون معظم الكفاية. ومن ملك من غير الأثمان ما لا يقوم بكفايته فليس بغنى وإِن كثرت قيمته، وإِن كان من الأثمان فكذلك في إِحدى الروايتين، والأخرى إِذا ملك خمسين درهماً أو قيمتها (٣) من الذهب فهو غني.
الثالث: العاملون عليها: وهم الجباة لها والحافظون لها. ويشترط أن يكون العامل مسلماً أميناً من غير ذوي القربى، ولا يشترط حريته ولا
стр. 94
فقره. وقال القاضي لا يشترط إِسلامه ولا كونه من غير ذوي القربى. وإِن تلفت الزكاة في يده من غير تفريط أعطي أجرته من بيت المال.
الرابع: المؤلفة قلوبهم: وهم السادة المطاعون في عشائرهم ممن يرجى إِسلامه، أو يخشى شره، أو يرجى بعطيته قوة إِيمانه، أو إِسلام نظيره، أو جباية الزكاة ممن لا يعطيها، أو الدفع عن المسلمين، وعنه أن حكمهم انقطع.
الخامس: الرقاب: وهم المكاتبون، ويجوز أن يفدي بها أسيراً مسلماً، نص (١) عليه. وهل يجوز أن يشتري منها رقبة يعتقها؟ على روايتن.
السادس: الغارمون: وهم المدينون، وهم ضربان: ضرب غرم لإِصلاح ذات البين، وضرب غرم لإِصلاح نفسه في مباح.
السابع: في سبيل الله: وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم. ولا يعطى منها في الحج. وعنه يعطى الفقير ما يحج به الفرض أو يستعين به فيه.
الثامن: ابن السبيل: وهو المسافر المنقطع به دون المنشئ للسفر من بلده، فيعطى قدر ما يصل به إِلى بلده.
ويعطى الفقير والمسكين ما يغنيه والعامل قدر أجرته والمكاتب والغارم ما يقضيان به دينهما، والمؤلف ما يحصل به التأليف، والغازي ما يحتاج إِليه لغزوه وإِن كثر، ولا يزاد أحد منهم على ذلك.
ومن كان ذا عيال أخذ ما يكفيهم ولا يعطى أحد منهم مع الغِنى إِلا أربعة:
العامل، والمؤلف والغارم لإِصلاح ذات البين، والغازي.
стр. 95
وِإن فضل مع الغارم والمكاتب والغازي وابن السبيل شيء بعد حاجتهم لزمهم رده، والباقون يأخذون أخذاً مستقراً فلا يردون شيئاً. وظاهر كلام الخرقي في المكاتب أنه يأخذ أيضاً أخذاً مستقراً.
وإِذا ادعى الفقر من عرف بالغنى أو ادعى إِنسان أنه غارم أو ابن سبيل أو مكاتب (١) لم يقبل إِلا ببينة. وإِن صدق المكاتب سيده أو الغارم غريمه فعلى وجهين. وإِن ادعى الفقر من لم يعرف بالغنى قبل قوله. وإِن رآه جلداً وذكر أن (٢) لا كسب له أعطاه من غير يمين بعد أن يخبره أنه لاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب. وإِذا ادعى أن له عيالًا قُبِلَ وأُعطي، ويحتمل أن لا يقبل ذلك (٣) إِلا ببينة ومن غرم أو سافر في معصية لم يدفع إِليه (شيءٌ) (٤) فإِن تاب فعلى وجهين.
[ويستحب صرفها في الأصناف كلها فإِن اقتصر على إِنسان واحد أجزأه. وعنه لا يجزئه إِلا ثلاثة من كل صنف إِلا العامل فإِنه يجوز أن يكون واحداً.
ويستحب صرفها إِلى أقاربه الذين لا تلزمه مؤنتهم ويفرقها فيهم على قدر حاجتهم (٥)]. ويجوز للسيد دفع زكاته إِلى مكاتبه وإِلى غريمه.
فصل
ولا يجوز دفعها إِلى كافر ولا عبد، ولا فقيرة لها زوج غني، ولا الوالدين وإِن علوا، ولا الولد وإِن سفل، ولا إِلى الزوجة، ولا إِلى بني هاشم ولا مواليهم. ويجوز لبني هاشم الأخذ من صدقة التطوع ووصايا
стр. 96
للفقراء والنذر. وفي الكفارة وجهان. وهل يجوز دفعها إِلى سائر من تلزم مؤنته من أقاربه أو إِلى الزوج أو بني المطلب؟ على روايتين. وإِن دفعها إِلى من لا يستحقها وهو لا يعلم ثم علم لم تجزئه، إِلا الغني إِن ظنه فقيراً في إِحدى الروايتين.
فصل
وصدقة التطوع مستحبة وهي أفضل في شهر رمضان وأوقات الحاجات. والصدقة على ذي الرحم صدقة وصلة. وتستحب الصدقة بالفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه. وإِن تصدق بما ينقص مؤنة من تلزمه مؤنته أثم.
ومن أراد الصدقة بماله كله وهو يعلم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة فله ذلك وإِن لم يثق من نفسه لم يجز له. ويكره لمن لا صبر له على الضيق أن ينقص نفسه عن (١) الكفاية التامة والله أعلم (٢).
* * *
стр. 97
كتاب الصِّيام
يجب صوم شهر رمضان برؤية الهلال، فإِن لم يُرَ مع الصَّحو أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً ثم صاموا، وإِن حال دون منظره غيم أو قتر ليلة الثلاثين وجب صيامه بنية رمضان في ظاهر المذهب. وعنه لا يجب. وعنه الناس تبع للإِمام فإِن صام صاموا. وإِذا [رُؤي الهلال نهاراً قبل الزوال أو بعده فهو لليلة المقبلة.
وإِذا (١)] رأى الهلال أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم، ويقبل في هلال رمضان قول عدل واحد ولا يقبل في سائر الشهور إِلا عدلان.
وإِذا صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوماً فلم يروا الهلال أفطروا وإِن صاموا بشهادة واحد فعلى وجهين. وإِن صاموا لأجل الغيم لم يفطروا.
ومن رأى هلال رمضان وحده وردت شهادته لزمه الصوم، وإِن رأى هلال شوال وحده لم يفطر.
وإِذا اشتبهت الأشهر على الأسير تحرى وصام فإِن وافق الشهر أو ما بعده أجزأه وإِن وافق قبله لم يجزئه.
ولا يجب الصوم إِلا على المسلم العاقل البالغ القادر على الصوم، ولا يجب على كافر ولا مجنون ولا صبي ولكن يؤمر به إِذا أطاقه ويضرب عليه ليعتاده.
وإِذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار لزمهم الإِمساك والقضاء.
стр. 98
وإِن أسلم كافر أو أفاق مجنون أو بلغ صبي فكذلك. وعنه لا يلزمهم شيء. وِإن بلغ الصبي صائماً أتم ولا قضاء عليه عند القاضي. وعند أبي الخطاب عليه القضاء. وإِن طهرت حائض أو نفساء أو قدم المسافر مفطراً فعليهم القضاء. وفي الإِمساك روايتان.
ومن عجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً. والمريض إِذا خاف الضرر والمسافر، استحب لهما الفطر فإِن صاما أجزأهما. ولا يجوز أن يصوما في رمضان عن غيره. ومن نوى الصوم في سفره فله الفطر. وإِن نوى الحاضر صوم يوم ثم سافر في أثنائه فله الفطر. وعنه لا يجوز.
والحامل والمرضع إِذا خافتا على أنفسهما أفطرتا وقضتا. وإِن خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا لكل يوم مسكيناً.
ومن نوى قبل الفجر ثم جن أو أغمي عليه جميع النهار لم يصح صومه، وإِن أفاق جزءاً منه صح صومه، وإِن نام جميع النهار صح صومه، ويلزم المغمى عليه القضاء دون المجنون.
فصل
ولا يصح صوم واجب إِلا أن ينويه من الليل معيّناً. وعنه لا يجب تعيين النية لرمضان، ولا يحتاج إِلى نية الفرضية. وقال ابن حامد يجب ذلك.
ولو نوى إِن كان غداً من رمضان فهو فرضي وإِلا فهو نفل لم يجزئه. وعنه يجزئه. ومن نوى الإِفطار أفطر. ويصح صوم النفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده. وقال القاضي لا يجزئ بعد الزوال.
стр. 99
باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة
ومن أكل أو شرب أو استعط أو احتقن أو داوى الجائفة بما يصل إِلى جوفه أو اكتحل بما يصل إِلى حلقه أو أدخل إِلى جوفه شيئاً من أي موضع كان، أو داوى المأمومة، أو قطر في أذنه ما يصل إِلى دماغه، أو استقاء أو استمنى، أو قبل أو لمس فأمنى أو أمذى، أو كرر النظر فأنزل، أو حجم أو احتجم عامداً ذاكراً لصومه فسد صومه، وإِن فعله ناسياً أو مكرهاً لم يفسد.
وإِن طار إِلى حلقه ذباب أو غبار، أو قطر في إِحليله، أو فكر فأنزل، أو احتلم، أو ذرعه القيء، أو أصبح وفي فيه طعام فلفظه، أو اغتسل، أو تمضمض أو استنشق فدخل الماء حلقه لم يفسد صومه. وإِن زاد على الثلاث أو بالغ فيهما فعلى وجهين ومن أكل شاكاً في طلوع الفجر فلا قضاء عليه، وإِن أكل شاكاً في غروب الشمس فعليه القضاء، وإِن أكل معتقداً أنه ليل فبان نهاراً فعليه القضاء.
فصل
وإِذا جامع في نهار رمضان في الفَرْج، قُبُلًا كان أو دُبُراً فعليه القضاء والكفارة عامداً كان أو ساهياً. وعنه لا كفارة عليه مع الإِكراه والنسيان. ولا يلزم المرأة كفارة مع العذر، وهل يلزمها مع عدمه على روايتين. وعنه كل أمر غلب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا غيره، وهذا يدل على إِسقاط القضاء والكفارة مع الإِكراه والنسيان.
وإِن جامع دون الفرج فأنزل، أو وطئ بهيمة في الفرج أفطر. وفي الكفارة وجهان. وإِن جامع في يوم رأى الهلال في ليلته وردت شهادته
стр. 100
فعليه القضاء والكفارة، وإِن جامع في يومين ولم يكفر فهل تلزمه كفارة أو كفارتان؟ على وجهين. وإِن جامع ثم كفر ثم جامع في يومه فعليه كفارة ثانية نص عليه. وكذلك كل من لزمه الإِمساك إِذا جامع. ولو جامع وهو صحيح ثم مرض أو جن أو سافر لم تسقط عنه. وإِن نوى الصوم في سفره ثم جامع فلا كفارة عليه. وعنه عليه الكفارة.
ولا تجب الكفارة بغير الجماع في صيام رمضان.
والكفارة عتق رقبة، فإِن لم يستطع (١) فصيام شهرين متتابعين، فإِن لم يستطع فإِطعام ستين مسكيناً فإِن لم يجد سقطت عنه. وعنه لا تسقط. وعنه أن الكفارة على التخيير فبأيها كفر أجزأه.
باب ما يكره وما يستحب وحكم القضاء
يكره للصائم أن يجمع ريقه فيبتلعه وأن يبتلع النخامة وهل يفطر بهما؟ على وجهين. ويكره (له) (٢) ذوق الطعام، وإِن وجد طعمه في حلقه أفطر، ويكره مضغ العلك الذي لا يتحلل منه أجزاء. ولا يجوز مضغ ما يتحل منه أجزاء إِلا أن لا يبتلع ريقه. ومتى وجد طعمه في حلقه أفطر. وتكره القُبْلة إِلا أن يكون ممن لا تحرك شهوته على إِحدى الروايتين. ويجب عليه اجتناب الكذب والغيبة والشتمِ فإِن شُتِم اسْتُحِبَّ أن يقول إِني صائم.
فصل
ويستحب تعجيل الإِفطار وتأخير السحور، وأن يفطر على التمر فإِن لم يجد فعلى الماء. وأن يقول عند فطره:
стр. 101
اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت سبحانك اللهم وبحمدك. اللهم تقبل مني إِنك أنت السميع العلم.
ويستحب التتابع في قضاء رمضان ولا يجب.
فصل
ولا يجوز تأخير قضاء رمضان إِلى رمضان آخر من غير عذر، فإِن فعل فعليه القضاء وإِطعام مسكين لكل يوم، وإِن أخَّره لعذر فلا شيء عليه وإِن مات. وإِن آخره لغير عذر فمات قبل رمضان آخر أُطْعِمَ عنه لكل يوم مسكينٌ وإِن مات بعد أن أدركه رمضان آخر فهل يُطعم (عنه) (١) كل (٢) يوم مسكين أو اثنان؟ على وجهين، وإِن مات وعليه صوم أو حج أو اعتكاف منذور فَعَلَهُ عنه وليه (٣)، وإِن (٤) كانت عليه صلاة منذورة فعلى روايتين.
باب صوم التطوع
وأفضله صيام داود ﵇ كان يصوم يوماً ويفطر يوماً.
ويستحب صيام أيام البيض من كل شهر، وصوم الاثنين والخميس. ومن صام شهر رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر. وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة، ويوم عرفة كفارة سنتين، ولا يستحب لمن كان
стр. 102
بعرفة. ويستحب صوم عشر ذي الحجة وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم. ويكره إِفراد رجب بالصوم وإِفراد يوم الجمعة ويوم السبت ويوم الشك ويوم النيروز والمهرجان إِلا أن يوافق عادة. ولا يجوز صوم يومي العيدين عن فرض ولا (عن) (١) تطوع وإِن قصد صيامهما كان عاصياً ولم يجزئه عن فرض ولا يجوز صيام أيام التشريق (٢) تطوعاً، وفي صومها عن فرض روايتان. ومن دخل في صوم (٦) أو صلاة تطوعاً (٦) استحب له إِتمامه ولم يجب، فإِن أفسده فلا قضاء عليه.
وتطلب ليلة القدر في العشر الأخير من رمضان، وليالي الوتر آكد، وأرْجاها ليلة سبع وعشرين، ويدعو فيها بما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله إِن وافقتها فبم أدعو؟ قال قولي: "اللهم إِنك عفو تحب العفو فاعف عني".
* * *
стр. 103
كتاب الاعتكاف
وهو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى. وهو سُنَّةٌ إِلا أن ينذره فيجب. ويصح بغير صوم. وعنه لا يصح، فعلى هذا لا يصح في ليلة مفردة ولا (في) بعض يوم. ولا يجوز الاعتكاف من المرأة بغير إِذن زوجها ولا للعبد بغير إِذن سيده، وإِن شرعا فيه بغير إِذن فلهما تحليلهما وإِن كان بإِذن فلهما تحليلهما إِن كان تطوعاً وإِلا فلا.
وللمكاتب أن يعتكف ويحج بغير إِذن، ومن بعضه حر إِن كان بينهما مهايأة فله أن يعتكف ويحج في نوبته وإِلا فلا. ولا يصح الاعتكاف إِلا في مسجد يجمع فيه، إِلا المرأة لها الاعتكاف في كل مسجد إِلا مسجد بيتها. والأفضل الاعتكاف في الجامع إِذا كانت الجمعة تتخلله.
ومن نذر (١) الاعتكاف أو الصلاة في مسجد فله فعله في غيره، إِلا المساجد الثلاثة، وأفضلها المسجد الحرام ثم مسجد المدينة ثم الأقصى، فإِذا نذره في الأفضل لم يجز في غيره، وإِن نذره في غيره فله فعله فيه.
ومن نذر الاعتكاف شهراً بعينه (٢) لزمه الشروع قبل دخول ليلته إِلى انقضائه، وإِن نذر شهراً مطلقاً لزمه شهر متتابع، وإِن نذر أياماً معدودة فله تفريقها إِلا عند القاضي، وإِن نذر أياماً وليالي متتابعة لزمه ما يتخللها من ليل أو نهار.
стр. 104
فصل
ولا يجوز للمعتكف الخروج إِلا لما لا بد منه: كحاجة الإِنسان، والطهارة، والجمعة، والنفير المتعين، والشهادة الواجبة، والخوف من فتنة أو مرض، والحيض، والنفاس، وعدة الوفاة ونحوه، ولا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة إِلا أن يشترط فيجوز، وعنه له ذلك من غير شرط، وله السؤال عن المريض في طريقه ما لم يعرّج والدخول إِلى مسجد يتم اعتكافه فيه، فإِن خرج لما لا بد منه خروجاً معتاداً كحاجة الإِنسان والطهارة فلا شيء فيه، وإِن خرج لغير المعتاد في المتتابع وتطاول خُيِّر بين استئنافه فيه مع كفارة يمين، وإِن فعله في معين (١) قضى. وفي الكفارة وجهان، وإِن خرج لما له منه بد في المتتابع لزمه استئنافه، وإِن فعله في معين فعليه كفارة، وفي الاستئناف وجهان.
وِإن وطئ المعتكف في الفرج فسد اعتكافه، ولا كفارة عليه إِلا لترك نذره، وقال أبو بكر عليه كفارة يمين، وقال القاضي عليه كفارة الظهار، وإِن باشر دون الفرج فأنزل فسد اعتكافه، وإِلا فلا.
ويستحب للمعتكف التشاغل بفعل (٢) القُرَب واجتناب ما لا يعنيه، ولا يستحب له إِقراء القرآن والعلم والمناظرة فيه، إِلا عند أبي الخطاب إِذا قصد به الطاعة.
* * *
стр. 105
كتاب المناسك
يجب الحج والعمرة في العمر (١) مرة واحدة بخمسة شروط:
الإِسلام.
والعقل: فلا يجب على كافر ولا مجنون ولا يصح منهما.
والبلوغُ.
والحرية.
فلا يجب على صبي ولا على (٢) عبد ويصح منهما, ولا يجزئهما إِن بلغ الصبي أو عتق العبد إِلا أن يبلغ ويعتق في الحج قبل الخروج من عرفة. وفي العمرة قبل طوافها فيجزئهما، ويحرم الصبي المميز بإِذن وليه وغير المميز يحرم عنه وليه ويفعل عنه ما يعجز عنه من عمله. ونفقة الحج وكفاراته في مال وليه، وعنه في مال الصبي.
وليس للعبد الإِحرام إِلا بإِذن سيده، ولا للمرأة الإِحرام نفلًا إِلا بإِذن زوجها، فإِن فعلا فلهما تحليلهما ويكونان كالمحصر، وإِن أحرما بإِذن لم يجز تحليلهما, وليس للزوج منع امرأته من حج الفرض ولا تحليلها إِن أحرمت به.
стр. 106
فصل
الشرط الخامس: الاستطاعة، وهو أن يملك زاداً وراحلة صالحة لمثله بآلتها الصالحة لمثله أو ما يقدر به على تحصيل ذلك فاضلًا عما يحتاج إِليه من مسكن وخادم وقضاء دينه ومؤنته ومؤنة عياله على الدوام، ولا يصير مستطيعاً ببذل غيره بحال، فمن كملت له هذه الشروط وجب عليه الحج على الفور، فإِن عجز عن السعي [إِليه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر من بلده، وقد أجزأ عنه وإِن عوفي.
ومن أمكنه السعي إِليه لزمه ذلك إِذا كان في وقت المسير ووجد طريقاً آمناً لا خفارة فيه يوجد فيه الماء والعلف على المعتاد، وعنه أن إِمكان المسير وتخلية الطريق من شرائط الوجوب. وقال ابن حامد إِن كانت الخفارة لا تجحف مسألة لزمه بذلها. ومن وجب عليه الحج فتوفي قبله أُخْرج عنه من جميع ماله حجة وعمرة، فإِن ضاق ماله عن ذلك أو كان عليه دَين أخذ للحج بحصته وحج به من حيث يبلغ (١)].
فصل
[ويشترط لوجوب الحج على المرأة وجود محرمها وهو زوجها أو من تحرم عليه على التأييد بنسب أو سبب مباح إِذا كان بالغاً عاقلًا، وعنه أن المَحْرَم من شرائط لزوم الأداء، وإِن مات المحرم في الطريق مضت في حجها ولم تصر محصرة، ولا يجوز لمن يحج عن نفسه أن يحج عن غيره، ولا نذره ولا نافلة، فإِن فعل انصرف إِلى حجة الإِسلام، وعنه يقع ما نواه. وهل يجوز لمن يقدر على الحج بنفسه أن يستنيب في حج التطوع؟ على روايتين (٢)].
стр. 107
باب المواقيت
وميقات أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام ومصر والمغرب الجحفة، وأهل اليمن يلملم وأهل نجد قرن، وأهل المشرق ذات عرق.
وهذه المواقيت لأهلها ولمن مر عليها من غيرهم ومن منزله دون الميقات فميقاته من موضعه.
وأهل مكة إِذا أرادوا العمرة فمن الحل، ومن أراد الحج فمن مكة.
ومن لم يكن طريقه (٣) على ميقات فإِذا حاذى أقرب المواقيت إِليه أحرم. ولا يجوز لمن أراد دخول مكة تجاوز الميقات بغير إِحرام إِلا لقتال مباح أو حاجة متكررة كالحطاب ونحوه، ثم إِن بدا له النسك أحرم من موضعه (٢)، ومن جاوزه مريداً للنسك رجع فأحرم منه، فإِن أحرم من موضعه (١) فعليه دم وإِن رجع إِلى الميقات، والاختيار أن لا يحرم قبل ميقاته.
ولا يحرم بالحج قبل أشهره فإِن فعل فهو محرم. وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة (٢).
стр. 108
باب الإِحرام
يستحب لمن أراد الإِحرام أن يغتسل ويتنظف ويتطيب ويلبس ثوبين أبيضين نظيفين وإِزاراً ورداءً ويتجرد عن المخيط ويصلي ركعتين ويحرم عقيبهما، وينوي الإِحرام بنسك معين، ولا ينعقد إِلا بالنية ويشترط فيقول:
"اللهم إِني أريد النسك الفلاني فيسره لي وتقبله مني. فإِن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني".
وهو مخير بين التمتع والإِفراد والقران، وأفضلها التمتع ثم الإِفراد. وعنه إِن ساق الهدي فالقران أفضل ثم التمتع. وصفة التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ثم يحرم بالحج من مكة أو من قريب منها في عامه.
والإِفراد أن يحرم بالحج منفرداً.
والقران أن يحرم بهما جميعاً، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج. ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم يصح إِحرامه بها.
ويجب على المتمتع والقارن دم نسك إِذا لم يكونا من حاضري المسجد الحرام وهم أهل مكة، ومن كان منها دون مسافة القصر.
ومن كان قارناً أو مفرداً أحببنا له أن يفسخ بطواف وسعي ويجعلها عمرة لأمر رسول الله ﷺ أصحابه بذلك، إِلا أن يكون قد ساق معه هدياً فيكون على إِحرامه. وإِن (١) ساق المتمتع هدياً لم يكن له أن يحل.
والمرأة إِذا دخلت متمتعة فحاضت فخشيت فوات الحج أحرمت بالحج وصارت قارنة.
стр. 109
ومن أحرم مطلقاً صحَّ وله صرفه إِلى ما شاء، وإِن أحرم بمثل ما أحرم به فلان انعقد إِحرامه بمثله، وإِن أحرم بحجتين أو عمرتين انعقد بإِحداهما، وإِن أحرم بنسك ونسيه جعله عمرة. وقال القاضي يصرفه إِلى أيهما شاء.
وإِن أحرم عن رجلين وقع عن نفسه، وإِن أحرم عن أحدهما لا بعينه وقع عن أحدهما (٢)، وقال أبو الخطاب له صرفه إِلى أيهما شاء (١). وإِذا استوى على راحلته لبى تلبية رسول الله ﷺ :
"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك. إِن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".
والتلبية سنة، ويستحب رفع الصوت بها والإِكثار منها والدعاء بعدها. ويلبي إِذا على نشزاً، أو هبط وادياً، وفي دبر الصلوات المكتوبات وإِقبال الليل والنهار، وإِذا التقت الرفاق. ولا ترفع المرأة صوتها إِلا بقدر ما تسمع رفيقتها.
باب محظورات الإِحرام
وهي تسع:
الأول: حلق الشعر.
الثاني: تقليم الأظفار: فمن حلق أو قلم ثلاثة فعليه دم. وعنه لا يجب إِلا في أربعة (٢) فصاعداً. وفيما دون ذلك في كل واحد مد من طعام، وعنه قبضة، وعنه درهم.
стр. 110
وإِن حلق رأسه بإِذنه فالفدية عليه، وإِن كان مكرهاً أو نائماً فالفدية على الحالق، وإِن حلق محرم رأس حلال فلا فدية عليه.
وقطع الشعر ونتفه كحلقه، وشعر الرأس والبدن واحد، وعنه لكل واحد حكم مفرد.
وإِن خرج في عينه شعر فقلعه، أو نزل شعره فغطى عينيه فقصه، أو انكسر ظفره فقصه، أو قلع جلداً عليه شعر فلا فدية عليه.
فصل
الثالث: تغطية الرأس: فمتى غطاه بعمامة، أو خرقة، أو قرطاس فيه دواء أو غيره، أو عصبه، أو طينه بطين أو حناء أو غيره فعليه الفدية، وإِن استظل بالمحمل ففيه روايتان، وإِن حمل على رأسه شيئاً أو نصب حياله ثوباً أو استظل بخيمة أو شجرة أو بيت فلا شيء عليه. وفي تغطية الوجه روايتان.
فصل
الرابع: لبس المخيط والخفين: إِلا أن لا يجد إِزاراً فليلبس السراويل (١)، أو نعلين فليلبس الخفين ولا يقطعهما ولا فدية عليه. ولا يعقد عليه منطقة ولا رداء ولا غيره إِلا إِزاره وهميانه الذي فيه نفقته إِذا لم يثبت إِلا بالعقد.
وإِن طرح على كتفيه قباء فعليه الفدية، وقال الخرقي لا فدية عليه إِلا أن يدخل يديه في كميه، ويتقلد بالسيف عند الضرورة.